بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية من كتاب إنباء الهصر بأنباء العصر
صدرت الطبعة الأولى من هذه المخطوطة محققة منذ أكثر من ثلاثين سنة، لقيت قبولا طيبا عند دارسى فترة القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) من علماء التاريخ فى مصر والعالم العربى ومن المستشرقين. وكان لإقبال هؤلاء جميعا أثر فى نفاذ تلك الطبعة مما حفّز الصديق الكريم الأستاذ سعيد عبد الفتاح إلى إعادة نشر الكتاب بعد تصحيح ما قد يكون فى الطبعة الأولى من مآخذ. وما العصمة إلا لله وحده.
فشكرا له وللسيدة أميمة على أحمد على ما بذلا من جهد فى إخراج هذا التحقيق على هذه الصورة.
وإننى لأرجو أن يجد القارئ فى هذه الطبعة الجديدة ما يفيده فى البحث.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،
مارس ٢٠٠١
حسن حبشى
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
تتناول هذه المخطوطة فترة يعتورها كثير من الفوضى ويغشى تاريخ مصر إبانها ضباب الأحداث بسبب قلة المصادر التى بين أيدينا عنها، ففى أعقاب هذه الفترة بالذات وفى أقل من نصف قرن من الزمان تخرج مصر من نطاق الدولة الحاكمة المستقلة ذات السيادة الخارجية والداخلية إلى نطاق الدولة المحكومة الخاضعة لآل عثمان، فتفقد استقلالها الداخلى ونشاطها السياسى فى الصعيد الدولى وإن لم يفقد أهلها روحهم وطبيعتهم ولم تتلاش الشخصية المصرية التى ظلت على طول المدى وتحت شتى الظروف وفى حالات النصر والنكسة على السواء هى هى دون أن يطرأ عليها تغيير أو اضمحلال، والتى ستتجلى فى أيام الحكم العثمانى ذاته زمن الحملة الفرنسية وفى عصر محمد على وما بعده فتبقى على وجه مصر العربى الإسلامى.
وربما كانت هذه النقلة الدامية من الاستقلال إلى الاحتلال ومن الحرية إلى التبعية كامنة بدرجة كبرى إذ ذاك - أعنى فى الوقت الذى تجرى إبانه أحداث هذه المخطوطة وما بعده - فى أحوال البلد الإدارية وظروفه الاقتصادية أكثر مما هى آتية من الخارج رغم بدء ظهور القوى الأوربية والاستعمارية ومحاولتها السيطرة على شواطئ أفريقية الشرقية واتجاهها إلى الهند والخليج العربى، ذلك أن التنظيمات الإدارية التى كانت قوية من قبل فى أكثر الأحيان اعتورها بعدئذ الوهن ودب فيها الانحلال، كما أن النظم الحربية
стр. 3
التى ألفناها طوال القرون المملوكية حتى عصر جقمق تقريبا: أعنى منتصف القرن التاسع الهجرى (أى الخامس عشر الميلادى) أقول لم تعد هذه النظم مرعية من جانب الحكام والسلاطين، وليس أدل على ذلك مما يسوقه ابن الصيرفى فى مخطوطته هذه - وهو شاهد عيان لتلك الأحداث كلها - من الإشارة أكثر من مرة إلى ما يمكن أن نطلق عليه «نطام الاستبدال» فى الجيش، فالجندى الذى يستطيع دفع قدر معين من المال للسلطان يعفى من أداء الخدمة الحربية لافى أيام السلم فحسب. بل وحين تكون البلاد فى حرب مع عدو خارجى يهدد هيبتها؛ ومن أمثلة هذا أن الحرب التى شنها شاه سوار كانت مثار تعب لمصر ولم يكن ثم جيش نظامى قادر تستطيع البلاد الاعتماد عليه، فعمد السلطان قايتباى إلى إحضار ثلاثة أقواس متفاوتة الصلابة وجلس ونودى إليه على المنزلين عنده بديوان المماليك وراح هو ذاته يختبرهم بإعطاء كل واحد منهم قوسا «فإن جذبه كتبه فى الحال إلى تجريدة شاه سوار وإن لم يجذبه أمره بحمل مائة دينار للخزائن الشريفة ليقوم بها عنه بديلا للتجريدة؛ هذا مع أن المفروض أن تكون هناك قوة دائمية أو ما يعبر عنها بالجيش النظامى لمواجهة مثل هذا الخطر أو الأخطار حتى وإن تعددت فى وقت واحد.
كما أنه لم تعد ثمت تدريبات مستمرة لهذه القوات الحربية، ولذلك فإنه حين يصبح لا مندوحة عن الحرب يعمد السلطان إلى اختبار الجند واختيار أقواهم ويرسلهم للحظته لمواجهة العدو، وهذا سر تحرك القوى الصغيرة على أطراف للملكة وكذلك نواب الحكم فى الولايات وعدم خشية أحدهم من رادع حربى، ولا شك أن هذا كله مهد الطريق وعبّده أمام القوة العثمانية التى كانت آخذة فى التوسع والامتداد.
стр. 4
وإذا خلينا القوة الحربية جانبا ألفينا الظلم الاجتماعى ممثلا بصورة بشعة لا يجدى إزاءها اعتذار ابن الصيرفى بعدم معرفة السلطان إياه وجهله به لا تجاهلا له ولا تهوينا من أمره، ثم هذه المحاولة العقيمة من جانب المؤلف فى الدفاع عن قايتباى وتبرئة ساحته وإلقائه اللوم على من حوله بحجة عدم إيقافهم إياه على ما ينزل بالشعب من الظلم والكوارث والمصادرات والسجن وغير ذلك من شرور الطغاة. يريد بذلك تبرئة ساحته أمام القارئ والتاريخ، كيلا يلومه أحدهما أو كلاهما فيما بعد.
وهذا دفاع أعرج مبتور عن تهاون مسئول هو راعى الرعية شرعا ووضعا:
إن كنت لا تدرى فتلك مصيبة … أو كنت تدرى فالمصيبة أعظم
على أن محاولة ابن الصيرفى الدفاع عن السلطان تشير فى حد ذاتها إلى أن هناك طغمة من كبار شخصيات الدولة لم يكن يعنيها إلا مصلحتها فأثرت بعد متربة، وغنيت بعد إملاق وتنفذت بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، ولكنها مازالت تطلب الزيادة فى الثروة والجاه حتى عن غير الطريق الشرعى.
ولم يكن المسئولون خلال هذه الفترة المتأخرة من تاريخ مصر المملوكية بالذين يراعون وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب، فنظر الدولة فى سنة ٨٧٣ هـ كان «بيد شخص عامى لحّام زفورى» ولم يكن هناك ما يؤهله لهذا المنصب الداخلى الخطير سوى قرابته من مقدم الدولة حينذاك، ولم يستطع ابن الصيرفى أن يجد مبررا لهذا التدهور الخطير فى إبكال المناصب لغير مستحقيها، بل إنه هو ذاته ينكر مثل هذا الأمر المعيب فيعلق عليه بقوله:
стр. 5
«والجنسية علة الضيم (١)». وهى عبارة قصيرة موجزة لكنها عميقة المعنى، أصاب بها الكاتب محزا لحقيقة وكبد الواقع ودل على موضع الداء.
وكذلك الحال حين سيقت وظيفة كاتب المماليك السلطانية إلى واحد اسمه عبد الكريم ابن جلود «وهو يومئذ أمرد لانبات بعارضه» وإنما أهّله لذلك عند السلطان مكافة أبيه لديه حتى وفاته (٢).
على أن هيبة الحاكم قد ضعفت بصورة ملحوظة نتيجة لهذه الأمور وأمثالها، فقد حدث أن هزم العسكر السلطانى الذى خرج تجريدة لشاه سوار فلم يتريث رجاله حتى يرد عليهم مرسوم قايتباى بما يراه ويقتضيه الصالح العام من البقاء حيث هم أو السفر إلى الشام، بل نراهم - صغيرهم وكبيرهم - قافلين إلى مصر، «وكان حضورهم بغير إذن السلطان وفى خفية منه وصاروا يقيمون بدورهم إلى أن تكامل حضورهم، فسكت قايتباى على مضض (٣)».
ولم يعد ثم من يعبأ بالأوامر حتى إن السلطان كان شديد الاهتمام بحفر خليج السدو وكل ذلك إلى اثنين من كبار الأمراء فلما نهضا إلى جمع المماليك لهذا العمل «امتنعوا عن ذلك ووقعت بينهم مخاصمات وضرب … حتى أصيب بعض الأمراء بضربة فى وجهه فشجته فى جبينه حتى سال الدم على وجهه».
وترتب على هذا أن فقدت السلطنة مكانتها المحترمة فى نفوس المماليك والأهالى، واستبدأ ولو الأمر وأصحاب الوظائف الكبرى بكل ما فى البلد من خيرات، وزادت الجامكيات بلا مبرر، وقلّ الدخل العام، ولم يعد فى قدرة
_________
(١) إنباء الهصر، ص ٦.
(٢) إنباء الهصر ص ٨.
(٣) إنباء الهصر ص ٨.
стр. 6
السلطان الوفاء بالمرتبات مما أزعجه غاية الإزعاج «وأخذ يدعو على نفسه ويقبرم من السلطنة ويصرح بالخلع ويقول: عجزت عن دفع هذا المال وحمله لأربابه فى كل شهر».
