← История

История · id 30038

سوس العالمة

المختار السوسي

Полный текст (232 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٥ - علوم الحديث: هذا الفن لازم لفن الحديث المتقدم، فتزدهر بازدهاره، وتضعف بضعف الاعتناء به، وقد رأينا شروحا على متونه ومنظومات منه حين ازدهاره بين السوسيين، فهناك منظومة (نُخبة الفكر) لِمُحمد بن سعيد القاضي العباسي، ونظم (النقاية) التي تَجمع فنونا منها هذا الفن لِمحمد بن الحسن الأمانوزي الأديب، وشرح (الطرفة) في الاصطلاح للحضيجي وغير ذلك، مِمَّا لَم نستحضره الآن، وهناك ترجمة (الأربعين النووية)، و (رياض الصالِحين) للنووي أيضا للإلغيين إلى الشلحة. ٦ - النحو. ٧ - التصريف. ٨ - اللغة: العلوم التي يعتني بِها السوسيون كانت كلها أذنابا في أنظارهم لعلم اللغة العربية لِمكانتهم من العجمة، ولا مُفتاح لِهذه العلوم إلا إذا دخلوا من هذا الباب؛ ليمكن لَهم بِها أن يتفهموا ما يريدون، وقد قال قائلهم في ذلك -فيما سمعت- وتنسب لِمحمد بن يَحيى الأصاريفي: العلم شيء حسن ... فكن له ذا طلب بالنحو فابتدئ وخذ ... من بعده في الأدب وإن أردت بعد ذا ... جاها ونيل المطلب فافهم أصول مالك ... واحفظ فروع المذهب وهذا ظاهر لا بد منه لكل السوسيين بطبيعة الْحَال؛ لِكونِهم أجانب عن لغة الضاد، ولكنهم لا يكادون يتذوقون حلاوة أساليب اللغة حتى يبقوا دائمين على مزاولتها شغفا بِها على حد قول القائل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا وحين تكون اللغة والنحو والتصريف أول ما يسبق إلى أذواقهم، قلما ينسونَها، وإن شاركوا في غيرها، فيعضون عليها بالنواجذ ويكبون على تحصيلها والزيادة فيها، ثم بِمقدار إكبابِهم عليها تتزحزح العجمة عن ألسنتهم، وتتمكن روح الأساليب العربية في أذواقهم، حتى تأخذهم نعرة ربما تكون شديدة للعربية، كأنها إرث أجدادهم، وحتى يكادوا يَمرقون من

стр. 37

مساليخهم حنقا على من يلمزهم بالتقصير فيها، وفي دار الجرسيفي (١) على الفاسي أعظم دليل على هذا كما يوجد أيضا مثال آخر في مرادة شعرية وقعت بين المراكشيين وبين أبي فارس الرسموكي، ومُحمد بن سعيد العباسي وحلبتهما، فقد اشمأز هؤلاء حين أرسل إليهم المراكشيون أسئلة منظومة على قواف متعددة، فقالوا لَهم أجيبونا بالنثر، إن استعصى عليكم النظم، فتبادروا زمرا يُجيبون كلهم تلك القوافي المختلفة بِما لا يقل عنها أحكاما، فيجيب كل واحد على حدة (٢)، ومثل هذه الحمية مَحمودة ما دامت في دائرة التنافس المحوط بأدب الخطاب. للسوسيين طريقة معبدة منظمة في تعليم اللغة والنحو والتصريف، فمن سلكها منهم يضمن له الفوز، وما ذلك إلا لأنَّهم أتقنوا هذه الفنون الثلاثة إتقانا، ولشدة حرصهم عليها، ولأنَّهم كلا شيء في الميدان العلمي إن كانوا في هذه مقصرين، وقد أثنى اليوسي على الطريقة التي يسلكونَها في التصريف في فهرسته (٣) عندما ذكر شيخه أبا فارس الرسْموكي، وكذلك شهد لَهم محمد العالِم بالتفوق (٤)، وما لنا نذهب إلى البعيد وما في القريب يكفي، فقد أدركنا هذا الجيل الذي انقرض بسنوات (١٣٤٩هـ)، ويعلم كل مطلع منصف أن العناية التي تلقاها هذه الفنون الثلاثة في جنوبي الأطلس، لا تلقاها في شماليه، من غير أن نستثني إلا أفرادا ينبغون بأنفسهم، وأما مَجالس الدراسة فلا، فقد أدركنا التسهيل، بل والكافية، مما يدرس عند الأدوزيين وغيرهم وما أكثر شروحهما هناك مَخطوطة، وعرفنا أناسا حفظوا منها أو حفظوها كلها، ثم لا يقرءون الألفية في الصفوف العليا إلا بالأشموني والصبان والموضح بِحواشيه تتبعا، والأساتذة يكون على ألسنتهم بلا مراجعة كل شواهدها، وكل القواعد التي تتعلق بالدرس فقد كان الحاج عابد البوشواري الهشتوكي على هذا النمط (٥)، فقس كل هذا بِما كان معروفا في شمالي الأطلس قبل النظام الأخير، من كون الغالب الذي يَجب أن يتعالى إلى مثل هذه المنزلة، إنَّما هو نصابي فقط، يَملأ دلاءه بكثرة مُطالعة، ثم إذا صب

стр. 38

شآبيبه الصيفية رجع جهاما، لا تبل منه بعد ولو قطرة، ثُم هو مع كل ذلك الاحتشاد، لا يتطاول إلى مثل التسهيل، وهذا كله لا يَخفى عن أحد عرف في الموضوع من الجانبين ما عرفنا، نعم أدركنا قليلين في الحمراء وفاس هُم النهاية في ذلك، ولكنهم أقلية على كل حال إزاء غيرهم، حتى إن الممتازين منهم في هذا الفن يعدون على الأصابع. ثم يَجب أن يعرف أن هذه المزية وحدها لا تقتضي تفضيل جنوبي الأطلس على شماليه؛ لأن المزية لا تقتضي التفضيل، وما قيل في النحو والتصريف، يُقال في اللغة، فإن السوسيين لإتقانِهم التصريف إتقانا تامّا يعرفه كل من يلاقي السوسيين النجباء، ينفتح لَهم باب اللغة، ثُم كانوا لإكبابِهم على مراجعة القاموس والصحاح والمختار -وهي التي توجد عند غالبهم- عند كل شاذة وفاذة، أكثر من نعرفهم استحضارا لضبط الكلمات، وقد كانت خطبة القاموس مِمَّا يدرسونه ولا بد إزاء التحفة العاصمية. أفلا يدل هذا على الاعتناء الذي نذكره؟ وأين هذا مِمَّا عرف عن غيرهم مِمن لا يَهتدون إلى استخراج كلمة من القاموس؟ حتى ليقع عليه من يُشار إليهم في مضحكات، لَم يزل شباب العصر الحاضر الماهر اليوم في هذا الفن يتداولونَها. ثُم ليس المقصود من هذا كله إلا تبيين الحقيقة فقط، وإلا فسوس من المغرب الذي لا يتجزأ، ونعوذ بالله من أن يفهم من كلامنا ما لا يُراد منه، فحاشا أن نتخذ شعبنا الوحيد عِضين. وبعد هذا كله، نعود فنقول: إن هذا الحكم لا يدل -كما ذكرنا قبل- على أن كل من بسوس بلغ هذه المرتبة ولا أن كل من لضم يكن من سوس غير بالغها، بل لا تزال سنة الكون تقضي قضاءها، فيوجد هنا وهناك نُجباء وبلداء، وإنَّما اتكأنا بِحكمنا على الغالب، وعلى ما هو سائر في الدراسة العامة لا غيرها من الْخَاصة. إن من يتتبع رجال سوس يَجد في كثيرين منهم من ينص على إتقانه لِهذه الفنون: النحو، والتصريف، واللغة، كإبراهيم بن محمد بن عبد الله اليعقوبي الذي قال فيه معاصروه (١): آخر من أتقن علم التصريف، وكداود بن محمد السملالي الذي كتب في إعراب أوائل الأحزاب، وكمحمد بن إبراهيم

стр. 39

البعقيلي الذي وصفه مطلع (١) بأنه آخر من يَحفظ كتاب سيبويه، ويستحضره فهما، وكيحيى الجلموسي الملقب بسيبويه عصره، ومُحمد بن عبد الله حفيد الشرحبيلي الأصناكي المتفوق في النحو، وكان متبحرا فيه، يعلن ذلك تحدثا بنعمة الله عليه، وأحمد بن عبد الله اليبوركي التملي الماهر في النحو والتصريف، وكثيرين غيرهم مِمن ألفوا في النحو، ومؤلفاتِهم مشهورة لا نُطيل بذكرها، وآخر النحويين الأفذاذ العربي إبراهيم الأدوزي، وعبد الله التوضوئي، والْمَحفوظ الرسْموكي ثم الرداني، والْحاج عبد الحميد شارحو الألفية أو مَحشو شروحه، فقد ذكروا عنهم في النحو أنَّهم بواقع، فيستحضرون التسهيل وشرح ابن عقيل عليه استحضارا بله غير ذلك، وما ذكرناه في النحو نذكر مثله في التصريف؛ لأنَّهما شيء واحد لا يتجزأ عندهم، فلهم فيه أيضا مؤلفات، وفي جبال جزولة إلى الآن من متقني هذا الفن إتقانا عجيبا عشرات، ولا يزالون أحياء إلى الآن. وأمَّا اللغة؛ فلا ينبغي لنا أن نغر القارئ فيحسب أن هناك من لَهم في اللغة مثل هذه المكانة في النحو والتصريف؛ لأن مقصودنا فيما نسميه معرفة اللغة: هي إتقان التصريف الذي هو شطر اللغة، ثم طول الممارسة لِمراجعة القاموس والمصباح والمختار، حتى يتقن ضبط الكلمات الاسمية والفعلية إتقانا، حتى ربما يتلو واحد منهم في اليوم كله في كتاب من الكتب الأدبية كـ: (نفح الطيب) مثلا الذي لا يتعمد حشر الكلمات الحوشية، ثم هو مع ذلك لا تَخلو صفحة منه من كلمات غير معتادة كثيرا، فيمرق لسان التالي بلا تَهدج ولا تصحيف ولا غلط في ضبط الكلمات اللغوية فضلا عن الضبط النحوي، ثُم لا يتوقف أن استمر يتلو بِجهر بين جَماعة لا يستحيون أن يردوا على الغالط -كما هو ديدن الإلغيين الجريئين كلما سَمعوا لَحنا مِمن يتلو أمامهم- فيدوم على ذلك النهار كله من الصباح إلى المساء، ثُم لا يَخفى (٢) عنه مِما يحتاج فيه إلى مراجعة إلا نَحو عشر كلمات، هذا ما أقصده؛ لأنني عرفت هذا وأدركته عيانا، وخالطت أربابه، ومارسته ولا شك أن هذا الذي ذكرته بِمثل ضرب هذا المثل دال لِمن أمعن النظر، وعرف كيف كان المغرب قبل الحياة الجديدة على سُمو وتمكن في النحو والتصريف واللغة؛ لأن التالي المطلق

