(وفي الموطّأ) عن أبي هريرة: عن رسول الله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يصب منه» (١). وفي الخبر المأثور يقول الله تعالى: «إني لا أخرج أحدا من الدنيا، وأنا أريد أن أرحمه، حتى أوفيه بكلّ خطيئة كان عملها، سقما في جسده، ومصيبة في أهله وولده، وضيقا في معاشه، وإقتارا في رزقه، حتى أبلغ منه مثاقيل الذرّ، فإن بقي عليه شيء شدّدت عليه الموت، حتى يفضي إليّ كيوم ولدته أمّه».
قلت: وهذا بخلاف من لا يحبه ولا يرضاه، كما في الخبر، يقول الله تعالى: «وعزّتي وجلالي لا أخرج من الدنيا عبدا أريد أن أعذّبه، حتى أوّفيه بكلّ حسنة عملها بصحة في جسده، وسعة في رزقه، ورغد في عيشه، وأمن في سربه، حتى أبلغ منه مثاقيل الذرّ، فإن بقي له شيء هونت عليه الموت، حتى يفضي إليّ وليس له حسنة يتقي بها النار».
قلت: وفي مثل هذا المعنى؛ ما خرّجه أبو داود بسند صحيح - فيما ذكر أبو الحسن بن الحصار، عن عبيد بن خالد السّلمي - وكانت له صحبة - عن النبيّ ﷺ : «موت الفجأة أخذة أسف للكافر» (٢). ورواه أيضا مرسلا.
(وروى) الترمذي عن عائشة ﵂: «إنها راحة للمؤمن وأخذة أسف للكافر» (٣).
(وروي) عن ابن عباس أنّ داود ﵇ مات فجأة يوم السبت.
وعن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ قال: «إذا بقي على المؤمن من ذنوبه شيء لم يبلغه بعمله، شدّد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وشدائده درجته من الجنة، وإن الكافر إذا كان قد عمل معروفا في الدنيا، هوّن عليه الموت ليستكمل ثواب معروفه في الدنيا، ثم يصير إلى النار». ذكره أبو محمد عبد الحق.
(وخرّج) أبو نعيم الحافظ من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «نفس المؤمن تخرج رشحا، وإن نفس الكافر تسلّ كما تسلّ
стр. 37
نفس الحمار، وإن المؤمن ليعمل الخطيئة فيشدّد بها عليه عند الموت ليكفر بها عنه، وإن الكافر ليعمل الحسنة فيسهل عليه عند الموت ليجزى بها» (١). ذكره أبو محمد عبد الحق.
وذكر ابن المبارك أن أبا الدرداء ﵁ قال: «أحبّ الموت اشتياقا إلى ربي، وأحبّ المرض تكفيرا لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعا لربي » (٢).
***
١٠ - باب لا يموت أحد إلا وهو يحسن بالله الظن وفي الخوف من الله تعالى
(مسلم) عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل وفاته بثلاثة أيام: «لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظنّ بالله» أخرجه البخاري (٣).
وذكره ابن أبي الدنيا في كتاب «حسن الظن بالله» وزاد: فإن قوما قد أرادهم سوء ظنهم بالله فقال لهم ﵎: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٤) [فصلت: ٢٣].
(ابن ماجه) عن أنس أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك»؟ فقال: أرجو الله يا رسول الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : «لا يجتمعان في قلب عبيد مؤمن في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمّنه مما يخاف» (٥).
ذكره ابن أبي الدنيا أيضا، وخرّجه الترمذي وقال: «هذا حديث حسن غريب».
وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلا.
وذكر الترمذي الحكيم في الأصل السادس والثمانين من (نوادر الأصول)؛
стр. 38
حدثنا يحيى بن حبيب، العربي قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن أنه قال: بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: قال ربكم : «لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فمن خافني في الدنيا أمّنته في الآخرة، ومن أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة» (١).
حدثنا أبو بكر بن سابق الأموي قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ؛ فيما يذكر من مناجاة موسى ﵇ أنه قال: «يا موسى إنه لن يلقاني عبد لي في حاضر القيامة إلا فتّشته عما في يديه إلا ما كان من الورعين، فإني أستحييهم وأجلّهم فأكرمهم، فأدخلهم الجنة بغير حساب، فمن استحيى من الله تعالى في الدنيا مما صنع استحيى الله تعالى من تفتيشه وسؤاله، ولم يجمع عليه حياءين، كما لا يجمع عليه خوفين» (٢).
فصل
حسن الظن بالله تعالى ينبغي أن يكون أغلب على العبد عند الموت منه في حال الصحة، وهو أن الله تعالى يرحمه ويتجاوز عنه ويغفر له، وينبغي لجلسائه أن يذكّروه بذلك حتى يدخل في قوله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي فليظن بي ما شاء» (٣).
روى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يموتن أحدكم حتى يحسن الظنّ بالله، فإن حسن الظنّ بالله ثمن الجنة» (٤).
وروي عن ابن عمر أنه قال: «عمود الدين وغاية مجده وذروة سنامه؛ حسن الظن بالله، فمن مات منكم وهو يحسن الظن بالله، دخل الجنة «مدلاّ» - أي منبسطا - لا خوف عليه».
وقال عبد الله بن مسعود: «والله الذي لا إله غيره؛ لا يحسن أحد الظن بالله إلا أعطاه الله ظنه وذلك أن الخير بيده».
стр. 39
وذكر ابن المبارك قال: أخبر سفيان، أن ابن عباس قال: «إذا رأيتم بالرجل الموت فبشّروه ليلقى ربّه وهو حسن الظن به، وإذا كان حيّا فخوّفوه بربه » (١).
وقال الفضيل: «الخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحا، فإذا نزل به الموت؛ فالرجاء أفضل من الخوف».
وذكر ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله البصري، قال: حدثنا سوار بن عبد الله، قال: حدثنا المعتمر، قال: قال أبي حين حضرته الوفاة: «يا معتمر حدّثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به» (٢).
قال: وحدثنا عمرو بن محمد الناقد، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن حصين، عن إبراهيم قال: «كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند الموت، حتى يحسن ظنه بربه » (٣).
وقال ثابت البناني: كان شاب به رهق، فلما نزل به الموت انكبّت عليه أمه وهي تقول: يا بني قد كنت أحذّرك مصرعك هذا، قال: يا أماه إن لي ربّا كثير المعروف، وإني لأرجو اليوم أن لا يعدمني بعض معروفه، فقال ثابت: فرحمه الله بحسن ظنه بالله في حاله تلك (٤).
وقال عمر بن ذر يوما في كلامه - وعنده ابن أبي داود وأبو حنيفة - أتعذبنا وفي أجوافنا التوحيد؟ لا أراك تفعل، اللهم اغفر لمن لم يزل على مثل حال السحرة في الساعات التي غفرت لهم، فإنهم قالوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] فقال أبو حنيفة: رحمك الله القصص بعدك حرام.
وكان يحيى بن زكريا إذا لقي عيسى ابن مريم ﵉. عبس، وإذا لقيه عيسى تبسّم، فقال له عيسى: «تلقاني عابسا كأنك آيس»؟ فقال له يحيى:
«تلقاني ضاحكا كأنك آمن»؟ فأوحى الله ﵎ إليهما: «إن أحبّكما إلي أحسنكما ظنّا بي» ذكره الطبري.
وقال زيد بن أسلم: «يؤتى بالرجل يوم القيامة»، فيقال: انطلقوا به إلى النار فيقول: يا رب فأين صلاتي وصيامي؟ فيقول الله تعالى: «اليوم أقنطك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي من رحمتي».
стр. 40
وفي التنزيل: ﴿قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦].
وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في باب سعة رحمة الله وعفوه يوم القيامة، إن شاء الله تعالى.
***
١١ - باب تلقين الميت لا إله إلا الله
(مسلم) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : «لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله» (١).
وذكر ابن أبي الدنيا عن زيد بن أسلم، قال: قال عثمان بن عفان: قال رسول الله ﷺ : «إذا احتضر الميت فلقّنوه لا إله إلا الله، فإنه ما من عبد يختم له بها عند موته إلا كانت زاده إلى الجنة».
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «احضروا موتاكم ولقّنوهم لا إله إلا الله، وذكّروهم فإنهم يرون ما لا ترون» (٢).
وذكر أبو نعيم من حديث مكحول، عن إسماعيل بن عيّاش، عن أبي معاذ؛ عتبة بن حميد، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، عن النبيّ ﷺ : «احضروا موتاكم ولقّنوهم لا إله إلا الله، وبشّروهم بالجنة، فإن الحكيم من الرجال يتحيّر عند ذلك المصرع، وإن الشيطان أقرب ما يكون من ابن آدم عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسيف، والذي نفسي بيده لا تخرج نفس عبد من الدنيا حتى يتألّم كلّ عرق منه على حياله» (٣). غريب من حديث مكحول لم نكتبه إلا من حديث إسماعيل.
فصل
قال علماؤنا: تلقين الموتى هذه الكلمة سنّة مأثورة عمل بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامهم لا إله إلا الله، فيختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله ﵇: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٤). أخرجه أبو داود
стр. 41
من حديث معاذ بن جبل ﵁، وصحّحه أبو محمد عبد الحق.
ولينبه المحتضر على ما يدفع به الشيطان، فإنه يتعرض للمحتضر ليفسد عليه عقيدته، على ما يأتي.
فإذا تلقّنها المحتضر وقالها مرة واحدة، فلا تعاد عليه لئلاّ يضجر، وقد كره أهل العلم الإكثار من التلقين، والإلحاح عليه إذا هو تلقنها أو فهم ذلك عنه. قال ابن المبارك: «لقّنوا الميت لا إله إلا الله فإذا قالها فدعوه». قال أبو محمد عبد الحق:
وإنما ذلك لأنه يخاف عليه إذا ألحّ عليه بها أن يتبرّم ويضجر، ويثقلها الشيطان عليه، فيكون سببا لسوء الخاتمة، وكذلك أمر ابن المبارك أن يفعل به.
