مقدمة التحقيق
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعد:
فإنَّ كتاب «دين الحق» للشيخ عبد الرحمن بن حمَّاد العمر ﵀ من الكتب المفيدة، والتي تتميَّز بالشُّمول والوضوح والإيجاز، وقد أُعجب به العلماء الذين قرؤوه منذ صدور أول طبعاته عام (١٣٩٥)، واهتمَّ به العلّامة عبد العزيز بن باز ﵀، وأمر قسم الترجمة برئاسة الإفتاء بترجمته إلى اللغات المُمْكِنَة؛ فزادت ترجماته على عشرين لغة، منها: الإنجليزية، والفرنسية، والفلبينية (ماراناو)، والتاميلية، والروسية، والأردية، والسويدية، والأوزبكية، ولغة الهوسا، والسويدية، والصينية، والتركية، والمليبارية، والبنغالية، واليابانية وغيرها، كما اهتمَّت به وزارة الشؤون الإسلامية، وقامت بطباعة بعض ترجماته وتوزيعها، واهتمَّت به مكاتب دعوة الجاليات؛ فوزعته على غير المسلمين، وعلى عامة الرَّاغبين في معرفة الإسلام وأحكامه ومنهجه في الحياة، وقد حرص عليه أيضًا مصنِّفُه ﵀؛ فقد أوصى ذريته -نفع الله بهم وبارك فيهم- بالحرص على نشر كتاب «دين الحق» خاصة، وبكلِّ ترجماته.
وحرصًا من المكتب العلمي لمؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن البراك، وضمن مشروع نشر إنتاج الشيخ وتقريبه وتحقيقه؛ فقد عمد إلى جمع وتفريغ مادة شرح كتاب «دين الحق»، وأصل المادة تعليقات
стр. 2
مختصرة على الكتاب؛ إذ كان يُقرأ على شيخنا حفظه الله فجر كل ثلاثاء، فعقد له ثلاثين مجلسًا أتى على جميعه بالشرح والبيان بما يقتضيه المقام، وذلك من الثالث والعشرين من شهر جمادى الأولى عام (١٤٤٠) إلى غُرَّة شهر رجب عام (١٤٤١) في مسجد «الخليفي» بالرياض، وبقيت في الكتاب مواضع لم تُشرح، ومواضع تحتاج لزيادة شرح وبيان؛ فقررنا أن نعيد قراءة الشرح كله على شيخنا قراءة ضبط وتكميل، واقترحنا عليه زيادة توضيح لبعض المسائل، وشرح بعض الفقرات الواردة في الكتاب؛ فأجاب إلى ذلك -متَّعه الله بالعافية- فكان يُقِرُّ ويُعدِّل، ويزيد وينقص، ويحرِّر ويدقق، وأملى ما يقرب من ثُلثَيْ الكتاب دون الاعتماد أو الرجوع إلى المفرَّغ حتى استقام على هذه الصورة التي بين يديك.
واختار شيخنا حفظه الله أن يسمي شرحه هذا ب «التعليق والبيان على الدين الحق للشيخ: عبد الرحمن بن حماد العمر رحمه الله تعالى»، سائلين المولى أن ينفع به، ويكتب لشيخنا جزيل الأجر والثواب، إنه جواد كريم.
وقد سرنا في العمل على هذا الكتاب وفق المنهج التالي:
١. مقابلة المتن وضبطه على طبعة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، الطبعة السادسة، عام (١٤٢٠).
٢. تفريغ الدروس وتنسيقها.
٣. مطابقة الدروس بأصلها المسموع، وتصويب ما وقع في النسخة المفرَّغة من سَقطٍ أو تصحيفٍ.
стр. 3
٤. قراءة التفريغ على شيخنا حفظه الله، وكتابة التعليقات الجديدة المحررة التي تزيد على ثُلثَيْ الكتاب دون الاعتماد أو الرجوع إلى المفرَّغ كما تقدَّم.
٥. تقسيم المتن إلى فقرات، ويليه التعليق على الفقرة، والبدء بكلمة «التعليق» بين المتن والشرح، وكل ذلك من صنع شيخنا حفظه الله.
٦. توثيق النقول التي وردت في الشرح، وعزوها إلى مصادرها الأصلية.
٧. ربط بعض مباحث الكتاب بكلام أهل العلم المحققين.
٨. العناية بالإحالة إلى كُتب وشروح شيخنا في المسائل التي تناولها بتوسُّع في مصنفاته الأخرى.
٩. ضبط الكلمات المشكلة وتشكيلها بالحركات.
١٠. العناية بعلامات الترقيم.
١١. عزو الآيات إلى مواضعها من كتاب الله ، وإثباتها على رواية حفص عن عاصم.
١٢. تخريج جميع الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب.
والطريقة في ذلك ما يلي:
أ- إذا كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما نقتصر عليه في العزو.
ب- إذا كان الحديث في غير الصحيحين:
стр. 4
خرجناه من أشهر مصادره الأصلية؛ كمسند الإمام أحمد، والسنن، وغيرها من المصادر الحديثية المعتبرة.
ننقل ما تيسَّر من كلام أهل العلم عليه تصحيحًا أو تضعيفًا.
ج- نذكر اسم الصحابي راوي الحديث إلا أن يُذكر في المتن أو الشرح، وإذا كان الحديث مرويًا عن أكثر من صحابي ذكرنا صاحب اللفظ وأشرنا إلى غيره تبعًا.
١٣. ترجمة الأعلام غير المشهورين.
١٤. التعريف بالكتب والفِرق غير المشهورة.
١٥. شرح معاني الكلمات الغريبة من المعاجم المختصَّة.
١٦. صنع فهرسة للموضوعات، وقائمة للمراجع.
ونسأل الله أن ينفع بهذا الشرح كما نفع بأصله، ونسأل الله الكريم من واسع فضله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللجنة العلمية في
مؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
للتواصل: جوال: ٠٥٠٥١١٢٢٤٢
البريد الإلكتروني: m@sh-albarrak.com
стр. 5
مقدمة التعليق
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، أما بعد:
فهذا تعليقٌ على كتاب «دين الحق» للشيخ عبد الرحمن بن حمّاد العمر رحمه الله تعالى، والمؤلف من أفاضل أهل العلم المعروفين بالعلم والدعوة والاجتهاد في نشر العلم وفي تحصيله، وهو ﵀ معاصر توُفي قريبًا في ربيع الأول عام سبعة وثلاثين وأربع مئة، وذُكر في ترجمته أنه وُلد في عام أربعة وخمسين وثلاث مئة، وقد كتبتُ عن الشيخ قبل ذلك ما يحسن الرجوع إليه (١).
