← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 30033

الأحاديث الواردة في الابتلاء

حسين بن غازي التويجري

Полный текст (88 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واضح وذلك أن من أراد الله به خيرًا وخير الله في هذا الموضع رحمته ابتلاه بمرض في جسمه وبموت ولد يحزنه أو بذهاب مال يشق عليه فيأجره على ذلك كله ويكتب له إذا صبر واحتسب بكل شيء منه حسنات يجدها في ميزانه لم يعملها أو يجدها كفارة لذنوب قد عملها فذلك الخير المراد به في هذا الحديث والله أعلم" (١). وقال: "وهذا يقتضي المصائب في المال وفي الجسم أيضًا وكل ذلك أجر ومحطة للوزر وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء - والحمد لله كثيرا" (٢). وقال ابن حجر: "وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن، لأن الآدمي لا ينفك غالبا من ألم بسبب مرض أو هم أو نحو ذلك مما ذكر، وأن الأمراض والأوجاع والآلام - بدنية كانت أو قلبية - تكفر ذنوب من تقع له (٣). فائدة: قال ابن رجب: "هاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب:

стр. 37

أحدهما: أن يرضى بذلك، وهي درجة عالية رفيعة جدًا قال الله ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) قال علقمة: هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، فيسلم لها ويرضى .. ، والدرجة الثانية: أن يصبر على البلاء، وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاء، فالرضا فضل مندوب إليه، مستحب، والصبر واجب على المؤمن حتم، وفي الصبر خير كثير، فإن الله أمر به، ووعد عليه جزيل الأجر. قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ *﴾ (٣)، قال الحسن: الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن. والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن

стр. 38

الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية .. " (١). * * * المطلب الثامن: مواصلة كتابة ثواب الأعمال عند توقفها بسبب الابتلاء: ٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ إِلَّا أَمَرَ اللهُ الْحَفَظَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ: اكْتُبُوا لِعَبْدِي مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مَا دَامَ مَحْبُوسًا فِي وَثَاقِي". أولًا: التخريج: أخرجه أحمد (٢)، وابن أبي شيبة (٣)، والحاكم (٤)، وإسناده صحيح، وقد صححه الحاكم، والهيثمي (٥)، والألباني (٦).

стр. 39

ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (مَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ): هكذا جاء مقيدًا بالمرض وقد ورد عامًا عند البخاري (١) من حديث أبي موسى الأشعري قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا". قوله: (إِلَّا أَمَرَ اللهُ الْحَفَظَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ): أي الذين كانوا يكتبون طاعاته (٢). قوله: (اكْتُبُوا لِعَبْدِي مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مَا دَامَ مَحْبُوسًا فِي وَثَاقِي): قال ابن بطال: " وهذا كله في النوافل وأما صلاة الفرائض فلا تسقط بالسفر والمرض والله أعلم" (٣)، وقوله (محبوسًا في وثاقي): أي في قيدي والوثاق بالكسر القيد والحبل ونحوه، والمعنى ما دام يمنعه المرض عن أداء الأعمال الصالحة (٤). فائدة: قال ابن بطال: (وليس هذا الحديث على العموم، وإنما

стр. 40

هو لمن كانت له نوافل وعادة من عمل صالح فمنعه الله منها بالمرض أو السفر وكانت نيته لو كان صحيحًا أو مقيمًا أن يدوم عليها ولا يقطعها؛ فإن الله يتفضل عليه بأن يكتب له أجر ثوابها حين حبسه عنها، فأما من لم يكن له تنفل ولا عمل صالح فلا يدخل فى معنى الحديث؛ لأنه لم يمنعه مرضه من شيء فكيف يكتب له ما لم يكن يعمله؟) (١). فائدة أخرى: قال الصنعاني: "فيه حث للأصحاء على الإكثار من الأعمال الصالحات ليجري لهم أجرها إذا مرضوا فإنه ما من عبد إلا وهو معرض للأسقام وهي نازلة به" (٢). * * * المطلب التاسع: تنوع البلاء للإنسان فقد يكون في نفسه، أو ماله، أو ولده: ١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.

