← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30031

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي

القرطبي

Полный текст (774 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين مقدّمة المحقق الحمد لله الذي أيقظ من شاء من سنة الغفلة، ورفع من أحبّ لقاءه إلى عليّين، ووضع عنه أوزاره وثقله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادة عليها من رداء الإخلاص حلّة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ المبعوث بأشرف ملّة، المخصوص بأكرم خلّة، ﷺ وعلى آله وأصحابه السّادة الأجلّة (١). أما بعد؛ فهذا كتاب «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» للإمام أبي عبد الله القرطبي ﵀ نقدّمه للقراء الكرام في حلّة قشيبة، وعمل - أرجو من الله أن يتقبّله، وأن يلقى القبول عند أهل العلم، وعامة الناس. وتمثّل هذا العمل فيما يلي: ١ - العناية بنص الكتاب وضبطه، وذلك بالرجوع إلى النسخ المطبوعة، ومقارنتها ببعض، والرجوع إلى المصادر والإحالات التي يحيل عليها المصنف. والطبعات التي اعتمدت عليها هي: أولا: طبعة حجازي السقا، ولعلها من أوائل طبعات هذا الكتاب، وهي طبعة رديئة للغاية ففيها تصحيف في الآيات، والأحاديث، وأسماء الرجال، وسقط كثير، إلى غير ذلك مما تراه واضحا خلال المقارنة. ثانيا: طبعة دار البخاري ببريدة سنة ١٤١٧، خرّج أحاديثها؛ محمود بن منصور البسطويسي، وهي عين الطبعة التي سبقتها تماما، غير أنها اختلفت عنها بتخريج الأحاديث وبيان صحّتها من ضعفها، والتعليقات على بعض المسائل العقدية. _________ (١) من مقدمة السيوطي ل «شرح الصدور».

стр. 2

ثالثا: طبعة دار ابن كثير - بدمشق - بتحقيق: يوسف بديوي، وهي طبعة جيدة، اعتمد فيها محققها على ثلاث نسخ خطية، غير أنها شابها بعض السقط، وبعض الأخطاء المطبعية، وعدم بيان درجة الأحاديث فيها. ٢ - خرجت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وكذا الآثار الواردة. وطريقتي في تخريج الأحاديث؛ الاقتصار على ذكر من خرّج له المصنف دون توسع، فإن كان الحديث في «الصحيحين» اكتفيت بهذا، وأذكر موضعا واحدا له إذا كان في «صحيح البخاري» ولا أذكر المواضع كلها من الصحيح. أما إذا كان الحديث خارج الصحيحين خرّجته على حسب ذكر المصنف لمخرّجه. فمثلا: قد يقول المصنف: «أخرجه ابن ماجه»، فأقتصر على هذا، مع العلم أن الحديث قد يكون في باقي السنن. ثم أتبع ذلك بذكر درجة الحديث، وأغلبها أحكام محدّث العصر وإمام أهل الحديث؛ العلامة محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -. ٣ - علّقت على بعض المواضع التي زلّ فيها المصنف ﵀ خاصة فيما يتعلق بمسائل الصّفات، فإن المصنف أشعري، وهو مؤوّل للصفات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ٤ - صنعت فهارس علمية للكتاب. ومما يؤخذ على المصنف في هذا الكتاب، تأويله لبعض الصفات، وكثرة الأحاديث الموضوعة والضعيفة التي يذكرها، واعتماده على القصص والحكايات والمنامات. أسأل الله تعالى أن ينفع القارئ بهذا الكتاب، وأن يرحم مصنّفه ويتجاوز عن زلاّته، وأن يكتب لمحقّقه السّداد والتوفيق، وأن يغفر له زلاّته وعثراته، وأن يحسن ختامنا على خير، والحمد لله رب العالمين. كتبه أبو عبد الله العامليّ السلفي الدّاني بن منير آل زهوي في: الجيّة، منطقة جبل لبنان الموافق للرابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة، لعام إحدى وعشرين وأربعمائة وألف

стр. 3

ترجمة موجزة للمصنف اسمه ونسبه: هو: شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي الأندلسي المالكي؛ أبو عبد الله. نشأته: درس الإمام القرطبي العلوم القرآنية والعربية، وتتلمذ في قرطبة على يد علماء في الفقه والحديث والتفسير، وبرع في التفسير وعلا شأنه فيه. أقوال العلماء فيه: قال ابن فرحون: «كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجّه وعبادة وتصنيف». وقال الذهبي: «إمام متقن متبحّر في العلم له تصانيف مفيدة تدل على إمامته وكثرة اطّلاعه ووفور فضله». وقال أيضا: «رحل وكتب وسمع، وكان يقظا فهما، حسن الحفظ، مليح النظم، حسن المذاكرة، ثقة حافظا». وقال ابن العماد: «كان إماما علما، من الغوّاصين على معاني الحديث، حسن التصنيف، جيّد النقل». مصنفاته: للإمام القرطبي مصنفات كثيرة أهمها: ١ - «جامع أحكام القرآن، والمبيّن لما تضمّن من السنة وآي القرآن». وقد طبع الكتاب في مصر، وفي بيروت. ٢ - «التذكار في أفضل الأذكار» وهو مطبوع. ٤ - «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»، وهو مطبوع.

стр. 4

٤ - «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة»، وهو كتابنا هذا. ٥ - «قمع الحرص بالزهد والقناعة وردّ ذل السؤال بالكتب والشفاعة». وغيرها مما لا يزال مخطوطا. وفاته: توفي القرطبي في منية بني الخصيب، من الصعيد الأدنى بمصر، ليلة الاثنين، في التاسع من شوال سنة ستمائة وإحدى وسبعين. مصادر الترجمة: «الديباج المذهب» لابن فرحون (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩) و «شذرات الذهب» لابن العماد (٧/ ٥٨٤، ٥٨٥) - دار ابن كثير - و «نفح الطيب» للمقري (٧/ ٢٢١ - ٢٢٤) و «الوافي بالوفيات» للصفدي (٢/ ١٢٢، ١٢٣) و «طبقات المفسرين» للداودي (٦٥/ ٢، ٦٦) و «كشف الظنون» لحاجي خليفة (١/ ٣٨٣، ٣٩٠) و «إيضاح المكنون» للبغدادي (١/ ٨١ و ٢/ ٢٤١) و «معجم المؤلفين» لكحالة (٣/ ٥٢) - الرسالة - و «الأعلام» للزركلي (٥/ ٣٢٢).

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين على القوم الكافرين يقول العبد الفقير إلى ربه، المتنصل من ذنبه، الراجي رحمة ربه؛ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي ثم القرطبي. غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين أمين. الحمد لله العليّ الأعلى، الوليّ المولى، الذي خلق فأحيا، وحكم على خلقه بالموت والفناء، والبعث إلى دار الجزاء، والفصل والقضاء «لتجزى كلّ نفس بما تسعى». كما قال في كتابه جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى * جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ [طه: ٧٤ - ٧٦]. وبعد: فإني رأيت أن أكتب كتابا وجيزا، يكون تذكرة لنفسي، وعملا صالحا بعد موتي، في ذكر الموت، وأحوال الموتى، وذكر الحشر والنشر، والجنة والنار، والفتن والأشراط، نقلته من كتب الأئمة، وثقات أعلام هذه الأمة، حسب ما رويته أو رأيته. وسترى ذلك منسوبا مبيّنا، إن شاء الله تعالى. وسمّيته: «كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة». وبوّبته بابا بابا، وجعلت عقب كل باب فصلا أو فصولا، أذكر فيه ما يحتاج إليه، من بيان غريب، أو فقه في حديث، أو إيضاح مشكل، لتكمل فائدته، وتعظم منفعته؛ إذ التفقّه في حديث رسول الله ﷺ هو المعنى المقصود، والرأي المحمود، والعمل الموجود في المقام المحمود واليوم المشهود. جعله الله خالصا لوجهه، ومقرّبا من رحمته، بمنّه وكرمه، لا ربّ سواه ولا معبود إلا هو سبحانه. ***

стр. 6

١ - باب النهي عن تمنّي الموت والدعاء به لضرّ نزل في المال والجسد روى مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضرّ نزل به، فإن كان لا بدّ متمنّيا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي» أخرجه البخاري (١). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتمنينّ أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه؛ إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا» (٢). وقال البخاري: «لا يتمنينّ أحدكم الموت؛ إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب» (٣). (البزّار) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تمنّوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد حتى يرزقه الله الإنابة» (٤). فصل قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع

стр. 7

تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدّل حال، وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم المصائب، وقد سمّاه الله تعالى مصيبة، في قوله: ﴿فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. فالموت هو المصيبة العظمى، والرزيّة الكبرى، قال علماؤنا: وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكر فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكّر، وفي خبر يروى عن النبي ﷺ : «لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا» (١). ويروى أن أعرابيّا كان يسير على جمل له، فخرّ الجمل ميتا، فنزل الأعرابي عنه، وجعل يطوف به ويتفكّر فيه ويقول: ما لك لا تقوم؟ ما لك لا تنبعث؟ هذه أعضاؤك كاملة، وجوارحك سالمة! ما شأنك؟ ما الذي كان يحملك؟ ما الذي كان يبعثك؟ ما الذي صرعك؟ ما الذي عن الحركة منعك؟ ثم تركه وانصرف متفكّرا في شأنه، متعجبا من أمره. وأنشدوا في بعض الشجعان مات حتف أنفه: جاءته من قبل المنون إشارة … فهوى صريعا لليدين وللفم ورمى بمحكم درعه وبرمحه … وامتدّ ملقى كالفتيق الأعظم لا يستجيب لصارخ إن يدعه … أبدا ولا يرجى لخطب معظم ذهبت بسالته ومرّ غرامه … لما رأى حبل المنيّة يرتمي يا ويحه من فارس ما باله … ذهبت مروّته ولما يكلم هذي يداه وهذه أعضاؤه … ما منه من عضو غدا بمثلم هيهات ما حبل الردى محتاجة … للمشرفيّ ولا اللسان اللهذم

стр. 8

هي ويحكم أمر الإله وحكمه … والله يقضي بالقضاء المحكم يا حسرتا لو كان يقدر قدرها … ومصيبة عظمت ولمّا تعظم خبر علمنا كلنا بمكانه … وكأننا في حالنا لم نعلم وروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول»: حدثنا قتيبة بن سعيد والخصيب بن سالم، عن عبد العزيز الماجشون، عن محمد بن المنكدر قال: مات ابن لآدم ﵇ فقال: يا حوّاء قد مات ابنك. فقالت: وما الموت؟ قال: لا يأكل ولا يشرب، ولا يقوم ولا يقعد، فرنّت. فقال آدم ﵇: عليك الرنة وعلى بناتك، أنا وبنيّ منها برآء. فصل قوله: «فلعله أن يستعتب». الاستعتاب: طلب العتبى، وهو الرضى، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع عن الذنوب. قال الجوهري: استعتب: طلب أن يعتب، تقول: استعتبته فأعتبني؛ أي: استرضيته فأرضاني (١). وفي التنزيل في حق الكافرين: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصّلت: ٢٤]. وروي عن سهل بن عبد الله التّستري (٢) أنه قال: «لا يتمنى الموت إلا ثلاثة: رجل جاهل بما بعد الموت، ورجل يفرّ من أقدار الله تعالى عليه، أو مشتاق محب للقاء الله ». وروي أن ملك الموت ﵇ جاء إلى إبراهيم ﵇ خليل الرحمن ليقبض روحه، فقال إبراهيم: يا ملك الموت هل رأيت خليلا يقبض روح خليله؟ فعرج ملك الموت ﵇ إلى ربه فقال: قل له: هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله؟ فرجع، فقال: اقبض روحي الساعة.

стр. 9

وقال أبو الدرداء ﵁: ما من مؤمن إلا والموت خير له، فمن لم يصدّقني فإن الله تعالى يقول: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقال حيان بن الأسود: «الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب». *** ٢ - باب جواز تمنّي الموت والدعاء به خوف ذهاب الدين قال الله مخبرا عن يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ الآية [يوسف: ١٠١] وعن مريم ﵍ في قولها: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. (مالك) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم السّاعة حتّى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه» (١). فصل قلت: لا تعارض بين هذه الترجمة والتي قبلها لما نبينه. أما يوسف ﵇؛ فقال قتادة: لم يتمنّ الموت أحد؛ نبي ولا غيره، إلا يوسف ﵇ حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل، اشتاق إلى لقاء ربه فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]، فاشتاق إلى لقاء ربه . وقيل: إن يوسف ﵇ لم يتمن الموت، وإنما تمنى الموافاة على الإسلام. أي: إذا جاء أجلي توفني مسلما. وهذا هو القول المختار في تأويل الآية عند أهل التأويل، والله أعلم (٢). وأما مريم ﵍ فإنما تمنّت الموت لوجهين: أحدهما: أنها خافت أن يظنّ بها السوء في دينها وتعيّر، فيفتنها ذلك. الثاني: لئلاّ يقع قوم بسببها في

стр. 10

البهتان والزور والنسبة إلى الزنا، وذلك مهلك لهم. والله أعلم. وقد قال الله في حقّ من افترى على عائشة ﵂: ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] وقال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وقد اختلف في مريم ﵍؛ هل هي صدّيقة لقوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] أو نبيّة لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧]، وقوله: ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] الآية (١). وعليه فيكون الافتراء عليها أعظم والبهتان في حقها أشد، وفيه يكون الهلاك حقّا. فعلى هذا الحد الذي ذكرناه من التأويلين يكون تمني الموت في حقها جائزا، والله أعلم. وأما الحديث؛ فإنما هو خبر أن ذلك سيكون لشدّة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين، وضعفه وخوف ذهابه، لا لضرّ ينزل بالمرء في جسمه، أو غير ذلك، من ذهاب ماله مما يحط به عنه خطاياه. ومما يوضح هذا المعنى ويبينه قوله ﵇: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بالناس - ويروى أدرت - في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» رواه مالك (٢).

стр. 11

ومثل هذا قول عمر ﵁: «اللهم قد ضعفت قوتي، وكبرت سنّي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مقصّر» فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض ﵀، رواه مالك أيضا (١). وذكر أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد» و «الاستذكار» من حديث زاذان أبي عمر، عن عليم الكندي قال: كنت جالسا مع أبي العباس الغفاري (٢) على سطح، فرأى ناسا يتحملون من الطاعون، فقال: يا طاعون خذني إليك (يقولها ثلاثا)، فقال عليم: لم تقول هذا؟! ألم يقل رسول الله ﷺ : «لا يتمنينّ أحدكم الموت فإنه عند ذلك انقطاع عمله ولا يرد فيستعتب». فقال عبس: أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بادروا بالموت ستّا: إمرة السفهاء، وكثرة الشّرط، وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشئا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل ليغنّيهم بالقرآن وإن كان أقلّهم فقها» (٣). وسيأتي لهذا مزيد بيان في الفتن - إن شاء الله تعالى.

стр. 12

٣ - باب ذكر الموت وفضله والاستعداد له (النسائي) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثروا ذكر هاذم اللّذات»، يعني الموت. وأخرجه ابن ماجه والترمذي أيضا (١). وخرّجه أبو نعيم الحافظ بإسناده من حديث مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد بن المسيب، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» قلنا يا رسول الله: وما هاذم اللذات؟ قال: «الموت» (٢). (ابن ماجه) عن ابن عمر أنه قال: كنت جالسا مع رسول الله ﷺ فجاء رجل من الأنصار فسلّم على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أيّ المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقا». قال: فأيّ المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس» أخرجه مالك أيضا (٣). وسيأتي في الفتن، إن شاء الله تعالى. (الترمذي) عن شدّاد بن أوس قال: قال النبيّ ﷺ : «الكيّس من دان نفسه،

стр. 13

وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله» (١). وروي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثروا ذكر الموت، فإنه يمحّص الذنوب، ويزهد في الدنيا» (٢). وروي عنه ﵇ أنه قال: «كفى بالموت واعظا وكفى بالموت مفرقا» (٣). وقيل له: يا رسول الله! هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال: «نعم؛ من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة» (٤). وقال السّدّيّ في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢] أي أكثركم للموت ذكرا، وله أحسن استعدادا، ومنه أشد خوفا وحذرا (٥). فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: قوله ﵇: «أكثروا ذكر هاذم اللذات؛ الموت» كلام مختصر وجيز، قد جمع التذكرة، وأبلغ في الموعظة، فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره؛ نغّص عليه لذّته الحاضرة، ومنعه من تمنّيها في المستقبل،

стр. 14

وزهّده فيما كان منها يؤمل، ولكن النفوس الراكدة، والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعّاظ، وتزويق الألفاظ، وإلا ففي قوله ﵊: «أكثروا ذكر هاذم اللذات» مع قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ما يكفي السامع له، ويشغل الناظر فيه. وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كثيرا ما يتمثّل بهذه الأبيات: لا شيء مما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويؤدي المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه … والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له … والإنس والجن فيما بينها ترد أين الملوك التي كانت لعزّتها … من كلّ أوب إليها وافد يفد؟ حوض هنالك مورود بلا كذب … لا بدّ من ورده يوما كما وردوا فصل إذا ثبت ما ذكرناه؛ فاعلم أن ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجّه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية؛ ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق وسعة، ونعمة ومحنة، فإن كان في حال ضيق ومحنة، فذكر الموت يسهل عليه بعض ما هو فيه، فإنه لا يدوم، والموت أصعب منه، أو في حال نعمة وسعة فذكر الموت يمنعه من الاغترار بها، والسكون إليها، لقطعه عنها. ولقد أحسن من قال: اذكر الموت هاذم اللذات … وتجهّز لمصرع سوف يأتي وقال غيره: واذكر الموت تجد راحة … في ادكار الموت تقصير الأمل وأجمعت الأمة على أن الموت ليس له سن معلومة، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم. وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك، مستعدّا لذلك. وكان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة: الرحيل، الرحيل. فلما توفّي فقد صوته أمير المدينة فسأل عنه، فقيل: إنه قد مات، فقال: ما زال يلهج بالرحيل وذكره … حتى أناخ ببابه الجمّال فأصابه متيقظا متشمرا … ذا أهبة لم تلهه الآمال وكان يزيد الرّقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد، من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضّى عنك ربك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ من الموت موعده، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع

стр. 15

الأكبر، كيف يكون حاله؟ ثم يبكي حتى يسقط مغشيّا عليه (١). وقال التيمي (٢): شيئان قطعا عني لذة الدنيا؛ ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله تعالى. وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يجمع العلماء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة. وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أياما، فإن سئل عن شيء قال: لا أدري لا أدري. وقال: أسباط: ذكر عند النبيّ ﷺ رجل، فأثني عليه، فقال ﵇: «كيف ذكره للموت؟» فلم يذكر ذلك عنه. فقال: «ما هو كما تقولون» (٣). وقال الدقاق: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة. ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة. فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله، كفى بالموت مقرحا للقلوب، ومبكيا للعيون، ومفرقا للجماعات، وهادما للّذات، وقاطعا للأمنيات، فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك، وإذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر، وغطوك من بعد لين لحافك بتراب ومدر، فيا جامع المال، والمجتهد في البنيان؛ ليس لك والله من مال إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟ فهل أنقذك من الأهوال؟ كلا بل تركته إلى من لا يحمدك، وقدمت بأوزارك على من لا يعذرك. ولقد أحسن من قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾؛ أن النصيب: الكفن فهو وعظ متصل بما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧] أي: اطلب فيما

стр. 16

أعطاك الله من الدنيا، الدار الآخرة وهي الجنة؛ فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في الطين والماء والتجبر والبغي (١)، فكأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن، ونحو هذا قول الشاعر: نصيبك مما تجمع الدهر كلّه … رداءان تلوى فيهما وحنوط وقال آخر: هي القناعة لا تبغي بها بدلا … فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها … هل راح منها بغير القطن والكفن؟ (٢) فصل وقوله ﵊: «الكيّس من دان نفسه» دان: حاسب. وقيل: ذل. قال أبو عبيد: دان نفسه: أي أذلها واستعبدها (٣). يقال: دنته أدينه، إذا ذللته فيذل نفسه في عبادة الله عملا يعده لما بعد الموت، ولقاء الله تعالى، وكذلك يحاسب نفسه على ما فرّط من عمره، ويستعد لعاقبة أمره، بصالح عمله، والتنصل من سالف زلله، وذكر الله تعالى وطاعته في جميع أحواله، فهذا هو الزاد ليوم المعاد. والعاجز ضد الكيّس، والكيس: العاقل، والعاجز: المقصّر في الأمور، فهو مع تقصيره في طاعة ربه، واتباع شهوات نفسه، متمنّ على الله أن يغفر له. وهذا هو الاغترار، فإن الله تعالى أمره ونهاه. وقال الحسن البصري: إن قوما ألهتهم الأماني، حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي! وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قوله تعالى: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]. وقال سعيد بن جبير: «الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة». وقال بقية بن الوليد: كتب أبو عمير الصوري إلى بعض إخوانه: «أما بعد فإنك قد أصبحت تؤمل الدنيا بطول عمرك، وتتمنى على الله الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديدا باردا، والسلام». وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة، إن شاء الله تعالى.

стр. 17

٤ - باب ما يذكّر الموت والآخرة ويزهّد في الدنيا (مسلم) عن أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» (١). (ابن ماجه) عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة» (٢). فصل زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء (٣)؛ أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك، وجائز ذلك لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال، ولا يختلف في هذا، إن شاء الله تعالى. وعلى هذا المعنى يكون قوله ﵊: «زوروا القبور» عامّا. وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة، من اجتماع الرجال والنساء، فلا يجوز ولا يحل، فبينا الرجل يخرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس؛ فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا ليس مأجورا وهذا واضح. والله أعلم. وقد رأى بعض أهل العلم، أن لعن النبي ﷺ زوّارات القبور، كان قبل أن يرخص في زيارة القبور، فلما رخص؛ دخل في رخصته الرجال والنساء. وما ذكرناه لك أولا أصح - والله أعلم. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁؛ أنه خرج إلى المقبرة فلما أشرف عليها قال: «يا أهل القبور أخبرونا عنكم، أو نخبركم، أما خبر من قبلنا فالمال قد اقتسم، والنساء قد تزوّجن، والمساكن قد سكنها قوم غيركم، ثم قال: أما والله لو استطاعوا لقالوا: لم نر زادا خيرا من التقوى».

стр. 18

ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول: يا عجبا للناس لو فكّروا … أو حاسبوا أنفسهم أبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها … فإنما الدنيا لهم معبر لا فخر إلاّ فخر أهل التّقى … غدا إذا ضمهم المحشر ليعلمنّ الناس أن التّقى … والبرّ كانا خير ما يدّخر عجبت للإنسان في فخره … وهو غدا في قبره يقبر ما بال من أوّله نطفة … وجيفة آخره يفجر أصبح لا يملك تقديم ما … يرجو ولا تأخير ما يحذّر وأصبح الأمر إلى غيره … في كلّ ما يقضى وما يقدر فصل قال العلماء رحمة الله عليهم: ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور، وخاصة إن كانت قاسية، فعلى أصحابها أن يعالجوها بأربعة أمور: أحدها: الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ والتذكير، والتخويف والترغيب، وأخبار الصالحين، فإن ذلك مما يلين القلوب وينجع فيها. الثاني: ذكر الموت، فيكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرّق الجماعات، وميتّم البنين والبنات، كما تقدم في الباب قبل. يروى أن امرأة شكت إلى عائشة ﵂ قساوة قلبها، فقالت لها: «أكثري من ذكر الموت يرقّ قلبك» ففعلت ذلك فرقّ قلبها. فجاءت تشكر عائشة ﵂. قال العلماء: تذكّر الموت يردع عن المعاصي، ويليّن القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهوّن المصائب فيها. الثالث: مشاهدة المحتضرين، فإن في النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته، وتأمل صورته بعد مماته، ما يقطع عن النفوس لذّاتها، ويطرد عن القلوب مسرّاتها، ويمنع الأجفان من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعث على العمل، ويزيد في الاجتهاد والتعب. يروى أن الحسن البصري دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه، وشدّة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله، فقال: يا أهلاه عليكم بطعامكم وشرابكم، فو الله لقد رأيت مصرعا لا أزال أعمل له حتى ألقاه.