стр. 40

لسانه بِجهر بين السامعين يَحتاج إلى هذه الثلاثة كلها، وإلى المرونة التامة فيها. أمَّا التآليف في اللغة عند السوسيين؛ فلم أستحضر الآن من آثارها إلا ما ذكر من حاشية لأبي فارس الرسموكي على الصحاح الجوهري (١)، ولكن هناك مؤلفات تدل على التمكن في هذا الفن، كشرح المقصورة المكودية للتازولتي التملي، وشرح المقصورة الدريدية للأسغركيسي الهشتوكي، وشرح الشمقمقية لأبي فارس الأدوزي قبل أن يظهر شرح ابن خالد الناصري، وشرح العبدونية أطلعنا على مفتتحه لِموسى الودريمي، وشرح الرسالة الزيدونية، وبعض قصائد المعلقات السبع لأبي فارس المذكور، وأمثال هذه لا يتصدى لَها إلا لغوي أو أديب ماهر كبير، وسيرى القارئ في مَبحث الأدب كتبا تدرس فتكون مادة كثيرة للألفاظ اللغوية للمعتنين بِها، كما أنه سيرى من آثار أولئك الأدباء ما يدل على ما ذكرناه من التمكن فيما يدل على ما ذكرناه من التضلع في اللغة، حتى إنهم ليتلاعبون بِها كأنهم من أبناء الشيخ والقيصوم، ومن حرشة الضباب في الصحراء، وهذه قصائد سوسية كثيرة تُتلى في مثل مجمع الإلغيين، فلا يتوقفون في أية كلمة، على حين أن غيرهم إن سَمعها فكثيرا ما يتوقف، ثم لا يستحي أن يقر بِجهله إن أنصف، وإنَّما يدرأ عنه عيب نفسه بالجهل بأن السوسيين مولعون بالألفاظ الحوشية. إذا محاسنِيَّ اللاتي أدلُّ بِها ... كانت مساوِي فقل لي: كيف أعتذر؟ ثُم إذا قرأ الألفاظ الذي لا يعرفها من كلام شوقي أو عبد العزيز البشري أو شكيب أرسلان يبتلعها، ثُم لا يقابلهم بِما عسى أن يقابل به السوسي المسكين الذي تضلع من اللغة حتى صارت تفيض من أسلات يراعه بشعور أو بلا شعور، فهل هذا من الإنصاف؟ ٩ - البيان: إن فن البيان والأدب كنتيجة للثلاثة المتقدمة قبلهما، وكزبدة تنتج عنها ولذلك لا نعجب إن رأينا عن كثيرين من أساتذتِهم عندما يترجمونَهم أنَّهم بيانيون، أو أنَّهم أدباء، ولكن لا نَخفي عن القارئ أننا لا نقدر أن نَحكم على كل نَحوي تصريفي لغوي بأنه بياني؛ لأن البيان وإن قلنا أنه كنتيجة عن تلك

стр. 41

الفنون، لا بد له وراء ذلك من سليقة روحية تُمازج صاحبها، فيمكن له أن يتذوق كلام البيانيين، وأن يستروح روائح نكهتهم الأرجة، ونشك في أن آثار العجمة كانت تزول عن غالبهم، حتى تلطف أذواقهم لِهذه اللطائف، فقد عرفنا منهم اليوم من هو نَحوي ماهر لغوي متمكن وقد قرأ التلخيص وتفهمه، ثُم إنه مع ذلك بَينه وبين تلك الروح ما بين السماء والأرض، ولكن رغم كل ذلك نَجد من بينهم من يظهر أنه بياني حقّا، ولا أدل على ذلك مثل من نراهم أدباء، رقاق الشعور، دقيقي ال ملاحظة ، وأيّا كان فإن البيان كعلم من العلوم يتدارسونه، فمنهم من يتصف به، ومنهم من يتخذه كفن فقط، يستكثر به معلوماته، إلى أن جاء الجيل الذي قبل هذا فزعم بعضهم (١) أن غير الفقه والنحو ليس من بارود البلد -على حسب تعبيره- فيلقى غالبا تدريسه ظهريا، ولكن وجدنا آخرين لَم يلقوه ظهريا، كابن مسعود الذي له من بنات قلمه في البيان تآليف، وكالإلغيين الذين نرى بينهم من يتخلق به ذوقا ودراسة (٢) كما يظهر من أدبياتِهم، وكالأدوزيين الذين كانت أيضا من قلم قطبهم في الجيل قبل هذا مُحمد بن العربي آثار فيه حسنة، متنا وشرحا، وقد كان هذا الفن مزدهرا في العصر الإيليغي (٣) فرأينا فصاحة وذلاقة لسان كما سيلمس مِمَّا سيأتي عن الأدب السوسي عن قريب. والْمُحصل أن البيان كان يدرس في (التلخيص) حتى رأينا بعضهم ينظمه، وفي (الجوهر المكنون) ولأبي سالِم الإجراري كتابة عليه، كما تدرس الاستعارة الكيرانية التي كتب عليها العربي الأدوزي، وابن المحفوظ السملالي، كما كان لابن مسعود مؤلف فيه شرحه الحسن الإجراري، ولابن العربي الأدوزي مؤلف شرحه في علم البديع. نعم تقلص التوسع في درس هذا الفن تقلصا ظاهرا منذ مفتتح القرن الثالث عشر، حتى لا يذكر إلا في مدارس معدودة ذكرا قليلا، كالبونعمانية، والبوعبدلية والإلغية والأدوزية والجشتمية وتارودانت، وقليل

стр. 42

غيرها. هذا ما نقوله في البيان، وأمَّا الأدب الذي يَحوم هذا العلم حوله؛ فسنستوفي فيه الكلام إن شاء الله في فصل خاص بالأدب وحده أخيرا. ١٠ - الأصول: لا مرية في أن حلاوة الأصول لا يمكن أن تظهر إلا عند المتعودين تطبيقه، وقد انقطع غالبا هذا التطبيق كفن معتمد في الدراسة الإسلامية العامة من زمن طويل، من القرن التاسع قبل أن تظهر سوس العالِمة، فلم يبق إلا تعاطيه فقط، وهذا ما رأيناه موجودا في الأدوار العلمية بسوس، ويوجد ما يدل على الاعتناء بتدريسه من التاسع إلى الآن، بل هناك فيه مؤلفون، كحسين الشوشاوي وعبد الواحد الوادتوني، ولِمحمد بن سليمان الجزولي الرحالة -وهو غير الصوفي- مقام كبير في هذا العلم، وهو من أواخر الثامن، ومفتتح التاسع. ثُم ما زلنا نرى من يذكر بإتقان هذا الفن كأبي مهدي السجتاني، ومُحمد بن إبراهيم الهشتوكي ثم الحوزي، وابن صالِح الروداني، وكثير مِمن مضوا في ذلك العهد، وللجشتيميين يد حسنة في ذلك ينوه بِها بين تلاميذهم ولا يزال حيّا من أتقنه عليهم، فكان بارعا، وكذلك أحمد أضرضور الإجراري، كان قائما على هذا الفن، خصوصا أصول المذهب، فإنه فيها في غاية التمكن وأما مُحمد بن علي اليعقوبي شارح (المنهج)؛ فإنه من أعجب الناس مَهارة في ذلك، ثُم كان الأدوزيون والبونعمانيون مِمن يَجولون فيه، كالْمَحفوظ الأدوزي الذي لَهج به، وبه يبكر في التدريس صباحا، وكأبي فارس الأدوزي المولع بتدريس التنقيح بشرح الشوشاوي، وكابن مسعود الذي له حواش على الْمُحلى، ومباحثات مع من حشوه، فإنه فيه من الماهرين، وقد رأينا له فكرة تعد غريبة بِحسب بيئته، فإننا وقفنا له على رسالة كتبها إلى تلاميذه يقول فيها: «ونؤكد عليكم في حضور الدروس خصوصا البخاري المحاذي به متن المختصر، والحضور في درس المختصر، والمجموع للأمير» -إلى أن قال: «وأي خير عدمه من قرأ فروع باب من أبواب المذهب، وأتبعه بباب من أبواب البخاري المشتمل على الكلام المنور، فيستفيد فقه الأبواب، ومَدارك المسائل من خصوص كلام النبي- ﷺ وآثار أصحابه، وتابعيهم بإحسان، وإذا ساعد التوفيق، وراجع المتعلم ما انجرَّ إليه الكلام في الاستنباط، من قواعد الأصول، في أبوابها وتعالى بذلك إلى استحضارها في مَحالِها من الفروع، كانت النعمة أكبر ..... » إلخ. هذه فكرة سوسي لَم تطرق أذنه إحدى الصاخَّات العصرية، قد اهتدى إلى الطريقة المثلى في وسط ذلك العصر المظلم الداجي في بَحبوحة

стр. 43

سوس البادية القاحلة، وبِمقابلته مع من كانوا يذكرون مثله من الخليليين في كل المغرب قبل (١٣٣٠هـ) يعرف مقدار اهتدائه بفكره الثاقب. ثم إن هذا الفن بالنظر الإجمالي قل تعاطيه من أول القرن الماضي، وفي النصف الأول من هذا إلا قليلا، فهو إذن من الفنون التي شمسها على أطراف النخيل في مَجالس الدراسة منذ أكثر من قرن، ثم لَم يبق من تعاطيه إلا أثارة كباقي الوشم في ظاهر اليد. ١١ - علم الكلام: هذا الفن لِملازمته لتصحيح العقائد مِما لا بد -بطبيعة الْحَال- أن يعتني به كل مسلم له إلْمَام بعلم؛ فلذلك اعتنى به السوسيون حتى كان في المرتبة الثانية من العلوم التي يهتبلون بها أن عددت مثل النحو واللغة والفقه، وما إليها في المرتبة الأولى عندهم. وعددت الأصول والبيان والمنطق في المرتبة الثالثة، فقد ألفوا تعاطيه لِمن نَجب من تلاميذهم، وذلك في غير الصبابة الموجودة في (مقدمة ابن عاشر) التي وُضِعت للمبتدئين هي وشروحها فقط، بل إنَّهم يدرسون أيضا (السنوسيات) وأمثالِها كـ (إضاءة الدجنة) للمقري، وقد اطلعنا لَهم على مؤلفات في الفن، ابتدئت فيما نعلم سلسلتها من أواسط القرن التاسع، عهد عبد الرحمن الكرامي، صاحب الشرح على البرهانية للسلالكي، ثم توالت الحلقات في كل القرون بعدها على أيدي كثيرين كأحمد (التيزركيني) المؤلف في الفن، وكعيسى السجتاني، ويبورك وأخيه أحمد السملاليين، وعلي بن أحمد الرسْموكي، الكاتبين على السنوسيات، ثُم لَم يزل ذلك الفن يؤخذ عنهم في هذه الكتب الوسطى، ولا نعلمهم تطلعوا إلى مثل كتاب (المواقف) (١)، وكتب البيضاوي، وذلك ما وجدناه يتعاطى إلى الجيل الذي أدركناه، فقد أخذنا عن أهله من متون الفن، ولكن يظهر لنا مع استرسال هذا التعاطي أنهم في الفن جامدون، ولَم يعطوا -والحق يقال- عقولا واسعة، يُمكن لَهم بِها التوسع، كما كان عند غيرهم من علماء العجم في الشرق. فقد كان مذكورا محمد بن أحمد الرسْموكي وأخوه نزيل (تَامَانَارْت) الذي قيل فيه: إن مثله يقل نظيره في البوادي؛ لبراعته وتفوقه في الفنون، ثُم علمنا بعد ذلك مِمن يَخوضون في هذه الفنون، مثل أحمد الرسْموكي

