← Акыда

Акыда · id 30030

الإعلام في شرح فضل الإسلام

أحمد القاضي

Полный текст (133 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فوائد الحديث: ١ - وجوب الدخول في الإسلام، ولزوم السنة، واجتناب الأهواء والبدعة' ٢ - شدة نفاذ البدعة في قلوب متبعي المتشابه، وسرعة تمكنها في قلوبهم. ٣ - صدق التمثيل النبوي، ومطابقته للواقع. وقوله: «ومبتغٍ في الإسلام سنة جاهلية» أي: أنَّه ساع في إحداث بدعة ليست منه. وقد تقدم. قوله: "وليتأمل المؤمن الذي يرجو لقاء الله، كلام الصادق المصدوق في هذا المقام، خصوصاً قوله: «ما أنا عليه وأصحابي» يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة! " أي: لو وافقت من القلوب حياة لأحدثت أثرها، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. فكلُّ أمر يطرأ عليك، وكلُّ نازلة تقع في فنائك، فانظر ماذا كان عليه النبي ﷺ وأصحابه؟ فالزمه، واعتصم به، وما كان خلافه فانبذه ورده، تسلم وتنجو، فإنَّ السنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق (١).

стр. 72

باب (٨) ما جاء أنَّ البدعة أشد من الكبائر قال المصنف ﵀: باب: ما جاء أنَّ البدعة أشد من الكبائر: وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤] وقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. وفي الصحيح: أنَّه ﷺ قال في الخوارج: «أينما لقيتموهم، فاقتلوهم» (١). «لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٢). وفيه: أنَّه ﷺ نهى عن قتل أمراء الجور «ما صلوا» (٣). وعن جرير بن عبد الله ﵁ أنَّ رجلاً تصدق بصدقة، ثم تتابع الناس، فقال رسول الله ﷺ : «من سنَّ في الإسلام سنة حسنة

стр. 73

فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (١)، رواه مسلم. وله: مثله من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: «من دعا إلى هدى» الحديث، ثم قال: «من دعا إلى ضلالة» (٢). الشرح: البدعة لغةً: البدء، والإنشاء، والاختراع على غير مثال سابق. والمراد بها في الاصطلاح: الإحداث في الدين، كما قال النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣). والإحداث قد يكون في العقائد، وقد يكون في الأقوال، وقد يكون في الأعمال، فكلُّ من أحدث في الدين ما ليس منه، سواء كانت بدعةً عقدية، أو قولية، أو عملية. والبدعة تارة تكون أصلية، وتارة تكون إضافية: فالبدعة الأصلية: أن يُحدِث في الدين ما لا أصل له. والبدعة الإضافية: أن يعمد إلى أمر مشروع، له أصل في الدين، فيضيف إليه شيئاً ينقله عن وضعه الشرعي، إما من جهة سببه، أو جنسه، أو قدره، أو مكانه، أو زمانه، أو كيفيته. وهي أكثر ما يقع بين الناس. وقد عرَّف الشاطبي ﵀ البدعة بقوله: "طريقة في الدين مخترعة،

стр. 74

تضاهي الشرعية، يقصد بالسير عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" (١). فقوله: "البدعة طريقة في الدين" أخرجت أمور الدنيا، فلا يدخل في البدعة ما يتعلق بالمباني، والمراكب، والمطاعم، والمشارب، وغير ذلك. وقوله: "مخترعة" أي: على غير مثال سابق. وقوله: "تضاهي الشرعية" أي: أنَّ لها شبه بالأمور الشرعية، وبذلك راجت على الجهال. وقوله: (يقصد بالسير عليها المبالغة في التعبد لله تعالى) لذلك لم يكتفِ بالسنن. وقد تقدم أنَّ اقتصاداً في سنة خيرٌ من اجتهاد في بدعة (٢)، وأنَّ البدعة لا تزيده من الله إلا بُعداً (٣)، وأنَّه ما أُقيمت بدعة إلا وأُميتت سنة (٤)، فلهذا جاء النهي عنها. وأعظم البدع: البدع العقدية، وأعظم البدع العقدية: الشرك، وهو تسوية غير الله بالله، فيما هو من خصائص الله؛ في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته. لهذا استدل المصنف بثلاث آيات، وعدة أحاديث: الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ إنما كان الشرك أعظم أنواع البدع، لأن الله لا يغفره، فمن ابتدع بدعة تتعلق بصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، فقد أتى بما هو أكبر من الكبائر؛ لأنَّ الكبائر تحت المشيئة والإرادة؛ إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه. فمن عقد القباب على الأضرحة والقبور، ودعا الناس إلى الطواف بها، وسؤال الموتى، والاستغاثة بهم، وما أشبه ذلك، فقد أتى أمراً لا يُغفر. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ

стр. 75

النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ التقدير: لا أحد أظلم، والمقصود في هذا المقام المعين؛ مقام الافتراء. فالمبتدع مفترٍ على الله، كأنَّما يقول للناس: هذا خبر الله فصدقوه، وهذا أمر الله فامتثلوه! بلا دليل، ولا أثارة من علم. ولا ريب أنَّ القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وهذا من باب الترقي حتى بلغ منتهاه. الآية الثالثة قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ هذا من شؤم سعايتهم في الإضلال، فكل من ابتدع بدعة، فإنَّه يتحمل وزرها، ووزر من عمل بها. فوائد الآيات: ١ - أن البدعة العقدية أعظم من الكبائر؛ لعدم مغفرتها، وتناهيها في الظلم والإضلال، وتفاقم وزرها. ٢ - أن ما دون الشرك من الكبائر، تحت المشيئة والإرادة، خلافًا للوعيدية من الخوارج والمعتزلة. ٣ - عظم القول على الله بغير علم. ٤ - شؤم الابتداع، وسريان آثاره على صاحبه. قوله: وفي الصحيح: أنَّه ﷺ قال في الخوارج: ضرب المصنف ﵀ مثلاً ببدعة مغلظة، وهي بدعة الخوارج، وهي أول بدعة ظهرت في الإسلام، حين مرقت مارقة على حين فرقة من أهل الإسلام، في أمر لا يتعلق بالاعتقاد، وإنَّما يتعلق بالولاية، فانقسم المسلمون إلى معسكر العراق، ومعسكر الشام، فخرجت الخوارج من جيش علي ﵁، وانتحوا في موضع يقال له: حروراء، وأمَّروا عليهم أميراً، يقال له: عبد الله بن وهب الراسبي، ثم صاروا يقطعون الطريق على الناس، ويمتحنونهم، ويقتلون من لا يوافقهم،