***
كذلك لم تمض الأحكام وفق نظام أو نظم معينة، وكان من المفروض فيها أن تكون سارية على القاعدة الشرعية، بل استبد أصحاب النفوذ بطبقات المجتمع، ويشير المؤلف إلى صورة من صور الفساد الذى استشرى حين تولى أحدهم حسبة القاهرة، فكان هذا الشخص «فى غاية الشماخة والترفع من أن يقف على سوقى أو وزان أو بياع … بل يحضر أعوانه له بمن لا يعطونهم المعلوم المعهود عندهم فيضربه … وأحكامه بالبخت والنصيب (١)» وأصبحت الأوقاف نهبا لذوى السلطة «وأكلها المباشرون (٢)»؛ ولقد ترتب على ذلك كله ظهور فئة استغلت الطبقات الشعبية ووظائفها السلطانية وأثرت من ورائها بغير حق، ويقول الصيرفى فى معرض كلامه عن أحد المحتسبين (٣): «إن رسله الذين من جهته صار كل واحد منهم بأقمشة حرير والصوف العال الغالى والبغال الخاصة المزينة والعبيد والجوارى الذين فى الخدمة، والنفقات التى ينفقها كل يوم من لحوم وأعسال ودقيق وغير ذلك، بعد أن كان الواحد منهم لا يملك غير قميص أو ملوطة».
هذه أمثلة مما تضمنه هذا الكتاب، الذى يصور ذلك العصر أجلى تصوير، وربما كانت بساطة ابن الصيرفى هى التى دعته - عن غير قصد - إلى رسم تلك
_________
(١) انباء الهصر ص ٤٢.
(٢) انباء الهصر ص ١٤١.
(٣) انباء الهصر ص ٢٠٤
стр. 7
الصورة، هذا على الرغم من أنه كان شديد التعصب للسلطان وللمقر الزينى ابن مزهر الأنصارى.
***
أما المؤلف فهو على بن داود بن إبراهيم الخطيب الجوهرى المعروف بالصيرفى عند البعض وبابن الصيرفى عند البعض الآخر، فقد كان أبوه صيرفى الدولة وديوان المفرد فى فترات متقطعة من عهد المؤيد شيخ وبرسباى ثم للسنوات الأخيرة من عهد زمن السلطان جقمق حتى مات سنة ٨٥٣ هـ، ولسنا نعرف الكثير عن الأب مما قد يساعد على إلقاء ضوء على الظروف التى نشأ فيها الابن سواء أكانت هذه الظروف اقتصادية «أم عائلية» وإن رجح الظن بأن هذه الأسرة لم تكن موفورة الثراء أو من كبار الأسر المصرية ذات الجاه والنفوذ، على أن لفظ «الصيرفى» أصبح لقبا للأب ولقبا للابن.
وكان الابن يتكسب فى بعض الأحيان بسوق الجوهريين بالقاهرة، وغير بعيد أن يكون أبوه - هو الآخر - قد احترف هذه المهنة إبان الفترات التى كان يصرف فيها عن وظيفة الصيرفة فى ديوان المفرد، ومن ثم اكتسب هذا اللفب - وأعنى به «الجوهرى» - حتى أصبح يعرف به هو وابنه.
وإذا كنا نكاد نجهل حياة الأب فإنه ليس بين أيدينا من المصادر ما نستطيع منه تكوين صورة واضحة المعالم والزوايا عن حياة الإبن على بن داود إذ ليس له من التراجم سوى ما ساقه السخاوى (١) فى كتاب الضوء اللامع من ترجمة قصيرة وقد امتلأت سطورها رغم قلتها بالنقد المرير: طبيعة ركبت فى السخاوى فلم ينج من هجوه وقدحه أحد من معاصريه - باستثناء شيخه ابن حجر العسقلانى
_________
(١) السخاوى: الضوء اللامع ٥/ ٧٣٨.
стр. 8
مما حمل السيوطى على نعته «بالمؤرخ الجارح»، وهو نعت يحمل من المعانى ما تترجم عنه كتابات السخاوى، ويقول عنه فى ترجمته إياه: «أكب على التاريخ فأفنى فيه عمره وأغرق منه عمله، وسلق فيه أعراض الناس، وملأه بمساوئ الخلق وكل ما رموا به إن صدقا وإن كذبا» (١)، ولو وضعنا هذه الاعتبارات فى ذهننا لكان لنا أن نأخذ ترجمة السخاوى لعلى ابن داود ونقده له بكثير من الحذر، ولسنا نعرف علة سخط صاحب الضوء عليه إلا إذا فسرناها بغيرته منه لصحبته لشيخهما ابن حجر، فالمعروف أن «الجوهرى» قرأ عليه شرحه للنخبة وكذا ديوان خطبه، هذا بالإضافة إلى ملازمته لمجالس إملائه، على أنه من الأمور الهامة فى هذه الناحية - وأعنى بها صحبته للعسقلانى - أن «ابن حجر صلى خلفه بجامع الظاهر»، ولا مشاحة فى أن هذا للوقف من ابن حجر تجاه الجوهرى قد رفع من مكانة الأخير فى أعين الطلاب والفقهاء ورجال العلم إذ ذاك، وكان خير تزكية من «أمير المؤمنين فى الحديث وشيخ الإسلام ابن حجر»، وإذ لم يكن فى استطاعة السخاوى إنكار صلاة ابن حجر خلف الصيرفى فقد عقب عليها بقوله: «إن ذلك عظم على كثيرين» وهى عبارة تصور - على قصرها - مكانة ابن حجر من ناحية ومبلغ كراهية السخاوى بل وازدراءه للجوهرى من ناحية أخرى.
ولكن إذا لم يكن بين أيدينا سوى هذه الترجمة السخاوية فكيف يتسنّى لنا إذن أن نصور الجوهرى صورة تكاد تقترب من الحقيقة؟
الواقع أننا نعتمد فى هذا أيضا على السخاوى، ثم على نتف مبعثرة فى ثنايا كتابى ابن الصيرفى وهما «إنباء الهصر بأبناء العصر» و «نزهة النفوس والأبدان» وإذا كان الفضل ما شهدت به الأعداء وجرت به أقلام الخصوم وأجراه الله على السنتهم فإن صاحب الضوء قد ألم بالكتب التى قرأها الخطيب الجوهرى
_________
(١) السيوطى، نظم العقيان، ص ١٥٢.
стр. 9
وببعض الشيوخ الذين تردد عليهم وحضر مجالس إملائهم وطالع مؤلفاتهم وأجازوا له قراءتها؛ ونستدل من ثبت ما قرأه أنه حفظ بعض الكتب فى النحو كالألفية والخزرجية، ثم جود فى القراءات على الزراتيتى الذى كان «شيخ القراءة فى عصره دون منازع»، وليس من شك فى أن الجوهرى سار على نهج كتّاب عصره وطلاب المعرفة والعلم إذ ذاك فعنى بدراسة أصول الدين، وحسبنا أن نذكر من بين أساتذته فى هذا الفن الأقصرائى إمام السلطان الأشرف برسباى مما يشرف به برسباى، فقد سمع الأمين الأقصرائى هذا على شيوخ عصره فى مكة والقاهرة ومصر، كما ضرب بسهم وافر فى جملة من العلوم النقلية والعقلية كالنحو والأصلين والتفسير والمعانى والبيان والمنطق والأصول، كما أن معجم شيوخه حافل بالمئات ممن نبه بهم القرن الثامن فى ختامه وكذلك القرن التاسع فى نصفه الأول، ويصفه أحد المؤرخين بقوله: «إنه انثال عليه الفضلاء من كل مذهب فأخذوا عنه وارتحل الناس إلى لقياه … وقصد بالفتاوى فى النوازل الكبار وغيرها، ونفع الله به فى ذلك كله … وبالجملة فقل أن ترى العيون فى مجموعه مثله، وللناس فيه جمال». كما وصفه صاحب نظم العقيان بقوله «انتهت إليه رياسة الحنفية فى عصره مع الدين المتين والصلاح المفرط
والقيام فى نصرة الدين وإبطال المظالم ومراجعة الملوك، وهم يعظمونه ويقبلون قوله».
على يد الأمين أبى زكريا الأقصرائى هذا درس الجوهرى وأجازه الشيخ وأثنى عليه، وليس الأفصرائى بالرجل الذى يرتجى الجدوى من تلميذه حتى يكون متهما، وإنما كان له من علمه ودينه وورعه وخلقه وعمق دراسته ما ينزه معه عن أن يكون فى تزكيته لابن الصيرفى راجيا رفدا، وإنما هو رجل قد رآى غير الجوهرى من طلاب التاريخ قد بالغوا كل المبالغة فى الثناء على أنفسهم
стр. 10
وراحوا ينكرون على من سواهم أن يكون ذا قدم راسخ فيه، ورآى هو فى الجوهرى رجلا قد تنوعت معارفه وقراءاته فأكبر هذه الناحية فيه ورشحه ليكون فى طليعة من أسهموا فى هذا المجال، ولكن السخاوى تجاهل ذلك كله فى الشيخ الأقصرائى وعرّض بالجوهرى، ولدينا نص صريح هو تقريظ بخط الأقصرائى ذاته، فقد علق على الجزء الثانى من نزهة النفوس والأبدان الذى وضعه ابن الصيرفى فى سيرة الرسول الكريم فقال إنه «نظر فى هذا المصنف البديع والعقد الفريد وتبصر واستفاد منه، وشكر مؤلفه حيث أنبأ ما عملته يداه بالاجتهاد ما فيه نفع لكافة العباد، جعله الله زادا لمعاده، ونشر علمه فى بلاده؛ من أقل عباد الله حرما، وأعظمهم جرما: يحيى بن محمد الأقصرائى الحنفى، عامله الله بلطفه الوفى الخفى، حامدا ومصليا ومسلما، وختم له وللمؤلف وللمسلمين بخير فى عافية بلا محنة» ويستفاد صراحة من كتابات الجوهرى أنه كان كثير الملازمة للكافيجى: محمد بن سليمان بن داود الرومى الحنفى، شديد الإعجاب به، وهو إعجاب التلميذ المقدر لأستاذه البارع، وربما تجلى هذا الإكبار فى أروع صوره فيما دونه عنه من إشارات وردت فى ثنايا كتابه «إنباء الهصر بأبناء العصر»، فما ترك الصيرفى اسم الكافيجى يمر دون أن يشيد به ويقدمه على من سواه، وإذا كان ابن حجر قد ملأ الأسماع فى النصف الأول من القرن التاسع للهجرة فقد شغل الكافيجى مايدانى هذه المنزلة فى النصف الثانى منه، فكانا شيخى العصر وإن اختلف ميدان كل منهما عن الآخر بعض الشئ، على أنهما تشابها فى ميدان الفقه والتاريخ.