стр. 44

الفرضي، ومُحمد بن أحمد السملالي، ومنصور بن مُحمد المومني الأديب، وكذلك رجال المدرستين: الخضيجية والهوزيوئة، ثُم يتناقص الاعتناء به إلى هذا العصر، حتى لنجد كثيرين بارعين في فنون لا يندمون على عدم إلمامهم بِهذا الفن، وهذا هو الدليل الصريح على ما ذكرناه. ١٢ - الفقه: إذا ما اعتز ذو علم بعلم ... فعلم الفقه أولَى باعتزاز فكم طيب يطيب ولا كمسك ... وكم طير يطير ولا كباز مضمون هذين البيتين اللذين حفظناهُما في الْخُطوة الأولى التي خطوناها في مَجالس الدراسة إلى تعلم الفقه، هو الْحَجر الأساسي في الاعتناء الشديد الذي كان لِهذا الفن، وكان من أول نشأته بِهذه المثابة؛ لأنه زبدة نظر طويل في الأدلة من القرآن والسنة، فكان عارفه يستدل بِمعرفته إيَّاه على أنه متقن لتلك الأدلة التي لا يتقنها إلا الْمُجتهدون الكبار في العصور الأولَى، وناهيك بِهذه المرتبة، ثم لَمَّا صار علما خاصّا يؤخذ بعد ما امتاز على حدة عن القرآن والحديث، كانت له أيضا هذه المثابة نفسها؛ لأنه قانون الأمة، ومصدر تشريعها، ثُم كان أكبر داع لرفعة شأن صاحبه. وقد علمنا أن سوس لَم تدخل في غمار المشتغلين بِهذه العلوم إلا من مفتتح الْخَامس، على ما عندنا الآن من الأدلة التاريخية، فافتتحت عهدها بالشيخ مُحمد (وجاك) الذي وصفه أستاذه أبو عمران بأنه فقيه حاذق (١). ثم رأينا آخرين متتابعين؛ كأبي يَحيى في السابع، والجزولي ابن عمه نزيل فاس في الثامن شارح (الرسالة) بشروح شتى، ثم احتفل الفقه في التاسع فظهر فيه كبار، كسعيد الكرامي شارح (الرسالة)، و (المختصر الحاجبي) الفرعي، وعبد الواحد الرجراجي شارح (المدونة)، وداود التملي صاحب (أمهات الوثائق)، ثُم نشأت بعدهم طبقة أخرى في العاشر؛ كالحسن بن عثمان التملي خريج الونشريسي، وأحمد التيرزكيني من تلاميذ ابن غازي، ومُحمد بن إبراهيم الشيخ التامانارتي الذي أحيا جزولة علما، وولديه إبراهيم ومُحمد العلامتين في الفقه وغيره، وأحفادهم الكبار في التفنن في علوم الشريعة، وأحمد بن علي الرجراجي الهشتوكي شارح (الرسالة) و (المدونة)، كما قيل، وحسين بن داود التاغاتيني الرسْموكي شارح (الرسالة)

стр. 45

أيضا، وشارح (المختصر الحاجبي) الفرعي، وشارح (نظم ابن جُماعة) الفقهي، وسعيد الهوزالي القاضي الجليل، صاحب أجوبة موجودة، وعلي بن أحمد الحياني التامانارتي نزيل درعة، وجامع (نوازل ابن هلال). ثُم تلتها طبقة أخرى كبرى في الْحَادي عشر، كعيسى السجتاني القاضي المفتي الكبير، صاحب الفتاوي المجموعة، وعبد الله بن يعقوب السملالي صاحب (الحاشية) على (المختصر) الخليلي، وشارح (جامع بهرام)، وعلي بن أحمد الرسْموكي الفقيه العزيز النظير في التمكن في كل العلوم، بله الفقه الذي أبقى فيه بالتأليف ما أبقى، وعبد الرحمن التامانارتي القاضي البارع، وعلي بن أحمد البرجي الرسْموكي جامع (الأجوبة البرجية) المشهورة الكبرى، وعبد الله بن إبراهيم التملي صاحب (أجوبة مَجموعة)، وعبد السميح الأمزالي صاحب (مَجموع كبير) في الفتاوي، ثُم تلتهم طبقة أخرى في الثاني عشر؛ كأحمد الرسْموكي الفقيه الفرضي نزيل الْحَمراء، صاحب المؤلفات الفقهية المشهورة، وأحمد بن مُحمد العباسي صاحب (الأجوبة) (١) المشهورة، وحاشية على (المختصر)، وأحمد الصوابي الذي له أيضا أجوبة فقهية، ومُحمد بن علي الهوزالي مترجم (خليل) إلى الشلحة، وأحمد أحوزي التملي ثم الدرعي، صاحب المؤلفات في الموضوع، ومُحمد بن أحمد الحضيكي شارح (الرسالة)، وله غيرها في الموضوع، ومُحمد بن مُحمد اليعقوبي السملالي العلامة في الفقه وغيره، وإبراهيم بن مُحمد اليعقوبي السملالي الفقيه البارع، وأحمد الجرسيفي المفتي، وكثيرين غيرهم. ثُم تلتهم طبقة أخرى في الثالث عشر؛ كإبراهيم التاكوشتي المرابط بين يدي بناني وطبقته عشرين سنة، ثم رجع بَحرا غطمطما يَخضع له كل السوسيين، حتى أكابر فقهائهم المبرزين، وهو الذي قال فيه الجشتمي: (وهو الذي في عصرنا نستفتي)، في رجزه المشهور، وكأحمد الهوزيوي شيخ الجماعة في عهده، وعمر بن عبد العزيز الجرسيفي خريج أبي العباس الهلالي، وصاحب الأفهام الغريبة، ومؤلف فقهيات جليلة، منها (النظائر) من المختصر، والقاضي مُحمد بن صالِح نزيل ردانة ومُحمد بن أحمد الأدوزي شارح (المرشد المعين)، وعلامة جزولة في عهده، ومُحمد بن إبراهيم الثوري

стр. 46

الرسْموكي الخريت الذي لا يضل العجيب الشأن، صاحب مؤلفات شتى في الفقه مُحررة، ومُحمد الأمزاوري العبلاوي، المرجوع إليه من نَحو أبي زيد الجشتيمي فمن دونه، وعلي بن سعيد الإيلالني، وولده مُحمد الفذين في التفوق في هذا الفن، وعبد الله ابن الشيخ الحضيكي الذي لَم يتخرج إلا من سوس ولَم يعده، ثم قام بِمثل الدور الذي قام به الرهوني بعده؛ نَحو (حاشية بناني) فيتتبع منتقداته على الزرقاني، فيرد أو يصحح النقد (١)، وكَمُحمد الإزنكاضي الفقيه الماهر، ومُحمد بن يوسف، وابن عمه مُحمد بن أحمد القاضي اللذين نالا شفوفا في قرية (الرُّكن)، وكمحمد بن الحاج التازلتي التِّيملي، المفتي العزيز المثيل في الإفادة والإفتاء، وكأبي زيد الجشتيمي صاحب (الأرجوزة) الشهيرة في الفقه، وكالحسن بن الطيفور (السَّموجني) علامة تزنيت المحكم فيها، ومفتيها الذي يقبل ويرد بذهن غواص، مؤسس على القواعد الأصولية، وله (مَجموعة فقهية) كبرى، وكإبراهيم المحجوبي المتخرج من تارودانت ومن القرويين ومن الأزهر، فكان زينة عصره في مصره، وكأحمد (أضَرْضور) الفقيه الأصولي المجلي في حلبته، وكسعيد الشريف الكثيري الفقيه المحض القيوم على الفقهيات حق القيام، وكثيرين من أساطين هذا العلم في ذلك القرن. ثم تلتهم طبقة أخرى في النصف الأول من هذا القرن من الذين اندرجوا اليوم، فكان في مقدمتهم أحمد بن إبراهيم السملالي الساحلي، الذي كان بِمثابة الفقيه السباعي المراكشي، يُملي النصوص عن ظهر قلب لمستفتيه، وكان في جَمع النظائر الفقهية غريب الشأن، ومُحمد بن العربي الأدوزي مفتي ولتيتة في عصره، والْحاج أحمد الجشتيمي الفقيه المرجوع إليه في المعضلات، ومُحمد (أعْبو) الفذ العالي الكعب في الفقه، ومُحمد بن مسعود، والمحفوظ الأدوزي، وأبي فارس الأدوزي الذين تكونت منهم حلبة ما منها إلا مجل، حتى كانوا مضرب الأمثال، وأبناء الأعمش؛ كمحمد الكبير، ومُحمد المختار، وأحمد دجنا، وهو البيت الجاكاني التيندوفي، المستحضر غاية الاستحضار في الفن، حتى صار حديث الركبان ومضرب الأمثال، من تامانارت وما إليها إلى مدينة (تيندوف)، والحاج أحمد بن مُحمد اليزيدي المتخرج في كيفية الإفتاء بأحمد بن إبراهيم السملالي، فكان نسخة منه، فقلما يَحتاج إلى مراجعة، كأن نصوص شراح المختصر المتداولة عندهم نصب عينيه، وعلي بن عبد الله الإلغي المتصدر للقضاء والفتوى زهاء

стр. 47

خَمسة وأربعين عاما، لَم ينقض له حكم، ولَم ترد عليه فتوى، إلا تَحلة للقسم مع قلة ذلك جدّا في معاصريه، إلى كثيرين من معاصريهم. هكذا كان فقهاء سوس، طبقا عن طبق، فإنَّهم لكثرتِهم ينبغ منهم أناس كمثل هؤلاء الذين ذكرنا بعضهم، فيكون لَهم شفوف عجيب في كل جيل، فدحضت بذلك مقالة عبد الله بن عمر المغضري الذي صدرت منه أواسط العاشر، وهو الذي قالَها بعد رجوعه من سوس إثر زيارته لِمحمد الشيخ السعدي إذ قيل له: كيف رأيت السوسيين؟ فكان مما قال: وفقهاؤهم ضعاف الفتاوي، فإن كان صادقا- وهو الظن به- فيمن أدركهم ورآهم؛ فقد تبدل الْحَال (١) عن ذلك، تَحت ظلال أواسط الدولة السعدية، ثم في عهد الدويلة التازروالتية، ثُم في عصر الدولة العلية العلوية، وكل من له اطلاع يعلم أن هذا الفن في المغرب كله، كان دائما بين مد وجزر، فكأن هذا الوصف، إن أردنا التدقيق مِما ينسحب أيضا على سوس الفقهية؛ لأنَّها دائما عضو من جسد المغرب الملتحم في الدراسة، فالقطب هو فاس ثُم الْحَمْراء، ومنهما تستقي كل طبقة طبقة، فمتى علت الدراسة هناك علت في الأطراف، وإن حدث فيها تأخر سرى التأخر في مَجموع المغرب، لا جميعه (٢)؛ لأنه ربّما يكون في الأطراف أحيانا كفلتة من هو أعلى وأسنى مِمن في مَجالس فاس والْحَمراء؛ كما قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر. ذلك ما يظهر لنا حول دراستنا للموضوع في القطر السوسي، فقد تراءى لنا أن هذا الفن وإن كان دائما يكب على تعاطيه وتفهمه غاية الإكباب، لَم يكن دائما في مستوى واحد، كما نرى مثل هذا عينه في فاس والْحَمراء، فيكون تأثر الأطراف مِما يقع منهما، وربّما يكون لَها تفوق عليهما على قلة ذلك في بعض الفترات، يقع كل ذلك مع عدم انقطاع البعثات السوسية إليهما وإلى (تامكروت) من الحادي عشر، بل وإلى الأزهر أحيانا من قديم.