стр. 76

فندب علي ﵁ المهاجرين والأنصار إلى قتالهم، وقال: هؤلاء الذين أخبرنا عنهم رسول الله ﷺ ، في قوله: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (١)، فرغم اجتهادهم في العبادة، وقيامهم، وصيامهم، إلا أنهم كانوا على ضلالة. قوله: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» هذه دعوة لاستئصالهم، لأنهم عضو فاسد، ومادة خبيثة، لا بد من اجتثاثها؛ لأنَّ ضررها متعدٍ، يفسدون العقول، ويزهقون الأرواح، فلذلك شدد النبي ﷺ في أمرهم، حتى أنَّه لا يوجد من النصوص في التحذير من فرقة كما يوجد في الخوارج. قال الإمام أحمد: "صح الحديث فيهم من عشرة أوجه" (٢). قوله: «لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد» قال النووي ﵀: (أَيْ: قَتْلًا عَامًّا، مُسْتَأْصِلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ باقية﴾ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى قِتَالِهِمْ) (٣) قوله: "وفيه: أنَّه نهى عن قتل أمراء الجور، ما صلوا" وذلك أنَّ النبي ﷺ أخبر أصحابه بأنَّه سيلي عليهم أمراء، يعرفون منهم وينكرون، فقالوا له: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا، ما صلوا» (٤)، فما داموا باقين على وصف الإسلام فلا يقاتلون. بخلاف الخوارج الذين ابتدعوا في الدين فإنه حض على قتالهم. فجمع المصنف بين هذين الدليلين ليبين أن البدعة أشد من الكبيرة. وهذا الحديث دليل على أنَّ ترك الصلاة مخرج عن الملة؛ لأنه عصم

стр. 77

دماءهم بالصلاة، قال: «لا، ما صلوا»، فالصلاة فاصل بين الإيمان والكفر، فإنهم تركوا الصلاة زالت العصمة، بكفرهم بتركها. وفي الحديث الآخر: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان» (١). فوائد الأحاديث: ١ - أن بدعة الخوارج شر من الكبائر. ٢ - الحث على استئصال الخوارج، وعدم مهادنتهم لخطر بدعتهم على الأمة. ٣ - أن جور الأمراء، أهون من بدعة الخوارج، فلا يجوز قتال أمراء الجور، ويتعين قتال الخوارج. قوله: وعن جرير بن عبد الله ﵁ أنَّ رجلاً تصدق بصدقة، ثم تتابع الناس، فقال رسول الله ﷺ : «من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» رواه مسلم. سبب هذا الحديث ما حدث به جرير بن عبد الله ﵁ في أوله: قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ﴾، «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ

стр. 78

دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) فذكره. وليس في هذا مدخل لأهل البدع، لتسويغ بدعهم، بدعوى أن هذا الرجل قد سنَّ في الإسلام، فيسعهم الإحداث في الدين! يقال: نعم، هذا سنَّ في الإسلام، وأنتم سننتم من غير الإسلام؛ لأنَّ أصل الصدقة مشروع في الإسلام، فهو لم يبتدعها، وإنما استفتح العمل بها وأحياها، فتتابع الناس، فهذه سنة إسلامية، وليست بدعة أصلية أو إضافية. قوله: «ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» هذا من شؤم البدعة، فالذي يُحدث في الإسلام ما ليس منه، مهما كان مسوغه، فإنَّه يحمل وزرها، ووزر من عمل بها، مع بقاء أوزارهم على ظهورهم، ألا ساء ما يزرون. قوله: وله: مثله من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: «من دعا إلى هدى» الحديث، ثم قال: «من دعا إلى ضلالة» عبَّر مرةً بقوله: «من سنَّ» ومرةً بقوله: «ومن دعا» فكلمة: «من سنَّ» تدلُّ على السنة العملية وقوله «دعا» تدل على السنة القولية. فوائد الحديث: ١ - خطورة الابتداع وأنه أعظم وزرًا من المعاصي. ٢ - فضيلاة إحياء السنن الثابتة، واستفتاحها. ٣ - كمال عدل الله وفضله.

стр. 79

باب (٩) ما جاء أنَّ الله احتجز التوبة على صاحب البدعة قال المصنف ﵀: باب: ما جاء أنَّ الله احتجز التوبة على صاحب البدعة: هذا مروي من حديث أنس (١) ﵁ من مراسيل الحسن (٢). وذكر ابن وضاح عن أيوب قال: كان عندنا رجل يرى رأياً فتركه، فأتيت محمد بن سيرين، فقلت: أشعرت أنَّ فلاناً ترك رأيه؟ قال: انظر إلى ماذا يتحول؟ إنَّ آخر الحديث أشدُّ عليهم من أوله: «يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه» (٣). وسُئل أحمد بن حنبل ﵀ عن معنى ذلك، فقال: لا يُوفَّق للتوبة (٤).

стр. 80

الشرح: قوله: "باب: ما جاء أنَّ الله احتجز التوبة على صاحب البدعة" قال ابن فارس: (الحاء والجيم والزاء، أصل واحد مطرد القياس، وهو الحول بين الشيئين) (١). والمروي عن أنس والحسن كله ضعيف. وعلى تقدير صحته فليس المقصود أنَّ المبتدع إذا تاب لا تصحُّ توبته، وإنَّما المقصود: أنَّه لا يُوفَّق للتوبة غالبًا، وسرُّ ذلك أنَّ المبتدع يرى أنَّه على حق، كما قال الله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٤] فلا يفكر في النظر في حاله، وطلب الهدى. بينما العاصي الذي يتلطخ بقاذورات الكبائر؛ من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمور، يشعر في قرارة نفسه بأنَّه مخطئ، وربما يتمنى أن تواتيه الفرصة للتوبة، لكن المبتدع يُخيَّل إليه أنَّه على صواب وغيره على خطأ، فلا يخطر بباله أن يدع ما هو عليه. قوله: "وذكر ابن وضاح عن أيوب قال: كان عندنا رجل يرى رأياً" أراد رأي الخوارج، كما سيأتي. قوله: "فأتيتُ محمد بن سيرين" الأنصاري، البصري، تابعي، ثقة، عابد، مات سنة عشر ومائة. قوله: "فقلت: أشعرت أنَّ فلاناً ترك رأيه؟ " أي: هل علمت، أو هل بلغك أنه ترك بدعته. قوله: "انظر إلى ماذا يتحول؟ " أي: تريث!، ولا تفرح، ولا تذهب بعيداً في التفاؤل. قوله: "إنَّ آخر الحديث أشدُّ عليهم من أوله: «يمرقون من الإسلام، ثم لا يعودون فيه» هذا دليل أنَّ الرجل كان يقول بقول الخوارج فترك مقالة