والكافيجى نسبة إلى كافية ابن الحاجب لمداومته النظر فيها وقراءتها وإقرائها، ودفعه حب العلم إلى الرحلة من أجله، وكان قدومه إلى مصر زمن الأشرف برسباى ولقى ترحابا من علمائها وفقهائها كالسنباطى وابن حجر والبدر
стр. 11
وأثنى على ابن الصيرفى من رفاقه: عبد الرحمن بن يحيى السيرامى الحنفى المعروف بسيف السيرامى، القاهرى المولد والنشأة والتربية، وهو إن لم يكن فى منزلة أبيه إلا أن ملازمته إباه لا سيما فى العلوم العقلية أتاحت له فرصة أن يضرب فيها بسهم وافر، وقدّر أهل عصره مكانته فجعلوه يخلف أباه فى مشيخة البرقوقية وكان لا يشغلها إلا من أصاب حظا كبيرا من علوم عصره وشهد له بالتقدم، ولقد أثنى سيف الدين هذا على صاحبنا ابن الصيرفى فوصفه «بمتانة التركيب ورصانة الترتيب».
***
كان الجوهرى فقيرا لم تمكنه ظروف الحياة مما هيّأته لسواه من أن يكون دانيا من أصحاب السلطان والإمرة فى مصر المملوكية إلا بقدر ضئيل وفى وقت لم يعد فيه للكتابة التاريخية حظ كبير من الإعجاب والتقدير، وكان إلى جانب هذا معيلا كثير الأولاد قليل ذات اليد، فاضطرته هذه الظروف القاسية لأن يلتمس العيش من شتى السبل ما بين العمل فى وظيفة «المكس» ونسخ كتب غيره من معاصريه وسابقيهم، وكان ينسخ بعضها لنفسه وأكثرها للبيع لمعيشة أطفاله، وسنجد اختلافا واضحافى خطه فى نسخ هذين النوعين مما سنعرض له بعد قليل، كما أنه اشتغل فى بعض الأحيان بسوق الجوهر بين بالقاهرة، ولكنه كان اشتغالا غير موصول على الدوام وإن بدأ ذلك فى حياة أبيه والظاهر أنه لم يكن بالناجح فيه، وهو عمل ليس من شك كان لابد وأن يدر من الكسب والثراء على صاحبه ما يغنيه عن التماس العيش من طرق أخرى ويضمن له حياة مستقرة آمنة، لكن يبدو أنه قد أصابته حرفة الكتابة والتأليف فصرفته بعض الشئ عن الاهتمام بالعمل فى تجارة الجواهر التى حين أدرك فشله فيها انصرف عنها ويظهر لنا أيضا أن ماربحه فى هذا العمل قد ساعده على بناء «بعض الدور
стр. 12
العينى، وتنزل فى المدارس الكبرى كالبرقوقية وزاوية الأشرف شعبان، وتعددت تصانيفه وكثرت، ومن بينها «المختصر (١) فى علم التاريخ» الذى يبرز اتجاهه الفلسفى فى تعريف التاريخ وكتابته ومنهاجه، وإن سماه السخاوى (٢) بالمختصر المفيد فى علم التاريخ، وعده روزنتال «جديرا بالاعتبار لإصالة طريقته وجودة كتابته وهو يتبع النظام المألوف فى تعريف علمى يرجع إلى الفلسفة الأرسطو طالسية»، وربما أخذ عليه السخاوى عدم اعترافه لكبير أحد بالعلم وإن عده «علامة الدهر وأوحد العصر ونادرة الزمان وفخر هذا الوقت والأوان، الأستاذ فى الأصلين والتفسير والنحو والصرف والمعانى والبيان والمنطق والهيئة والحكمة والجدل والأكر والمرايا والمناظر مع مشاركة حسنة فى الفقه والطب»، وكانت وفاته ٨٧٩ هـ.
هذا هو الكافيجى الذى يقرظ تلميذه ابن الصيرفى فيثنى على ما كتبه فى السيرة النبوية ويصفه «بالتاريخ الفائق على الأقران» وأنه «أنس الصلحاء، حب الأكابر الكرام، مقبول قدوة الأنام»، ويصف كتابه فى ترجمة سيرة الرسول بأنه «قد اعترف بفضله وكماله وبحسن ترتيبه وجودة نظامه: الحاضر والبادى والدانى والقاصى، واغترف من بحره العذب الرحب الرائح والفادى
وأتى بأمر يحيى ذكره فى الآخرين أبد الآبدين» ويلاحظ أن هذا التقريظ من الكافيجى كان لابن الصيرفى وقد بلغ من العمر خمسين عاما، وهى سن اكتملت له عندها أسباب وقوفه على أرض صلبة فى مجال التأليف، فقد كانت هذه الكتابة فى سنة ٨٦٨ هـ.
_________
(١) نشره الأستاذ فرانز روز نتال فى كتابه A History of Muslim Historiograpby وترجمه للعربية الدكتور صالح أحمد العلى ونشرته مكتبة المثنى ببغداد سنة ١٩٦٣، أما «المختصر فى علم التاريخ» فقد ورد فى تلك الترجمة ص ٣١٧ - ٣٧٠.
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ٧/ ٦٥٥
стр. 13
بحكر الشامى»، وكان المفروض أن تضمن هذه الدور له ولأولاده حياة فيها شئ من الطمأنينة على رزقهم ومعاشهم، لكن بتضح من كلام السخاوى أنه قد «آل أمره إلى أن نفد غالب مامعه»، وأتت هذه البطون الجائعة على كل مالديه من متاع ومال ودور، فلم يجد بدا من النيابة فى القضاء للحنفية بمصر وكان قد بلغ إذ ذاك الثانية والخمسين من عمره، وكانت نيابته للقضاء عن محب الدين بن الشحنة المتوفى سنة ٨٩٠ هـ، وهو الذى وصفه ابن حجر فى إنباء الغمر «بالعلامة»، وسماه ابن خطيب الناصرية «بشيخنا شيخ الإسلام»، ونستدل من مطالعة كتاب «إنباء الهصر» أن ابن الشحنة كان كثير الاصطحاب للجوهرى فى صعوده - مع بقية قضاة قضاة المذاهب الأخرى ونوابهم - لتهنئة السلطان قايتباى بالأعياد، وأحيانا بأوائل بعض الشهور الكريمة كالمحرم ورجب وشعبان ورمضان.
على أنه يبدو أن ما كان يكسبه من أجر عن نيابة الحكم للقاضى الحنفى ابن الشحنة لم يكن يكفيه هو وأولاده، ولذلك نراه خلال هذه الفترة بالذات يجلس ببعض الحوانيت، «وصار يكتب الدرر أو الإنباء أو غيرهما من تصانيف ابن حجر وغيره» وذلك كما يقول السخاوى «ليرتفق» ويعيش؛ ولم يقف الجوهرى عند هذا الحد بل نراه ينسخ عدة من مؤلفات أبى المحاسن و «ذيل رفع الإصر» للسخاوى وغير ذلك من كتب هذه الفترة، ولسنا ندرى أكانت كتابته هذه النسخ لنفسه أم للبيع، وإن كان الأمر الثانى فى معظمها هو الأرجح، ولعلها كانت لطلبة العلم أو لأصحاب السلطة ولذوى الجاه والثراء وعشاق الكتب وأصحاب الخزائن، وليس فى ذلك ما يشينه فما هو إلا طريق شريف لرجل لم يكن له من مورد يستطيع به وحده أن يكفى هذه الأفواه العدة من أبنائه.
стр. 14
على أن لنا وقفة قصيرة عند هذه الناحية، ذلك أن النظر فى النسخ التى خطها الجوهرى بيده يبيّن لنا اختلاف بعضها عن بعض فى الرسم، ففى البعض ينطلق على سجيته فيكون خطه رديئا ونرجح أن هذه النسخ هى التى كتبها لنفسه، ويتجلى لنا ذلك فى نسخته الخاصة من كتابه «نزهة النفوس» وفى الجزء الثانى من «إنباء الغمر» لابن حجر الموجود فى مكتبة الأزهر بالقاهرة (١)، ومخطوطة أخرى هى مسودة كتاب ألفه عن الفترة الأخيرة من عصر قايتباى، وتعتبر تكملة وذيلا لمؤلفه «إنباء الهصر»، أما النسخ التى كان ينسخها للبيع أو لخزائن كتب البعض فكان ينمق فيها خطه رجاء وجود سوق نافقة لها، وحتى يقبل عليها المشترون.