стр. 41

أولًا: التخريج: أخرجه الترمذي (١)، وأحمد (٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٣)، والحاكم (٤) كلهم من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به، وإسناده حسن، فيه محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي صدوق له أوهام (٥)، والحديث قال عنه الترمذي: "حسن صحيح، وصححه الحاكم، وحسنه إسناده الألباني (٦)، وقد مضى ما يشهد له من حديث سعد بن أبي وقاص (٧) بلفظ: " فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ": ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) أي ينزل بالمؤمن الكامل (والمؤمنة) الواو بمعنى أو بدليل إفراد الضمير في نفسه وماله وولده .. (وولده) بفتح الواو واللام .. أي أولاده (حتى يلقى

стр. 42

الله) أي يموت (وما عليه خطيئة) بالهمز والإدغام، أي: وليس عليه سيئة؛ لأنها زالت بسبب البلاء (١). * * * المطلب العاشر: قد يكون البلاء سببًا في وصولك لدرجة عالية في الجنة لاتبلغها بعملك: ١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ حَتَّى يُبْتَلَى فِي جَسَدِهِ، فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ الْبَلَاءِ». أولًا: التخريج: أخرجه ابن أبي شيبة (٢)، وهناد بن السري (٣)، وإسحاق بن راهوية (٤)، كلهم عن أبي معاوية محمد بن خازم، عن حجاج بن أرطأة، عن جَبَلة بن سحيم، عمن أخبره عن ابن مسعود، وإسناده فيه: حجاج بن أبي أرطأة ضعيف (٥)، وجهالة من روى عن

стр. 43

ابن مسعود (١)، وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللهِ الْمَنْزِلَةُ، فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ، فَلَا يَزَالُ اللهُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ إِيَّاهَا "، أخرجه أبو يعلى (٢)، وابن حبان (٣)، والحاكم (٤) من طريق يونس بن بكير عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة بن عمرو البجلي، عن أبي هريرة به، وإسناده حسن، فيه: يونس (٥) ويحيى (٦) صدوقان، والحديث صححه ابن حبان، والحاكم، والألباني (٧). ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ حَتَّى يُبْتَلَى فِي جَسَدِهِ، فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ الْبَلَاءِ) يعني: إذا قدر الله تعالى لعبد منزلة ودرجة رفيعة، ولم يقدر ذلك العبد أن يبلغ تلك المنزلة بالعمل الصالح، أصابه الله تعالى ببلاء، ورزقه صبرًا على

стр. 44

ذلك البلاء حتى يبلغ تلك المنزلة بما حصل له من ثواب ذلك البلاء وصبْرٍ عليه (١). * * * المطلب الحادي عشر: الفرق بين بلاء المؤمن والكافر: ١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ، لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ، لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ". أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣)، وهذا لفظ مسلم. ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ): تميله: أي تقلبه الريح يمينًا وشمالًا قوله: (كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ): (الأرز) فبفتح الهمزة وراء ساكنة ثم زاي … وهو شجر معروف يشبه الصنوبر، وقيل هو الصنوبر.

стр. 45

قوله (لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ) (تستحصد) بفتح أوله وكسر الصاد، أي: لا تتغير حتى تنقلع مرة واحدة كالزرع الذي انتهى يبسه … ومعنى الحديث أن المؤمن كثير الآلام في بدنه، أو أهله، أو ماله، وذلك مكفر لسيئاته، ورافع لدرجاته، وأما الكافر فقليلها، وإن وقع به شيء لم يكفر شيئا من سيئاته، بل يأتي بها يوم القيامة كاملة (١). قال القرطبي: " وهذا مثل للغالب من المؤمنين والغالب من الكافرين، وحكمة الله في ابتلاء المؤمنين في الدنيا أن يهديهم فيها، ويخلصهم من تبعاتها، " وأن توفر أجورهم في الآخرة، وعكس ذلك في الكفار والمنافقين " (٢). * * * المطلب الثاني عشر: مشروعية التعوذ من البلاء: ١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ"، قَالَ سُفْيَانُ: الْحَدِيثُ ثَلَاثٌ، زِدْتُ أَنَا وَاحِدَةً لَا أَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ.