قال الحسن بن عيسى: قال لي ابن المبارك: «لقّني - يعني الشهادة - ولا تعد عليّ إلا أن أتكلم بكلام ثان». والمقصود أن يموت الرجل وليس في قلبه إلا الله ، لأن المدار على القلب، وعمل القلب هو الذي ينظر فيه، وتكون النجاة به، وأما حركة اللسان دون أن تكون ترجمة عما في القلب فلا فائدة فيها، ولا عبر عندها.
قال: وقد يكون التلقين بذكر الحديث عند الرجل العالم، كما ذكر أبو نعيم أن أبا زرعة كان في السوق وعنده أبو حاتم ومحمد بن مسلمة والمنذر بن شاذان وجماعات من العلماء، فذكروا حديث التلقين؛ فاستحيوا من أبي زرعة، فقالوا: يا أصحابنا تعالوا نتذاكر الحديث، فقال محمد بن مسلمة: حدّثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا أبو عاصم، قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب ولم يجاوزه. وقال أبو حاتم: حدثنا بندار، حدثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب ولم يجاوزه، والباقون سكوت. فقال أبو زرعة وهو في السوق: حدثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» وفي رواية «حرّمه الله على النار» وتوفي ﵀.
ويروى عن عبد الله بن شبرمة أنه قال: دخلت مع عامر الشّعبي على مريض نعوده، فوجدناه لما به، ورجل يلقّنه الشهادة ويقول له: قل لا إله إلا الله، وهو يكثر عليه. فقال له الشّعبي: ارفق به، فتكلّم المريض وقال: إن تلقني أو لا تلقني، فإني لا أدعها، ثم قرأ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ [الفتح: ٢٦]. فقال الشعبي: الحمد لله الذي نجّى صاحبنا هذا.
وقيل للجنيد ﵀ عند موته، قل لا إله إلا الله فقال: ما نسيته فأذكره.
قلت: لا بدّ من تلقين الميت، وتذكيره الشهادة، وإن كان على غاية من التيقّظ، فقد ذكر أبو نعيم الحافظ من حديث مكحول عن وائلة بن الأسقع عن
стр. 42
النبي ﷺ : «احضروا موتاكم ولقّنوهم، لا إله إلا الله، وبشّروهم بالجنة، فإن الحكيم من الرجال والنساء يتحيّر عند ذلك المصرع، وإن الشيطان أقرب من ابن آدم عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسيف، والذي نفسي بيده لا تخرج نفس عبد من الدنيا حتى يتألّم كلّ عضو منه على حياله» (١).
وروي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حضر ملك الموت رجلا، قال: فنظر في قلبه فلم يجد فيه شيئا، ففكّ لحييه فوجد طرف لسانه لاصقا بحنكه يقول لا إله إلا الله، فغفر له بكلمة الإخلاص» (٢).
ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب «المحتضرين» بإسناده. وخرّجه الطبراني بمعناه، وسيأتي في آخر أبواب الجنة إن شاء الله تعالى.
١٢ - باب من حضر الميت فلا يلغو وليتكلم بخير وكيف الدعاء للميت إذا مات، وفي تغميضه
(مسلم) عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمّنون على ما تقولن» قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبيّ ﷺ فقلت يا رسول الله: إن أبا سلمة قد مات فقال: «قولي: اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة». قال: فقلت، فأعقبني الله من هو خير منه؛ رسول الله ﷺ (٣).
وعنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» فضج ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنّون على ما تقولن» ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه» (٤).
стр. 43
فصل
قال علماؤنا: قوله ﵇: «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا» أمر ندب وتعليم بما يقال عند المريض أو الميت، وإخبار بتأمين الملائكة على دعاء من هناك، ولهذا استحب العلماء أن يحضر الميت الصالحون وأهل الخير حالة موته ليذكّروه، ويدعوا له ولمن يخلفه، ويقولوا خيرا، فيجتمع دعاؤهم وتأمين الملائكة، فينتفع بذلك الميّت ومن يصاب به ومن يخلفه.
***
١٣ - باب منه، وما يقال عند التغميض
(ابن ماجه) عن شدّاد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرا فإن الملائكة تؤمّن على ما قال أهل الميت» (١).
وذكر الخرائطي؛ أبو بكر محمد بن جعفر قال: حدثنا أبو موسى عمران بن موسى، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن هشام بن حسّان، عن حفصة بنت سيرين، عن أم الحسن؛ قالت: كنت عند أم سلمة فجاءها إنسان فقال: فلان بالموت. فقالت. لها: «انطلقي؛ فإذا احتضر فقولي: السلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين» (٢).
وخرّج من حديث سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن بكر بن عبد الله المزني قال: إذا غمّضت الميت، فقل: بسم الله وعلى ملّة رسول الله ﷺ ، وسبّح، ثم تلا سفيان: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥].
قال أبو داود: تغميض الميت إنما هو بعد خروج الروح. وسمعت محمد بن أحمد المقري قال: سمعت أبا ميسرة، وكان رجلا عابدا يقول: غمّضت جعفر المعلّم وكان رجلا عاقلا في حالة الموت، فرأيته في منامي يقول: أعظم ما كان عليّ تغميضك قبل أن أموت.
***
стр. 44
١٤ - باب ما جاء أن الشيطان يحضر الميت عند موته وجلساؤه في الدنيا وما يخاف من سوء الخاتمة
روي عن النبي ﷺ أن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان، فإن الواحد عن يمينه والآخر عن شماله، فالذي عن يمينه على صفة أبيه، يقول له: يا بني إني كنت عليك شفيقا ولك محبّا، ولكن مت على دين النصرانية فهو خير الأديان، والذي على شماله على صفة أمه، تقول له: يا بني إنه كان بطني لك وعاء، وثديي لك سقاء، وفخذي لك وطاء، ولكن مت على دين اليهود وهو خير الأديان (١). ذكره أبو الحسن القابسي في شرح رسالة ابن أبي زيد له، وذكر معناه أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة».
وإن عند استقرار النفس في التراقي والارتفاع تعرض عليه الفتن، وذلك أن إبليس قد أنفذ أعوانه إلى هذا الإنسان خاصة، واستعملهم عليه ووكّلهم به، فيأتون المرء وهو على تلك الحال، فيتمثّلون له في صورة من سلف من الأحباب الميتين، الباغين له النصح في دار الدنيا، كالأب والأم والأخ والأخت والصديق الحميم، فيقولون له أنت تموت يا فلان ونحن قد سبقناك في هذا الشأن، فمت يهوديا فهو الدين المقبول عند الله تعالى، فإن انصرف عنهم وأبى، وجاءه آخرون وقالوا له مت نصرانيا فإنه دين المسيح وقد نسخ الله به دين موسى، ويذكرون له عقائد كل ملة، فعند ذلك يزيغ الله من يريد زيغه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨] أي: لا تزغ قلوبنا عند الموت، وقد هديتنا من قبل هذا زمانا، فإذا أراد الله بعبده هداية وتثبيتا جاءته الرحمة.
وقيل: هو جبريل ﵇ فيطرد عنه الشياطين ويمسح الشحوب عن وجهه فيتبسم الميت لا محالة، وكثير من يرى متبسما في هذا المقام، فرحا بالبشير الذي جاءه برحمة من الله تعالى، فيقول: يا فلان أما تعرفني؟ أنا جبريل، وهؤلاء أعداؤك من الشياطين مت على الملة الحنيفية والشريعة الجليلة. فما شيء أحب إلى
стр. 45
الإنسان وأفرح منه بذلك الملك وهو قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ثم يقبض عند الطعنة على ما يأتي (١).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حضرت وفاة أبي أحمد، وبيدي الخرقة لأشدّ لحييه، فكان يغرق ثم يفيق ويقول بيده: لا بعد، لا بعد. فعل هذا مرارا، فقلت له: يا أبت أي شيء ما يبدو منك؟ فقال: إن الشيطان قائم بحذائي، عاضّ على أنامله، يقول: يا أحمد فتّني، وأنا أقول: لا، بعد لا، حتى أموت (٢).
قلت: وقد سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي بثغر الإسكندرية يقول: حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة وقد احتضر. فقيل له: قل لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا، فلما أفاق ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي. يقول أحدهما: مت يهوديا فإنه خير الأديان، والآخر يقول: مت نصرانيا فإنه خير الأديان. فكنت أقول لهما:
لا، لا، إليّ تقولان هذا؟
وقد كتبت بيدي في كتاب الترمذي والنسائي عن النبي ﷺ : «إن الشيطان يأتي أحدكم عند موته فيقول: مت يهوديا مت نصرانيا». فكان الجواب لهما لا لكما.
قلت: ومثل هذا عن الصالحين كثير يكون الجواب للشيطان لا لمن يلقنه الشهادة، وقد تصفّحت كتاب الترمذي أبي عيسى، وسمعت جميعه، فلم أقف على هذا الحديث فيه، فإن كان في بعض النسخ - فالله أعلم.
وأما كتاب النّسائي فسمعت بعضه، وكان عندي كثير منه، فلم أقف عليه، وهو نسخ، فيحتمل أن يكون في بعضها. والله أعلم.
وروى ابن المبارك وسفيان عن ليث، عن مجاهد قال: ما من ميّت إلا تعرض عليه أهل مجالسه الذين كان يجالس، إن كانوا أهل لهو فأهل لهو، وإن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر.
