شهر ربيع الأول
أهلّ بالاثنين الموافق له ثانى عشرى (١) توت والأسعار فى نمو وزيادة لا سيما الحبوب، فإن القمح وصل إلى تسعمائة درهم الإردب، والشعير لستمائة درهم وهو عزيز الوجود، والفول إلى أربعمائة درهم لكنه موجود، وسائر ما يؤكل غلا وعدم.
وأصل هذا الغلاء استيلاء العربان على أسفل مصر من الوجه البحرى وخسة الزروع ونزول البحر بسرعة، فإنه من يوم فتح سد بنى منجا - وكان ثالث (٢) عشر توت - نقص نقصا فاحشا ولم يلبث اليوم الواحد بحيث إن الناس ازدحموا على ملئ الصهاريج بالصحراء وغيرها كما هى العادة المألوفة ازدحاما شديدا خوفا أن يفوتهم ذلك لنقص البحر، مع أن غالب الخلق ملأوا من خليج الزعفران لفقدهم الماء من الخلجان، فإنه هبط هبوطا لا يتدارك ولا يعود، ووقع الزرع بالقليوبية وغيرها على المحاريث، وحرثوا والوقت فى العشر الثالث من توت، والمثل الساير «من لم يزرع فى بابه، لم ياكل لبابه»، فما بالك بزرع توت؟ والأمر كله لله يتصرف فى العبيد بما يريد، وليس لأحد من خلقه أمر إلا بأمره جل وعلا.
وفى الأربعاء ثالثه وصل الخبر السلطانى للملك الأشرف قايتباى عز نصره من الإسكندرية بوفاة الملك الظاهر يلباى (٣) الإينالى بالطاعون فى ليلة الاثنين
стр. 37
أول شهر ربيع الأول من هذه السنة بسجن الإسكندرية، بعد أن قاسى الدل؟؟؟ ألوانا فى سلطنته اليسيرة وفى خلعه وفى سجنه، وسنذكر ترجمته (١) فى الوفيات على العادة المألوفة.
وفى يوم الخميس رابع شهر تاريخه كثرت الإشاعة واستفيضت بأن السلطان - نصره الله - يجهّز تجريدة عظيمة لقتال شاه سوار المخذول، لأنه - نصره الله - بلغه عنه أنه حاصر قلعة درندة (٢) ثم رحل عنها، فاهتم السلطان لقتاله، وقال إنه يتوجه بنفسه له، وما طاوعه (٣) أعيان الدولة وقالوا «إيش هو شاه سوار حتى يقابله السلطان أو يقاتله؟ ولا يقاتل السلطان إلا سلطانا مثله».
وبلغ السلطان عن حسن بك بن على بك بن قرايلك - صاحب ديار بكر - أنهما متصافان (٤) للقتال وبينهما مسيرة يوم واحد.
وفى يوم السبت سادسه ركب السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - من قلعة الجبل - وقت طلوع الشمس - فى موكب عظيم من الأمراء والخاصكية والمماليك السلطانية؛ لكنه بغير قماش الموكب، وسار إلى جهة خانقاه سرياقوس حتى وصل إلى زاوية الشيخ كهنبوش، فنزل عن الفرس الذى كان راكبه بسرج ذهب وكنبوش زركش، وغيره بغيره من الخيول الخاص، وحال استوائه على ظهر الفرس أطلق عنانه غارة وتنقيلا (٥)
стр. 38
إلى أن عدّى خانقاه سرياقوس بمسافة بعيدة، وكان توجهه إليها من قلعة الجبل من ناحية بركة الحاج (١)؛ وترك الأمراء والمماليك السلطانية يسيرون على مهل مع السنجق السلطانى إلى الخانقاه المذكورة، وصار السلطان معه نفر يسير، ثم لما رأى أنه بعد عن الخانقاه عاد إليها واجتاز بفبّة الأتابك، فإنهم ترجلوا:
أصاغر الأمراء والخاصكية مشاة بين يديه أمام فرسه وحولها حتى شق شارع الخانقاه، وقد اجتمع الخلق وكثر الدعاء له منهم، فنزل فى وطاقه (٢) الذى نصب له من أمسه - وهو غربى خانقاه سرياقوس - من جهة القاهرة على الماء.
وحال وصوله وصل الأتابك أزبك وجميع الأمراء، ومد السماط فأكل السلطان وأكلوا، وكان سماطا ملوكيا؛ فاستمر السلطان - نصره الله - يومه كله هناك. وحضرت الأمراء خدمة العصر، وبات السلطان بمخيمه، ومشى أمير جندار (٣) حول خيمة السلطان إلى الصبح كما هى العادة فى الأسفار، وأصبح يوم الأحد سابعه فركب السلطان وسير وعاد إلى مخيمه ودام به بقية نهاره.
وخلع على السيد الشريف نور الدين (٤) الكردى القصيرى ناظر الخانكاه وأحد ندماء السلطان كاملية سمور بمقلب سمور، وكذلك على محمد بن الأشقر شيخ خانقاه سرياقوس؛ وسبب هاتين الخلعتين أنهما (٥) تكلفا، فقدم السيد الشريف للسلطان أشياء كثيرة من الأغنام والأوز والدجاج والحلوى والبطيخ واللبن، وبات السلطان ليلة الاثنين بمخيمه أيضا، وكان السلطان توجه صحبته للخانقاه المذكورة بقاصد حسن بك صاحب ديار بكر وقاصد صاحب الهند وغيرهما من الغرباء، فشاهدوا ما لم يشاهدوه فى بلادهم، حتى
стр. 39
كادت عقولهم تذهل لرؤية ذلك سيما العساكر وكثرتهم، والسلطان وقوة شجاعته وهمته وعظمته الزائدة.
ولما كان صبح يوم الاثنين من شهر تاريخه ركب السلطان من مخيمه وقصد القاهرة، وفعل كما فعل فى توجهه من إطلاق عنان فرسه وتركه الأمراء والعساكر، واستمر سابقا حتى وصل إلى تربة عظيم الدولة ومدبرها يشبك من مهدى الدوادار الكبير فنزل بها، وانتظر الأمراء والعساكر إلى أن وصلوا له، فمد له المولى المعظم والأسد المفخم عظيم دولته ومدبر مملكته ودواداره الكبير الأمير يشبك من مهدى - عز نصره - مدة (١) مونقة فى غاية الوصف على حسب الحال، وأكل السلطان وأمراؤه وغالب من معه، ثم ركب بأمرائه وعساكره حتى صعد القلعة قبل الظهر.
وفى الثلاثاء تاسعه غضب السلطان - نصره الله - على الحاج محمد بن الأهناسى الوزير وقبض عليه، وأسلمه لعظيم دولته ومشيرها وصاحب حلها وعقدها الأمير يشبك من مهدى الدوادار الكبير عز نصره، فرسم (٢) عليه وطلب منه المال فاعتذر أنه غرم فى الوزارة جميع ما يملكه وهو مكذّب، فأجرى عليه العقوبة وعلقه فى شباك حديد بأصابع يديه، فحمل ألفى دينار وأطلق، فتوجه إلى داره وفى نفسه أنه يعود للوزر، وفى ذلك بعد فإنه ظهر منه العجز فيها مرارا، ورشح قاسم جغيته (٣) المعزول عن الوزارة قبل تاريخه بعوده للوزر.
وفى يوم الخميس حادى عشره جلس السلطان - نصره الله - بالحوش
стр. 40
السلطانى فوق الدكة على العادة، وفرق الجامكية على أولاد الناس من المماليك السلطانية بعد أن أحضر السلطان بحانبه ثلاثة أقواس متفاوتة (١) فى القوة، أى أحدها أقوى من الآخر، والآخر دونه، والآخر دونه. وصار كل من استدعوا اسمه من أولاد الناس المنزلين عنده بديوان المماليك السلطانية لقبض جامكيته - قبل أن يقبضها - ينادى به السلطان ويناوله قوسا من الثلاثة، فإن جذبه كتبه فى الحال إلى تجريدة شاه سوار، وإن لم يجذبه أمره بحمل مائة دينار للخزائن الشريفة ليقوم بها عنه بديلا للتجريدة (٢)، ولكن هذا إذا كانت جامكيته ألفى درهم؛ فإن كانت ألف درهم فعليه خمسون دينارا؛ وإن كانت دون الألف فلا يوزن شيئا ويقبض جامكيته ويتوجه لحال سبيله؛ وإن كانت جامكيته ألفا وخمسمائة فعليه خمسة وسبعون دينارا، وقس على هذا ما شئت.
فلما رأوا ذلك حصل عندهم مشقة زايدة، وطلبوا رمى الجوامك ليخلصوا من تبعة المائة دينار، فإن غالبهم ما يملك عشاءه ولا فرسا يركبه ولا بدلة يلبسها ثانية غير ما هو لابسه إن لم يكن استعاره؛ ورمى بعضهم جامكيته فلم يقبلوا منه ذلك، والله الحاكم والمالك.
***
وفيه عمل السلطان - نصره الله - المولد الشريف السلطانى النبوى على من هو منسوب له أفضل الصلاة والسلام - بالحوش السلطانى من قلعة الجبل على على العادة فى كل سنة، وكان مولدا عظيما إلى الغاية، وسماطا ملوكيا، وعظمة زائدة.