стр. 46

أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢). ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ): الجهد بفتح الجيم، وضمها، والفتح أشهر، وأفصح (٣)، قَالَ ابن بطال: جهد البلاء: كل ما أصاب المرء منْ شدة مشقة، ومالا طاقة له بحمله، ولا يقدر عَلَى دفعه (٤)، وقيل: المراد بجهد البلاء قلة المال وكثرة العيال، كذا جاء عن ابن عمر (٥)، والحق أن ذلك فرد من أفراد جهد البلاء، وقال غيره: هي الحال الشاقّة. (٦). قوله: (وَدَرَكِ الشَّقَاءِ): بفتح الدال والراء المهملتين ويجوز سكون الراء وهو الإدراك واللحاق والشقاء، بمعجمة ثم قاف هو الهلاك، ويطلق على السبب المؤدي إلى الهلاك (٧).

стр. 47

قوله: (وَسُوءِ الْقَضَاءِ): عام في النفس والمال والأهل والولد والخاتمة والمعاد، قال: والمراد بالقضاء هنا المقضي؛ لأن حكم الله كله حسن لا سوء فيه (١). قوله: (وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ): هي الحزن بفرح عدوه، والفرح بحزنه، وهو مما ينكأ في القلب، ويؤثر في النفس تأثيرًا شديدًا (٢). قوله: (قَالَ سُفْيَانُ: الْحَدِيثُ ثَلَاثٌ، زِدْتُ أَنَا وَاحِدَةً لَا أَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ): سفيان هو ابن عيينة، والحديث المرفوع المروي يشتمل على ثلاث جمل من الجمل الأربع، والرابعة زادها سفيان من قبل نفسه، ثم خفي عليه تعيينها … وأخرجه الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر، عن سفيان وبين أن الخصلة المزيدة هي: " شماتة الأعداء "، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق شجاع بن مخلد، عن سفيان مقتصرًا على الثلاثة دونها، وعرف من ذلك تعيين الخصلة المزيدة، ويجاب عن النظر بأن سفيان كان إذا حدث ميزها، ثم طال الأمر فطرقه السهو عن تعيينها فحفظ بعض من سمع تعيينها منه قبل أن يطرقه السهو، ثم كان بعد أن خفي عليه تعيينها يذكر كونها مزيدة مع إبهامها، ثم بعد ذلك إما أن يحمل الحال حيث لم يقع

стр. 48

تمييزها لا تعيينًا ولا إبهامًا، أن يكون ذهل عن ذلك، أو عيّن، أو ميّز، فذهل عنه بعض من سمع، ويترجح كون الخصلة المذكورة هي المزيدة بأنها تدخل في عموم كل واحدة من الثلاثة، ثم كل واحدة من الثلاثة مستقلة؛ فإن كل أمر يكره يلاحظ فيه جهة المبدأ، وهو " سوء القضاء " وجهة المعاد وهو " درك الشقاء "؛ لأن شقاء الآخرة هو الشقاء الحقيقي، وجهة المعاش وهو " جهد البلاء (١). * * * المطلب الثالث عشر: كثرة الابتلاء في آخر الزمان، مع غلبة ضعف الإيمان: ١٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ. أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) وهذا لفظ مسلم.

стр. 49

ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا): أي: لا تفرغ ولا تنقضي. قوله: (حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ) فيتمرغ: أي: يتقلب الرجل على القبر. قوله: (وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ): أي: ميتًا. قوله: (وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ): الدين: بكسر الدال، وقوله (إلا البلاء): أي الحامل له على التمني ليس الدين بل البلاء وكثرة المحن والفتن وسائر الضراء (١). قال ابن حجر: "قال ابن بطال: "تغبط أهل القبور، وتمني الموت عند ظهور الفتن، إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكر … " (٢) انتهى. وليس هذا عامًا في حق كل أحد، وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم، فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه، وإن لم يكن في

стр. 50

ذلك شيء يتعلق بدينه، ويؤيده ما أخرجه في رواية أبي حازم، عن أبي هريرة عند مسلم: " لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ" (١). وذكر الرجل فيه للغالب، وإلا فالمرأة يتصور فيها ذلك، والسبب في ذلك ما ذكر في رواية أبي حازم أنه: " يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده "، وبهذا جزم القرطبي (٢)، وذكره عياض احتمالًا (٣)، وأغرب بعض شراح " المصابيح " (٤) فقال: المراد بالدين هنا العبادة، والمعنى: أنه يتمرغ على القبر، ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرغ فيها من عادته، وإنما الحامل عليه البلاء، وتعقبه الطيبي (٥) بأن حمل الدين على حقيقته أولى، أي: ليس التمني والتمرغ لأمر أصابه من جهة الدين، بل من جهة الدنيا، وقال ابن عبد البر: "ظن بعضهم أن هذا الحديث

