← Акыда

Акыда · id 30030

الإعلام في شرح فضل الإسلام

أحمد القاضي

Полный текст (133 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد: فلقد كان الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي ﵀ علامةً فارقة في تاريخ العقيدة السلفية، لما كتب الله على يديه من أثر عظيم في تجديد الدين، وإحياء التوحيد، ومحاربة الشرك والبدعة، التي ضربت أطنابها، في معظم بلاد الإسلام إبان القرن الثاني عشر الهجري، فدعا، وألف، وكاتب، وجاهد، فلم يحل رأس القرن إلا وقد طبقت دعوته أرجاء الجزيرة العربية، وامتدت آثارها إلى كثير من الأقاليم الإسلامية. ولد ﵀ في بلدة العيينة، وهي بلدة تقع شمال الرياض، سنة (١١١٥ هـ)، وكان والده عبد الوهاب، قاضي البلدة، وكان جده سليمان بن علي، من كبار الحنابلة في نجد. فنشأ في بيت علم ودين وشرف، وتلقى العلم منذ نعومة أظفاره على والده، فحفظ القرآن ولما يبلغ العاشرة، وزوجه والده وهو ابن اثنتي عشرة سنة، لما رأى من رجولته المبكرة، ونباهته، وكياسته، وجعله يؤم الناس في الصلاة. وطلب العلم في البلدات المحيطة ببلدته، ثم توجه إلى بيت الله الحرام، فقرأ على شيوخ الحرمين، ثم عاد أدراجه، ورحل إلى البصرة، مارّاً بالأحساء. وظهر له من هذه الجولة ما آل

стр. 2

إليه حال المسلمين في القرن الثاني عشر الهجري، من الجهل، والشرك، والبدعة؛ فقد رأى في بلاد الحرمين من صور الشرك والبدع المستوطنة، والوافدة مع أفواج العمار، والزوار، والحجيج، ما يحز في النفس؛ من دعاء غير الله، والاستغاثة بالأولياء والمقبورين، وكذلك الحال في البصرة، والأحساء وفي بلاد نجد، من البدع، والخرافات، والتعلق بالطواغيت، مما أيقظ في قلبه الرغبة في إحياء الدين، وتجديد التوحيد في حياة المسلمين. فشرع في هذه المهمة العظيمة بالدعوة الصريحة، وجرى له محن وخطوب، حتى ساقه الله تعالى إلى بلدة الدرعية، فالتقى بالإمام محمد بن سعود، فتعاهدا وتعاقدا على نصرة الدين، ونشر التوحيد، ففتح الله عليهما في الجزيرة العربية، واستمر هذا التأثير يسري سريان النور في الظلماء في أرجاء العالم الإسلامي، فتأثر به أناسٌ كثر، ودعوا إلى توحيد رب العالمين. وألّف الشيخ -رحمه الله تعالى- كتباً كثيرة، امتازت بالتأصيل، والوضوح، وسهولة العبارة، والتصنيف على طريقة السلف، فلم يكن يخلط كلام الله، وكلام نبيه ﷺ بكلامه، بل كان يكتفي بوضع التراجم للأبواب، ثم يتبعها بذكر المسائل، كما وقع في (كتاب التوحيد)، وربما عقب تعقيبات يسيرة كما في هذا الكتاب. أما المراسلات؛ فكان يكتب ويناقش ويجادل بالتي هي أحسن، ويورد الحجج، ويقمع الشبهات، فجاهد في الله تعالى جهاداً مبيناً، وأمدَّ الله تعالى في عمره، فكانت وفاته سنة (١٢٠٦ هـ) أي: أنَّه عاش إحدى وتسعين سنة، ﵀ رحمة واسعة. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا، كتاب (فضل الإسلام) قصد مصنفه بيان حقيقة دين الإسلام، وفضله، ووجوب الدخول في عقده، والاستغناء به عما سواه، وتحريم الخروج عليه، وخطورة تبديل الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وضرورة لزوم السنة، والتمسك بها كاملة، والتحذير من البدعة، وفضل الغربة، وإصلاح ما أفسد الناس. وقد يسر الله شرحه في عدة مناسبات، في مجالس علمية متتالية، وجرى

стр. 3

تفريغ الأوعية الصوتية، وتنقيحها، والإضافة عليها، وتخريج أحاديثها تخريجًا وسيطًا، وإدخال النقول المفيدة من كلام الأئمة في مواضعها المناسبة؛ فجاء-بحمد الله-على هذا النحو، وسميته: (الإعلام في شرح فضل الإسلام). وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه، نافعًا لعباده، محققًا لمقصود مؤلفه. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه: أ. د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي عنيزة. في: ١٥/ ٤/ ١٤٤٢ هـ

стр. 4

باب (١) فضل الإسلام قال المصنف-﵀ -: باب: فضل الإسلام وقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤] الآية. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨]. الشرح: قال المصنف ﵀: "باب: فضل الإسلام" الفضل: هو الشرف، والزيادة. و الإسلام لغةً: مأخوذ من الاستسلام، وهو الانقياد والخضوع. واصطلاحًا، بالمعنى العام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وهو، بهذا الاعتبار، دين الله للناس جميعاً؛ الأولين والآخرين، ليس لله دين سواه. وهو الذي بعث الله تعالى به جميع الأنبياء والمرسلين، فما من نبي، ولا تابع نبي، إلا وهو مسلم بهذا الاعتبار. والدليل على هذا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً

стр. 5

وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. فدين الله واحد، هو الإسلام، وعقيدة الأنبياء واحدة، وهي التوحيد، فلا يجوز التفريق بين رسل الله، لأنَّ الله قد جمعهم، ووحَّد دينهم؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وذم الله الذين يفرِّقون بين رسله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢]. ولذلك سماهم الله تعالى مسلمين، ووصفهم بالإسلام، وهو الاسم القديم، الباقي، لأولياء الله على مر العصور: - قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]. - وقال عن إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. - وقال عنه، وعن إسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]- وبرَّأه من اليهودية والنصرانية، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]. - وقال عن يعقوب ﵇ وبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢ - ١٣٣] - وقال عن يوسف-﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. - وقال عن موسى ﵇ أكبر أنبياء بني إسرائيل: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 6

آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وأدرك هذا المعنى سحرة فرعون، حينما رأوا الحق الصُراح، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾، ولما هلك فرعون، أو كاد، فَاهَ بهذا الوصف: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]. - وأخبر عن ملكة سبأ أنها قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]. - وأخبر عن حواريي عيسى ﵇-أنهم قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وفي موضع: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]. - وقد سمَّى الله تعالى جميع أنبياء بني إسرائيل مسلمين، كما في قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]. - بل إنَّ مؤمني الجن عبَّروا بهذا التعبير فقالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ [الجن: ١٤]. - وأمر نبيه محمداً ﷺ بما أمر الله تعالى به الأنبياء والمرسلين، فقال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢]، وفي موضع: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. فهذا الحشد من الآيات يُبيِّن أنَّ لفظ (الإسلام) لفظ قديم، واصطلاح عتيق، لم يأتِ مع بعثة محمد ﷺ ، بل هو دين الله للأولين والآخرين، فهذا هو الإسلام بالمعنى العام. وإنما وقع التنوع في الشرائع، كما قال ﷺ «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» متفق عليه. (١) والإخوة لعلات، هم أبناء الضرائر.