وفيه أنعم السلطان على الأمير برقوق الناصرى (٣) - شاد الشراب خاناه -
стр. 41
بمثال (١): إمرة مائة وتقدمه ألف بالديار المصرية، وكذلك على الأمير قان بردى (٢) الإينالى بالشرح (٣)، وكلا التقدمتين عن الأمراء المقتولين فى تجريدة شاه سوار وغيرها.
وفى يوم السبت ثالث عشره فرّق السلطان - نصره الله - الجامكية أيضا على أولاد الناس المنزلين بديوان المماليك السلطانية على الحكم الذى قدّمناه من جذب القوس وتقرير المال إن لم يقدر على جذبه، فلم ينفق للمتعممين فى أول النفقة ثم صرف لهم عند آخرها؛ وأما أولاد الناس فمنهم من وزن المائة دينار ليقوموا عنه ببديل واستمر على جامكيته؛ ومنهم من ترك الجامكية ولم يوزن شيئا وهو الفقير الذى لا يملك القوت بل كانت الجامكية قوته؛ ومنهم من وزن وترك، والطامة الكبرى والمصيبة العظمى عليهم أيضا أن كل من كان باسمه زيادة عن ذلك يحضر بين يدى عظيم الدولة ومشيرها ومدبرها المقر الأشرف الكريم العالى يشبك من مهدى أمير دوادار كبير وما مع ذلك - عز نصره - ليحاسب عليه أو يعمل المصلحة.
وفى هذا اليوم أيضا نودى فى البلد وشوارعها حسب المرسوم الشريف لجميع المماليك السلطانية بالعرض بين يديه ليعين السلطان من اختار منهم لتجريدة شاه سوار.
وفيه غضب السلطان واحتد على قاضى قضاة دمشق العلاء بن الصابونى وضربه بين يديه بقاعة الدهيشة (٤) لعدم وزنه المال الذى طلب منه وهو مائة
стр. 42
ألف دينار، ولم يزل يضرب إلى أن أذعن لوزنها، فحمل (١) لطبقة الخزندار محتفظا به كما كان ليقوم بذلك، والله المستعان.
وأصبح يوم الأحد رابع عشره ولم يعرض [السلطان] أحدا من المماليك السلطانية، ونودى فيه بالعرض من الغد.
وفيه - أى فى الأحد - تمت نفقة أولاد الناس، وتأخر جماعات من الفقهاء والمتعممين والأيتام والموقعين والحوائجية والأطباء، ثم أنفق (٢) عليهم بعد مشقة زائدة.
وفى الاثنين خامس عشره عرض السلطان المماليك السلطانية، وكتب منهم جماعات.
وفيه خلع على عظيم الدولة ومشيرها ومدبرها وصاحب حلها وعقدها الفحل بل الأسد المعظم المفخم نظام المملكة يشبك من مهدى الدوادار الكبير - عز نصره - أطلسين ومتمرا وفوقانيا بوجهين بطراز زركش عظيم كخلعة الأتابكية بالديار المصرية، واستقر فى الوزارة عوضا عن الحاج محمد الأهناسى بحكم القبض عليه ومصادرته وعزله لعجزه وخموله وظلمه وخسفه ورقاعته، ولاذا بذاك ولا عتب على الزمن، وتوجه (٣) لمنزله فى موكب جسيم جليل، وحين جلوسه طلب قاسم جغيته المعزول عن الوزر قبل تاريخه وأمره بالتحدث على الوزر فإنه عرّف الأمير الدوادار - نصره الله - أنه يوفرمن مرتبات أولاد الناس والمتعممين والأيتام وغيرهم فى كل يوم كذا وكذا قنطارا من اللحم ولا زال يسأله فى ذلك ويلح عليه ويترامى على رجليه حتى وليها، وفوض له الكلام
стр. 43
فيها وصيره مقام ناظر الدولة، ولقد زاد منصب الوزارة بهذا الذى وليه رتبة سنية وسعدا مستمرا فإنه أهل السعادة وزيادة، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه «وهذا شئ لم يقع فى سالف الأعصار، من أن الدوادار الكبير يكون وزيرا» انتهى.
وفى الحال شمر قاسم جغيته ساعده فى قطع رواتب العسكر والأجناد ممن له زيادة على عادته، وكلهم معهم زيادة، وأما المتعممون فشنع فيهم وقطع ما بإسمهم وليتهم سلموا من المطالبة بما تناولوا قديما، ووقع الترسيم على جماعات منهم وألزموا بأموال جمة، وهرب خلق كثير من أولاد الناس والخدام وغيرهم، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه «على أنه وإن كان شنع فى أمورهم ففى الوافع ليس بظالم عليهم، فإنه ظهر لبعضهم فى اليوم من اللحم ما يزيد على الثلاثين رطلا وأكثر وأقل، فلما رآى الناس ذلك صار العاذل عاذرا، واستمر الحال على ذلك أياما كثيرة والناس منه فى وجل وخوف من تناول المرتبات الكثيرة، أما من قنع وعف وكف عن ذلك فهو فى أمان من الدوادار وغيره» انتهى كلامه.
قلت: أقسم بالله لوقدّر أن يرتب للجمال المذكور فى راتب اللحم والجامكية والعليق زيادة على ما بيده المرتين والثلاثة لقبل ذلك من السلام، لكنه لم يصل إلى ذلك.
وفى هذا اليوم سافر الأتابك أزبك من ططخ [الأشرفى] (١) بالأمر السلطانى إلى البحيرة لدفع المفسدين من العربان عنها وعمل مصالح الرعية والفلاحين والمزارعين.
стр. 44
وفيه استقر الأمير سودون القصر وهى فى وظيفة رأس نوبة النوب عوضا عن الأمير نانق [المحمدى] (١) الظاهرى المقتول فى وقعة شاه سوار، وخلع عليه أطلسين متمرا على العادة.
وخلع على الأمير تنبك قرا الإينالى (٢) واستقر فى وظيفة الدوادارية الثانية عوضا عن قان بردى (٣) الإينالى بحكم انتقاله إلى تقدمة ألف.
وخلع على قانصوه الأحمدى الشهير بالخسيف محتسب القاهرة واستقر فى وظيفة شاد الشربخاناه عوضا عن الأمير برقوق الناصرى - نسبة لجالبه وإنما هو ظاهرى - بحكم استقراره فى تقدمة ألف.
وخلع على الأمير جانبك الخشن الإينالى، واستقر فى معلمية الأسواق عوضا عن الأمير تنبك قرا المنتقل إلى الدوادارية الثانية.
وفيه رسم لمثقال السودونى (٤) الظاهرى الساقى الحبشى باستقراره فى مشيخة الخدام بالحرم الشريف النبوى - على ساكنه أفضل الصلاة والسلام - بحكم
стр. 45
وفاة سرور الطرباى (١)، فلم يقبل ذلك وسعى فى إبطاله وهذا عين الخسران، والله المستعان.
وفى يوم الثلاثاء سادس عشره تم العرض من المماليك السلطانية، ثم عيّن عدة من الأمراء العشرات يأتى (٢) ذكرهم عند سفرهم من الديار المصرية لشاء سوار المخذول. وأعقب السلطان ذلك بالنداء فى القاهرة وشوارعها حسب المرسوم الشريف «أن النفقة (٣) فى المماليك المسافرين يوم الخميس ثامن عشره وأن السفر من القاهرة فى يوم الاثنين ثانى عشريه»، على أن الناس فى ألم ووصب وجهد جهيد وتعب ونصب، فمنهم من هو مجتهد فى تحصيل ما طلب منه حتى تبقى جامكتيه ويريد وزن ذلك لأجل النفقة، ومنهم من هو مهموم لسبب قطع رواتبه من اللحم السلطانى، ومنهم - وهو الأهم والأعظم -[من هو] خائف مما يطلب منه مما تناوله فى الماضى وما خصه ومطالبة أصاحب (٤) الحل والعقد، ومنهم من هو مهتم بعمل احتياج السفر، فالكل فى هموم وغموم، فالله المستعان.
وأما غير ذلك فمن قلق الناس بسبب الغلاء وغلو الأسعار مع وجود العيال والأولاد.
وأما أكابر الدولة وأعيانها ومباشروها (٥) فكل منهم خائف من المصادرة ووزن المال، ومنهم من احتشم ووزن فحمّلوه ما يرضى به بل ما يسد
стр. 46
به عن المسلمين، ومنهم من تبعه فى ذلك، ومنهم من فعل به كما فعل بابن الصابونى، وأذكرنى أمره، فبلغنى عنه أنه أذن له فى النزول إلى القاهرة فى الترسيم ليحصل شيئا مما قرر عليه لأجل تجهيز التجريدة لقتال شاه سوار، والأمر لله يفعل ما يريد، مع أن جماعة ما طرق قلبهم الهم والغم وهم العوام والفقراء فإنهم يتنزهون ويتفرجون، فلا بارك الله فيهم، ما أقبح أفعالهم.