***
ولابن الصيرفى عدة مؤلفات سلم بعضها من عاديات الزمن فوصلت إلينا - أو وصلت أجزاء منها - سالمة، أما البعض الآخر فلا نعرف مكان وجوده حتى الآن لخلو الفهارس المطبوعة من الإشارة إلى مظانها.
وله كتاب ضخم يعرف باسم «نزهة النفوس والأبدان فى تاريخ الزمان»، ألمّ فيه بتاريخ العرب والإسلام منذ الجاهلية وانتهى فيه إلى عهد السلطان جقمق، وقد قسمه إلى أجزاء حسب العصور، سمّى قسما منه «بالجوهرية» وهو خاص بالسيرة النبوية، وقد تعددت إشارته إلى ذلك العمل الضخم الذى يبدو أنه كان يعتبره أعظم ماقام به حيث غطى به تاريخ الإسلام والمسلمين؛ والكتاب مقسم
_________
(١) يقوم محقق هذا الكتاب بتحقيق كتابى «نزهة النفوس والأبدان» القسم الخاص بالدولة المملوكية المتأخرة» و «إنباء الغمر بأنباء العمر» ويقوم مركز تحقيق التراث بوزارة الثقافة بالجمهورية العربية المتحدة بنشر الكتاب الأول كما يقوم المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة بنشر الكتاب الثانى.
стр. 15
إلى أجزاء عدة أشار إلى بعضها، أما الجزء الأول منه فمفقود أو - على الأقل - غير معروف مكانه حتى الآن، وأما الثانى، فموجود بخط يده فى مكتبه رضا رامبور بالهند تحت رقم ٣٥٣٧، وهو فى سيرة الرسول الكريم، وبقع فى أربعمائة ورقة ومسطرته ٢١ سطرا، وتوجد منه صورة على فيلم بمكتبة معهد المخطوطات العربية التابع للجامعة العربية بالقاهرة تحت رقم ١٢٨٤، وقد انتهى فيه ابن الصيرفى إلى نهاية حياة الرسول، ثم يتلوه جزء آخر عن الخلفاء الراشدين، نستدل على هذا من قوله فى ختامه: «أكمل الجزء الثانى من كتاب نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ أهل الزمان، على يد مؤلفه عام سبع وستين وثمانمائة من الهجرة النبوية، ويتلوه إن شاء الله تعالى فى أول الجزء الثالث ذكر الخلافة وأيام الراشدين».
ولقد عرض الجوهرى جزءه هذا الخاص بالسيرة النبوية الطاهرة على طائفة من أبرز رجال عصره لا سيما فى ميدان التاريخ فطالعوه وأثنوا عليه ومنهم - كما أشرنا - محيى الدين الكافيجى والسيرامى وابن تغرى بردى والأمين الأقصرائى وغيرهم، فنظروا فيه النظرة الجديرة بكل كلمة تقال عمن تضمنه.
وقد فقدت الأجزاء التى تلت كتابه عن حياة الرسول العربى الكريم ولكن وصل إلينا منها الجزء الخاص بدولة الجرا كسة فى مصر، والذى نقوم بنشره حاليا فى أجزائه الأربعة باسم «نزهة النفوس والأبدان، فى تاريخ الزمان» والذى صدر منه الجزء الأول المتضمن أحداث عهد السلطان برقوق ووفياته أى منذسنة ٨٤ حتى ٨٠١ هـ.
***
بقيت ملاحظة أخيرة عن أسلوب الكاتب، فالمعروف أنه درس فى كبره
стр. 16
على أيدى الكثيرين من علماء عصره، أما فى طفولته ومستهل حياته فلا نكاد نقف على ذكر لمثل هؤلاء فيمن كان يختلف إليهم ابن الصيرفى، وربما كان لفقر أبيه دخل فى هذه المسألة وفى التقصير فى إتاحة الفرصة للصغير فى أن يتلقى من العلوم ما يتهيأ لمثل من كان فى سنه إذ ذك من أبناء ذوى الثروة والجاه ومن لديهم فضلة من المال ولهم حظ من الثروة والغنى، فلم يحد الأب لديه من المال ما يساعده على أن يهيئ لابنه علىّ فراغا يقرأ فيه الكثير من علوم اللغة وأصولها، ولكن يبدو أن الجوهرى الفتى أخذ نفسه بالدرس والتحصيل ما وسعه الجهد وإن يكن على غير خطة مرسومة، وأنه كافح فى سبيل لقمة العيش لنفسه أوّلا ثم لنفسه وأولاده فيما بعد معا كفاحا استلزم منه أن يقضى وقته فيما بين نظر فى كتب التاريخ يستوعبها إشباعا لرغبته، أو ينسخها للارتزاق.
ولقد انعكست قلة محصوله اللغوى فى أسلوبه فلم يستقم كما ينبغى أن يكون، ولم يستطع هو أن يرقى إلى مستوى أمثال ابن حجر والمقريزى والعينى، وعجز عن أن يجارى فى الأسلوب آخرين كالسخاوى والسيوطى.
وهو فى كتابته أقرب فى كثير من الأحيان إلى المصرية الدارجة، فإن أعوزه اللفظ الفصيح بادر إلى استعمال الدارج المألوف، بل وربما اشتق منه ما يحاول به شرح مقصوده، وهذه ظاهرة جديدة بالدراسة عند هذا المؤرخ حاول تقليده فيها - وربما عن غير قصد - ابن إباس، لكن لم يتأتّ لابن الصير فى السير إلى نهاية الشوط.
ومع استعمال ابن الصيرفى لكثير من الألفاظ العامية وكثرة لحنه وتصحيفه إلاّ أنه كان - على ما يبدو - لا يرى فى نفسه إلاّ مالكا لمقاليد اللغة والكتابة، يتمثل هذا فى نقده الشديد لأسلوب ابن تغرى بردى صاحب
стр. 17
كتابى النجوم الزاهرة والمنهل الصافى وغيرهما من أمهات المصادر التاريخية، فهو يقول عنه: «إنه عامى داص … بكتب كتابة ما تصدر عن صغار الكتاب المتعلمين من تصحيف وزيادة فى الأحرف ونقص ولحن مفرط، حتى إن الضّاد الساقط يكتبها منشالة وضد دلك»، وهذه العبارة على قصرها لا تستطيع الصمود أمام النقد لما فيها من خطأ فى التعبير؛ على أننالو عضضنا الطرف عن ذلك فإن مثل هذا النقد ربما كان مقبولا لو أنه صدر عن رجل غير ابن الصيرفى، وقد نقبله إلى حد ما حين يقول رجل كالسخاوى فى وصف أحد مؤلفات ابن تغرى بردى إن فيه «الوهم الكثير والخلط الغزير»، أما أن يقوله ابن الصيرفى فمكابرة ومغالطة وكان أحرى به أن يعتصم بالصمت فى هذا المجال فما هو من فرسانه، ذلك أنه هو نفسه كثير الأخطاء النحوية واللغوية، وفى أسلوبه - حين يحاول الفصحى التامة - بعض - إن لم يكن كثير - من الغموض، ولقد أشرنا فى الحواشى إلى بعض أخطائه التى صححناها فى المتن، ومنها كلها نستدل على ما يمكن أن يغمز به من هذه الناحية، وأنّه آخر من يحقّ له أن يضع نفسه من أبى المحاسن موضع الناقدمن المنقود والأستاذ من التلميذ فى هذا الباب، وغاية ما يمكن أن يقال عن ابن الصيرفى - كما أشرنا - إن أسلوبه هو بداية أسلوب الكتابة التاريخية التى أخذت فى الظهور بصورة جلية فى مصر وللتى يمثلها ابن إياس الحنفى الذى يكاد يكون عامى العبارة كثير الأخطاء اللغوية، وهذا الضرب من تدهور الكتابة التاريخية يظهر بتوسعه فى استعمال اللهجة المحلية الدارجة بقواعدها الشاذة واشتقاقاتها وتراكيبها ومصطلحاتها التى تكاد تجعل منها لغة غريبة عن الفصحى فى الربع الأخير من القرن التاسع الهجرى فى مصر على وجه الخصوص قبل الاحتلال العثمانى، الذى وجد السبيل أمامه ميسرة فى زيادة الاضطراب اللغوى، وإن كانت مقومات العربية الفصحى وحفظ القرآن وروايته الحديث - حتى فى عهود الضعف - حافظت
стр. 18
على لغة الضاد من أن تتلاشى ومن أن تفسح المجال للتركية لغة المحتل.
لكن رغم هذه الأخطاء فإن كلا من إنباء الهصر لابن الصيرفى وبدائع الزهور لابن إياس يعد مصدرا هاما من مصادر التاريخ المصرى فى تلك الحقبة الأخيرة قبيل الغزو العثمانى لمصر، ولكنهما من حيث المادة التاريخية مكمّلان لأبى المحاسن.