стр. 7

ووجه الشبه أن الأنبياء دينهم واحد، وشرائعهم متنوعة، كما أن أبناء الضرائر، أبوهم واحد، وأمهاتهم متعددات. وأما الإسلام بالمعنى الخاص: فهو ما بعث الله به محمداً ﷺ -من العقائد الصحيحة، والشرائع العادلة، والآداب القويمة، والأخلاق الرفيعة، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. فالإسلام بالمعنى الخاص، هو اللقب الذي غلب على هذه الأمة. فتبيَّن بهذا اتصال حلقات الإسلام، كما قال تعالى عن مؤمني أهل الكتاب: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥١ - ٥٤]. فهذا هو الإسلام الذي عنون له المصنف بقوله: "باب فضل الإسلام" وصدّره بثلاث آيات: الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]: هذه آية عظيمة، وهي من آخر ما نزل على النبي ﷺ ، فيها امتنان بليغ من الله تعالى على هذه الأمة؛ بإكمال الدين، وإتمام النعمة، فعن طارق بن شهاب، أن يهوديًا قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت، معشر اليهود، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: وأيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]. فقال عمر ﵁: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات في يوم جمعة (١). وفي رواية: "نزلت ليلة جمع" أي: ليلة المزدلفة، وهي عشية يوم عرفات "ونحن مع رسول الله ﷺ بعرفات" (٢). قال الإمام النووي ﵀: "ومراد عمر ﵁ أنا قد اتخذنا ذلك اليوم

стр. 8

عيداً من وجهين: فإنَّه يوم عرفة، ويوم جمعة، وكلٌّ منهما عيد لأهل الإسلام" (١). فوائد الآية: ١ - فضل الإسلام؛ لأنَّ الله تعالى قد أكمله، وأتمه، فهذه الآية شاهد على ما عنون له المصنف. ٢ - شمول الشريعة -بحمد الله- لجميع مناحي الحياة؛ العبادات، والمعاملات، وما يتعلق بالأمور الشخصية، والأمور العامة، وما يتعلق بالدنيا والآخرة، فلا تجد أمرًا، إلا وقد ترك لنا منه ﷺ علماً، كما قال الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقاً في أخبارها، وعدلاً في أحكامها. ٣ - إبطال البدع والمحدثات، فإنَّ المبتدع يقول بلسان حاله، لا بلسان مقاله: الدين لم يكتمل، والنعمة لم تتم، فلذلك اقترح ما اقترح من المحدثات. فهذه الآية تقطع الطريق عليه. الآية الثانية: قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤]: هذه الآية تدل على ثقة النبي ﷺ بدينه، فالمعنى: إن كنتم في شك من ديني، فلست في شك من ديني، بل إني على بينة من ربي، ولا أعبد الذين تعبدون من دونه، كما أمره ربه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [المائدة: ١ - ٥]. وقد لاحظ المصنف ﵀ ملحظًا لطيفًا في تفسير قوله: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤] فقال: "أنَّ كثيراً من الناس إذا عرف الشرك، وأبغضه، وتركه، لا يفطن لما يريد الله من قلبه من إجلاله، وإعظامه، وهيبته، فذكر هذه الحال

стр. 9

﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤] " (١). فليتذكر المؤمن أنَّ الله هو الذي يتوفاه، وأنَّه إليه صائر ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦] فهذا يورث في قلبه إجلالاً وإعظاماً لله تعالى. فوائد الآية: ١ - فضل الإسلام، لما يورثه من اليقين والبينة. ٢ - مشروعية الخطاب العام، وقدوقع في القرآن العظيم بهذه الصيغة: (يا أيها الناس) تسع عشرة مرة. ٣ - أن من أنواع الكفر: كفر الشك. ٤ - بطلان الشرك، وعبادة غير الله. ٥ - التنبيه على استحقاقه للعبادة، لكونه الرب المحيي المميت. الآية الثالثة: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨] اختلف المفسرون في المخاطب بهذه الآية على قولين: القول الأول: أنَّ المخاطب بها مسلمة أهل الكتاب، فإنَّهم إن أسلموا فإنَّ الله سيؤتيهم كفلين من رحمته، فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾، أي: آمنوا بمحمد، كما آمنتم بأنبيائكم السابقين، حينئذٍ ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] (٢). ويؤيد هذا أنَّ الآية جاءت في سياق قوله: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] ويؤيده أيضاً قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] مرتين لإيمانهم بنبيهم، ثم لإيمانهم بمحمد ﷺ .

стр. 10

القول الثاني: أنَّ المعنى أعم، وأنَّها تشمل مؤمني هذه الأمة، فإنَّهم إذا اتقوا الله، وآمنوا برسوله، فإنَّ الله يضاعف لهم المثوبة (١). وممن ذهب إلى هذا الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀، فقد قال: "وهذا الظاهر، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين، ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم، أعطاهم الله ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله تعالى" (٢). قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ التقوى: أن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية، بفعل أوامره واجتناب مناهيه. وأصلها الإيمان بالله، والعلم بالله بأسمائه وصفاته التي تورث محبته، وخشيته. قوله: ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ بتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. وما يستتبع من وجوب محبته، والصلاة والسلام عليه. أو بمعنى: ازدادوا إيمانًا. قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: الكفل هو النصيب. والرحمة هنا هي الرحمة المخلوقة التي بمعنى الثواب، والإنعام، والإحسان، الحاصل من أثر رحمته التي هي صفته. كما قال في الآية الأخرى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤]. قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ النور الذي وعدوا به نوران: - نور معنوي: وهو الهدى والبصيرة، المستمد من الوحي، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]. - نور حسي: وهو الذي يكون في عرصات القيامة، كما قال تعالى:، وقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢] ﴿يَوْمَ لَا

стр. 11

يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨] قوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الغفر: الستر والتجاوز. ومنه سمي "المغفر" لأنه يستر الرأس، ويقيه. وفي الآية إغراء عظيم لمن شرح الله صدره للإيمان والتقوى. فوائد الآية: ١ - فضل الإسلام، لما يترتب عليه مضاعفة الأجر والثواب، والهداية، والمغفرة. ٢ - فضيلة التقوى. ٣ - أن الأمر بالإيمان يتناول ابتداءه، والازدياد منه. ٤ - أن الإيمان يزيد وينقص. ٥ - حسن عاقبة الإيمان والتقوى في الدنيا والآخرة. ٦ - حاجة الإنسان للنور المعنوي لاكتساح ظلمات الشبهات والجهالات، والنور الحسي لاكتساح ظلمات يوم القيامة. ٧ - حاجة الإنسان للتخلص من آثار الذنوب وتبعاته. ٨ - إثبات اسمي الله "الغفور" و "الرحيم"، وما تضمناه من صفتي "المغفرة" و "الرحمة". قال المصنف ﵀: وفي الصحيح: عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مثلكم ومثل أهل الكتابين، كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى أن