стр. 81

الخوارج، لكن مرجع الضمير في قوله «ثم لا يعودون فيه» على الإسلام، فدل على أنَّهم لا يُوفَّقون للتوبة. قوله: "وسُئل أحمد عن معنى ذلك، فقال: لا يُوفَّق للتوبة" التوبة توفيق من الله، فلا يظنُّ ظانّ أنَّ التوبة في كم قميصه، يخرجه متى شاء، ويرده متى شاء، يقول الله : ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فالله تعالى هو التوَّاب، والتواب لها معنيان: أنَّه يوفِّق للتوبة، وأنَّه يقبل التوبة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَعْتَقِدُ أَنَّ تَوْبَةَ الْمُبْتَدِعِ لَا تُقْبَلُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَد وَالْمُقَفَّى وَالْحَاشِرُ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: ﴿أَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَأَنَا نَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ بُعِثَ بِالْمَلْحَمَةِ وَهِيَ: الْمَقْتَلَةُ لِمَنْ عَصَاهُ وَبِالتَّوْبَةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَبِالرَّحْمَةِ لِمَنْ صَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِين … قَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي تَوْبَةِ الْقَاتِلِ وَتَوْبَةِ الدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ وَفِي ذَلِكَ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا نِزَاعٌ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّمْثِيلِ وَالْبَيَانِ فِي "الْجَامِعِ" وَغَيْرِهِ وَتَكَلَّمُوا أَيْضًا فِي تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهُمْ قَدْ يَتَنَازَعُونَ فِي كَوْنِ التَّوْبَةِ فِي الظَّاهِرِ تَدْفَعُ الْعُقُوبَةَ: إمَّا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهَا وَإِمَّا لِكَوْنِهَا لَا تَمْنَعُ مَا وَجَبَ مِنْ الْحَدِّ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الزِّنْدِيقَ وَنَحْوَهُ إذَا تَابَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَوْبَةً صَحِيحَةً لَمْ يَتَقَبَّلْهَا اللَّهُ مِنْهُ وَأَمَّا الْقَاتِلُ وَالْمُضِلُّ فَذَاكَ لِأَجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ وَالتَّوْبَةُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَهَا حَالٌ آخَرُ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْكَلَامِ فِيهَا وَفِي تَفْصِيلِهَا وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ) (١)

стр. 82

فوائد الآثار: ١ - شؤم البدعة، وأنها سبب للحيلولة دون التوبة. ٢ - أن صاحب البدعة يتنقل بين الآراء، ويحرم الهدى والثبات. ٣ - أن التوبة منحة وهبة وتوفيق من الله.

стр. 83

باب (١٠) قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ قال المصنف ﵀: باب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وفيه: حديث الخوارج، وقد تقدم. وفي الصحيح: أنَّه ﷺ قال: «إنَّ آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنَّما أوليائي المتقون» (١). وفيه أيضاً: عن أنس ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ ذُكر له أنَّ بعض الصحابة قال: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال آخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر، فقال ﷺ : «لكنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢)، فتأمل إذا كان بعض الصحابة لما أراد التبتل للعبادة قيل فيه

стр. 84

هذا الكلام الغليظ، وسمّى فعله رغوباً عن السنة، فما ظنك بغير هذا من البدع؟ وما ظنك بغير الصحابة؟ الشرح: عقد المصنف هذا الباب لبيان مشروعية مجادلة المخالفين للحق؛ والبراءة منهم، سواءٌ كانوا من أهل الملل السابقة؛ كاليهود والنصارى، أو كانوا ممن خرج عن السنة، كالخوارج والمتنطعين، والنكير عليهم. وذكر فيه آيتين، وحديثين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ هذا نكير من الله تعالى على اليهود والنصارى؛ فإن كلًا من الطائفتين انتحلت إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: كان إبراهيم يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا! وتلك مزاعم صلعاء ساقطة، لسبب بيِّن واضح، وهو أن اليهودية التي تنمي نفسها إلى موسى والتوراة، والنصرانية التي تنمي نفسها إلى عيسى والإنجيل، إنما ظهرتا بعد إبراهيم بزمن طويل. قال ابن كثير ﵀: (أَيْ: كَيْفَ تَدّعُون، أَيُّهَا الْيَهُودُ، أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا، وَقَدْ كَانَ زَمَنُهُ قَبْلَ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَكَيْفَ تَدّعُون، أَيُّهَا النَّصَارَى، أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَإِنَّمَا حَدَثَتِ النَّصْرَانِيَّةُ بَعْدَ زَمَنِهِ بِدَهْرٍ) (١).، ولما كان الأمر مدركًا ببداهة العقول، ختم الآية بقوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾، ثم أردفها بقول مقنع: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦]، فسوَّغ لهم أن يحاجوا فيما لديهم فيه أثارة من علم، وأنكر عليهم التخوض فيما لا علم لهم به. وهذا من أصول المناظرة، وقواعد الحجاج. ثم أتبعها بالحق الدامغ،

стр. 85

والقول الفصل، القاطع لكل نزاع، فأكذب دعواهم، وقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، بل ولا عامة أنبياء بني إسرائيل كانوا كذلك، قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠] الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قد أسلفنا في الأبواب الأولى أنَّ ملة إبراهيم ﵇ هي الحنيفية، وأنَّها دين الله تعالى للأنبياء جميعاً، فجميع الأنبياء على دين واحد، هو الإسلام، بمعناه العام، الذي هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وأنَّ أنبياء بني إسرائيل قاطبة، كلهم مسلمون، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وقررنا بأنَّ موسى ﵇ لم يُبعث باليهودية، وأنَّ عيسى ﵇ لم يُبعث بالنصرانية، وإنَّما بُعثوا جميعاً بملة إبراهيم، كسائر أنبياء الله تعالى، لكن لما وقع التحريف الذي أخبر الله تعالى عنه في قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] آل دين موسى، بعد تحريف الأحبار، إلى اليهودية، وآل دين عيسى، بعد تحريف الرهبان إلى النصرانية. فلا يجوز أن يقال: الأديان الثلاثة، فإن دين الله واحد وهو الإسلام، وليس لله دين اسمه اليهودية. أو النصرانية، كيف وقد برَّأ الله تعالى إبراهيم ﵇ منهما فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧]، بل برَّأ جميع أنبياء بني إسرائيل، فقال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]. والأسباط هم الأنبياء في قبائل بني

стр. 86

إسرائيل، فيقال: سبط يهوذا، سبط لاوي، وهكذا، فحاشاهم أن يكونوا كذلك، أما بنو إسرائيل فقد رغبوا عن ملة إبراهيم، كما قال الربيع: "رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم، وابتدعوا اليهودية والنصرانية وليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم الإسلام" (١). قوله: "وفيه حديث الخوارج، وقد تقدم" أي في النكير عليهم، وذمهم، والحض على قتالهم. فوائد الآيات: ١ - الإنكار على المخالف، ومجادلته، والبراءة منه. ٢ - أن من أصول الحجاج، وقواعد المناظرة والحوار أن يكون مؤسسًا على علم. ٣ - تسويغ حجاج المخالف إذا كان يستند إلى دليل. ٤ - اختصاص الله تعالى بالعلم المطلق القطعي. ٥ - براءة إبراهيم ﵇ من اليهودية والنصرانية والشرك، واتصافه بالإسلام الخالص. ٦ - تسفيه من رغب عن ملة إبراهيم، وهي الحنيفية. ٧ - اختصاص الله بالتفضيل والاصطفاء لمن شاء. ٩ - فضيلة إبراهيم ﵇ في الدنيا والآخرة. الحديث الأول: قوله ﷺ : «إنَّ آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنَّما أوليائي المتقون» هذه براءة نبوية من موالاة من لايستحق الموالاة، وبيان أن معاقد الولاء والبراء تدور على التقوى، لا على النسب. قال القاضي عياض ﵀: (هى كناية عن قوم كره الراوى تسْمِيتَهم لما يقع فى نفوس ذراريهم. وبقى فقه الحديث وحكمته فى قوله: "إنما ولى الله، وصالح المؤمنين"، فأفاد أنَّ أولياءه صالح المؤمنين، وإن بَعُدَ نسبهم منه، وأنَّ من