وقال الربيع بن شبرة بن معبد الجهني وكان عابدا بالبصرة: أدركت الناس بالشام وقيل لرجل: يا فلان! قل: لا إله إلا الله قال: اشرب واسقني، وقيل لرجل
стр. 46
بالأهواز: يا فلان! قل لا إله إلا الله، فجعل يقول ده يازده دوازده - تفسيره: عشرة أحد عشر اثنا عشر - كان هذا الرجل من أهل العمل والديوان، فغلب عليه الحساب والميزان. ذكر هذا التفسير أبو محمد عبد الحق. قال الربيع: وقيل لرجل هاهنا بالبصرة: يا فلان! قل لا إله إلا الله، فجعل يقول:
يا ربّ قائلة يوما وقد لغبت … أين الطريق إلى حمام منجاب
قال الفقيه أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن النّجاد: هذا رجل قد استدلته امرأة إلى الحمام، فدلها إلى منزله فقاله عند الموت.
وذكر أبو محمد عبد الحق هذه الحكاية، في كتاب «العاقبة» له فقال: وهذا الكلام له قصة؛ وذلك أن رجلا كان واقفا بإزاء داره، وكان بابه يشبه باب حمّام فمرّت به جارية لها منظر وهي تقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال لها: هذا حمام منجاب. وأشار إلى داره فدخلت الدار، ودخل وراءها، فلما رأت نفسها معه في داره وليس بحمام؛ علمت أنه خدعها، أظهرت له البشر والفرح باجتماعها معه على تلك الخلوة، وفي تلك الدار، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما نطيب به عيشنا وتقر به أعيننا، فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وبكل ما تشتهين، فخرج وتركها في الدار ولم يقفلها، وتركها محلولة على حالها ومضى، فأخذ ما يصلح لها ورجع، ودخل الدار فوجدها قد خرجت وذهبت، ولم يجد لها أثرا، فهام الرجل بها وأكثر الذكر لها والجزع عليها، وجعل يمشي في الطرق والأزقّة وهو يقول:
يا ربّ قائلة يوما وقد لغبت … أين الطريق إلى حمام منجاب
وإذا بجارية تجاوبه من طاق وهي تقول:
هلاّ جعلت لها لما ظفرت بها … حرزا على الدار أو قفلا على الباب
فزاد هميانه واشتدّ هيجانه، ولم يزل كذلك حتى كان من أمره ما ذكر. فنعوذ بالله من المحن والفتن.
قلت: ومثل هذا في الناس كثير ممن غلب عليه الاشتغال بالدنيا والهمّ بها أو سبب من أسبابها، حتى لقد حكي لنا أن بعض السماسرة جاء عند الموت فقيل له: قل لا إله إلا الله. فجعل يقول: ثلاثة ونصف، أربعة ونصف. غلبت عليه السمسرة.
ولقد رأيت بعض الحسّاب وهو في غاية المرض، يعقد بأصابعه ويحسب.
وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والجنان الفلاني اعملوا فيها كذا.
وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فجعل يقول: عقلك الحمارة. وقيل لآخر:
стр. 47
قل لا إله إلا الله فجعل يقول: البقرة الصفراء، غلب عليه حبها والاشتغال بها.
نسأل الله السلامة والممات على الشهادة بمنه وكرمه.
ولقد حكى ابن ظفر في كتاب «النصائح» له قال: كان يونس بن عبيد - رحمه الله تعالى - بزّازا، وكان لا يبيع في طرفي النهار ولا في يوم غيم، فأخذ يوما ميزانه فرضّه بين حجرين فقيل له: هلا أعطيته الصانع فأصلح فساده؟ فقال: لو علمت فيه فسادا لما أبقيت من مالي قوت ليلة. قيل له: فلم كسرته؟ قال: حضرت الساعة رجلا احتضر فقلت له: قل لا إله إلا الله فامتعض، فألححت عليه فقال:
ادع الله لي، فقال: هذا لسان الميزان على لساني يمنعني من قولها. قلت أفما يمنعك إلا من قولها؟ فقال: نعم. قلت: وما كان عملك به؟ قال: ما أخذت ولا أعطيت به إلا حقّا في علمي، غير أني كنت أقيم المدة لا أفتقده ولا أختبره. فكان يونس بعد ذلك يشترط على من يبايعه أن يأتي بميزانه ويزن بيده وإلا لم يبعه.
***
١٥ - باب ما جاء في سوء الخاتمة وما جاء أن الأعمال بالخواتيم
(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له بعمل أهل الجنة» (١).
وفي البخاري عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: «إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم» (٢).
قال أبو محمد عبد الحق: اعلم أن سوء الخاتمة - أعاذنا الله منها - لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، فاسمع ما سمع بهذا ولا علم به - والحمد لله - وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل، أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم، فربما غلب
стр. 48
ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة، والعياذ بالله ثم العياذ بالله، أو يكون ممن كان مستقيما ثم يتغير عن حاله ويخرج عن سننه، ويأخذ في طريقه، فيكون ذلك سببا لسوء خاتمته وشؤم عاقبته، كإبليس الذي عبد الله فيما يروى ثمانين ألف سنة، وبلعام بن باعوراء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها بخلوده إلى الأرض، واتباع هواه، وبرصيصا العابد الذي قال الله في حقه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ﴾ [الحشر: ١٦].
ويروى: أنه كان بمصر رجل ملتزم مسجدا للأذان والصلاة، وعليه بهاء العبادة وأنوار الطاعة، فرقى يوما المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني ذمّي، فاطّلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار، فافتتن بها وترك الأذان، ونزل إليها ودخل الدار فقالت له: ما شأنك ما تريد؟ فقال: أنت أريد.
قالت: لماذا؟ قال لها: قد سلبت لبي وأخذت بمجامع قلبي. قالت: لا أجيبك إلى ريبة. قال لها: أتزوج. قالت له: أنت مسلم وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك. قال لها: أتنصّر! قالت: إن فعلت أفعل. فتنصّر ليتزوّجها، وأقام معهم في الدار. فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقى إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات، فلا هو فاز بدينه ولا هو فاز بها. فنعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سوء العاقبة وسوء الخاتمة.
ويروى أن رجلا علق بشخص وأحبه، فتمنّع عنه واشتدّ نفاره فاشتد كلف البائس إلى أن لزم الفراش، فلم تزل الوسائط تمشي بينهما حتى وعد بأن يعوده، فأخبر بذلك ففرح واشتد فرحه وسروره، وانجلى عنه بعض ما كان يجده، فلما كان في بعض الطريق رجع وقال: والله لا أدخل مداخل الريب، ولا أعرض بنفسي لمواقع التهم فأخبر بذلك البائس المسكين فسقط في يده، ورجع إلى أسوأ ما كان به وبدت علامات الموت وأمارته عليه.
قال الراوي: فسمعته يقول وهو في تلك الحال:
سلام يا راحة العليل … وبرد ذل الدّنف النحيل
رضاك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليل!!
قال: فقلت له: يا فلان اتق الله تعالى فقال: قد كان ما كان. فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت قد قامت عليه. فنعوذ بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة.
قال المؤلف ﵀: روى البخاري عن سالم، عن عبد الله، قال: كان
стр. 49
كثيرا ما كان النبي ﷺ يحلف: «لا ومقلّب القلوب» (١). ومعناه: يصرفها أسرع من مر الريح، على اختلاف في القبول والرد والإرادة والكراهية، وغير ذلك من الأوصاف، وفي التنزيل: ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] قال مجاهد: المعنى يحول بين المرء وعقله، حتى لا يدري ما يصنع. بيانه ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أي: عقل، واختار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من الله تعالى بأنه أملك لقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة الله .
وقالت عائشة ﵂: «كان النبيّ ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على طاعتك. فقلت: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى؟ قال: وما يؤمنني يا عائشة، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الجبار، إذا أراد أن يقلب قلب عبده قلبه» (٢).
قال العلماء: وإذا كانت الهداية إلى الله مصروفة، والاستقامة على مشيئته موقوفة، والعاقبة مغيبة، والإرادة غير مغالبة، فلا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قربك، فإن ذلك وإن كان من كسبك فإنه من خلق ربك وفضله الدّار عليك وخيره، فمهما افتخرت بذلك، كنت كالمفتخر بمتاع غيره، وربما سلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير، فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم، فأصبحت وزهرها يابس هشيم، إذ هبت عليها الريح العقيم، كذلك العبد يمسي وقلبه بطاعة الله مشرق سليم، فيصبح وهو بمعصيته مظلم سقيم، ذلك فعل العزيز الحكيم، الخلاق العليم.
روى النسائي عن عثمان ﵁ قال: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث،
стр. 50
إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبّد، فعلقت به امرأة غويّة، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها فطفقت الجارية كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضت إلى امرأة وضيئة - أي جميلة - عندها غلام وباطية خمر فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليّ، أو تشرب من هذه الخمر كأسا، أو تقتل هذا الغلام قال: فاسقيني من هذه الخمر؟ فسقته كأسا قال: زيدوني، فلم يزل يشرب حتى وقع عليها وقتل الغلام. فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه» (١).
ويروى أن رجلا أسيرا مسلما، وكان حافظا للقرآن، خصّ بخدمة راهبين، فحفظا منه آيات كثيرة لكثرة تلاوته، فأسلم الراهبان وتنصّر المسلم.
وقيل له: ارجع إلى دينك فلا حاجة لنا فيمن لم يحفظ دينه. قال: لا أرجع إليه أبدا فقتل، وفي الخبر قصته، والحكايات كثيرة في هذا الباب نسأل الله السلامة والممات على الشهادة.