وفى يوم الخميس ثامن عشره خلع على الأمير سودون القصروهى خلعة الأنظار المتعلقة بوظيفة رأس نوبة النوب.
وخلع أيضا على الأمير تنبك قرا الإينالى الدوادار الثانى خلعة الأنظار.
ولم ينفق السلطان على أحد من المجرّدين فى هذا اليوم، بل أمر بالنفقة لهم فى يوم السبت كما سيأتى ذلك إن شاء الله تعالى فى محله.
وفى يوم الجمعة تاسع عشر وصل إلى السلطان كتاب الأمير أبى بكر بن صالح حاجب حجاب حلب يتضمن أشياء، منها أن المقرّ الناصرى محمد بن عثمان - متملك بلاد الروم - غضب على وزيره محمود باشاه - صاحب الصولة الهاملة والكلمة النافذة والحرمة الوافرة - وقبض عليه قبضا شنيعا، وسبب القبص عليه أن حسّن لأستاذه التوجه لابن قرمان حتى وقع له ما وقع من الكسرة والنهب حتى نهبوا أثقاله، وسبب النهب أن الناصرى محمدا أطرى عليه الرجوع إلى بلاده، فتبعه أحمد بن قرمان، فصار يضرب فى أعقابه حتى قتل من عساكره ثمانية آلاف رجل وشرعوا فى النهب، حتى إن من جملة ما نهبه ابن قرمان سبعمائة عربة (١) محملة، والعربة هى التى تجر على الجمال والخيول والبقر، فلما وصل ذلك لابن عثمان عظم عليه واغتمّ واهتمّ، ونسب ذلك لوزيره وأنه المدبر لذلك وأنها مكيدة منه، وذكر فى الكتاب أن حسن بك بن على
стр. 47
بك بن قرايلك صاحب ديار بكر حصل له كسرة شنيعة فظيعة (١) من حسن على أو على حسن، لكن الأول أشهر، وما أدرى سبب تسميته بهذين الاسمين العلمين معا لماذا، وذكر أيضا أن شاه سوار محاصر (٢) لدرندة، ولم ينل منها غرضا ولا نائلا ولا طائلا.
وفى يوم السبت العشرين من شهر تاريخه فرّق السلطان - نصره الله - التفرقة على المماليك السلطانية الذين عينهم لتجريدة شاه سوار بالحوش السلطانى من قلعة الجبل: لكل نفر مائة دينار، وأوعدهم قبل السفر من القاهرة بجامكية أربعة أشهر معجلة، وفعل ذلك كما سيأتى.
وفيه نودى بالقاهرة على لسان عظيم الدنيا ومدبرها ومشيرها وصاحب حلها وعقدها ودوادارها الكبير ووزيرها وما مع ذلك أعز الله أنصاره: «من بإسمه من الأيتام فى الدولة مرتب لحم يكتب قصة ويحضر بها إلى منزله فيصرف له مرتبه» فدعى (٣) له الناس.
ونودى فى هذا اليوم من قبله - أعز الله به الدين - أن لا يباع القمح بأكثر من أربعمائة درهم ففرح الناس بذلك ودعوا له، فإن القمح وصل إلى ثمانمائة درهم الإردب، ثم إن بعض الناس ذكر أن ذلك معاكسة لابن عمر الهوارى فإنه أرسل كثيرا من القمح لبيعه ومع ذلك ازداد سعره، ولما نادوا عليه بأربعمائة درهم الإردب نهب (٤) الناس والعوام غالب الحوانيت بباب الشعرية وغيرها، وعاد الأمر إلى ما كان عليه.
وفى يوم الاثنين ثانى عشريه سافر الأمير قانصوه اليحياوى الظاهرى الذى استقر فى نيابة طرابلس إلى محل كفالته.
стр. 48
وفيه خلع على الأمير يشبك جن (١) الإسحاق الأشرفى الأمير آخور الثانى واستقر أمير حاج المحمل.
وفى الثلاثاء ثالث عشريه ورد الخبر على السلطان من البلاد الشمالية بضدّ ما تقدم ذكره؛ وهو أن حسن بك صاحب ديار بكر هو الذى كسر حسن على بن جهان شاه صاحب العراقين واستولى على ممالكه، ولم يعلم أحد إلى الآن كيفية الوقعة بينهم (٢)، وكذّب هذا الخبر الثانى أيضا بعضهم واستعظمه على ما يأتى تفصيله فى محله إن شاء الله. ولما بلغ هذا الخبر الأكابر والأصاغر قال بعض الأفاضل: إن هذه السنة طالعها أن الأصاغر من الملوك تكسر الأكابر، وعلل ذلك بعلة واضحة جدا هى أن عسكر مصر والشام كسر من شاه سوار، وأن ابن عثمان كسر من ابن قرمان، وابن جهان شاه كسر من حسن بن قرايلك.
وفى يوم الخميس خامس عشريه خلع على يشبك الجمالى يوسف (٣) بن كاتب جكم أحد الامراء العشرات واستقر أمير حاج (٢ ا ب) الركب الأول.
وفى هذه الأيام وصل للسلطان - نصره الله - كتاب كان كتبه شاه سوار وأرسله للرعية بحلب والشام، فظفر بالكتاب بعض خواص السلطان بحلب، فجهزه للسلطان فى طىّ كتابه فى خاص ورق الفولح (٤) وصورة الكتاب - على ما بلغنى - أنه فى أول الطرة لفظه «هو»، ثم فوق العلامة «وَ مَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ»، والعلامة بقلم ثلث «المظفر شاه سوار» مكتوب موضع علامة سلطان مصر، غير أنه بقلم الثلث كما قدمنا، والعلامة موشوشة بالرمل
стр. 49
المذهب، ثم تحت العلامة السبب الباعث لتسطير هذا الكتاب والمعنى الموجب لتحرير هذا الخطاب: «أن المقر الكريم العالى المولوى الأميرى الكبيرى الزينى المظفر - أعز الله أنصاره وضاعف اقتداره - أشار إلى الأمن والأمان، بالدليل والبرهان، بين التجار والقوافل وأبناء السبيل وغيرهم من أرباب البيع والشراء، والفلاحين والحرائين والصادرين والواردين والمترددين بالمملكة الشامية والحلبية والطرابلسية، وغيرهم من الغرباء وأهل البلاد بالحضور التام - بين الناس والأنام - إلى المملكة الدلغادرية، فمن حضروا فيها يكونون آمنين (١) على أنفسهم وأموالهم وذراريهم من غير تعارض ولا تمانع ولا تزاحم، والله يحرسه بالملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، ومحمد وآله أجمعين، والله على ما نقول خبير، ومالنا من دون الله من ولى ولا نصير، إن شاء الله تعالى، كتب فى مستهل أول ربيعين من سنة ثلاث وسبعين وثمانى مائة، الحمد لله وكفى، وصلى الله على محمد المصطفى».
وعلى آخره فى حاشية الكتاب «بمقام مدينة الأبلستين» (٢).
انتهى كتابه بفصه ونصه.
*** وفى هذه الأيام جهز السلطان إلى الأمراء المسافرين لقتال شاه سوار نفقتهم، فأرسل للأمير أزدمر الإبراهيمى الظاهرى [جقمق] (٣) - مقدم العسكر - ستة آلاف دينار وليس من الأمراء المسافرين مقدم ألف سواه، وما عداه من طلبخانات وعشرات، وكذلك الأمراء الطبلخانات ليس فيهم
стр. 50
سوى قجماس (١) الظاهرى وجهز له خمسمائة دينار؛ وأما العشرات فأرسل لكل أمير منهم مائتى دينار؛ وأما الأمير أزدمر المذكور فجهز له ضعف ما يرسل للمقدمين الالوف، لأنه شكى من عدم البرك (٢) والمحصول، فأنعم عليه بذلك ليكون متجملا فى بركه ومركبه، ومع هذا فالسلطان يفرق للماليك السلطانية المجردين لشاه سوار جوامكهم، لكل نفر منهم أربعة أشهر معجلة.
شهر ربيع الآخرة
أهل بيوم الأربعاء. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر فهنوه ودعوا له وانصرفوا.
وفى الاثنين سادسه خرجت التجريدة المجهزة من القاهرة المحروسة لقتال شاه سوار، وعليها الأمير أزدمر الإبراهيمى الظاهرى أحد المقدمين الألوف بمصر، ومعه من الأمراء الطبلخانات قجماس الطويل لا غير؛ ومن الأمراء العشرات عشرة أنفار أو أحد عشر، ومن المماليك السلطانية خمسمائة مملوك، وهذا اليوم سبابع عشرى (٣) شهر بابه القبطى، وسار الأمير أزدمر المذكور بمن معه دفعة واحدة إلى خانقاه سرياقوس، ولم ينزل بالريدانية كعادة من تقدمه، وسافر من الخانقاه فى ليلة الجمعة عاشره الموافق لأول هاتور القبطى.
ووصلت الأخبار من الثغر السكندرى أن معظم أهلها ذهبوا بموت الطاعون، وأنه (٤) مقيم بها إلى تاريخه.