стр. 87

ليس بمؤمنٍ، ولا صالح، ليس له بولى وإن قرُبَ نسبه منه. ودل الحديث أن الولاية فى الإسلام إنما هى بالموافقة فيه بخصال الديانة، وزمام الشريعة، لا بامتشاج النسب، وشجنةِ الرحم) (١)، وقد قيل: لَعَمْرُكَ ما الإنسانُ إلاَّ بِدينِهِ … فَلا تَتْرُكِ التَّقوى اتَّكالاً على النسب لَقد رَفَعَ الإسلامُ سَلمَانَ فَارِسٍ … وقَد وَضَعَ الشِّركُ الشقيَّ أبَا لَهب فوائد الحديث: ١ - المجاهرة بالبراءة ممن ليس أهلًا للولاية. ٢ - تعليق الولاء والبراء، والحب والبغض، والحمد والذم، على الأوصاف الشرعية، كالتقوى. الحديث الثاني: قوله ﷺ : «لكنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» قالها ﷺ لنفر أتوا بيته، وسألوا أهله عن عمله، فأخبروهم، فكأنَّهم تقالُّوه، قال أحدهم: "أما أنا فإني أقوم ولا أنام، وقال آخر: أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: لا أتزوج النساء". فدين الإسلام دين الفطرة، ليس خاضعاً للأمزجة، بل هو ميزان دقيق، نزل من عند الله، يلبي حاجات الروح والجسد، ويحقق للإنسان الحياة الطيبة السوية. وقد عقَّب المصنف على الحديث بقوله: (فتأمل إذا كان بعض الصحابة لما أراد التبتل للعبادة قيل فيه هذا الكلام الغليظ، وسمّى فعله رغوباً عن السنة، فما ظنك بغير هذا من البدع؟ وما ظنك بغير الصحابة؟) فوائد الحديث: ١ - الجهر ببيان السنة، ونبذ البدعة. ٢ - البراءة ممن رغب عن هديه ﷺ ، وأفرط، أو فرط.

стр. 88

باب (١١) قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال المصنف ﵀: باب: قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]. الشرح: عقد المصنف هذا الباب لبيان أن دين الإسلام هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وهو الحنيفية، ملة إبراهيم ﵇ التي وصى بها، وأن الخروج عنه خروج عن الفطرة والاستقامة. وذكر فيه ثلاث آيات، وجملةً من الأحاديث. الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ اختلف العلماء اختلافًا واسعًا في معنى الفطرة، وتنوعت عباراتهم في تفسيرها. وقد ختم ابن القيم ﵀ كتابه الحافل النافع (شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل) بفصل يتعلق بالفطرة، وبين

стр. 89

مذاهب الناس فيها، على خمسة أقوال (١)، ملخصها: ١ - الإقرار بمعرفة الله، وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم. ٢ - البداءة التي ابتدأهم عليها للحياة والموت، والسعادة والشقاء، إلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. ٣ - السلامة خلقةً، وطبعًا، وبنية، والسذاجة التي ليس معها كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار. ٤ - طبعهم حين ابتداء خلقهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان. ٥ - الإسلام، أي ابتدأ خلقهم على الإقرار به، ومحبته، والإخلاص له، والإنابة إليه، وإجلاله، وتعظيمه، واعتقاد المثل الأعلى له. وهذا قول عامة السلف، وقد نصره شيخ افسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله-، وبه نطق الكتاب، وصحت به الآثار، وعليه تفاسير السلف. فلو خُلِّي الإنسان بينه وبين فطرته، ولم يتعرض لاجتيال شياطين الإنس والجن، لاهتدى إلى الإسلام، وليس المقصود من اهتدائه إلى الإسلام أن يعرف تفاصيل الشريعة، وإنَّما تقوده فطرته إلى الإيمان بإلهٍ، خالق، قادر، عليم، عليٍّ، غنيٍّ، رازق، مالك، مدبر، مستحق لصفات الكمال، ونعوت الجلال، مستحق للعبادة، والحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والتضرع، دون ما سواه. قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: (فَسَدِّدْ وَجْهَكَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَكَ، مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي هَدَاكَ اللَّهُ لَهَا، وَكَمَّلَهَا لَكَ غَايَةَ الْكَمَالِ، وَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ لَازِمْ فِطْرَتَكَ السَّلِيمَةَ، الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى فَطَرَ خَلْقَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ

стр. 90

قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، وَفِي الْحَدِيثِ: "إني خلقت عِبَادِي حُنَفاء، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ" … وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ لَا تُبَدِّلُوا خَلْقَ اللَّهِ، فَتُغَيِّرُوا النَّاسَ عَنْ فِطْرَتِهِمُ الَّتِي فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا. فَيَكُونُ خَبَرًا بِمَعْنَى الطَّلَبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ صَحِيحٌ) (١) الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الفطرة السوية هي الحنيفية، ملة إبراهيم، التي عبر عنها بالإسلام. قال ابن كثير ﵀-في بيان مرجع الضمير: (أَيْ: وَصَّى بِهَذِهِ الْمِلَّةِ، وَهِيَ الْإِسْلَامُ لِلَّهِ، أَوْ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْكَلِمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لِحِرْصِهِمْ عَلَيْهَا، وَمَحَبَّتِهِمْ لَهَا، حَافَظُوا عَلَيْهَا إِلَى حِينِ الْوَفَاةِ، وَوَصَّوْا أَبْنَاءَهُمْ بِهَا مِنْ بَعْدِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾) (٢) الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لم يزل حبل التوحيد ممدودًا، حتى آلت النوبة إلى خاتم النبيين، وإمام الموحدين في الآخرين محمد ﷺ ، فأمره ربه بما أمر به أباه إبراهيم، وأحاله على ملته الحنيفية، كما قال: ﴿و قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥]، وقال: ﴿و وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال: ﴿و قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]، وليس بعد هذا التأكيد تأكيد، ولا فوق هذا الترغيب ترغيب. فوائد الآيات: ١ - وجوب الاستقامة على دين الله ظاهرًا؛ بالطاعة والعمل، وباطنًا؛ بالإخلاص والتقوى.

