بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١)
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢)
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣)
أما بعد:
فقد خلقنا الله لغاية عظيمة، ومهمة جسيمة، ألا وهي عبادته
стр. 2
وحده دون من سواه،: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، ومن أجل تحقيق هذه المهمة على الوجه الأكمل، وإقامة الحجة على الخلق، أرسل الله الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢)، قال السعدي ﵀: "هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم" ا. هـ (٣).
وخلق الله الخلق أسوياء على الفطرة وعلى التوحيد والسلامة من الشرك ودَرَنِه، فاجتالتهم شياطين الإنس والجن وحرفوهم عنها، إلى الشرك والضلالة، إلا من عصمه الله، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
стр. 3
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ. أَوْ يُمَجِّسَانِهِ. " (١)، من أجل هذا كان الواجب على كل مكلف، أن يحذر من الشرك، ووسائله، وأن يفتش، بل يدقق في أقواله، وأفعاله وإراداته، هل هي سالمة من الشرك أم لا؟، وهذا هو نهج الأنبياء والصالحين الخوف على النفس والذرية من الشرك، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (٢)، قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ ﵀: "فإذا كان ابراهيم ﵇ يسأل الله أن يجنبه ويجنب بنيه عبادة الأصنام فما ظنك بغيره كما قال ابراهيم التيمي ومن يأمن من البلاء بعد ابراهيم رواه ابن جرير (٣) .. وهذا يوجب للقلب الحي أن يخاف من الشرك لا كما يقول الجهال إن الشرك لا يقع في هذه الأمة ولهذا أمنوا الشرك فوقعوا فيه" (٤)، بل لخطره وعظم مصيبته خافه علينا أرحم الخلق بالخلق ﷺ بقوله: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ
стр. 4
عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ" (١). ولأهمية الموضوع وهو بيان خطر الشرك وعظم أمره، وأنه أظلم الظلم، جمعت الأحاديث الواردة في هذا الباب، والتي تذكرلفظ الشرك، في هذا البحث وسميته
(الأحاديث الواردة في التحذير من الشرك، وبيان خطره) جمعًا ودراسةً
الدراسات السابقة: لم أقف على من جمع الأحاديث الواردة في هذا الموضوع في بحث مستقل مع دراستها وتخريجها والحكم عليها، وإنما هي أحاديث مبثوثة في مصادر السنة، وكتب العقائد.
حدود البحث: جمع الأحاديث التي ذكرت لفظ الشرك ودراستها والحكم عليها صحة وضعفًا، مع شرحها.
خطة البحث:
قسمت البحث إلى مقدمة، ومبحثين، وخاتمة:
стр. 5
فالمقدمة ذكرت فيها أهمية هذا البحث، والدراسات السابقة، وحدود البحث، وخطة البحث، والمنهج الذي سرت عليه في جمع أحاديث الموضوع، وطريقة تخريج الأحاديث.
والمبحث الأول: تعريف الشرك، وذكر أقسامه، وأحواله، ويحتوي على خمسة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الشرك.
المطلب الثاني: أقسام الشرك: ينقسم إلى قسمين أكبر وأصغر.
المطلب الثالث: أحوال الشرك ظاهر وخفي.
المطلب الرابع: الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر.
المطلب الخامس: ذكر الشرك في القرآن.
المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في التحذير من الشرك، وبيان خطره: ويحتوي على عشرة مطالب:
المطلب الأول: الشرك أكبر الموبقات.
المطلب الثاني: الشرك أظلم الظلم.
المطلب الثالث: الشرك أكبر الكبائر.
المطلب الرابع: الشرك أعظم الذنوب عند الله.
стр. 6
المطلب الخامس: الشرك سبب لدخول النار.
المطلب السادس: تخلي الله عن المشرك يوم القيامة، ورد أعماله، وعدم إثابته عليها.
المطلب السابع: الشرك موجب لدخول النار، والتوحيد موجب لدخول الجنة.