стр. 48

لَم يزل هذا الفن في علوه مع تفاوت مراتب علوه، إلى أن مضى الربع الأول من القرن الماضي، فظهر لنا أنه بدأ يتقلص منه ذلك الاستبحار الذي نراه في الهوزيويين والحضيكيين ومن قبلهم، فلا نرى براعة إلا في أفراد غير كثيرين بالنسبة إلى من قبلهم، فتأخر بذلك سير هذا الفن عن الفنون العربية التي لَم تكن مرتبتها مائلة إلى الإسفاف بعد، وقد أدركنا من الجيل الذي عرفناه عدم إمعان كثير في هذا الفن، بِحيث يساوي مرتبة إمعانَهم في العلوم اللغوية العربية إلا عند الأدوزيين أو الجشتيميين، أو عند الأستاذ البونعماني ابن مسعود، فهؤلاء لا يزالون مكبين على فن الفقه، ويستحضرون كل ما في المعيار القديم، بله ما كتب في النوازل الأخرى في سوس، من فتاوي السوسيين المجموعة وغيرها، وأما غيرهم فيقتصر على ما هو أدون من ذلك بكثير، حتى أن فتاويهم لا تعدو نصوصها التي ينقلونَها ما في التسولي وما في التحفة والزقاقية والعمل، ومتن المختصر، وبعض شروحه، ولا نرى ذلك التوسع الذي نراه عند أولئك الذين نَجدهم يدعمون فتاويهم بنصوص مستقاة من المعيار والزرقاني وحواشيه، ثم يردفون ذلك بأصول مذهبية، يستشهدون فيها بكلام القرافي وصاحب المنهج وكلام مذيله، والشروح التي عليهما، وقد يتوسعون إلى سوق القواعد الأصولية العامة، حتى أننا رأينا لبعضهم فتيا واحدة على هذا المنهج الموسع خرج مؤلفا خاصا (١)، وما أكثر أمثال هذه المؤلفات عند من ذكرناهم من الأدوزيين والجشتيميين والبونعماني. هذا هو الذي أدركناه، ثُم لَم تنشب طبقة الفقهاء الفطاحل الذين كانوا تيجان سوس الفقهية أن درجوا، فلم يَبق الآن وراءهم مِمن يُمكن أن يسدوا مسدهم إلا القليل جدا جدا، وإن كان لا يزال هنا وهناك من لَهم استبصار بالفن، ويعرفون كيف النزع في قسيه، ولكن الدراسة الفقهية اليوم من سوس في الغرغرة، كما وقع لغير هذا الفن، لإقفار المدارٍس، وانطواء الْهِمم، وفتور العزائم، لِما دبَّ إلى مَجموع قوى الأمة المغلوبة من الانْحلال تَحت هذا الاحتلال (٢).

стр. 49

١٣ - الفرائض. ١٤ - الحساب . جَمعنا هذين الفنين في قَرَنٍ واحد؛ لأنَّهما كذلك عند السوسيين، وقلما يبرع أحدهم في أحدهِما إلا وبرع في الآخر، والفرائض جزء من الفقه، يشملها كل ما ذكرناه عن الفقه، وإنَّما أفردناها لأننا نرى للسوسيين نَحوها التفاتا خاصا، ربّما كان عند بعض الأفراد أحظى من غيره؛ ولذلك لَم يدب إليه الضعف الذي ذكرناه عن الفقه مُنذ ولى صدر القرن الماضي، فأدركنا منه ازدهارا في كل المدارس السوسية في جَميع الْجهات، ولكون السوسيين يولعون به كثيرا، كان بعض الْحُذاق الحضريين يسميه: علم السوسيين، وقد عرفنا أناسا امتازوا في الأدوار العلمية السوسية بالوصف به على الخصوص، وألفوا فيه؛ كعلي بن أحمد الرسْموكي الذي شرح (فرائض ابن ميمون) كما له مؤلف آخر رأيناه، وكأحمد بن سليمان الرسْموكي الفرضي المولع بِهذا الفن، فألف فيه مؤلفات شتى جَمعت فأوعت، وهُناك بعضهم ألف فيه بالشلحة، فترى الأميين يُحاولون بواسطته مُناظرة الفقهاء في تصحيح المسائل، وقد وضع به لَهم هذا الفن الجليل على طرف الثُّمَام، وكيبورك شارح (فرائض المختصر) وقد عرف أبو القاسم التيفنوتي نزيل درعة بالسرعة باستخراج المتطلب من تصحيح مسائل الفن، وكذلك عرفنا من المعتنين بالتأليف في الحساب إبراهيم الزنتلي السملالي من أهل التاسع، صاحب الأرجوزة المشهورة بسوس، وقد ذيلها أبو فارس الرسْموكي، فشرح الأصل علي بن أحمد الرسْموكي، ثم ذيلها أيضا أحمد بن سليمان الفرضي، فشرح الأصل مع ذيله بشروح متعددة، ولَم يزل هذان الفنان يعتنى بِهما، يدرسان في الرمضانات خاصة بعمل تصحيح المسائل، حتى أدركنا من المشيخة الِمتقنيها البارعين فيما عمر الإجضييي التملي، وإبراهيم (بيرعمَان) الساحلي، ومُحمد بن علي إجيج، ومُحمد بن مسعود الذي له فيه مؤلف، وآخرين لَهم شفوف تام في ذلك -ولا يزال أناس أحياء إلى الآن من البارعين فيه، وأمَّا المشاركة بين هذين الفنين وبين الفنون الأخرى؛ فإن النادر كل الندور أن تَجد خاليا منها، والمقصود بالْمُشاركة استحضار كيفية تصحيح المسائل على ذهنه بديهة، ويستوعب الشاذ من غيره، وقد تَمرن على العمل كل التمرن، وإنَّما يفوته ما يحظى به الماهرون من الاستبحار في مسائل الفن ودقائقه التي قلما يَحتاج إليها إلا في مثل المناسخات المتشعبة، وإن كان فيهم أجمعين كل ذلك عن نظر لا بديهيا، متى دعت إليه الحاجة. هذا ما أقصده بالمشاركة، وذلك هو

стр. 50

ما يسود حتى على أقراننا اليوم، وكثيرا ما يقولون: من لَم يستطع تَحرير مسألة من المناسخات بديهة في وسط السوق، وهو يقايض في بضاعته؛ فإنه لا يستحق أن يكون مِمن يَحملون اسم الفرضي. ١٥ - الهيئة: نعني بالْهَيئة: كل ما يتعلق بعلوم الأفق؛ من علم تتبع سير النجوم، وعلم ما يُعرف به ذلك من الآلات، كالإسطرلاب والربع ونَحوهما، وعلم التوقيت، وعلم الرخاميات، وما إلى كل ذلك مِمَّا هو معروف قبل العصر الحديث، وقد كان للسوسيين يد طولى في هذا الفن الجليل، فكان عبد الرحمن بن عمرو البعقيلي الذي لقبه أحمد الذهبي بالجرادي -لِحكاية- آية في كل ما يئول إلى هذه الناحية، وهو صاحب (قطف الأنوار من روضة الأزهار) وشرح على (السيَّارة)، وهو فذ في عصره، لا يوجد له في براعته في هذا العلم من مثيل، وللرداني ابن سليمان نزيل الحجاز ومدفون دمشق في هذا الفن مهارة أدته إلى اختراع له فيه ارتفع به مقامه بين المخترعين في الإسلام؛ كما لأحمد الولتي الطاطائي المؤقت في الْحَمراء براعة فيه أيضا، وأحمد بن عبد الله بن يعقوب السملالي الذي ألف فيه مؤلفا، وكذلك ابن سعيد الميرغيتي صاحب (المقنع)، كما كان لأحمد ابن الشيخ الحضيكي بِهذا العلم اعتناء كبير يدرسه للتلاميذ، ومن قديم كان لسعيد الكرَّامي فيه ولأهله يد، خلدت فيه بالتأليف ما خلدت، ويظهر أن الاعتناء بِهذا الفن لَم تتصل حلقاته؛ فقد أدركنا الجيل الذي قبلنا يَجهل جلهم هذا الفن، إلا ما في المقنع لا غير، مع أن آلاته من الإسطرلابات والأرباع موجودة عند الأزاريفيين والإجراريين وغيرهم، فكان وجدانها سبب أن اعتنى به بعض الإجراريين المتأخرين حتى حوول أخذ الفن أيضا عن الأستاذ ابن مبارك الغيغَائي، أو من فاس، فأبقيت بذلك صبابة عند السوسيين إلى الآن، ومؤقت البيضاء (١) الحالي من آثار هذه الصبابة، وكان لابن العربي الأدوزي اهتمام بِهذا الفن، فزاول علم الرخاميات، ثم انتهى ذلك الدور إلى الأستاذ المؤرخ مُحمد بن أحمد الإجراري وآله. ثم رأينا اليوم في تزنيت من بين تلاميذ قطبي هذا الفن: الأستاذ العلمي الفاسي، والأستاذ ابن عبد الرزاق المراكشي، بعض السوسيين،

стр. 51

ربّما يَحيا بِهم الفن في سوس، والمستقبل كشاف، و (المقنع) لا يزال يروج إلى اليوم على قلة ما فيه من قواعد هذا العلم. ١٦ - المنطق: نرى هذا الفن يتعاطى منذ تعاطي العلوم من فجر النهضة العلمية بسوس، فنجد في غالب من يترجمون بالتفنن من علمائها ذكر هذا الفن من بين العلوم التي يتقنونَها؛ كمحمد بن مبارك التيوتي، والحاج عمرو بن يعزى السملالي، ومُحمد بن عبد الواسع الرسْموكي، وأحمد بن سليمان المزواري الرسْموكي، وكثير من غيرهم، كما رأينا أيضا بين مؤلفاتِهم جانبا لِهذا الفن؛ فلعبد الرحمن الجرادي البعقيلي فيه مؤلف في الرجز، شرحه يبورك السملالي، ثُم لَم يزل درسه طوال هذه القرون، من عهد المدارس الحضيكية والهوزيويَّة والجشتيمية، وقد أدركه ضعف منذ ولى الصدر الأول من القرن الماضي، فتقلص الاعتناء به إلا عند أفراد، وممن أدركناهم يعتنون به الأستاذان المحفوظ الأدوزي، وابن مسعود البونعماني الذي له على شروحه مباحثات، وكذلك الحسن بن أحمد السملالي، وأحمد بن إبراهيم الإجراري، وعبد الرحمن السالمي الإيسي، وأما سواهم من معاصريهم فقلما يلتفتون إليه. ١٧ - العروض: للعلم الأدبي استدعاء لإتقان هذا الفن الذي تصفف طرر قوافيه على جبينه؛ ولذلك كان يزدهر بازدهار الأدب، ويَجدب بإجدابه، وهذا هو الواقع في هذا الفن بسوس، فقد كان في عهد النهضة الأدبية السوسية الأولى مدمجا في الدراسة العامة فتتناوله أقلام التأليف؛ فقد ألف فيه أبو فارس الرسْموكي، ثم أحمد بن سليمان الرسْموكي الفرضي، والحسن بن أحمد، وعلي بن أحمد الرسْموكي، ولغيرهم منظومة في الفن قصيرة، ثُم لَمَّا انتعش الأدب ثانيا في العهد الأخير رجع إليه كذلك الاعتناء، فيدرس بعضهم (الخزرجية) وبعضهم (الحمدونية) ومبدأ نَهضته الأخيرة من أوائل القرن الماضي، وكان معروفا بين المراكشيين الأستاذ اليزيد الروداني شيخنا العروضي، فإنه من تلاميذ تلك الطبقة، وفي الجيل الذي أدركناه بسوس يوجد الاعتناء بالأدب؛ كالمدرسة الجشتيمية والإلغية والأدوزية والبونعمانية، فقد ألف فيه ابن مسعود، ثم لَمَّا فتر دولاب التدريس اندمج في المجموع.