стр. 91

٢ - أن الفطرة الأصلية السوية لجميع الناس: هي الدين الصحيح، وهو الإسلام. ٣ - تحريم تغيير خلق الله، وإفساد الفطرة. ٤ - التواصي بلزوم الإسلام، وتوارثه في الأجيال المتعاقبة، والموت عليه. ٥ - فضيلة خليل الرحمن إبراهيم ﵇ ووجوب اتباع ملته الحنيفية. ٦ - أن ما خرج عن ملة إبراهيم ﵇ فهو إما شرك أو بدعة. قال المصنف ﵀: وعن ابن مسعود ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ لكل نبي ولاة من النبيين، وأنا وليي منهم أبي إبراهيم، وخليل ربي» ثم قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] (١). لم يحظ نبي من الأنبياء الكرام، بثناء في القرآن كما حظي به عن إبراهيم ﵇، فقد تكرر اسمه أربعًا وستين مرة! وهو حقيق بذلك، فهو خليل رب العالمين، وإمام الموحدين في الأولين. ولما كان نبينا ﷺ مأمورًا باتباع ملته، وهي الحنيفية، تولاه، لاتباعه ملته؛ ولأنَّه من نسله وذريته، وكان أقرب الناس شبهاً به. ومن عجيب ما ذُكر في السير: أنَّ قريشاً لما بعثت في طلب النبي ﷺ ، وأتوا بأحد القفاة، ورأى موضع قدم النبي ﷺ قال لهم القائف: "هذا القدم قدم ابن أبي قحافة -أي أبو بكر-، وهذا الآخر لا أعرفه، إلا

стр. 92

أنه يشبه القدم الذي في المقام" (١). وعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ، فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ -، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دَحْيَةُ» (٢)، وقال: «أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ» متفق عليه (٣). فوائد الحديث: ١ - ولاية نبينا ﷺ لأبيه إبراهيم، لاتباعه ملته الحنيفية، وكونه من ولده، وشبهه. ٢ - تفاوت الولاية بين الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فيما بينهم، فما بين المؤمنين من باب أولى. ٣ - أن أساس الموالاة الاتباع، لا مجرد الدعوى. قال المصنف ﵀: وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٤).

стр. 93

الشرح: أراد المصنف بهذا الحديث بيان أن القلب هو محل نظر الله من العبد، وقد عبَّر بعضهم فقال: القلب بيت الرب في العبد (١)، كما أنَّ الكعبة بيت الرب في الأرض؛ لأنَّه مستودع العلم به، ومحل محبته، وخشيته، ورجائه، دون سائر الجوارح، فينبغي أن تكون عناية الإنسان منصبَّةً على إصلاحه، وتصفيته، وتخليصه من الشوائب، والجواذب، بحيث يسلم لله رب العالمين، قال ﷺ «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» متفق عليه (٢). فلا يجول ويصول فيه سوى الخطرات الرحمانية الملائكية، من حب، وخوف، ورجاء، وشوق، وتوكل، وأُنس به سبحانه. هذا هو عمل القلب الحقيقي، وتلك وظيفته. فإذا كانت وظيفة العين: الإبصار، ووظيفة الأذن: السمع، ووظيفة اليد: المناولة، ووظيفة القدم: السعي، فإن وظيفة القلب المعنوية ليست مجرد ضخ الدم من الأذين إلى البطين، ومن البطين إلى الأوردة، فهذه وظيفتة العضوية، لكن وظيفته المعنوية هي: العلم بالله، ومحبته، وخشيته، ورجاؤه، والأنس به؛ فليكن محل نظر الله منك أشرف، وأنقى، وأصفى، ما فيك؛ لهذا قال في حديث حذيفة: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز، مجخياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه» (٣)،

стр. 94

والكوز: الكأس، ومجخياً، أي: منكوساً؛ فمهما سكبت فيه من الماء فإنَّه لا يستقر، بل يسحُّ يميناً وشمالاً، فكذلك القلوب، فينبغي للمؤمن الناصح لنفسه أن يتعاهد قلبه دوماً، وأن يطهره من الشبهات، والشهوات، والغفلات، والمشاحنات، وكل ما يشوش عليه من الآفات. فمن الناس من يضطرم في قلبه غيض وحقد، يكدر علمه بالله، وأنسه به، ففرغ قلبك من هذا الاحتقان الضار، وأخلصه لله ، واجعله محراباً لعبادته ، وإذا صلح القلب، صلحت الأعضاء، فالقلب ملك، والأعضاء جنوده، وإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبث جنوده. قوله: «إنَّ الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى أموالكم» المراد نظر اعتبار، وإلا فإنه لا تخفى عليه خافية، كما قال: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩]. قوله: «ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» أي ما أنتم عليه من الإخلاص، والموافقة للسنة. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. فوائد الحديث: ١ - أهمية إصلاح القلوب، والحرص على سلامتها. ٢ - أهمية إصلاح الأعمال، وموافقتها للسنة. ٣ - عدم الاغترار بالظاهر والهيئات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]. قال المصنف ﵀: ولهما: عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض؛ وليرفعن إليّ رجال من أمتي، حتى إذا أهويت لأناولهم اختُلِجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي، فيقال:

стр. 95

إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (١). ولهما: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «وددت أنَّا قد رأينا إخواننا» قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواني هم الذين لم يأتوا بعد» قالوا: فكيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك؟ قال: «أرأيتم لو أنَّ رجلاً له خيل غرٌّ محجلة بين ظهراني خيل دهم بُهْم ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى، قال: «فإنَّهم يأتون غرّاً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادنّ رجال يوم القيامة عن حوضي، كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم بدَّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً» (٢). وللبخاري: «بينما أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم وعرفوني، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنَّهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة -فذكر مثله- قال: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم» (٣). ولهما: في حديث ابن عباس ﵄: «فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]» (٤).

стр. 96

الشرح: ساق المصنف هذه الأحاديث المتفق عليها لبيان شؤم عاقبة الإحداث في الدين يوم القيامة، وعدم إقامة الوجه للدين حنيفًا؛ بردة، أو بدعة، وأن أول ذلك حرمانهم من ورود حوض النبي ﷺ ، وفي بعضها صرفهم إلى النار، عياذًا بالله. قوله: «أنا فرطكم على الحوض» فرط القوم: سابقهم إلى مورد الماء. وهذا يدل على كمال عنايته ﷺ بأمته، كما وصفه ربه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، حتى إنَّه يسبق أمته إلى حوضه ليهيئه لهم. قوله: «وليُرفعنَّ إليَّ رجال من أمتي حتى إذا أهويت لأناولهم» الهوي باليد: إمالتها بسرعة وخفة. قوله: «اختُلِجوا دوني» أي: نزعوا وجذبوا بغير إرادتهم. قال العيني ﵀: (اختلجوا على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: سلبوا من عِنْدِي. يُقَال: خلجه واختلجه إِذا جذبه وانتزعه. قَوْله: مَا أَحْدَثُوا أَي: من الْأُمُور الَّتِي لَا يرى الله بهَا، وَجَمِيع أهل الْبدع وَالظُّلم والجور داخلون فِي معنى هَذَا الحَدِيث) (١) قوله: «فأقول: أي رب أصحابي» وفي لفظ «أصيحابي» (٢) مما يشعر بالقلة. قوله: «فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» فسبب ذودهم عن حوضه ﷺ هو الإحداث والبدعة. قيل: إنَّ هذا في حق قوم ارتدوا عن الإسلام بعد وفاته ﷺ . قال ابن حجر ﵀: (وَحَاصِلُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ حَالُ