وأنشد بعضهم:
قد جرت الأقلام في ذي الورى … بالختم من أمر الحكيم العليم
فمن سعيد وشقي ومن … مثر من المال وعار عديم
ومن عزيز رأسه في السّها … ومن ذليل وجهه في التخوم
ومن صحيح شيدت أركانه … وآخر واهي المباني سقيم
كلّ على منهاجه سالك … ذلك تقدير العزيز العليم
وقال الربيع: سئل الشافعي عن القدر فأنشأ يقول:
ما شئت كان وإن لم أشأ … وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت … ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت … وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقيّ ومنهم سعيد … ومنهم قبيح ومنهم حسن
ومنهم غنيّ ومنهم فقير … وكلّ بأعماله مرتهن
***
стр. 51
١٦ - باب ما جاء في رسل ملك الموت قبل الوفاة
ورد في الخبر: أن بعض الأنبياء ﵈ قال لملك الموت ﵇:
أما لك رسول تقدّمه بين يديك ليكون الناس على حذر منك؟ قال: نعم، لي والله رسل كثيرة من الإعلال والأمراض والشيب والهموم وتغير السمع والبصر، فإذا لم يتذكر من نزل به ذلك ولم يتب، فإذا قبضته ناديته: ألم أقدّم إليك رسولا بعد رسول ونذيرا بعد نذير؟ فأنا الرسول الذي ليس بعدي رسول، وأنا النذير الذي ليس بعدي نذير. فما من يوم تطلع فيه شمس ولا تغرب إلا وملك الموت ينادي: ويا أبناء الأربعين، هذا وقت أخذ الزاد، أذهانكم حاضرة وأعضاؤكم قوية شداد. يا أبناء الخمسين قد دنا وقت الأخذ والحصاد. ويا أبناء الستين نسيتم العقاب، وغفلتم عن رد الجواب فما لكم من نصير ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب «روضة المشتاق والطريق إلى الملك الخلاّق».
وفي البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أعذر الله إلى امرئ أخّر أجله حتى بلغ ستين سنة» (١).
يقال أعذر في الأمر؛ أي بالغ فيه، أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده، وأكبر الإعذار إلى بني آدم؛ بعثة الرسل إليهم، ليتم حجته عليهم ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وقال: ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] قيل هو القرآن وقيل هو الرسل إليهم.
وعن ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن الفضل والفراء والطبري قالوا: هو الشيب، فإنه يأتي في سن الاكتهال، فهو علامة لمفارقته سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب (٢)، قال الشاعر:
رأيت الشيب من نذر المنايا … لصاحبه وحسبك من نذير
تقول النفس غيّر لون هذا … عساك تطيب في عمر يسير
فقلت لها المشيب نذير عمري … ولست مسوّدا وجه النذير
стр. 52
وقال آخر:
وقائلة تخضّب فالغواني … نوافر عن معاينة النذير
وللقاضي منذر بن سعيد البلوطي (١) رحمة الله تعالى عليه:
كم تصابى وقد علاك المشيب … وتعامى جهلا وأنت اللبيب
كيف تلهو وقد أتاك نذير … وشباك الحمام منك قريب
يا مقيما قد حان منه رحيل … بعد ذاك الرحيل يوم عصيب
إن للموت سكرة فارتقبها … لا يداويك إذا أتتك طبيب
ثم تثوى حتى تصير رهينا … ثم يأتيك دعوة فتجيب
بأمور المعاد أنت عليم … فاعملن جاهدا لها يا أريب
وتذكّر يوما تحاسب فيه … إن من يذكر الممات ينيب
ليس في ساعة من الدهر إلا … للمنايا عليك فيها رقيب
كلّ يوم ترميك منها بسهم … إن تخطي يوما فسوف يصيب
وله أيضا ﵁:
ثلاث وستون قد جزتها … فماذا تؤمّل أو تنتظر
وحل عليك نذير المشيب … فما ترعوي أو فما تزدجر
تمرّ لياليك مرّا حثيثا … وأنت على ما أرى مستمر
فلو كنت تعقل ما ينقضي … من العمر لاعتضت خيرا بشر
فما لك - ويحك - لا تستعد إذن … لدار المقام ودار المقر
أترغب عن فجأة للمنون … وتعلم أن ليس منها وزر
فإما إلى جنة أزلفت … وإما إلى سقر تستعر
وقيل: النذير الحمّى، ومنه قوله ﷺ : «الحمى نذير الموت» (٢). أي: رائد الموت.
стр. 53
قال الأزهري معناه: أن الحمى رسول الموت، أي: كأنها تشعر بقدومه وتنذر بمجيئه. وقيل: موت الأهل والأقارب والأصحاب والإخوان، وذلك إنذار الرحيل في كل وقت وأوان وحين وزمان.
قال الشاعر:
وأراك تحملهم ولست تردّهم … وكأنني بك قد حملت فلم ترد
وللفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي زمنين (١) رحمه الله تعالى آمين:
الموت في كلّ حين يطلب الكفنا … ونحن في غفلة عما يراد بنا
لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها … وإن توشحت من أثوابها الحسنا
أين الأحبّة والجيران ما فعلوا … أين الذين همو كانوا لنا سكنا
سقاهم الموت كأسا غير صافية … فصيّرتهم لأطباق الثرى رهنا
وروي أن ملك الموت دخل على داود ﵇ فقال: من أنت؟ فقال:
من لا يهاب الملوك، ولا تمنع منه القصور، ولا يقبل الرّشا، قال: فإذا أنت ملك الموت. قال: نعم. قال: أتيتني ولم أستعد بعد؟ قال: يا داود أين فلان قريبك؟ أين فلان جارك؟ قال: مات، قال: أما كان لك في هؤلاء عبرة لتستعد (٢).
стр. 54
وقيل: كمال العقل الذي نعرف به حقائق الأمور، ويفصل به بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته، ويرغب فيما عند ربه، فهو نذير، والنذير بمعنى الإنذار والإنذار والإعذار قريب بعضه من بعض، وأكبر الإعذار إلى ابن آدم؛ بعثة الرسل إليهم، ثم الشيب أو غيره كما بيّنّا. وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله، وترقب المنية ولقاء الله، ففيه إعذار بعد إعذار، وإنذار بعد إنذار.
الأول: بالنبي ﷺ .
والثاني: بالشيب، وذلك عند كمال الأربعين، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥] فذكر : أن من بلغ الأربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها.
قال مالك ﵀: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا، ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس.
تنبيه: هذا الباب هو الأصل في إعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى، وكان هذا لطفا بالخلف ولتنفيذ القيام عليهم بالحق.
حكي عن بعض العلماء أنه كان يميل إلى الراحات كثيرا، وكان يخلو في بستان له بأصحابه، فلا يأذن لأحد سواهم، فبينما هو في البستان؛ إذ رأى رجلا يتخلل الشجر فغضب وقال: من أذن لهذا؟ وجاء الرجل فجلس أمامه وقال: ما ترى في رجل ثبت عليه حق فزعم أن له مدافعة عنه؟ فقال: ينظره الحاكم بقدر ما يرى، قال السائل:
قد ضرب له الحاكم أجلا فلم يأت بمنفعة ولا أقلع عن اللدد والمدافعة، قال: يقضي عليه. قال: فإن الحاكم رفق به وأمهله أكثر من خمسين سنة. فأطرق الفقيه وتحدّر عرق وجهه، وذهب السائل. ثم إن العالم أفاق من فكرته، فسأل عن السائل، فقال البواب: ما دخل أحد عليكم ولا خرج من عندكم أحد، فقال لأصحابه: انصرفوا، فما كان يرى بعد ذلك إلا في مجلس يذكر فيه العلم.
فصل
وقد رأيت أن أصل بهذه الحكاية حكايات في الشيب على سبيل الوعظ والتذكير والتخويف والتحذير.
حكي عن بعض المترفين أنه رفض ما كان فيه بغتة على غير تدريج، فسئل عن السبب، فقال ما معناه: كانت لي أمة لا يزيدني طول الاستمتاع منها إلا غراما بها، فقلبت شعرها يوما فإذا فيه شعرتان بيضاوان، فأخبرتها فارتاعت وقالت:
стр. 55
أرني، فأريتها فقالت: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] ثم نظرت إليّ وقالت: اعلم أنه لو لم تفترض عليّ طاعتك لما أويت إليك، فدع لي ليلي أو نهاري لأتزوّد فيه لآخرتي، فقلت: لا ولا كرامة، فغضبت، وقالت: أتحول بيني وبين ربّي، وقد آذنني بلقائه، اللهم بدّل حبّه لي بغضا. قال: فبت وما شيء أحبّ إليّ من بعدها عني، وعرضتها للبيع، فأتاني من أعطاني فيها ما أريد، فلما عزمت على البيع بكت، فقلت: أنت أردت هذا، فقالت: والله ما اخترت عليك شيئا من الدنيا، هل لك إلى ما هو خير لك من ثمني؟ قلت: وما هو؟ قالت: تعتقني لله ، فإنه أملك لك منك لي، وأعود عليك منك عليّ، فقلت: قد فعلت، فقالت: أمضى الله صفقتك وبلّغك أضعاف أملك، وتزهّدت فبغضت إليّ الدنيا ونعيمها.
