العظيم، وأحاديث الرسول الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فلتُراجع.
التعليق
هذه صفاتٌ ذاتية وفعلية، فالذاتية؛ كاليدين والوجه، والفعلية؛ كالاستواء والنزول، فما كان بمشيئته فهو صفةٌ فعلية، وما لم تتعلق به المشيئة صفةٌ ذاتية (١).
وواضح في ترتيب الشيخ بأنَّ مضمون التعريف بالله: العلم بأسمائه وصفاته، فذَكَرَ ما ذَكَرَ أخذًا من الكتاب والسنة، فالكتاب والسنة تضمَّنا التعريف بالله؛ فإنَّ الرسل بعثهم الله بثلاثة أنواع من المعرفة (٢):
الأول: معرفة الله: بأسمائه وصفاته وأفعاله.
الثاني: معرفة الدين الذي شرعه، وفرضه على عباده، وهو دين الإسلام الذي أصله التوحيد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وقد جعل الله هذا الدين هو الطريق الموصل إليه والفوز بمحبته ورضوانه.
الثالث: تعريف الناس بمآلهم ومصيرهم من السعادة والشقاوة، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير.
стр. 37
فهذه أنواع العلم الشرعي: العلم بالله: بأسمائه وصفاته، والعلم بشرعه: أوامره ونواهيه وأحكام الحلال والحرام، والعلم بجزاء الأعمال: وهو ما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر، وهذه العلوم الثلاثة هي أقسام العلم الشرعي التي قال فيها ابن القيم:
والعلم أقسامٌ ثلاثٌ ما لها … مِنْ رابعٍ والحق ذو تبيان
علمٌ بأوصاف الإله وفِعله … وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه … وجزاؤه يوم المعاد الثاني (١)
فالشيخ ضمَّن هذا الفصل ما يتعلق بالأصل الأول، وهو معرفة الله بأسمائه وصفاته، ﵀ وجزاه الله خيرًا.
* * *
стр. 38
الشيء الذي من أجله خلق الله بني الإنسان والجن
إذا عرفت -أيها العاقل- أنَّ الله هو ربك الذي خلقك؛ فاعلم أنَّ الله لم يخلقك عبثًا، وإنما خلقك لعبادته، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات]
المعنى الإجمالي للآيات:
يخبر الله تعالى في الآية الأولى: أنه خلق الجن (١) وبني الإنسان من أجل أن يعبدوه وحده، ويخبر في الآيتين الثانية والثالثة أنه غني عن عباده، فلا يريد منهم رزقًا ولا إطعامًا؛ لأنه هو الرزاق القوي، الذي لا رزق للناس وغيرهم إلا من عنده، فهو الذي ينزل المطر، ويخرج الأرزاق من الأرض.
وأما المخلوقات الأخرى التي في الأرض غير العقلاء، فقد أخبر الله تعالى أنه خلقها من أجل الإنسان، ليستعين بها على طاعته، ويتصرف نحوها على شريعة الله، وكل مخلوق وكل حركة وسكون في الكون
стр. 39
فإنَّ الله أوجده لحكمة بيَّنها في القرآن، ويعرفها العلماء بشريعة الله كلٌّ على قدر علمه، وحتى اختلاف الأعمار والأرزاق والأحداث والمصائب، كل ذلك يجري بإذن الله؛ ليختبر عباده العقلاء، فمن رضي بقدر الله واستسلم له واجتهد في العمل الذي يرضيه فله الرضا من الله، والسعادة في الدنيا والآخرة بعد الموت، ومن لم يرض بتقدير الله، ولم يسلِّم له ولم يطعه فله من الله السخط، وله الشقاء في الدنيا والآخرة، نسأل الله رضاه، ونعوذ به من سخطه.
التعليق
انتهى المؤلف من ذكر ما يتعلق بمعرفة الله ومعرفة حقه على عباده، فالله تعالى الذي خلقنا وخلق كلَّ شيءٍ له حقٌّ على العباد، وحقه على عباده كما قال النبي لمعاذ: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (١)، وليت الشيخ ذكر هذا الحديث لأنه في صميم الموضوع (٢)، والآية تدل على أنَّ العبادة هي الغاية؛ أي: الحكمة من خلق الثقلين: الجن والإنس، فنُسأل: لمَ خلق الله الجن والإنس؟ فنقول: خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، وهذا أسلوب حصر، وهذه هي الحكمة من إرسال الرسل وإنزال
стр. 40
الكتب أَمْرُ الناس بعبادة الله التي خلقهم الله لها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فالله غني عن العباد، فما خلقهم ليستعين بهم، أو ليُطعموه أو يرزقوه أو يتقوى بهم مِنْ ضَعْفٍ، أو يتعزز بهم مِنْ ذِلَّةٍ؛ إنما خلقهم ليعبدوه (١)، وقد بيَّن في آيات أخرى أنه خلق هذا الوجود كلَّه بأسره لحكمة الابتلاء، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف].
* * *
стр. 41
البعث بعد الموت والحساب والجزاء على الأعمال والجنة والنار
إذا عرفت -أيها العاقل- أنَّ الله خلقك لعبادته؛ فاعلم أن الله أخبر في جميع كتبه التي أنزلها على رسله بأنه سوف يبعثك حيًّا بعد الموت، وسيجازيك على عملك في دار الجزاء بعد الموت، وذلك لأنَّ الإنسان ينتقل بالموت من دار العمل والفناء -وهي هذه الحياة- إلى دار الجزاء والخلود، وهي ما بعد الموت، فإذا تمت المدة التي قدَّر الله للإنسان أن يعيشها أمر الله ملك الموت فقبض روحه من جسده، فيموت بعدما يذوق مرارة الموت قبل خروج روحه من جسده.