стр. 19

فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وإغوائه، فإن انتفع بها فذاك، وإن عظم عليه ران القلب، واستحكمت فيه دواعي الذنب، فزيارة قبور الموتى تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول، والثاني، والثالث. ولذلك قال ﵇: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت والآخرة، وتزهد في الدنيا»، فالأول: سماع بالأذن، والثاني: إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير في مشاهدة من احتضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة، فلذلك كانا أبلغ من الأول والثاني. قال ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة» (١) رواه ابن عباس ولم يروه أحد غيره. إلاّ أن الاعتبار بحال المحتضرين غير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات. وأما زيارة القبور؛ فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر، فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها الطواف على الأجداث فقط، فإن هذه حالة تشاركه فيها بهيمة، ونعوذ بالله من ذلك. بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفع الميت مما يتلوه عنده من القرآن (٢)، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ويجتنب المشي على المقابر، والجلوس عليها إذا دخل المقابر، ويخلع نعليه، - كما جاء في أحاديث - ويسلّم إذا دخل المقابر، ويخاطبهم خطاب الحاضرين، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» كذلك كان ﵊ يقول (٣)، وكنّى بالدار عن عمارها وسكّانها، ولذلك خاطبهم بالكاف والميم، لأن العرب تعبّر بالمنزل عن أهله. وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلّم عليه أيضا فيقول: عليك السلام. روى الترمذي في «جامعه»: أن رجلا دخل على النبيّ ﷺ ، فقال: عليك السلام، فقال ﷺ : «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت» (٤). وليأته

стр. 20

من تلقاء وجهه في زيارته كمخاطبته حيّا، ولو خاطبه حيّا لكان الأدب استقباله بوجهه، فكذلك هاهنا. ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر، فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه، وهول لم يرتقبه، فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانه، الذين بلغوا الآمال وجمعوا الأموال، كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمّل بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريقهم وبلادهم. وليتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمؤاتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب، وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع والهلاك السريع كغفلتهم، وأنه لا بدّ صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه، وكان يتلذذ بالنظر إلى ما حوله وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه، وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمؤاتاة دهره وقد أبل التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، ومآله كمآله. وعند هذا التذكّر والاعتبار، يزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمال الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، وتخشع جوارحه، والله أعلم. فصل جاء في هذا الباب حديث يعارض حديث هذا الباب؛ وهو ما خرّجه أبو بكر أحمد بن علي الخطيب في كتاب «السابق واللاحق» وأبو حفص عمر بن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» له في الحديث بإسناديهما عن عائشة ﵂ قالت: حج بنا رسول الله ﷺ حجّة الوداع فمر بي على عقبة الحجون، وهو باك حزين مغتمّ، فبكيت لبكائه ﷺ ، ثم إنه طفر - أي وثب - فنزل فقال: «يا حميراء استمسكي» فاستندت إلى جنب البعير، فمكث عني طويلا مليا، ثم إنه عاد إليّ، وهو فرح متبسم، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله؛ نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتمّ، فبكيت لبكائك يا رسول الله، ثم إنك عدت إليّ وأنت فرح متبسم، فعن ماذا يا رسول الله؟ فقال: «مررت بقبر أمي آمنة، فسألت الله ربي أن يحييها فأحياها فآمنت بي - أو قال - فآمنت وردّها الله عزّ

стр. 21

وجلّ» (١) لفظ الخطيب. وقد ذكر السّهيلي في «الرّوض الأنف» (٢) بإسناد فيه مجهولون: «أن الله تعالى أحيا له أباه وأمّه وآمنا به». قال الشيخ المؤلف ﵀: ولا تعارض والحمد لله؛ لأن إحياءهما متأخر عن النهي بالاستغفار لهما، بدليل حديث عائشة ﵂، أن ذلك كان في حجة الوداع، وكذلك جعله ابن شاهين ناسخا لما ذكر من الأخبار (٣). قلت: ويبيّنه حديث مسلم، عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: «في النار» فلما قفا دعاه قال: «إن أبي وأباك في النار» (٤). وحديث سلمة بن يزيد الجعفي وفيه: فلما رأى ما دخل علينا قال: «وأمي مع أمّكما» (٥). هذا إن صح إحياؤهما. وقد سمعت أن الله تعالى أحيا له عمه أبا طالب وآمن به (٦)، والله أعلم.

стр. 22

وقد قيل: إن الحديث في إيمان أمه وأبيه موضوع، يردّه القرآن العظيم، والإجماع، قال الله العظيم: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]، وقال عزمن قائل: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فمن مات كافرا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع فكيف بعد الإعادة؟ وفي التفسير أنه ﵇ قال: «ليت شعري ما فعل أبواي»؟ فنزل: ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]. قال المؤلف: ذكره الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية، وفيه نظر؛ وذلك أن فضائل النبي ﷺ وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضّله الله تعالى وأكرمه به. وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا ولا شرعا (١)، فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى ﵇ يحيي الموتى، وكذلك نبينا ﵊ أحيا الله تعالى على يديه جماعة من الموتى (٢). وإذا ثبت هذا؛ فما يمنع من إيمانهما بعد إحيائهما، زيادة في كرامته وفضيلته، مع ما ورد من الخبر في ذلك، ويكون ذلك خصوصا فيمن مات كافرا. وقوله: «فمن مات كافرا» إلى آخر كلامه؛ فمردود بما روي في الخبر: «أن الله تعالى ردّ الشمس على نبيه ﵇ بعد مغيبها» (٣)، ذكره أبو جعفر الطحاوي وقال: إنه حديث ثابت. فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا وأنه لا يتجدّد الوقت لما ردّها عليه، فكذلك يكون إحياء أبوي النبي ﷺ نافعا لإيمانهما وتصديقهما بالنبي ﷺ (٤).

стр. 23

وقد قبل الله إيمان قوم يونس وتوبتهم مع تلبّسهم بالعذاب، فيما ذكر في بعض الأقوال، وهو ظاهر القرآن. وأما الجواب عن الآية؛ فيكون ذلك قبل إيمانهما وكونهما في العذاب، والله بغيبه أعلم وأحكم. *** ٥ - باب منه وما يقال عند دخول المقابر وجواز البكاء عندها (أبو داود) عن بريدة بن خصيب قال: قال رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن في زيارتها تذكرة» (١). وذكر النسائي عن بريدة أيضا، عن النبيّ ﷺ قال: «من أراد أن يزور قبرا فليزره، ولا تقولوا هجرا» (٢)؛ بمعنى سوءا. وذكر أبو عمر من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «ما من رجل يمرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فسلم عليه، إلاّ ردّ عليه¬ السلام» (٣). روي هكذا موقوفا عن أبي هريرة ﵁ قال: «فإن لم يعرفه وسلّم، ردّ عليه¬ السلام». (مسلم) عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! كيف أقول إذا دخلت المقابر؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (٤). خرّجه مسلم من حديث بريدة أيضا، وزاد: «أسأل الله لنا ولكم العافية» (٥). وفي الصحيحين أنه ﵇ مرّ بامرأة تبكي عند قبر لها، فقال لها: «اتّقي الله واصبري» (٦) الحديث. فصل هذه الأحاديث تشتمل على فقه عظيم؛ وهو جواز زيارة القبور للرجال والنساء، والسلام عليها، وردّ الميت السلام على من يسلّم عليه (٧)، وجواز

стр. 24

بكاء النساء عند القبر، ولو كان بكاؤهن وزيارتهن حراما لنهى النبي ﷺ المرأة ولزجرها زجرا يزجر مثله من أتى محرما وارتكب منهيّا. وما روي من نهي النساء عن زيارة القبور فغير صحيح، والصحيح ما ذكرت لك من الإباحة. إلا أن عمل النساء في خروجهن مما لا يجوز لهن من تبرج أو كلام أو غيره فذلك المنهي عنه. وقد ذكرت لك في الباب قبل، الفرق بين المتجالّة والشابة؛ فتأمله. وقد أبيح لك أن تبكي عند قبر ميّتك حزنا عليه أو رحمة له مما بين يده، كما أبيح لك البكاء عند موته، والبكاء عند العرب يكون البكاء المعروف، وتكون النياحة، وقد يكون معهما الصياح وضرب الخدود وشق الجيوب، وهذا محرم بإجماع العلماء، وهو الذي ورد فيه الوعيد من قوله ﵇: «أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق» خرّجه مسلم (١). وأما البكاء من غير نياحة فقد ورد فيه الإباحة عند القبر، وعند الموت، وهو بكاء الرأفة والرحمة التي لا يكاد يخلو منها إنسان. وقد بكى النبيّ ﷺ لما مات ابنه إبراهيم (٢). وقال عمر: «دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة». النقع: ارتفاع الصوت، واللقلقة: تتابع ذلك. وقيل: النقع؛ وضع التراب على الرأس. والله أعلم. *** ٦ - باب المؤمن يموت بعرق الجبين (ابن ماجه) عن بريدة أن النبي ﷺ قال: «المؤمن يموت بعرق الجبين» (٣) خرجه الترمذي وقال فيه: حديث حسن. وروي عن سلمان الفارسي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ارقبوا للميت عند موته ثلاثا؛ إن رشح جبينه، وذرفت عيناه، وانتشر منخراه، فهي رحمة من الله قد نزلت به، وإن غطّ غطيط البكر المخنوق، وخمد لونه، وازبد شدقاه، فهو