стр. 12

تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثر عملاً وأقل أجراً؟ قال: هل نقصتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء» (١). الشرح: دلّ هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري وغيره، على فضل هذه الأمة، وتميزها على سائر الأمم. قوله: «مثلكم ومثل أهل الكتابين» المراد بأهل الكتابين: اليهود والنصارى، والكتابان هما: التوراة والإنجيل، وتقدير الكلام: مثلكم، ومثل أهل الكتابين مع أنبيائهم، أو مع ربهم. قوله: «كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود» الغُدوة، والغداة: وقت ما بين الفجر وطلوع الشمس. والقيراط: معيار للوزن، يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. واليهود: قوم موسى ﵇، وهم أقدم الملل الثلاث. قوله: «ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى» ما بين الزوال إلى العصر دون ما قبله. والنصارى: قوم عيسى ﵇. قوله: «ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم» ما بين العصر إلى مغيب الشمس دون ما قبله في الغالب. والمراد بهم أمة محمد، ﷺ . فكان لمن عمل غدوة إلى نصف النهار -وهم اليهود- قيراط، ولمن عمل ما بين الظهر والعصر -وهم النصارى- قيراط، وهذا يدل على أنَّ النصارى يؤتون أجرهم أكثر من اليهود؛ لأنَّ ما بين الظهر والعصر أقل زمناً من الغدوة. وأما هذه الأمة فعملت آخر النهار على قيراطين، فآتاهم الله تعالى ضعف ما آتى الأولين.

стр. 13

قوله: «فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثر عملاً وأقل أجراً؟ قال: هل نقصتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء» فلا وجه لاعتراضهم، فقد عاملهم بالقسط، وعامل أمة محمد بالفضل. وهذا محل الشاهد. فوائد الحديث: ١ - فضل الإسلام، وأهله، فقد آتاهم الله ضعف ما آتى أهل الكتاب. ٢ - فضل النصارى على اليهود؛ لأنَّهم عملوا أقل زمناً، ونالوا مثلهم من الأجر. ٣ - ضرب الأمثال الحسية التي تقرِّب المسائل المعنوية إلى الأذهان، فينبغي للعالم أن يستعمل هذا الأسلوب الأمثال في تعليمه، ودعوته. وضرب الأمثال كثير في القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. ٤ - وجوب العلم بالثمن والمثمن في العقود والمعاوضات، وانتفاء الجهالة. ٥ - أن أساس العقود التراضي بين المتعاقدين. ٦ - الرد على المعتزلة الذين يقولون: بوجوب فعل الأصلح أو الصلاح على الله ، فهذا الحديث يُبيِّن أن الأمر متعلق بمحض فضله ومشيئته، فالله أعطى الأولين قيراطًا، وأعطى هذه الأمة قيراطين. ومقتضى مذهب المعتزلة أنَّ ذلك من باب المقايضة، فيجب على الله -بزعمهم- التسوية، وهذا من سوء الأدب مع الله ، فهذا الحديث ينقض ما ذهبوا إليه، ففيه حجة لأهل السنة: أنَّ الثواب من الله على سبيل الإحسان منه؛ كما قال النبي ﷺ : «لن ينجي أحداً منكم عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة» (١)، وأما العمل فسبب لرحمته وجنته،

стр. 14

كما قال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ٧ - تنزيه الله عن الظلم. ٨ - إثبات الفضل والمشيئة لله، حسب ما تقتضيه حكمته. ثم قال المصنف ﵀: وفيه: أيضاً عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة» (١). الشرح: قوله: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا» اختلف العلماء في المقصود بالإضلال، هل المعنى: أنهم أُمروا بذلك فخالفوا، أو أنَّهم أُمروا لا على سبيل التعيين فلم يهتدوا؟ والأقرب -والله أعلم- أنَّ معنى: «أضل» أي: صرفهم عنها، وصرفها عنهم، وادخرها لهذه الأمة، فهم لنا تبع. قوله: «فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد» أما اليهود فقد أمروا بتعظيم السبت، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤]، وأما النصارى، فالظاهر أنهم اتخذوا الأحد مناكفةً لليهود. قوله: «فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة» وليوم الجمعة فضائل، ومزايا كونية، وشرعية. فعن أبي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ

стр. 15

مِنْهَا» (١)، وفي رواية: «وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ» (٢). قوله: «وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة» تبعيتهم في الدنيا ظاهرة؛ فالجمعة تسبق السبت والأحد، وتبعيتهم في الآخرة فسرها بالأولية يوم القيامة؛ وذلك بالحساب، وبدخول الجنة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللهُ لَهُ - قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ - فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى". (٣) فوائد الحديث: ١ - فضل الإسلام، وتقدمه على سائر الملل في الدنيا والآخرة. ٢ - هداية هذه اأمة إلى أفضل الأيام وهو يوم الجمعة، لما أودع فيه من الخصائص الكونية والدينية. ٣ - أن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ٤ - أن أمة محمد ﷺ أمة السيادة، والريادة، والقيادة، لا يليق بها أن تتشبه بالمشركين وأهل الكتاب؛ في عاداتهم وأخلاقهم، فضلًا عن اعتقاداتهم، لأنها خير أمة أخرجت للناس. ثم قال ﵀: وفيه: تعليقاً عن النبي ﷺ أنَّه قال: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» (٤) انتهى.

стр. 16

الشرح: قوله: "وفيه" مرجع الضمير إلى صحيح البخاري، فهذا مما رواه البخاري تعليقاً، وقد تتبع الحافظ ابن حجر ﵀ معلقات البخاري، فغلَّقها في كتاب اسمه (تغليق التعليق) وهي بحمد الله جميعها صحيحة، وقد قال عن هذا الحديث في الفتح: "إسناده حسن" (١). فقوله: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» وصف الله هذه الملة المحبوبة له بوصفين: ١ - الحنيفية: هي ملة إبراهيم، مأخوذة من الحَنَف، والحنف في أصل اللغة: الميل، قال ابن فارس: (الحاء، والنون، والفاء، أصل مستقيم، وهو الميل، يقال للذي يمشي على ظهور قدميه: أحنف، وقال قوم - وأراه الأصح- إن الحنف اعوجاج في الرجل إلى داخل؛ ورجل أحنف: أي مائل الرجلين، وذلك يكون بأن تتدانى صدور قدميه، ويتباعد عقباه. والحنيف: المائل إلى الدين المستقيم قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧]، والأصل هذا ثم يتسع في تفسيره، فيقال: الحنيف: الناسك، ويقال: هو المختون، ويقال: هو المستقيم الطريقة، ويقال: هو يتحنف: أي يتحرى أقوم الطريق) (٢) ٢ - السمحة: أي السهلة الميسرة، وهذا أمر واضح، كما قال تعالى: ﴿يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وأدركت يهود هذا حينما زنى يهودي بيهودية زمن النبي ﷺ ، فقال بعضهم لبعض: ائتوا هذا النبي فإنَّه قد بُعث بالتخفيف (٣).