المطلب الثامن: مشروعية قول هذا الدعاء عند الخوف من الشرك.
المطلب التاسع: فضل التوحيد والسلامة من الشرك.
المطلب العاشر: ذكرأمثلة من الأقوال والأعمال الشركية.
أولًا: تحريم الرقى الشركية.
ثانيًا: الطيرة من الشرك.
ثالثًا: الحلف بغير الله من الشرك.
رابعًا: تزيين الصلاة من أجل نظر الناس شرك.
خامسًا: تعليق التميمة من الشرك.
سادسًا: السحر من الشرك.
والخاتمة: ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال
стр. 7
هذا البحث، ثم وضعت فهرسًا للمصادر والمراجع، وآخر للموضوعات.
منهج البحث:
أولًا: جمعت الأحاديث من مصادر السنة المسندة، على الطريقة التالية:
إن كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما، اكتفيت بالعزو لهما، وربما عزوت إلى السنن الأربعة أو لغيرها من أجل فائدة إسنادية أو متنية.
فإن لم يكن الحديث في الصحيحين أو أحدهما، عزوته لأصحاب السنن الأربعة، مع الحكم عليه، وربما عزوته لغير السنن من أجل فائدة في الإسناد، أو في المتن.
فإن لم يكن في السنن الأربعة أو في أحدها خرجته من بقية الكتب مرتبًا في العزو على سنة الوفاة، مع الحكم عليه، بعد ذكر المتابعات والشواهد إن احتاج الأمر إلى ذلك، ولا أستوعب جميع من أخرج الحديث، طلبًا للاختصار.
أذكر ما وقفت عليه من أحكام أهل العلم على الحديث من غير قصد الاستيعاب.
стр. 8
إذا ثبت حديث الباب فلا أتوسع بذكر الشواهد.
ثانيًا: الترجمة لرجال الإسناد ممن يقتضي المقام الترجمة لهم، على النحو التالي:
إذا كان الراوي من رجال الكتب الستة، فأكتفي بكلام الحافظ ابن حجر في التقريب، ما لم يظهر لي خلافه، فحينئذ أذكر بعضًا من كلام أئمة الجرح والتعديل في تأييد ما ظهر لي من حال هذا الراوي.
ب- إذا لم يكن الراوي من رجال التقريب، فإني أعرَّف به من مظانِّ ترجمته بإيجاز.
ثالثًا: بيان معاني الكلمات الغريبة.
رابعًا: أذكر كلام شراح الحديث في بيان معنى الحديث، وتوجيههم له، وربما ذكرت بعض الفوائد المتعلقة بالحديث.
خامسًا: ضبط الكلمات والأسماء المشكلة.
سادسًا: الالتزام بعلامات الترقيم.
وأسأل الله التوفيق والسداد، وأن يجعل أعمالنا صالحة، ولوجهه خالصة، وهذا وقت البدء بالمقصود، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
*****
стр. 9
المبحث الأول: تعريف الشرك، وذكر أقسامه، وأحواله، ويحتوي على خمسة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الشرك:
في اللغة: الشرك: بكسر الشين، وإسكان الراء تقول: شاركته في الأمر وشركته فيه أشركه شركًا، بكسر الأول وسكون الثاني، ويأتي: شركة، بفتح الأول وكسر الثاني فيها. ويقال: أشركته: أي جعلته شريكًا (١).
وله معان كثيرة منها: المشاركة، والمخالطة، والحظ والنصيب، والتسوية، والكفر:
قال ابن فارس: "الشركة هو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشيء، إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا، إذا جعلته شريكًا لك" (٢).
وقال ابن منظور: "الشَّركة والشَّرِكة سواء؛ مخالطة الشريكين،
стр. 10
يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر والشريك: المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء" (١).
وقال الأزهري: " شريك وأشراك، كما قالوا: يتيم وأيتام، ونصير وأنصار، والأشراك أيضًا جمع الشرك وهو النصيب، كما قال: قسم وأقسام" (٢).