стр. 25

عذاب من الله تعالى قد حلّ به» (١). خرّجه أبو عبد الله الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) له. وقال: قال عبد الله: إن المؤمن يبقى عليه خطايا من خطاياه، فيجازف بها عند الموت، أي يجازي، فيعرق لذلك جبينه. وقال بعض العلماء إنما يعرق جبينه حياء من ربه لما اقترف من مخالفته، لأن ما سفل منه قد مات، وإنما بقيت قوى الحياة وحركاتها فيما علا، والحياء في العينين وذلك وقت الحياء، والكافر في عمى عن هذا كله، والموحّد المعذّب في شغل عن هذا بالعذاب الذي قد حلّ به. وإنما العرق الذي يظهر لمن حلّت به الرحمة، فإنه ليس من وليّ ولا صديق ولا برّ، إلا وهو مستحي من ربه، مع البشرى والتحف والكرامات. قلت: وقد تظهر العلامات الثلاث، وقد تظهر واحدة، وتظهر اثنتان، وقد شاهدنا عرق الجبين وحده، وذلك بحسب تفاوت الناس في الأعمال، والله أعلم. وفي حديث ابن مسعود: «موت المؤمن بعرق الجبين تبقى عليه البقية من الذنوب، فيجازف بها عند الموت» أي يشدّد لتمحّص عنه ذنوبه. *** ٧ - باب منه في خروج نفس المؤمن والكافر خرّج أبو نعيم من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إن نفس المؤمن تخرج رشحا، وإن نفس الكافر تسلّ كما تسل نفس الحمار، وإن المؤمن ليعمل الخطيئة فيشدّد عليه عند الموت ليكفّر بها عنه، وإن الكافر ليعمل الحسنة فيسهل عليه عند الموت ليجزى بها» (٢). ***

стр. 26

٨ - باب ما جاء أن للموت سكرات وفي تسليم الأعضاء بعضها على بعض وفيما يصير الإنسان إليه وصف الله شدة الموت في أربع آيات: الأولى: قوله الحق: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. والثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]. الرابعة: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦]. روى البخاري عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات»، ثم نصب يديه، فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى» حتى قبض ومالت يده (١). وخرّج الترمذي عنها قالت: «ما أغبط أحدا بهون موت، بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ » (٢). وفي البخاري عنها قالت: «مات رسول الله ﷺ وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدّة الموت لأحد أبدا بعد النبيّ ﷺ » (٣). الحاقنة: العظمان بين الترقوة والحلق، والذاقنة: نقرة الذقن. وقال الخطابي: الذاقنة: ما تناله الذقن من الصدر. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة في «مسنده» عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «تحدثوا عن بني إسرائيل، فإنه كانت فيهم أعاجيب» ثم أنشأ يحدثنا قال: «خرجت طائفة منهم فأتوا على مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلّينا ركعتين، ودعونا الله يخرج لنا بعض الأموات، يخبرنا عن الموت، قال: ففعلوا. فبينما هم كذلك إذ طلع رجل رأسه بيضاء، أسود اللون خلا شيء، بين عينيه أثر السجود، فقال: يا هؤلاء ما أردتم إليّ؟ لقد متّ منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن، فادعوا الله أن يعيدني كما كنت» (٤).

стр. 27

وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدثنا أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «إن العبد ليعالج كرب الموت وسكرات الموت، وإن مفاصله ليسلّم بعضها على بعض تقول: عليك السلام؛ تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة» (١). وذكر المحاسبي في «الرعاية»: أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇: «يا خليلي كيف وجدت الموت»؟ قال: كسفود محمّى جعل في صوف رطب، ثم جذب. قال: «أما إنّا قد هوّنا عليك يا إبراهيم» (٢). وروي أن موسى ﵇ لما صار روحه إلى الله، قال له ربه: «يا موسى كيف وجدت الموت»؟ قال: «وجدت نفسي كالعصفور الحيّ حين يقلى على المقلى لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير». وروي عنه أنه قال: «وجدت نفسي كشاة تسلخ بيد القصّاب وهي حية». وقال عيسى ابن مريم ﵇: «يا معشر الحواريين ادعوا الله أن يهوّن عليكم هذه السكرة»، يعني سكرات الموت. وروي: أن الموت أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض. وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب «الحلية» من حديث مكحول، عن واثلة بن الأسقع، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسيف» (٣) وسيأتي بكماله إن شاء الله تعالى. وفي الخبر من حديث حميد الطويل عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ : «الملائكة تكتنف العبد، وتحبسه، ولولا ذلك لكان يعدو في الصحاري والبراري من شدّة سكرات الموت». وجاءت الرواية بأن ملك الموت ﵇ إذا تولى الله قبض نفسه بعد موت الخلائق يقول: «وعزتك لو علمت من سكرة الموت ما أعلم ما قبضت نفس مؤمن» ذكره القاضي أبو بكر بن العربي.

стр. 28

وعن شهر بن حوشب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الموت وشدته؟ فقال: «إن أهون الموت بمنزلة حسكة كانت في صوف، فهل تخرج الحسكة من الصوف إلاّ ومعها صوف» (١) قال شهر: ولما حضرت عمرو بن العاص الوفاة، قال له ابنه: يا أبتاه! إنك لتقول لنا: ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت حتى يصف لي ما يجد، وأنت ذلك الرجل فصف لي الموت، فقال: يا بني والله كأن جنبي في تخت، وكأني أتنفّس من سمّ إبرة، وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي. ثم أنشأ يقول: ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في تلال الجبال أرعى الوعولا وعن أبي ميسرة رفعه قال: «لو أن ألم شعرة من الميت وضع على أهل السماء والأرض لماتوا جميعا» (٢) وأنشدوا: أذكر الموت ولا أرهبه … إنّ قلبي لغليظ كالحجر أطلب الدنيا كأني خالد … وورائي الموت يقفو بالأثر وكفى بالموت فاعلم واعظا … لمن الموت عليه قد قدر والمنايا حوله ترصده … ليس ينجي المرء منهنّ المفر وقال آخر: بينا الفتى مرح الخطا فرح بما … يسعى له إذ قيل قد مرض الفتى إذا قيل: مات بليلة ما نامها … إذ قيل: أصبح مثخنا ما يرتجى إذ قيل: أصبح شاخصا وموجها … ومعلّلا إذ قيل: أصبح قد قضى فصل أيها الناس: قد آن للنائم أن يستيقظ من نومه، وحان للغافل أن يتنبه من غفلته، قبل هجوم الموت بمرارة كأسه، وقبل سكون حركاته، وخمود أنفاسه، ورحلته إلى قبره، ومقامه بين أرماسه. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أناس من أصحابه يوصيهم فكان فيما أوصاهم به أن كتب إليهم:

стр. 29

«أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله العظيم، والمراقبة له، واتخذوا التقوى والورع زادا، فإنكم في دار عما قريب تنقلب بأهلها، والله في عرصات القيامة وأهوالها يسألكم عن الفتيل والنقير، فالله الله عباد الله؛ اذكروا الموت الذي لا بدّ منه، واسمعوا قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقوله : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] وقوله : ﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]. فقد بلغني - والله أعلم - أنهم يضربون بسياط من نار، وقال جلّ ذكره: ﴿* قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١]. وقد بلغني - والله أعلم وأحكم - أن ملك الموت رأسه في السماء ورجلاه في الأرض وأن الدنيا كلها في يد ملك الموت كالقصعة بين يدي أحدكم يأكل منها. وقد بلغني - والله أعلم وأحكم - أن ملك الموت ينظر في وجه كل آدمي ثلاثمائة نظرة وستّا وستين نظرة. وبلغني: أن ملك الموت ينظر في كل بيت تحت ظل السماء ستمائة مرة. وبلغني: أن ملك الموت قائم وسط الدنيا، فينظر الدنيا كلها برّها وبحرها وجبالها وهي بين يديه كالبيضة بين رجلي أحدكم! وبلغني: أن لملك الموت أعوانا الله أعلم بهم، ليس منهم ملك إلا لو أذن له أن يلتقم السموات والأرض في لقمة واحدة لفعل. وبلغني: أن ملك الموت تفزع منه الملائكة أشد من فزع أحدكم من السبع. وبلغني: أن حملة العرش إذا قرب ملك الموت من أحدهم ذاب حتى يصير مثل الشعرة من الفزع منه. وبلغني: أن ملك الموت ينتزع روح ابن آدم من تحت عصوه وظفره وعروقه وشعره، ولا تصل الروح من مفصل إلى مفصل، إلا كان أشد عليه من ألف ضربة بالسيف. وبلغني: أنه لو وضع وجع شعرة من الميت على السموات والأرض لأذابها، حتى إذا بلغت الحلقوم ولي القبض ملك الموت. وبلغني أن ملك الموت إذا قبض روح المؤمن جعلها في حريرة بيضاء ومسك أذفر، وإذا قبض روح الكافر جعلها في خرقة سوداء في فخار من نار أشد نتنا من الجيف (١). وفي الخبر: أنه إذا دنت منية المؤمن نزل عليه أربعة من الملائكة؛ ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى، وملك يجذبها من قدمه اليسرى، وملك يجذبها من

стр. 30

يده اليمنى، وملك يجذبها من يده اليسرى، والنفس تنسلّ انسلال القطرة من السقاء، وهم يجذبونها من أطراف البنان ورؤوس الأصابع، والكافر تنسل روحه كالسفود من الصوف المبتل. ذكره أبو حامد في «كشف علوم الآخرة». فمثّل نفسك يا مغرور وقد حلّت بك السكرات، ونزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول: إن فلانا قد أوصى، وماله قد أحصى. ومن قائل يقول: إن فلانا ثقل لسانه، فلا يعرف جيرانه، ولا يكلم إخوانه، فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب، ولا تقدر على رد الجواب، ثم تبكي ابنتك وهي كالأسيرة، وتتضرع وتقول: حبيبي أبي من ليتمي من بعدك؟ ومن لحاجتي؟ وأنت والله تسمع الكلام ولا تقدر على ردّ الجواب. وأنشدوا: وأقبلت الصغرى تمرّغ خدّها … على وجنتي حينا وحينا على صدري وتخمش خدّيها وتبكي بحرقة … تنادي: «أبي إني غلبت على الصبر» حبيبي أبي «من لليتامى تركتهم … كأفراخ زغب في بعيد من الوكر؟» فخيّل لنفسك يا ابن آدم إذا أخذت من فراشك، إلى لوح مغتسلك فغسلك الغاسل، وألبست الأكفان، وأوحش منك الأهل والجيران، وبكت عليك الأصحاب والإخوان، وقال الغاسل: أين زوجة فلان تحالله؟ وأين اليتامى ترككم أبوكم فما ترونه بعد هذا اليوم أبدا، وأنشدوا: ألا أيها المغرور ما لك تلعب … تؤمل آمالا وموتك أقرب وتعلم أن الحرص بحر مبعد … سفينته الدنيا فإياك تعطب وتعلم أن الموت ينقضّ مسرعا … عليك يقينا طعمه ليس يعذب كأنك توصي واليتامى تراهم … وأمّهم الثكلى تنوح وتندب تغصّ بحزن ثم تلطم وجهها … يراها رجال بعد ما هي تحجب وأقبل بالأكفان نحوك قاصد … وحثى عليك الترب والعين تسكب فصل قول عائشة ﵂: «كانت بين يديه ركوة أو علبة»، العلبة: قدح من خشب ضخم يحلب فيه، قاله ابن فارس في «المجمل» (١). وقال الجوهري في

стр. 31

«الصحاح»: العلبة محلب من جلد، والجمع علب وعلاب، والمعلب الذي يتخذها. قال الكميت يصف خيلا: سقينا دماء القوم طورا، وتارة … صبوحا لإقتار الجلود المعلّب (١) وقيل: أسفله جلد، وأعلاه خشب مدوّر مثل إطار الغربال، وهو الدائر به، وقيل: هو عس يحلب فيه. والعس: القدح الضخم. وقال اللغوي أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري في كتاب «التلخيص» له: والعلبة؛ قدح للأعراب مثل العس والعس، يتخذ من جنب جلد البعير والجمع علاب. وقوله: «إن للموت سكرات» أي: شدائد، وسكرة الموت شدّته. فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فإذا كان هذا الأمر قد أصاب الأنبياء والمرسلين (٢)، والأولياء والمتقين، فما لنا عن ذكره مشغولين؟ وعن الاستعداد، له متخلّفين؟ ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [الصافات: ٦٧، ٦٨]. قالوا: وما جرى على الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - من شدائد الموت وسكراته، فله فائدتان: إحداهما: أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت وأنه باطن، وقد يطّلع الإنسان على بعض الموتى، فلا يرى عليه حركة ولا قلقا، ويرى سهولة خروج روحه، فيغلب على ظنه سهولة أمر الموت، ولا يعرف ما الميت فيه، فلما ذكر الأنبياء الصادقون في خبرهم شدة ألمه، مع كرامتهم على الله تعالى، وتهوينه على بعضهم، قطع الخلق بشدة الموت الذي يعانيه ويقاسيه الميت مطلقا، لإخبار الصادقين عنه، ما خلا الشهيد - قتيل الكفار - على ما يأتي ذكره.

стр. 32

الثانية: ربما خطر لبعض الناس أن هؤلاء أحباب الله، وأنبياؤه ورسله، فكيف يقاسون هذه الشدائد العظيمة وهو سبحانه قادر أن يخفف عنهم أجمعين؟ كما قال في قصة إبراهيم: «أما إنا قد هوّنا عليك». فالجواب: «أن أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» كما قال نبينا ﵇، خرّجه البخاري وغيره (١). فأحبّ الله أن يبتليهم تكميلا لفضائلهم لديه، ورفعة لدرجاتهم عنده، وليس ذلك في حقهم نقصا، ولا عذابا. بل هو كما قال كمال رفعة، مع رضاهم بجميل ما يجري الله عليهم، فأراد الحق سبحانه أن يختم لهم بهذه الشدائد، مع إمكان التخفيف والتهوين عليهم، ليرفع منازلهم، ويعظم أجورهم قبل موتهم. كما ابتلي إبراهيم بالنار، وموسى بالخوف والأسفار، وعيسى بالصحاري والقفار، ونبينا محمدا ﷺ بالفقر في الدنيا ومقاتلة الكفار، كل ذلك لرفعة في أحوالهم، وكمال في درجاتهم. ولا يفهم من هذا أن الله شدّد عليهم أكثر مما شدد على العصاة المخطئين فإن ذلك عقوبة لهم، ومؤاخذة على إجرامهم فلا نسبة بينه وبين هذا. فصل إن قال قائل: كل المخلوقات تجد هذه السكرات؟ قيل له: قال بعض العلماء: قد وجب بحكم القول الصدق، والكلمة الحق، أن الكأس مر المذاق، وإن قد ذيق ويذاق، ولكن ثمّ فريقان، وتقديرات وأوزان، وإن الله لما انفرد بالبقاء وحده لا شريك له، وأجرى سنة الهلاك والفناء على الخلق دونه، خالف في ذلك ﷻ بين المخلوقات، وفرّق بين المحسوسات، بحسب ما خالف بين المنازل والدرجات، فنوع أرضي حيواني، إنساني وغير إنساني، وفوقه عالم روحاني، وملأ علواني رضواني، كلّ يشرب من ذلك الكأس جرعته، ويغتص منه غصته. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: وثبت ذلك في ثلاثة مواضع من كتابه، وإنما أراد سبحانه بالموتات الثلاث للعالمين: فالمتحيز إلى العالم الدنيوي يموت، والمتحيز إلى العالم الملكوتي يموت، والمتحيز إلى العالم الجبروتي يموت. فالأول آدم وذريته وجميع الحيوان على ضروبه، والملكوتي وهو الثاني