стр. 97

الْمَذْكُورِينَ أَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا مِمَّنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَلَا إِشْكَالَ فِي تَبَرِّي النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ وَإِبْعَادِهِمْ وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لَمْ يَرْتَدَّ لَكِنْ أَحْدَثَ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً مِنْ أَعْمَالِ الْبَدَنِ أَوْ بِدْعَةً مِنَ اعْتِقَادِ الْقَلْبِ فَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ وَلَمْ يَشْفَعْ لَهُمُ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ حَتَّى يُعَاقِبَهُمْ عَلَى جِنَايَتِهِمْ وَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ شَفَاعَتِهِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ فَيَخْرُجُونَ عِنْدَ إِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ) (١) قوله: «أرأيتم لو أنَّ رجلاً له خيل غرٌّ محجلة بين ظهراني خيل دهم بُهْم ألا يعرف خيله» قال النووي ﵀: (قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْغُرَّةُ بَيَاضٌ فِي جَبْهَةِ الْفَرَسِ وَالتَّحْجِيلُ بَيَاضٌ فِي يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا … الدُّهْمُ فَجَمْعُ أَدْهَمَ وَهُوَ الْأَسْوَدُ وَالدُّهْمَةُ السَّوَادُ وَأَمَّا الْبُهْمُ فَقِيلَ السُّودُ أَيْضًا وَقِيلَ الْبُهْمُ الَّذِي لَا يُخَالِطُ لَوْنَهُ لَوْنًا سِوَاهُ سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ أَوْ أَحْمَرَ بَلْ يَكُونُ لَوْنُهُ خَالِصًا) (٢) قوله: «وأنا فرطهم على الحوض» أي سابقهم، فَرَطُ الْقَوْمُ من يتَقَدَّمَهُمْ لِيَرْتَادَ لهم الماء ويهيء لَهُمُ الدِّلَاءَ، وَالرِّشَا، وآنية الشرب. قوله: «ألا ليذادنّ رجال يوم القيامة عن حوضي، كما يذاد البعير الضال» ذاد: نحَّى، وطرد. قوله: «فأقول: سحقاً سحقاً» أي: بعدًا بعدًا. دعاء عليهم لابتعادهم عن السنة بالإحداث. قوله: «إنَّهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى» القهقرى: الرجوع إلى الخلف. وهذا دليل على أنهم المرتدون بعد وفاته، الذين قاتلهم الصديق ﵁. قوله: «فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم» قال ابن الأثير: (الهمل: ضوال الإبل، واحدها: هامل. أي إن الناجي منهم قليل في قلة

стр. 98

النعم الضالة) (١) فوائد الأحاديث: ١ - خطورة البدعة والإحداث، وشؤمها على صاحبها في الآخرة. ٢ - إثبات المعاد، الحوض الشريف لنبينا ﷺ . ٣ - كمال شفقته ﷺ على أمته. ٤ - كونه ﷺ لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه ربه، والرد على أهل الغلو. ٥= فضل الأخوة الإيمانية. ٦ - فضيلة الوضوء. ٧ - الاقتداء بالنبيين السابقين، كما أمر الله تعالى بعد ذكر جملة منهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] ٨ - تسمية عيسى ﵇ بالعبد الصالح. ٩ - إعذار النبي ﷺ لربه. ١٠ - إثبات اسمي الله (الرقيب) و (الشهيد). قال المصنف ﵀: ولهما: عنه ﵁ مرفوعاً: «ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تُنْتَجُ البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها» ثم قرأ أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] متفق عليه (٢).

стр. 99

الشرح: هذا الحديث تفسير للآية المترجم بها للباب. وقد تقدم بيان معنى الفطرة، واختلاف الناس فيها. قال النووي ﵀: (مَعْنَاهُ كَمَا تَلِدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً "جَمْعَاءُ": بِالْمَدِّ أَيْ مُجْتَمِعَةُ الْأَعْضَاءِ، سَلِيمَةٌ مِنْ نَقْصٍ، لَا تُوجَدُ فِيهَا "جَدْعَاءُ" بِالْمَدِّ، وَهِيَ مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ، أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْضَاءِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْبَهِيمَةَ تَلِدُ الْبَهِيمَةَ كَامِلَةَ الْأَعْضَاءِ، لَا نَقْصَ فِيهَا وَإِنَّمَا يَحْدُثُ فِيهَا الْجَدْعُ وَالنَّقْصُ بَعْدَ وِلَادَتِهَا) (١) وقال ابن القيم ﵀: (والله سبحانه قد أنعم على عباده، من جملة إحسانه ونعمه، بأمرين هما أصل السعادة: أحدهما: أن خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة، فكل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، وشبه ذلك بخروج البهيمة صحيحة، سالمة، حتى يجدعها صاحبها. وثبت عنه أنه قال: "يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا". فإذا تركت النفس وفطرتها، لم تؤْثر على محبة باريها وفاطرها وعبادته وحده شيئًا، ولم تشرك به، ولم تجحد كماله وربوبيته، وكان أحب شيء إليها، وأطوع شيء لها، وآثر شيء عندها، ولكن يفسدها من يقترن بها من شياطين الجن والإنس بتزيينه، وإغوائه، حتى ينغمس موجبها وحكمها) (٢)، وذكر الثاني. فوائد الحديث: ١ - أن الفطرة هي الدين القيم، وهو الإسلام. ٢ - أن جميع الخلق مولود على الفطرة الأصلية. ٣ - أن الانحراف عن الفطرة حادث بفعل خارجي.

стр. 100

٤ - أن التهود، والتنصر، والتمجس ميل عن الفطرة. ٥ - التعليم بضرب المثال. ٦ - الاستشهاد بما يوافق المعنى. قال المصنف ﵀: وعن حذيفة ﵁ أنَّه قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وأنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنَّا كنَّا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم» فقلتُ: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن» قلتُ: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» قلتُ: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، فتنة عمياء، ودعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلتُ: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: «قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا» قلتُ: يا رسول الله ما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» قلتُ: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك» (١)، أخرجاه. وزاد مسلم: ثم ماذا؟ قال: «ثم يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره، وحُطَّ وزره، ومن وقع في نهره، وجب وزره، وحُطَّ أجره» قلتُ: ثم ماذا؟ قال: «هي قيام الساعة» (٢).

стр. 101

الشرح: حديث حذيفة في الفتن، حديث عظيم تُفرَد له مجالس، وتصنف فيه شروح. وقد كان حذيفة بن اليمان ﵁ معنياً بأمر الفتن، والسؤال عنها، وكان النبي ﷺ يمدُّ له في الجواب لما علم من حرصه على هذا الباب، ومن أتم أحاديث الفتن هذا الحديث. قوله: «وفيه دخن» الدخن هو ما يعتري الشيء ويغشاه من الكدورة، بمنزلة الدخان من النار. قوله: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» هذا محل الشاهد من الحديث، وهم أهل الأهواء والبدع المخلطين. ونقل الحافظ ابت حجر عن القاضي عياض قوله: (الْمُرَادُ بِالشَّرِّ الْأَوَّلُ: الْفِتَنُ الَّتِي وَقَعَتْ بَعْدَ عُثْمَانَ. وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِ الَّذِي بَعْدَهُ: مَا وَقَعَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ: الْأُمَرَاءُ بَعْدَهُ فَكَانَ فِيهِمْ؛ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالسُّنَّةِ وَالْعَدْلِ، وَفِيهِمْ مَنْ يَدْعُو إِلَى الْبِدْعَةِ، وَيَعْمَلُ بِالْجَوْرِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرِّ الْأَوَّلِ: مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْفِتَنِ الْأُولَى، وَبِالْخَيْرِ مَا وَقَعَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ مَعَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَبِالدَّخَنِ: مَا كَانَ فِي زَمَنِهِمَا مِنْ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ؛ كَزِيَادٍ بِالْعِرَاقِ، وَخِلَافِ مَنْ خَالَفَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَبِالدُّعَاةِ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ: مَنْ قَامَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ. وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ الْزَمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ يَعْنِي وَلَوْ جَارَ) (١). وعبارة النبي ﷺ وصف دقيق يتناول كل من حاد عن السنة، ورغب عن الهدي النبوي، فيدخل في ذلك المتكلمون، الذين اعتمدوا المنطق اليوناني في تقرير العقائد، واعتمدوا مقدمات عقلية مشوبة، فأصابوا، وأخطأوا، وتركوا طريقة السلف في الاعتصام بالكتاب والسنة.

стр. 102

قوله: «دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها» فهذا ينطبق على الفرق الباطنية، التي عبثت بالنصوص، وزعمت أنَّ لها ظهراً وبطناً، وصاروا يؤولونها تأويلاً متعسفاً، فهؤلاء زنادقة كفار ولا ريب. قوله: «قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا» أي: من قومنا، وأهل لساننا، وينتسبون لملتنا. قوله: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» النصوص في لزوم الجماعة، كثيرة، منها حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ» (١) قوله:: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك» قال الحافظ ابن حجر -رحمه الل-: (وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَطَاعَةِ سَلَاطِينِهِمْ وَلَوْ عَصَوْا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ الْمَعْنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ فَعَلَيْكَ بِالْعُزْلَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى تَحَمُّلِ شِدَّةِ الزَّمَانِ وَعَضُّ أَصْلِ الشَّجَرَةِ كِنَايَةٌ عَنْ مُكَابَدَةِ الْمَشَقَّةِ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ يَعَضُّ الْحِجَارَةَ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ أَوِ الْمُرَادُ اللُّزُومُ كَقَوْلِهِ فِي الحَدِيث الآخر: "عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ "فَإِنْ مِتَّ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جذل خير لَك من أَنْ تتبع أحدا مِنْهُم") (٢). وقال ابن رجب ﵀: (وقد اعتزل جماعة من أصحابه في الفتن في البوادي. وقال الإمام أحمد: إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء، فأما إذا لم يكن فتنة فالأمصار خير. فأما سكنى البوادي على وجه العبادة وطلب السياحة والعزلة فمنهي عنه) (٣)

стр. 103

قوله: «ثم يخرج الدجال معه نهر ونار» أي: شيء يغري ويخوف. وجاء أن معه جبال من خبز ولحم، ونهر من ماء (١)، وإغراءات كثيرة، ذكرها النبي ﷺ في أحاديث عدة، ولذلك أمرنا بالاستعاذة من فتنته في كل صلاة. قوله: فمن وقع في ناره وجب أجره، وحُطَّ وزره، ومن وقع في نهره، وجب وزره، وحُطَّ أجره» لأنَّه يُخيَّل إليه أنَّه نار، وهو في الواقع يقع في الجنة، والعكس بالعكس. وهذا يدل على وجوب الاعتصام بخبر المعصوم، وعدم الاغترار بالدجل بأي شكل من الأشكال، إلى أن يؤول الدجل إلى الدجال الأكبر. فوائد الحديث: ١ - حرص حذيفة ﵁ على اتقاء الفتن، والبدع. ٢ - سنة الله الكونية في المداولة بين الخير والشر، والحق والباطل. ٣ - علم من أعلام النبوة. ٤ - أن من الخير ما يكون مشوبًا بشر، من خروج عن السنة، وظهور البدعة. ٥ - ضرورة التمييز بين الخير ودخنه. ٦ - خطر المنافقين المندسين الداعين إلى الفتنة والكفر. ٧ - وجوب لزوم جماعة المسلمين، وطاعة إمامهم بالمعروف، وعدم الخروج عليهم. ٨ - الاعتزال عند عدم الجماعة والإمام، والحذر من الانخراط في الفرق المختلفة. ٩ - إثبات خروج الدجال، والحذر من فتنته، وأنه من علامات الساعة الكبرى. ١٠ - حسن عاقبة الاعتصام بالإسلام، ولزوم السنة.

стр. 104

قال المصنف ﵀: وقال أبو العالية: تعلَّموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنَّه الإسلام، ولا تحرفوا عن الصراط يميناً ولا شمالاً، وعليكم بسنة نبيكم ﷺ ، وإياكم وهذه الأهواء (١) انتهى. الشرح: أبو العالية: رُفيع بن مهران، الرياحي، ثقة، مات سنة تسعين، وقيل بعد ذلك. ﵀. وقد تضمنت وصيته عدة أمور: أولًا: الأمر بتعلم الإسلام: عقيدة، وشريعة، وخلقًا، وسلوكًا. والنصوص في الحث على العلم شهيرة. ثانيًا: الثبات عليه: وعدم الزهد به، كما يقع لبعض طلبة العلم؛ يكون في مبدأ أمره مقبلاً على الطلب، والتفقه في الدين، ثم يستهويه شيء من العلوم الأخرى، فيزهد بعلوم الشريعة، ويشتغل بعلوم مفضولة، أو ينصرف عن العلم جملةً وتفصيلًا. ثالثًا: لزوم الصراط المستقيم: وهو أصل الملة والتوحيد والإيمان، كما ندهوه تعالى في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] رابعًا: الحذر من الانحراف عنه: كما قال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. خامسًا: لزوم السنة: كما قال ﷺ : «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (٢) سادسًا: الحذر من الأهواء: وهي المقالات البدعية التي تستهوي من

стр. 105

سبق له من الله السوء. فلا تغتر بها، وعليك بالأمر الأول، وهو الدين العتيق، الذي جاء به الكتاب والسنة، وفهمه السلف الصالح، وما كان سوى ذلك فلا تلتف إليه. قال المصنف ﵀: تأمل كلام أبي العالية -رحمه الله تعالى- هذا، ما أجله! واعرف زمانه الذي يحذِّر فيه من الأهواء التي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام، وتفسير الإسلام بالسنة، وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، يتبين لك معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وأشباه هذه الأصول الكبار التي هي أصل الأصول، والناس عنها في غفلة، وبمعرفته يتبين معاني الأحاديث في هذا الباب وأمثالها. وأما الإنسان الذي يقرؤها، وأشباهها، وهو آمن مطمئن أنَّها لا تناله، ويظنها في قوم كانوا، فبانوا، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]. الشرح: نبِّه المصنف ﵀ على ما تضمنه كلام أبي العالية ﵀ من وصايا وعظات للرعيل الأول من التابعين، فكيف بمن بعدهم! ولفت النظر إلى مسألة مهمة؛ وهي أنَّ من الناس من لا يكترث بأمر التوحيد، ولا يخاف من الشرك،