وقال ابن منظور- أيضًا-: " طريق مشترك: أي يستوي فيه الناس، واسم مشترك: تستوي فيه معاني كثيرة .. " (٣).
وقال الجوهري: "والشرك أيضًا: الكفر" (٤).
في الاصطلاح: سيأتي التعريف به عند ذكر أقسامه.
* * *
المطلب الثاني: أقسام الشرك: ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الشرك الأكبر: دعوة غير الله معه (٥)، وبعبارة أخرى: هو أن يجعل لله ندًا يدعوه كما يدعو الله، أو يخافه، أو
стр. 11
يرجوه، أو يحبه كحب الله، أو يصرف له نوعًا من خصائص الربوبية والإلهية (١).
أو يقال: هوكل شرك أطلقه الشارع وكان متضمنًا لخروج الإنسان عن دينه (٢).
ومن أمثلته: دعاء غير الله دعاء عبادة، أو دعاء مسألة، أو استغاثة بغير الله فيما لايقدر عليه إلا الله، أو نذر لغير الله ونحوه.
القسم الثاني: الشرك الأصغر: هوجميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك، كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، وكالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك (٣).
وبعبارة أضبط، هوكل عمل قولي أو فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك ولكنه لا يخرج عن الملة (٤).
стр. 12
المطلب الثالث: أحوال الشرك:
جلي، وخفي ويقعان في كلٍ من القسمين السابقين، قال الشيخ ابن باز ﵀: "أما الشرك الخفي فإنه يعمهما، فيقع في الأكبر، كشرك المنافقين؛ لأنهم يخفون عقائدهم الباطلة، ويتظاهرون بالإسلام رياء، وخوفًا على أنفسهم، ويكون في الشرك الأصغر، كالرياء" (١).
* * *
المطلب الرابع: الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر:
فالأكبر: يخرج صاحبه من الملة، ولايجتمع مع أصل الإيمان، ويحبط الأعمال جميعها، ومرتكبه خالد مخلد في النار، ولايغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة منه
والأصغر: لا يخرج صاحبه من الإسلام، ويجتمع مع أصل الإيمان ويناقض كماله الواجب، وينقص ثواب العمل المصاحب له، وقد يحبطه إذا زاد وغلب، ومرتكبه غير مخلد في النار، ويدخل تحت المشيئة في مغفرة الله للذنوب على قول،
стр. 13
وقيل بل يدخل الموازنة (١).
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والشرك نوعان أكبر وأصغر فمن خلص منهما وجبت له الجنة ومن مات على الشرك الأكبر وجبت له النار ومن خلص من الأكبر وحصل له بعض الأصغر مع حسنات راجحة على ذنوبه دخل الجنة فإن تلك الحسنات هي توحيد كثير مع يسير من الشرك الأصغر ومن خلص من الشرك الأكبر ولكن كبر شركه الأصغر حتى رجحت به سيئاته دخل النار، فالشرك يؤاخذ به العبد إذا كان أكبر أو كان كثيرًًا أصغر، فالأصغر القليل في جانب الإخلاص الكثير لا يؤاخذ به، والخلاص من الأكبر ومن أكثر الأصغر الذي يجعل السيئات راجحة على الحسنات فصاحبه ناج ومن نجا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ورجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة .. " (٢).
* * *
стр. 14
المطلب الخامس: ذكر الشرك في القرآن:
أولًا:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (١).
قال السعدي ﵀: "يخبر تعالى: أنه لا يغفر لمن أشرك به أحدًا من المخلوقين، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب صغائرها وكبائرها، وذلك عند مشيئته مغفرة ذلك، إذا اقتضت حكمتُه مغفرتَه.
فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابًا كثيرة، كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة في الدنيا، والبرزخ ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين. ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد.