وإليك نص ترجمته كما في «الدرر السنية» بقلم الشيخ سعد بن عبد الرحمن بن قاسم؛ قال: «الشيخ عبد الرحمن بن حمّاد العمر البدراني حفظه الله (٢)، عالمٌ جليلٌ، وداعية إلى الله بالحكمة، والموعظة الحسنة،
стр. 6
وُلد في «روضة سدير» في السابع عشر من شهر صفر عام أربعة وخمسين وثلاث مئة وألف من الهجرة، وتربَّى على يدي والديه، وتعلَّم مبادئ القراءة والكتابة على يد إمام جامع البلد: الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فنتوخ، وتعلَّم القرآن على فوزان القديري وابنه عبد الله، وأكمل دراسة القرآن، وحفِظ «الأصول الثلاثة وأدلتها»، و «شروطَ الصلاة وأحكامَها» على والده ﵀.
والتحق بالمدرسة الابتدائية عام تسعة وستين وثلاث مئة وألف، ثم بالمعهد العلمي بالرياض، ثم بكلية الشريعة فتخرَّج منها عام اثنين وثمانين - ثلاثة وثمانين، وأخذ قبل التخرُّج وبعده عن كثير من العلماء، وفي مقدمتهم: الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن محمد بن حُميد (١)، وكذا الشيخ سليمان بن حمدان (٢) رحمهم الله تعالى، وقد أجازه كتابةً بما أجازه أهل العلم، وأخذ العلم أيضًا عن غيرهم من أهل العلم (٣).
стр. 7
وكان يكثر من قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وكتب أئمة الدعوة، والمراجعِ الكبار: في التفسير والحديث والأصول والفقه وغير ذلك. وله كتبٌ ورسائلُ بلغت ثمانية عشر (١)، طُبِع بعضها وانتشر، منها: «في سبيل الحق»، و «الإرشاد إلى توحيد رب العباد»، و «الذكرى»، وكتاب: «دين الحق» وقد تُرجم إلى لغات كثيرة، وغير ذلك. وله مشاركة في المحاضرات والندوات في المساجد … وعمل مدرِّسًا بوزارة المعارف ما يقارب ثلاثين عامًا حتى تقاعد في سنة ١٤١٥ هـ» (٢).
وهذا الكتاب بهذا العنوان مهم جدًّا، فمؤلفه يريد التعريف بأنَّ الدين الحق هو دين الإسلام لا غيره؛ فإنَّ كثيرًا من الناس قد يُلبَّس عليه فيظن اليهودية والنصرانية دينًا صحيحًا لأنها تنتسب إلى بعض رسل الله؛ كموسى وعيسى ﵉، ولكنهم حرَّفوا وبدَّلوا، وبعد بعثة محمد ﷺ نُسخ العمل بشريعة موسى وعيسى؛ فاليهود والنصارى اليوم ليسوا على دينٍ صحيحٍ، فالدين الذي هم عليه إما مبدَّل أو منسوخ.
فالكتاب مبني على مضمون قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وعلى مسائل الأصول الثلاثة التي يُسأل
стр. 8
عنها الإنسانُ في قبره: مَنْ ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟ (١) فعُلم بذلك أهمية هذا الكتاب لأن موضوعه أهم المهمات، وأوجب الواجبات: وهو الإيمان بأن الدين الحق هو دين الإسلام المبني على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وما يتبعهما من أركان الإسلام، والأصول الثلاثة التي يُسأل عنها الإنسان راجعةٌ إلى الشهادتين.
وهو دعوةٌ لجميع الناس ليُدخِل الكفار في الإسلام، ومن كان مسلمًا يثبت على الإسلام، ويخص الشيخ بالخطاب ذوي العقول ليفكروا في حقيقة الإسلام؛ فيعلموا أنه دين الفطرة والعقل والشمولية والكمال؛ فيعرفوا بذلك فضله على غيره من الأديان فيؤثروه، ويتمسَّكوا به طلبًا للنجاة من الخسران، ولهذا يقول في مقدمته: (فهذه دعوةٌ إلى النجاة، أتقدم بها لكل عاقلٍ في الوجود -ذكرًا أو أنثى- راجيًا من الله العلي القدير أن يُسعد بها مَنْ ضلَّ عن سبيله).
تنبيه:
سمى الشيخ كتابه: «دين الحق»، والمناسب لمقصوده أن يكون ب «أل» لا بالإضافة؛ فيُقال: «الدين الحق»، ويثبت على هذا الغلاف بهذا اللفظ على تقدير: هذا هو الدين الحق، وهو دين الإسلام المبني على
стр. 9
الشهادتين، وما يتبعهما من أركان الإسلام؛ ثبتنا الله عليه حتى نلقاه إنه تعالى سميع الدعاء.
* * *
стр. 10
المقدمة والإهداء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع رسل الله، وبعد: فهذه دعوةٌ إلى النجاة، أتقدم بها لكل عاقل في الوجود -ذكرًا أو أنثى- راجيًا من الله العلي القدير أن يُسعد بها مَنْ ضل عن سبيله، وأن يثيبني وكل مَنْ يساهم في نشرها أجزل الثواب، فأقول والله المستعان:
اعلم -أيها الإنسان العاقل- أنَّه لا نجاة ولا سعادة لك في هذه الحياة، وفي الحياة الآخرة بعد الممات إلا إذا عرفت ربك الذي خلقك، وآمنت به وعبدتَه وحده، وعرفت نبيك الذي بعثه ربك إليك، وإلى جميع الناس، فآمنتَ به واتبعتَه، وعرفتَ دين الحق الذي أمرك به ربك، وآمنت به، وعملت به.
وهذا الكتاب الذي بين يديك «دين الحق» فيه البيان لهذه الأمور العظيمة التي يجب عليك معرفتها والعمل بها، وقد ذكرت في الحاشيةِ ما تحتاج إليه بعض الكلمات والمسائل من زيادة إيضاح (١)، معتمدًا في ذلك كله على كلام الله تعالى وأحاديث رسوله
стр. 11
﵊؛ لأنَّهما المرجع الوحيد لدين الحق الذي لا يَقبلُ اللهُ من أحد دينًا سواه.
وقد تركتُ التقليد الأعمى الذي أضلَّ كثيرًا من الناس؛ بل وذكرتُ جملةً من الطوائف الضالّة التي تدَّعي أنَّها على الحق، وهي بعيدة عنه، لكي يحذرها الجاهلون بحالها من المنتمين إليها وغيرهم، والله حسبي ونعم الوكيل.
قاله وكتبه:
الفقير إلى عفو الله تعالى:
عبد الرحمن بن حمَّاد آل عمر
أستاذ في العلوم الدينية.
التعليق
قوله: (والصلاة والسلام على جميع رسل الله، وبعد): المناسب أن يُقال: «والصلاة والسلام على رسول الله محمد ﷺ »، وذِكر الرسل بعد ذِكر محمد ﵊؛ لأنَّنا أخص بهذا الرسول، ولكن لعل العُدول عن العبارة المشهورة إلى ما ذكر؛ لأنَّ الدين الحق -دين الإسلام- هو ما بعث الله به رسله من أولهم إلى آخرهم. ولو قال: «أمَّا بعد» كان أولى.
قوله: (اعلم -أيها الإنسان العاقل- أنَّه لا نجاة ولا سعادة لك في هذه الحياة، وفي الحياة الآخرة بعد الممات إلا إذا عرفت ربك الذي خلقك،
стр. 12
وآمنت به وعبدتَه وحده، وعرفت نبيك الذي بعثه ربك إليك، وإلى جميع الناس، فآمنتَ به واتبعتَه، وعرفتَ دين الحق الذي أمرك به ربك، وآمنت به، وعملت به): هذه هي الأصول الثلاثة التي تضمنتها الرسالة القيمة المشهورة: «ثلاثة الأصول» أو «الأصول الثلاثة» للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، فالشيخ قصد تقرير هذه الأصول الثلاثة، وهي يُعبَّر عنها بمسائل القبر التي يُسأل عنها الميت في قبره: مَنْ ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟ (١).
قوله: (وهذا الكتاب الذي بين يديك «دين الحق» فيه البيان لهذه الأمور العظيمة التي يجب عليك معرفتها والعمل بها، وقد ذكرت في الحاشيةِ ما تحتاج إليه بعض الكلمات والمسائل من زيادة إيضاح، معتمدًا في ذلك كله على كلام الله تعالى وأحاديث رسوله ﵊؛ لأنَّهما المرجع الوحيد لدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه): المرجع والطريق في معرفة دين الإسلام وما تضمنه من عقائد وشرائع هو الكتاب والسنة، فهما المصدر لمعرفة مسائل الدين العلمية الاعتقادية، والمسائل العملية.
стр. 13
قوله: (وقد تركتُ التقليد الأعمى الذي أضلَّ كثيرًا من الناس): المؤلف معروفٌ بتحرِّي الدليل في مسائل الأحكام، فهو لا يلتزم بمذهب ولا يتمذهب، فمنهجه منهج أهل الحديث، ولهذا يقول: إني تركت التقليد. وكثيرٌ من المنتسبين إلى المذاهب مقلِّدون للأئمة الذين ينتمون إليهم، والشيخ ﵀ عنده نزعة عدم المذهبية، وعدم التقليد، والتعويل على الدليل في كل ما يَطرح من المسائل العقدية، والعملية من مسائل الأحكام، ولا شك أنَّ هذا المنهج قيِّم عظيم؛ لأن فيه تجرُّدًا عن التعصب والتبعية، فمنهج المؤلف مبنيٌّ على قاعدة «كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرَد إلا الرسول ﷺ » (١)، وإن كان مَنْ يسلك هذه الطريقة محقًّا؛ فليس المراد أنه يرفض أقوال الأئمة فلا ينظر فيها، ولا ينتفع بأقوالهم واجتهاداتهم، بل المراد ترك التعصب والتقليد مع احترام الأئمة، ومعرفة فضلهم في استنباط الأحكام، والاستفادة من ذلك، وهذا ما أوصى به الأئمة الأربعة وغيرهم بعدم التعصب لأقوالهم (٢)، وأنَّه مَنْ استبانت له السنَّةُ؛ لا يحلُّ له أن يَعدل عنها لقول أحدٍ من الناس (٣)، فالشيخ في هذا المنهج هو في الحقيقة متَّبعٌ للأئمة، عاملٌ بوصاياهم.
стр. 14
قوله: (بل وذكرت جملة من الطوائف الضالّة التي تدَّعي أنَّها على الحق، وهي بعيدة عنه، لكي يحذرها الجاهلون بحالها من المنتمين إليها وغيرهم، والله حسبي ونعم الوكيل): كثير من الطوائف المنتسبة للإسلام يدَّعون أنَّهم هم الطائفة المنصورة، والأمر بخلاف ما يقولون، فالطائفة المنصورة الناجية هي مَنْ بيَّنهم الرسول في قوله، قيل: مَنْ هي يا رسول الله؟ قال: «الجماعة» (١)، وفي لفظ: «مَنْ كان على مِثل ما أنا عليه وأصحابي» (٢) فمَن كان على هدي الرسول وصحابته فهو الذي على الحق، وكل مَنْ حاد عن طريقهم فهو على الباطل. وقوله: (والله حسبي ونعم الوكيل): يريد أن الله هو الموفِّق والمعين على بلوغ المراد، وإصابة الصواب.
* * *
стр. 15
الفصل الأول: معرفة الله (١) الخالق العظيم
اعلم -أيها الإنسان العاقل- أنَّ ربك الذي خلقك من العدم وربَّاك بالنِّعم هو (الله) رب العالمين، والعقلاء المؤمنون بالله تعالى (٢) لم يروه بأعينهم، ولكنهم رأوا البراهين الدالّة على وجوده، وعلى أنَّه الخالق المدبِّر لجميع الكائنات فعرفوه بها، ومن هذه البراهين:
البرهان الأول: الكون والإنسان والحياة: فهي أشياء حادثة لها بداية ونهاية، ومحتاجة إلى غيرها، والحادث والمحتاج إلى غيره لا بدَّ أنَّه مخلوق، والمخلوق لا بدَّ له من خالق، وهذا الخالق العظيم هو (الله)، والله هو الذي أخبر عن نفسه المقدسة بأنَّه الخالق المدبِّر لجميع الكائنات، وهذا الإخبار جاء من الله تعالى في كتبه التي أنزلها على رسله.
وقد بلَّغ رسلُ الله كلامَه للناس، ودعَوهم إلى الإيمان به وعبادته وحده، قال الله تعالى في كتابه القرآن العظيم: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ
стр. 16
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتِ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ٥٤﴾ [الأعراف].
المعنى الإجمالي للآية الكريمة:
يخبر اللهُ تعالى الناسَ جميعًا أنَّه ربهم الذي خلقهم، وخلق السموات والأرض في ستة أيام (١)، ويخبر أنَّه مستوٍ (٢) على عرشه، والعرش فوق السموات، وهو أعلى المخلوقات وأوسعها، والله فوق هذا العرش، وهو مع جميع المخلوقات بعلمه وسمعه ورؤيته، لا يخفى عليه شيءٌ من أمرهم، ويخبر الله جل شأنه أنَّه جعل الليل يغطِّي النهار بظلامه، ويتبعه مسرعًا، ويخبر أنَّه خلق الشمس والقمر والنجوم، وجعلها جميعًا مذلَّلة تسير في أفلاكها بأمره، ويخبر أنَّ له وحده الخلق والأمر،
стр. 17
وأنَّه العظيم الكامل في ذاته وصفاته، الذي يعطي الخير الكثير الدائم، وأنَّه رب العالمين الذي خلقهم، وربّاهم بالنِّعم.
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت].
المعنى الإجمالي للآية الكريمة:
يخبر الله تعالى أنَّ من آياته الدالة عليه: الليل والنهار والشمس والقمر، وينهى عن السجود للشمس والقمر؛ لأنَّهما مخلوقان كغيرهما من المخلوقات، والمخلوق لا يصح أن يُعبد، والسجود نوع من العبادة، ويأمر الله الناس في هذه الآية -كما يأمرهم في غيرها- أن يسجدوا له وحده؛ لأنَّه هو الخالق المدبِّر المستحق للعبادة.
التعليق
قوله: (من العدم): الصواب أن يُقال: بعد العدم (١).
قوله: (والعقلاء المؤمنون بالله تعالى لم يروه بأعينهم، ولكنهم رأوا البراهين الدالّة على وجوده): وهي آياته الكونية، قال تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ
стр. 18
بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢٢]، فالمؤمنون عرفوا الله بآياته، ودلائل وجوده وعلمه وحكمته وقدرته سبحانه، والآيات الكونية: هي كل المخلوقات، والآيات الشرعية: هي آيات القرآن.
قوله: (البرهان الأول: الكون والإنسان والحياة … ) إلى آخره: في هذه الجملة الاستدلال بالمخلوق على الخالق، فإنَّ المخلوق لا بدَّ له من خالق، فالمُحدَث لا بدَّ له من مُحدِث، فإنَّ المخلوق لا يخلق نفسه، ولا يوجَد من غير خالق، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور]، فهذا برهانٌ عقليٌّ قاطعٌ، فالمخلوق المحدَثُ لا يوجِد نفسه؛ لأنَّه كان عدمًا، والعدم ليس بشيء، ولا يوجَد من غير موجِد، هذا نظرٌ عقلي ضروري، فلا يمكن لعاقل أن يقول: إنَّ هذا حدث من غير محدِث، ويضرب العلماء لتقريب هذا فيقولون: إنَّ هذا فطري في الإنسان، فالطفل الصغير لو ضربه ضارب ثم قال: مَنْ ضربني؟ فقيل له: لم يضربك أحد، فإنَّه لا يطيق ذلك، فهو مفطور على أن المحدثَ لا بدَّ له من محدِث، ولهذا يسأل يقول: مَنْ ضربني؟ (١).
والله تعالى هو الخالق المدبِّر لجميع الكائنات كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥].
стр. 19
قوله: (يخبر الله تعالى الناس جميعًا أنَّه ربهم الذي خلقهم، وخلق السموات والأرض في ستة أيام … ) إلى آخره: ينبِّه الشيخ إلى أنَّ الله تعالى الذي أخبر بأنَّه استوى على العرش أنَّه مع عباده كما في الآيات الأخرى، فيجب الإيمان بالعلو والمعية؛ بعلوه فوق مخلوقاته مستويًا على عرشه، والإيمان بأنَّه مع العباد كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ومعيَّته تعالى إنما هي بعلمه وسمعه وبصره (١)، يعني: يعلم أحوال العباد وما ظهر وما خفي من أحوالهم، ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم، إذن هو معهم كما قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وهذا أصلٌ من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة؛ الإيمان بالعلو والمعية، فهو تعالى عالٍ في دُنوِّه، قريبٌ في علوِّه، وقد جمع الله بين الصفتين في آية «الحديد» في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] (٢).
قوله: (وينهى عن السجود للشمس والقمر؛ لأنَّهما مخلوقان كغيرهما من المخلوقات، والمخلوق لا يصح أن يُعبد … ) إلى آخره: الشمس والقمر هي التي تسجد لله، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ … ﴾ [الحج:
стр. 20
١٨] الآية، فكلها تسجد لله، وقال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت].
* * *
البرهان الثاني: أنَّه خلق الذكر والأنثى: فوجود الإناث والذكور دليل على الله.
البرهان الثالث: اختلاف الألسن والألوان: فلا يوجد اثنان صوتهما واحدٌ، أو لونهما واحدٌ؛ بل لا بدَّ من فرقٍ بينهما.
البرهان الرابع: اختلاف الحظوظ: فهذا غني، وهذا فقير، وهذا رئيس، وهذا مرؤوس، في حين أنَّ كلًّا منهم صاحب عقلٍ وفكرٍ وعلمٍ، وحرصٍ على ما لم يتحصل عليه من الغنى والشرف والزوجة الحسناء، ولكن لا يقدر أحدٌ أن ينال سوى الذي قدَّره الله له؛ وذلك لحكمة عظيمة أرادها الله سبحانه؛ وهي اختبار الناس بعضهم ببعض، وخدمة بعضهم البعض الآخر؛ حتى لا تضيع مصالحهم جميعًا.
والذي لم يقدِّر الله له حظًّا في الدنيا، أخبر الله تعالى أنَّه يَدَّخر له حظَّه زيادة في نعيمه في الجنة إذا مات على الإيمان بالله، مع أنَّ الله منح الفقير مزايا يتمتع بها نفسيًّا وصحيًّا في الغالب لا توجد عند كثير من الأغنياء، وهذا من حكمة الله وعدله.
стр. 21
التعليق
هذه البراهين -الثاني والثالث والرابع- كلها في الحقيقة تندرج في الأول وهو برهان الخلق، فإنَّ خَلْق الذكر والأنثى وخَلْق الناس متفاوتين في أحوالهم وأقدارهم كله مندرجٌ في الخلق، فالله خلق السموات والأرض ومَن فيهن، وخلق الناس وجعلهم أنواعًا وجعل لهم أحوالًا وطباعًا وأسبابًا، فالشيخ ﵀ جعلها براهين وعدَّدَها من باب التفصيل بعد الإجمال؛ لأنَّ الأول شامل، فإنَّ الاستدلال بالخلق على الخالق برهان شامل، وما بعده داخلٌ فيه وتابعٌ له، فمن جملة خلقِه أن خلق الذكر والأنثى، ومن جملة تدبيره تدبيرُ أمرِ المخلوقين في أحوالهم من الغنى والفقر، والقوة والضعف، واختلاف الصفات والأصوات والصور، كما ينبِّه الشيخ على أنك مع كثرة الخليقة لا تجد صوتين على حدٍّ واحد أو صورتين متطابقتين من كلِّ وجه، وإن كان هناك تشابهٌ فقد تتشابه الصور؛ كأن تتشابه صورتان مثلًا، لكن لا تكون صورة إنسانين متطابقتين بحيث لا يظهر فرق بينهما من كلِّ وجه؛ بل لا بدَّ إذا اجتمعا تُفرِّق بينهما، وتارةً يقوى الشَّبه فيشتبه على بعض الناس، وهو مَنْ لا يدقق، وكل هذه الأمور من آيات الله الدالة على وجوده وعلى حكمته وقدرته ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة].
* * *
стр. 22
البرهان الخامس: النوم والرؤيا الصادقة التي يُطلع الله سبحانه فيها النائم على شيء من الغيب بشارةً أو إنذارًا.
البرهان السادس: الروح: التي لا يَعرِف حقيقتها إلا الله وحده.
البرهان السابع: الإنسان: وما في جسمه من الحواس، والجهاز العصبي، والمخ، والجهاز الهضمي، وغير ذلك.
التعليق
قلت فيما مضى: إنَّ كل هذه البراهين تعود إلى البرهان الأول؛ وهو الاستدلال بالخلق على وجود الخالق وقدرته وحكمته، فكلها مما يَعرفُ به العبدُ ربَّه، فهذه البراهين فرع عن الأول وهي مندرجة فيه، ولكن كأن الشيخ قصد التفصيل والتنبيه على هذه بخصوصها، وجعل من هذه البراهين مسألة المنام وما يراه الإنسان في نومه، فهذا ليس إلى الإنسان واختياره وإرادته؛ بل الله يُري الإنسان في منامه أمورًا تتحقق؛ إمَّا بشارة وإمَّا نذارة، والرؤيا ثلاثة أنواع:
الأول: رؤيا من الله، وذلك بواسطة الملَك؛ يضرب للنائم أمثالًا لِمَا أراد الله كَوْنَه.
الثاني: رؤيا من حديث النفس؛ وهو ما يفكِّر فيه الإنسان من أمور حياته، يرى له صورًا في منامه.
стр. 23
الثالث: حلمٌ من الشيطان ليحزن المؤمن، فهذه أقسام المنامات، وقد جاء ذلك في حديث صحيح عن النبي ﷺ (١)، فالشيخ جعل النوم والرؤيا الصالحة من البراهين على ربوبيته ؛ فإنها يحصل بها كشف لبعض أمور الغيب، ومما يدل على أن النوم آية قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم: ٢٣].
قوله: (البرهان السادس: الروح: التي لا يعرف حقيقتها إلا الله وحده): هذا أيضًا من براهين وجود الله وقدرته وحكمته، فهذه الروح مخلوق -من مخلوقات الله- خفي، وهي في أبداننا ومع ذلك لا نعلم حقيقتها، ولها من الأحوال والتصرُّفات الأمور العجيبة، فهي التي تفيض على بدن الإنسان الحسَّ والحركة؛ فالبدن إذا خلا عن الروح فلا حس ولا حركة، فهي قوام البدن، وهي من أعظم آيات الله، قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء] (٢)، وقد أخبر الرسول ﷺ عن مبدأ الروح في الإنسان وأنَّها بواسطة الملَك: «فينفخ فيه الروح» (٣) أي: في الطَّور الأخير من أطوار الجنين ينفخ فيه الروح فيكون مستعدًّا للحس والحركة.
стр. 24
قوله: (البرهان السابع: الإنسان: وما في جسمه من الحواس، والجهاز العصبي، والمخ، والجهاز الهضمي، وغير ذلك): هذا هو البرهان السابع، وهو يتعلق بالجسد، والسادس يتعلق بالروح، إذن: فكلٌّ منهما من شأن الإنسان، فالإنسان آية من آيات الله؛ بل الإنسان آيات، قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات]، فنبَّه إلى ما في الأرض من الآيات؛ كالجبال والأنهار والأشجار والأشياء المختلفة في ظاهر الأرض وباطنها، ثم نبَّه إلى ما في النفوس: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾، وهذا يشمل ما في الروح من الدلالة وما في البدن من الدلالة، والبدن فيه العجب العجاب! فآياته ظاهرة؛ فمنها ما هو ظاهر لعموم الناس، ومنها ما هو ظاهر لأصحاب التخصُّصات من أصحاب التشريح والطب، فسبحان الله العظيم! فماذا في الإنسان في هذا الكيان الهائل من الآيات والدلالات في باطنه وفي ظاهره من الأعضاء والقوى الظاهرة والخفية! قال بعض العلماء: إنَّ ما يأكله الإنسان تتعلق به ثلاث قوى: القوى الطالبة التي بها يشتهي الطعام ويجوع، والقوة الهاضمة التي ينهضم بها الطعام ويسلك بها مسالكه في البدن، والقوة المانعة التي تمنع انسلاله من البدن فور وقوعه في المعدة، والقوة الرابعة الدافعة التي تدفع الفضلات فيتخلص منها البدن، فهذه أربع من القوى المتعلقة بما يأكله الإنسان: طالبة وهاضمة ومانعة ودافعة، ذكر ذلك ابن القيم (١) في كلامه على قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾، وتكلَّم كلامًا كثيرًا في هذا
стр. 25
الشأن، ونبَّه على آيات كثيرة في بدن الإنسان، ومن ذلك الشَّعر (١)، فالشعر الذي ينبت في بدن الإنسان كيف كان توزيعه، فللرأس منه نصيبٌ أوفر، ثم ذكر مواضع الشَّعر في البدن، ومناسبة كل شعر لموضعه؛ كالحاجبين وأهداب العينين والعارضين والذقن والعانة، وكل ذلك من آيات الله الدالة على قدرته وحكمته ورحمته، فهذا كله مما يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾.
* * *
البرهان الثامن: ينزِّل الله المطر على الأرض الميتة فتنبت النبات والأشجار المختلفة في أشكالها وألوانها، ومنافعها وطعمها، وهذا قليل من مئات البراهين التي ذكرها الله تعالى في القرآن، والتي أخبر أنَّها أدلة قائمة تدل على وجوده سبحانه وعلى أنَّه الخالق المدبِّر لجميع الكائنات.
البرهان التاسع: الفطرة التي فطر الله الناس عليها، تؤمن بوجود الله خالقها ومدبِّرها، ومَن أنكر ذلك فإنما يغالط نفسه ويُشْقِيها، فالشيوعي مثلًا يعيش في هذه الحياة تَعِسًا، ومصيره بعد الموت إلى النار، جزاء تكذيبه بربه الذي خلقه من العدم (٢)، وربّاه بالنعم إلا إن تاب إلى الله وآمن به وبدينه ورسوله.
стр. 26
البرهان العاشر: البركة، وهي التكاثر في بعض المخلوقات؛ كالغنم، وعكس البركة: الفشل؛ كما في الكلاب والقطط.
التعليق
قوله: (البرهان الثامن: ينزِّل الله المطر على الأرض الميتة … ) إلى آخره: هذا يؤكد ما سبق: أنَّ كل هذه البراهين راجعة إلى البرهان الأول؛ أي: إن كل برهان منها جزء من البرهان الأول؛ وهو الاستدلال بالخلق على الخالق، ومن ذلك آية المطر: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج]، فالأرض القاحلة الميتة المغبرَّة ينزل الله عليها المطر؛ فتبتهج وتكتسي بأنواع النبات، قال تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾ [المؤمنون].
والتنبيه على هذا في القرآن كثير؛ كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ [النحل]، فالشأن في التفكُّر بالعقل.
قوله: (البرهان التاسع: الفطرة التي فطر الله الناس عليها … ) إلى آخره: البرهان التاسع: الفطرة التي فُطر عليها الإنسان، فالإنسان مفطور ومركوز في فطرته وعقله أنَّه لا بدَّ له من خالق، فلا يمكنه إن استعمل فكره وفطرته إلا أن يُقرَّ بأنَّ له خالقًا، فلو قيل له: إنك لست بشيء، بل
стр. 27
أنت ليس لك خالقٌ ولا مبدعٌ؛ لم تَقبل فطرتُه ذلك، ولهذا مثَّل الشيخ بالشيوعي (١) الجاحد المنكر للخالق، الملحد أعظم إلحاد، فإنه يعيش في هذه الحياة حياة الشقاء؛ لأنَّه لا يعرف من أين جاء ولا إلى أين يذهب، فلا يُقرُّ بمبدأ ولا معادٍ، ومَن كانت هذه حاله كان في دنياه في شقاء عظيم: في تفكيره وفي علمه وفي عقله، فالرسل عرَّفوا العباد بمبدئهم ونهايتهم وبمصيرهم، ومَن لا يؤمن بالرسل ولم يتبع ما جاؤوا به؛ لا يعرف مبدأً ولا معادًا ولا لماذا وُجد، فهو في هذه الحياة في حيرةٍ من أمره، وقد تضمَّن القرآن الإجابة على هذه الأسئلة؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، فالإنسان جاء من ربه الذي بدأ خلقه، وقد خلقه ليعبده ثم هو ذاهب إليه بعد موته ليجزيه، ولهذا قال الرجل الصالح صاحب ياسين لقومه: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس].
стр. 28
قوله: (البرهان العاشر: البركة: وهي التكاثر في بعض المخلوقات … ) إلى آخره: الله تعالى نوَّع المخلوقات وفَاوَتَ بينها في الطباع، فالشيخ كأنه ينبِّه إلى أنَّ من المخلوقات ما جعل الله فيه صفةَ النمو والتكاثر والنفع، ومثَّل بالغنم؛ فهي نوع من أنواع الحيوان من شأنه أنَّه يتكاثر وينمو بكثرة المواليد، وفيها منافع عظيمة ينتفع العباد بأكلها وشرب لبنها وبجلودها وصوفها؛ ففيها بركةٌ في ذاتها وفي منافعها، فهي من النوع المبارك، وأنواع أخرى من الحيوانات ليس فيها هذا التكاثر وإن كان فيها منافع؛ كالإبل والبقر، ومن الحيوانات ما يتكاثر تكاثرًا عظيمًا، وليس فيه منفعة للإنسان بل هو مؤذٍ له، ولكن الله خلقه لحكمة يعلمها، ويمكن التمثيل بذلك بالنَّمل، فكأن هذا البرهان يرتكز على آية من آيات الله، وهي تنوُّع المخلوقات، فالله نوَّع المخلوقات ونوَّع طباعها، فلكلِّ نوعٍ من الحيوان طبيعةٌ، وله آثار ومنافع أو مضار، ومن آيات الله: خلق الأضداد في الذوات والصفات، قال ابن القيم: «خلقُ الأضدادِ والمتقابلات هو من كمال الربوبية، كالليل والنهار، والحر والبرد، واللذة والألم، والخير والشر، والنعيم والجحيم» (١).
وقوله ﵀: (وعكس البركة: الفشل): فيه نظرٌ، ولا سيما حين مثَّل للفشل بالكلاب والقطط؛ فلا يُعرَف وصفُ القطط والكلاب بالفشل، والمعروف أنَّ الفشل هو خيبة الإنسان فيما يؤمِّله؛ كالهزيمة أمام العدو، والخسارة في التجارة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]،
стр. 29
وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (١)، نعم، الكلاب والقطط ليس فيها كثير منفعة للإنسان، وعكس البركة: هو قلَّة المنافع (٢)، فتدبَّر.
* * *
ومن صفات الله تعالى: أنَّه الأوَّل بلا بداية، وحيٌّ دائمٌ، لا يموت ولا ينتهي، وغني قائم بذاته، لا يحتاج إلى غيره، وواحد لا شريك له، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾. معنى الآيات: لما سأل الكفار خاتم المرسلين عن صفة الله؛ أنزل الله عليه هذه السورة، وأمره فيها أن يقول لهم: الله واحدٌ لا شريك له، الله هو الحي الدائم المدبِّر، له وحده السيادة المطلقة على الكون والناس وكل شيء، وإليه وحده يجب أن يرجع الناس في قضاء حاجاتهم.
لم يلد ولم يولد، ولا يصح أن يكون له ابن أو بنت أو أب أو أم؛ بل نفى عن نفسه ذلك كله أشد النفي في هذه السورة وفي غيرها؛ لأنَّ التسلسل والولادة من صفات المخلوق، وقد رد الله على النصارى
стр. 30
قولهم: المسيح ابن الله، وعلى اليهود قولهم: عُزَيرٌ ابن الله، وعلى غيرهم قولهم: الملائكة بنات الله، وشنَّع عليهم هذا القول الباطل.