стр. 51
وأما الغلاء فاستمر بالديار المصرية فى سائر الأقوات، لأن القمح وصل إلى تسعمائة درهم الإردب، والشعير إلى ثلثمائة الإردب فأكثر، ثم غلا الشعير والفول بعد ذلك إلى أن زاد الإردب على أربعمائة درهم وخمسين درهما، بل عدم وجود الشعير بالكلية، والخبز بخمسة دراهم الرطل لكنه موجود بحوانيت السوقة والباعة، وأما الجبن الأبيض فوصل إلى عشرة دراهم الرطل، وقس على هذا سائر المأكولات، مع أن البلاد الشامية والحلبية طرّشهم الغلاء، ووصل السعر فى الغلاء بها إلى أزيد من سعر مصر، وأما بلاد الروم فأكثر غلاء. وطال هذا الغلاء ونمو السعر بمصر وضواحيها وقراها، فلله الحمد على كل حال.
وفى يوم الاثنين ثالث عشره قدم المقر الأشرف الأتابك أزبك من ططخ الظاهرى من البحيرة بعد أن وطنها ووطن أهلها وعمل مصالحهم، فخلع عليه السلطان فوقانيا بوجهين، وتوجه لداره فى جحفل عظيم زائد، وأخبر أن الطاعون مستمر باسكندرية، وأنه انتشر ببلاد البحيرة ووصل إلى مدينة دمنهور، وأخبر بموت جماعات من عرب غزالة كانوا رءوس الشر والفتنة نحوا من ثمانين نفرا، فلله الحمد على ذلك، إنه الولى والمالك.
وأشيع فى هذا اليوم أن مات ببيت الصاحب مجد الدين اسماعيل بن (١) البقرى عدة من مماليكة بالقاهرة، وسألت عن ذلك من أخيه القاضى شرف الدين (٢) عبد الباسط فأجاب «بنعم»: «مات عند أخى من المماليك ثلاثة نفر فى الجمعة الماضية بالطاعون».
وفى يوم الثلاثاء رابع عشره سافر القاضى علاء الدين ابن الصابونى إلى
стр. 52
دمشق بعد عزله ومصادرته وضربه وحبسه بطبقة الخازندار بقلعة الجبل، والتزم بمائة (١) ألف دينار فوزن بعض ذلك، وسافر معه السيفى جانبك الخاصكى مرسما عليه حتى يغلق (٢) ما التزم به.
وفى يوم الأربعاء خامس عشره ركب السلطان بغير قماش الخدمة، وفى خدمته غالب أمرائه وخاصكيته، وتوجه لجهة طرى والعدوية سائقا سوقا عنيفا، بحيث أن ساق منها إلى قارب القمازة من بلاد قبلى وهو يسوق الفرس الذى تحته، بحيث أنه لم يلحقه من أمرائه وخاصكيته إلا من كان راكبا للخيول الجياد، ولم ينزل عن فرسه فى ذهابه وإيابه إلى أن عاد وطلع القلعة قريب العصر، ولم يجتمع به غالب أمرائه لشدة سوقه فى الذهاب والإياب، ولما وصل إلى القلعة أمر فنودى بشوارع القاهرة: «من له جامكية فى بيت السلطان يصعد من الغد ليقبضها»، ورسم أيضا لقضاة القضاة أن يطلعوا من الغد لعقد مجلس بسبب كثرة جوامك المماليك السلطانية وغيرهم.
فلما أصبح يوم الخميس سادس عشره طلع (٣) قضاة القضاة ونوابهم وعدة من مشايخ العلماء. وكنت حاضرا المجلس مع قاضى الحنفية، وكل ذلك بالحوش السلطانى بقلعة الجبل. وجلس السلطان مع القضاة على العادة تحت الدكة، والأمراء والمباشرون واقفون فى مواضعهم، فتكلم مولانا السلطان - نصره الله - مع القضاة والقاضى كاتب السر كلاما طويلا، وهو المتكلم والمشار إليه حفظه الله، وأخذ السلطان نصره الله يقول كلاما معناه أن الجامكية على المماليك السلطانية كانت فى أيام الملك المؤيد شيخ أحد عشر ألف دينار كل شهر، ثم صارت فى دولة الملك الأشرف برسباى ثمانية عشرة ألف، ثم زادت فى أيام الملك الظاهر جقمق حتى صارت إلى ثمانية وعشرين ألف دينار فى كل شهر،
стр. 53
وسبب هذه الزيادة أن السلطان الملك الظاهر المذكور فوّض أمر ديوان الأستادارية للأمير زين الدين يحيى الأشقر (١) يتصرف فيه كيف شاء لأجل السداد، فصار يبيع الجامكية ويهبها، ويتقرب بتنزيل جوامك المماليك الأمراء حتى يصير له عندهم منزلة، ويزيد فى جوامك المماليك السلطانية ويرتب لأولادهم جامكية وإن لم يكن لهم ذلك - يعنى أولادا، فبمقتضى ذلك زادت الجامكية الثلث عما كانت، ومع ذلك فالديوان معه فى سداد ونفوذ كلمة وحرمة وجاه عريض، وكل ذلك من أستاذه، واليوم صارت الجامكية فى كل شهر ستة وأربعين ألف دينار وخمسة دنانير، فصار ديوان السلطان لايفى بالجامكية ولا بثلثيها.
قلت: وسبب عدم السداد أن زين الدين الأستادار لما عزل عن الوظيفة أخرجوا من بلاد الديوان المفرد عدة للخاصكية والمماليك السلطانية، وصار كلما يموت سلطان (٢) أو يغيرونه يخرجون من بلاد الديوان عدة للخاصكية والجلبان، فحصل هذا الأمر. انتهى.
ثم إن السلطان أخذ فى غضون ذلك يدعو على نفسه ويتبرم من السلطنة ويصرح بالخلع وأشياء كثيرة من هذا النمط، وصار يقول: «عجزت عن دفع هذا المال وحمله لأربابه فى كل شهر»، فتكلم بعض القضاة بأن الظلم لا يجوز فى ملة من الملل، لأنه قصد بذلك السلطان لأنه بلغه عنه أنه يريد [أن] (٣) يأخذ فائض أموال الأوقاف وأموال التجار، ثم إن القاضى المذكور أخذ يقول إن السلطان له النظر العام ينظر فيمن يستحق يبقيه فى الديوان، ومن لم يستحق يمحوه من الديوان.
стр. 54
وتكلم شيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائى (١) بكلام ساعد فيه القاضى المذكور وعضّده، وانقض المجلس المذكور وقام السلطان وجلس على الدكة بالحوش المذكور، وجلس عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ومشيرها ومدبرها ووزيرها ودوادارها الكبير - أعز الله به الإسلام والمسلمين - ورئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى (٢) كاتب السر - حفظه الله - وبقية المباشرين وكاتب المماليك ومقدم المماليك ونائبه، وحضر أيضا معهم القاضى الرئيس علم الدين ابن الجيعان (٣) وولده العالم العلامة الأمة الفرضى الشرفى (٤) يحيى وأخوه الزينى عبد الغنى (٥)، وكاتب العليق وكاتب الحوائج خاناه، وسبب هذه الجمعية لضبط ما يقطع من الجامكية واللحم والعليق والكسوة والأضحية، وصار ناظر الخاص والأستادار يكتبان أيضا، وكان مجلسا حفلا مهولا إلى الغاية. ثم استدعى عبد الكريم بن جلود [كاتب المماليك (٦)] أرباب الجوامك: كل نفر على حدة، وأمر لهم بالنفقة.
هذا وبجانب السلطان - نصره الله - على الدكة ثلاثة قسى، كل واحد منها أقوى من الآخر بالتدريج كما تقدم، ليمتحن بذلك أولاد الناس المنزلين ببيت السلطان فى ديوان المماليك، وأنفق (٧) فى هذا اليوم فى طبقة الرفوف بتمامها، وقطع جماعة كثيرة من أولاد الناس وغيرهم، والذى ظهر من الأمر فى هذا اليوم أن
стр. 55
السلطان - نصره الله - أبقى لكل واحد من المماليك السلطانية ألفى (١) درهم فى كل شهر، وقطع من له زيادة على ذلك، ولو تأخر له زيادة على الألفين وهى مشترى تقطع ويرجع على من باعها، وكذا إن كانت مقايضة يرجع له إقطاعه ويقطع جامكيته. ورسم بالصرف لكل من ذكر، وأن يكون القطع من الشهر الآتى، وأن يكون لكل نفر من المماليك السلطانية ألفا (٢) درهم جامكية، وزبديّة لحم فى كل يوم، وثلاثة علائق، وللخاصكية وأصحاب الوظائف زيادة على ذلك من الجامكية والعليق، ولم يظلم السلطان - نصره الله - أحدا بما قطعه لأن العادة القديمة لآخر دولة الملك الأشرف برسباى كانت على هذا النمط الذى فعله السلطان الملك الأشرف قايتباى عز نصره، وفى الواقع لم نعلم أحدا من المماليك السلطانية فى القديم له جامكية أكثر من ألفى درهم وزيدية لحم وثلاث علائق، بل كان (٣) غالب المماليك السلطانية يأخذون عوضا عن الصرة اللحم صرة من الفلوس: مائتى درهم وثلاثين درهما، ثم نزلت إلى مائة وثمانين درهما، وأما اليوم فقد صار بيت السلطان همجا، ودخل فيه خلائق كثيرون من المتعممين وأولاد الناس والتجار والعامة حتى النصارى، وخرج الأمر عن الغيرة والجد، وعجز الوزير والأستادار وناظر الخاص لكثرة ذلك، وصار (٤) الملوك يسعفونهم بالأموال من خزائنهم فى كل شهر ومع ذلك لا يزدادون إلا عجزا، فسبّب ذلك تحمل الدواوين الكلف الزائدة لمن لم ينتفع بهم ولا يدفعون عدوا ولا ينجدون مظلوما ولا يسدون ثغرا.