وهذا بخلاف الشرك فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئا، ..
стр. 15
ولهذا حُتِّم على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان الثواب ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (١)، وهذه الآية الكريمة في حق غير التائب وأما التائب فإنه يغفر له الشرك فما دونه كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٢)، أي لمن تاب إليه وأناب" (٣).
ثانيًا:
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٤).
قال ابن جرير ﵀: " إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، أن يسكنها في الآخرة، ومأواه النار"، يقول: ومرجعه ومكانه الذي يأوي إليه ويصير في معاده، من جعل لله شريكًا في عبادته نارُ جهنم وما للظالمين"، يقول: وليس لمن فعل غير ما أباح الله له، وعبد غير الذي له عبادة الخلق من أنصار"، ينصرونه يوم القيامة من الله، فينقذونه منه إذا أورده جهنم" (٥).
стр. 16
ثالثًا:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
قال ابن كثي ﵀ الله: "يقول تعالى مخبرًا عن وصية لقمان لولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف؛ ولهذا أوصاه أولًا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا، ثم قال محذرًا له: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ أي: هو أعظم الظلم" (٢).
وقال السعدي ﵀: "أو قال له قولًا به يعظه بالأمر، والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك فقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) ووجه كونه عظيمًا أنه لا أفظع وأبشع ممن سَوَّى المخلوق من تراب، بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئًا، بمن له الأمر كله، وسوَّى الناقص الفقير من جميع
стр. 17
الوجوه، بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة من النعم، بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم، ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم، وأبدانهم، إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء، وهل أعظم ظلمًا ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، فجعلها في أخس المراتب جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلما كبيرًا " (١).
* * *
стр. 18
المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في التحذير من الشرك، وبيان خطره: ويحتوي على عشرة مطالب:
المطلب الأول: الشرك أكبر الموبقات:
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ.
أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
اجْتَنِبُوا: ابعدوا، افتعال من الجنب، وهو أبلغ من لا تشركوا (٣).
الْمُوبِقَاتِ: بضم الميم وسكون الواو وكسر الموحدة بعدها قاف
стр. 19
فألف ففوقية، أي: المهلكات، وسميت هذه الكبائر موبقات؛ لأنها تهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب (١).
فائدة: قال النووي ﵀: "وقال العلماء ﵏: ولا انحصار للكبائر في عدد مذكور، وقد جاء عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن الكبائر أسبع هي؟ فقال: هي إلى سبعين، ويروى إلى سبعمائة، وأما قوله ﷺ الكبائر سبع فالمراد به: من الكبائر سبع. فإن هذه الصيغة وإن كانت للعموم فهي مخصوصة بلا شك، وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع، وفي الرواية الأخرى ثلاث (٢)، وفي الأخرى أربع (٣) لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية، ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى، وهذا مصرح بما ذكرته من أن المراد البعض، وقد جاء بعد هذا من الكبائر شتم الرجل والديه (٤)، وجاء في النميمة، وعدم الاستبراء
стр. 20
من البول (١)، أنهما من الكبائر. وجاء في غير مسلم من الكبائر اليمين الغموس (٢) … " (٣).
الشِّرْكُ بِاللهِ: بدأ به لعظم خطره، وأنه أكبر الكبائر، وأظلم الظلم، وأعظم العظائم (٤).
وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ: إلا بالحق: أي هو القتل الذي أذن الله به، كالقصاص، والقتل على الردة، والرجم (٥).
وَالْيَتِيمِ: هو من فقد أباه قبل البلوغ (٦).
وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ: أي الفرار عن القتال يوم التقاء الطائفتين، وإنما يكون كبيرة إذا فر إلى غير فئة، وإذا كان العدو ضعفي المسلمين (٧).
стр. 21
وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ: المحصنات بكسر الصاد وفتحها والمراد بها هنا العفائف، وبالغافلات: الغافلات عن الفواحش وما قذفن به، ولا يختص بالمزوجات بل حكم البكر كذلك بالإجماع (١).