стр. 17

فوائد الحديث: ١ - فضل الإسلام، لاتصافه بالاستقامة والسماحة. ٢ - إثبات صفة المحبة لله تعالى، وتفاضلها. ٣ - أنَّ الشريعة جاءت برفع الحرج، والمشقة تجلب التيسير. وهذه أصول عظيمة في هذه الشريعة، وميزة لهذه الأمة، بخلاف من كان قبلنا؛ كانت عليهم من الآصار والأغلال، فوضعها الله عن هذه الأمة، وبعث نبيها بالحنيفية السمحة. ثم قال ﵀: وعن أبي بن كعب ﵁ أنَّه قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنَّه ليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن، ففاضت عيناه من خشية الله، فتمسه النار، وليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن فاقشعر جلده من خشية الله، إلا كان مثله كمثل شجرة يبس ورقها، فبينما هي كذلك إذ أصابتها الريح، فتحاتَّ عنها ورقها، إلا تحاتت عنه ذنوبه، كما تحاتَّ عن هذه الشجرة ورقها، وإنَّ اقتصاداً في سبيل وسنة، خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة (١). الشرح: هذا أثر موقوف على أُبي بن كعب ﵁، وهو أقرأ الناس لكتاب الله تعالى، وله حكم الرفع لأنه تضمن علومًا وأحكامًا لا تقال بمحض الاجتهاد، بل لابد أن يكون تلقاها عن المعصوم ﷺ . قوله: "عليكم بالسبيل والسنة" عليكم: أي الزموا. والمراد بالسبيل:

стр. 18

الملة والدين، والسنة: ما كان عليه النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير. قوله: "فإنَّه ليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار" مراده ﵁ أنَّ الإنسان إذا رُزق اتباع السبيل والسنة، فقليله كثير، وعمله مضاعف، ومن ذلك أنه إذا فاضت عيناه من خشية لله، حرم على النار، كما جاء في الحديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ" (١). بخلاف من التاث قلبه بالأهواء والبدع، فإنَّه لا يبلغ ما يبلغ المؤمن من الفضائل. فهذا الأثر مناسب لباب فضل الإسلام. قوله: "وليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن فاقشعر جلده من مخافة الله، إلا كان مثله كمثل شجرة يبس ورقها، فبينما هي كذلك إذ أصابتها الريح، فتحاتَّ عنها ورقها، إلا تحاتت عنه ذنوبه كما تحات عن هذه الشجرة ورقها" هذا تمثيل بديع. قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٢٣]. فهذه القشعريرة الإيمانية ناشئة عن علم بالله، وحسن ظن بالله، باعتقاد المثل الأعلى له، عند ذكر الله، خشيةً له وإجلالًا. قوله: "وإنَّ اقتصاداً في سنة، خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة" أي أنَّ العمل القليل الموافق للسنة، خير من العمل الكثير المؤسس على بدعة. وهذا واقع مشاهد؛ فتجد بعض أهل الأهواء والبدع ينفقون أموالاً طائلة، ويبذلون جهوداً كبيرة، في أمور ما أنزل الله بها من سلطان، لا تزيدهم من الله إلا بعداً. وتجد المؤمن المتَّبِع للسنة، المستنير بنور الله، يعمل العمل القليل، فيثاب عليه ثواباً عظيماً، فهذا يدل على فضل الإسلام، والاعتصام بالسنة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]

стр. 19

فوائد الأثر: ١ - فضل الإسلام، واتباع السنة، وحسن أثرهما على المتعبد. ٢ - فضيلة ذكر الله، والبكاء من خشيته، وأنها من أسباب النجاة من النار. ٣ - فضيلة القشعريرة من خشية الله، وأنها من أسباب تكفير الذنوب. ٤ - ضرب الأمثال الحسية، لتقريب القضايا العلمية. ثم قال ﵀: وعن أبي الدرداء ﵁ أنَّه قال: "يا حبذا نوم الأكياس، وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى، وصومهم، ولمثقال ذرة من بر، مع تقوى، ويقين، أعظم، وأفضل، وأرجح، من أمثال الجبال عبادة من المغترين (١). الشرح: هذا الأثر عن أبي الدرداء، وفي سنده ضعف وجهالة، لجهالة الراوي عن أبي الدرداء. لكنه من الحِكَم، كما قال ابن القيم ﵀ في (الفوائد): "وهذا من جواهر الكلام، وأَدَلَهُ على كمال فِقه الصحابة، وتقدمهم على من بعدهم في كل خير، ﵃" (٢). قوله: "يا حبذا" كلمة تمدُّح وتشوُّف. قوله: "نوم الأكياس وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى وصومهم" الأكياس: جمع كيِّس، وهو العاقل، اللبيب، الحازم. والغبن: النقص، والحمق: طيش العقل، وخفته. يريد أنَّ الموفقين للاتباع، ولزوم السنة؛

стр. 20

نومهم، وفطرهم، يرجح بما يقع من أهل البدع من قيام وصيام على غير هدى وسنة. قوله: "ولمثقال ذرة من بر، مع تقوى، ويقين، أعظم، وأفضل، وأرجح، من عبادة المغترين" إذا صدق العبد مع ربه، وصفا قلبه، وتخلصت نفسه من الشوائب، صار ثواب عباداته، وإن قلَّت، مضاعفاً كبيراً، ومباركاً زكياً. وإذا شاب قلبه شوائب البدع، والتاث بلوثات المتكلمين، وأهل الأهواء، فإنَّه، وإن اجتهد في العبادة، لا يذوق حلاوة الإيمان، ولا يجد طعمها؛ فقليل المتبع، خير من كثير المبتدع، فخير ما نصح العاقل نفسه هو أن ينقي قلبه من شوائب البدعة، ويخلصها من لوثة الشرك، ويسلم وجهه لله رب العالمين، حينئذٍ يكون عمله وإن قلّ مباركاً. ومن شواهد هذا المعنى الشريف، حديث صاحب البطاقة الذي أخبر عنه النبي ﷺ : «يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤوسِ الْخَلَائِقِ، فَيُنْشَرُ علَيه تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ : هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فيقول: لا، يا رب، ثُمَّ يَقُولُ: أَلَكَ عذر، ألِكَ حَسَنَةٌ؟ فَيَهَابُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: لَا. فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَاتٍ، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ، فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ. فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ. فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ، وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ"» (١)، أرأيتم فضل التوحيد والإيمان فإنه لما كان محققاً للتوحيد، وفرط منه شيء من المعاصي، رجح توحيده بها، حتى أنَّها طاشت بجنب ثقل التوحيد. فعلينا أن نحرص على أن نخلِّص قلوبنا من الشوائب، والعوالق،