стр. 52

١٨ - الطب: لا تزخر دراسة هذا الفن بطبيعة الْحال -قبل العصر الحديث- إلا في الحواضر، وفي أثناء أذيال المدينة التي تَحتاج إليه غالبا، وأما في البادية حيث الجو صقيل، والْهواء صحيح، والأجسام مستقيمة، والأمزجة معتدلة، فأنى يكثر الالتفات إليه إلا عند أفراد، وهذا هو الذي وقع في سوس، فإننا لَم نعتده ذا انتشار في التأليف أو في التدريس إلا قليلا، فأول من عرفنا له فيه مؤلفا: حسين الشوشاوي الراسلوادي، وهو من أهل التاسع، ثُم أحمد بن عبد الله بن يعقوب السملالي، ومُحمد بن علي البعقيلي صاحب (الطب البعقيلي) الشهير، وكلاهُما من أهل الحادي عشر، ثُم لأحمد بن سليمان الرسْموكي الفرضي، وهو من أهل الثاني عشر، وحوالي هذا الحين كما نظن كان تأليف كتاب طبي بيد بعض الأزاريفيين، ثم جاء الباقعة الغريب الشأن أحمد ابن الشيخ الحضيكي، حافظ التذكرة للأنطاكي وكتاب الزهراوي (١) حفظا، حتى ليحدث عن لفظهما بلسانه عن ظهر قلب في درس الفن، فكان مما يدرسه مؤلف ابن سينا في الطب بشرح ابن رشد، وكان مولعا بِهذا الفن، حتى أدرك فيه الغاية، ونرى أنه فريد من مفاخر المغرب من هذه الناحية، وقد ذكر كل هذا بعض من أخذوا عنه (٢)، ورأينا أيضا أحمد التاهالي الرحالة أتقن الطب، وامتاز به بين معاصريه كالمتقدم، وهُما معا أدركا أول الثالث عشر، ثم انطوى الفن، ولَم نرَ له ذكرا في التدريس أو في التأليف، إلا أن بعض أناس يذكرون بالتطبب، حتى أن منهم من يتسلسل فيهم أبا عن جد؛ كأبناء مُحمد بن سعيد الكرامي، المشهور بإتقان هذا الفن، من أهل مُختتم التاسع، وربما كان المذكورون أخيرا بالطب؛ كالحاج ياسين الوَسخيني، إنَّما يستقون مِما هناك من بعض الكتب ومن التجارب، لا من الدراسة المنظمة، وقد كان للشيخ الإلغي ولوع بِهذا الفن، فافتتح فيه مؤلفين: أحدهما بالعربية، والآخر بالشلحية، شغل عن السير فيهما كثيرا، أو كان الثاني تاما، لكننا لَم نقف عليه، وكان من أكثر معاصريه استحضارا للأدوية المفيدة في كل داء رآه، مع إكبابه على مراجعة كتب الفن، وخزانته زاخرة بكتب الطب على أنواعها، وللحاج عبلا -عبد الله- الإلغي، والد الأساتذة، يد طولى عملية لا علمية فنية.

стр. 53

هذا ما عندنا في هذا الفن، فيتلخص أنه ليس بِمدروس بين العلوم عند السوسيين إلا قليلا، وأن المعتاد إنَّما هو الطب التجريبي الساذج. ١٩ - الأسانيد: شاع في المغرب من قديم قلة الاعتناء بِهذا الفن، وإن لَم يكن يَخلو في كل وقت مِمن يتعاطاه؛ لِما امتاز به المغاربة من الإكباب على الدراية أكثر من الرواية، فكان لسوس بين أرجاء المغرب مثل هذا الوصف بعينه يقل فيه الالتفات إلى ذلك، وإن لَم يكن يَخلو مِمن يلتفتون إليه؛ فلذلك يَجد المطلع على حياة رجالاتهم فهارس ورحلات امتلأت بالأسانيد والاستجازات، وقد كان هذا مذكورا في التاريخ من مفتتح القرن العاشر، ثم لَمَّا جاء عبد الرحمن التامانارتي في القرن الحادي عشر أظهر ذلك في كتابه (الفوائد الجمة)، فأبان اعتناء مشيخته ومشيختهم بوصل حلقات الأسانيد، ثم جاء أحمد أحوزي التيملي نزيل درعة بفهرسته المشهورة بعد صدر القرن الثاني عشر، ثُم محمد بن يحيى الأزاريفي بكراسة شحنت بأسانيده في التصوف، وبأخرى بأسانيده في العلوم، ثُم تبعه أولاده وأحفاده في ذلك، ثُم التَّاسجدلتي، فعندنا له فهرست حسن، ثُم مُحمد بن إبراهيم آل ابن يعقوب التاتلتي ثم التاجرجوستي رفيق أحمد الغربي الشهير في الرباط في فهرست له حسن، وقفنا عليه أخيرا، يدخل في هذا الموضوع، ثم الحضيجي الذي رد العناية بِهذا الفن جذعة في فهرسته وفي إجازاته المتعددة، فتلميذه الأسغاركيسي فيحيى الجراري (١)، فأبو مدين الدرعي الرداني المعتني في رحلته (٢) بأخذ الإجازات في أواسط الثاني عشر، فعبد الله السجتاني المسكالي نزيل تونس في القرن الثاني عشر. فلكل واحد من هؤلاء فهرس خاص، وقد رأينا بعض أسانيد لبعض السوسيين سواهم عن بعض الفاسيين؛ كبناني وجسوس وعمر الفاسي وابن سودة وغيرهم، ثم أوصلوا السند بِمن بعدهم؛ كعلي بن سعيد، وولده مُحمد بن علي اليعقوبيين، اللذين يتصلان بالمتقدمين، ثُم ضؤل الاعتناء، وتقاصرت الهمم، حتى لنرى مثل أبي زيد الجشتيمي يزهد في ذلك تورعا واحتقار نفس، وإن كانت له بعض إجازات رأيناها، لكن ولده سيدي الحاج أحمد أظهر اعتناء غير قليل بِهذه الجهة، فوصل حلقات بأخرى بِما صنعه في حجته حين استجازَ من لقيهم، ثم أجازَ

стр. 54

بعد رجوعه فأبقى له بذلك ذكرا في آثار هذا الفن، وكان لأبي العباس التيمجيدشتي يد في إحياء فن الأسانيد، فاستجازَ وأجاز، فانتشر ما انتشر عنه بواسطة أصحابه كعلي الدمناتي، وأحمد الرسْموكي البوعنفيري، ومسعود المعدري، والْحَاج مُحمد أباراغ البعمراني، والعربي الأدوزي، والشريف الكثيري، وكان لابن العربي أيضا بعض عناية، فاستجازَ الْحَسن التيمجيدشتي، والأمين الصحراوي وغيرهما. ثُم أجازَ الكثيرين من بينهم خاتِمة المسندين بسوس سيدي مُحمد بن مسعود البونعماني، فقد وقفنا له على إجازة كبرى لبعض تلاميذه أسند فيها عن ابن العربي وعن والده مسعود، وعن الْحَاج ياسين الواسخيني، وعن الْحَاج أحمد الجشتيمي، وعن مُحمد بن مُحمد الجزولي، وعن مُحمد الضوء السباعي، وعن مُحمد أبارغ، وعن أحمد بن إبراهيم الإجراري وآخرين، وهذه العناية لَم نر لَها نظيرا من معاصريه في تلك الجهة، وكذلك رأينا مثل هذا الاعتناء للعلامة أحمد من آل حسين الطاطائيين من أصحاب أكنسوس، ثم كان آخر من رأينا لَهم هذه العناية، فأجيف الباب بعدهما، ويوجد بين الرحلات السوسية الحجازية، كرحلتي أحوزي الموجودتين في تامجرت، وكالأسغاركسيَّة -إن تَمت وعندنا بعضها- والأزناكيَّة- إن وجدت- والمدينيَّة الردانية الموجودة في تامجروت، والعينية إن كان اعتنى صاحبها بِهذا الفن فيما لَم نره منها وهي مبتورة، وفي غيرها آثار من هذا الفن، فإن الرحلات التي كتبت في الثاني عشر وهي عدة -منها هذه المتقدمات- تأثر أصحابها برحلتي الناصري والعياشي اللتين لَهُما اعتناء كبير بِهذه الناحية، وقد اطلعنا على بعض آثار في الموضوع لبعض الجرسيفيين استجاز بها في المشرق، كما اطلعنا على ذلك لأحمد العباسي، ولبعض السملاليين عن باب السوداني ولغيرهم عن اسكلانط والغربي وعن التونسيين والمصريين. هذا كله مما يدل على ما ذكرناه من أن الاعتناء بِهذا الفن الذي يُعد كنسب للعلوم لَم ينقطع في سوس، وإن كان يضؤل أحيانا، ثم هو مع ذلك لَم يكن ذا أهمية كبرى عندهم، حتى الإجازات- وهي عندهم أخص من الأسانيد في الجملة، إذا لَم تذكر فيها الأسانيد، وإلا فإنَّها من بنات الموضوع- يقل تعاطيها في سوس بين المتخرجين والمخرجين إلا قليلا. ٢٠ - علم الجداول: ويُسمى أيضا: علم الأوفاق، وسر الحرف، وهو علم صحيح ذكره ابن خلدون وغيره، وقد صحَّ أيضا عند المعتنين به في هذا العصر، وقد مرَّ بين