* * *
المطلب الثاني: الشرك أظلم الظلم:
٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ ﴿لخ لم لى لي مج مح﴾ (٢) شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: ﴿يح يخ يم يى يي ذ? ر? ى? تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ ئر﴾ (٣).
أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (٤)، ومسلم (٥).
стр. 22
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ: يلبسوا أي يخلطوا، وبظلم: أي بشرك وهو أعلى أنواع الظلم، … وفي المتن من الفوائد الحمل على العموم حتى يرد دليل الخصوص، وأن النكرة في سياق النفي تعم، وأن الخاص يقضي على العام، والمبين على المجمل، وأن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع التعارض، وأن درجات الظلم تتفاوت .. وأن من لم يشرك بالله شيئا فله الأمن وهو مهتد (١).
* * *
المطلب الثالث: الشرك أكبر الكبائر:
٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (٢) وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
стр. 23
أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١).
أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي: وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في
стр. 24
السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته،. ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم (١).
* * *
المطلب الرابع: الشرك أعظم الدنوب عند الله:
٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ".
أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣).
стр. 25
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
أَنْ تَجْعَلَ لِلهِ نِدًّا: الند بكسر النون وتشديد الدال، بمعنى المثل، والشبه، والنظير، والضد (١).
قال القرطبي ﵀: "ومعناه: أن اتخاذ الإنسان إلهًا غير خالقه المنعم عليه، مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه: من أقبح القبائح، وأعظم الجهالات؛ وعلى هذا فذلك أكبر الكبائر، وأعظم العظائم" (٢).
يَطْعَمَ مَعَكَ: بفتح الياء أي يأكل (٣).
أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ: حليلة: هي بالحاء المهملة وهي زوجته سميت بذلك لكونها تحل له، وقيل لكونها تحل معه، ومعنى تزاني: أى تزنى بها برضاها، وذلك يتضمن الزنى، وإفسادها على زوجها، واستمالة قلبها إلى الزاني وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قبحًا، وأعظم جرمًا لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه، ويأمن بوائقه، ويطمئن إليه، وقد أُمِر بإكرامه
стр. 26
والإحسان إليه، فاذا قابل هذا كله بالزنى بامرأته، وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه، كان في غاية من القبح" (١).
* * *
المطلب الخامس: الشرك سبب لدخول النار:
٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، أَنْ لَا تُشْرِكَ. أَحْسَبُهُ قَالَ: وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ، فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ".
أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا: من الافتداء وهو خلاص نفسه من الذي وقع
стр. 27
فيه بدفع ما يملكه (١).
* * *
المطلب السادس: تخلي الله عن المشرك يوم القيامة، ورد أعماله، وعدم إثابته عليها:
٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ.
أولًا: التخريج: أخرجه مسلم (٢).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ: معناه أنا غني عن المشاركة؛ وغيرها، فمن عمل شيئًا لي ولغيري، لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير، والمراد: أن عمل المرائي باطل، لاثواب فيه، ويأثم به (٣).
* * *
стр. 28
٧ - عَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١)، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا جَمَعَ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلهِ أَحَدًا، فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ".
أولًا: التخريج: أخرجه الترمذي (٢)، وابن ماجه (٣)، وفي إسناده زياد بن ميناء، مقبول (٤)، وله شاهد من حديث أبي هريرة المتقدم (٥) ولاسيما الجملة الأخيرة منه، قال ابن المديني: "إسناد صالح يقبله القلب، ورب إسناد ينكره القلب، وزياد بن ميناء مجهول لا أعرفه" (٦)، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن بكر"، وحسنه الألباني (٧).
* * *
стр. 29
المطلب السابع: الشرك موجب لدخول النار، والتوحيد موجب لدخول الجنة:
٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ. وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ.