وأخبر أنَّه خلق المسيح عيسى ﵇ من أم بلا أب بقدرته، مثلما خلق آدم أبا البشر من تراب، ومثلما خلق حواء أم البشر من ضلع آدم، فرآها إلى جنبه، ثم خلق ذرية آدم من ماء الرجل والمرأة، فقد خلق كل شيء في البداية من العدم، وجعل بعد ذلك لمخلوقاته سنة ونظامًا لا يستطيع أحد أن يغيِّرهما سواه، وإذا أراد أن يغيِّر من هذا النظام شيئًا غيَّره كما يشاء، كما أوجد عيسى ﵊ من أم بلا أب، وكما جعله يتكلم وهو في المهد.
وكما جعل عصا موسى ﵊ حيَّة تسعى، ولما ضرب بها البحر انشق فصار سوقًا عَبَرَ منه هو وقومه، وكما شَقَّ القمر لخاتم المرسلين محمد ﷺ ، وجعل الشجر يسلِّم عليه إذا مرَّ به، وجعل الحيوان يشهد له بالرسالة بصوت يسمعه الناس، فيقول: أشهد أنك رسول الله، وأُسري به على البُراق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماء ومعه الملك جبرائيل حتى وصل فوق السماء فكلَّمه الله .
وفَرض عليه الصلاة، وعاد إلى المسجد الحرام في الأرض، ورأى في طريقه أهل كل سماء، وذلك كله في ليلة واحدة قبل طلوع الفجر،
стр. 31
وقصة الإسراء والمعراج مشهورة في القرآن وأحاديث الرسول وكُتب التاريخ.
التعليق
لما ذكر ﵀ البراهين على وجود الله وربوبيته وإلهيته شرع في ذكر أسمائه تعالى وصفاته، فذكر بعض أسمائه المتضمنة لوجوده أزلًا وأبدًا ك «الأول» و «الآخر»؛ فقال: (الأوَّل بلا بداية) كما قال الطحاوي: «قديم بلا ابتداء» (١)، ولو قال الشيخ: «هو الأوَّل فليس قبله شيء» كان أولى ليوافق قوله ﷺ : «اللهم أنت الأوَّل فليس قبلك شيء» (٢)، فالرسول ﷺ ذكر الاسم، وذكر معناه.
وقوله: (وحيٌّ دائم، لا يموت ولا ينتهي): تعبير عن اسمه «الآخر»، ولو قال: «وهو الآخر فليس بعده شيء» كان أولى؛ كما قال الرسول ﷺ (٣).
وذكر ﵀ من أسمائه ما يدل على كماله؛ مثل اسمه «الغني»؛ فإنه يدل على غناه عن كل ما سواه، فلا افتقار فيه إلى شيء لا في وجوده ولا في صفاته ولا أفعاله، فإنه خالق وليس بمخلوق، وقادر على كل شيء، وما له مُعِينٌ في شيء من أفعاله، وذلك لكمال غناه.
стр. 32
ومن الأسماء التي ذكر الشيخ: «الواحد» الدال على نفي الشريك، ثم استدل بسورة الإخلاص لتضمنها اسمه تعالى «الأحد»، وهو بمعنى «الواحد»، ثم عبَّر الشيخ عن معنى اسمه «الصمد» المذكور في السورة، ومما فُسِّر به: أنه الذي يصمد إليه العباد في حوائجهم، وقيل بأنَّه الكامل في جميع الصفات: السيد الكامل في سؤدده؛ في علمه وقدرته وحكمته وغناه (١)، وأن من صفاته تعالى: أنه لم يلد ولم يولد، وفي هذا ردٌّ على اليهود والنصارى والمشركين الذين نسبوا إلى الله الولد، وأشار ﵀ إلى أن الله أنكر عليهم، وأغلظ الإنكار، وبيَّن أنه لا شبهة للنصارى في تأليه المسيح، وزعمهم أنه ابن الله، لا شبهة لهم في أنه مخلوق من أم بلا أب؛ لأن الله على كل شيء قدير، فخَلْق عيسى كخَلْق آدم من تراب، فكلاهما مخلوقٌ بأمر الله وإرادته، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران]، وقال في شأن عيسى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ [مريم]، ومن فضل هذه السورة أنها تعدل ثُلُثَ القرآن (٢)، وأنها صفة الرحمن، وفي الحديث الصحيح عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان
стр. 33
يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب «قل هو الله أحد»، فلما رجعوا ذكروا (١) ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «سلوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك؟»، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : «أخبروه أنَّ الله يحبه» (٢).
وأمَّا قول الشيخ: (خلق كل شيء من العدم): فالصواب أن يُقال: «بعد العدم» (٣).
ثم ذكر الشيخ أن الله جعل لهذا العالم نظامًا لا يتغير شيءٌ منه إلا بمشيئة الله، وهذا النظام هو ما سمَّاه الله سُنَّةً، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ [الأحزاب]، ولكنه تعالى قادرٌ على خرق العادة كيف شاء، كما خلق عيسى وآدم وزوجه على خلاف السُّنَّة في خلق البشر، ومن قدرة الله على خرق العادة إنطاقُ بعض الحيوانات بكلام مفهوم، ومن خوارق العادات قطع المسافات البعيدة في أقصر وقت كما في قصة الإسراء والمعراج، وقد ذكر الشيخ ذلك كله. وقوله: (وأمره فيها أن يقول لهم: الله واحد لا شريك له): لو قال: «أمره الله أن يقول: الله أحد» لكان أولى؛ ليطابق لفظ الآية، ولكنه أراد تفسيرَ الأحد بالواحد، وهو حقٌّ (٤).
стр. 34
وقوله: (وجعل الشجر يسلم عليه إذا مر به): يشير إلى ما جاء عن علي ﵁؛ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى بعض نواحي مكة بين الجبال والشجر، فلم يمرَّ بشجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله (١).
وقوله: (وجعل الحيوان يشهد له بالرسالة): أي جعل الله الحيوان يشهد للنبي بالرسالة، والشيخ يشير بهذا إلى قصة الذئب التي أخرجها البخاري في «التاريخ» (٢) وغيره، وفيها: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه … فقال الذئب: عمدتَ إلى رزق رزقنيه الله انتزعته مني. فقال الرجل: تالله إن رأيتُ كاليوم ذئبًا يتكلم، قال الذئب: أعجبُ من هذا رجلٌ في المدينة بين الحرَّتَين، يخبركم بما مضى وبما هو كائنٌ بعدكم (٣).