وكان ابتداء ذلك من دولة الملك الظاهر جقمق - سقى الله عهده - فإنه كان ﵀ إن وقف له تركمانى (٥) أو كردى أو بدوى أو صغير أو يتيم
стр. 56
أو بنت صغيرة يكتب باسمه جامكية ولحما عليقا وكسوة وأضحية، فأتلف (١) نظام من تقدمه وصير الدواوين عبرة، مع أن السلطان الملك الأشرف إينال - سقى الله ثراه - أراد أن يفعل هذا الصنيع الذى فعله الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - فما مكنه من ذلك دواداره المقر الأشرف العالى السيفى بردبك (٢)، وخوفه عاقبة ذلك ودعاء الناس عليه وعلى ذريته، وهول عليه أن ربما يحصل بوقوع ذلك إثارة فتنة عظيمة، وكان الملك الأشرف إينال ينقاد إلى الخير بشعرة ولا ينقاد إلى الشر بالسلاسل الحديد كما سمعت ذلك من لفظ قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة (٣) الحنفى، وأراد الملك الظاهر خشقدم أن يفعل ذلك فما جسر أيضا، فلما ضعف أمر هذين (٤) السلطانين: الأشرف إينال والظاهر خشقدم عن ذلك صار الوزير والأستادار يظلمان (٥) العباد لعلمهما أن الدواوين لا تسد ولا تقوم بالكلف إلا بالظلم، وصار كل من ظفر بشى أخذه وسد به، فخربت البلاد وظهر الفساد، وسكت العباد قبلى وبحرى من جور الوزراء والأستادارية وإفشاء ظلمهم وأخذهم مالا يستحقونه (٦) من الرعية، ومع ذلك فالعجز الفاحش ظاهر عليهم.
وأما أمر الكشاف والولاة ومشايخ العربان مع أهل القرى فقس عليهم، فضلا من الحرامية والمفسدين.
***
стр. 57
وأما المكوس فزادها (١) الوزراء أمثال ما كانت حتى كانوا يفعلون (٢) ذلك فى المواريث الحشرية، فإن الوزير محمد البباوى اللحام فى وزارته صار يطلب الناس الذين صالحوا الوزير الذى قبله وأخذوا وصولا، ومع ذلك يأخذ منهم المال الجزيل بغير طريق شرعى من عشرين سنة وأكثر، ويتكلم بكلام لا يجوز شرعا ولا عرفا ولا عادة ولا مادة ولا طبعا ولا مروءة، وهذا مشهور من الخلائق. ولو كان الأمر على النظام الأول كان كل من الوزراء والأستادارية لا يتعدى طوره وينظر فى مصالح تعلقاته وعمارة بلاده، والسلطان - نصره الله - ما يظن أن من ولاه من الوزراء والأستادارية والكشاف ومشايخ العربان يصلون إلى هذا الحد الفظيع بل يعمرون البلاد ويرفقون بفلاحى (٣) القرى ويدفعون عنهم المعتدين الخارجين عن الطاعة، كما كان ذلك فى أيام الملوك السالفة. ﵏ قديما وحديثا.
ولما فرغ السلطان - نصره الله - من قطع غالب أولاد الناس، وسلك معهم طريقة الملك المؤيد شيخ والأشرف برسباى ومن كان قبلهم من الملوك شق ذلك على كل من له مرتب وقطع، وكان زائدا عن العادة، لأنهم كان فيهم من وصلت جامكيته إلى ثلاثة آلاف وأربعة آلاف وأكثر إلى عشرة آلاف درهم، ومن له ثلاث زبادى لحم إلى عشرين زبدية فى كل يوم، ومن له فى العليق ثلاث علائق إلى عشر علائق، ولم يلتفت السلطان إلى ذلك، وفعل ما رامه وقصده بجنان ثابت وعزم صادق وحزم حاذق وإقدام وقوة وعدم مراعاة إلا فى النادر، ولم يقبل شفاعة شافع إلا ما رأى فيه خطأ ومصلحة، وذلك بإشارة عظيم الدنيا ومدبر المملكة
стр. 58
ومشيرها ووزيرها وصاحب حلها وعقدها الأمير المعظم والكهف المفخم يشبك من مهدى دامت سعادته ونعمته.
ولما وفروا ما زاد على العادة نظر الأمير (١) المذكور فى مصالح المسلمين فأمر بإبطال مكس قطيا (٢)، ومتحصلها فى الشهر ما يزيد على ألف دينار، وكذلك مكس الخشابين، وكان المعاملون يصنعون (٣) فيه أشياء لا تعمل إلا فى قبرص من شدة الظلم، بحيث أنهم يستأصلون جميع الأخشاب ولا يكفيهم ذلك بعد الضرب والسب والبهدلة.
وكذلك أبطل الأمير المذكور - حفظه الله على المسلمين - مكس الغزل الذى كانوا يبيعونه (٤) النساء وصار ذلك مسطرا له فى التواريخ؛ وهذا هو الفضل العام إلى يوم العرض والقيام، فحزاه الله أحسن جزاء، وحفظه ما ائتلف الفرقدان واختلف الجديدان.
وتوجه السلطان بعد فراغ النفقة بحضرته على أنه يحضر الجامكية فى كل شهر من الشهور، والملك والأمر بيد الله تعالى يفعل ما يريد.
وقال الجمالى يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه: «قلت العجب أن أرباب التقويم وعلماء النجوم أجمعوا على أنه يكون قطع عظيم فى يوم سابع عشر هذا الشهر، ولعل ذلك بلغ السلطان فتوجه إلى جهة العمارة من الوجه القبلى، ومعه شرذمة قليلة من عسكره، وسافروا خلفه حتى لحقوه، وانقطع عنه باقى عسكره من الأمراء والخاصكية، ولم يجتمعوا به إلا بعد عوده إلى القلعة، وما ذاك إلا استخفافا بمن يستخف به، ثم أصبح يوم الخميس ففعل ما فعل من
стр. 59
عقد المجلس وقطع ما زاد عن العادة من راتب المماليك السلطانية وغيرهم، ونزل أكثر العسكر ساخطا (١) عليه، فكأنه أعان المقطع المذكور فى يوم سابع عشره على نفسه بما فعل من نزوله وقطع جوامك المماليك، ومع هذا كله فلم يتحرك فى الكون ساكن، ولم يقع فى هذه الأيام ما شوش عليه ولا كدره بوجه من الوجوه، فبالله ما أقبح وجه هؤلاء: أرباب التقويم وأكذبهم، والعجب فى ذلك أن الشخص يقول: أكذب مرة واحدة فى عمرى فيعد كذابا فى الدهر، ولا يقبل قوله فيما ينقله، وهؤلاء يكذبون فى الشهر المرة والمرتين، وهم على ذلك دوام الدهر، والناس يترددون إليهم ويسألونهم (٢)، مع عرفانهم بعدم معرفتهم، وهذا أغرب من الأول». انتهى كلام الجمال المذكور.
*** وفى يوم الاثنين العشرين منه فرقت الجامكية على الصفة التى تقدمت (٣) بحضور السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى نصره الله، نقد الناس وسيرهم وشرع يعطى كل أحد حقه وينزله منزلته، فإنه صار إذا رآى شخصا له معرفة بنوع من أنواع الفروسية وغيرها فيصفه بالوصف الحسن بحضرة العسكر وينصفه غاية الإنصاف، وإن كان الشخض بضد ذلك قطع جامكيته وترك كل شئ بحسب الحال، ويرسم له أن يكون طرخانا (٤)، ويصير يأخذ ذلك على وجه البر والصدقة، فلم يعجب هذا الفعل أحدا (٥) ممن قطع له
стр. 60
بل نزلوا ساخطين (١) واستمروا على هذا الأسلوب ما خلا أيام (٢) السبت والأحد والثلاثاء والأربعاء والجمعة، إلى أن انتهت على خير وسلامة.
*** وفى هذه الأيام خلع على الأمير يشبك البجاسى (٣) المعزول قبل تاريخه عن نيابة حلب وصار أحد الأمراء البطالين، واستقر فى نيابة حماة عوضا عن الناصرى محمد بن المبارك بحكم عزله.
وفى يوم الخميس ثالث عشره خلع على الأمير سودون الأفرم (٤) الظاهرى أحد مقدمى الألوف، واستقر فى كشف التراب بالشرقية من الوجه البحرى من أسفل مصر.