أولًا: التخريج: أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ: قال ابن حجر ﵀: " ولم تختلف الروايات في الصحيحين في أن المرفوع الوعيد، والموقوف الوعد .. وكأن ابن مسعود لم يبلغه حديث جابر .. " (٣).
* * *
стр. 30
٩ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ.
أولًا: التخريج: أخرجه مسلم (١).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
الْمُوجِبَتَانِ: قال أبو نعيم ﵀: " الموجبتان الخصلتان اللتان توجبان الجنة والنار" (٢)، قال الشيخ محمد على آدم ﵀: " وفيه أن التوحيد موجب لدخول الجنّة، والشرك موجب لدخول النار .. والواجب هو ما أوجبه الله على نفسه لعباده فضلًا منه وكرمًا، لا أنه يجب عليه شيء، فتنبّه" (٣).
* * *
стр. 31
المطلب الثامن: مشروعية قول هذا الدعاء عند الخوف من الشرك:
١٠ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الشِّرْكُ أَخْفَى فِي أُمَّتِي مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ النَّجَاءُ وَالْمَخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ بَرِئْتَ مِنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَصَغِيرِهِ. قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ".
أولًا: التخريج: أخرجه الضياء (١)، وأبو نعيم (٢) من طريق يحيى بن كثير البصري، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن حازم، عن أبي بكر به، وفي إسناده يحيى بن كثير وهو ضعيف (٣)، قال الدارقطني: "ولا يصح عن إسماعيل، ولا عن الثوري، ويحيى بن كثير هذا متروك الحديث" (٤).
стр. 32
وقد تابع يحيى بن كثير: ليث بن أبي سليم القرشي مولاهم، وهو صدوق اختلط جدًا، ولم يتميز حديثه فترك (١)، وقد اضطرب فيها كثيرًا (٢) مما يدل على اختلاطه، فرواه مرة، عن رجل مجهول يقال له أبو محمد، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر به (٣)، ومرة عن رجل مجهول يقال له أبو محمد، عن حذيفة، عن أبي بكر به، ومرة ثالثة: عن هذا الشيخ المجهول، وجعله من مسند معقل بن يسار.
وله شاهد من حديث أبي موسى الأشعري أخرجه أحمد (٤)، وابن أبي شيبة (٥)، والطبراني (٦)، وفي إسناده أبو علي الكاهلي مجهول ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٧)، وابن حبان في
стр. 33
الثقات (١) ولم يرو عنه سوى عبد الملك العرزمي، ولم يوثق، قال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي علي، ووثقه ابن حبان" (٢).
وله شاهد من حديث عائشة بلفظ: " الشِّرْكُ أَخْفَى فِي أُمَّتِي مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا" أخرجه البزار (٣)، والحاكم (٤)، وأبو نعيم (٥) من طريق عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن كثير البصري، عن عروة، عن عائشة مرفوعًا، لكن عبد الأعلى ابن أعين الشيباني مولاهم ضعيف (٦)، وشيخه ضعيف كما تقدم في حديث أبي بكر، قال الدار قطني: "وعبد الأعلى بن أعين ضعيف الحديث، والحديث غير ثابت" (٧)، والحديث حسنه لغيره الألباني (٨).
стр. 34
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ: قال ابن القيم ﵀: "فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه الله أنه ذنب، ولا يعلمه العبد" (١).
قال الغزالي ﵀: "ولذلك أي لخفائه عجز عن الوقوف على غوائله سماسرة العلماء فضلًا عن عامة العباد وهو من أواخر غوائل النفس وبواطن مكائدها وإنما يبتلى به العلماء والعبّاد المشمرين عن ساق الجد بسلوك سبيل الآخرة فإنهم مهما جهدوا أنفسهم وجاهدوها وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات وحملوها بقهرهم إياها على أصناف العبادات عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح بالخير وإظهار العلم والعمل فوجدت مخلصا عن ضيق المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم فنازعت إلى إظهار الطاعة وتوصلت إلى اطلاع الخلق ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله سبحانه .. " (٢).