أما الروح، فإن الله يجعلها في دار النعيم (الجنة) إن كانت مؤمنة بالله مطيعة له؛ وإن كانت كافرة بالله، مكذِّبة بالبعث والجزاء بعد الموت، جعلها الله في دار العذاب (النار) حتى يأتي موعد نهاية الدنيا فتقوم الساعة، ويموت كل مَنْ بقي من الخلق، فلا يبقى إلا الله وحده، ثم يبعث الله الخلق كلهم -حتى الحيوان- ويعيد كل روح إلى جسدها بعدما يعيد الجسد كاملًا كما خلقه أوَّل مرة، وذلك ليحاسب الناس، ويجازيهم على أعمالهم: الذكر والأنثى، والرئيس والمرؤوس،
стр. 42
والغني والفقير، فلا يظلم أحدًا، ويقتص للمظلوم من ظالمه، حتى الحيوانات يقتص لها ممن يظلمها، ويقتص لبعضها من بعض، ثم يقول لها: كوني ترابًا، لأنها لا تدخل جنة ولا نارًا.
ويجازي بني الإنسان والجن كلًّا بعمله؛ فيُدخل المؤمنين به الذين أطاعوه واتبعوا رسله الجنة؛ ولو كانوا أفقر الناس، ويُدخل الكافرين المكذبين النار ولو كانوا أغنى الناس وأشرفهم في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. والجنة: هي دار النعيم، فيها من أصناف النعيم ما لا يقدر أحد على وصفه، فيها مئة درجة (١)، لكل درجة سُكَّان على قدر قوة إيمانهم بالله وطاعتهم له، وأقل درجةٍ في الجنة يُعطى أهلها من النعيم مثل نعيم أَنْعَم مَلِك في الدنيا سبعين مرة (٢).
والنار -أعاذنا الله منها- هي دار العذاب في الآخرة بعد الموت، فيها من أصناف العذاب والنَّكال ما يَهُول ذكرُه القلوبَ، ويبكي العيون.
ولو كان الموت يوجد في الدار الآخرة لمات أهل النار بمجرد رؤيتها، ولكن الموت مرة واحدة ينتقل به الإنسان من الحياة الدنيا إلى الآخرة، وقد جاء في القرآن العظيم الوصف الكامل للموت، والبعث والحساب والجزاء، والجنة والنار، وفيما ذكرنا إشارة إليه.
стр. 43
والأدلة على البعث بعد الموت والحساب والجزاء كثيرة جدًّا، قال الله تعالى في القرآن العظيم: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه]، وقال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن]. المعنى الإجمالي للآيات:
يخبر الله في الآية الأولى: أنه خلق بني الإنسان من الأرض، وذلك حينما خلق أباهم آدم من تراب، ويخبر أنه يعيدهم فيها بعد الموت في القبور كرامةً لهم، ويخبر أنه يخرجهم منها مرة أخرى، فيَخرجون من قبورهم أحياء من أولهم إلى آخرهم، فيحاسبهم الله ثم يجازيهم.
وفي الآية الثانية: يَرُدُّ الله على الكافر المكذِّب بالبعث الذي يستغرب حياة العظام بعد فنائها، يردُّ الله عليه، فيخبر أنه يحييها؛ لأنه الذي أنشأها أول مرة من العدم.
وفي الآية الثالثة: يَرُدُّ الله على الكافرين المكذِّبين بالبعث بعد الموت زعمهم الفاسد، ويأمر رسوله أن يقسم لهم بالله قسمًا مؤكدًا أنَّ الله سوف يبعثهم، وسوف ينبِّئهم بما عملوا، ويجازيهم عليه، وأنَّ ذلك يسير على الله.
стр. 44
وأخبر الله في آية أخرى أنه إذا بعث المكذبين بالبعث والنار عذبهم في نار جهنم، وقيل لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة].
التعليق
هذا هو الأصل الخامس من أصول الإيمان: وهو الإيمان بالبعث بعد الموت، ويعبَّر عنه بالإيمان باليوم الآخر، فإنه لا يوم بعده فهو يومٌ مستمرٌّ على أهل الجنة والنار، والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه الإيمان بكل ما يكون بعد الموت؛ كأحوال أهل القبور من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، كله داخل في حكم الإيمان باليوم الآخر، لأنَّ دار البرزخ هي تابعة لدار الجزاء، فالدور ثلاث: دار الدنيا وهي دار العمل والابتلاء، ودار البرزخ وهي ما بين الموت والبعث ويلقى فيها المكلَّفون شيئًا من جزاء أعمالهم خيرًا أو شرًّا (١).
فممَّا يجب الإيمان به ما أخبر الله به ورسوله مما يكون بعد الموت وقبل البعث؛ فالقيامة قيامتان: القيامة الكبرى: وهي البعث بعد الموت التي يقوم فيها جميع الأولين والآخرين لرب العالمين، قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين]،
стр. 45
والقيامة الصغرى: هي الموت، فمَن مات قامت قيامته (١)، لأنه بالموت يُشرف على نتيجة عمله، ويُطلعه الله على مصيره: الجنة أو النار، حتى أنه في قبره يَرى مقعده من الجنة ومقعده من النار، فيُقال للمؤمن: هذا مقعدك في الجنة، وهذا مقعدك في النار أبدلك الله به مقعدًا في الجنة، والكافر بالعكس، قال في الحديث: «فيراهما جميعًا» (٢).
وقول المؤلف: (والأدلة على البعث بعد الموت والحساب والجزاء كثيرة جدًّا … ) إلى آخره: يبيِّن الشيخ ما جاء به القرآن في الأصل الخامس من أصول الإيمان وهو اليوم الآخر، ذلك اليوم الذي تكون فيه الأحداث العظيمة التي أعظمها البعث، وهو وسيلة إلى ما بعده: من الحساب والجزاء ثوابًا وعقابًا، وقد أخبر الله بهذا الأمر العظيم -أعني: البعث- في آيات كما ذكر الشيخ، وهي أدلة خبرية، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى
стр. 46
وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه]؛ فهذه أدلة خبرية لا تُقنع الكافر بالرسول وبالقرآن. لكن في القرآن أدلة عقلية على قدرته تعالى على البعث، وهي التي يُردُّ بها على المكذِّبين (١):
منها: الاستدلال على البعث بالنشأة الأولى، وذكر الشيخ من شواهدها قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس].
ومنها: إحياء الأرض بعد موتها؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت: ٣٩].
ومنها: خلق السموات والأرض وهي أعظم، ومن دليل ذلك قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف].
стр. 47
وهذه الأدلة الثلاثة يأتي ذكرها في القرآن في مواضع متعددة، بأساليب منها ما هو مبسوطٌ، ومنها ما هو موجز (١).
والحديث عن اليوم الآخر والبعث والنشور والجزاء في القرآن كثير واسع؛ بل في القرآن سور مخلَصة لهذا المعنى؛ كسورة القيامة، وسورة الواقعة، وسورة القارعة، وسورة الحاقة، كلها سور من أولها إلى آخرها في تقرير البعث، وهذه الحجج العقلية يرد بها على المكذبين الذين يقولون: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق]، ويستبعدون البعث ويستعظمونه، يقولون: «كيف نُعاد بعد أن كنا ترابًا وعظامًا ورُفاتًا؟!».
وقوله: (فيها مئة درجة): يريد بالدرجات: الجنات، ولا شك أن الجنة جناتٌ كثيرة ليست واحدة، وأعلاها الفردوس (٢)، ويَشهد لِما قال الشيخ من إطلاق الدرجات على الجنات قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه].
стр. 48
وقوله: (مثل نعيم أنعم مَلِك في الدنيا سبعين مرة): تقدير ما يُعطاه المؤمن بسبعين مرة يحتاج إلى مراجعة ما نقل منه الشيخ، والمشهور في «صحيح مسلم» وغيره تقديرُه بعشرة (١).
* * *
ضبطُ أعمال الإنسان وأقواله:
وقد أخبر أنه قد علم ما سوف يقول كل إنسان ويعمل من خير أو شر، سرًّا أو علانية، وأخبر أنه قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ عنده قبل أن يخلق السموات والأرض والإنسان وغيره، وأخبر أنه مع هذا قد وكَّل بكل إنسان ملكين: واحدًا عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات، لا يفوتهما شيء، وأخبر الله سبحانه أنَّ كل إنسان يُعطى يوم الحساب كتابه الذي كُتب فيه أقواله وأعماله، فيقرؤها لا يُنكر منها شيئًا، ومَن أنكر شيئًا أنطق الله سمعه وبصره ويديه ورجليه وجلده بجميع ما عمل.
стр. 49
وفي القرآن العظيم بيان ذلك بالتفصيل، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار].
شرح الآيات:
يخبر الله أنه وكّل بكل إنسان ملكين: واحدًا على يمينه رقيبٌ يكتب حسناته، والآخر على شماله عتيدٌ يكتب سيئاته، ويخبر الله في الآيتين الأخيرتين أنه وكّل بالناس ملائكة كرامًا، يكتبون جميع أفعالهم، وأخبر أنه جعل لهم القدرة على العلم بجميع أفعالهم، وكتابتها كما قد علمها وكتبها لديه في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم.
شهادة:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله، وأشهد أنَّ الجنة حق، والنار حق، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث مَنْ في القبور للحساب والجزاء، وأنَّ كل ما أخبر الله به في كتابه أو على لسان رسوله حق، وأدعوك -أيها العاقل- إلى الإيمان بهذه الشهادة وإعلانها، والعمل بمعناها، فهذا سبيل النجاة.
стр. 50
التعليق
هذه الشهادة ثمرة لِما تقدم، فبعد تقرير ما تقدَّم من ربوبيته تعالى وإلهيته، وتقرير الإيمان بالرسول ﷺ والبعث؛ وجب على مَنْ عرف هذا أن يشهد هذه الشهادة، فيشهد بأنه لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وأنَّ الساعة آتية، وهذا هو الإقرار بالبعث، والساعة هي القيامة، ولها أسماء كثيرةٌ (١)؛ كالساعة، ويوم البعث، ويوم النشور، ويوم الجزاء، ويوم الحساب، إلى غير ذلك، فواجبٌ على كلِّ مكلَّف وكلِّ عاقلٍ عرف أنَّ الله تعالى خالقُه وخالقُ السموات والأرض أن يشهد هذه الشهادة، وهاتان الشهادتان هما أصل الدين.
ولا بدَّ مع هذه الشهادة من الإيمان بأصول الإيمان الستة ولا سيما اليوم الآخر؛ ولهذا نصَّ الشيخ عليه بقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج]، وهذا المعنى جرت عادة السلف في كتابة هذه الشهادة في وصاياهم؛ كما جاء في «مصنف عبد الرزاق» (٢) عن أنس، فيقول الموصي: هذا ما أوصى به فلان، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأنَّ الله يبعث مَنْ في القبور، وأنَّ الجنة حقٌّ، والنارَ حقٌّ، وهذا نصُّ ما رواه عبد الرزاق عن أنس؛ قال: «كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم،
стр. 51
هذا ما أوصى به فلان: إنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله ﷺ ، ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج]، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة]» (١).
والإيمان بالجنة والنار والبعث داخلٌ في الإيمان باليوم الآخر؛ فإنَّ الإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بكلِّ ما يكون بعد الموت. فلا بدَّ لمن دخل في الإسلام أو أراد الدخول في الإسلام من هذه الشهادة، فمَن امتنع من شيءٍ منها لم يكن مسلمًا، فإن كان أظهر الإسلام وامتنع من شيءٍ من هذه الشهادة صار مرتدًّا.
стр. 52
الفصل الثاني: معرفة الرسول
إذا عرفت -أيها العاقل- أنَّ الله هو ربك الذي خلقك، وأنه سوف يبعثك ليجازيك على عملك، فاعلم أنَّ الله أرسل إليك وإلى جميع الناس رسولًا، أمرك بطاعته واتباعه، وأخبر أنه لا سبيل لمعرفة العبادة الصحيحة له إلا باتباع هذا الرسول، وعبادة الله بشريعته، التي أرسله بها.
وهذا الرسول الكريم، الذي يجب على جميع الناس الإيمان به واتباعه هو خاتم المرسلين، ورسول الله إلى الناس جميعًا محمد النبي الأمي، الذي بشَّر به موسى وعيسى في أكثر من أربعين موضعًا في التوراة والإنجيل، يقرؤها اليهود والنصارى قبل أن يتلاعبوا بهذين الكتابين ويحرِّفوهما (١).
стр. 53
وهذا النبي الكريم الذي ختم الله به رسله، وبعثه إلى الناس جميعًا، هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أشرف وأصدق رجل في أشرف قبيلة على وجه الأرض، تسلسلت من صلب نبي الله إسماعيل ابن نبي الله إبراهيم، وقد وُلد خاتم المرسلين محمد ﵊ في مكة سنة ٥٧٠ م. وفي الليلة التي وُلد فيها، وفي لحظة خروجه من بطن أمه أضاء الكون نورٌ عظيم، أدهش الناس، وسُجل في كتب التاريخ، وانتكست أصنام قريش التي يعبدونها عند الكعبة في مكة، واهتز إيوان كسرى ملك الفرس، وتساقط منه بضع عشرة شرفة، وانطفأت نار الفرس التي يعبدونها، وكانت لم تنطفئ قبل ذلك بألفي (١) عام.
وكل هذا إعلان من الله تعالى لأهل الأرض بمولد خاتم المرسلين الذي سوف يحطِّم الأصنام التي تُعبد من دون الله، وسيدعو الفرس والروم إلى عبادة الله وحده، والدخول في دينه الحق، فإذا أبوا جاهدهم هو ومَن يتبعه، فينصره الله عليهم، وينشر دينه الذي هو نوره في الأرض، وهذا هو ما حصل بالفعل بعدما بعث الله رسوله محمدًا ﷺ .
وقد ميَّز الله خاتم رسله محمدًا ﷺ من بين إخوانه الرسل قبله بميزات منها:
стр. 54
أولًا: أنه خاتم المرسلين فليس بعده رسول ولا نبي.
ثانيًا: عموم رسالته إلى جميع الناس، فالناس كلهم أمة لمحمد، مَنْ أطاعه واتبعه دخل الجنة، ومَن عصاه دخل النار.
حتى اليهود والنصارى مكلَّفون باتباعه، ومَن لم يتبعه ويؤمن به فهو كافر بموسى وعيسى وبجميع الأنبياء، وموسى وعيسى وكل الأنبياء بريئون من كل إنسان لا يتبع محمدًا ﵇؛ لأنَّ الله أمرهم أن يبشروا به، وأن يدعوا أممهم إلى اتباعه إذا بعثه الله، ولأنَّ دينه الذي بعثه الله به هو الدين الذي بعث الله به رسله، وجعل كماله ويسره على عهد هذا الرسول الكريم خاتم المرسلين، فلا يجوز لأحد بعد بعثة محمد أن يعتنق دينًا غير الإسلام الذي بعثه الله به؛ لأنه الدين الكامل الذي نسخ الله به جميع الأديان، ولأنه دين الحق المحفوظ.
أمَّا اليهودية والنصرانية فهي دين محرَّف، ليس كما أنزله الله، فكلُّ مسلمٍ متَّبعٌ لمحمد يُعتبر متبعًا لموسى وعيسى وجميع الأنبياء. وكل خارج عن الإسلام يعتبر كافرًا بموسى وعيسى وجميع الأنبياء، وإن ادعى أنه من أتباع موسى أو عيسى!
ولهذا سارع جماعة من أحبار اليهود ورهبان النصارى العقلاء المنصفون إلى الإيمان بمحمد ﷺ ، والدخول في الإسلام.
стр. 55
التعليق
جعل الشيخ ﵀ البعث من توابع الإيمان بالله، ولهذا يَقرن الله كثيرًا بين الإيمان به وباليوم الآخر، قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨]، وهذا يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، فالله هو الذي بدأ الخلق وهو الذي يعيد الخلق ويبعثهم، فالشيخ أخذ على هذا التأصيل بين الإيمان بالله وباليوم الآخر، ولهذا قدَّم الكلام في البعث على ذكر الإيمان بالرسول ﷺ . والإيمان بالبعث لا شك أنه من توابع الإيمان بالله؛ لأنَّ الإيمان بالبعث راجع إلى الإيمان بكمال قدرة الله وحكمته، فهو على كل شيء قدير، إذن: فهو قادر على بعث الأموات من قبورهم وإحيائهم مرة أخرى كما بدأهم، والإيمان بالحكمة كذلك تقتضي ألا يترك الناس سدى، لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يجزيهم، فالجزاء هو من مقتضيات الحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾ [الجاثية].
وتقدَّم التنبيه (١) أنَّ الشيخ بنى هذا المؤلَّف على الأصول الثلاثة: معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام، وهي الأصول التي بنى عليها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ رسالته المشهورة ب «الأصول الثلاثة»، وهذه الأصول سماها الشيخ محمد بن عبد الوهاب
стр. 56
«مسائل القبر» (١)، فإنَّ الميت يُسأل عن هذه الثلاثة: مَنْ ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟ (٢) فهذه مسائل القبر.
وقوله: (وأخبر أنه لا سبيل لمعرفة العبادة الصحيحة له إلا باتباع هذا الرسول … ) إلى آخره: سبحان مَنْ اصطفاه ﷺ ، وسبحان الذي يخلق ما يشاء ويختار، فهو صفوةٌ مِنْ صفوة، جاء في الحديث: «إنَّ الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كِنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٣)؛ فهو خيار مِنْ خيار مِنْ خيار.
وقوله: (الذي بشَّر به موسى وعيسى في أكثر من أربعين موضعًا في التوراة والإنجيل (٤)، يقرؤها اليهود والنصارى قبل أن يتلاعبوا بهذين الكتابين ويحرفوهما (٥): أُشير إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ولكنهم حرَّفوا
стр. 57
وكتموا، ولا سيما اليهود، فإنَّ الله أخبر عن تحريفهم للكتابين وعن الكتمان، وأكثر ما تلاعبوا فيه ما يتصل برسالة محمد ﷺ وصفته، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة]، يعني: لعنة الله عليهم؛ أي: على اليهود.
وقوله: (وهذا النبي الكريم، الذي ختم الله به رسله، وبعثه إلى الناس جميعًا): المناسب أن يُقال: «ختم الله به أنبياءه»؛ لأنَّ الله قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ولم يقل خاتم المرسلين؛ لأن ختم الرسالة لا يستلزم ختم النبوة، وأما ختم النبوة فيستلزم ختم الرسالة؛ ولهذا قال ﵊: «إنه لا نبي بعدي» (١)، ولم يقل: لا رسول بعدي، فعُلم أنه ﷺ لا رسول بعده ولا نبي، بل هو خاتم النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. وقوله: (وقد وُلد خاتم المرسلين محمد ﵊ في مكة سنة ٥٧٠ م (٢): اعتمد الشيخ التاريخ الميلادي؛ لأن التاريخ الهجري لم يأت وقته.
стр. 58
وقوله: (وفي الليلة التي وُلد فيها، وفي لحظة خروجه من بطن أمه أضاء الكون نورٌ عظيم … ) إلى آخره: كذا يذكر المؤرخون -والله أعلم- هذه الحوادث (١)، لكن لا شك أنَّ مولده يعتبر حدثًا عظيمًا له شأن؛ بل مولد خاتم النبيين ومبعثه هو أول أشراط الساعة؛ لأنَّ بعثه مؤذِنٌ بانقضاء وانصرام الدنيا، ولهذا يقول ﷺ : «بُعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى ﷺ (٢).
وقوله: (فالناس كلهم أمة لمحمد، مَنْ أطاعه واتبعه دخل الجنة، ومَن عصاه دخل النار): الأمة أمتان: أُمة الدعوة وهي كل الناس، وأُمة الإجابة هم مَنْ شهدوا أنَّ محمدًا رسول الله، ويُعرفون عند أهل العلم بأُمة الإجابة، وجميع الناس هم أُمة الدعوة (٣)، ولكن أكثر ما يطلق العلماء «أُمة محمد» على أُمة الإجابة.
وقوله: (حتى اليهود والنصارى مكلَّفون باتباعه، ومَن لم يتبعه ويؤمن به فهو كافر بموسى وعيسى وبجميع الأنبياء، وموسى وعيسى وكل الأنبياء بريئون من كل إنسان لا يتبع محمدًا ﵇؛ لأنَّ الله أمرهم أن
стр. 59
يبشروا به، وأن يدعوا أممهم إلى اتباعه إذا بعثه الله): أخذ الله ميثاقًا على كل رسول أن يأخذ على أمته الميثاق: لئن بُعِثَ محمد ﷺ ليؤمننَّ به ولينصُرنَّه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ [آل عمران].
وقوله: (ولأنَّ دينه الذي بعثه الله به هو الدين الذي بعث الله به رسله، وجعل كماله ويسره على عهد هذا الرسول الكريم خاتم المرسلين … ) إلى آخره: حقيقة دين الإسلام: عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعته ، وهذه الحقيقة يدين بها أهل السموات من ملائكة الله، وهي دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، فدين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم هو الإسلام، يدل لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] أي: الدين المرضيّ المعتبر في حكمه هو الإسلام، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وهذه ليست خاصة بما جاء به محمد ﷺ ؛ بل هذا عام في الأولين والآخرين؛ من ابتغى غير دين الإسلام فلن يُقبل منه.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ [المؤمنون]. وقوله
стр. 60
ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لِعَلَّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» (١).
فنوح ﵇ جاء بالإسلام؛ لأنه جاء يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذكر الله عنه أنه قال لقومه: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦] وقال: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ [نوح]، وقال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس]، وهكذا مَنْ جاء بعده مِنْ الرسل، كإبراهيم ويعقوب، قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة]، ويوسف ﵇ قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]، وموسى ﵇ قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس]، والسحرة لما آمنوا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف]، وهكذا الحواريون أتباع المسيح: ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة].
فالإسلام دين الله، لكن يجب أن يُعلم أنه بعد أن بعث الله محمدًا ﷺ صار الإسلام هو ما جاء به، وكل مَنْ لم يؤمن بشريعة محمد ﷺ ويلتزم بمتابعته فليس على الإسلام مهما تديَّن، حتى ولو لم يشرك.
فاليهود والنصارى وإن انتسبوا إلى الأنبياء، وإلى التوراة والإنجيل، فليسوا بمسلمين؛ لأنهم جمعوا بين أنواع من الكفر والشرك، وانضاف
стр. 61
إلى ذلك كفرهم برسالة محمد ﷺ ؛ فالنصارى يقوم دينهم الباطل على الشرك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة].
واليهود كفروا بما ارتكبوا من العظائم؛ كتحريف كتب الله، والتلاعب بدينه، وقتل الأنبياء، وقد ذكر الله بعض قبائحهم، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفُ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ [النساء] الآيات.
ولهذا جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسُ محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (١).
ومَن يقول: إن اليهود والنصارى على دين صحيح؛ فإنه كافر؛ لأن ذلك يناقض ما وصفهم الله به، وأخبر عنهم، وهذه قضية ينبغي التنبُّه لها؛ لأنه قد اشتهر في هذا العصر الدعوة إلى وحدة الأديان، واعتقاد أن اليهود والنصارى والمسلمين كلهم على دين صحيح (٢).
стр. 62
وقوله: (فكل مسلمٍ متبَّع لمحمد يُعتبر متبعًا لموسى وعيسى وجميع الأنبياء): قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فنحن مكلَّفون بأن نؤمن بجميع الرسل إجمالًا، وتفصيلًا فيما فصَّل الله لنا وقصَّ علينا، ونؤمن بمحمد ﷺ إجمالًا وتفصيلًا.
وقوله: (ولهذا سارع جماعة من أحبار اليهود ورهبان النصارى العقلاء المنصفون إلى الإيمان بمحمد ﷺ ، والدخول في الإسلام): وأشهرهم عبد الله بن سلام وأصحابه (١)، والنجاشي (٢)، وقصة إسلامهما مفصَّلة في كتب السنَّة.
* * *
стр. 63
معجزات (١) الرسول ﷺ :
وقد عدَّ علماء سيرة الرسول محمد ﷺ معجزاته الدالة على صدق رسالته، فبلغت أكثر من ألف معجزة (٢)، منها:
١. خاتم النبوة الذي أنبته الله بين كتفيه، وهو (محمد رسول الله)، على هيئة الثآليل.
٢. تظليل الغمام له إذا مشى في شمس الصيف الحارة.
٣. تسبيح الحصى في يديه، وتسليم الشجر عليه.
٤. إخباره بالغيبيات التي ستحصل في آخر الزمان، وها هي تحصل شيئًا فشيئًا طِبق ما أَخبر.
وهذه الأمور الغيبية التي تحدث بعد وفاة خاتم المرسلين محمد ﷺ إلى نهاية الدنيا، والتي أطلعه الله عليها وأخبر بها، مدوَّنة في كتب الحديث وكتب أشراط الساعة. مثل: «النهاية» لابن كثير (٣)، وكتاب «الأخبار المشاعة في أشراط الساعة»، و «أبواب الفتن
стр. 64
والملاحم» في كتب الحديث، وهذه المعجزات شبيهة بمعجزات الأنبياء قبله، ولكن الله اختصه بمعجزة عقلية باقية على صفحات الدهر إلى نهاية الدنيا؛ لم يعطها الله لغيره من الأنبياء، وهي: القرآن العظيم (كلام الله)، الذي تكفَّل الله بحفظه، فلا تستطيع يد التحريف أن تمتد إليه، ولو حاول أحد تغيير حرف منه لانكشف، فها هي مئات ملايين النسخ من القرآن بأيدي المسلمين لا تختلف واحدة عن الأخرى، ولا بحرف واحد، أما نُسخ التوراة والإنجيل فهي متعددة يختلف بعضها عن بعض؛ لأنَّ اليهود والنصارى تلاعبوا بهما وحرَّفوهما لما وكَّل الله إليهم حفظهما، أما القرآن فلم يَكِلْ حفظه لأحد سواه؛ بل تكفَّل هو بحفظه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر].
التعليق
معجزات الرسول هي الأدلة الدالة على صِدقه؛ وهي الخوارق الدالة على صِدق الرسول، ويُسمِّيها المتكلمون المعجزات، وشيخ الإسلام يقول: اللفظ الشرعي هو البراهين والآيات والبينات (١)، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء]، وقوله تعالى في آيتي موسى: العصا واليد: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٣٢]، وقال
стр. 65
تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣)﴾ [غافر]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾ [الأنعام]؛ فالتعبير عن دلائل الرسل ودلائل نبوتهم ب «معجزات» مصطلح كلامي عند الأشاعرة والمعتزلة، ويريدون بالمعجزات: خوارق العادات، ويقصرون إثبات النبوة عليها، والصواب: أن أدلة النبوة متنوعة وكثيرة، ولا تختص بما يسمى «معجزات» من خوارق العادات (١)، لكن المصطلح الكلامي صار مشهورًا عند الناس فيُعبر به كثير من أهل العلم، فالشيخ ﵀ كأنه عبَّر بالمعنى المشهور عند الناس، وقد انتبه الشيخ لهذا فذكر الاسم الشرعي لدلائل النبوة، وهو الآيات كما في حاشية الكتاب.