***
أما المخطوطة التى ننشرها اليوم وهى: «إنباء الهصر بأبناء العصر»، فموجودة أصلا فى المكتبة الأهلية بباريس ومنها صور فوتو غرافية بالمكتبة التيمورية بالقاهرة تحت رقم ٢٢٨٥ تاريخ كما توجد منها صورة على فيلم بمكتبة معهد المخطوطات العربية بالجامعة العربية بالقاهرة تحت رقم ٦٦، أما المخطوطة فتقع فى ٢٠٨ ورقة، وخطها نسخ واضح لكن يكثر فيه الخطأ والتصحيف، ولقد زاد من صعوبة تصحيح مثل هذه الأخطاء عدم وجود نسخة أخرى منها للمقارنة والاستنباط. يضاف إلى هذا أن هذه النسخة غير كاملة فقد ضاعت منها الأحداث الأخيرة من سنة ٨٧٧ هـ حتى أوائل أحداث ٨٨٥ التى لم يصلنا من وفياتها سوى ترجمة إبراهيم البقاعى، بل إن هذه الترجمة فى ذاتها لم تسلم من ضياع بقيتها مع بقية وفيات تلك السنة وأوائل العام التالى له الذى لم يصلنا منه سوى جزء من شهر صفر.
***
وقد يبدو فى العنوان شئ من الغرابة، ولم نستطع الوصول إلى علة تسميته هذا التاريخ بهذا الاسم إلاّ أن يكون «الهصر» تحريفا أو اشتقاقا من جانب المؤلف لكلمة «الهصر بمعنى الأسد» ويقصد به السلطان قايتباى الذى تفيض صفحات الكتاب بالتغنّى به والإشادة بحكمته وسياسته ودينه، ويبدو لنا أن
стр. 19
ابن الصيرفى أراد أن يجعل لنفسه ذكرى فنهج منهج ابن حجر العسقلانى فى تسمية تاريخه «بإنباء الهصر بأنباء العصر» كما أنه جعل مفتتحه سنة ٨٧٣، كما جعل ابن حجر مستهل تاريخه عام ٧٧٣، ولكن الذى دعى ابن حجر لذلك هو أنه أراد أن يضع تاريخا منذ «مولده»، وإلاّ فلو أن الجوهرى أراد أن يجعل هذه المخطوطة لتاريخ السلطان قايتباى لوجب عليه أن يرجع إلى الوراء سنة فيحمل بدابتها ٨٧٢ وهى سنة توليه الحكم. أما خاتمة المخطوطة فلا نستطيع أن نجزم فيها بشئ نظرا لعدم العثور حتى الآن عليها، كما أن السخاوى لم يشر إلى اسم هذه المخطوطة، وعلى ذلك يبقى سبب ابن الصيرفى فى وضعه هذا الكتاب على هذه الصورة الحالية سرّ لعل الأيام تكشفه فلستطيع الحكم عليه.
***
وبعد فإننى أشكر تلاميذى السيد/عبد العظيم خطاب الذى قام بعمل الكشافين، وكذلك السيدين/أحمد مصطفى عبد السلام وجمال جرجس يوسف فقد قام أولهما بنسخ القسم الأكبر من المخطوطة كما قام الثانى بمراجعتها معى على الأصل أثناء الطبع، والسلام.
القاهرة فى
٢٥ شعبان ١٣٨٩
٦ نوفمبر ١٩٦٩
حسن حبشى
стр. 20
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم أعن والطف يا كريم
سنة ثلاث وسبعين وثمانى مائة
أهلّت هذه السنة والخليفة المستنجد بالله أبو المظفر يوسف (١) العباسى - دام شرفه - وليس له فى الخلافة إلا الإسم وهو مقيم بالحوش السلطانى من قلعة الجبل (٢) بسكن الملك المنصور (٣) عثمان بن الظاهر جقمق فى حياة والده لما كان سلطانا، ويجرى عليه من المأ كل والمشرب ما يليق به كفافا.
والسلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى (٤) عز نصره، وهو المحمودى الأشرفى ثم الظاهرى، خلد الله ملكه.
وقاضى القضاة الشافعى الولى الأسيوطى (٥)، والحنفى قاضى القضاة
стр. 21
محب الدين بن الشحنة (١)، والمالكى السيد الشريف قاضى القضاة حسام الدين ابن حريز (٢) المنفلوطى، والحنبلى (٣) قاضى القضاة عز الدين أحمد العسقلانى.
وأتابك العساكر المنصورة جانبك الإينالى الأشرفى برسباى المشهور بقلقسيز (٤) وهو مأسور عند شاه (٥) سوار، وقد قرّر عليه أربعة وثلاثين ألف دينار بعد القبض عليه ليفتدى نفسه بذلك من القتل. وإمرة سلاح شاغرة من حين قتل صاحبها بردبك (٦) هجين الظاهرى جقمق فى وقعة شاه سوار المذكور.
وأمير مجلس قرقماس الجلب (٧) الأشرفى برسباى.
والأمير (أمير آخور) (٨) الكبير جانبك (٩) من ططخ المشهور بالفقيه الظاهرى؛ ووظيفة رأس نوبة النوب شاغرة أيضا من حين قتل نانق (١٠)
стр. 22
الأحمدى - بل المحمدى الظاهرى جقمق - فى وقعة شاه سوار.
وحاجب الحجاب تمر (١) من محمود شاه الظاهرى جقمق وهو ضعيف بالبلاد الشامية من حين توجهه لقتال شاه سوار صحبة التجريدة.
وعظيم الدولة ومشيرها ومدبرها وصاحب حلها وعقدها يشبك (٢) من مهدى أمير دوادارها الكبير وهو مقيم بالقاهرة؛ و [أما] بقية الأمراء الألوف فهم سودون (٣) القصر وهى، ولا جين (٤) الظاهرى فى تجريدة البحيرة، وسودون الأفرم الظاهرى [جقمق] (٥)، وتنبك المعلم الأشرفى (٦) برسباى وهو مسافر أمير الحاج فى هذه السنة، وقراجا (٧) الطويل الأعرج الأشرفى إينال، وأزدمر الطويل الإبراهيمى الإينالى (٨) وجملتهم أربعة عشر مقدما، وكانوا فى دولة الملك الناصر محمد بن قلاون (٩) أربعة وعشرين مقدما، فعجزوا عشرة.
لكن تقدمة الوزير وتقدمة الأستادار وما أضيف من التقادم زيادة الأمراء الأكابر أرباب الوظائف من الأمراء الطبلخانات والعشرات فهم: برقوق (١٠) الناصرى الظاهرى شاد الشراب خاناه على إمرة طلبخاناة، وتغرى بردى ططر (١١) الظاهرى جقمق نائب قلعة الجبل على إمرة عشرة، [و] فارس (١٢) السيفى
стр. 23
دولات باى زرد كاشا على إمرة عشرة، [و] برسباى (١) قرا الظاهرى جقمق خازندارا على إمرة عشرة، [و] يشبك (٢) الإسحاق المعروف بيشبك جن أمير آخور ثانيا على إمرة عشرة، [و] برسباى السيفى (٣) يونس الدوادار أستادار الصحبة وهو على إمرة عشرة، [و] جكم (٤) الظاهرى خشقدم حاجبا ثانيا على إمرة طبلخاناه، [و] الدوادار الثانى قان (٥) بردى الأشرفى إينال على إمرة عشرة، [و] والى القاهرة - أعنى صاحب الشرطة - قانباى (٦) الحسنى الأشرفى إينال على إمرة عشرة، [و] قانضوه الأحمدى المعروف بالخسيف (٧) الأشرفى إينال إمرة عشرة، [و] نقيب الجيوش المنصورة الناصرى محمد بن أبى الفرج الزمام، والخازندار (٨) صفى الدين جوهر (٩) التركمانى الهندى، [و] مثقال الظاهرى الحبشى مقدّم المماليك (١٠) السلطانية، ونائبه خالص (١١) التكرورى.
مباشر والدولة وأركانها: المقر الأشرف الكريم العالى المفوهى الزينى رئيس الدنيا ابن مزهر (١٢) الأنصارى الشافعى كاتب السر الشريف حفظه الله
стр. 24
المقر الكمالى (١) ابن الرحوم الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم ناظر الجيش، وهو بلا لحية فى وجهه، وسنه دون العشرين عاما.
ووزير الديار الصرية الحاج محمد (٢) الأهناسى الذى كان مقدم الدولة فى دولة الملك الظاهر جقمق.
الأستادارية: بيد شرف الدين موسى (٣) بن كاتب غريب الذى كان مستوفى الجهات فى أيام الصاحب أمين الدين إبراهيم (٤) بن الهيصم فى دولة الملك الظاهر جقمق ﵀.
نظر الخاص: بيد القاضى تاج الدين عبد الله بن المقسى (٥).
وكالة بيت المال ونظر الكسوة والمشاركة فى تدبير المملكة: بيد القاضى شرف الدين التتائى (٦) الأنصارى.
نيابة كتابة السر: بيد القاضى نور الدين الإنبابى (٧).
نظر الخزانة: باسم الجناب الزينى عبد القادر (٨) بن الجيعان وليس له فيها إلا مجرد الاسم، وصاحب الكلمة النافذة والمعول عليه عمه الجناب العلمى
стр. 25
شاكر، و [أما] ولده القاضى تاج الدين عبد الغنى فهو المباشر لها والكاتب لجميع تعلقاتها.
نظر الإصطبل السلطانى: بيد القاصى شرف الدين يحيى بن البقرى (١).