وقال عبد الله بن أبي نوح: رأيت كهلا بمسجد رسول الله ﷺ لا يزال ينفض الغبار عن جدرانه بسعفة، فسألت عنه، فقيل: إنه من ولد عثمان بن عفان ﵁ وأن له أولادا وموالي ونعمة موفورة، وأنه اطّلع في مرآته فصرخ وجنّ ولزم المسجد كما ترى، وإذا أراد أهله أن يأخذوه ليداووه ويصونوه هرب منهم، وعاذ بالقبر المكرم فتركوه، فرقبته نهارا فلم أر منه اختلالا، ورقبته ليلا فلما ذهب جنح من الليل، خرج من المسجد فتبعته حتى أتى البقيع فقام يصلي ويبكي حتى قرب طلوع الفجر، فجلس يدعو، وجاءت إليه دابة لا أدري أشاة أم ظبية أم غيرها، فقامت عنده وتفاجت فالتقم ضرعها فشرب ثم مسح ظهرها، وقال: اذهبي بارك الله فيك، فولّت تهرع، فانسلك، فسبقته إلى المسجد فأقمت ليالي أخرج بخروجه إلى البقيع ولا يشعر بي، وسمعته يقول في مناجاته: اللهم إنك أرسلت إليّ ولم تأذن لي، فإن كنت قد رضيتني فأذن لي، وإن لم ترض فوفقني لما يرضيك، قال:
فلما حان رحيلي أتيته مودّعا فتجهّمني، فقلت: أنا صاحبك منذ ليال بالبقيع، أصلي بصلاتك، وأؤمن على دعائك، قال: هل أطلعت على ذلك أحدا؟ قلت:
لا. قال: انصرف راشدا، قلت: ما الرسول الذي أرسل إليك؟ قال: اطّلعت في المرآة فرأيت شيبة في وجهي، فعلمت أنها رسول الله إليّ، فقلت: ادع لي، قال:
ما أنا أهل لذلك، ولكن تعالى نتوسّل إلى الله برسوله (١)، فقمت معه تجاه القبر
стр. 56
المكرم، فقال: ما حاجتك؟ قلت: العفو، فدعا دعاء خفيفا، فأمّنت، ثم مال على جدار القبر، فإذا هو ميت فتنحّيت عنه، حتى فطن الناس له. وجاء أولاده ومواليه فاحتملوه وجهّزوه، وصليت عليه فيمن صلّى.
ويقال: إن ملكا من ملوك اليونان، استعمل على ملبسه أمة أدّبها بعض الحكماء، فألبسته يوما ثيابه وأرته المرآة، فرأى في وجهه شعرة بيضاء، فاستدعى بالمقراض وقصّها، فأخذتها الأمة فقبلتها ووضعتها على كفها، وأصغت بأذنها إليها، فقال لها الملك: إلى أيّ شيء تصغين؟ فقالت: إني أسمع هذه المبتلاة بفقد كرامة قرب الملك تقول قولا عجيبا، قال: ما هو؟ قالت: لا يجترئ لساني على النطق به. قال: قولي وأنت آمنة ما لزمت الحكمة، قالت ما معناه، إنها تقول: أيها الملك المسلط إلى أمد قريب إني خفت بطشك بي فلم أظهر حتى عهدت إلى بناتي أن يأخذن بثأري، وكأنك بهن قد خرجن عليك فإما أن يعجلن الفتك بك، وإما أن ينقصن شهوتك وقوتك وصحتك حتى تعد الموت غنما، فقال: اكتبي كلامك فكتبته فتدبّره، ثم نبذ ملكه في حديث. هذا المقصود منه، وفي معناه قيل:
وزائرة للشيب لاحت بمفرقي … فبادرتها خوفا من الحتف بالنتف
فقالت:
على ضعفي استطعت، ووحدتي … رويدك حتى يلحق الجيش من خلفي
وفي الإسرائيليات؛ أن إبراهيم الخليل لما رجع من تقريب ولده إلى ربه ، رأت سارة في لحيته شعرة بيضاء، وكان ﵇ أول من شاب على وجه الأرض، فأنكرتها وأرته إياها. فجعل يتأملها وأعجبته وكرهتها سارة، وطالبته بإزالتها فأبى، فأتاه ملك الموت فقال: السلام عليك يا إبراهيم، وكان اسمه إبرام فزاده في اسمه هاء، والهاء في السريانية للتفخيم والتعظيم، ففرح بذلك، فقال: أشكر إلهي وإله كل شيء. فقال له الملك: إن الله قد صيرك معظّما في أهل السموات وأهل الأرض، وقد وسمك بسمة أهل الوقار في اسمك وفي خلقك، أما اسمك فإنك تدعى في أهل السماء وأهل الأرض إبراهيم، وأما خلقك فقد أنزل وقارا ونورا على شعرك. فأخبر
стр. 57
سارة بما قال له الملك، وقال: هذا الذي كرهتيه نور ووقار، قالت: إني كارهة له.
قال: لكني أحبه، اللهم زدني نورا ووقارا، فأصبح وقد ابيضّت لحيته كلها.
وفي الآثار النبوية: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة» (١).
وروي أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليستحيي أن يعذّب ذا شيبة» (٢).
والأخبار في هذا الباب كثيرة. وكذلك الشعر اكتفينا منه بما ذكرنا وبالله توفيقنا.
وقال أعرابي في الشيب والخضاب:
يا بؤس من فقد الشباب وغيّرت … منه مفارق رأسه بخضاب
يرجو نضارة وجهه بخضابه … ومصير كلّ عمارة لخراب
شيئان لو بكت الدماء عليهما … عيناي حتى يؤذنا بذهاب
إني وجدت أجلّ كلّ مصيبة … فقد الشباب وفرقة الأحباب
***
١٧ - باب متى تنقطع معرفة العبد من الناس وفي التوبة وبيانها، وفي التائب من هو؟
(ابن ماجه) عن أبي موسى الأشعري: سألت رسول الله ﷺ ؛ متى تنقطع معرفة العبد من الناس؟ قال: «إذا عاين» (٣).
فصل
قوله: «إذا عاين» يريد: إذا عاين ملك الموت أو الملائكة - والله أعلم - وهو معنى قوله ﵊ في الحديث الآخر: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»
стр. 58
خرّجه الترمذي (١). أي عند الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم، يعاين ما يصير إليه من رحمة أو هوان، ولا تنفع حينئذ توبة ولا إيمان، كما قال تعالى في محكم البيان: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] فالتوبة مبسوطة للعبد حتى يعاين قابض الأرواح، وذلك عند غرغرته بالروح، وإنما يغرغر به إذا قطع الوتين، فشخص من الصدر إلى الحلقوم، فعندها المعاينة، وعندها حضور الموت، فاعلم ذلك. فيجب على الإنسان أن يتوب قبل المعاينة والغرغرة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧].
قال ابن عباس والسّدّيّ: من قريب: قبل المرض والموت.
وقال أبو مجلز والضحاك وعكرمة وابن زيد وغيرهم: قبل المعاينة للملائكة والسّوق وأن يغلب المرء على نفسه.
ولقد أحسن محمود الورّاق حيث قال:
قدّم لنفسك توبة مرجوّة … قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر بها غلق النفوس فإنها … ذخر وغنم للمنيب المحسن
قال علماؤنا ﵏: وإنما صحّت منه التوبة في هذا الوقت، لأن الرجاء باق، ويصح الندم والعزم على ترك الفعل. وقيل: المعنى: يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار، والمبادرة في الصحة أفضل وألحق لأمله من العمل الصالح، والبعد كل البعد الموت، وأما ما كان قبل الموت فهو قريب. عن الضحاك ﵁ أيضا.
وعن الحسن: لما هبط إبليس قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده، قال الله تعالى: وعزّتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه.
والتوبة فرض على المؤمنين باتفاق المسلمين (٢) لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم: ٨].
стр. 59
ولها شروط أربعة (١): الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على أن لا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى وخوفا منه لا من غيره، فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة. وقد قيل: من شروطها:
الاعتراف بالذنب، وكثرة الاستغفار الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان، فأما من قال بلسانه: أستغفر الله وقلبه مصرّ على معصيته؛ فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبائر.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.
قال الشيخ المؤلف ﵀: هذا مقولة في زمانه، فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبا على الظلم حريصا عليه لا يقلع، والسبحة في يده، زاعما أنه يستغفر من ذنبه، وذلك استهزاء منه واستخفاف، وهو ممن اتخذ آيات الله هزوا، وفي التنزيل: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ [البقرة: ٢٣١].
وروي عن علي ﵁ أنه رأى رجلا قد فرغ من صلاته وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، سريعا - فقال له: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذّابين، وتوبتك تحتاج إلى توبة. قال يا أمير المؤمنين: وما التوبة؟ قال:
اسم يقع على ستّة معان: على الماضي من الذنوب، والندامة ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم إلى أهلها، وإذءاب النفس في الطاعة كما أذأبتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، وأن تزين نفسك في طاعة الله كما زينتها في معصية الله، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.
وقال أبو بكر الورّاق: التوبة أن تكون نصوحا، وهو أن تضيق عليك الأرض بما رحبت، وتضيق عليك نفسك كالثلاثة الذين خلّفوا وهم كعب بن مالك ومرارة ابن الربيع وهلال بن أمية.
وقيل: التوبة النصوح هي: رد المظالم واستحلال الخصوم وإدمان الطاعات.
وقيل غير هذا.
وبالجملة فالذنوب التي يتاب منها إما كفر أو غيره، فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على سالف من كفره، وليس مجرد الإيمان نفس التوبة. وغير الكفر؛ إما حق لله تعالى وإما حق لغيره. فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك، غير أن منها ما لم يكتف
стр. 60
الشرع فيها بمجرد الترك، بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء؛ كالصلاة والصوم.
ومنها ما أضاف إليها كفارة؛ كالحنث في الأيمان وغير ذلك. وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم يوجدوا؛ تصدّق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعساره فعفو الله مأمول وفضله مبذول، فكم ضمن من التبعات، وبدّل من السيئات بالحسنات. وعليه أن يكثر من الأعمال الصالحات، ويستغفر لمن ظلمه من المؤمنين والمؤمنات، فهذا الكلام في حقيقة التوبة.
وقد روي مرفوعا في صفة التائب من حديث ابن مسعود أن النبيّ ﷺ قال وهو في جماعة من أصحابه: «أتدرون من التائب؟» قالوا: اللهم لا. قال: «إذا تاب العبد ولم يرض خصماؤه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير لباسه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير مجلسه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير نفقته وزينته فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير فراشه ووساده فليس بتائب، ومن تاب ولم يوسع خلقه فليس بتائب، ومن تاب ولم يوسع قلبه وكفه فليس بتائب». ثم قال النبي ﷺ : «فإذا تاب عن هذه الخصال فذلك تائب حقا».