قوله: (خاتم النبوة الذي أنبته الله بين كتفيه، وهو (محمد رسول الله)، على هيئة الثآليل (٢): ما ذكره الشيخ ﵀ عن خاتم النبوة ثابت عند أهل العلم بالأحاديث الصحيحة، لكن قوله: (محمد رسول الله) يوهم أنَّ ذلك مكتوب على الذي بين كتفيه ﷺ ، وقد ورد ذلك في حديث ضعيف (٣)، و «محمد رسول الله» مكتوب في خاتمه الذي يختم به الكتب التي يبعث بها، وهو الخاتم الذي يلبسه في يده (٤)، وخاتم النبوة الذي بين
стр. 66
كتفيه قالوا كزر الحَجَلة (١)، وهو شكل مدوَّر كالبيضة (٢). وقوله: (على هيئة الثآليل): يعني مثل الثآليل، والثآليل: هي أشياء لَحْمِية تبرز في بعض مواضع الجسم، وليست قروحًا ذات صديد، لكن لونها لون الجلد مع اسوداد يسير (٣).
وقوله: (تظليل الغمام له إذا مشى في شمس الصيف الحارة): هذا ورد في قصته عندما سافر مع عمه، رآه الراهب بحيرا وعرف أنه النبي؛ لأنه رأى أنَّ السحاب يُظلُّه ويمشي معه، فاتصل الراهب بحيرا بعمِّه، وقال: احذر أن تَقدم به على اليهود (٤).
стр. 67
وقوله: (تسبيح الحصى في يديه (١)، وتسليم الشجر عليه (٢): هذا كله ورد في السيرة، وهو مشهور عند العلماء في دلائل النبوة، ونظائر هذا كثيرة مروية في الصحيحين وغيرهما؛ كتسبيح الطعام كما جاء في صحيح البخاري (٣).
وقوله: (إخباره بالغيبيات التي ستحصل في آخر الزمان، وها هي تحصل شيئًا فشيئًا طِبق ما أَخبر): يعني من دلائل نبوته ﷺ : ما أخبر به من الأمور المستقبلة ثم تحدث كما أخبر، وهذا وقع كثيرًا في حياته وبعد وفاته ﵊، ولا تزال دلائل نبوته تظهر حينًا بعد حين لمن علم ما جاء في السُّنة وعرف الواقع.
وقوله: (وكتاب «الأخبار المشاعة في أشراط الساعة»): هذا كتاب غير موجود، ومؤلفه غير معروف، ولكن يوجد مختصره للشيخ عبد الله بن سليمان المشعلي (٤).
стр. 68
وقوله: (لا تختلف واحدة عن الأخرى … ) إلى آخره: هذا باعتبار القراءة المشهورة: قراءة حفص عن عاصم، أمَّا باعتبار تعدد القراءات فالقراءات مختلفة في بعض الأحرف، وهذا لا يقدح في حفظ القرآن؛ لأن القراءات كلها مروية عن النبي ﷺ .
وقوله: (أمَّا القرآن فلم يَكِلْ حفظه لأحد سواه ؛ بل تكفَّل هو بحفظه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر]): ومع ذلك فحفظ الله له إنما يكون بحفظ الأمة له أيضًا، فالله جعل لِما يريده أسبابًا، ولهذا قيَّض الله الصحابة أن يتلقوا القرآن من الرسول ويحفظونه حفظ الصدور، ثم هُدوا إلى جمعه وكتابته والاتفاق عليه، فحِفظ القرآن حصل بحفظ الله وبهداية الأمة لحفظه لفظًا وكتابة، فما فعله الصحابة من جمعه وكتابته هو مِنْ حِفظ الله له.
* * *
стр. 69
البرهان العقلي والأدلة من كلام الله تعالى على أنَّ القرآن كلام الله تعالى وعلى أنَّ محمدًا رسول الله
ومن البراهين المنطقية العقلية الدالة على أنَّ القرآن كلام الله تعالى وعلى أنَّ محمدًا رسول الله: أنَّ الله تحدَّى كفار قريش لما كذَّبوا محمدًا ﷺ كغيرهم من مكذبي الأنبياء في الأمم السابقة، وقالوا: إنَّ القرآن ليس كلام الله، تحداهم الله أن يأتوا بمثله، فعجزوا على الرغم من أنه بِلُغَتِهم. وبالرغم من أنهم أفصح الناس، وعلى الرغم أنَّ مِنْ بينهم كبار الخطباء والبلغاء وفحول الشعراء، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سُوَر مثله مَكْذُوبات؛ فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة؛ فعجزوا، ثم أعلن عجزهم.
وعجز جميع الجن والإنس عن الإتيان بمثله، ولو كان بعضهم لبعض مُعينًا، فقال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء]. فلو كان القرآن من كلام محمد أو غيره من الناس لقَدِر غيره من أهل لغته الفصحاء أن يأتوا بمثله، ولكنه كلام الله تعالى، وفضلُ كلام الله وسُمُوُّه على كلام البشر كفضل الله على البشر.