стр. 51

معارض للنهي عن تمني الموت، وليس كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين، أو ضعفه، أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم، كذا قال" (١)، وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا … وقال غيره: ليس بين هذا الخبر وحديث النهي عن تمني الموت (٢) معارضة؛ لأن النهي صريح، وهذا إنما فيه إخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه تعرض لحكمه، وإنما سيق للإخبار عما سيقع. قلت: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: " وليس به الدين إنما هو البلاء "، فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودًا، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف. قال النووي: "لا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب، وعيسى الغفاري، وعمر بن عبد العزيز

стр. 52

وغيرهم " (١). ثم قال القرطبي (٢): "كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره، ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه نفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة، كما أخرج مسلم (٣) من حديث معقل بن يسار رفعه: " الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ"، ويؤخذ من قوله: " حتى يمر الرجل بقبر الرجل " أن التمني المذكور إنما يحصل عند رؤية القبر، وليس ذلك مرادًا، بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمني؛ لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمني، أو يخف عند مشاهدة القبر والمقبور، فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه، فإذا تمادى على ذلك دلَّ على تأكد أمر تلك الشدة عنده؛ حيث لم يصرفه ما شاهده من وحشة القبر وتذكر ما فيه من الأهوال عن استمراره على تمني الموت " (٤). * * *

стр. 53

المطلب الرابع عشر: فضل الدعاء، وأثره على رد البلاء، أو تخفيفه: ١٥ - عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: " لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. أولًا: التخريج: أخرجه البزار (١)، والطبراني (٢)، والحاكم (٣) من طريق زكريا بن منصور، عن عطاف بن خالد، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة به، وفي إسناده زكريا بن منظور الأنصاري ضعيف (٤)، وله شاهد من حديث معاذ بلفظ " لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللهِ"، وفي إسناده شهر بن حوشب ضعيف (٥)، ولم يسمع من معاذ (٦)، وإسماعيل ابن عياش رواه عن غير أهل بلده (٧)، وله شاهد - أيضًا- من حديث

стр. 54

سلمان بلفظ "لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ"، أخرجه الترمذي (١)، وفي إسناده أبو مودود البصري، واسمه فضة، كما نص عليه الترمذي (٢)، فيه لين (٣)، وبهذه الشواهد وغيرها يتقوى ويرتقي لدرجة الحسن لغيره (٤). ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ): أي لا يجدي إذ لا مفر من قضائه تعالى فهو واقع على كل حال والحذر بالتحريك الاستعداد والتأهب للشيء والقدر بالتحريك أيضا القضاء الذي يقدره الله تعالى (٥). قوله: (وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ): هو إخبار أن الحذر لا ينفع، وأن الدعاء ينفع؛ إلا أن استعمال الأسباب التي أذن الله

стр. 55

بها من الأدوية للأسقام، وغيرها من الأسباب كحمل السلاح، ولبس الدروع عند لقاء العدو وهو من الأقدار، فإنه تعالى ما أمر بالأسباب إلاَّ وقد قدرها دافعة لما شاء من المسببات، فيستعملها العبد لكونه أذن له بها، وأمر باتخاذها، ولا يتكل عليها، بل على مولاه الذي له في خلقه ما شاء، ويعلم أن أنفع الأدوية والأسباب هو الدعاء الدافع لكل بلاء فلا يعجز عنه (١)، ومعنى يعتلجان أي يتصارعان، ويتدافعان (٢). فائدة: قال ابن القيم ﵀: "والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدفعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن .... وللدعاء مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه، وإن كان ضعيفا. الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه" (٣).