стр. 33

أصناف الملائكة والجن، وأهل الجبروت هم المصطفون من الملائكة، قال الله تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] فهم كروبيون وحملة العرش وأصحاب سرادقات الجلال، كما وصفهم الله في كتابه وأثنى عليهم، حيث يقول: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠] وهم أهل حضرة القدس المعنيون بقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧]. وهم يموتون على هذه المكانة من الله تعالى والقربة، وليس زلفاهم بمانع لهم من الموت. قال ابن قيس: وكما تفرقت الطرق بهذه العوالم، كذلك تفرّقت طرق الإحساسات في اجتراع الغصص والمرارات، فإحساس روحاني للروحانيات، كما يجده النائم في سنته، أو الغصة الوجيعة تغصه في نومته، فيغص منها في حال رقدته، ويتململ ذلك إلى حين يقظته، حتى إذا استيقظ لم يجده شيئا ووجد الأنس عنده فأزال ألمه، ووافاه أمانه ونعمه، وإحساس علوي قدسي؛ كما يجده الوسنان من الروحانية، وهو ما لا يدركه العقل البشري إلا توهّما، ولا يبلغه التحصيل إلا تخيّلا وتوسّما، وإحساس بشري سفلي إنسي وجني، وهو ما لا يكاد أن توصف شدائده وغصصه، فكيف وقد قالوا بالغصة الواحدة منه كألف ضربة بالسيف، فما عسى أن ينعت ويوصف وهذا الذي لا يمكن أن يعرف؟ والخلق أيضا في هذا الإحساس فرق، يختلفون باختلاف المنازل والطرق، فالفرقة الإسلامية في نفسها لا تجد منه ما تجد غير الإسلامية، ثم الإسلامية نفسها لا تجد منه النبوية كما تجد التبعية. ثم النبوية في ذاتها ومقامات إحساساتها تختلف على حكم الكلمة، وصدق القيل، باختلاف التقديم والتفضيل، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقد نبّهت الخلّة الذاتية عزّت سبحاتها، وتقدّست صفاتها، على خفة ذلك عن إبراهيم وأشارت إلى تهوين الأمر عليه، وتبيين ما خفف عنه، صلوات الله وسلامه عليه، فقال: «أما إنا قد هونا عليكم يا إبراهيم» (١). وما وصفه الحق ﷻ بالهون فلا أهون منه، كما ما كبره وعظمه فلا أكبر ولا أعظم منه، ولا فرق بين أن قال: موتا هينا، وملكا عظيما كبيرا، وقال في نعيم الجنة: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان: ٢٠]، فكما أنه لا أكبر من ملك الجنة، كذلك لا أهون من موت الخلّة، والله أعلم.

стр. 34

فصل إذا ثبت ما ذكرناه؛ فاعلم أن الموت هو الخطب الأفظع، والأمر الأشنع والكأس التي طعمها أكره وأبشع، وأنه الحادث الأهذم للذّات، والأقطع للراحات، والأجلب للكريهات، فإن أمرا يقطع أوصالك، ويفرق أعضاءك، ويهدم أركانك، لهو الأمر العظيم، والخطب الجسيم، وإن يومه لهو اليوم العظيم. (ويحكى) أن الرشيد لما اشتدّ مرضه أحضر طبيبا طوسيّا فارسيّا، وأمر أن يعرض عليه ماؤه - أي بوله - مع مياه كثيرة لمرضى وأصحّاء، فجعل يستعرض القوارير حتى رأى قارورة الرشيد، فقال: قولوا لصاحب هذا الماء يوصي، فإنه قد انحلّت قواه، وتداعت بنيته، ولما استعرض باقي المياه أقيم فذهب، فيئس الرشيد من نفسه (وأنشد): إن الطبيب بطبّه ودوائه … لا يستطيع دفاع نحب قد أتى ما للطبيب يموت بالداء الذي … قد كان أبرأ مثله فيما مضى مات المداوي والمداوى والذي … جلب الدواء أو باعه ومن اشترى (وبلغه) أن الناس أرجفوا بموته، فاستدعى حمارا وأمر أن يحمل عليه فاسترخت فخذاه. فقال: أنزلوني صدق المرجفون، ودعا بأكفان فتخيّر منها ما أعجبه، وأمر فشق له قبر أمام فراشه ثم اطلع فيه فقال: ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨، ٢٩]. فمات من ليلته. فما ظنك - رحمك الله - بنازل ينزل بك فيذهب رونقك وبهاك ويغيّر منظرك ورؤياك، ويمحو صورتك وجمالك، ويمنع من اجتماعك واتصالك، ويردك بعد النعمة والنضرة، والسطوة والقدرة، والنخوة والعزة، إلى حالة يبادر فيها أحب الناس إليك، وأرحمهم بك، وأعطفهم عليك، فيقذفك في حفرة من الأرض قريبة أنحاؤها، مظلمة أرجاؤها، محكم عليك حجرها وصيدانها، فتحكم فيك هوامها وديدانها، ثم بعد ذلك تمكن منك الأعدام وتختلط بالرغام، وتصير ترابا توطأ بالأقدام، وربما ضرب منك إناء فخار، أو أحكم بك بناء جدار، أو طلي بك حش ماء، أو موقد نار. كما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه أتي بإناء ماء ليشرب منه فأخذه بيده ونظر إليه وقال: «الله أعلم كم فيك من عين كحيل، وخد أسيل». (ويحكى) أن رجلين تنازعا وتخاصما في أرض، فأنطق الله لبنة من

стр. 35

حائط من تلك الأرض فقالت: يا هذان فيم تتنازعان؟ وفيم تتخاصمان؟ إني كنت ملكا من الملوك، ملكت كذا وكذا سنة ثم مت وصرت ترابا، فبقيت كذلك ألف سنة ثم أخذني خزّاف - يعني فخّارا - فعمل مني إناء فاستعملت حتى تكسّرت، ثم عدت ترابا فبقيت ألف سنة، ثم أخذني رجل فضرب مني لبنة، فجعلني في هذا الحائط، ففيم تنازعكما وفيم تخاصمكما؟!! قلت: والحكايات في هذا المعنى والوجود شاهد بتجديد ما دثر، وتغيير ما غيّر وعن ذلك يكون الحفر والإخراج، واتخاذ الأواني وبناء الأبراج، ولقد كنت في زمن الشباب أنا وغيري ننقل التراب على الدواب، من مقبرة عندنا تسمى بمقبرة اليهود خارج قرطبة، وقد اختلط بعظام من هناك وعظمهم ولحومهم وشعورهم وأبشارهم إلى الذين يصنعون القرمد للسقف. قال علماؤنا رضوان الله عليهم: وهذا التغير إنما يحل بجسدك، وينزل ببدنك لا بروحك، لأن الروح لها حكم آخر، وما مضى منك فغير مضاع، وتفرقه لا يمنع من الاجتماع، قال الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] وقال: ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى * قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ [طه: ٥١، ٥٢]. *** ٩ - باب الموت كفّارة لكل مسلم (أبو نعيم) عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «الموت كفارة لكلّ مسلم» (١). ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في «سراج المريدين» له، وقال فيه: حديث صحيح حسن. فصل إنما كان الموت كفارة، لكل ما يلقاه الميت في مرضه من الآلام والأوجاع وقد قال ﷺ : «ما من مسلم يصيبه أذّى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها» خرّجه مسلم (٢).