стр. 21

والجواذب، وأن نجعل وجوهنا مسلمة لله رب العالمين، وأن يكون لدينا وضوح في اتباع السنة، يجلو الغشاوة عن العينين، والوقر عن الأذنين، والأكنة عن القلوب، فيبصر الإنسان بنور الله، ويأتي البيوت من أبوابها، ويصيب كبد الحقيقة بعمل قليل، هذا هو مدار كلام الصحابة -رضوان الله عليهم-، كأُبي بن كعب، وأبي الدرداء. فوائد الأثر: ١ - فضل الإسلام، واتباع السنة، وأنه يبارك العمل القليل، ويزكيه. ٢ - عمق فقه الصحابة. ٣ - الحرص على حسن العبادة، أعظممن الحرص على كثرتها، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] ٤ - أن الاقتصاد في السنة، خير من الاجتهاد في البدعة.

стр. 22

باب (٢) وجوب الدخول الإسلام قال المصنف-﵀ -: باب: وجوب الدخول الإسلام: وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية]. الشرح: لما بين المصنف ﵀ فضل الإسلام على سائر الملل والأديان، أتبعه بهذا الباب في وجوب الدخول في عقد الإسلام. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨ - ٢٠٩]. قال ابن كثير ﵀: (يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، الْمُصَدِّقِينَ بِرَسُولِهِ: أنْ يَأْخُذُوا بِجَمِيعِ عُرَى الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ، وَالْعَمَلِ بِجَمِيعِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ جَمِيعِ زَوَاجِرِهِ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، والسُّدّي، وَابْنِ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يَعْنِي: الْإِسْلَامُ)

стр. 23

واستدل المصنف بثلاث آيات: الآية الأولى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الآية الثانية: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ دلت هاتان الآيتان المحكمتان على أن دين الله واحد، وهو دين الإسلام، كما تقدم في الباب الأول. فليس لله دين اسمه "اليهودية"، ولا دين اسمه "النصرانية"، كما يتوهم بعض الناس، فإن قال قائل: فما اليهودية؟ وما النصرانية؟ فالجواب: أن اليهودية: هي ما آل إليه دين موسى ﵇ بعد تحريف الأحبار، والنصرانية: هي ما آل إليه دين عيسى ﵇ بعد تحريف الرهبان. فإنَّ موسى ﵇ لم يُبعث باليهودية، وعيسى ﵇ لم يُبعث بالنصرانية، حاشاهما، بل قد كانا مسلمَين حنيفَين. والدليل على ذلك: - أنَّ الله تعالى سفَّه من رغب عن ملة إبراهيم، فقال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. وملة إبراهيم هي الإسلام، وأما التهوُّد والتنصُّر، فهو انحراف ورغبة عن ملته. - وبرَّأ إبراهيم، وسائر أنبيائهم من اليهودية والنصرانية، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]. - وأنكر عليهم قولهم: ﴿كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [البقرة: ١٣٥]،، - الآيات الكثيرة الدالة على أنَّ جميع أنبياء بني إسرائيل، وأتباعهم من المؤمنين، ينتمون إلى الإسلام، ويعلنون ذلك، كما تقدم في الباب الأول. وبهذا يتبيَّن أيضاً بطلان الدعوة إلى وحدة الأديان، أو التقريب بين الأديان، التي ينادي بها بعض الناس، فلا يجوز أن يُلفَّق دين من الإسلام، واليهودية، والنصرانية، أو أن يقال: جميع الطرق تؤدي إلى الله! كلا، فليس ثَمَّ إلا طريق واحد، وسبيل واحد، يؤدي إلى الله، وهو الإسلام، كما استدل المصنف: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ

стр. 24

يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. ولم يفُه أحد من المسلمين بهذه الدعوة على مرِّ القرون، وإنَّما فاه بها زنادقة الصوفية والباطنية، كقول ابن عربي: لقد كنتُ قبل اليومِ أُنكْرُ صَاحِبي *** إِذَا لَم يَكُنْ دِيني إِلَى دِينهِ دَاني لَقَدْ صَارَ قَلْبِي قَابِلاً كُلَّ صُورَةٍ *** فمَرْعًى لغِزْلَانٍ وَدِيرٌ لِرُهْبانِ وَبَيْتٌ لِأَوْثَانٍ وَكَعْبَةُ طَائِفٍ *** وَألواحُ تَوْرَاةٍ وَمصْحَفُ قُرْآنِ أَدِينُ بِدينِ الحبِّ أنَّى تَوجَّهتْ *** رَكائِبُهُ فَالحُبُّ دِيني وَإيِمَانِي (١). وقوله: عَقَدَ الْخَلَائِقُ فِي الْإِلَهِ عَقَائِدَاً *** وَأَنَا اعْتَقَدْتُ جَمِيعَ مَا اعْتَقَدُوهُ (٢). فهذا دين الزنادقة، دين التلفيق الذي يُقرُّ جميع الوثنيات، والديانات المحرفة. وهذه الدعوة الفاجرة البائرة فرع عن مقالة وحدة الوجود، فإنَّ من يقول بوحدة الوجود من زنادقة الصوفية، لا بدَّ أن يصوِّب ويصحِّح جميع الصور والأشكال، فعلينا أن نحذر من هذه الدعوات المتلفعة بمرط التسامح، واحترام الآخر، وحرية التعبير، وأن نلزم طريقة القرآن، وهدي رسول الله ﷺ . وقد الله أمر نبيه ﷺ أن يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] فنحن أصحاب المبادرة إلى الحوار، لكنه حوار واضح الهدف والغاية: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، وهذه الكلمة لم يدعها الله تعالى لتفسير مفسِّر، ولا لقول فقيه، بل تولى بيانها بنفسه، فقال: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. فالواجب علينا أن نجهر بالدعوة إلى دين الله وتوحيده، فإن قبلوا منَّا فالحمد لله، وإن أبوا، فنقول بملء أفواهنا: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا

стр. 25

مُسْلِمُونَ﴾ وأما التلفيق، والتوفيق، والالتقاء في منتصف الطريق، والبيانات المشتركة، الرخوة، المضللة، فليست من سبيل المؤمنين. وقد ساكن النبي ﷺ في المدينة ثلاث قبائل من اليهود، وكان يدعوهم إلى الإسلام، فيأتي إليهم في كنيسهم، في يوم مدراسهم، ويقول لهم: «يا معشر اليهود، أروني اثني عشر رجلاً يشهدون أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه» (١)، فلا ينتدب لذلك إلا رجل واحد! وأتاه نصارى نجران، وأنزلهم في مسجده، ودعاهم إلى توحيد الله رب العالمين، وجادلهم، وجادلوه، فأبوا، خوفاً على امتيازاتهم، ومناصبهم، حتى بلغ الأمر حد المباهلة: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]، ولم يلجأ النبي ﷺ إلى ما يُسمى "البيان المشترك"، بإبراز أوجه الاتفاق، وإقصاء أوجه الافتراق، كما يفعل دعاة الحوار اليوم، بل كانت دعوته صريحة إلى الدخول في دين الإسلام. في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٢)، فياللعجب! أن تسمع من بعض المنتسبين إلى الإسلام من يقول: جميع الطرق تؤدي إلى الله، وجميع الأديان صحيحة، سبحانك هذا بهتان عظيم! فلا يحل لأحد بعد بعثة محمد ﷺ أن يتدين بغير دين الإسلام الذي بُعث الله به، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فالواجب أن ندعو الناس جميعًا إلى الدخول في عقد الإسلام، فإن أجابوا فالحمد لله، وإن أبوا فعليهم ما حُمِّلوا، وعلينا ما حُمِّلنا.

стр. 26

الآية الثالثة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الصراط المستقيم: هو الدين القويم، والسنة المحكمة، فلا يجوز الحيدة عنه يمنة ويسرة. وليس المراد بالسبل هنا المعاصي؛ لأنَّ المعاصي ليست سبلاً، وإنما هي شهوات، والمراد بالسبل هنا: الديانات، والاعتقادات، والأهواء، والبدع، كما سيذكر قريبًا. قال المصنف -رحمة الله -: قال مجاهد: السبل: البدع والشبهات (١). الشرح: السبل التي نهانا الله عن اتباعها هي: البدع والشبهات؛ لأنَّها تعارض أصل الملة، وليست المعاصي والشهوات. وربما وقع ممن هو على السبيل والسنة شيء من المعاصي والمحرمات، لكن هذا لا يخرجه عن السبيل والسنة، لا سيما إن تاب وأناب. لكن الخطر، كل الخطر، في البدع والشبهات التي تضل صاحبها، وتخرجه عن الملة، وقد قال النبي ﷺ : «وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» (٢)، فسبيل الله وصراطه هو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. فوائد الآيات: ١ - وجوب الدخول في الإسلام. ٢ - بطلان ما سواه من الأديان، وردها.

стр. 27

٣ - الخسارة الأخروية لمن لم يدخل في الإسلام، ودخوله النار. ٤ - دين الله واحد هو الإسلام. ٥ - اليهودية والنصرانية ليست أديانًا لله، بل تحريف لما جاء به أنبياء الله. ٦ - وجوب الدعوة إلى الإسلام. ٧ - بطلان الدعوة "توحيد الأديان" و "تقارب الأديان". ٨ - أن صراط الله واحد، وما سواه سبل متفرقة. ٩ - وجوب اتباع صراط الله المستقيم، وتحريم اتباع السبل المخالفة. ١٠ - أن السبل المتفرقة هي الأهواء، والملل، والنحل، وليست المعاصي والشهوات. ثم قال ﵀: وعن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) أخرجاه. وفي لفظ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢). الشرح: هذان حديثان عظيمان صحيحان، رواهما الشيخان. يقول ابن رجب ﵀ عن حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»: "هذا الحديث

стр. 28

أصلٌ عظيم من أصول الدين، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أنَّ حديث: «إنَّما الأعمال بالنيات» (١) ميزان للأعمال في باطنها، فكما أنَّ كلَّ عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله" (٢)، ويقول النووي ﵀: "هذا الحديث مما ينبغي أن يُعتنى بحفظه، واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به" (٣)، فهذا أصل عظيم ينبغي أن يعتصم به المؤمن. قوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه» أمرنا: الأمر هو الإسلام، كما قال في الحديث: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ» (٤) سواء أحدث حدثاً اعتقادياً، أو حدثاً عملياً. والإحداث: هو الابتداع في الدين على غير مثال سابق. قوله: «فهو رد» أي: مردود على صاحبه. فهو باطل في الدنيا والآخرة. قوله: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أفاد رد البدعة العملية على وجه الخصوص. وبهذا أقام النبي ﷺ السياج الآمن على هذه الشريعة، فلا مدخل لمبتدع، فكلُّ من أحدث شيئاً في الدين يُقال له: ما الدليل على ما قلت؟ ما الدليل على ما عملت؟ فإذا لم يأتِ بدليل ضربنا بقوله عرض الحائط. وبهذا صان الله الشريعة، بفضل هذه النصوص التي أبقاها الله للأمة عصمةً لها، يأوون إليها، ويحاكمون، ويقايسون إليها كل نازلة تنزل بهم. فوائد الحديث: ١ - وجوب الدخول في الإسلام، كما أنزله الله، وبطلان ما سواه.

стр. 29

٢ - بطلان البدع والإحداث في الدين. ٣ - أن البدعة لا تنفع صاحبها في الدنيا ولا في الآخرة. أن البدعة تشمل الاعتقاد والقول والعمل. قال ﵀: وللبخاري: عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قيل: ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» (١). الشرح: هذا موافق لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣، ١٤]. وهل المراد بدخول الجنة الدخول الأولي، أم المراد الدخول بعد التمحيص من الذنوب؟ هذا يعتمد على صفة الإباء؛ فإن كان الذي أبى، قد أبى الدين من أصله، فإنَّه لا يدخل الجنة قطعاً، ويكون قوله: «كلُّ أمتي» أي: أمة الدعوة، وإن كان الذي أبى، وقع منه إباءً في بعض الأوامر والنواهي، بمعنى المعصية، فيكون قوله: «كلُّ أمتي» أي: أمة الإجابة، فإنَّه يكون تحت المشيئة والإرادة، إن شاء الله عذَّبه بقدر ذنبه ومآله إلى الجنة، وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦].

стр. 30

ولفظ (الأمة) يرد على أحد معنيين: ١ - أمة الدعوة: فتشمل كلّ من كان بعده إلى يوم القيامة، كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني» (١) فالأمة في هذا الحديث يراد بها أمة الدعوة؛ لأنَّه جعل فيها اليهودي والنصراني. ٢ - أمة الإجابة: وهم الذين استجابوا للإسلام، ودخلوا في هذا الدين، كقوله: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» (٢) فوائد الحديث: ١ - وجوب الدخول في الإسلام، لكونه شرطًا في دخول الجنة. ٢ - وجوب الطاعة، والرد على المرجئة. ٣ - إثبات أفعال العباد؛ فعلًا، وتركًا. ٤ - شؤم الإباء. ٥ - كمال عدل الله. ٦ - فضل أمة محمد ﷺ وحسن عاقبتها في الآخرة. ثم قال ﵀: وفي الصحيح: عن ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنة جاهلية، ومُطَّلِبٌ دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه» رواه البخاري (٣).