стр. 56

المطلب الخامس عشر: مشروعية الهرب من البلاء، وعدم التعرض له: ١٦ - عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ". قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ. أولًا: التخريج: أخرجه الترمذي (١)، وابن ماجه (٢) من طريق علي بن زيد، عن الحسن، عن جندب البجلي، عن حذيفة به، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف (٣)، قال أبو حاتم: " هذا حديث منكر" (٤)، وقال - أيضًا -: "قد زاد في الإسناد جندبا، وليس بمحفوظ؛ حدثنا أبو سلمة، عن حماد، وليس فيه جندب" (٥)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، وفي تحفة الأشراف (٦): "حسن صحيح"،

стр. 57

وللحديث شواهد (١) يتقوى بها، فمنها حديث ابن عمر باللفظ نفسه أخرجه الطبراني (٢)، وإسناده حسن فيه ورقاء بن عمر اليشكري، صدوق (٣)، وجوّد إسناده الهيثمي (٤)، وصححه الألباني (٥)، وشاهد آخر من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه أبو يعلى، وفي إسناده شيخ أبي يعلى قطن بن نُسير البصري صدوق يخطيء (٦). ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ) أي لايجوز، وقوله: (أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ") بضم الياء وكسر الذال المعجمة من الإذلال. وقوله: (قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟): وَجه استبعادهم أن الإنسان مجبول على حب إعزاز نفسه، قاله القاري (٧). قوله: (قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ): أي تصدى (من

стр. 58

البلاء) إما بالدعاء على نفسه به أو بأن يأتي بأسبابه العادية، وهو بيان مقدم لقوله (لما لا يطيق) (١). * * * المطلب السادس عشر: عظم جزاء المبتلين الصابرين يوم القيامة، وغبطة الناس لهم: ١٧ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ. أولًا: التخريج: أخرجه الترمذي (٢) من طريق عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، عن أبي الزبير، عن جابر به، وفي إسناده أبو الزبير مدلس ولم يصرح بالتحديث (٣)، وعبد الرحمن بن مغراء أبو زهيرالكوفي صدوق تكلم في حديثه عن الأعمش (٤). قال الترمذي: "وهذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا

стр. 59

الوجه " وقد روى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن مسروق، قوله شيئا من هذا"، وقال الدارقطني: " يرويه الأعمش، واختلف عنه؛ فرواه عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، عن أبي الزبير، عن جابر، وخالفه أبو عبيدة بن معن، فرواه عن الأعمش، قال: سمعتهم يذكرون عن جابر مرسلًا، ولا يدفع قول ابن مغراء أن يكون حفظه عن الأعمش " (١). وله شاهد من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يُؤْتَى بِالشَّهِيدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنْصَبُ لِلْحِسَابِ، وَيُؤْتَى بِالْمُتَصَدِّقِ فَيُنْصَبُ لِلْحِسَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلاءِ وَلا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ، وَلا يُنْشَرُ لَهُمْ دِيوَانٌ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأَجْرُ صَبًّا، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْعَافِيَةِ لَيَتَمَنَّوْنَ فِي الْمَوْقِفِ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِيضِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِ اللَّهِ لَهُمْ"، أخرجه الطبراني (٢) عن السري بن سهل، عن عبد الله بن رشيد، عن مجاعة بن الزبير، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس به، قال الهيثمي: " رواه الطبراني في الكبير وفيه مجاعة بن الزبير وثقه أحمد وضعفه الدارقطني" (٣)، قلت: فيه السري بن سهل بن علقمة

стр. 60

الجُنْدَيْسَابُوري، قال البيهقي: "لا يحتج به ولا بشيخه" (١)، وفيه أيضًا عبد الله بن رشيد أبو عبد الرحمن الجند يسابوري، سبق قول البيهقي فيه بأنه لا يحتج به، ولكن قال أبو عوانة: "وكان ثقة" (٢)، وقال ابن حبان: " مستقيم الحديث" (٣)، والذي يظهر والله أعلم أنه في مرتبة صدوق، والحديث حسنه الألباني بشواهده (٤). ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله (يَوَدُّ): أي يتمنى (أَهْلُ الْعَافِيَةِ) أي في الدنيا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف يود (حِينَ يُعْطَى) على البناء للمفعول (الثَّوَابَ) مفعول ثان أي كثير أو بلا حساب لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٥)، (قُرِضَتْ) بالتخفيف ويحتمل التشديد للمبالغة والتأكيد أي قطعت (فِي الدُّنْيَا) قطعة قطعة (بِالْمَقَارِيضِ) جمع المقراض ليجدوا ثوابًا كما وجد أهل البلاء (٦) ". * * *