стр. 55

يدي مؤلفات فيه للسوسيين؛ كالمرغيتي، وابن الطيفور، وبعض الكراميين، والدفلاوي، ومنظومة للتامانارتي وغيرهم، وقلما يَخلو كتاب سوسي من جداول ترسم في باطن دفتيه، وكثيرا ما يكتبون بِها التمائم، وكان لشيخنا سيدي سعيد التناني يد طولى في هذا العلم، وكتبه تزخر بِجداوله، ولكنه ليس علما يدرس، ولا ذا شهرة في المحافل فيما أدركناه وعرفناه وقرأناه. تلخيص: تلك نظرات سريعة إلى العلوم التي يتعاطاها السوسيون، وقد عددناها أحدا وعشرين بالإجمال، وإلا فعند التفصيل تكون أكثر من ذلك، فلعلم الوضع عندهم رواج على حدة، ومِمن ألف فيه أخيرا ابن مسعود، وشيخنا الشاعر الكبير سيدي الطاهر بن مُحمد الإفراني. وأمَّا علم الكيميا الذي يَهتم به السوسيون؛ فلم نَر له في سوس رواجا متسعا، ولا عرفنا لَهم عناية به خاصة، لا اليوم ولا قبل اليوم، إلا النادر، وما هو إلا علم ينتحله البلداء، فيتناجون به كما يتناجون باستخدام الأرواح والسحر، ولا نعلم عن ذلك كله علما مستقرا، وكل ما كان سرا مَحوطا بالكتمان، فليس بعلم، على أن هذا لا يتعاطى كمدروس من العلوم التي تصدينا لذكرها؛ ولِهذا لَم نتعرض له، فهذا علم تاريخ الأمم حين لَم يتخذ موضوع الدراسة، لَم نتعرض له، وإن كنا نعلم لسعيد الكرامي، ولعبد الله بن يعقوب، وولده يبورك، ولغيرهم مؤلفات فيه تذكر. يرى القارئ من تلك العلوم أن ما يَجول في سوس هو كل ما يَجول في غيرها من نواحي المغرب، فإن زادت ثَمرات بعض الحواضر على سوس بشيء -وهي لا بد زائدة- فإنّما ذلك من طبيعة الحضر على البدو، والحضر تجبي إليه ثَمرات كل شيء، ويقدر فيه قدر الناس، ولكن مَجموع هذه الفنون وتعاطيها قلما تفوق فيها جوانب المغرب من غير سوس سوسا إلا تحلة القسم، فبهذا يَخرج القارئ من هذا الفصل، وهو مدرك أن سوسا دائما تسير في قافلة المغرب العلمي بعد القرون الأولى إلى التاسع، فإن لَم تتقدم قط؛ فإنها ما تأخرت قط، بِحسب ما تؤتاه من جهد المستطاع، ثُم يدرك القارئ أيضا مقدار ما تمد به فاس والْحَمراء سوسا في كل دور من أدوارها العلمية، فيجتهد سوس أن يتمشى على خطا المشيخة في فاس، وأن يكون خير تلميذ لأفضل أستاذ، كما يدرك أيضا أن هذه العلوم تبلغ من

стр. 56

التمكن في سوس أحيانا، حتى تتخذ لَها وجهة مستقلة، وحتى تُهيئ لَها في الشعب قوة يُمكن بها الاستمرار والاستقرار، ثُم الاستقلال في الفهم، كما يتبين في مثل عمل (١) عبد الله بن الحضيجي المتوفى مفتتح الثالث عشر، الذي كان في مرتبة بناني المتوفى (١١٩٥هـ)، فهو كما قدمناه لَم يرتَحل عن سوس للأخذ، ككثيرين من جزولة تَخرجوا وراء الرحلة، ثُم رأيناه يتوجه في البحث حول انتقادات بناني للزرقاني فيتتبع النقول من مصادرها ويقابل، فيحكم بغلط المنتقد، أو بصحة نقده، سالكا عين ما سلكه بعده بقليل الرهوني، فهذا هو الذي نعنيه باستقلال الفهم، وحركة علمية رسخت في جانب كسوس حتى قدرت أن تلد مثل هؤلاء، وهم غير قليلين بسوس، حركة متسعة ثابتة الأساس، ينبغي للتاريخ أن لا يَجهل مكانتها، وإن لَم يكن فيها مبرزون عالميون أو يقلون فيها على الأقل، ويكفي أن يعرف القارئ مقدار الجهود التي يبذلها الشلحي حتى يتذوق اللغة العربية وعلومها، فيعذر السوسيين إن قل فيهم مبرزون. إيه، هل هذه العلوم لا تزال تدرس إلى اليوم (مفتتح ١٣٥٨هـ)؟ الجواب: أن القطر السوسي كان دب إليه الفتور العام الذي دب إلى جَميع المغرب، بعد ما ولى صدر هذا القرن بعد (١٣١١هـ) فلم يصل (١٣٣٠هـ) حتى تضاءلت المدارس جدّا وضعفت الهمم ضعفا عظيما، ثم جاءت أهوال يعرفها كل أحد من جراء الاحتلال، زلزلت القلوب، فلم يكد يصل (١٣٤٥هـ) حتى قلت جدّا المدارس العامرة، ثم جاءت المسبغة التي وقعت في هذه السنة وفي التي بعدها، فأتت على الباقي، فانقضى كل شيء، وقدر مع ذلك وفاة كبار العلماء، ثم سرى ما سرى في كل أطوار الحياة المغربية، فتأثرت مَجالس دراسة العلوم غاية التأثر، فلم تدخل سنوات (١٣٥٠هـ) حتى لا تكاد تَجد مدرسة عامرة العمارة المعهودة، فلا ترى إلا البعض يكون فيها عشرة إلى عشرين، أو أدون من عشرة، ثم تزايد النقصان حتى لا أعلم في هذه السنة (١٣٥٨هـ) مدرسة فيها نحو (٥٠) من الطلبة فما فوق بقليل، إلا مدرسة أيغيلالن بقبيلة ماسجينة بسبب الأستاذ الْحَاج مسعود الوفقاوي الإلغي (٢)، وأمَّا غيرها ففيها نَحو عشرة، إلى خَمْسة عشر، وإلى عشرين أو ثلاثين على الأكثر، وتوجد ثلة من المدارس العامرة عمارة ما، لَكن لا تتجاوز خَمس عشرة مدرسة فما دون، وقل أن يتجاوز ذلك العدد، وقد أقفلت أبواب الدراسة

стр. 57

الْجدية، ولا يرابط الأساتذة اليوم غالبا في المدارس، ولا الطلبة الذين معهم إلا للمعاش فقط، وقد يَمضي أسبوع فشهر من غير معاطاة دروس، إلا عند أناس منهم لا يتجاوزون نَحو خَمْسة عشر، هذا ما في نَحو الْخَمس عشرة مدرسة التي لا تزال تذكر، وأمَّا غيرها فأستاذها بِمنْزلة الناطور للبستان، يَحرس سقوف المدرسة وأبوابَها؛ لئلا تمد إليها الأيدي، حقيقة والله مؤلِمة، لا يَملك معها الغيور إلا أن يقول: إن دام هذا ولَم يَحدث له غير ... لَم يُبكَ مَيْتٌ ولَم يفرح بِمولود هذا مع كونها قبل (١٣٣٠هـ) مع ضعفها إذ ذاك، يكون فيها ما يناهز المائة لكل مدرسة من المدارس الكبرى؛ مثل الأدوزية والتانالتيَّة والبونعمانية والمحمدية والبعبدلية والإلغية والتيمجدشتية فلله الأمر من قبل ومن بعد، وقد توفي سيدي العربي الأدوزي سنة (١٢٨٦هـ) عن مائتين من الطلبة فأين ذلك اليوم ولا نصفه (١).

стр. 58

الأدب العربي السوسي رأى معنا القارئ كل ما ذكرناه في الفصلين المتقدمين من وجود الأدب العربي السوسي منذ العاشر، وأن هناك شعراء سوسيين في البلاط (١) السعدي إزاء الفشتالي، كما أن هناك آخرين في البلاط الإيليغي يشيدون بقوافيهم ما لا يُشاد إلا بالقوافي من الثناء العطر، والذكرالطيب، فينافحون كما كان ينافح حسَّان بن ثابت شاعر الأنصار، المؤيد بروح القدس. كما كانت هناك أيضا كما تقدم حلبة أخرى مفلقة استلت شهادة خزيْمة من محمد العالِم للأدباء السوسيين؛ لتمكنهم في اللغة والنحو، يوم تولى الخلافة عن والده في تارودانت، وكما لوحنا أيضا إلى ما نشأ من المدرسة الهوزيوية من اعتناء بالأدب، فهناك ألسنة لسنة حاولت أن تطير بالبيان في مطارات واسعة، هذا كله يفهمه القارئ مما تقدم فيجد من نفسه داعيا حافزا مُلحا إلى أن يُدرك كيف هذا الأدب السوسي. وما مقدار جزالته، وأين منتهاه في المحافل المختلفة الأذواق، وما هي مكانته من الفصاحة والبلاغة، ونصوع اللفظ، ولطف المعنى، ورشاقة الأسلوب، ثم ما هو سيره منذ انبثق من العاشر، إلى أن يدرك هذا العهد الذي نعيش فيه، أكان دائما في مستوى واحد طوال تلك القرون، أم كان يقع ويرتفع، ويعلو ويسفل، بِحسب الدواعي والبواعث المادية والمشجعات بِمناسبات؟ إننا إن أردنا أن نلقي نظرات على الأدب العربي في هذه الزاوية المغربية، إلقاء من يريد أن يعرف كيف تقلباته بالإجمال، وما هو سيره في مُختلف تلك القرون؛ لا بد أن نقسمه إلى أدوار مُختلفة كما أدانا إليه درسنا للموضوع: ١ - النهضة الأدبية السوسية الأولَى. ٢ - زمن الفتور بعدها. ٣ - مُحاولة إنعاش الأدب بعد فتوره. ٤ - النهضة الأدبية السوسية الثانية. فبهذه الأقسام الأربعة، وبالإدراك لِمَا يَجمعه كل قسم منها يَخرج الباحث المتتبع وقد عرف ما انتهى إليه علمنا في الموضوع.