وخلع على فقيه الترك ومحب الفقهاء ومكرمهم ومعظمهم ومبجلهم الأمير تمراز الشمسى (٥) الأشرفى - أحد الأمراء الألوف أيضا - بكشف تراب الغربية بالوجه البحرى، وعين السلطان صحبته أميرين من أمراء العشرات ومائتى (٦) مملوك إعانة له على إرداع المفسدين وقمعهم ودفعهم عن البلاد والعباد.
وخلع على الأمير بردبك المشطوب (٧) - أحد الأمراء العشرات ورءوس النوب - واستقر فى كشف تراب البهنساوية (٨).
وفى يوم الاثنين رابع عشريه خلع على الأمير يشبك الجمالى يوسف
стр. 61
ابن كاتب حكم (١) - أحد الأمراء العشرات وأمير الركب الأول فى هذه السنة - واستقر فى حسبة القاهرة عوضا عن الأمير قانصوه الأحمدى المشهور بالخسيف بحكم انتقاله إلى وظيفة شاد الشراب خاناه.
وشغرت الحسبة مدة طويلة، وباشر يشبك المذكور الوظيفة المذكورة، لم يكشف البلد بنفسه ولا مرة واحدة، ولا يعرف أحوال الرعايا والمسلمين إلا من أعوانه الذين فى خدمته، فصاروا أرباب أموال وأقمشة ودورو خيول وبغال وحمير، وهو ماسك البقرة وغيره يحلبها فإنه لا يتعاطى شيئا، لكن ما أحسن ما قال الشاعر:
ورابط الكلب العقور ببابه … فأصل ما بالناس من رابط الكلب
على أن قانصوه الأحمدى [الأشرفى إينال] المشهور بالخسيف الإينالى الذى هو الآن شاد الشراب خاناه لما استقر فى الحسبة قبله كشف البلد بنفسه مرة، وهذا (٢) فى غاية الشماخة والترفع أن يقف على سوقى أو وزان أو بياع ويعتبر أوزانهم وسنجهم وحوانيتهم، وأمثال ذلك من الطبخ وغيره، بل تحضر أعوانه له بمن لا يعطونهم (٣) المعلوم المعهود عندهم فيضربه ثلاث علفات: واحدة على مقاعده وأخرى على رجليه وأخرى على أكتافه، ويشهرونه (٤) بلا طرطور (٥) بل يكشفون رأسه، وهو الذى أحدث كشف الرأس، مع أن جماعة كثيرين ممن فعل بهم ذلك عميوا وطرشوا، فإن الواحد يكون ضعيف البصر أو به نزلة فيكشفون رأسه ويدورون به القاهرة فلا يرجع إلا بضرأ وأمثال ذلك.
وأما أحكامه فبالبخت والنصيب؛ وأما أخلاقه ففى غاية الشراسة، حتى
стр. 62
إنه يغضب على من قرّبه وجعله أميرا ويستمر على ذلك الأشهر بل الأعوام، هذا مع دينه المتين ومحافظته على الصلاة والصيام، ولكن عنده تعصب على الأمر الظاهر الجلى القطعى، وعرف غالب الفضلاء من أرباب المذاهب وغيرهم ذلك منه، والله تعالى يعامله بعدله سريعا.
شهر جمادى الأولى
أهل بالجمعة، ويوافقه من شهور القبط ثانى عشرى هتور.
لبس السلطان القماش الصوف المعد لبسه لفصل الشتاء وخلع على الأمراء الألوف الفوقانيات الصوف بباب الحريم على العادة كل سنة، وخلع السلطان الفوقانى - الذى هو لابسه - لرأس نوبته الكبير، ثم يصير كل جمعة لمن دونه وهلم جرا إلى أن ينتهى الشتاء.
وفى يوم الاثنين رابعه انتهت نفقة السلطان على مما ليكه من الجامكية بعد أن قطع منها جمع توفر منه نزر يسير على ما قيل بالنسبة لمقام السلطان، وأكثر من قطع من المتعممين وأولاد الناس، وأما اللحم والعليق فتوفر منهما جانب كبيرا، ولا بد نذكر ما تحرر من متوفر الجامكية واللحم والعليق إذا انتهى، فإن الأمر إلى الآن ما سكن.
وفى يوم الخميس (١) حادى عشريه سافر الأمير تمراز الإبراهيمى (٢) بل الشمسى أحد المقدمين الألوف إلى الوجه الغربى من أسفل مصر لمصلحة الجسور وعملها، وصحبته ما تقدم ذكره من المماليك هيئة تجريدة لردع المفسدين فتوجه للمحلة وأقام بها.
стр. 63
وفى يوم الاثنين خامس عشريه ورد الخبر على السلطان بأن درندة ملكها شاه سوار عنوة، وأخذ المدينة والقلعة من نائب السلطان المشهور بابن بلبان، وذلك بموافقة أهلها مع شاه سوار، وقتل (١) أعوان شاه سوار المذكور ابن بلبان واحتاطوا على موجوده، ولم يصل إلينا تفصيل أخذها على التحرير، فشق هذا الخبر على السلطان - نصره الله - بل وعلى كل من سمعه، وعظم هذا الأمر على المسلمين، ولله عاقبة الأمور.
وفيه حضر السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - نصره الله - تفرقة الجامكية على المماليك السلطانية، ففرقت بين يديه بالحوش السلطانى من قلعة الجبل على حكم الشهر الماضى، لكنه لم يبد ولا يعيد، فإنه تنكد وحصل عنده أمر عظيم من خبر درنده، واستمر يفرقها بحضرته فى كل شهر، ثم ترك ذلك، ثم طلب تفرقتها بحضرته.
*** وفيه خلع على الأمير جوهر النوروزى (٢) الطويل الحبشى الذى كان استقر فى نيابة تقدمة المماليك ثم فى التقدمة، واستقر فى وظيفة الزمامية والخازندارية عوضا عن الأمير جوهر التركمانى (٣) الهندى ببذل شئ من الحطام.
وفى يوم الجمعة ثانى عشريه قدم المقر الأشرف المعظم المفخم عظيم الدنيا ومشيرها ووزيرها وداودارها الكبير وصاحب حلها وعقدها من بلاد الصعيد وصحبته عدة من العربان ونسائهم وأولادهم نحو أربعمائة نفر، ففرقوهم على الحبوس فنال ذنب عقابه فيه، وقال الجمال يوسف بن تغرى يردى المؤرخ فى تاريخه عند ذكر قدوم الأمير المذكور دامت نعمته وسعادته: «وصل الأمير
стр. 64
يشبك الدوادار من بلاد الصعيد بعد ما نهب أهلها وبدد شملهم وأخرب عدة قرى من شرقى بلاد الصعيد، وأحضر معه من نسائهم وأولادهم أكثر من أربعمائة امرأة إلى ساحل بولاق فى المراكب، هذا بعد أن مات منهم عدة كثيرة من الجوع والبرد، وجعلهم فى وكالة الأتابك قانم (١) فاشترى لهم بعض الناس إردبىّ فول صحيح ورماه (٢) لهم، فأكلوا فى الحال من شدة الجوع والإجاحة (٣) ثم شرع أهل الخير فى الصدقة عليهم بقدر حالهم؛ وداموا على ذلك إلى يومنا هذا، ولا يعرف أحد مقصود الدوادار فى حبس هؤلاء النوة، وبواسطة تعويقهن شرع أزواجهم فى قطع الطريق وأخذوا بعض مراكب المغل القادمة من بلاد الصعيد ونهبوا ما فيها ثم أحرقوا المراكب، وقيل إنهم فعلوا ذلك بعدة مراكب. وبهذا المقتضى ارتفع سعر القمح وغيره من الغلات فما شاء الله كان. وفى الجملة فإن سفرة الدوادار إلى الصعيد فى هذه المدة كان فيها مصالح ومفاسد، فمن المصالح قتل ابن جامع وسلخه وجماعة أخر ونهب بنى هلبا المذكورين فإنهم كانوا أشر من كان، ومن المفاسد خراب البلاد التى كانت بنو هلبا تأوى إليها، وحضور هذه النسوة إلى القاهرة». انتهى كلام الجمال.
قلت: ولولا وجود مثل هذا الملك الذى حرمته ملأت الأقطار على رؤوس الأشهاد وسفره إلى الوجه القبلى وتمهيده وتنظيفه من المفسدين وإرداعهم بالقتل والنهب وأمثال ذلك لرأينا مالا يطاق وصفه؛ ولله الحمد على كل حال.
وفى يوم الخميس ثامن عشريه رسم السلطان بتفرقة الجامكية على المماليك السلطانية بالإيوان (٤) على العادة، ثم ركب من فوره بعد الخدمة السلطانية
стр. 65
ونزل فى خواصه إلى جهة بركة الحبش (١)، وأقام بها لقريب العصر، فجهز له رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى - كاتب السر الشريف حفظه الله - الغذاء والحلوى والفاكهة والمشروب فأكل وشرب وانشرح وعاد إلى القلعة فى أمن وأمان، والله هو المستعان.
جمادى الآخرة
أهل يوم السبت ويوافقه من شهور القبط ثانى (٢) عشرى كيهك.
فيه تزايد السعر فى الحيوانات جدا بعد أن كانت انحطت قليلا، وأبيع القمح بتسعمائة درهم الإردب بعد أن كان بثمانمائة، وقس على هذا سائر الغلال من الأقوات.
وفيه أيضا فشى الطاعون بإقليم البحيرة من الوجه البحرى من أسفل مصر وبعض بلاد الغربية، بل وظهر الطاعون بالبلاد المصرية لكنه غير فاش، فإنه ظهر ببعض الأماكن، وبعض الأماكن لم يظهر بها شئ، والوقت بدرى فإنه خامس يوم من فصل الشتاء، والأمر لله يفعل ما يريد ولا يسؤل عما فعل.
وفى هذا اليوم اهتم السلطان - نصره الله - بتجهيز تجريدة ثانية لقتال شاه سوار، وذكر أنه يعينها فى أول شعبان.
وفى يوم الأربعاء خامسه ركب السلطان من قلعة الجبل بغير قماش الخدمة فى نفر من خواصه وألزامه وقصد بركة (٣) الجب فوصلها، ثم توجه إلى خانقاه سرياقوس، ثم رجع إلى مدينة عين شمس (٤) الخراب التى بها العمود المسمى بمسلة فرعون، فنزل بها وأقام يومه هناك، وعاد إلى القلعة فى آخر النهار
стр. 66
للذكور بعد أن ساق السوق الشديد، والقالة موجودة بإثارة فتنة والركوب على السلطان نصره الله؛ ويأبى الله ذلك والمسلمون.
وفى الخميس سادسه حضر إلى خانقاه سرياقوس قاصد (١) من شاه سوار المخذول وعلى يده مطالعات ومضمون كلامه «أنه يسأل فى الصلح من مولانا السلطان نصره الله»، فلم يمكنه السلطان من الحضور لخدمته وأمر برده، فرد على أقبح صورة، لا بارك الله فيه ولا فى مرسله، وخذله وأهانه قريبا.
[وفى] يوم الجمعة سابعه سافر الأتابك أزبك إلى جهة البحيرة فى هوتك عظيم وجحفل جسيم.
وفى السبت ثامنه ركب السلطان - نصره الله - من قلعة الجبل ونزل من باب السلسلة إلى مصلى المؤمنى، فصلى على السيفى شاهين (٢) الساقى الطواشى رأس نوبة الجمدارية، وتوجه من هناك إلى بساتين الوزير غارة، واستمر حتى وصل إلى بركة الحبش وأقام بها إلى آخر النهار، وفى خدمته نويسات قليلون وعاد إلى القلعة فى آخر يومه (٣)، وأصبح من الغد - الذى هو الأحد تاسعه - فركب وتوجه إلى قريب المطرية (٤) فنزل بها وأقام إلى آخر النهار وعاد إلى قلعته.
*** وفيه ذكر شخص يسمى يوسف السيفى ليشبك الصوفى أحد المماليك السلطانية أنه وجد حصاة مكتوب على شقها الواحد «قرب الوقت»، وعلى
стр. 67
الشق الآخر «اعتبروا واتقوا الله»، والخط ناتى، كالعروق بغير نقط، ولونه فى الحصاة أسمر وهو إلى الصفرة أقرب والخط أغمق من لونها، ووزنها ستة دراهم ونصف وربع درهم، وذكر يوسف المذكور أنه رآها تمشى على الأرض بالقرب من دار الضيافة من تحت القلعة، قال الجمال يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه عندما ذكر هذه الحصاة: «وأنا استغفر الله وأقول إنها مصطنعة» (١).
*** وفى يوم السبت خامس عشره جلس السلطان - نصره الله - بالحوش السلطانى على الدكة كعادته، وعرض المماليك السلطانية الذين يريد تجهيزهم لتجريدة شاه سوار، وعين منهم جماعات كثيرين للسفر صحبة من عينه قبل تاريخه من الأمراء الذين سنذكر عددهم وتسميتهم عند توجههم من القاهرة لقتال شاه سوار. واتفق فى هذا العرض أمر غريب من السلطان وهو أنه لما عرضهم وصار يعين منهم للسفر صحبة من عينه من الأمراء كما قدمنا سأل من كان له إقطاع فيلزمه بإقامة بديل يسافر عنه أو يقوم بمائة دينار، وإن كان صاحب جامكية - أعنى ألفى درهم - أخذ منه عشرون دينارا، وتم له ذلك بعد أن فشر من فشر وظن من ظن، ولم ينتطح فيها عنزان. وأصبح العرض من الغد، وفعل فيه كما تقدم.
وفى يوم الاثنين سابع عشره جلس السلطان على الدكة بالحوش السلطانى من قلعة الجبل كعادته، وفرقت الجامكية بحضرته على المماليك السلطانية.
*** وفيه أمر السلطان باعتقال المقر الشهابى أحمد بن [العينى] (٢) بالبرج من قلعة الجبل بسبب ما تأخر عليه من المال، فأقام به إلى يوم الأربعاء تاسع عشره
стр. 68
[ثم] (١) أطلق بعد أن حمل المال، فخلع عليه السلطان - نصره الله - كاملية بمقلب سمور، وتوجه لداره مكرما معظما.
*** وفى هذا اليوم جهز السلطان نفقة السفر للأمراء الذين عينهم لقتال شاه سوار المخذول، فجهز للأمير قرقماس الأشرفى الجلب أمير مجلس ثلاثة آلاف دينار، وحمل إلى الأمير سودون القصر وهى رأس نوبة النوب بالشرح (٢)، وكذلك الأمير تمر حاجب الحجاب، وكان أنعم عليه قبلها بمثلها لما يعلمه (٣) من تقتيره وتبذيره وما حصل عليه. وكذلك وصل لقراجا الإينالى الأعرج الأشرف أحد مقدمى (٤) الألوف وهو مسافر بالوجه القبلى لجهة إفطاعه. وهؤلاء الأمراء المذكورون (٥) هم المعينون لتجريدة شاه سوار، ومقدم العسكر المذكور الأمير الكبير الأتابك أزبك من ططخ الظاهرى - عز نصره - مع أنه مسافر لجهة البحيرة.
ثم إن السلطان رسم لكل أمير من الطبلخانات بخمسمائة دينار، وهم جانبك (٦) الزينى المؤيدى أحد رءوس النوب، وخير بك من حديد (٧) الأجرود الأشرفى [برسباى]، وأرسل لكل أمير من أمراء العشرات بمائتى دينار وعدتهم أكثر من عشرين نفرا، فلما وصلت النفقة إلى الأمير
стр. 69
قرقماس الأشرفى المشهور بالجلب أمير مجلس طلع من الغد إلى السلطان يساله فى عدم السفر ويسأل أن يكون طرخانا، فلم يلتفت السلطان لكلامه ولا اكترث به وأغلظ عليه فى اللفظ وألزمه بالسفر، فامتثل ذلك.
ولما نزل قرقماس المذكور إلى داره واجتمع (١) عليه خجداشيته (٢) فأشاع لسخيفو العقول أن لابد من ركوب على السلطان، ويأبى الله ذلك والمسلمون.
ولما أصبح الغد من تاريخه ركب السلطان - نصره الله - حتى قلعة الجبل فى أناس قلائل جدا من خاصكيته وأعوانه إلى جهة خليج الزعفران واستمر يومه مقيما يتنزه ويتمتع بما أعطاه الله من نفوذ الحرمة والكلمة والعمل الصالح، وعاد آخر النهار إلى القلعة وهو غير مكترث بما أشيع من الركوب، فبطلت القالة وعلم كل أحد أنه مستخف بهم ولا يخاف إلا الله جل وعلا.
شهر رجب
أهل بيوم الأحد الموافق له من شهور القبط العشرين من طوبة والناس فى أمر مدلج من غلو الأسعار وبوادر الطعن ببيوت بعض الناس بالقاهرة غير أنه قليل، ونسأل الله السلامة والعفو والعافية فى النفس والأهل والمال والولد.
وفى هذا اليوم وصل المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى أزبك من ططخ من البحيرة بعد أن أصلح أحوالها ووطن أهلها وأردع المفسدين وأجلاهم
стр. 70
عن القرى والمدن فحسنت الحال وصعد القلعة بعد عصر يومه المذكور فقبّل الأرض وبات بالقصر الأبلق على العادة لأجل الخدمة والموكب، وأصبح يوم الاثنين فحضر الموكب وعيّنه السلطان مقدم العساكر المنصورة المجردين لقتال شاه سوار، فتوقف واعتذر بقلة الموجود وعدّد ما ذهب له من الخيول والقماش والمتاع فى وقعة شاه سوار المقدم ذكرها فلم يقبل منه، ووعد بكل جميل فى الحال والمال، ولا زال به السلطان حتى أذعن للسفر، والله المستعان.
ومع هذا الأمر الذى السلطان - نصره الله - فيه من الاهتمام بأمر الإسلام والمسلمين وقيامه بنصرتهم لدفع هذا العدو المخذول إن شاء الله عن البلاد والعباد والمسافرين والقاطنين، فالناس يلهجون بوقوع فتنة من غير تصريح بركوب أحد بعينه، كما هى عادة فشار العوام.