стр. 31

الشرح: قوله: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة» خابوا وخسروا! بئس من كان بغيضًا لله تعالى. والعدد لا يدل على الحصر، فربما يكون غيرهم مبغوض عند الله ، بل ربما أشد بغضاً، كقوله ﷺ «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ» متفق عليه (١). والجمع بين ذلك أن يحمل كل مقال على مقام، فبغض الثلاثة المذكورين في حديث الباب، في مقام الأعمال، وبغض الألد الخصم، في مقام الخصومة ومعاملة الخلق. وهذا الحديث يدل على إثبات صفة البغض لله ، وهو حقٌّ يجب الإقرار به، فالله تعالى يحب، ويبغض، ويرضى ويسخط، ويغضب، ويفرح، كما أخبر عن نفسه في كتابه، وأخبر عنه نبيه ﷺ في سنته والواجب على المؤمن أن يطيب نفساً، وأن يقرَّ عيناً بخبر الله وخبر رسوله، وأن يعتقد لله المثل الأعلى، فلا يتبادر إلى ذهنه معنىً فاسد، ولا يلتاث قلبه بلوثة التمثيل، بل يعتقد أن لله بغضاً حقيقياً يليق به سبحانه، لا تلزم عليه لوازم المحدثين. وقد أخبر الله عن نفسه أنَّه يمقت، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٣] وأخبر عن نفسه أنَّه يكره، فقال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]. فيبغض الله هؤلاء الثلاثة: الأول: ملحدٌ في الحرم: والإلحاد في أصل وضعه في اللغة: الميل، فالمعنى: مائل عما يجب مراعاته من حقوق الحرم، وقد ذكر الله هذا في كتابه، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وفسَّر بعضهم الظلم بالشرك، كما فسَّره ابن عباس (٢). وكان عبد الله بن عمرو له فسطاطان: أحدهما في الحلّ، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحلّ، فسُئل عن ذلك، فقال: كنا نحدّث أن

стр. 32

من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: كلا والله، وبلى والله (١). وقال ابن مسعود ﵁: "لو أن رجلاً هم فيه بسيئة، وهو بعدن أبين، لأذاقه الله عذاباً أليماً" (٢)، أي: أنَّ وقوع هذه الإرادة فيه حتى ولو كان المريد خارجه، موجب للعذاب الأليم، وهذا من صون الله لحرمه وبيته. الثاني: مبتغٍ في الإسلام سنة جاهلية: وهذا موضع الشاهد؛ لمنافاته الدخول في عقد الإسلام. ومعنى (مبتغٍ) أي: طالبٌ ومحدِثٌ لسنةٍ جاهلية مما ينافي الشرع، كما سيأتي بيانه من كلام شيخ الإسلام. الثالث: ومُطَّلِبٌ دم امرئ مسلم بغير حق، ليهريق دمه: ومعنى (مُطَّلِب) أي: متطلِّبٌ، وساع في قتل ذلك المسلم، فهو يلاحقه ويتتبعه؛ ليهريق دمه، بغير حل، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ" متفق عليه. (٣) قال تعالى في الثالث: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء: ٩٣]. ثم قال ﵀: قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "قوله: «سنة جاهلية» يندرج فيها كلّ جاهلية مطلقة، أو مقيَّدة، أي: في شخص دون شخص، كتابية، أو وثنية أو غيرهما، من كلِّ مخالفةٍ لما جاء به المرسلون" (٤).

стр. 33

الشرح: هكذا ينبغي أن نفهم أنَّ هذا الدين -بحمد الله- منظومة متكاملة من العقائد والشرائع والآداب والأخلاق، تغنينا عما سواها، فلا نتطلب ولا نبحث عن شيء غيرها من مشابهة الكفار ومجاراتهم، وهذا أمر -للأسف- فرَّط فيه المسلمون كثيراً حتى صاروا يجارون الكفار في أمور يُستحى من ذكرها، ولا يليق بهم أن يطؤوها، وهي من أمر الجاهلية، والواجب على أهل الإسلام أن يغتبطوا بنعمة الله عليهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. وإنما يحملهم على محاكاة الكفار وتقليدهم في أعيادهم، ومناسباتهم، ولباسهم، وقصَّاتهم، وكلماتهم، وغير ذلك، قلة إيمان، ورقة دين، وضعف شخصية. فالواجب على المؤمن أن يعتز بما منَّ الله تعالى به عليه ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. فوائد الحديث: ١ - وجوب الدخول في عقد الإسلام، واطراح الجاهلية. ٢ - إثبات صفة البغض لله تعالى، على ما يليق به، وتفاوتها. ٣ - وجوب تعظيم حرمات الله في الحرم، وتحريم الإلحاد فيه. ٤ - عظم جرم الإحداث في الدين، والدعوة بدعوى الجاهلية. ٥ - عظم جرم قتل امرئ مسلم بغير حق، والسعي في ذلك، سواءٌ قتله أم لم يقتله.

стр. 34

ثم قال المصنف -رحمة الله-: وفي الصحيح: عن حذيفة ﵁ أنَّه قال: يا معشر القراء استقيموا، فإن استقمتم فقد سبقتم سبقاً بعيداً، فإن أخذتم يميناً وشمالاً فقد ضللتم ضلالاً بعيداً (١). الشرح: قوله: "يا معشر القرَّاء" المشتغلون بقراءة القرآن وتفسيره، وطلب الحديث وتدوينه. قوله: "استقيموا" أي: الزموا الاستقامة على السنة، كما قال الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قوله: "فإنَّكم إن فعلتم ذلك فقد سبقتم سبقاً بعيداً" نلتم رتبة عالية، لجمعكم بين العلم والسبيل. قوله: "فإن أخذتم يميناً وشمالاً، لقد ضللتم ضلالاً بعيداً" وهي زيغة الحكيم؛ فإن العالم إذا زاغ وضل، فضلاله ليس كضلال غيره، فإنَّه يضلُّ بضلاله أمم. فعلى طالب العلم أن يتحرى، ويحتاط، ويضبط لسانه، ويتفكر فيما يأتي وما يذر. قال ﵀: وعن محمد بن وضاح: أنَّه كان يدخل المسجد فيقف على الحِلَق فيقول، فذكره (٢).