стр. 59

النهضة الأولَى ٩٠٠ هـ - ١١١٨ ه ـ كانت بذور هذه النهضة من بقايا العصور المتقدمة قبل العاشر التي تَحملها الْمَجَالس الدراسية، من الآثار المفلتة من العصر المريني المزدهر بالأدب، فقد رأينا من مشيخة بسوس مِمن لا يظن بِهم أن يهتبلوا بِهذا الفن اهتبال الأدباء الأريحيين الفكهين، آثارا تدلنا على أن ذلك إنّما تسرب إليهم مِمن قبلهم، من غير أن يسووا الأجنحة التي يقتضيها الطيران في ذلك الجو، فقد رأينا من الأستاذ الأديب سيدي علي بن مُحمد التيلكاتي والد الشاعر سعيد الحامدي الشهير أثرا أدبيّا في رسالة يدل على التفوق، وكذلك من الشيخ سيدي مُحمد بن إبراهيم الشيخ التامانارتي ولوعا بِهذه الناحية، يدل عليه بعض رسائله، وأثارة من بقايا خزانته التي زرناها. وقد علمنا من التاريخ أنه ذو إنشادات يتحين بها الموضوعات التي يتحينها بها من يكون له فكر أدبي، كما علمنا أنه يحث على الكتب الأدبية أمثال المقامات الحريرية، وأنه قيوم على تدريسها، وهي -بلا مرية- لا تكون مدروسة وحدها في هذه الناحية لظواهر أخرى أدركناها من حياته، ومن بيئة ذلك العصر تقتضي انتشار دراسة كتب أدبية أخرى إزاء المقامات، ثم مع ذلك ذو آثار موجودة، وقفنا على بعضها إلى شيخه الحسن بن عثمان التملي، وقد أخذ منا العجب كل مأخذ حينما رأينا ذلك الصوفي يحاول أن يحرر في الترسل الأدبي رسالة (١) إلى هذا، فعللنا ذلك بأن شيخه كان له المنزع نفسه، فأراد تلميذه أن يطرقه من الباب الذي يولج عليه منه بلا استئذان، وكذلك رأينا من أبي بكر بن أحمد التازولتي التملي أحد تلاميذ ابن عثمان أيضا أدبا جيدا، وتَمكنا في اللغة وترسلا وشعرا، كما رأينا أيضا ما يدل على أن آخرين من أقران هذه الطبقة من الجزوليين سائرون على هذا الذوق، فمن هنا حكمنا بأن بروز هذه النهضة الأولى التي وجدها السعديون فزادوها نشاطا، ورفعوها إلى الأوج، كانت قبلهم في سوس، ولكنها لا ميزة لَها فيما نعلم، ولا كان لَها ما كان لَها بعد هذا الحين من الشفوف، والاصطباغ بصبغة خاصة، أَوَلا ترى أن مُحمدا الشيخ السعدي الذي يصلح أن يكون على الحقيقة أول أمير سعدي، كان يَحفظ ديوان المتنبي كله، وسبب حفظه إيَّاه ما كتب

стр. 60

به إليه أستاذ درعي متمثلا ببيت من ذلك الديوان (١)، ثم لا تنس أنه ممن أخذ عن ابن عثمان شيخ جزولة أول العاشر، أوَليس أن هذه المقدمة لا تنتج إلا أن بذرة حب الأدب التي كانت في مُحمد الشيخ إنَّما بدرت من بين أساتيذه الذين أخذ عنهم، كابن عثمان السوسي، وكغيره من غير السوسيين، ثم لَمَّا جاء السبب الخاص دعاه ذلك إلى حفظ ذلك الديوان: إنَّما تنجح الْمَقالة في المر ... ء إذا صادفت هوى في الفؤاد وما حِفْظُ ذلك الديوان إلا عنوان لِميله الأدبي الذي لَم ينشب أن اصطبغت به الدولة، فنشأ في بيئته الشباب السعدي كالمنصور وأمثاله. إذن بذور هذه النهضة كانت موجودة في سوس قبل الدولة السعدية، ثُم لَمَّا قامت هذه الدولة وقد رسخ في أدمغتها حب الأدب لذلك الذي بيَّناه، أخذت بضبع الأدب العربي بالمغرب كله، وكانت سوس من بين الأجزاء المغربية الممتازة في تلك الدولة، بل كانوا يعدونَها وطنا خاصّا، ويرون في أهلها شيعة خاصة يعتمدون عليها في حرسهم الخاص (٢) من غيره؛ لِمكانة السوسيين من أول يوم من البيعة لأول أمير سعدي، ثُم ظهر الأدب السوسي مزدهرا بأيدي أدباء كبار؛ كمحمد بن علي الهوزالي النابغة، وكسعيد الحامدي (٣)، وولده أحمد، وأبي بكر التازولتي، وسعيد الإيلالني، ومُحمد بن عيسى التِّملي، وداود الوجاني، وموسى الوجاني، وأمثالهم ممن نعرف ومن لا نعرف، فكانت قوافيهم تترقى في الإجادة، بِحسب طبع كل واحد منهم، وهم يستظلون من الدولة استظلال من يرى أنه إنّما يستظل بظل دوحته في بستانه الخاص، فقد دلت قوافيهم التي خلصت إلينا على قلتها جدّا على أنهم يقولون في هذه الدولة ما يقولون عن إخلاص. ثُم جاءت أكف الدولة المفعمة لَهم مع ما امتازوا به كلهم أو امتاز به بعضهم من سمو المنزع، فزادتهم إخلاصا على إخلاص، وفيما يقولون ما يلفت نظر الباحث في الأدب المغربي العام إلى ذلك العصر لفتا خاصّا، فهناك أقوال (٣) للحامدي أعجبنا ببعضها غاية الإعجاب، كما أن هناك أخرى لابن عيسى التملي تدل على ذلاقة وجزالة ومتانة أسلوب، وأما ما رأيناه لَهم في غير

стр. 61

الإشادة بالعرش السعدي، فإن بعضه في موضوعه يكون من المنفسات الغالية في عالَم الأدب، وناهيك بنونية (١) داود الوجَّاني، فإنَّها في الوصفيات قيمة بِحسب بيئتها، ويزيدها قيمة على قيمة أنَّها انفردت بوصف واقعة وادي المخازن وحدها، دون كل شعراء المغرب إذ ذاك فيما نعلم، مع أنَّهم متوافرون في أنْحاء المغرب، ولو كان غالب ما تنفثه ألسنة الأدباء السوسيين في فجر هذه النهضة كثيرا بيننا؛ لاستطعنا أن نُدرك منتهى السمو الذي كان للأدب السوسي في هذه الخطوة الأولى، على أننا نقنع بالموجود، ونكتفي بِما نفهمه من ورائه. ثُمَّ إن الأدب قد تَجاوزت آثاره ميدان المديح، ووصف الغزوات في مبدإ هذا الدور، إلى مَجالس الأنس، ووصف ليالي الشراب، ولا أدل على ذلك من بائية موسى الوجاني التي نذكرها فيما يأتي، كما أنه تَجاوز أيضا إلى الزهديات مع احتفاظه بروعته، وفي رائية لسعيد الحامدي أحسن مثال لِهذا، وهذا ما يدل على أن هذه النهضة قد ابتدأت خطوتِها الأولى واسعة غير ضيقة، فلا نعجب إذن أن رأيناها في عنفوانِها بلغت من طروق موضوعات شتى غاية ما يُمكن لَها في تلك البيئة. انبثقت الدويلة الإيليغية، وقد تَمكنت هذه النهضة وبلغت قوتِها، وخالطت بشاشتها كل القلوب ذوات الأريحية، فلا عجب إذا رأيناها لَم تتأثر بسقوط دولة وقيام أخرى، فإن كان لا بد من تطلب علة لذلك؛ فإن ما يُمكن أن يكون علة واضحة لذلك موجود في أن التشجيع الذي كان الأدب استمده من الدولة السعدية كان عظيما جدّا، حتى تأصلت جذوره تأصلا ثابت العروق. فلم يسهل أن يتزلزل بسرعة، ثم وجد أيضا بكل سرعة من أول يوم تشجيعا جديدا من إيليغ، ولَم يكن بين قيام إيليغ سنة ١٠١٨هـ وبين إقفال البديع، بموت الذهبي سنة ١٠١٢هـ إلا سنوات قليلة جدّا، وهناك علة أخرى يُمكن أن يعلل بها ذلك، وهي أن حب الأدب تَملك بعض الأسر، فصار الأدب كالعلم عندها، تعتني به من عند نفسها، ولعل الأسرة التَّاعَاتينية واللكوسية المانوزية والتِّيلكاتية الحامدية وأمثالِها يصدق عليها هذا. إننا بعد ما درسنا (إيليغ) (٢)، وكيف إدارتها ومعاملاتها أدركنا أنّها تتبع خطوات البديع بقدر جهدها، وأن اعتناءها بالعلم والأدب وإكبار

стр. 62

أهلها إكبارا أدبيّا، واحتراما خاصّا، أكثر مِما يقتضيه حالُها، إنّما تقفت فيه البديع من غير أن يكون لَها من العلم والأدب وذوقهما باع طويل كالبديع، ومن هنا نلمس إسراعها بالتشجيع للأدباء الذين يكونون دائما في الدول عنوان منتجاتها في حاشية أعمالِها، ومن آخر ما تعتني به خصوصا إن كانت دويلة بسيطة بدوية كدويلة إيليغ، فليحمد حينئذٍ الأدب السُّوسي هذا التقليد، فلولاه لأمكن أن يسقط شأنه منذ ارتفعَ شأن إيليغ، ففي أول يوم بويع فيه علي بودميعة (١٠٢١هـ) رأينا الشاعر أمحَّاولو الإيسي قام بقصيدة يلقيها على مسامع الحاضرين، فيها الإشادة بالأمير الجديد، وفيها تَمنيات من بينها الأخذ بالعلم والاهتمام بنشره، ولا مرية أن الشاعر إنّما يقصد العلم الديني، ولكن في ضمن هذا العلم كل علوم العربية إذ ذاك، ثُم رأينا هذا الشاعر تبوأ مركز الكتابة الأعلى في إيليغ، ثم يخلفه فيه ولده أحمد وهو شاعر أيضا، كما رأينا أحمد بن مُحمد الشاعر التاغاتيني يستقدم إلى إيليغ، ويؤمر بِملازمة الحضرة، ثُم لَحق الشاعر مُحمد بن الْحَسن اللكوسي المانوزي بإيليغ، وبَيْن يدي نَجواه قصيدة عينية، ثُم هناك من بَيْن قضاة الجماعة الشعراء والأدباء؛ كمحمد بن سعيد العباسي، وعبد العزيز الرسْمُوكي، وعبد الرحمن التامانارتي، نشأ أمثال سعيد بن مُحمد بن سعيد من النشء، فكان هؤلاء يقولون في كل مناسبة، يقولون تَهديدا لأعداء الدولة، ويقولون تَهنئة للأمير بعد أن نَجا مِمن يُحاول أن يغتاله، ويقولون فيه أمداحا خاصة، ويقولون في رثائه بعد وفاته، ويقولون في ليالي المولد النبوي، فتعارض قصيدة الفشتالي، النونية النبوية بلسان أحد شعراء الشباب (١)، وهذه الحركة الشعرية تدل على أن هناك اعتناء خاصا، ربّما فاق ما نظن، وإنما نُحاول أن نبقي مع ما يدل عليه ما اتصلنا به، ولَم نرد أن نتتبع الافتراضات كثيرا في الموضوع، ولا أن نتوسع في الاستنتاج إلى حد بعيد، خوف أن نقع فيما لا نَجد له دليلا مقنعا. لو تطلب منا دليل مقنع، على أننا وإن أبينا أن نتوسع في الإشارة بالأدب في إيليغ نَجد بين أيدينا نصّا صريحا من أحد رجالات إيليغ إذ ذاك، يقول: «إن الأدب قد انطوى منذ انطوى إيليغ في جبال جزولة حتى بقيت آثار الأدباء مرمية منبوذة