*** وفيه قدم قاصد الأمير حسن بك بن على بك بن قرايلك صاحب ديار بكر وما معها، فصعد بين يدى المواقف الشريفة شرفها الله وعظمها، وقبل الأرض وقدم هدية مرسله، فكانت من الجمال البخاتى (١) خمسة ومن المماليك اثنين، ومن السلاح زردية (٢) وعدة مفاتيح لعدة قلاع استولى عليها من ممالك أذربيجان (٣) وتبريز من ممالك جهان شاه بن قرا يوسف، وكتاب مرسله
стр. 71
مضمونه التواضع والدعاء لمولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى، ومحصل الكتاب أنه من جملة المماليك السلطانية، وأن كل ما يملكه من البلاد والقلاع إنما هو زيادة فى ممالك السلطان نصره الله وأنه نائبه فيهم، ويسأل الصدقات الشريفة فى إرسال خلعة له يتشرف بها من السلطان؛ فأجيب سؤاله وأكرم قاصده وأجرى عليه من الرواتب ما يليق به.
*** وفى يوم الخميس خامسه ضبط من ورد أسمه ديوان المواريث إلى خمسة وأربعين نفرا، وهذا يسميه (١) المباشرون «التعريف» فى اصطلاحهم.
*** وفى يوم الاثنين تاسعه أضاف (٢) السلطان قاصد حسن بك بن قرايلك المذكور بالحوش السلطانى من قلعة الجبل ضيافة هائلة ملوكية، وبعد إنهاء السماط والمشروب خلع السلطان عليه كاملية بمقلب سمور وفوقانيا بطراز زركش عريض، وخلع على ولده كاملية عظيمة، وأنعم عليه بألف وخمسمائة دينار وأشياء غير ذلك، وأمره بالسفر فى يوم الخميس مكرما مبجلا بعد أن جمع له أشياء نفيسة وجهزها صحبته: من خلع وهدايا هائلة لمرسله حسن بك.
وأرسل إليه عظيم الدنيا ومشيرها ومدبرها ووزيرها ودوادارها الكبير وصاحب حلها وعقدها الأمير يشبك من مهدى - أعز الله أنصاره - هدية عظيمة، وأضافة ضيافة هائلة، وأنعم عليه بخمسمائة دينار وعدة خيول وقماش وسلاح.
وحصل لقاصد (٣) حسن من السلطان لما وادعه (٤) جبر كبير، فإنه
стр. 72
لما وادعه خاطبه بكلام فيه تعظيم لحسن المذكور وتحسن ملاطفة، وأفهمه أنه يحبه وأنه عضده. وحكى لى ذلك كله من لفظه، وسافر القاصد المذكور من القاهرة فى يوم الخميس ثانى عشره.
وفيه نودى بالقاهرة وشوارعها بالنفقة للمماليك السلطانية المجردين لقتال شاه سوار صحبة مقدم العساكر الأتابك أزبك - عز نصره - فى يوم السبت رابع عشره.
*** وفى ليلة السبت المذكور الذى هو رابع عشره خسف جميع جرم القمر، وكان ابتداء الخسوف بعد الغروب بعشرين درجة وربع درجة، ثم أخذ فى الانحلال إلى ستين درجة ودقائق.
وفى يوم هذا السبت المذكور فرقت النفقة على المماليك السلطانية المجردين لقتال شاه سوار بحضرته (١) وكذلك فى يوم الثلاثاء سابع عشره، وعين السلطان أيضا من المماليك السلطانية عدة يتوجهون فى البحر الملح فى عدة من المراكب موسوقة بالغلال وعليهم بعض الأمراء ليتوجهوا بذلك إلى ساحل بلاد التركية، تقومة للعساكر المجردين لقتال شاه سوار فى البر لعظم الغلاء فى البلاد الشامية.
وفى هذه الأيام وصلت الأخبار من البلاد الشامية بعظم الغلاء، وذكروا أن الغرارة القمح وصلت بدمشق إلى عشرين دينارا، والشعير بأكثر من عشرة دنانير الغرارة، ووصل عدة من يموت بالقاهرة المحروسة من التعريف من المواريث الحشرية فى يوم الأربعاء ثامن عشره إلى واحد (٢) وستين نفرا،
стр. 73
ثم وصل فى يوم الجمعة العشرين منه إلى مائة نفر، وفى ضبط أهل الديوان نظر فإن المائة التى ذكروها عن القاهرة كلها جاء عدة من يموت وصلى عليه بباب (١) النصر أكثر من خمسين نفرا، فما بالك ببقية المصلاة التى بالقاهرة فإن عدتها (٢) سبع عشرة مصلاة، وبهذا المقتضى لا نعتمد على ضبطهم.
وفى الثلاثاء رابع عشره أنفق السلطان للمماليك المجردين لقتال شاه سوار جامكية أربعة (٣) شهور لكل نفر وكسوة سنة.
*** وفى هذا اليوم والذى قبله أمر السلطان - نصره الله - القاضى شرف الدين بالتوجه إلى البلاد الشامية لينفق فى العساكر ويخدم (٤) المشاة والقواسة ليضافوا للعسكر المصرى المتوجه لقتال شاه سوار؛ هذا والأخبار ترد فى كل قليل بأن شاه سوار - عليه اللعنة - فى أقبح حال من اختلاف عساكره ومن عظم ما عنده من الغلاء والقحط والموت فى مواشية، فزاده الله من البلا، وأوقع به البلاء قريبا عاجلا.
*** وفى يوم الثلاثاء فرّق السلطان الجمال على المماليك السلطانية المجردين لشاه سوار لكل مملوك جمل، وحصل فى تفرقة الجمال فى هذا اليوم أمر مهول وحادث غريب هو أن الجمال لما دخلت من الميدان الذى من جهة باب القرافة وازدحم بعضها على بعض مات منها أكثر من مائتين وأربعين جملا فى ساعة،
стр. 74
وما كفى (١) منها إلا حملها ورميها فى الصحارى.
وفى الخميس سادس عشريه الموافق له من الشهور القبطية خامس (٢) عشر أمشير نقلت الشمس إلى برج الحوت، وضبط اسم من يموت بالتعريف بالمواريت الحشرية من الأموات فبلغت مائة نفر وسبعة أنفار، وقد قدمنا أنه لا عبرة بضبط التعريف.
وفى هذا اليوم أخذ الطاعون فى الزيادة حسبما نذكره بعد ذلك بما ضبط من الأموات بمصلى باب النصر، فإنها أكثر واردا من جميع المصلات.
وفى يوم السبت ثامن عشريه سافر المقر الأشرفى الأنصارى لما ندبه له السلطان من النفقة على العساكر الشامية، واستخدم المشاة والقواسة والتراكمين وغيرهم صحبة العسكر المنصور المصرى، وتوجه معه جماعة من الأعيان، وصحبته مال كبير يقال إنه مائة ألف دينار من الخزانة الشريفة خارجا عما يأخذه من البلاد الشامية والقلاع والتعلقات (٣) السلطانية، منحه (٤) الله السلامة، فى السفر والإقامة.
شعبان
أهل بيوم الاثنين.
فيه صمم المسافرون على خروجهم وعظم اهتمامهم بذلك.
وفيه فشا الطاعون بالقاهرة ومصر وبولاق.
стр. 75
وفى يوم الثلاثاء ثانيه أرسل السلطان - نصره الله - إلى المقر الأشرف الأتابكى أزبك - أعز الله أنصاره - يأمره بالسفر فى يوم الثلاثاء تاسعه فأجاب بالسمع والطاعة، واعتذر أثناء ذلك أن السلطان إلى يوم تاريخه لم يجهز له نفقة السفر، فلما بلغ السلطان ذلك أرسل إليه من الغد إثنى (١) لم يجهز ألف دينار.
وفى يوم الخميس رابعه خلع على قاضى القضاة السبد الشريف سراج الدين عمر بن حريز واستقر فى قضاء المالكية عوضا عن أخيه السيد حسام الدين (٢) بحكم وفاته لرحمة الله.
وفيه خلع على عظيم الدنيا ومشيرها ووزيرها ودوادارها الكبير وصاحب حلها وعقدها بوظيفة الأستادارية الكبرى مضافا لما ذكر، وهذا شئ لم يقع لغيره من الأمراء فى سائر الدول، أعنى من جميع هذه الوظائف السنية.
وقبض السلطان فى هذا اليوم على الأمير زين الدين الأستادار كان، والصاحب مجد الدين اسماعيل بن البقرى، وألزم زين الدين المذكور بحمل مائة ألف دينار، وأما زين الدين فحلف وصمم أنه لا يملك شيئا سوى دوره وأوقافه.
وفى يوم السبت حمل موسى ابن كاتب غريب من بيته من المقسم على قفص حمال إلى القلعة فحبس بالبرج منها، والذى يظهر لى أن أمر هؤلاء الممسوكين جميعهم راجع إلى رأى الأمير المعظم المكرم عظيم الدنيا الدوادار الكبير، فإنه الآن صار مدبر المملكة ومشيرها ونظامها وصاحب حلها وعقدها والمتصرف (٣) فيها.