قال العلماء: إرضاء الخصوم يكون بأن يرد عليهم ما غصبهم من مال، أو خانهم، أو غلهم، أو اغتابهم، أو خرق أعراضهم، أو شتمهم، أو سبهم، فيرضيهم بما استطاع، ويتحللهم من ذلك، فإن انقرضوا فإن كان لهم قبله مال رده إلى الورثة، وإن لم يعرف الورثة تصدّق به عنهم، ويستغفر لهم بعد الموت ويدعو لهم عوض الذم والغيبة، لا خلاف في هذا.
وأما تغيير اللباس فهو أن يستبدل ما عليه من الحرام بالحلال، وإن كانت ثياب كبر وخيلاء استبدلها بأطمار متوسطة.
وتغيير المجلس؛ هو بأن يترك مجالس اللهو واللعب والجهال والأحداث، ويجالس العلماء ومجالس الذكر والفقراء والصالحين، ويتقرب إلى قلوبهم بالخدمة وبما يستطيع، ويصافحهم.
وتغيير الطعام بأن يأكل الحلال ويجانب ما كان من شبهة أو شهوة، ويغير أوقات أكله، ولا يقصد اللذيذ من الأطعمة.
وتغيير النفقة هو بترك الحرام وكسب الحلال.
وتغيير الزينة بترك التزين في الأثاث والبناء واللباس والطعام والشراب.
وتغيير الفراش بالقيام بالليل عوض ما كان يشغله بالبطالة والغفلة والمعصية، كما قال الله تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦].
стр. 61
وتغيير الخلق هو بأن ينقلب خلقه من الشدة إلى اللين، ومن الضيق إلى السعة، ومن الشكاسة إلى السماحة.
وتوسيع القلب يكون بالإنفاق، ثقة بالقيام على كل حال، وتوسيع الكف بالسخاء والإيثار بالعطاء. هكذا يبدّل كل ما كان فيه كشرب الخمر بكسره، وسقي اللبن والعسل، والزنا بكفالة الأرملة واليتيمة وتجهيزهما، ويكون مع ذلك نادما على ما سلف منه، ومتحسّرا على ما ضيّع من عمره. فإذا كملت التوبة به على هذه الخصال التي ذكرنا، والشروط التي بيّنّا تقبّلها الله بكرمه، وأنسى حافظيه وبقاع الأرض خطاياه وذنوبه. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى﴾ [طه: ٨٢].
والأصل في هذه الجملة؛ حديث أبي هريرة ﵁ في الرجل الذي قتل مائة نفس ثم سأل: هل له من توبة؟ فقال له العالم: ومن يحول بينك وبينها، انطلق إلى أرض بني فلان، فإن بها ناسا صالحين يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا تعد إلى أرضك فإنها أرض سوء (١). والحديث الذي أخرجه مسلم في «الصحيح». وفي «مسند أبي داود الطيالسي»: حدّثنا زهير بن معاوية، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد - وليس بابن أبي مريم - عن عبد الله بن معقل، قال:
كنت مع أبي وأنا إلى جنبه عند عبد الله بن مسعود فقال له أبي: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه»؟ فقال:
نعم سمعته يقول: «الندم توبة» (٢).
وفي صحيح مسلم والبخاري، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت
стр. 62
رسول الله ﷺ يقول: «إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه» (١)
وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له عن أبي هريرة ﵁ وأبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر ثم قال: «والذي نفسي بيديه» - ثلاث مرات - ثم سكت فأكبّ كلّ رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله ﷺ ثم قال: «ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى إنها لتصفق»، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ (٢) [النساء: ٣١].
قال الشيخ المؤلف ﵀: فدلّ القرآن على أن في الذنوب كبائر وصغائر، خلافا لمن قال: كلها كبائر، حسب ما بيناه في سورة النساء، وأن الصغائر كاللمسة والنظرة تكفّر باجتناب الكبائر قطعا بوعده الصدق وقوله الحق، لا أنه يجب عليه ذلك، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب، وهي إقامة الفرائض كما نص عليه الحديث، ومثله ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (٣). على هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وهو الصحيح في الباب.
стр. 63
وأما الكبائر فلا يكفّرها إلا التوبة منها والإقلاع عنها، كما بيّنا، وقد اختلف في تعيينها، ليس هذا موضع ذكرها، وسيأتي في القصاص، وفي أبواب النار جملة منها، إن شاء الله تعالى والله أعلم بالصواب.
١٨ - باب لا تخرج روح عبد مؤمن أو كافر حتى يبشّر وأنه يصعد بها
(ابن المبارك) قال: أخبرنا حياة قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي قال: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال:
السلام عليك يا وليّ الله، الله يقرئك السلام ثم نزع بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١) [النحل: ٣٢].
وقال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام.
وعن البراء بن عازب في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] فيسلم ملك الموت على المؤمن عند قبض روحه، لا يقبض روحه حتى يسلم عليه.
وقال مجاهد: إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه.
(ابن ماجه) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان وربّ راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، أدخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان وربّ راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله تعالى (٢)،
стр. 64
فإذا كان الرجل السوء قالوا: أخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، أخرجي ذميمة، وأبشري بجحيم وغسّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال:
فلان. فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر» (١). خرّجه عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قال: حدّثنا شبابة بن يسار، عن سوار، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح ثابت اتفق على رجاله البخاري ومسلم ما عدا ابن أبي شيبة، فإنه لمسلم وحده. خرّجه عبد بن حميد أيضا، عن ابن أبي ذئب قال: محمد بن عمر؛ فحدّثني سعيد بن يسار، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: أخرجي أيتها الروح الطيبة» (٢). فذكره مسلم عن أبي هريرة قال: «إذا خرجت روح العبد المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها».
قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك قال: ويقول أهل السماء:
روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق بها إلى ربه ثم يقول: انطلقوا بها إلى آخر الأجل، وإن الكافر إذا خرجت روحه؛ قال حماد: وذكر من نتنها وذكر لعنا. ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض قال: فيقال: انطلقوا بها إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة:
فرد رسول الله ﷺ ريطة كانت عليه على أنفه هكذا (٣).
(البخاري) عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» فقالت عائشة - أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت. فقال: «ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان من الله وكرامته، فليس شيء أحبّ إليه مما أمامه، فأحبّ لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره الموت بشّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله
стр. 65
وكره الله لقاءه» (١). أخرجه مسلم وابن ماجه من حديث عائشة (٢)، وابن المبارك من حديث أنس ﵁ (٣).
فصل
هذا الحديث، وإن كان مفسرا مبينا؛ فقد روي عن عائشة ﵂ في تفسير هذا الحديث أنها قالت لشريح بن هانئ وقد سألها عما سمعه عن أبي هريرة؛ وليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعرّ الجلد، وتشنّجت الأصابع، فعند ذلك من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. خرّجه مسلم (٤).
وروي عنها أيضا في تفسيره؛ أنها قالت: إذا أراد الله بعبد خيرا قيّض له قبل موته بعام ملكا، فسدّده ووفقه حتى يقول الناس: مات فلان خير ما كان، فإذا أحضر ورأى ثوابه تهوع نفسه، أو قال: تهوعت نفسه، فذلك حين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإذا أراد الله بعبده شرا قيض له قبل موته بعام شيطانا، فأضله وفتنه، حتى يقول الناس مات فلان شر ما كان، فإذا أحضر ورأى ما ينزل به من العذاب تبلغ نفسه، فذلك حين يكره لقاء الله وكره الله لقاءه ..
وخرّج الترمذي في أبواب القدر عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله إذا أراد بعبد خيرا استعمله». فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال:
«يوفقه لعمل صالح قبل الموت» (٥). قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
قال الشيخ المؤلف ﵀: ومنه الحديث الآخر: «إذا أراد الله بعبده خيرا عسله». قالوا يا رسول الله وما عسله؟ قال: «يفتح الله له عملا صالحا بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله» (٦).
وعن قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] قال: الروح الرحمة، والريحان تتلقاه به الملائكة عند الموت (٧).
стр. 66
وروى ابن جريج عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة: في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]؛ إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان؟ ويقول: قدما إلى الله ، وأما الكافر فيقولون: نرجعك إلى الدنيا؟ فيقول: ﴿اِرْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] الآية (١).
وأما قوله في الحديث: «حتى ينتهي إلى السماء التي فيها الله تعالى» فالمعنى أمر الله وحكمه (٢) وهي السماء السابعة التي عندها سدرة المنتهى، التي إليها يصعد ما يعرج به من الأرض، ومنها يهبط ما ينزل به منها - كذا في صحيح مسلم من حديث الإسراء.
وفي حديث البراء أنه ينتهي به إلى السماء السابعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد كنت تكلّمت مع بعض أصحابنا القضاة ممن له علم ونظر بالفقه، ومعنا جماعة من أهل النظر، فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر من قوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٥] فذكرت له هذا الحديث، فما كان منه إلا أن بادر إلى عدم صحّته، ولعن رواته! وبين أيدينا رطب نأكله، فقلت له: الحديث صحيح، خرّجه ابن ماجه في «السنن»، ولا تردّ الأخبار بمثل هذا القول، بل تتأول وتحمل على ما يليق من التأويل (٣)، والذين رووها هم الذين رووا لنا الصلوات الخمس وأحكامها؛ فإن صدقوا هنا صدقوا هناك، وإن كذبوا هنا كذبوا هناك، ولا تحصل الثقة بأحد منهم فيما يرويه.