نظر الدولة: بيد شخص عامى لحام (٢) زفورى كان مقدّم الدولة فى وزارة البباوى وهو صهره، والجنسية علة الضيم؛ وكتابة بالمماليك شاغرة بعد موت القاضى علم الدين أبى الفضل بن جلود (٣) وكذلك نظر الديوان المقرر (٤) بالشرح.
النواب بالبلاد الشامية:
أزيك (٥) من ططخ الظاهرى نائب، دمشق، [و] بردبك (٦) الفارسى البجمقدار الظاهرى نائب حلب، [و] إينال (٧) الأشقر الظاهرى نائب طرابلس، [و] الناصرى محمد بن مبارك (٨) نائب حماه، [و] جكم الأشرفى (٩) خال العزيز يوسف بن الأشرف - نائب صفد، [و] أرغون شاه الأشرفى برسباى نائب (١٠) غزة، [و] تغرى بردى بن يونس نائب ملطية، [و] قانصوه اليحياوى نائب (١١) الإسكندرية.
стр. 26
نيابة الوجه القبلى مضافة لعظيم الدولة المقر الأشرف الكريم العالى يشبك (١) من مهدى الدوادار الكبير عز نصره، وهو ينعم بها على من شاء من أخصائه ومماليكه.
نيابة الرهابيد صاحب (٢) ديار بكر.
فعدة هؤلاء النواب عشرة، يدعى كل واحد منهم بملك الأمراء على حكم القواعد السالفة، و [أما] ما عداهم من نواب البلاد والقلاع فلا يطلق عليهم هذا الاسم الذى هو «ملك الأمراء»، ولا يطلقه عليهم إلا من لم يعرف المصطلح.
و [أما] أمير الحجاز وصاحب مكة فهو السيد الشريف محمد بن بركات الحسنى (٣).
و [أما] صاحب المدينة الشريفة فهو الشريف (٤) [ضغيم بن خشرم بن ثابت] الحسينى.
وصاحب الينبوع السيد الشريف خنافر (٥).
وملوك المشرق قدمنا ذكرهم وسردهم فى العام الماضى، ما خلا ألقان جهان شاه [بن قرا يوسف (٦)] ملك العراقين فهلك، وولى عوضه حسن على أو على حسن، هكذا الاسمان عليه.
المحرم
أهلّ بالخميس (٧).
وفيه صعد (٨) قضاة القضاة للقلعة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة، وكنت فى خدمة قاضى الحنيفة، وقرءوا الفاتحة ودعوا وأرادوا
стр. 27
الانصراف، فأمرهم السلطان بالجلوس بحضرته هيئة عقد مجلس، وسألهم فى مباشرة بيع مماليك الظاهر خشقدم ﵀، فاشترى نصره الله زيادة على خمسمائة مملوك، بعد أن أقاموا وصياعن الظاهر.
واشترى الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - نصره الله - كل نفر منهم بعشرة آلاف درهم (١) وصاروا مماليكه. وقال الجمالى يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه «الحوادث» عند ذكر هذه الواقعة «وهذا شراء لا يعبأ [به] الله، وما عرف معنى هذا».
وفى هذا اليوم المذكور خلع على أرغون شاه نائب غزة خلعة السفر، وتوجه لكفالته بغزة المحروسة.
وفى ثالثه - الذى هو السبت - خلع على عبد الكريم (٢) بن أبى الفضل بن جلود، واستقرّ فى وظيفة كتابة المماليك السلطانية عوضا عن والده بحكم وفاته، وهو يومئذ أمرد لانبات بعارضيه؛ وهو فى غاية العرفان والذكاء والحذق فى هذه الوظيفة.
وفى الإثنين خامسه وصل الخبر من نائب دمشق بالقبض على محمد بن عجلان (٣) البدوى الخارج عن الطاعة، وسجن بقلعة دمشق.
وفى هذه الأيام تداول حضور المماليك السلطانية الذين كانوا توجهوا للتجريدة لقتال شاه سوار بعد كسرتهم الشنيعة وما قفل منهم من الأمراء
стр. 28
والمماليك وغيرهم، وحضورهم بغير إذن السلطان إلى القاهرة فى خفية منه، وصاروا يقيمون بدورهم إلى أن تكامل حضورهم، وبلغ السلطان - نصره الله - ذلك فسكت على مضض، وكان قبل هذا التاريخ ورد الخبر إلى القاهرة المحروسة بأن الكفيلى أزبك نائب دمشق وصل إليها وصحبته الأمير تمر حاجب الحجاب هو وبقية الأمراء المصريين بغير طائل؛ فما شاء الله كان.
وفى ثامنه الذى هو الخميس برزت المراسيم الشريفة بكتابة مراسيم شريفة بحضور المقر الأشرف الكفيلى أزبك نائب الشام منها وصحبته من بقى من الأمراء المصريين والمماليك السلطانية، وتوجه بالمرسوم تغرى بردى الأرمنى الخاصكى.
وفى ليلة سفر صباحبها عن الأحد حادى عشره سافر الأمير أزدمر الأشرفى - أحد الأمراء العشرات - وعلى يده مرسوم شريف بالقبض على تنبك (١) المعلم الأشرفى أمير حاج المحمل، وأن يتوجه به إلى القدس الشريف بطالا لأمر اقتضاه رأى السلطان وحقده عليه قديما.
وفى هذا اليوم المذكور ركب السلطان من القلعة وسار حتى وصل إلى خليج (٢) السد، فوجده لم يحفر؛ فاحتد السلطان وغضب، ورسم لعظيم الدولة وصاحب حلها وعقدها الأمير يشبك من مهدى الدوادار الكبير أن يباشر ذلك بنفسه، فتوجه فى الحال وفى خدمته خلائق من الناس، واهتم بأمره غاية الاهتمام بحيث إنه عمل فيه بنفسه، وأمر جماعة بالعمل فيه.
وكثر فى هذه الأيام فساد العربان على غالب البلاد القبلية والبحرية حتى أخربوها وكذلك غالب البحيرة، وذلك لاشتغال السلطان بتجهيز العساكر وتكفيتهم بالنفقة لأجل شاه سوار، وبسبب ذلك صار لا يلتفت إلى مصالح
стр. 29
البلاد والعباد وهو معذور، غير أن الناس تعجبوا من السلطان لاهتمامه بهذا الجسر هذا الاهتمام العظيم، ويكفيك أن من عظم الاهتمام بعمل هذا الجسر المذكور [أنّه] اختار لهذا الجسر الأمير سودون القصروهى (١) والامير لاجين الظاهرى (٢)، وكلاهما أمير مائة ومقدم ألف وصحبتهما (٣) جمع كبير من المماليك وغيرهم، فراوداهم - أعنى من معهما - أن يعملوا فامتنعوا من ذلك، فوقع بينهم مخاصمات وضرب، حتى لقد أصيب بعض الأمراء بضربة فى وجهه فشجّته فى جبينه حتى سال الدم على وجهه.
وفى ليلة الخميس خامس عشره خسف جميع جرم القمر بالقرب من عقدة الرأس، وهو فى الدرجة الحادية والعشرين من برج الدلو، وابتدأ به الخسوف على مضى سبع ساعات ونصف ساعة من الليلة المذكورة، وكان انتهاؤه من ناحية الشرق للجنوب، وتم خسوفه عند انتهائه واستغرق جرمه فى السواد على مضى ثمانى ساعات وثلث ساعة ودقيقة، وانجلى انجلاء تاما بعد شروق الشمس بأربع درجات، وكان لونه فى وسط خسوفه أسود تعلوه خضرة، ثم تغيّر إلى لون مركّب بين السواد والخضرة والصفرة. انتهى.
فائدة: سأل شخص ناصر الدين محمد الأسدى الهيولى: «هل يمكن خسوف القمر فى ليلة الرابع عشر أم لا» فأجاب: «قد جرت العادة أن القمر لا يخسف إلا عند تمام نوره وكماله وإبداره ولكن على التمام والكمال منوط بأربعة أيام من كل شهر، وهو الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، وتارة يكون التمام نهارا وتارة يكون ليلا، فإن توسّط سيره تبع الكمال فى ليلة الرابع عشر أو فى الرابع عشر نهارا وفى ليلة الخامس عشر، وإن أبطأ
стр. 30
مسيره فربما بتأخر إلى ليلة السادس عشر وهو الأكثر». انتهت.
وفى يوم الجمعة سادس عشره الموافق الثانى عشر مسرى القبطى أو فى النيل ستة عشر ذراعا، وزاد إصبعين من الذراع السابع عشر، فرسم للأمير قرقماس الجلب الأشرفى (١) - أمير مجلس - أن يتوجه لتخليق المقياس وفتح خليج السد على العادة فى كل سنة، فتوجه وفى خدمته عدة من خجداشيته وأعوانه وفعل ما أمر به، وخلع على والى القاهرة ومصر ومعرّفى (٢) المراكب والرؤساء ومن له عادة، وصعد للسلطان فخلع عليه فوقانيا بوجهين بطراز زركش عريض، وقيد له فرسا بسرج ذهب وكنبوش وزركش، وتوجه لداره.
وفى يوم الخميس ثانى عشريه وصل أمير حاج الركب الأول وهو الأمير تنبك الأشقر الأشرفى وصحبته الحاج، وخلع السلطان عليه عادته.
ومن العد وصل المحمل جميعه بغير أمير حاج، فإن تنبك المعلم أميره تقدم توجّهه إلى القدس بطالا قبل تاريخه صحبة أزدمر أحد الأمراء العشرات.