стр. 61

المطلب السابع عشر: مشروعية سؤال الله العافية عند رؤية أصحاب البلاء: ١٨ - عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ". أولًا: التخريج: أخرجه الترمذي (١) من طريق عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن عمر به، وفي إسناده عمرو بن دينار البصري ضعيف (٢)، قال الترمذي: "هذا حديث غريب"، قلت: قد اضطرب فيه، فتارة جعله من مسند عمر كما تقدم، وتارة يجعله من مسند ابن عمر، كما أخرجه ابن ماجه (٣)، وهذا مما يؤكد ضعفه، ولعل الصحيح أنه من حديث ابن عمر ويدل على هذا ما أخرجه البزار (٤) من طريق المغيرة بن مسلم، أيوب بن أبي تميمة، عن نافع، عن ابن عمر به، وإسناد حسن، فيه المغيرة بن مسلم

стр. 62

الأزدي صدوق (١)، لكن قال الدارقطني: "يرويه أيوب السختياني، واختلف عنه؛ فرواه مغيرة بن مسلم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ووهم فيه. ورواه الثوري، عن أيوب، عن رجل، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ وهذا الرجل هو عمرو بن دينار، قهرمان آل الزبير، وهو أصح من حديث المغيرة" (٢). قلت: وله شواهد يتقوى بها منها: حديث أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ"، أخرجه الترمذي (٣) من طريق عبد الله بن عمر العمري، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به، وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"، قلت: في إسناده عبد الله بن عمر العمري، ضعيف (٤)، وقد تابعه عبد الله بن جعفر السعدي المديني - كما أخرجه الطبراني (٥) - وهو ضعيف (٦) أيضًا، وهما يرويانه عن سهيل بن أبي صالح صدوق تغير

стр. 63

حفظه بأخرة (١)، وقال الهيثمي: "وإسناده حسن" (٢)، والحديث حسنه بشواهد الألباني في الصحيحة (٣). ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ): أي مبتلى في أمر بدني كبرص وقصر فاحش أو طول مفرط أو عمى أو عرج أو اعوجاج يد ونحوها، أو ديني بنحو فسق وظلم وبدعة وكفر وغيرها. قوله: (الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ): فإن العافية أوسع من البلية؛ لأنها مظنة الجزع والفتنة وحينئذ تكون محنة أي محنة، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف. قوله: (وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا): أي في الدين والدنيا والقلب والقالب. قوله: (إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ): (كائنا ما كان) أي حال كون ذلك البلاء أي بلاء كان (ما عاش) أي مدة بقائه في الدنيا (٤).

стр. 64

المطلب الثامن عشر: النهي الشديد عن استعجال البلاء: ١٩ - عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: رَأَى إِنْسَانًا بِهِ بَلَاءٌ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ سَأَلْتَهُ أَنْ يُعَجِّلَ لَكَ الْبَلَاءَ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَهَلَّا سَأَلْتَ اللهَ الْعَافِيَةَ، وَقُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أولًا: التخريج: أخرجه الطبراني (١) وفي إسناده شيخ الطبراني محمد بن زكريا أبو جعفر الغَلابي اتهمه بالوضع ابن معين، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي، وابن حجر (٢)، وأما متن الحديث فهو ثابت من أحاديث أخر منها: حديث أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا فَقَالَ

стр. 65

رَسُولُ اللهِ ﷺ : سُبْحَانَ اللهِ لَا تُطِيقُهُ أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ أَفَلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُ فَشَفَاهُ. أخرجه مسلم (١). ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (أَنَّهُ: رَأَى إِنْسَانًا بِهِ بَلَاءٌ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ سَأَلْتَهُ أَنْ يُعَجِّلَ لَكَ الْبَلَاءَ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَهَلَّا سَأَلْتَ اللهَ الْعَافِيَةَ، وَقُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) قال النووي: "وفي هذا الحديث: النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة. وفيه فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار … وفيه استحباب عيادة المريض، والدعاء له. وفيه كراهة تمني البلاء; لئلا يتضجر منه، ويسخطه، وربما شكا، وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها العبادة والعافية، وفي الآخرة الجنة والمغفرة، وقيل: الحسنة تعم الدنيا والآخرة " (٢). وقال - أيضًا-: "وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن في الدين والدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العافية العامة

стр. 66

لي ولأحبائي ولجميع المسلمين" (١). * * * المطلب التاسع عشر: ذكر بعض البلايا وثواب من صبر عليها: أولا: فضل الصبر على الحمى: ٢٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيِّبِ (٢) فَقَالَ: مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتِ: الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ. أولًا: التخريج: أخرجه مسلم (٣). ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله (مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ؟) جميع رواة مسلم روى هذه الكلمة بالزاي والفاء فيهما، ويقال بضم التاء

стр. 67

وفتحها من الزفزفة، وهي صوت حفيف الريح. يقال: زفزفت الريح الحشيش: أي حركته، وزفزف النعام في طيرانه: أي: حرك جناحيه، وقد رواه بعض الرواة بالقاف والراء، قال أبو مروان بن سراج: يقال: بالقاف وبالفاء بمعنى واحد، بمعنى ترعدين. قلت: ورواية الفاء (أعرف) رواية، وأصح معنى، وذلك أن الحمى تكون معها حركة ضعيفة، وحس صوت يشبه الزفزفة التي هي حركة الريح وصوتها في الشجر. قوله (لَا تَسُبِّي الْحُمَّى): مع أنها لم تصرح بسب الحمى، وإنما دعت عليها بألا يبارك فيها، غير أن مثل هذا الدعاء تضمن تنقيص المدعو عليه وذمه، فصار ذلك كالتصريح بالذم والسب. قوله (فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ): هذا تعليل لمنع سب الحمى لما يكون عنها من الثواب، فيتعدى ذلك لكل مشقة، أو شدة يرتجى عليها ثواب، فلا ينبغي أن يذم شيء من ذلك، ولا يسب. وحكمة ذلك: أن سب ذلك إنما يصدر في الغالب عن الضجر، وضعف الصبر، أو عدمه، وربما يفضي بصاحبه إلى السخط المحرم، مع أنه لا يفيد ذلك فائدة، ولا يخفف ألمًا (١). * * *

стр. 68

٢١ - عَنْ أَنَسٍ، يَرْفَعُ الْحَدِيثَ، قَالَ: "إِنَّ الْحُمَّى كُورٌ مِنْ كُؤُورِ جَهَنَّمَ، مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَانَتْ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ ". أولًا: التخريج: أخرجه أبو يعلى (١) من طريق أبي خلف، عن ثابت، والطبراني (٢) من طريق سليمان ابن داود، عن عبيس بن ميمون، عن قتادة كلاهما عن أنس به، وأبو خلف الأعمى خادم أنس قيل اسمه حازم بن عطاء (٣)، وسليمان بن داود الشاذكوني (٤) متروكان، ولمتنه شاهد من حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا - وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ - مِنْ وَعَكٍ (٥) كَانَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَبْشِرْ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ"، أخرجه الترمذي (٦)، وابن ماجه (٧)، وإسناده

стр. 69

حسن فيه أبو صالح الأشعري قال أبو حاتم: "لا بأس به (١)، وقال الذهبي: "ثقة" (٢)، والحديث صححه الحاكم (٣)، والألباني (٤) ولكن قد اختلف على أبي صالح الأشعري فيه فرواه عنه أبو الحصين الفلسطيني وجعله من مسند أبي أمامة (٥)، ورواه عنه إسماعيل بن عبيد الله فجعله من مسند أبي هريرة، وأبو الحصين مجهول (٦)، وإسماعيل بن عبيد الله المخزومي مولاهم ثقة (٧)، ولكنه قد اختلف عليه أيضًا فرواه عنه عبد الرحمن بن يزيد الأزدي (٨) وجعله من حديث أبي هريرة، وخالفه سعيد بن عبد العزيز التنوخي (٩) فجعله من قول كعب الأحبار، وكلاهما ثقة، ورجح الموقوف الدارقطني (١٠)، وللحديث شواهد توسع بذكرها الألباني في الصحيحة (١١).