* * *
стр. 35
المطلب التاسع: فضل التوحيد والسلامة من الشرك:
١١ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَقُولُ اللهُ : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاءُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً.
أولًا: التخريج: أخرجه مسلم (١).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا: الشبر بكسر الشين ما بين طرفي الخنصر والإبهام، وجمعه أشبار (٢).
والذراع: من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى (٣)، وهو شبران (٤).
стр. 36
والباع: قدر مد اليدين (١)، وهو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره، وذلك أربعة أذرع (٢).
وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً: الهرولة: هي الإسراع في المشي دون الهرولة (٣).
وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً: قراب: بضم القاف، وحكى بعضهم الكسر، ومعناه ملء الأرض، أو ما يقارب من ملئها (٤).
تنبيه مهم: قال النووي ﵀: "هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره وقد سبق الكلام في أحاديث الصفات مرات ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة وإن زاد زدت فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه
стр. 37
على حسب تقربه" (١)،
قلت: "هذا تأويل لصفات الله عزو وجل خلافًا لطريقة أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الله كما جاءت من غير تكييف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل وقد أوردت كلام الإمام النووي ﵀ من أجل التنبيه عليه، وبيان خطئه"، فقد قال ابن رجب ﵀: "ومن فهم من شيء من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا، فإنما أتي من جهله، وسوء فهمه عن الله ورسوله ﷺ ، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير" (٢).
وقال صاحب مرعاة المفاتيح ﵀ بعد ذكره لمن أول صفات الله الواردة بهذا الحديث وتعداد أسمائهم: "قلت لا حاجة إلى هذا التأويل والتفسير والصواب أن يحمل هذا الحديث كأمثاله على ظاهره فنؤمن به على ما يليق بعظمة الله تعالى كالمجيء والنزول ونحوهما وربنا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير والله أعلم" (٣).
стр. 38
وقال الشيخ محمد على آدم ﵀: "لقد أجاد صاحب "المرعاة"، وأفاد، فهكذا ينبغي لشارح الحديث أن يكون مع ظواهر النصوص، إلا إذا وجد دليلًا صارفًا يصرفه عنها، ولا يوجد صارف في إجراء أحاديث الصفات على ظواهرها، إلا ما تخيّله المتأخرون الذين تأثّروا بأفكار أهل الكلام، ففسَّروها بالمعنى الذي يكون للمخلوق، ثم فرّوا من التشبيه، فأداهم ذلك إلى نفي معانيها، وهذا هو الخطأ المُبِين، فإن هذه الصفات إذا اتّصف بها الله تكون على المعنى اللائق به، فلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، اللَّهُمَّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين" (٢).
لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً: شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، وهو السلامة من الشرك كثيره وقليله، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من سلمه الله، وذلك هو القلب
стр. 39
السليم. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١)، (٢).
قال ابن رجب ﵀: " فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة لكن هذا مع مشيئة الله عز و جل فإن شاء غفر له وأن شاء أخذه بذنوبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل يخرج منها ثم يدخل الجنة … فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه او بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر وربما قلبتها حسنات فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات .. " (٣).
* * *
стр. 40
المطلب العاشر: ذكرأمثلة من الأقوال والأعمال الشركية:
أولًا: تحريم الرقى الشركية:
١٢ - عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ.
أولًا: التخريج: أخرجه مسلم (١).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
رُقَاكُمْ: بضم الراء جمع رقية (٢)
مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ: فجازت الرُّقية من كل الآفات من الأمراض، والجراح، والقروح، والحمة، والعين، وغير ذلك؛ إذا كانت الرُّقى بما يفهم، ولم يكن فيه شرك، ولا شيء ممنوع، وأفضل ذلك، وأنفعه: ما كان بأسماء الله تعالى وكلامه، وكلام