وفى يوم الأربعاء ثامن عشريه قدم الأمير زين الدين عبد الرحمن (٣) ابن الكويز من بلاد الروم وصعد القلعة من الغد، وتمثل (٤) بين يدى السلطان فخلع عليه خلعة كاملية سمور بمقلب سمور بعد أن أكرمه وترحب (٥) به.
وكان توجهه لبلاد الروم هاربا مما وقع عليه من الظلم فى دولة الظاهر
стр. 31
خشقدم وتولية بلباى ثم تولية تمر بغا ثم سلطنة الملك الأشرف أبى النصر قايتباى عز نصره، فبادر وحضر وأظهر شكرا عميقا وفضلا جزيلا وسيما وأمرا عظيما لمتملك بلاد الروم، نصره الله وأعز به الدّين. آمين.
وفى هذه الأيام حضر قاصد حسن بك بن على بك بن قرايلك صاحب ديار بكر إلى القاهرة وعلى يده هدية من مرسله لكنها هيّنة كما هى عادة أمراء التركمان، فقبل السلطان هديته وترحب به وأكرمه، وسبب ذلك لما بلغه سلطنة السلطان أظهر السرور والفرح بسلطنة سلطان مصر، وأرسل يترفق له له ويحلف أنه على طاعته وعبوديته وممتثل لأوامره، وأمثال ذلك، والحمد لله مالك الممالك.
شهر صفر الأغر الميمون المبارك
أهل بالسبت لأن المحرم جاء تماما.
فيه انتشر الطاعون بالثغر السكندرى وأعماله.
وفى ثانيه الذى هو الأحد ركب السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - من قلعة الجبل وفى خدمته الأمراء (١) والخاصكية بغير قماش الموكب، وتوجه إلى جهة العدوية (٢)، فوجد قد نصب له بها خام عظيم بجوار زاوية الشيخ الرفاعى على شاطئ النيل، ولما قارب السلطان المكان المذكور نزع سلاريه وعباءة فرسه وأطلق لها العنان فسارت به غارة، وصحبته أعيان عسكره حتى وصل إلى المعيصرة فى مشوار واحد، وعاد إلى مخيمه بالعدوية فنزل به ومد له السماط فأكل هو والأمراء، واستمر به إلى بعد الظهر قدم له مدة أخرى من البطيخ والأجبان والمخللات شيئا كثيرا بحيث إنه كفى العسكر
стр. 32
وفضل منه أشياء كثيرة، وعاد إلى القلعة فوصلها قبيل العصر.
وفى يوم الخميس سادسه خلع على بلباى الظاهرى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة واستقر به فى نيابة الإسكندرية (١) عوضا من الأميرقا نصوه اليحياوى بعد عزله عنها قبل تاريخه وقدومه القاهرة ليستقر فى نيابة طرابلس.
وفى السبت ثامنه برز المرسوم الشريف لوالى القاهرة بالنداء فى القاهرة ومصر أن الفلوس الجدد كل رطل بأربعة وعشرين درهما. (٢)
وفى الإثنين عاشره ورد الخبر من دمياط بوفاة الأمير مغلباى (٣) طاز الأبو بكرى المؤيدى بها فى يوم الخميس سادسه، وحضرت رمته إلى القاهرة فدفنت بالصحراء وسيأتى ذكره (٤) فى الوفيات على العادة.
(ا) وفى هذا اليوم (٥) نودى بالقاهرة وظواهرها حسب المرسوم الشريف أن الإردب القمح بأربعمائة درهم، وهددوا من باع بأكثر من ذلك، فلم يكترث أحد بهذه المناداة، وأن القمح كان وصل إلى ستمائة درهم الأردب، والشعير إلى ثلثمائة، والفول إلى مائتى (٦) درهم، فأصبح سعر القمح بعد المناداة إلى سبعمائة الإردب، وكذلك الشعير والفول، وسبب ذلك أن البحر كان توقف عن الزيادة من يوم الثلاثاء رابع صفر الموافق لآخر مسرى (٧) أياما كثيرة، فقلق الناس من عدم الزيادة وحصل عندهم هلع وجزع، ثم جاءت الزيادة فامتنع الناس
стр. 33
من بيع القمح والناس محتاجون له، فزاد سعره، ثم زاد البحر بعد ذلك ووفى ما كان نقصه، فلله الحمد.
وفى يوم الخميس العشرين من تاريخه قدم المقر الأشرف الكفيلى أزبك نائب الشام إلى الديار المصرية وصعد القلعة وتمثل بين يدى السلطان - نصره الله - فرحّب به وأكرمه وخلع عليه بوظيفة الإمرة الكبرى (١)، واستقر به أتابك العساكر المنصورة عوضا عن جانبك الإينالى قلقسيز الأشرفى برسباى بحكم القبض عليه عند شاه سوار، وتمنّع الأمير أزبك من الدخول فى الوظيفة تمنّعا زائدا كون صاحب الوظيفة فى قيد الحياة، ثم لبس بعد ذلك، فشق ذلك فى الباطن على السلطان كونه أرضى العسكر بمراعاة جانبك هذا؛ وكان لقدوم الأمير أزبك المذكور يوم مشهود (٢) لم يشهد مثله إلا فى النادر، فإن أعيان المملكة وأمراءها وأماثلها وكبراءها احتفلوا به ولا قوه إلى قطيا (٣) وما فوقها ومادونها.
وكان الأمير أزبك وصل إلى خانقاه سرياقوس (٤) يوم الثلاثاء، ثم جاء فى يوم الأربعاء إلى الريدانية (٥) خارج القاهرة فبلغ السلطان ذلك، فنزل إليه محتفيا فى نحو عشرة أنفس وسلم عليه، فابتهج به غاية الابتهاج وجلس عنده ساعة طويلة.
стр. 34
وفى هذا اليوم الذى هو العشرون (١) من شهر تاريخه ويوافقه ثامن عشر توت القبطى فتح جسر بنى منجا (٢) والبحر يومئذ فى ثمانية عشر ذراعا وإثنى عشر إصبعا إن صدق الأمين، وهو نهاية زيادة النيل فى هذه السنة، وليته ثبت بل نقص نقصا فاحشا، ولا زال ينقص إلى أن انكشف.
وحصل فى زيادة هذا النيل غريبة هى أن أرباب التقويم أجمعوا أن البحر يعلو إلى أن يصل إلى زيادة عن تسعة عشر ذراعا وكذلك مراد خوس لماقيست فى يوم عيد ميكاييل جاءت عشرين ذراعا فأخطئوا أجمعين (٣)، وجاء الأمر بخلاف ما قالوا، فسبحان من لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى واختار من رسله وأصفيائه.
وفى الإثنين رابع عشريه خلع على الأتابك أزبك من ططخ خلعة نظر البيمارستان المنصورى (٤) على عادة من تقدّمه من الأتابكية، وتوجه إلى المرستان المذكور فى محفل عظيم وهو تك جسيم، فكشفه ووصّى على المرضى وضربت رنوكه، ورجع إلى داره مكرما مبجلا معظما.
وفى يوم الخميس سابع عشريه خلع على الأمير قانصوه اليحياوى الظاهرى المعزول عن نيابة الاسكندرية واستقر فى نيابة طرابلس عوضا عن الأمير إينال الأشقر بحكم انتقاله إلى نيابة حلب عوضا عن الأمير بردبك الفارسى المشهور بالبجمقدار بحكم انتقاله عنها إلى نيابة دمشق، عوضا عن الكفيلى أزبك من
стр. 35
ططخ بحكم انتقاله عنها إلى أتابكية مصر، عوضا عن الأمير جانبك الإينالى المشهور بقلقسيز الأشرفى، بحكم القبض عليه عند شاه سوار.
وفى يوم السبت تاسع عشريه وصلت رمة خوند (١) بنت الملك الأشرف إينال زوجة الأمير يونس - الدوادار الكبير كان (٢) من اسكندرية إلى القاهرة، فحضر السلطان نصره الله الصلاة عليها بمصلى الجوينى، ودفنت بمدرسة أبيها التى أنشأها بالصحراء خارج القاهرة، وكانت توجهت مع والدتها خوند زينب (٣) بنت ابن خاص بك لزيارة أخيها الملك المؤيد أحمد ولحضور ختان ولده، فحال وصولهم للثغر مات الولد الذى (٤) يريدون ختانه، ثم طعنت هى وماتت فحملت رمتها إلى القاهرة. وماتت وسنها دون الثلاثين سنة.
وانقضى هذا الشهر ولم ينفق السلطان الجامكية على أولاد الناس (٥) ولا الفقهاء والمنجمين ولا على مضاف كبار الدولة وعوّقوا الجميع، ولم ينفق سوى المماليك، ووقف له جماعة ممن لم ينفق عليهم فوعدهم أن يصرف لهم بعد فراغ نفقة المماليك السلطانية، وخاطبه (٦) الأعيان فى ذلك وحذروه قطع الأرزاق، وخاطبوه بكلام فيه نفع لدنياه وأخراه، فأجاب أنه ينفق لهم فى ثامن شهر ربيع الأول، وأخذ يتألم مما الناس فيه من الغلاء ونزول البحر بسرعة وما حصل فى البلاد من الشراقى، والمصيبة العظمى والطامة الكبرى فتنة شاه سوار وما صرف بسبب هذه الفتنة على التجاريد المتوجهة إليه، ونفود ما فى الخزانة من الأموال، مع القلق الزايد من هذا الأمر، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
***
стр. 36
شهر ربيع الأول
أهلّ بالاثنين الموافق له ثانى عشرى (١) توت والأسعار فى نمو وزيادة لا سيما الحبوب، فإن القمح وصل إلى تسعمائة درهم الإردب، والشعير لستمائة درهم وهو عزيز الوجود، والفول إلى أربعمائة درهم لكنه موجود، وسائر ما يؤكل غلا وعدم.