стр. 70

ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (إِنَّ الْحُمَّى كُورٌ مِنْ كُؤُورِ جَهَنَّمَ) جاء في حديث أبي أمامة " الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ جَهَنَّمَ" (١)، وجاء في حديث ابن عباس " الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ " (٢)، والكير بالكسر: كير الحداد، وهو المبني من الطين. وقيل: الزق الذي ينفخ به النار، والمبني: الكور (٣)، وجهنم: وهي لفظة أعجمية، وهو اسم لنار الآخرة. وقيل هي عربية. وسميت بها لبعد قعرها. ومنه ركية جهنام- بكسر الجيم والهاء والتشديد-: أي بعيدة القعر. وقيل تعريب كهنام بالعبراني (٤). والفيح: سطوع الحر وفورانه، ويقال بالواو، وفاحت القدر تفيح وتفوح إذا غلت (٥). قوله: (مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَانَتْ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ) (حظه) أي: نصيبه بدلًا. (من النار): مما اقترف من الذنوب المجعولة له يوم القيامة، ويحتمل أنها نصيبه من الحتم المقضي عليه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٦) .. وينبغي أن يقيد المؤمن بالكامل،

стр. 71

لئلا يشكل بأن بعض العصاة من المؤمنين يعذبون بالنار (١). وقال المناوي: "أي نار جهنم فإذا ذاق لهيبها في الدنيا لا يذوق لهب جهنم في الأخرى، قال الزين العراقي: "إنما جعلت حظه من النار لما فيها من الحر والبرد المغير للجسم وهذه صفة جهنم فهي تكفر الذنوب فتمنعه دخول النار"، قال المصنف: "هي طهور من الذنوب، وتذكرة للمؤمن بنار جهنم كي يتوب … لها منافع بدنية، ومآثر سنية، فإنها تنقي البدن، وتنقي عنه العفن، رب سقم أزلي ومرض عولج منه زمانا، وهو ممتلئ فلما طرأت عليه، أبرأته فإذا هو منجلي، وربما صحت الأجساد بالعلل .. وذكروا أنها تفتح كثيرًا من السدد، وتنضح من الأخلاط، والمواد ما فسد". (٢) فائدة: قال ابن القيم: "وقال لي بعض فضلاء الأطباء: إن كثيرًا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى، كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء بكثير، فإنها تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضر بالبدن، فإذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئة للخروج بنضاجها فأخرجها فكانت سببًا للشفاء" (٣).

стр. 72

ثانيًا: فضل الصبر على الصرع: ٢٢ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ. فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢). ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ): في رواية جعفر المستغفري في " كتاب الصحابة " وأخرجه أبو موسى في " الذيل " من طريقه ثم من رواية عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح في هذا الحديث " فأراني حبشية صفراء عظيمة فقال: هذه سعيرة الأسدية. قوله: (إِنِّي أُصْرَعُ): الصرع هو: انحباس الريح في منافذ الدماغ، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء، وقد يتبعه تشنج في الأعضاء فلا يبقى الشخص معه منتصبا بل يسقط ويقذف

стр. 73

بالزبد لغلظ الرطوبة، وقد يكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذية به. قوله: (وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ): بمثناة وتشديد المعجمة من التكشف، وبالنون الساكنة مخففا من الانكشاف، والمراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر. قوله: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ): في الحديث فضل من يصرع، وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل، والله أعلم (١). قلت: وفي قولها: (فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ): رسالة لبنات

стр. 74

المسلمين في المحافظة على الستر والعفاف حتى في حال فقدان الوعي فرضي الله عنها وأرضاها. * * * الثالث: فضل الصبر على فقد الحبيب: ٢٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةُ. أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (١). ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث: قوله: (مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ): أي ثواب. قوله: (إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا): صفيه بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد التحتانية، وهو الحبيب المصافي كالولد والأخ وكل من يحبه الإنسان، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت، وقوله (صَفِيَّهُ) يدخل فيه الواحد فما فوقه وهو أصح ما ورد في ذلك.

стр. 75

قوله: (ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةُ): صبر على فقده راجيًا الأجر من الله على ذلك وأصل الحسبة بالكسر الأجرة والاحتساب طلب الأجر من الله - تعالى - خالصا … ووجه الدلالة من حديث الباب أن الصفي أعم من أن يكون ولدًا أم غيره وقد أفرد ورتب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه (١). * * * الرابع: فضل الصبر على البنات وتربيتهن: ٢٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا فَسَأَلَتْنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتْهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ وَابْنَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ. أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣).
следующие страницы →