стр. 67
وقد خرّج البزار في «مسنده» من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر ريحان، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ويقال: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨] مرضيا عنك إلى روح الله وكرامته، فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان، وطويت عليها الحريرة وذهب بها إلى عليين.
وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة، فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال:
أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطا عليك، إلى هوان الله وعذابه، فإذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة، ويطوى عليها المسح، ويذهب بها إلى سجّين» (١).
قال الشيخ المؤلف ﵀: فقوله في روح المؤمن: «يذهب بها إلى عليين» هو معنى ما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم إلى السماء التي فيها الله، والأحاديث يفسر بعضها بعضا ولا إشكال.
وذكرته عند بعض من يتّسم بالعلم والفقه والقضاء، فلم يكن منه إلا أن بادر بلعن من رواه ونقله!! فظنّ منه التجسيم، فقلت له: الحديث صحيح، والذين رووه هم الذين جاءوا بالصلوات الخمس وغيرها من أمور الدين، فإن كذبوا هنا كذبوا هنالك، وإن صدقوا هنا صدقوا هنالك. والتأويل مزيل ما توهمته، وكان في ذلك كلام. وحضره جماعة من أهل الفقه والنظر، فذكرت له ما ذكرناه، وذكرت له حديث التنزيل وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٥] وما تأوله العلماء في ذلك، وسيأتي من ذلك في هذا الكتاب ما فيه كفاية لمن اهتدى والحمد لله.
وأما قوله في حديث محمد بن كعب، أول الباب: «إذا استنقعت نفس المؤمن»، فقال شمر: لا أعرفه، وسمعت الزهريّ يقول: يعني إذا اجتمعت في فيه حين تريد أن تخرج كما يستنقع الماء في قراره، والنفس الروح هاهنا، حكاه الهروي (٢).
***
стр. 68
١٩ - باب ما جاء في تلاقي الأرواح في السماء والسؤال عن أهل الأرض وفي عرض الأعمال
(ابن المبارك) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: «إذا قبضت نفس المؤمن تلقّاها أهل الرحمة من عباد الله تعالى كما يتلقّون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه يسألونه، فيقول بعضهم لبعض: انظروا أخاكم حتى يستريح، فإنه كان في كرب شديد، قال:
فيقبلون عليه فيسألونه؛ ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة، هل تزوّجت؟ فإذا سألوه عن الرجل قد مات قبله، فيقول: إنه هلك، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمّه الهاوية، فبئست الأمّ وبئست المربية، قال: فتعرض عليهم أعماله، فإن رأوا حسنا فرحوا واستبشروا وقالوا: اللهم هذه نعمتك على عبدك فأتمّها، وإن رأوا شرّا قالوا: اللهم راجع بعبدك» (١).
قال ابن المبارك: وأخبرنا صفوان بن عمرو، قال: حدّثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير؛ أن أبا الدرداء كان يقول: «إن أعمالكم تعرض على موتاكم فيسرّون ويساءون، قال: يقول أبو الدرداء: اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا يخزى به عبد الله بن رواحة». وفي رواية: «اللهم إني أعوذ بك من عمل يخزيني عند عبد الله بن رواحة» (٢).
أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الثقفي قال: أخبرني عثمان بن عبد الله بن أوس، أن سعيد بن جبير قال له: استأذن لي على ابنة أخي، وهي زوجة عثمان، وهي ابنة عمرو بن أوس، فاستأذنت له، فدخل عليها ثم قال: كيف يفعل بك زوجك؟ قالت: إنه إليّ المحسن فيما استطاع. فالتفت إليّ ثم قال: يا عثمان أحسن إليها فإنك لا تصنع بها شيئا إلا جاء عمرو بن أوس، فقلت: وهل تأتي الأموات أخبار الأحياء؟ قال نعم، ما من أحد له حميم إلا ويأتيه أخبار أقاربه، فإن كان خيرا سرّ به وفرح وهنئ به، وإن كان شرا ابتأس وحزن به، حتى إنهم ليسألون عن الرجل قد مات، فيقال: أو لم يأتكم؟ فيقولون: لا، خولف به إلى أمه الهاوية (٣).
وعن الحسن البصري ﵁ قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عرج
стр. 69
به إلى السماء، فتلقاه أرواح المؤمنين، فيسألونه فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقول:
أو لم يأتكم؟ فيقولون: لا والله ما جاءنا ولا مر بنا، سلك به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية.
وقال وهب بن منبه: إن لله في السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء، تجتمع فيها أرواح المؤمنين، فإذا مات الميت من أهل الدنيا، تلقّته الأرواح، فيسألونه عن أخبار الدنيا كما يسائل الغائب أهله إذا قدم إليهم. ذكره أبو نعيم ﵀.
فصل
هذه الأخبار وإن كانت موقوفة فمثلها لا يقال من جهة الرأي.
وقد خرّج النسائي بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال - الحديث - وفيه: «فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدّ فرحا من أحدكم بغائبه يقدم عليه فيسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أو ما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية» (١). وذكر الحديث، وسيأتي بكماله إلى شاء الله تعالى.
وخرّج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا أبي ﵀، قال: حدّثنا قبيصة، عن سفيان، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أعمالكم تعرض على عشائركم وأقاربكم من الموتى، فإن كان خيرا استبشروا، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم لما هديتنا» (٢).
وخرّج من حديث عبد الغفور بن عبد العزيز، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس على الله، وتعرض على الأنبياء وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا وتشرق، فاتقوا الله عباد الله لا تؤذوا موتاكم بأعمالكم» (٣). وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن أرواحكم تعرض إذا مات أحدكم على عشائركم وموتاكم، فيقول بعضهم لبعضهم: دعوه يستريح فإنه كان في كرب، ثم يسألونه: ما عمل فلان؟ وما عملت فلانة؟
стр. 70
فإن ذكر خيرا حمدوا الله واستبشروا، وإن كان شرّا قالوا: اللهم اغفر له حتى إنهم ليسألون، هل تزوج فلان؟ هل تزوجت فلانة؟ قال: فيسألونه عن رجل مات قبله فيقول:
ذاك مات قبلي، أما مرّ بكم؟ فيقولون: لا والله، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون. ذهب به إلى أمّه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية، حتى إنهم ليسألونه عن هرّ البيت» (١).
ذكره الثعلبي ﵀.
وقد قيل في قوله ﵊: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (٢) إنه هذا التلاقي، وقد قيل: تلاقي أرواح النيام والموتى، وقيل غير هذا. والله أعلم.
باب منه
روي من حديث ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته» (٣). قيل:
يجوز أن يكون الميت يبلغ من أفعال الأحياء وأقوالهم ما يؤذيه في قبره، بلطيفة يحدثها الله لهم من ملك يبلغ، أو علامة، أو دليل، أو ما شاء، وهو القادر على ما يشاء.
وروي عن عروة قال: وقع رجل في علي ﵁ عند عمر بن الخطاب ﵁، فقال له عمر ﵁: مالك قبّحك الله لقد آذيت رسول الله ﷺ في قبره.
قال علماؤنا: ففي هذا الحديث زجر عن سوء القول في الأموات.
وفي الحديث: أنه نهى عن سب الأموات وزجر عن فعل ما كان يسوؤهم في حياتهم، وفيه أيضا زجر عن عقوق الآباء والأمهات بعد موتهما بما يسوؤهما من فعل الحي.
فقد روي في الحديث أن النبي ﷺ كان يهدي لصدائق خديجة صلة منه لها وبرا، وإذا كان الفعل صلة وبرا، كان ضده عقوبة وقطيعة وعقوقا.
وقيل: يجوز أن يكون معنى الحديث: الميت يؤذيه في قبره من كان يؤذيه في بيته إذا كان حيّا، فيكون (ما) بمعنى (من) ويكون ذلك مضمرا في الكلام، والإشارة إلى الملك الموكل بالإنسان.
стр. 71
فقد ورد في الخبر عن النبي ﷺ : «إن الملك يتباعد عن الرجل عند الكذبة يكذبها ميلين من نتن ما جاء به» (١). وكذلك كل معصية لله تؤذي الملك الموكل به.
فيجوز أن يموت العبد وهو مصر على معاصي الله غير تائب منها ولا مكفر عنه خطاياه، فيكون تمحيصه وتطهيره فيما يلحقه من الأذى من تغليظ الملك إياه أو تقريعه له، والله أعلم.
٢٠ - باب في شأن الروح وأين تصير حين تخرج من الجسد؟
قال أبو الحسن القابسي ﵀: الصحيح من المذهب، والذي عليه أهل السنة، أنها ترفعها الملائكة حتى توقفها بين يدي الله تعالى فيسألها (٢)، فإن كانت من أهل السعادة قال لهم: سيروا بها وأروها مقعدها من الجنة. فيسيرون بها في الجنة على قدر ما يغسل الميت، فإذا غسل الميت وكفن؛ ردت وأدرجت بين كفنه وجسده، فإذا حمل على النعش فإنه يسمع كلام الناس، من تكلم بخير ومن تكلم بشر، فإذا وصل إلى قبره وصلّى عليه، ردت فيه الروح وأقعد ذا روح وجسد، ودخل عليه الملكان الفتانان على ما يأتي.
وعن عمرو بن دينار قال: ما من ميت يموت إلا روحه في يد ملك، ينظر إلى جسده كيف يغسل، وكيف يكفن، وكيف يمشى به فيجلس في قبره.
قال داود: وزاد في هذا الحديث، قال: يقال له وهو على سريره: اسمع ثناء الناس عليك. ذكره أبو نعيم الحافظ في باب عمرو.