стр. 36

(وفي الموطّأ) عن أبي هريرة: عن رسول الله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يصب منه» (١). وفي الخبر المأثور يقول الله تعالى: «إني لا أخرج أحدا من الدنيا، وأنا أريد أن أرحمه، حتى أوفيه بكلّ خطيئة كان عملها، سقما في جسده، ومصيبة في أهله وولده، وضيقا في معاشه، وإقتارا في رزقه، حتى أبلغ منه مثاقيل الذرّ، فإن بقي عليه شيء شدّدت عليه الموت، حتى يفضي إليّ كيوم ولدته أمّه». قلت: وهذا بخلاف من لا يحبه ولا يرضاه، كما في الخبر، يقول الله تعالى: «وعزّتي وجلالي لا أخرج من الدنيا عبدا أريد أن أعذّبه، حتى أوّفيه بكلّ حسنة عملها بصحة في جسده، وسعة في رزقه، ورغد في عيشه، وأمن في سربه، حتى أبلغ منه مثاقيل الذرّ، فإن بقي له شيء هونت عليه الموت، حتى يفضي إليّ وليس له حسنة يتقي بها النار». قلت: وفي مثل هذا المعنى؛ ما خرّجه أبو داود بسند صحيح - فيما ذكر أبو الحسن بن الحصار، عن عبيد بن خالد السّلمي - وكانت له صحبة - عن النبيّ ﷺ : «موت الفجأة أخذة أسف للكافر» (٢). ورواه أيضا مرسلا. (وروى) الترمذي عن عائشة ﵂: «إنها راحة للمؤمن وأخذة أسف للكافر» (٣). (وروي) عن ابن عباس أنّ داود ﵇ مات فجأة يوم السبت. وعن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ قال: «إذا بقي على المؤمن من ذنوبه شيء لم يبلغه بعمله، شدّد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وشدائده درجته من الجنة، وإن الكافر إذا كان قد عمل معروفا في الدنيا، هوّن عليه الموت ليستكمل ثواب معروفه في الدنيا، ثم يصير إلى النار». ذكره أبو محمد عبد الحق. (وخرّج) أبو نعيم الحافظ من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «نفس المؤمن تخرج رشحا، وإن نفس الكافر تسلّ كما تسلّ

стр. 37

نفس الحمار، وإن المؤمن ليعمل الخطيئة فيشدّد بها عليه عند الموت ليكفر بها عنه، وإن الكافر ليعمل الحسنة فيسهل عليه عند الموت ليجزى بها» (١). ذكره أبو محمد عبد الحق. وذكر ابن المبارك أن أبا الدرداء ﵁ قال: «أحبّ الموت اشتياقا إلى ربي، وأحبّ المرض تكفيرا لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعا لربي » (٢). *** ١٠ - باب لا يموت أحد إلا وهو يحسن بالله الظن وفي الخوف من الله تعالى (مسلم) عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل وفاته بثلاثة أيام: «لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظنّ بالله» أخرجه البخاري (٣). وذكره ابن أبي الدنيا في كتاب «حسن الظن بالله» وزاد: فإن قوما قد أرادهم سوء ظنهم بالله فقال لهم ﵎: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٤) [فصلت: ٢٣]. (ابن ماجه) عن أنس أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك»؟ فقال: أرجو الله يا رسول الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : «لا يجتمعان في قلب عبيد مؤمن في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمّنه مما يخاف» (٥). ذكره ابن أبي الدنيا أيضا، وخرّجه الترمذي وقال: «هذا حديث حسن غريب». وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلا. وذكر الترمذي الحكيم في الأصل السادس والثمانين من (نوادر الأصول)؛

стр. 38

حدثنا يحيى بن حبيب، العربي قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن أنه قال: بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: قال ربكم : «لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فمن خافني في الدنيا أمّنته في الآخرة، ومن أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة» (١). حدثنا أبو بكر بن سابق الأموي قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ؛ فيما يذكر من مناجاة موسى ﵇ أنه قال: «يا موسى إنه لن يلقاني عبد لي في حاضر القيامة إلا فتّشته عما في يديه إلا ما كان من الورعين، فإني أستحييهم وأجلّهم فأكرمهم، فأدخلهم الجنة بغير حساب، فمن استحيى من الله تعالى في الدنيا مما صنع استحيى الله تعالى من تفتيشه وسؤاله، ولم يجمع عليه حياءين، كما لا يجمع عليه خوفين» (٢). فصل حسن الظن بالله تعالى ينبغي أن يكون أغلب على العبد عند الموت منه في حال الصحة، وهو أن الله تعالى يرحمه ويتجاوز عنه ويغفر له، وينبغي لجلسائه أن يذكّروه بذلك حتى يدخل في قوله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي فليظن بي ما شاء» (٣). روى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يموتن أحدكم حتى يحسن الظنّ بالله، فإن حسن الظنّ بالله ثمن الجنة» (٤). وروي عن ابن عمر أنه قال: «عمود الدين وغاية مجده وذروة سنامه؛ حسن الظن بالله، فمن مات منكم وهو يحسن الظن بالله، دخل الجنة «مدلاّ» - أي منبسطا - لا خوف عليه». وقال عبد الله بن مسعود: «والله الذي لا إله غيره؛ لا يحسن أحد الظن بالله إلا أعطاه الله ظنه وذلك أن الخير بيده».

стр. 39

وذكر ابن المبارك قال: أخبر سفيان، أن ابن عباس قال: «إذا رأيتم بالرجل الموت فبشّروه ليلقى ربّه وهو حسن الظن به، وإذا كان حيّا فخوّفوه بربه » (١). وقال الفضيل: «الخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحا، فإذا نزل به الموت؛ فالرجاء أفضل من الخوف». وذكر ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله البصري، قال: حدثنا سوار بن عبد الله، قال: حدثنا المعتمر، قال: قال أبي حين حضرته الوفاة: «يا معتمر حدّثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به» (٢). قال: وحدثنا عمرو بن محمد الناقد، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن حصين، عن إبراهيم قال: «كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند الموت، حتى يحسن ظنه بربه » (٣). وقال ثابت البناني: كان شاب به رهق، فلما نزل به الموت انكبّت عليه أمه وهي تقول: يا بني قد كنت أحذّرك مصرعك هذا، قال: يا أماه إن لي ربّا كثير المعروف، وإني لأرجو اليوم أن لا يعدمني بعض معروفه، فقال ثابت: فرحمه الله بحسن ظنه بالله في حاله تلك (٤). وقال عمر بن ذر يوما في كلامه - وعنده ابن أبي داود وأبو حنيفة - أتعذبنا وفي أجوافنا التوحيد؟ لا أراك تفعل، اللهم اغفر لمن لم يزل على مثل حال السحرة في الساعات التي غفرت لهم، فإنهم قالوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] فقال أبو حنيفة: رحمك الله القصص بعدك حرام. وكان يحيى بن زكريا إذا لقي عيسى ابن مريم ﵉. عبس، وإذا لقيه عيسى تبسّم، فقال له عيسى: «تلقاني عابسا كأنك آيس»؟ فقال له يحيى: «تلقاني ضاحكا كأنك آمن»؟ فأوحى الله ﵎ إليهما: «إن أحبّكما إلي أحسنكما ظنّا بي» ذكره الطبري. وقال زيد بن أسلم: «يؤتى بالرجل يوم القيامة»، فيقال: انطلقوا به إلى النار فيقول: يا رب فأين صلاتي وصيامي؟ فيقول الله تعالى: «اليوم أقنطك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي من رحمتي».

стр. 40

وفي التنزيل: ﴿قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في باب سعة رحمة الله وعفوه يوم القيامة، إن شاء الله تعالى. *** ١١ - باب تلقين الميت لا إله إلا الله (مسلم) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : «لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله» (١). وذكر ابن أبي الدنيا عن زيد بن أسلم، قال: قال عثمان بن عفان: قال رسول الله ﷺ : «إذا احتضر الميت فلقّنوه لا إله إلا الله، فإنه ما من عبد يختم له بها عند موته إلا كانت زاده إلى الجنة». وقال عمر بن الخطاب ﵁: «احضروا موتاكم ولقّنوهم لا إله إلا الله، وذكّروهم فإنهم يرون ما لا ترون» (٢). وذكر أبو نعيم من حديث مكحول، عن إسماعيل بن عيّاش، عن أبي معاذ؛ عتبة بن حميد، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، عن النبيّ ﷺ : «احضروا موتاكم ولقّنوهم لا إله إلا الله، وبشّروهم بالجنة، فإن الحكيم من الرجال يتحيّر عند ذلك المصرع، وإن الشيطان أقرب ما يكون من ابن آدم عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسيف، والذي نفسي بيده لا تخرج نفس عبد من الدنيا حتى يتألّم كلّ عرق منه على حياله» (٣). غريب من حديث مكحول لم نكتبه إلا من حديث إسماعيل. فصل قال علماؤنا: تلقين الموتى هذه الكلمة سنّة مأثورة عمل بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامهم لا إله إلا الله، فيختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله ﵇: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٤). أخرجه أبو داود
следующие страницы →