وقوله: (وكُتب التاريخ): يريد كتب السيرة (٤).
* * *
стр. 35
ومن صفات الله تعالى: السمع والبصر، والعلم والقدرة، والإرادة، يسمع ويرى كل شيء، لا يحجب سمعَه ورؤيتَه حجابٌ.
ويعلم ما في الأرحام، وما تخفيه الصدور، وما كان وما سيكون، وهو القدير الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.
ومن صفاته التي وصف بها نفسه المقدَّسة: الكلام بما يشاء متى شاء: وقد كلَّم موسى ﵊، وكلَّم خاتم الرسل محمدًا ﷺ ، والقرآن كلام الله حروفه ومعانيه، أنزله على رسوله محمد ﷺ ، فهو صفة من صفاته، وليس مخلوقًا كما يقول المعتزلة الضالُّون.
ومن صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسله: الوجه واليدان، والاستواء والنزول (١) والرضا والغضب فهو يرضى عن عباده المؤمنين، ويغضب على الكافرين، وعلى مرتكبي موجبات غضبه، ورضاه وغضبه كباقي صفاته، لا تشبه صفات المخلوق ولا تُأوَّل ولا تُكيَّف.
وثبت في القرآن والسنة أنَّ المؤمنين يرون الله تعالى عيانًا بأبصارهم في عرصات القيامة وفي الجنة، وصفات الله تعالى مفصَّلة في القرآن
стр. 36
العظيم، وأحاديث الرسول الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فلتُراجع.
التعليق
هذه صفاتٌ ذاتية وفعلية، فالذاتية؛ كاليدين والوجه، والفعلية؛ كالاستواء والنزول، فما كان بمشيئته فهو صفةٌ فعلية، وما لم تتعلق به المشيئة صفةٌ ذاتية (١).
وواضح في ترتيب الشيخ بأنَّ مضمون التعريف بالله: العلم بأسمائه وصفاته، فذَكَرَ ما ذَكَرَ أخذًا من الكتاب والسنة، فالكتاب والسنة تضمَّنا التعريف بالله؛ فإنَّ الرسل بعثهم الله بثلاثة أنواع من المعرفة (٢):
الأول: معرفة الله: بأسمائه وصفاته وأفعاله.
الثاني: معرفة الدين الذي شرعه، وفرضه على عباده، وهو دين الإسلام الذي أصله التوحيد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وقد جعل الله هذا الدين هو الطريق الموصل إليه والفوز بمحبته ورضوانه.
الثالث: تعريف الناس بمآلهم ومصيرهم من السعادة والشقاوة، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير.
стр. 37
فهذه أنواع العلم الشرعي: العلم بالله: بأسمائه وصفاته، والعلم بشرعه: أوامره ونواهيه وأحكام الحلال والحرام، والعلم بجزاء الأعمال: وهو ما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر، وهذه العلوم الثلاثة هي أقسام العلم الشرعي التي قال فيها ابن القيم:
والعلم أقسامٌ ثلاثٌ ما لها … مِنْ رابعٍ والحق ذو تبيان
علمٌ بأوصاف الإله وفِعله … وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه … وجزاؤه يوم المعاد الثاني (١)
فالشيخ ضمَّن هذا الفصل ما يتعلق بالأصل الأول، وهو معرفة الله بأسمائه وصفاته، ﵀ وجزاه الله خيرًا.
* * *
стр. 38
الشيء الذي من أجله خلق الله بني الإنسان والجن
إذا عرفت -أيها العاقل- أنَّ الله هو ربك الذي خلقك؛ فاعلم أنَّ الله لم يخلقك عبثًا، وإنما خلقك لعبادته، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات]
المعنى الإجمالي للآيات:
يخبر الله تعالى في الآية الأولى: أنه خلق الجن (١) وبني الإنسان من أجل أن يعبدوه وحده، ويخبر في الآيتين الثانية والثالثة أنه غني عن عباده، فلا يريد منهم رزقًا ولا إطعامًا؛ لأنه هو الرزاق القوي، الذي لا رزق للناس وغيرهم إلا من عنده، فهو الذي ينزل المطر، ويخرج الأرزاق من الأرض.
وأما المخلوقات الأخرى التي في الأرض غير العقلاء، فقد أخبر الله تعالى أنه خلقها من أجل الإنسان، ليستعين بها على طاعته، ويتصرف نحوها على شريعة الله، وكل مخلوق وكل حركة وسكون في الكون
стр. 39
فإنَّ الله أوجده لحكمة بيَّنها في القرآن، ويعرفها العلماء بشريعة الله كلٌّ على قدر علمه، وحتى اختلاف الأعمار والأرزاق والأحداث والمصائب، كل ذلك يجري بإذن الله؛ ليختبر عباده العقلاء، فمن رضي بقدر الله واستسلم له واجتهد في العمل الذي يرضيه فله الرضا من الله، والسعادة في الدنيا والآخرة بعد الموت، ومن لم يرض بتقدير الله، ولم يسلِّم له ولم يطعه فله من الله السخط، وله الشقاء في الدنيا والآخرة، نسأل الله رضاه، ونعوذ به من سخطه.
التعليق
انتهى المؤلف من ذكر ما يتعلق بمعرفة الله ومعرفة حقه على عباده، فالله تعالى الذي خلقنا وخلق كلَّ شيءٍ له حقٌّ على العباد، وحقه على عباده كما قال النبي لمعاذ: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (١)، وليت الشيخ ذكر هذا الحديث لأنه في صميم الموضوع (٢)، والآية تدل على أنَّ العبادة هي الغاية؛ أي: الحكمة من خلق الثقلين: الجن والإنس، فنُسأل: لمَ خلق الله الجن والإنس؟ فنقول: خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، وهذا أسلوب حصر، وهذه هي الحكمة من إرسال الرسل وإنزال
стр. 40
الكتب أَمْرُ الناس بعبادة الله التي خلقهم الله لها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فالله غني عن العباد، فما خلقهم ليستعين بهم، أو ليُطعموه أو يرزقوه أو يتقوى بهم مِنْ ضَعْفٍ، أو يتعزز بهم مِنْ ذِلَّةٍ؛ إنما خلقهم ليعبدوه (١)، وقد بيَّن في آيات أخرى أنه خلق هذا الوجود كلَّه بأسره لحكمة الابتلاء، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف].
* * *