стр. 106

ويظنَّ أنَّه قد نجا وجاز القنطرة، وأنَّه قد حقق التوحيد، وسلم من الشرك، مع أنَّ إبراهيم ﵇ وهو إمام الموحدين في الأولين، يقول داعياً ربه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]، فمن يأمن الشرك بعد إبراهيم؟ قال المصنف ﵀: وعن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطّاً، ثم قال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هذه سُبل، على كلِّ سبيل منها شيطان، يدعو إليه»، وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (١)، رواه أحمد، والنسائي. الشرح: كان ﷺ يجتهد في البيان، حتى إنَّه يخط الرسوم التوضيحية، لتقريب العلم، ويستشهد بالآيات الدالة على المعنى. فنسأل الله أن يلزمنا سبيله، وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها، وما بطن. فوائد الحديث: ١ - حرص النبي ﷺ على البيان، واستعمال الوسائل التوضيحية. ٢ - أن دين الإسلام هو الصراط المستقيم، الموافق للعقل والفطرة. ٣ - الحذر من استزلال الشياطين بسلوك السبل المعوجة.

стр. 107

باب (١٢) ما جاء في غربة الإسلام، وفضل الغرباء قال المصنف ﵀: باب: ما جاء في غربة الإسلام، وفضل الغرباء: وقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] الآية. وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء» (١)، رواه مسلم. ورواه أحمد من حديث ابن مسعود ﵁ وفيه: ومن الغرباء؟ قال: «النزاع من القبائل» (٢). وفي رواية: «الغرباء الذين يصلحون

стр. 108

إذا فسد الناس» (١). ورواه أحمد: من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ وفيه: «فطوبى يومئذٍ للغرباء، إذا فسد الناس» (٢). وللترمذي: من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، أنَّه قال: «فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي» (٣). الشرح: عقد المصنف ﵀ هذا الباب ليشد من أزر المتمسكين بالكتاب والسنة؛ فلا يشعروا بالاستيحاش من قلة السالك. والغربة تشمل: - الغربة الحسية: لقلة العدد، كالسابقين إلى الإسلام في مكة، أو كحال بعض الأقليات المسلمة في بلاد الكفر. - الغربة المعنوية: باستنكار الدين الصحيح، مع كثرة المتسمين به، كالمتمسك بالسنة بين أهل البدع. قوله ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] قال ابن كثير ﵀: "فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض. وَقَوْلُهُ: "إِلا قَلِيلا" أَيْ: قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ هَذَا الضَّرْبِ قَلِيلٌ، لَمْ يَكُونُوا كَثِيرًا، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْجَاهُمُ اللَّهُ عِنْدَ حُلُولِ غِيَره، وَفَجْأَةِ نِقَمه. وَلِهَذَا أَمَرَ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ الشَّرِيفَةَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكِرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُم اللَّهُ بِعِقَابٍ" (٤)، فهذه الآية تفيد أنَّ الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، على مر القرون قلة، وأنَّ هذه القلة هم الناجون في كلِّ جيل وقبيل. وقد ذكر الله تعالى قصة أصحاب السبت؛ وأنَّ طائفة انتهكت محارم الله، وأنَّ طائفة أنكرت عليهم ونهتهم، وأنَّ طائفة ثالثة سكتت، ثم ذكر الله نجاة

стр. 109

الذين ينهون عن السوء، وذكر هلاك من سواهم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. فصار الهلاك يعم الفاعل والساكت. فعلى المؤمن الناصح لنفسه أن يقوم بما أوجب الله تعالى عليه، من إظهار السنة والأمر بها، والنهي عن البدعة، والتحذير منها. قوله: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء» قد كان الإسلام رجلاً واحداً، هو رسول الله ﷺ ، ثم صار اثنين، ثم ثلاثة، ثم أربعة، حتى أنَّ بعضهم كان يقول: أنا ربع الإسلام، أنا سدس الإسلام، وذلك في أوله، إلى أن بلغ الأمر ما وصف الله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ [النصر: ٢]. وأخبر النبي ﷺ بأنَّ الله زوى له الأرض، فرأى مشارقها ومغاربها، وأخبر أنَّ ملك أمته سيبلغ ما زوي له منها (١)، فزالت الغربة الأولى وانقشعت، كما شرط الله، ووعد، ووفى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. فأخبر من لا ينطق عن الهوى ﷺ أنه سيعود غريباً كما بدأ؛ وأنَّ الدين يأرز بعد ذلك ما بين البلدتين، مكة والمدينة، إلى أن ينحسر، فيرسل الله الريح الطيبة، فتقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى على وجه الأرض مؤمن، وتقوم الساعة على قوم لا يقولون: الله الله، كما في الحديث: «ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» (٢). قوله: «النزَّاع من القبائل» نقل القاضي عياض عن الهروي قوله: (أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله، وسمى الغريب نازعاً ونزيعاً

стр. 110

لأنه نزع عن أهله وعشيرته وبَعُدَ عن ذلك) (١). وهؤلاء أصحاب محمد ﷺ ، فقد ساق الله تعالى إليه أبا بكر القرشي، وأبا ذر الغفاري، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وأمثالهم، وهم صفوة الخلق في ذلك الوقت؛ ليكونوا وزراءه، وأعوانه، فكانوا في بادئ الأمر قلّة غرباء. قوله: «الذين يصلحون إذا فسد الناس» أي أنهم باقون على الصلاح في عقائدهم، وأعمالهم. قوله: «فطوبى يومئذٍ للغرباء، إذا فسد الناس» قال ابن الأثير: (طوبى: اسم الجنة، وقيل هي شجرة فيها. وأصلها "فعلى" من الطيب، فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واوًا) (٢) قوله: «طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي» أي أن صلاحهم ليس قاصرًا على أنفسهم، بل هم صالحون في ذواتهم، مصلحون لغيرهم، فهم يحيون السنة الصحيحة، ويردون البدعة الحادثة. فلا يُعدُّ صالحاً من لا يتمعَّر وجهه غضباً لحرمات الله، ولا يُعدُّ صالحاً من يرى حرمات الله تُنتهك ثم لا يحرك ساكناً، بل لا بدَّ أن يسعى في تغيير المنكر حسب المراتب الشرعية، كما في حديث أبي سعيد قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (٣). وهذه المراتب إنَّما تأتي بعد البيان، والدعوة؛ فإنَّه لا يكون منكراً في حقه وهو جاهل، كما أنَّ الذي يدعو إلى الله ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يحتاج إلى ثلاثة شروط: شرط قبله، وشرط معه، وشرط بعده، فالشرط الذي قبله: العلم، والذي معه: الرفق، والذي بعده: الصبر، وإلا أفسد أكثر مما أصلح.
следующие страницы →