стр. 70
وبما أنه ليس لله مثيل فليس لكلامه مثيل؛ وبهذا يتبين أنَّ القرآن كلام الله تعالى، وأنَّ محمدًا رسول الله؛ لأنَّ كلام الله لا يأتي به إلا رسول من عنده، وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ]، وقال الله تعالى في القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء]. المعنى الإجمالي للآيات:
يخبر الله تعالى في الآية الأولى أنَّ محمدًا ﷺ رسوله إلى الناس كلهم، وأنه خاتم أنبيائه، فليس بعده نبي، ويخبر أنه اختاره لحمل رسالته، وليكون خاتمًا لرسله؛ لأنه يعلم أنه أصلح الناس لذلك، ويخبر الله سبحانه في الآية الأخرى: أنه أرسل رسوله محمدًا للناس جميعًا: الأبيض والأسود، والعرب وغير العرب، ويخبر أنَّ أكثر الناس لا يعلمون الحق، لذا ضلوا وكفروا بعدم اتباعهم لمحمد ﷺ .
ويخاطب الله رسوله محمدًا ﵇ في الآية الثالثة، فيخبره أنه أرسله رحمة للعالَم أجمع، فهو رحمة الله التي تكرَّم بها على الناس، فمن آمن به واتبعه فقد قَبِل رحمة الله، وله الجنة، ومَن لم يؤمن بمحمد ولم يتبعه، فقد ردَّ رحمة الله، واستحق النار والعذاب الأليم.
стр. 71
نداء للإيمان بالله وبرسوله محمد ﵊:
لذا ندعوك -أيها العاقل- إلى الإيمان بالله ربًّا، وبرسوله محمد رسولًا، وندعوك إلى اتباعه، والعمل بشريعته التي بعثه الله بها، وهي دين الإسلام الذي مصدره القرآن العظيم (كلام الله)، وأحاديث خاتم المرسلين محمد ﷺ التي ثبتت عنه؛ لأنَّ الله عصمه، فلا يأمر إلا بأمر الله، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، فَقُلْ من قلب مخلص: آمنت بأنَّ الله ربي وإلهي وحده، وقل: آمنت بأنَّ محمدًا رسول الله، واتبعه، فإنه لا نجاة لك إلا بذلك، وفقني الله وإياك للسعادة والنجاة آمين.
التعليق
كل البراهين التي ذكرها المؤلف هي عقلية نقلية، ولكنه خصَّ القرآن بأنه البرهان العقلي لأنه أعظم دليل جعله الله حجة على صدق مَنْ جاء به؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت]، وفي الحديث الصحيح قال ﷺ : «ما مِنْ الأنبياء نبي إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وكان الذي أُوتيته وحيًا أوحاه الله إلي» -يعني القرآن- «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (١).
стр. 72
وقد أوضح المؤلف ﵀ كيف دلَّ القرآن على أنه كلام الله، وعلى أن محمدًا رسول الله، وذلك بأن الله تحدَّى به العرب، بل الجن والإنس أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة؛ فلم يقدروا على شيءٍ من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ *** … ﴾ [البقرة] الآية، ولهذا كان القرآن هو المعجزة الخالدة إلى آخر الدهر، والبرهان الأعظم على رسالة محمد ﷺ .
* * *
стр. 73
الفصل الثالث: معرفة دين الحق (الإسلام)
إذا عرفت -أيها العاقل- أنَّ الله تعالى هو ربك الذي خلقك ورزقك، وأنه الإله الواحد الحق الذي لا شريك له، وأنه يجب عليك أن تعبده وحده، وعرفت أنَّ محمدًا رسول الله إليك، وإلى جميع الناس؛ فاعلم أنه لا يصح إيمانك بالله تعالى ورسوله محمد ﵊ إلا إذا عرفت دين الإسلام، وآمنت به، وعملت به؛ لأنه الدين الذي رضيه الله تعالى، وأمر به رسله، وبعث به خاتمهم محمدًا ﷺ إلى جميع الناس، وأوجب عليهم العمل به.
التعليق
الإيمان بالرسول يستلزم الإيمان بما جاء به، والرسول جاء بدين الإسلام، وجاء بالتوحيد، والتوحيد هو أصل دين الإسلام، فهذه الأصول الثلاثة متلازمة لا يصح الإيمان بواحد دون الأصلين الآخرين، وهي التي يُسأل عنها الإنسان في قبره: مَنْ ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟ (١).
стр. 74
ودين الإسلام يدخل فيه الإيمان بالله ورسوله، وهو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ودين الإسلام مبني على الشهادتين، فإن الإسلام مبني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله، ويتبع هذه الأصول بقية الشرائع من الفرائض والنوافل، واجبات ومستحبات، واسم الإسلام يعمُّها، فكلُّ شريعةٍ أو حُكمٍ دلَّ عليه الكتاب والسنة فهو من دين الإسلام، وتقدَّم (١) أن الشيخ بنى هذا الكتاب على هذه الأصول الثلاثة التي يُسأل عنها الإنسان في قبره: مَنْ ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟
* * *
стр. 75
تعريف الإسلام
قال خاتم المرسلين، ورسول الله إلى الناس أجمعين: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». متفق عليه.
فالإسلام هو الدين العالمي الذي أمر الله به جميع الناس، وآمن به رسل الله، وأعلنوا إسلامهم لله، وأعلن الله تعالى بأنه الدين الحق، وأنه لا يقبل من أحد دينًا سواه؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران].
المعنى الإجمالي للآيتين:
يخبر الله تعالى أنَّ الدين لديه الإسلام فقط، وفي الآية الأخرى أخبر أنه لن يقبل من أحد دينًا غير الإسلام، وأنَّ السعداء بعد الموت هم المسلمون فقط، وأنَّ الذين يموتون على غير الإسلام خاسرون في الدار الآخرة، ويُعذَّبون في النار.