وأصل هذا الغلاء استيلاء العربان على أسفل مصر من الوجه البحرى وخسة الزروع ونزول البحر بسرعة، فإنه من يوم فتح سد بنى منجا - وكان ثالث (٢) عشر توت - نقص نقصا فاحشا ولم يلبث اليوم الواحد بحيث إن الناس ازدحموا على ملئ الصهاريج بالصحراء وغيرها كما هى العادة المألوفة ازدحاما شديدا خوفا أن يفوتهم ذلك لنقص البحر، مع أن غالب الخلق ملأوا من خليج الزعفران لفقدهم الماء من الخلجان، فإنه هبط هبوطا لا يتدارك ولا يعود، ووقع الزرع بالقليوبية وغيرها على المحاريث، وحرثوا والوقت فى العشر الثالث من توت، والمثل الساير «من لم يزرع فى بابه، لم ياكل لبابه»، فما بالك بزرع توت؟ والأمر كله لله يتصرف فى العبيد بما يريد، وليس لأحد من خلقه أمر إلا بأمره جل وعلا.
وفى الأربعاء ثالثه وصل الخبر السلطانى للملك الأشرف قايتباى عز نصره من الإسكندرية بوفاة الملك الظاهر يلباى (٣) الإينالى بالطاعون فى ليلة الاثنين
стр. 37
أول شهر ربيع الأول من هذه السنة بسجن الإسكندرية، بعد أن قاسى الدل؟؟؟ ألوانا فى سلطنته اليسيرة وفى خلعه وفى سجنه، وسنذكر ترجمته (١) فى الوفيات على العادة المألوفة.
وفى يوم الخميس رابع شهر تاريخه كثرت الإشاعة واستفيضت بأن السلطان - نصره الله - يجهّز تجريدة عظيمة لقتال شاه سوار المخذول، لأنه - نصره الله - بلغه عنه أنه حاصر قلعة درندة (٢) ثم رحل عنها، فاهتم السلطان لقتاله، وقال إنه يتوجه بنفسه له، وما طاوعه (٣) أعيان الدولة وقالوا «إيش هو شاه سوار حتى يقابله السلطان أو يقاتله؟ ولا يقاتل السلطان إلا سلطانا مثله».
وبلغ السلطان عن حسن بك بن على بك بن قرايلك - صاحب ديار بكر - أنهما متصافان (٤) للقتال وبينهما مسيرة يوم واحد.
وفى يوم السبت سادسه ركب السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - من قلعة الجبل - وقت طلوع الشمس - فى موكب عظيم من الأمراء والخاصكية والمماليك السلطانية؛ لكنه بغير قماش الموكب، وسار إلى جهة خانقاه سرياقوس حتى وصل إلى زاوية الشيخ كهنبوش، فنزل عن الفرس الذى كان راكبه بسرج ذهب وكنبوش زركش، وغيره بغيره من الخيول الخاص، وحال استوائه على ظهر الفرس أطلق عنانه غارة وتنقيلا (٥)
стр. 38
إلى أن عدّى خانقاه سرياقوس بمسافة بعيدة، وكان توجهه إليها من قلعة الجبل من ناحية بركة الحاج (١)؛ وترك الأمراء والمماليك السلطانية يسيرون على مهل مع السنجق السلطانى إلى الخانقاه المذكورة، وصار السلطان معه نفر يسير، ثم لما رأى أنه بعد عن الخانقاه عاد إليها واجتاز بفبّة الأتابك، فإنهم ترجلوا:
أصاغر الأمراء والخاصكية مشاة بين يديه أمام فرسه وحولها حتى شق شارع الخانقاه، وقد اجتمع الخلق وكثر الدعاء له منهم، فنزل فى وطاقه (٢) الذى نصب له من أمسه - وهو غربى خانقاه سرياقوس - من جهة القاهرة على الماء.
وحال وصوله وصل الأتابك أزبك وجميع الأمراء، ومد السماط فأكل السلطان وأكلوا، وكان سماطا ملوكيا؛ فاستمر السلطان - نصره الله - يومه كله هناك. وحضرت الأمراء خدمة العصر، وبات السلطان بمخيمه، ومشى أمير جندار (٣) حول خيمة السلطان إلى الصبح كما هى العادة فى الأسفار، وأصبح يوم الأحد سابعه فركب السلطان وسير وعاد إلى مخيمه ودام به بقية نهاره.
وخلع على السيد الشريف نور الدين (٤) الكردى القصيرى ناظر الخانكاه وأحد ندماء السلطان كاملية سمور بمقلب سمور، وكذلك على محمد بن الأشقر شيخ خانقاه سرياقوس؛ وسبب هاتين الخلعتين أنهما (٥) تكلفا، فقدم السيد الشريف للسلطان أشياء كثيرة من الأغنام والأوز والدجاج والحلوى والبطيخ واللبن، وبات السلطان ليلة الاثنين بمخيمه أيضا، وكان السلطان توجه صحبته للخانقاه المذكورة بقاصد حسن بك صاحب ديار بكر وقاصد صاحب الهند وغيرهما من الغرباء، فشاهدوا ما لم يشاهدوه فى بلادهم، حتى
стр. 39
كادت عقولهم تذهل لرؤية ذلك سيما العساكر وكثرتهم، والسلطان وقوة شجاعته وهمته وعظمته الزائدة.
ولما كان صبح يوم الاثنين من شهر تاريخه ركب السلطان من مخيمه وقصد القاهرة، وفعل كما فعل فى توجهه من إطلاق عنان فرسه وتركه الأمراء والعساكر، واستمر سابقا حتى وصل إلى تربة عظيم الدولة ومدبرها يشبك من مهدى الدوادار الكبير فنزل بها، وانتظر الأمراء والعساكر إلى أن وصلوا له، فمد له المولى المعظم والأسد المفخم عظيم دولته ومدبر مملكته ودواداره الكبير الأمير يشبك من مهدى - عز نصره - مدة (١) مونقة فى غاية الوصف على حسب الحال، وأكل السلطان وأمراؤه وغالب من معه، ثم ركب بأمرائه وعساكره حتى صعد القلعة قبل الظهر.
وفى الثلاثاء تاسعه غضب السلطان - نصره الله - على الحاج محمد بن الأهناسى الوزير وقبض عليه، وأسلمه لعظيم دولته ومشيرها وصاحب حلها وعقدها الأمير يشبك من مهدى الدوادار الكبير عز نصره، فرسم (٢) عليه وطلب منه المال فاعتذر أنه غرم فى الوزارة جميع ما يملكه وهو مكذّب، فأجرى عليه العقوبة وعلقه فى شباك حديد بأصابع يديه، فحمل ألفى دينار وأطلق، فتوجه إلى داره وفى نفسه أنه يعود للوزر، وفى ذلك بعد فإنه ظهر منه العجز فيها مرارا، ورشح قاسم جغيته (٣) المعزول عن الوزارة قبل تاريخه بعوده للوزر.
وفى يوم الخميس حادى عشره جلس السلطان - نصره الله - بالحوش
стр. 40
السلطانى فوق الدكة على العادة، وفرق الجامكية على أولاد الناس من المماليك السلطانية بعد أن أحضر السلطان بحانبه ثلاثة أقواس متفاوتة (١) فى القوة، أى أحدها أقوى من الآخر، والآخر دونه، والآخر دونه. وصار كل من استدعوا اسمه من أولاد الناس المنزلين عنده بديوان المماليك السلطانية لقبض جامكيته - قبل أن يقبضها - ينادى به السلطان ويناوله قوسا من الثلاثة، فإن جذبه كتبه فى الحال إلى تجريدة شاه سوار، وإن لم يجذبه أمره بحمل مائة دينار للخزائن الشريفة ليقوم بها عنه بديلا للتجريدة (٢)، ولكن هذا إذا كانت جامكيته ألفى درهم؛ فإن كانت ألف درهم فعليه خمسون دينارا؛ وإن كانت دون الألف فلا يوزن شيئا ويقبض جامكيته ويتوجه لحال سبيله؛ وإن كانت جامكيته ألفا وخمسمائة فعليه خمسة وسبعون دينارا، وقس على هذا ما شئت.
فلما رأوا ذلك حصل عندهم مشقة زايدة، وطلبوا رمى الجوامك ليخلصوا من تبعة المائة دينار، فإن غالبهم ما يملك عشاءه ولا فرسا يركبه ولا بدلة يلبسها ثانية غير ما هو لابسه إن لم يكن استعاره؛ ورمى بعضهم جامكيته فلم يقبلوا منه ذلك، والله الحاكم والمالك.
***
وفيه عمل السلطان - نصره الله - المولد الشريف السلطانى النبوى على من هو منسوب له أفضل الصلاة والسلام - بالحوش السلطانى من قلعة الجبل على على العادة فى كل سنة، وكان مولدا عظيما إلى الغاية، وسماطا ملوكيا، وعظمة زائدة.
وفيه أنعم السلطان على الأمير برقوق الناصرى (٣) - شاد الشراب خاناه -