стр. 35

الشرح: محمد بن وضاح بن بريع المرواني القرطبي، أبو عبد الله، ولد سنة تسع وتسعين ومائة، ورحل إلى المشرق في طلب العلم. مات سنة سبع وثمانين ومائتين ﵀ صاحب كتاب (البدع والنهي عنها). قوله "أنَّه كان يدخل المسجد، فيقف على الحِلَق" أي أن حذيفة ﵁ كان يفعل ذلك. وهذا دليل على أنَّه ينبغي الجهر بالمناصحة لطلاب العلم، وأن يذكر لهم ما ينفعهم، وأن يحذِّرهم مما يضرهم، نسأل الله أن يلزمنا وإياكم كلمة التقوى، والنصح لكل مسلم. فوائد الأثر: ١ - وجوب الاستقامة على الإسلام والسنة. ٢ - فضيلة الجمع بين العلم ولزوم السنة. ٣ - خطورة زيغ العالم عن الصراط المستقيم. ٤ - فقه حذيفة ﵁، وكمال نصحه للأمة. ٥ - مشروعية التحلق في المساجد للإقراء والتحديث. قال المصنف-﵀ -: وقال: أنبأنا سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبي عن مسروق أنَّه قال: قال عبد الله -يعني: ابن مسعود ﵁: ليس عام إلا والذي بعده أشر منه، لا أقول: عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، لكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم، فيُهدم الإسلام ويُثلم (١).

стр. 36

الشرح: هذا الأثر عن ابن مسعود حسَّنه ابن حجر ﵀ (١)، وهو كلام حكيم، يوافق ما رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك: «لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه» (٢). قوله: "ليس عام إلا والذي بعده شرٌّ منه" وبيَّن مراده بهذا الشر: أنَّه لا يتعلق بالأمطار، والخصب، والولايات، ولكنه يتعلق بأمر الدين المقترن، بفناء العلماء الربانيين. قوله: "لكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم، فيُهدم الإسلام ويُثلم" هذا ما وقع في مطاوي التاريخ، وهو ما أخبر به النبي ﷺ بقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٣)، فهذه هي الخسارة، وهي فقد العلماء، فإن فقد العلماء من الأرض كانطماس النجوم في السماء، فينتدب للفتيا، والتعليم، أناس جهَّال، فيَضلون ويُضلون. وقد حرر الحافظ ابن حجر ﵀ المسألة، فقال: (وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا الْإِطْلَاقُ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ تَكُونُ فِي الشَّرِّ دُونَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا زَمَنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ بَعْدَ زَمَنِ الْحَجَّاجِ بِيَسِيرٍ، وَقَدِ اشْتَهَرَ الْخَبَرُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بَلْ لَوْ قِيلَ إَنَّ الشَّرَّ اضْمَحَلَّ فِي زَمَانِهِ لَمَا كَانَ بَعِيدًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ شَرًّا مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَدْ حَمَلَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ، فَسُئِلَ عَنْ وُجُودِ عُمَرَ بْنِ

стр. 37

عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ تَنْفِيسٍ. وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّفْضِيلِ: تَفْضِيلُ مَجْمُوعِ الْعَصْرِ عَلَى مَجْمُوعِ الْعَصْرِ؛ فَإِنَّ عَصْرَ الْحَجَّاجِ كَانَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحْيَاءِ، وَفِي عَصْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ انْقَرَضُوا، وَالزَّمَانُ الَّذِي فِيهِ الصَّحَابَةُ خَيْرٌ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي بَعْدَهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ : "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي"، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَوْلُهُ: "أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ثُمَّ وَجَدْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ التَّصْرِيحَ بِالْمُرَادِ، وَهُوَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ، فَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. لَسْتُ أَعْنِي رَخَاءً مِنَ الْعَيْشِ يُصِيبُهُ، وَلَا مَالًا يُفِيدُهُ، وَلَكِن لَا يَأْتِي عَلَيْكُم يَوْم الا وَهُوَ أَقَلُّ عِلْمًا مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي مَضَى قَبْلَهُ، فَإِذَا ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ، اسْتَوَى النَّاسُ؛ فَلَا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَهْلَكُونَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ بن مَسْعُودٍ، إِلَى قَوْلِهِ: شَرٌّ مِنْهُ قَالَ: فَأَصَابَتْنَا سَنَةٌ خِصْبٌ، فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ أَعْنِي، إِنَّمَا أَعْنِي ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ. وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْهُ، قَالَ: لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا وَهُوَ أَشَرُّ مِمَّا كَانَ قَبْلَهُ، أَمَا إِنِّي لَا أَعْنِي أَمِيرًا خَيْرًا مِنْ أَمِيرٍ، وَلَا عَامًا خَيْرًا مِنْ عَامٍ، وَلَكِنْ عُلَمَاؤُكُمْ، وَفُقَهَاؤُكُمْ، يَذْهَبُونَ، ثُمَّ لَا تَجِدُونَ مِنْهُمْ خَلَفًا. وَيَجِيءُ قَوْمٌ يُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: وَمَا ذَاكَ بِكَثْرَةِ الْأَمْطَارِ وَقِلَّتِهَا، وَلَكِنْ بِذَهَابِ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ يُحْدِثُ قَوْمٌ يُفْتُونَ فِي الْأُمُورِ بِرَأْيِهِمْ، فَيَثْلِمُونَ الْإِسْلَامَ وَيَهْدِمُونَهُ) (١) فوائد الأثر: ١ - وجوب الحفاظ على أصل الدين، بحفظ العلم.

стр. 38

٢ - فضل العلم والعلماء، وأنهم عصمة للأمة. ٣ - خطر أهل الأهواء والآراء والبدع على الدين. ٤ - فقه ابن مسعود ﵁.

стр. 39

باب (٣) تفسير الإسلام قال المصنف ﵀: باب: تفسير الإسلام: وقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] الآية. وفي الصحيح: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» (١). وفيه: عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢). وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أنَّه سأل رسول الله ﷺ عن الإسلام، فقال: «أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة» (٣)، رواه أحمد.

стр. 40

وعن أبي قلابة عن رجل من أهل الشام عن أبيه أنَّه سأل رسول الله ﷺ : ما الإسلام؟ قال: «أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك» قال: أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: «الإيمان» قال: وما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت» (١). الشرح: التفسير: قال ابن فارس: (الفاء والسين والراء، كلمةُ واحدة تدل على بيان شيء وإيضاحه) (٢) والإسلام، كما تقدم: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك. قوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: نصارى نجران، وقد قدموا عليه في السنة العاشرة من الهجرة. قوله: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ هذا تفسير الإسلام باعتبار حقيقته، وهو إسلام الوجه لله تعالى، فلا يلتفتُ إلى معبود سواه، فهو وجهتي، وله محبتي، وخشيتي، وعليه توكلي، ورجائي. فوائد الآية: ١ - تفسير الإسلام بحقيقته، وأنه إسلام الوجه لله. ٢ - مشروعية المحاجة والمجادلة بالتي هي أحسن لبيان الحق. ٣ - التلازم بين الإسلام والاتباع.
следующие страницы →