وقال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: فإذا قبض الملك النفس السعيدة، تناولها ملكان حسان الوجوه، عليهما أثواب حسنة، ولهما رائحة طيبة، فيلفونها في حرير من حرير الجنة، وهي على قدر النحلة، شخص إنساني ما فقد من عقله ولا من علمه المكتسب له في دار الدنيا، فيعرجون بها في الهواء، فلا
стр. 72
يزال يمر بالأمم السالفة والقرون الخالية كأمثال الجراد المنتشر، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، فيقرع الأمين الباب فيقال للأمين: من أنت؟ فيقول: أنا صلصائيل، وهذا فلان معي بأحسن أسمائه وأحبها إليه، فيقول: نعم الرجل كان فلان، وكانت عقيدته غير شاك. ثم ينتهي به إلى السماء الثانية، فيقرع الباب. فيقال له: من أنت؟ فيقول مقالته الأولى فيقولون: أهلا وسهلا بفلان، كان محافظا على صلاته بجميع فرائضها، ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء الثالثة، فيقرع الباب، فيقال له: من أنت؟ فيقول الأمين مقالته الأولى والثانية، فيقال: مرحبا بفلان، كان يراعي الله في حق ماله، ولا يتمسك منه بشيء ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء الرابعة، فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول كدأبه في مقالته، فيقال: أهلا بفلان، كان يصوم فيحسن الصوم، ويحفظه من أدران الرفث وحرام الطعام، ثم ينتهي إلى السماء الخامسة فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول كعادته. فيقال: أهلا وسهلا بفلان، أدى حجّة الله الواجبة من غير سمعة ولا رياء، ثم ينتهي إلى السماء السادسة فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين كدأبه في مقالته. فيقال: مرحبا بالرجل الصالح، والنفس الطيبة، كان كثير البر بوالديه، فيفتح له الباب. ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء السابعة فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين مقالته.
فيقال: مرحبا بفلان، كان كثير الاستغفار بالأسحار، ويتصدق في السر ويكفل الأيتام، ثم يفتح له، فيمر حتى ينتهي إلى سرادقات الجلال، فيقرع الباب فيقال له: من أنت؟ فيقول الأمين مثل قوله، فيقول: أهلا وسهلا بالعبد الصالح والنفس الطيبة، كان كثير الاستغفار، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويكرم المساكين. ويمر بملإ من الملائكة كلهم يبشرونه بالخير ويصافحونه، حتى ينتهي إلى سدرة المنتهى فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين كدأبه في مقالته، فيقال: أهلا وسهلا بفلان، كان عمله عملا صالحا خالصا لوجه الله ، ثم يفتح له فيمر في بحر من نار، ثم يمر في بحر من نور، ثم يمر في بحر من ظلمة، ثم يمر في بحر من ماء، ثم يمر به في بحر من ثلج ثم يمر به في بحر من برد، طول كل بحر منها ألف عام، ثم يخترق الحجب المضروبة على عرش الرحمن، وهي ثمانون ألفا من السرادقات، لها شراريف لكل سرادق ثمانون ألف شرافة، على كل شرافة ثمانون ألف قمر، يهللون لله ويسبحونه ويقدسونه، لو برز منها قمر واحد إلى السماء الدنيا، لعبد من دون الله ولأحرقها نورا، فحينئذ ينادي من الحضرة القدسية من وراء أولئك السرادقات: من هذه النفس التي جئتم بها؟ فيقال: فلان ابن فلان، فيقول الجليل ﷻ : قربوه فنعم العبد كنت يا
стр. 73
عبدي، فإذا أوقفه بين يديه الكريمتين أخجله ببعض اللوم والمعاتبة، حتى يظن أنه قد هلك ثم يعفو عنه (١).
كما روي عن يحيى بن أكثم القاضي؛ وقد رئي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه. ثم قال: يا شيخ السوء فعلت كذا وفعلت كذا! فقلت: يا رب ما بهذا حدثت عنك. قال: فبم حدثت عني يا يحيى؟ فقلت: حدّثني الزهري عن معمر عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ عن جبريل عنك سبحانك أنك قلت: «إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة شابت في الإسلام» فقال:
يا يحيى صدقت، وصدق الزهري، وصدق معمر، وصدق عروة، وصدقت عائشة، وصدق محمد، وصدق جبريل، وقد غفرت لك!!
وعن ابن نباتة وقد رثي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه الكريمتين وقال: أنت الذي تخلص كلامك حتى يقال: ما أفصحه! فقلت: سبحانك إني كنت أصفك. قال: قل ما كنت تقول في دار الدنيا، قلت:
أبادهم الذي خلقهم، وأسكتهم الذي أنطقهم، وسيوجدهم كما أعدمهم، وسيجمعهم كما فرقهم. قال لي: صدقت اذهب فإني قد غفرت لك.
وعن منصور بن عمار؛ أنه رئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال:
أوقفني بين يديه، وقال لي: بماذا جئتني يا منصور؟ قلت: بست وثلاثين حجة.
قال: ما قبلت منها شيئا ولا واحدة. ثم قال: بماذا جئتني يا منصور؟ قلت: جئتك بثلاثمائة وستين ختمة للقرآن قال: ما قبلت منها واحدة. ثم قال: فبماذا جئتني يا منصور؟ قال: جئتك بك، قال سبحانه: الآن جئتني، اذهب فقد غفرت لك (٢)!!
ومن الناس من إذا انتهى إلى الكرسي سمع النداء: ردوه، فمنهم من يرد من الحجب، وإنما يصل إلى الله عارفوه.
فصل
وأما الكافر فتؤخذ نفسه عنفا، فإذا وجهه كأكل الحنظل، والملك يقول:
стр. 74
أخرجي أيتها النفس الخبيثة من الجسد الخبيث، فإذا له صراخ أعظم ما يكون كصراخ الحمير، فإذا قبضها عزرائيل (١) ناولها زبانية قباح الوجوه، سود الثياب منتني الرائحة، بأيديهم مسوح من شعر، فيلفونها فيستحيل شخصا إنسانيّا على قدر الجرادة، فإن الكافر أعظم جرما من المؤمن يعني في الجسم في الآخرة. وفي الصحيح: «أن ضرس الكافر في النار، مثل أحد» (٢). فيعرج به حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، فيقرع الأمين الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول أنا دقيائيل لأن اسم الملك الموكل على زبانية العذاب دقيائيل (٣)، فيقال: من معك؟ فيقول: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه وأبغضها إليه في دار الدنيا، فيقال: لا أهلا ولا سهلا، ولا مرحبا، ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فإذا سمع الأمين هذه المقالة، طرحه من يده، ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد، وهو قوله : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، فإذا انتهى إلى الأرض ابتدرته الزبانية، وسارت به إلى سجين، وهي صخرة عظيمة تأوي إليها أرواح الفجار. وأما النصارى واليهود، فمردودون من الكرسي إلى قبورهم، هذا من كان منهم على شريعته، ويشاهد غسله ودفنه.
وأما المشرك فلا يشاهد شيئا من ذلك، لأنه قد هوي به. وأما المنافق فمثل الثاني يرد ممقوتا مطرودا إلى حفرته. وأما المقصرون المؤمنون فتختلف أنواعهم، فمنهم ترده صلاته، لأن العبد إذا قصّر في صلاته كان سارقا لها. فتلف كما يلف الثوب الخلق، ويضرب بها وجهه. ثم تعرج وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، ومنهم من تردّه زكاته لأنه إنما يزكي ليقال: فلان متصدق، وربما وضعها عند النساء، ولقد رأيناه عافانا الله مما حل به، ومن الناس من يرده صومه، لأنه صام عن الطعام ولم يصم عن الكلام، فهو رفث وخسران، فيخرج الشهر وقد بهرجه، ومن الناس من يرده حجّه، لأنه إنما حج ليقال فلان حج، أو يكون حج بمال خبيث، ومن الناس من يرده العقوق، وسائر أحوال البر كلها لا يعرفها إلا العلماء بأسرار المعاملات، وتخليص العمل الذي للملك الوهاب، فكل هذه المعاني
стр. 75
جاءت بها الآثار والأخبار، كالخبر الذي رواه معاذ بن جبل ﵁ في رد الأعمال، وغيره.
فإذا ردت النفس إلى الجسد ووجدته قد أخذ في غسله إن كان قد غسل، فتقعد عند رأسه حتى يغسل، فإذا أدرج الميت في أكفانه صارت ملتصقة بالصدر من خارج الصدر، ولها خوار وعجيج تقول: أسرعوا بي إلى رحمة الله، أي رحمة لو تعلمون ما أنتم حاملوني إليه، وإن كان يبشر بالشقاء تقول: رويدا إلى أي عذاب لو تعلمون ما أنتم حاملوني إليه، فإذا أدخل القبر وهيل عليه التراب؛ ناداه القبر:
كنت تفرح على ظهري، فاليوم تحزن في بطني، كنت تأكل الألوان على ظهري، فالآن يأكلك الدود في بطني، ويكثر عليه مثل هذه الألفاظ الموبخة حتى يسوّى عليه التراب، ثم يناديه ملك يقال له رومان، وهو أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والله أعلم بغيبه وأحكم.
***
٢١ - باب كيفية التوفي للموتى واختلاف أحوالهم في ذلك
ذكر الله التوفي في كتابه مجملا ومفصلا:
فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] وقال: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] وقال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] وقال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]، فهذا كله مجمل، وقد بينه رسول الله ﷺ على ما يأتي بيانه إن شاء تعالى. وقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] وقال:
﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]، وهذا مخصوص بمن قتل من الكفار يوم بدر، باتفاق أهل التأويل، فيما قاله بعض علمائنا، وقد ذكر المهدوي وغيره في ذلك اختلافا، وأن الكفار حتى الآن يتوفون بالضرب والهوان - والله أعلم.
وروى مسلم في حديث فيه طول قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس، قال:
«بينما رجل من المسلمين يومئذ، يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة