الشرح:
هذا الأثر عن ابن مسعود حسَّنه ابن حجر ﵀ (١)، وهو كلام حكيم، يوافق ما رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك: «لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه» (٢).
قوله: "ليس عام إلا والذي بعده شرٌّ منه" وبيَّن مراده بهذا الشر: أنَّه لا يتعلق بالأمطار، والخصب، والولايات، ولكنه يتعلق بأمر الدين المقترن، بفناء العلماء الربانيين.
قوله: "لكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم، فيُهدم الإسلام ويُثلم" هذا ما وقع في مطاوي التاريخ، وهو ما أخبر به النبي ﷺ بقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٣)، فهذه هي الخسارة، وهي فقد العلماء، فإن فقد العلماء من الأرض كانطماس النجوم في السماء، فينتدب للفتيا، والتعليم، أناس جهَّال، فيَضلون ويُضلون.
وقد حرر الحافظ ابن حجر ﵀ المسألة، فقال: (وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا الْإِطْلَاقُ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ تَكُونُ فِي الشَّرِّ دُونَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا زَمَنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ بَعْدَ زَمَنِ الْحَجَّاجِ بِيَسِيرٍ، وَقَدِ اشْتَهَرَ الْخَبَرُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بَلْ لَوْ قِيلَ إَنَّ الشَّرَّ اضْمَحَلَّ فِي زَمَانِهِ لَمَا كَانَ بَعِيدًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ شَرًّا مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَدْ حَمَلَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ، فَسُئِلَ عَنْ وُجُودِ عُمَرَ بْنِ
٢ - فضل العلم والعلماء، وأنهم عصمة للأمة.
٣ - خطر أهل الأهواء والآراء والبدع على الدين.
٤ - فقه ابن مسعود ﵁.
стр. 39
باب (٣)
تفسير الإسلام
قال المصنف ﵀:
باب: تفسير الإسلام:
وقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] الآية.
وفي الصحيح: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» (١).
وفيه: عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢).
وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أنَّه سأل رسول الله ﷺ عن الإسلام، فقال: «أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة» (٣)، رواه أحمد.
стр. 40
وعن أبي قلابة عن رجل من أهل الشام عن أبيه أنَّه سأل رسول الله ﷺ : ما الإسلام؟ قال: «أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك» قال: أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: «الإيمان» قال: وما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت» (١).
الشرح:
التفسير: قال ابن فارس: (الفاء والسين والراء، كلمةُ واحدة تدل على بيان شيء وإيضاحه) (٢)
والإسلام، كما تقدم: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك.
قوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: نصارى نجران، وقد قدموا عليه في السنة العاشرة من الهجرة.
قوله: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ هذا تفسير الإسلام باعتبار حقيقته، وهو إسلام الوجه لله تعالى، فلا يلتفتُ إلى معبود سواه، فهو وجهتي، وله محبتي، وخشيتي، وعليه توكلي، ورجائي.
فوائد الآية:
١ - تفسير الإسلام بحقيقته، وأنه إسلام الوجه لله.
٢ - مشروعية المحاجة والمجادلة بالتي هي أحسن لبيان الحق.
٣ - التلازم بين الإسلام والاتباع.
стр. 41
قوله: «أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك» قال: أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: «الإيمان» قال: وما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت» هذا تفسير جامع للإسلام
قوله: "وفي الصحيح: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» " هذا تفسير الإسلام باعتبار المسلم به، وهي أركانه، وخصاله. وذلك إذا ذكر الإسلام مقترناً بالإيمان؛ فإنَّه يُراد به الأعمال الظاهرة، ويُراد بالإيمان العقائد الباطنة، وهو معنى قول أهل العلم: "إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا"، أي: الإسلام والإيمان إذا جمعهما نصٌّ واحد، فالإسلام يُراد به الشرائع الظاهرة، والإيمان يُراد به العقائد الباطنة، كما في حديث جبريل، فقد عرَّف الإسلام بالمباني الخمس، وهي شعائر الإسلام الظاهرة. وعرَّف الإيمان بالعقائد الباطنة «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». وهكذا في كلِّ نصٍّ يجتمع فيه ذكر الإسلام والإيمان.
أما إذا ورد لفظ الإسلام منفرداً، أو لفظ الإيمان منفرداً، فإنَّ كلاً منهما يدلُّ على الدين كله، ظاهره وباطنه، كما في حديث وفد بني عبد القيس: "قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ» " ففسر الإيمان بالإسلام.
قال شيخ الإسلام: (وَلِهَذَا صَارَ النَّاسُ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ عَلَى " ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ " فَالْمُرْجِئَةُ يَقُولُونَ: الْإِسْلَامُ أَفْضَلُ؛ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِيمَانُ. وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ سَوَاءٌ وَهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَحَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ جُمْهُورِهِمْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّ الْإِيمَانَ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ
стр. 42
مَنْ يَقُولُ: الْإِسْلَامُ مُجَرَّدُ الْقَوْلِ وَالْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِنْ الْإِسْلَامِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ كُلُّهَا) (١)
فوائد الحديث:
١ - تفسير الإسلام بأركانه.
٢ - أن الإسلام إذا ذكر مع الإيمان اختص بالشرائع الظاهرة.
قوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» هذا من تفسير الإسلام ببعض خصاله، فقوله: «المسلم» أي: المسلم حقاً. والسلامة من اللسان: ألا يغتاب، ولا يقذف، ولا يشتم، ولا ينم، والسلامة من اليد: ألا يضرب، ولا يقتل، ولا يسرق. فهذا من تفسيره ببعض صوره. قال النووي، ﵀: (مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يُؤْذِ مُسْلِمًا بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ. وَخَصَّ الْيَدَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّ مُعْظَمَ الْأَفْعَالِ بِهَا وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ بِإِضَافَةِ الِاكْتِسَابِ وَالْأَفْعَالِ إِلَيْهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ ﷺ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ قَالُوا مَعْنَاهُ الْمُسْلِمُ الْكَامِلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَلْ هذا كما يقال العلم ما نفع أوالعالم زَيْدٌ أَيِ الْكَامِلُ أَوِ الْمَحْبُوبُ وَكَمَا يُقَالُ النَّاسُ الْعَرَبُ وَالْمَالُ الْإِبِلُ فَكُلُّهُ عَلَى التَّفْضِيلِ لَا لِلْحَصْرِ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلُهُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، ثُمَّ إِنَّ كَمَالَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِ، مُتَعَلِّقٌ بِخِصَالٍ أُخَرَ كَثِيرَةً، وَإِنَّمَا خَصَّ مَا ذَكَرَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَاجَةِ الْخَاصَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) (٢)
فوائد الحديث:
١ - تفسير الإسلام ببعض خصاله.
٢ - أن من معاني الإسلام: السلامة.
стр. 43
٣ - تحريم العدوان باليد واللسان.
قوله: «أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة» فسر الإسلام بأربع خصال، تنبه على ما سواها:
الخصلة الأولى: إسلام القلب لله: بأن يخلص نيته وإرادته لله؛ محبةً، وخوفًا، ورجاءً.
الخصلة الثانية: تولية الوجه لله: بأن يجعل عمله خالصًا لله، لا رياء فيه ولا سمعة.
الخصلة الثالثة: الصلاة المكتوبة: وهي الصلوات الخمس، وعبر بها عن العبادات الخاصة لأنها أشرفها.
الخصلة الرابعة: الزكاة المفروضة: بإخراجها من الأموال الزكوية، بأنصبائها، إلى مستحقيها. وعبر بها عن العبادات المالية المتعدية لأنها أشرفها.
فجمع هذا التعريف النبوي إسلام الظاهر والباطن، القاصر والمتعدي.
فوائد الحديث:
١ - تفسير الإسلام بأهم خصاله الظاهرة والباطنة.
٢ - أهمية صلاح القلب، وأنه الأساس لصلاح العمل.
٣ - الإخلاص في الأعمال، والحذر من الشرك والرياء.
٤ - عظم شأن الصلاة المكتوبة، وأنها شرط الإسلام في الأعمال.
٥ - عظم شأن الزكاة المفروضة، وأنها حق الإسلام في المال.
قوله: «أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك» قال: أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: «الإيمان» قال: وما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت» للحديث تتمة: قَالَ: فَأَيُّ الْإِيمَانِ
فوائد الحديث:
١ - تفسير الإسلام بأهم خصاله الظاهرة والباطنة.
٢ - أن الإيمان أخص من الإسلام وأفضله، خلافًا للمرجئة الذين يرون أن الإسلام أفضل من الإيمان.
٣ - أن الإيمان عند الاقتران بالإسلام يراد به العقائد الباطنة.
стр. 46
باب (٤)
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
قال المصنف ﵀:
باب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]:
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : «تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الصدقة، فتقول: يا رب أنا الصدقة، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام، فيقول: يا رب أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال على ذلك، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام، فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول: إنك على خير، بك اليوم آخذ، وبك أعطي، قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]» (١)، رواه أحمد.
وفي الصحيح: عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢)، رواه الإمام أحمد.
يُجَادِلُونَكُمْ بِمُتَشابَهِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) (١).
فهذه السنة الراشدية العمرية نوعٌ من "الحجر الصحي" على أهل الأهواء، ومتبعي المتشابه، فإن خطرهم على الناس أعظم من خطر الجراثيم والفيروسات، التي تتخذ الدول حيالها حجراً صحياً، وتوزع الأمصال واللقاحات، لمنع انتشارها. فهؤلاء أحق بالحجر، والمدافعة، والممانعة، لأنهم يفسدون عقائد الناس، فلا يجوز أن يُمكَّنوا من اعتلاء المنابر، ونشر غثائهم، وإلحادهم، وكفرهم، وشكوكهم، لهذا طهَّر عمر ﵁ مدينة رسول الله ﷺ ، بل وجزيرة العرب من هذا الرجل، ونفاه إلى الكوفة، وكتب إلى أبي موسى الأشعري، أن لا يكلِّمه أحد، كما روى اللالكائي عن ابْنُ زُرْعَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُ صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ بِالْبَصْرَةِ، كَأَنَّهُ بَعِيرٌ أَجْرَبُ، يَجِيءُ إِلَى الْحُلَقِ، فَكُلَّمَا جَلَسَ إِلَى حَلَقَةٍ قَامُوا وَتَرَكُوهُ، فَإِنْ جَلَسَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَعْرِفُونَهُ نَادَاهُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ الْأُخْرَى: عَزْمَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ" (٢)
قال الحافظ ابن كثير ﵀: (قصة صبيغ بن عسل التميمي مع عمر مشهورة وكأنه والله أعلم إنما ضربه لما ظهر له حاله أن سؤاله سؤال استشكال لا سؤال استرشاد واستدلال كما قد يفعله كثير من المتفلسفة الجهال والمبتدعة الضلال فنسأل الله العافية في هذه الدنيا وفي المآل) (٣)
والمقصود من هذا الباب أن الإحداث في الدين، نوع من ابتغاء غيره، فعاقبته الرد وعدم القبول.
стр. 49
باب (٥) وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب عن كل ما سواه (١)
قال المصنف ﵀:
باب: وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب عن كل ما سواه:
وقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] الآية.
روى النسائي وغيره عن النبي ﷺ أنَّه رأى في يد عمر بن الخطاب ﵁ ورقة من التوراة، فقال: «أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم فيها بيضاء نقية، لو كان موسى حياً واتبعتموه وتركتموني ضللتم» (٢). وفي رواية: «لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي» (٣). فقال عمر ﵁: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً (٤).
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: وجوب الاستغناء بمتابعته" الضمير في قوله:
стр. 50
"بمتابعته" يعود إلى غير مذكور، وهوالقرآن، كما تدل االنصوص التي أوردها المصنف، وقد وقع في بعض النسخ تفسير الضمير ب"الكتاب"، وفي بعضها: "يعني القرآن. والمقصود: أنَّه يُستغنى بالقرآن العظيم عما سواه. وعلى تقدير أن العبارة "بمتابعته الكتاب" فالتقدير: بمتابعة المسلم الكتاب.
والمراد بالاستغناء: الاكتفاء، فلا يحتاج لسواه. وقد ورد في الحديث: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» (١)، قال بعض شرَّاح الأحاديث: إن معنى: (يتغنى) يستغني (٢)، فيجب أن يستغني بالقرآن.
وحمله أكثرهم على القراءة بلحن وترتيل (٣). قال النووي: "والصحيح: أنه من تحسين الصوت، ويؤيده الرواية الأخرى: «يتغنى بالقرآن يجهر به» (٤) " (٥).
قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ القرآن العظيم متضمن لبيان كل شيء، لكن لا يلزم من ذلك أن يتضمن بيان التفاصيل في مختلف الفنون والعلوم، وإنما يتضمن القواعد، والأسس، والأصول التي يندرج تحتها ما لا حصر له من الفروع. مثال ذلك:
- قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] هذه آية جامعة، فيها أصل عظيم، وحافز للمسلمين على اتخاذ جميع أسباب القوة التي يتمكنون بها من نشر الدين.
- قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
стр. 51
[المائدة: ٢] فكل برٍّ وتقوى يندرج تحت هذه الآية، وكل إثم وعدوان يندرج تحت الجملة الثانية.
فالمقصود أنَّه لا يدع شاذة ولا فاذة إلا وقد بيَّنها، والسنة مكمِّلة للقرآن، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]، وقد قال أبو ذر ﵁: "لقد تركنا محمد ﷺ ، وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علماً" (١). ثم تجد بعض السفهاء، وقاصري النظر، وعديمي العقل، والعلم، يقول قائلهم: ما دخل الدين في كذا؟ وما شأن الدين في كذا؟ وكأنَّما الدين، في نظره، يقبع في زاوية من زوايا الحياة! كلا! الدين يملأ جميع مناحي الحياة ويستوعبها، فلا يوجد شيء من أمور الحياة إلا وقد بيَّنه، ولا يحلُّ أنَّ نستعيض عن دين الله الحق، الصافي، بما اختلط وتكدر وحُرِّف.
وأما قصة عمر ﵁ فقد رواها جمع من المحدثين، بسياقات مختلفة، وحسنها الألباني (٢) يجمعها حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: (أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِنُسْخَةٍ مِنْ التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنْ التَّوْرَاةِ) (٣) (أَصَبْتُهَا مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَعْرِضُهَا عَلَيْكَ؟) (٤) (" فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "، فَجَعَلَ عُمَرُ يَقْرَأُ، " وَوَجْهُ رَسُولِ اللهِ يَتَغَيَّرُ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ، أَمَا تَرَى وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟، فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَغَضَبِ رَسُولِهِ، رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا) (٥) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
باب (٦)
ما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام
قال المصنف ﵀:
باب: ما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام:
وقوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج: ٧٨].
عن الحارث الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: «آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة، فإنَّه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنَّه من جثى جهنم» فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟ قال: «وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله» (١)، رواه أحمد والترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".
وفي الصحيح: «من فارق الجماعة قيد شبراً، فمات فميتته جاهلية» (٢).
стр. 54
وفيه: «أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم؟!» (١).
قال أبو العباس: كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن؛ من نسب، أو بلد، أو جنس، أو مذهب، أو طريقة، فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم مهاجري وأنصاري؛ فقال المهاجري: يا للمهاجرين! وقال الأنصاري: يا للأنصار! قال ﷺ : «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟»، وغضب لذلك غضباً شديداً (٢) انتهى كلامه -رحمه الله تعالى-.
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: ما جاء في الخروج عن دعوى الإسلام" الدعوى، والدعوة، والدعاية، بمعنى واحد. وفي كتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل: «فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ» (٣). ونقيض دعوى الإسلام دعوى الجاهلية، وهي كل دعوة سوى دعوة الإسلام؛ كالمذاهب الباطلة، أو العصبية القبلية، أو القومية، أو الوطنية، ما أشبه ذلك من الأمور المنافية للإسلام.
قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ "المسلمون": اسم ومسمى، وليس مجرد اسم كالختم والعنوان على الإنسان، لا حقيقة تحته، بل يجب أن يكون اسماً على مسمى، فيكون حامل هذا الاسم ممتثلاً، مطبقاً، لما تضمنه هذا الاسم الشريف. والراجح من كلام المفسرين أنَّ معنى: ﴿وَفِي هَذَا﴾ أي: القرآن (٤)، فالله قد سمى أمة محمد مسلمين في الكتب السابقة، وسماهم مسلمين في هذا الكتاب.
стр. 55
قال ابن كثير ﵀: "وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ثم حثهم، وأغراهم على ما جاء به الرسول -صلوات الله وسلامه عليه-، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر، وقديم الزمان، في كتب الأنبياء، يُتلى على الأحبار والرهبان، فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا القرآن" (١).
ولا ريب أنَّ أمة محمد ﷺ موصوفة في الكتب السابقة، كما أخبر الله في سورة الفتح بقوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، إلى آخر الآية، فينبغي لأهل الإسلام أن يعتزوا بهذه الصفة، وأن ينتموا إليها، وأن يحققوها لفظاً ومعنىً.
فوائد الآية:
١ - أهمية الأسماء الشرعية، والمحافظة عليها، وعدم استبدالها بغيرها، والخروج عن حدها
٢ - أن اسم "المسلمين" علم ووصف، وأنه اسم قديم.
٣ - عناية الله بعباده.
قوله: «آمركم بخمس، الله أمرني بهن: السمع والطاعة» أي: السمع والطاعة لولاة الأمر بالمعروف، كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وقال ﷺ : «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره» (٢).
قوله: «والجهاد، والهجرة، والجماعة» هذه من مقاصد الإسلام التي لا يتم إلا بها:
стр. 56
- الجهاد: في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا. ويكون بالقلب واللسان والجوارح.
- الهجرة: هي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، لإعزاز الدين، وتكثير سواد المسلمين.
- الجماعة: هي اجتماع الناس على إمام واحد، وعدم شق عصا الطاعة عليه.
قوله: «فإنَّه من فارق الجماعة قِيد شبر» (قِيد) بالكسر، أي قدر.
قوله: «فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» أي: من فارق جماعة المسلمين، وخرج عليهم، فقد ضل وتاه، والربقة: ما يوضع في رقبة الدابة، من أجل حفظها، وربطها، حتى لا تذهب وتضيع، فإذا انفلتت تلك الربقة من عنقها ضلت عن عن صاحبها، فيكون الذي خرج من سياج الجماعة، بمثابة تلك الدابة لما خرجت، فصارت عرضة للضياع والتلف.
قوله: «إلا أن يراجع» أي: إلا أنَّ يعود، ويتوب، ويدخل في عقد المسلمين وجماعتهم.
قوله: «ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنَّه من جُثى جهنم» هذا هو موضع الشاهد. والجُثى، والجُثا: جمع جثوة، قال ابن فارس: (الجيم والثاء يدل على تجمع الشيء) (١)، وقال ابن الأثير: (الجُثا: جمع جُثوة، بالضم، وهو الشيء المجموع … وتروى هذه اللفظة: جُثِيُّ، بتشديد الياء، جمع جاث، وهو الذي يجلس على ركبتيه … وم الأول حديث عامر: "رأيت قبور الشهداء جُثًا" يعني أتربة مجموعة، والحديث الآخر: "فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جُثوة من تراب"، وقد تكسر الجيم وتفتح، ويجمع الجميع: جُثًا، بالضم والكسر) (٢). ووجه الشبه أن من دعا بدعوى الجاهلية فكأنه جاثٍ في النار، كالجثوة من التراب على الأرض. ودعوى الجاهلية: هي الدعوة إلى
стр. 57
القومية، والعصبية القبلية، والأفكار الضالة، والمذاهب الردية. فكلُّ دعوة، سوى دعوة الإسلام، فهي من جُثى جهنم.
فينبغي لأهل الإيمان أن يحرروا ولاءهم لله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦] فلا يجوز الاعتزاء بعزاء الجاهلية، ولا يجوز الانتماء إلى أي رابطة سوى رابطة الدين والملة، كما قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وكما قال نبيه ﷺ : «وكونوا عباد الله إخواناً» (١).
قوله: "فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟، قال: «وإن صلى وصام» فعلم بذلك أن صلاته وصيامه لا يشفعان لدعاة الجاهلية من دخول النار.
قوله: «فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين، عباد الله» " فهذه هي هُويتك -أيها المؤمن- فلا تبحث عن هُوية سواها. وعلى طلبة العلم أن يُحذِّروا الناس من جميع الانتماءات التي تؤدي إلى تشقيق المسلمين وتفرقتهم، وإثارة النعرات بينهم، والتعصبات الجاهلية. وبعض السفهاء يوغر الصدور، وينشر التنابز بالألقاب بين الناس؛ إما بسبب أعراقهم، وأصولهم، وقبائلهم، وإما بسبب بلدانهم، وإما بسبب ألوانهم، أو غير ذلك من الأسباب. فكل هذا من جُثى جهنم، فلا يجوز أن تكون العصبية إلا للدين والملة، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ
стр. 58
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] فينبغي أن يكون التحزب لله، وكل حزبية سواه فهو باطل.
فوائد الحديث:
١ - أن الخروج عن الجماعة خروج عن الإسلام.
٢ - أن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى بل يأتمر بأمر ربه.
٣ - عظم شأن هذه الخصال الخمس.
٤ - أن الدعاء بدعوى الجاهلية من موجبات النار، وإن صلى وصام.
٥ - وجوب الدعوة بدعوى الإسلام، وعدم الاستعاضة عنها بمذاهب، وأفكار، وأحزاب، وعصبيات.
قوله: "وفي الصحيح" مراده في الصحيحين. وقد تقدم تخريجه.
قوله: «من فارق الجماعة قيد شبراً» قال بعض الشراح: إنَّما قصد بقوله: «شبراً» التقليل، ولو فارق الجماعة أقل من شبر فميتته ميتة جاهلية.
قوله: «فمات فميتته جاهلية» أي أنَّه مات كموت أهل الجاهلية الذين لم يكن لهم إمام ولا جماعة، وإنَّما هم فوضى يغزو بعضهم بعضاً، وينهب بعضهم بعضاً. وقد قيل:
لا يَصْلحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ *** وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالَهُمْ سَارُوا (١).
قال ابن بطال ﵀: "في هذه الأحاديث حجة فى ترك الخروج على أئمة الجور، ولزوم السمع والطاعة لهم. والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلّب، طاعته لازمة، ما أقام الجمعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما فى ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء" (٢).
نسب، أو بلد، أو جنس، أو مذهب، أو طريقة، فهو من عزاء الجاهلية الخ" أبو العباس هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد نقل عنه المصنف هذا القول بالمعنى، تحت تفسير الحديث السابق، فجعل شيخ الإسلام الخروج عن دعوى الإسلام والقرآن، من أنواع الدعاوى، من عزاء الجاهلية.
стр. 62
باب (٧)
وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه
قال المصنف-﵀ -:
باب: وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه:
وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠] الآية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] الآية.
قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والاختلاف (١).
عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتينَّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية، كان في أمتي من يصنع ذلك، وإنَّ بني إسرائيل تفرَّقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (٢). وهو في حديث معاوية عند أحمد، وأبي داود،
стр. 63
وفيه: «أنَّه سيخرج من أمتي قوم تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» (١).
وقد تقدم قوله ﷺ : «ومبتغٍ في الإسلام سنة جاهلية» (٢).
فليتأمل المؤمن الذي يرجو لقاء الله، كلام الصادق المصدوق في هذا المقام، خصوصاً قوله: «ما أنا عليه وأصحابي». يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة! رواه الترمذي. ورواه أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁ وصححه، لكن ليس فيه ذكر النار (٣).
الشرح:
هذا باب حافل، مصدق لما تقدم قبله من أبواب، جامع بين قضيتين متلازمتين: الدخول في الإسلام، والانخلاع عما سواه. أورد فيه المصنف ثلاث آيات، وثلاثة أو أربعة أحاديث:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ "كافة" أي جميعًا، وأصل الكف: ما يكف الشيء من آخره، مثل كُفَّة القميص أو الثوب لأنها تمنعه من الانتشار. وأما "السلم" فقيل هو الإسلام، وقيل الطاعة، والثاني يؤول إلى الأول. وفي توجيه الأمر قولان للمفسرين:
стр. 64
أحدهما: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام، باعتبار كافة وصف للسلم.
الثاني: ادخلوا جميعكم في الإسلام، باعتبار كافة وصف للداخلين في السلم.
فالمراد في القول الأول: أن يدخل في الإسلام كله، ولا يبعِّضه، ولا يأخذ ما يروق له ويدع ما لا يروق له، كمن قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] أي: جعلوه أجزاء وأعضاء. فالواجب أن يقبل الإنسان الدين كله، ولا يتخير منه ما يوافق هواه وقناعاته فقط، بل مقتضى الإيمان أن يقبله كله، ويدخل في عقده دون مماكسة. ولما جاء وفد من ثقيف، وأرادوا أن يسلموا، قالوا: نبايعك على كل شيء، إلا الصلاة، فإننا نراها دناءة! يظنون أنَّ وضع الجبهة في الأرض غير لائق، فقال ﷺ : «لا خير في دين ليس فيه ركوع» (١)، وأبى أن يبايعهم حتى يقروا بالصلاة، فليس لأحد أن يرفض شيئاً من الدين، نعم قد لا يفعله تهاوناً وكسلاً، فهذا لا يخرجه من الدين، إلا الصلاة، فإنَّ الصلاة عمود الدين، من تركها ولو تهاوناً وكسلاً فالصحيح: أنَّه يكفر كفراً مخرجاً عن الملة. وقد جاء عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: "كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ نزلت هذه الآية في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نرتفع إلى محمد ﷺ ، وقال الآخر: نرتفع
стр. 65
إلى كعب بن الأشرف (١)، وفي بعض الروايات: إلى كاهن بني فلان (٢)، ففضح الله بهذه الآيات أولئك الذين يتظاهرون بالدخول في عقد الإسلام، ثم هم يأبونه حَكَماً وقاضياً، ويرتفعون إلى غيره، فهذا دليل على نكرانهم، وعدم دخولهم في عقد الدين؛ ولهذا عبر عنهم بأنهم "يزعمون" وهي تشير غالبًا، إلى التخوين، والتشكيك. و"الطاغوت" كما عرفه ابن القيم: "كلُّ ما تجاوز به العبد حده؛ من معبود، أو متبوع، أو مطاع" (٣).
وتتمة الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾، فتلخص من حالهم جملة أوصاف:
- كثرة المزاعم الباطلة، والدعاوي الجوفاء، والتستر بذلك.
- الميل والنزوع للتحاكم إلى الطواغيت، والرغبة عن حكم الشريعة.
- حصول العلم المسبق، بالأمر بالكفر بالطاغوت.
- بعد ضلالهم بسبب استجابتهم لمراد الشيطان.
- الصدود والإعراض والاستنكاف عن حكم الشريعة.
- التقلب والنفاق والتلون بحسب ما يقتضيه الحال.
- كثرة الأيمان والمعاذير الكاذبة.
- دعوى الإحسان والتوفيق بين المصالح.
وقد طبقه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا التوصيف القرآني للمنافقين على جماعة المتكلمين، الذين يزعمون الإيمان بالكتاب والسنة، ثم هم يعتمدون المقاييس العقلية الإغريقية، من المنطق، والفلسفة، وعلم الكلام المتولد منهما، ويعرضون عن طريقة السلف التي تعتمد الكتاب والسنة، وإذا
стр. 66
قيل لهم: تعالوا إلى ناطق الكتاب، وصحيح السنة، أشاحوا بوجوههم، وقالوا: أنتم حشوية، ونوابت، وحملة أسفار، وأخذوا يسخرون من أهل السنة والحديث، وينبزونهم بألقاب السوء، ثم إذا نُزل بساحتهم، وأُقيمت عليهم الحجة، وافتضح أمرهم وضلالهم، زعموا أنهم يريدون التوفيق بين العقل والنقل، ونحو ذلك من الدعاوى.
وهذا التوصيف القرآني للمنافقين، ينطبق أيضاً على جماعة العلمانيين والليبراليين، المنتسبين إلى المسلمين؛ فهم لا يرفعون رأساً بشريعة الله، بل يعتقدون في قرارة أنفسهم أنَّها غير صالحة للتطبيق، وأنَّ الشريعة الإسلامية لا تناسب العصر الحديث، ثم إذا دُعوا إلى الله ورسوله أشاحوا بوجوههم، وازدروا من يدعوهم ونبزوهم بألقاب السوء من "الرجعية" و "الأصولية" و "الظلامية" و "الإرهاب"! حتى إذا ما أُقيمت عليهم الحجة، وصيح بهم من كل واد، أخذوا يتعللون بالتعليلات الباردة، ويقولون: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ كدعوى: الموائمة بين الأصالة والحداثة، ودعوى الوسطية، ودعوى التوفيق بين السياسة والشريعة، ودعوى تحسين صورة الإسلام! ونحو ذلك من زخرف القول، وبهرج العمل.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ هذا ذم لأهل التفرق في أصل الدين، لا في فروعه. وقد قيل: إنهم أهل الكتاب، وقيل: اليهود خاصة، وقيل: أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة. قال ابن كثير ﵀: (وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ فَارَقَ دِينَ اللَّهِ، وَكَانَ مُخَالِفًا لَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَشَرْعُهُ وَاحِدٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا افْتِرَاقَ، فَمَنِ اخْتَلَفَ فِيه ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أَيْ: فِرَقًا كَأَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ -وَهِيَ الْأَهْوَاءُ وَالضَّلَالَاتُ -فَاللَّهُ قَدْ بَرَّأ رَسُولَهُ مِمَّا هُمْ فِيهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى
стр. 67
وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورَى: ١٣]، وَفِي الْحَدِيثِ: "نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلات، دِينُنَا وَاحِدٌ". فَهَذَا هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالتَّمَسُّكِ بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْمُتَأَخِّرِ، وَمَا خَالَفَ ذَلِكَ فَضَلَالَاتٌ، وَجَهَالَاتٌ، وَآرَاءٌ، وَأَهْوَاءٌ، الرُّسُلُ بُرآء مِنْهَا، كَمَا قَالَ: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾) (١)
قوله: "قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والاختلاف"
ذلك يوم القيامة. وقد دلت تتمة الآية بعد، والآية بعدها على أصحاب تلك الوجوه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦، ١٠٧]، وقد قيل في أصحاب الوجوه المسودَّة خمسة أقوال: عموم الكفار، اليهود، المنافقون، الحرورية، أهل الأهواء والبدع. وهذا الأخير هو قول ابن عباس. قال السعدي، ﵀: (﴿يوم تبيض وجوه﴾: وهي وجوه أهل السعادة والخير، أهل الائتلاف والاعتصام بحبل الله. ﴿وتسود وجوه﴾: وهي وجوه أهل الشقاوة والشر، أهل الفرقة والاختلاف، هؤلاء اسودت وجوههم بما في قلوبهم من الخزي، والهوان، والذلة، والفضيحة، وأولئك ابيضت وجوههم، لما في قلوبهم من البهجة، والسرور، والنعيم، والحبور الذي ظهرت آثاره على وجوههم كما قال تعالى: ﴿ولقاهم نضرة وسرورا﴾ نضرة في وجوههم، وسرورا في قلوبهم، وقال تعالى: ﴿والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾) (٢)
стр. 68
فوائد الأثر:
١ - وجوب الدخول في الإسلام كله، كما شرعه الله، وعدم الابتداع.
٢ - حسن عاقبة أهل التوحيد، والاتباع، والائتلاف، وشؤم عاقبة أهل الكفر، والابتداع، والاختلاف.
٣ - أن "الوجه" مرآة التنعم أو البؤس.
قوله: "عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتينَّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية، كان في أمتي من يصنع ذلك، وإنَّ بني إسرائيل تفرَّقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي»
هذا حديث عظيم، وهو أصل في بيان الافتراق، ويصدقه الحديث المتفق عليه: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قَالَ: «فَمَنْ» (١)، أي: حتى في الأمور المستكرهة، والمضائق الصعبة ستجارونهم، وقد وقع ذلك، ومن تأمل في التاريخ والواقع وجد شواهد كثيرة،. لكن لا يلزم أن يقع ذلك من أكثر الأمة، لكن يقع من بعضها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وَلِهَذَا وَصَفَ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ بِأَنَّهَا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهُمْ الْجُمْهُورُ الْأَكْبَرُ وَالسَّوَادُ الْأَعْظَمُ. وَأَمَّا الْفِرَقُ الْبَاقِيَةُ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الشُّذُوذِ وَالتَّفَرُّقِ وَالْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ وَلَا تَبْلُغُ الْفِرْقَةُ مِنْ هَؤُلَاءِ قَرِيبًا مِنْ مَبْلَغِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ بِقَدْرِهَا بَلْ قَدْ تَكُونُ الْفِرْقَةُ مِنْهَا فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ) (٢)
стр. 69
قوله: «ليأتينَّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل» إذا تعدى "أتى" ب "على" أشعر بمعنى الهلكة، كقوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢]. والمراد بالأمة هنا: أمة الدعوة. وبنو إسرائيل: لقب يشمل اليهود والنصارى.
قوله: «حذو النعل بالنعل» قال ابن الأثير: (أَيْ تَعْمَلون مِثْلَ أعمالِهم كَمَا تُقْطَع إحدَى النَّعلَين عَلَى قَدْر النَّعل الْأُخْرَى. والحَذْوُ: التَّقدِير والقَطْع) (١)، ومثله ما تقدم: (شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ)، وقوله: (حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة) وهي ريشة السهم، يُضرب مَثَلًا للشَّيئين المتماثلين.
«حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية، كان في أمتي من يصنع ذلك» كناية عن البجاحة والصفاقة في الزنا، لأنه من أبشع الأشياء وأشنعها، وأشدها نكارة، ومع ذلك يقع!
قال: «وإنَّ بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا ملة واحدة» حديث الافتراق، رواه جمع كثير من المتقدمين، وتلقته الأمة بالقبول، وصححه جمع كثير من المحققين، ونسمع شنشنة في الآونة الأخيرة، من دعاة التجميع والتلفيق، بتضعيف الحديث ورده، لرغبتهم في التقارب مع الطوائف المبتدعة تحت شعارات عاطفية. وقد صنف المصنفون في بيان هذه الفرق، فصنف عبد القاهر البغدادي (الفرق بين الفرق)، وصنف الشهرستاني (الملل والنحل)، وصنف ابن حزم (الفصل في الملل والأهواء والنحل)، وهذا أمر مشتهر ومستفيض عند المسلمين، لا سبيل لرده، كما أنَّ الواقع يدل عليه.
قوله: "قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: «ما أنا عليه وأصحابي» " هي الفرقة الناجية في الدنيا من الفرقة والابتداع، وفي الآخرة من النار. فمن أراد النجاة والسلامة فليلزم ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه؛ وهم أهل السنة والجماعة.
стр. 70
فوائد الحديث:
١ - وجوب الدخول في عقد الإسلام، وترك ما سواه من الفرق.
٢ - علامة من علامات النبوة، بتحقق نبوئته.
٣ - أن الافتراق سنة كونية.
٤ - أن الافتراق المذموم في الحديث يتعلق بالأصول لا بالفروع.
٥ - وقوع التشبه ببني إسرائيل في هذه الأمة؛ كمًا وكيفًا.
٦ - أن النجاة بالتمسك بالإسلام، ولزوم السنة.
قوله: «إنَّه سيخرج من أمتي قوم تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» تجارى: أي تنفذ، وتسري. الكَلَب: داء معروف يقع للكلاب، فإذا عضَّ الكلبُ الكلِب إنساناً سرى فيه هذا المرض، وانتشر، فلا يدع منه عرق، ولا مفصل إلا تخلله، فلا يلبث ساعات حتى يموت. وهكذا الهوى والبدعة، فإنَّ المرء إذا تشربها سرت فيه، وصارت غشاوة على عينيه، ووقراً في أذنيه، وأكنة على قلبه. وقد كان في هذه الأمة، ووقع لرؤوس الفرق؛ كالخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجهمية، وانطبق عليهم هذا الوصف النبوي.
قال الشاطبي: (مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ ﵊ أَخْبَرَ بِمَا سَيَكُونُ فِي أُمَّتِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ الَّتِي افْتَرَقُوا فِيهَا إِلَى تِلْكَ الْفِرَقِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِمْ أَقْوَامٌ تُدَاخِلُ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ قُلُوبَهُمْ حَتَّى لَا يُمْكِنَ فِي الْعَادَةِ انْفِصَالُهَا عَنْهَا وَتَوْبَتُهُمْ مِنْهَا، عَلَى حَدِّ مَا يُدَاخِلُ دَاءُ الْكَلْبِ جِسْمَ صَاحِبِهِ فَلَا يَبْقَى مِنْ ذَلِكَ الْجِسْمِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ وَلَا مَفْصِلٌ وَلَا غَيْرُهُمَا إِلَّا دَخَلَهُ ذَلِكَ الدَّاءُ، وَهُوَ جَرَيَانٌ لَا يَقْبَلُ الْعِلَاجَ وَلَا يَنْفَعُ فِيهِ الدَّوَاءُ، فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْهَوَى إِذَا دَخَلَ قَلْبَهُ، وَأُشْرِبَ حُبَّهُ، لَا تَعْمَلُ فِيهِ الْمَوْعِظَةُ وَلَا يَقْبَلُ الْبُرْهَانَ، وَلَا يَكْتَرِثُ بِمَنْ خَالَفَهُ) (١)
стр. 71
فوائد الحديث:
١ - وجوب الدخول في الإسلام، ولزوم السنة، واجتناب الأهواء والبدعة'
٢ - شدة نفاذ البدعة في قلوب متبعي المتشابه، وسرعة تمكنها في قلوبهم.
٣ - صدق التمثيل النبوي، ومطابقته للواقع.
وقوله: «ومبتغٍ في الإسلام سنة جاهلية» أي: أنَّه ساع في إحداث بدعة ليست منه. وقد تقدم.
قوله: "وليتأمل المؤمن الذي يرجو لقاء الله، كلام الصادق المصدوق في هذا المقام، خصوصاً قوله: «ما أنا عليه وأصحابي» يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة! " أي: لو وافقت من القلوب حياة لأحدثت أثرها، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. فكلُّ أمر يطرأ عليك، وكلُّ نازلة تقع في فنائك، فانظر ماذا كان عليه النبي ﷺ وأصحابه؟ فالزمه، واعتصم به، وما كان خلافه فانبذه ورده، تسلم وتنجو، فإنَّ السنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق (١).
стр. 72
باب (٨)
ما جاء أنَّ البدعة أشد من الكبائر
قال المصنف ﵀:
باب: ما جاء أنَّ البدعة أشد من الكبائر:
وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤] وقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
وفي الصحيح: أنَّه ﷺ قال في الخوارج: «أينما لقيتموهم، فاقتلوهم» (١). «لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٢). وفيه: أنَّه ﷺ نهى عن قتل أمراء الجور «ما صلوا» (٣).
وعن جرير بن عبد الله ﵁ أنَّ رجلاً تصدق بصدقة، ثم تتابع الناس، فقال رسول الله ﷺ : «من سنَّ في الإسلام سنة حسنة
стр. 73
فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (١)، رواه مسلم.
وله: مثله من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: «من دعا إلى هدى» الحديث، ثم قال: «من دعا إلى ضلالة» (٢).
الشرح:
البدعة لغةً: البدء، والإنشاء، والاختراع على غير مثال سابق. والمراد بها في الاصطلاح: الإحداث في الدين، كما قال النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣).
والإحداث قد يكون في العقائد، وقد يكون في الأقوال، وقد يكون في الأعمال، فكلُّ من أحدث في الدين ما ليس منه، سواء كانت بدعةً عقدية، أو قولية، أو عملية.
والبدعة تارة تكون أصلية، وتارة تكون إضافية: فالبدعة الأصلية: أن يُحدِث في الدين ما لا أصل له. والبدعة الإضافية: أن يعمد إلى أمر مشروع، له أصل في الدين، فيضيف إليه شيئاً ينقله عن وضعه الشرعي، إما من جهة سببه، أو جنسه، أو قدره، أو مكانه، أو زمانه، أو كيفيته. وهي أكثر ما يقع بين الناس.
وقد عرَّف الشاطبي ﵀ البدعة بقوله: "طريقة في الدين مخترعة،
стр. 74
تضاهي الشرعية، يقصد بالسير عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" (١). فقوله: "البدعة طريقة في الدين" أخرجت أمور الدنيا، فلا يدخل في البدعة ما يتعلق بالمباني، والمراكب، والمطاعم، والمشارب، وغير ذلك. وقوله: "مخترعة" أي: على غير مثال سابق. وقوله: "تضاهي الشرعية" أي: أنَّ لها شبه بالأمور الشرعية، وبذلك راجت على الجهال. وقوله: (يقصد بالسير عليها المبالغة في التعبد لله تعالى) لذلك لم يكتفِ بالسنن. وقد تقدم أنَّ اقتصاداً في سنة خيرٌ من اجتهاد في بدعة (٢)، وأنَّ البدعة لا تزيده من الله إلا بُعداً (٣)، وأنَّه ما أُقيمت بدعة إلا وأُميتت سنة (٤)، فلهذا جاء النهي عنها. وأعظم البدع: البدع العقدية، وأعظم البدع العقدية: الشرك، وهو تسوية غير الله بالله، فيما هو من خصائص الله؛ في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته. لهذا استدل المصنف بثلاث آيات، وعدة أحاديث:
الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ إنما كان الشرك أعظم أنواع البدع، لأن الله لا يغفره، فمن ابتدع بدعة تتعلق بصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، فقد أتى بما هو أكبر من الكبائر؛ لأنَّ الكبائر تحت المشيئة والإرادة؛ إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه. فمن عقد القباب على الأضرحة والقبور، ودعا الناس إلى الطواف بها، وسؤال الموتى، والاستغاثة بهم، وما أشبه ذلك، فقد أتى أمراً لا يُغفر.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ
стр. 75
النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ التقدير: لا أحد أظلم، والمقصود في هذا المقام المعين؛ مقام الافتراء. فالمبتدع مفترٍ على الله، كأنَّما يقول للناس: هذا خبر الله فصدقوه، وهذا أمر الله فامتثلوه! بلا دليل، ولا أثارة من علم. ولا ريب أنَّ القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وهذا من باب الترقي حتى بلغ منتهاه.
الآية الثالثة قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ هذا من شؤم سعايتهم في الإضلال، فكل من ابتدع بدعة، فإنَّه يتحمل وزرها، ووزر من عمل بها.
فوائد الآيات:
١ - أن البدعة العقدية أعظم من الكبائر؛ لعدم مغفرتها، وتناهيها في الظلم والإضلال، وتفاقم وزرها.
٢ - أن ما دون الشرك من الكبائر، تحت المشيئة والإرادة، خلافًا للوعيدية من الخوارج والمعتزلة.
٣ - عظم القول على الله بغير علم.
٤ - شؤم الابتداع، وسريان آثاره على صاحبه.
قوله: وفي الصحيح: أنَّه ﷺ قال في الخوارج: ضرب المصنف ﵀ مثلاً ببدعة مغلظة، وهي بدعة الخوارج، وهي أول بدعة ظهرت في الإسلام، حين مرقت مارقة على حين فرقة من أهل الإسلام، في أمر لا يتعلق بالاعتقاد، وإنَّما يتعلق بالولاية، فانقسم المسلمون إلى معسكر العراق، ومعسكر الشام، فخرجت الخوارج من جيش علي ﵁، وانتحوا في موضع يقال له: حروراء، وأمَّروا عليهم أميراً، يقال له: عبد الله بن وهب الراسبي، ثم صاروا يقطعون الطريق على الناس، ويمتحنونهم، ويقتلون من لا يوافقهم،