стр. 63

بالعراء (١) لا يهتبل بِها»، وهذا يدل دلالة واضحة على ما يتطلع إليه باحث يريد أن لا يرتاح حتى يبلغ المدى. ثُم انبعث الأدب في تارودانت انبعاث الذبالة من السراج قبل أن تنطفئ بِمُحمد العالِم العلوي الْمَاجد، فقد أتيح له أن يَجمع له ثلة من بقايا هذه النهضة المتقدمة، وقد كان الفقهاء الذين يردون عليه يقدمون إليه قصائد لا تعجبه, ولا يرفع بِها رأسا، حتى انثالت إليه هذه الثلة المتصادقة التي هي كعقد منظوم بالْمَاس، فرأى العجب عِيانا، وخاض ما شاء بلاغة وبيانا، إننا نعلم أن إبراهيم السجتاني، وابن الْحَسن الإيلالني، وابن عبد الله الزدوتي الذين كانوا من بين الثلة المعجب مُحمد العالِم بذلاقة ألسنها. قد تَخرجوا كلهم من فاس، ولعل قائلا يقول: إذن أدب هؤلاء لَم يكن مستقى من أدب تلك النهضة السوسية القائمة أخيرا بإيليغ، بل كان مستقى من وادي الجواهر، فنقول مجيبين: إننا أولا وبادئ ذي بدء، وقبل كل شيء لسنا مِمن يترامون إلى جعل المغرب عِضين، ولا مِمن يرمون في كل ما يكتبونه إلى أن يَجعلوا هذا الشعب الموحد من قديم طرائق قِددا، وإنّما نَحن الآن في تبيين الواقع في هذه الزاوية من المغرب، ونقول ما كان يقوله من يريد أن يقوم مثل هذا المقام في نواح أخرى مغربية؛ لتستنير أجزاء المغرب كلها، ويتضح تاريخ كل جهة. فإن ذلك أدعى للحكم على كل المغرب عند الذين سيتصدون لذلك أيضا في مقام آخر. أقول هذا وأكرره، وأعلنه غاية الإعلان، ثم بعد ذلك أقول: إن كون هؤلاء الثلاثة تَخرجوا من فاس لا يدل ذلك وحده على أن أدبهم فاسي مَحض، لا يضم من بذور النهضة السوسية شيئا، بل الذي يصح أن يَحكم به أنهم تذوقوا الأدب في بلادهم، ثم عمدوا إلى كليتهم وكلية كل المغاربة، لا كلية أهل عقبة باب الحمراء وحومة الطالعة وحدهم؛ ليترقوا منها وليدركوا من أساتذتِها في كل فن ما يعوزهم في باديتهم، وذلك ديدن كل من يأخذ من السوسيين من فاس، من قديم الزمان إلى اليوم، ويؤيد هذا أننا نعلم أن الذي تخرج من بلده شاديا ثُم توجه إلى مثل القرويين لا يشتغل في القرويين إلا بتتميم العلم الذي كان شدا به قبل، وحال هؤلاء الثلاثة وغيرهم من كل أدباء سوس إذ ذاك -على الأقل- لا يَخرج عن هذا، أوَليست هذه هي

стр. 64

الحقيقة الناصعة المسلمة؟ على أن المقصود الذي نريده أن ما رآه مُحمد العالِم هناك من ذيول تلك النهضة، يوجد حتى في الذي يقدمه أولئك الفقهاء من قصائدهم، وهل يعتني فقيه بالقوافي إلا إذا أكبر الأدب وأعلى شأنه، وعلم أنه مفتاح القلوب، وخير ما يقدمه ذو علم أمامه؟ وهذا الذي يقدمه هؤلاء العلماء، مع ما عند الثلاثة المتقدمين يدل بِمجموعه على ما نرمي إليه، وأما رابع أولئك الثلاثة مُحمد بن أحمد التاغاتيني ابن ذاك الشاعر الإيليغي، فإنه شاعر نشأ تَحت ظل إيليغ، وسنرى ما يتكون منه أدبه، فندرك ما هي الكتب التي تستقى منها آداب ذاك العصر، وأية طريقة يسلكونَها حتى يتمكن المتأدب في الأسلوب العربي. أبدأ مُحمد العالِم وهذه الثلةُ وأعادوا بِمجرد ما اتصلت الأسلاك، فكأنَّما نشرت في تارودانت مَجالس ما بين الكرخ والرصافة، وعادت إلى حياتِها الأفكار العبادية الأندلسية تتجارى في ميدانِها، وقد شاءت السعود أن يبقى بعض ما دار إذ ذاك، فحفظ لنا كتابا كتبه (١) أحد الأحياء إذ ذاك في ردانة، وكان أديبا ينزل عليه أولئك الأدباء ويُخبرونه بكل ما يروج في حضرة الخليفة، وما يكون بينه وبينهم من المساجلات التي تربوا أو تَماثل على الأقل -مساجلات (٢) الأديب ابن الطيب العلمي الفاسي مِمن يَحيون في هذا العصر أيضا، ففي كتاب الرداني مساجلة في وصف مَجلس أنس، وأخرى في حلبة من فرسان العبيد يتسابقون في الميدان، وأخرى في هجو أولئك العبيد يوم انتبذ الأدباء بعد خروجهم من حضرة الخليفة في منتزه كانوا فيه وحدهم، وهي من الْمُفَاكَهات العجيبة الَّتِي لا يَملك الإنسان معها نفسه ضحكا، وهيتدل على أريحية عظيمة نعتادها من الأدباء دائما، وقد شهد مُحمد العالِم لِهذا الأدب السوسي الذي شاهده بأنه غريب لا يوجد له قرين إذ ذاك في الْمَغْرب، وكل هذا يوجد في ذلك الكتاب الأدبي الْحلو الذي كتبه الرداني كجواب لفاسي اقترحه عليه فأملاه من عنده، فأبقى به صحيفة أدبية سوسية مذهبة، لا يوجد لَها في مَجموعها على الحق والإنصاف مثيل إذ ذاك في الْمَغْرب وقد كان جامع هذا الكتاب ذا حافظة قوية، يَحفظ كل ما يعجبه، فكان ذلك هو السبب حتى أمكن له أن يُملي من عند نفسه بعد هذا الوقت بنحو ربع قرن

стр. 65

ما أودعه في كتابه من قصائد ومقطعات، وبعض نثر، وقد حكم بأن الأديب السوسي إذ ذاك وإن كان في منتهى اللطف والأريحية، والرقة ودقة الشعور كان نزيها متدينا عفيفا، لا يطبيه الْهَوى، ولا تؤديه أريحية الأدب إلى أن يتهتك، وهذا في نظرنا نَحن كما هو في نظر كل متدين مُحافظ على المروءة مِما يدل على سُمو وشفوف مِمن اتَّصف به. على حين أن غيرنا قد يرى في هذا غير ما نرى فيه -فاختر لنفسك (١) ما يَحلو- ولعل أحسن ما أمدنا به ذلك المؤلف ما أفادناه مِما يستمد منه الأدب إذ ذاك ذلاقته، وتَمكن تعاليمه في الألسنة، فقد وصف الثلاثة الأولين من تلك الثلة، بأنَّهم حفظوا كلهم المقامات الحريرية وحفظوا قصائد كثيرة للمتنبي، والبحتري، وأبي تمام، وجرير، والفرزدق، والأخطل، وأبي نواس، وبشار، ومسلم، فضلا عن المعلقات، وقد استحضروا كثيرا من حَماسة أبي تَمام ومن الْحماسة المغربية مع معرفتهم للتاريخ، ثم وصف مُحمد بن أحمد الرسْموكي الذي كان مِمن نشأ تَحت ذيل الأديب الإيليغي بأنه كان فائقا على القدر، حافظا لأشعار العرب، ثم قال -ويظهر لي أنه أحفظ من الآخرين- لأن والده الأديب اعتنى به كثيرا، انظر إلى وصفه هذا الشاعر الإيليغي، بأنه أحفظ من أصحابه. فإن ذلك ينفعنا في الموضوع؛ لأن هذا الرسْموكي ما عرفت له رحلة إلى فاس، فإن كان من يريد أن يعترض علينا بذلك الاعتراض المتقدم حول أولئك الثلاثة، وإن ينازعنا فيما قلناه حول أخذهم أدبهم كله من فاس، فإنه لا يُمكن له إلا أن يسلم لنا هذه النتيجة التي حصلنا علينا بِهذا النص الواضح، فبذلك أدركنا من أين يستمد الأدب السوسي إذ ذاك، وكيف يتعلم المتأدب الأسلوب العربي، والعجيب ما ذكره من (الحماسة المغربية) وهو للجراوي من أدباء القرن السادس، فإنَّها غير مسموعة منذ ذلك العهد. فكيف وقع لَها حتى كانت معروفة متدارسة في هذه الزاوية المغربية في ذلك العصر، ثم لَم نَجد لَها أثرا اليوم، بل يَجهلها الغالب حتى أثار حديثها بعض الباحثين (٢) أخيرا في الصحف، وما مدارسة الحماسة الجراوية في سوس إلا أخت مدراسة كتاب الزهراوي

стр. 66

الطبي (١) فكلتاهُما من الأعاجيب التي انفرد بِها سوس في ذلك العهد، ثُمَّ انطوى الكتابان معا حتى لا يوقع لَهما على نسخة إلا في الندور (٢)، ثم إن هناك من بين من أخذوا أخذا كثيرا من إيليغ من يُمكن أن نتخذه أيضا كحجة على ما هنالك، وهو اليوسي الذي رأيناه ينقطع هناك ما شاء الله فيأخذ عن الجزوليين في إيليغ، ثم ما فارق تلك المدينة حتى أرسله أميرها أبو حسون بودميعة ليدرس بتارودانت، فيمكن أن يكون مرآة واضحة لإيليغ، فيتخذ أدبه وما يستمد منه في كتبه الأدبية كـ (أزهار الأكم) (والمحاضرات) وأمثالهما كمثال حي ماثل بين أعين الباحثين، فلو كان اليوسي إنّما أخذ من الإيليغيين وحدهم؛ لجزمنا بأنه هو مرآة صافية حقّا للأدب الإيليغي، ولكن رأيناه ربض أيضا كثيرا قبل هذا الوقت وبعده عند أناس دكاليين ودلائيين وغيرهم حتى تفوق. ثم بعد هذا الحين ألقى رحله وقد استوفى عند الدلائيين الأدباء الكبار، على أن في كونه وقت عنفوان أخذه في إيليغ لدليلا واضحا لِما نريده، وأيّا كان فمما لا يمكن أن ينكر أن في أدب اليوسي جانبا غير قليل، إن لَم يكن هو الغالب عليه من التأثير الإيليغي، أوَليست هذه هي الحقيقة؟ ومن عرف كيف بعض أساتذته في الأدب واللغة هناك كعبد العزيز الرسْمُوكي، والقاضي مُحمد بن سعيد لا يَسْتبعد ذلك. ثُم امتد الأدب السوسي الإيليغي إلى هذا المدى الذي يَجده مُحمد العالِم الذي كان في تارودانت خليفة لوالده في سنة (١١٠٩هـ) حتى ألقي عليه القبض بعد ثورته فقتل (١١١٨هـ)، (على التحقيق) لا في (١١١٦هـ) (كما في الاستقصا)، فبقتله ينتهي في نظرنا امتداد النهضة الأولى السوسية التي حاولنا أن نُبين تقلباتها، فقد بلغت أشدها في العهد السعدي، ثُم بقيت طلاوتِها في العهد الإيليغي، ثم لفظت نفسها مع انْهِيار عهد مُحمد العالِم العلوي، بعد إلقاء بعض روائعها في حضرته، فكان عمرها نَحو (٢٠٠) سنة.

стр. 67

ثُم لا بد لنا أن نسوق عن هذا الدور شذورا قليلة؛ ليشاركنا القارئ في بعض ما نَحكم به على ما قيل إذ ذاك، بعد ما نعلن إليه أن أنواع الشعر العربي كلها، نَجد لَها أمثلة فيما وقفنا عليه مِما بين أيدينا من الآثار الواصلة إلينا، ففيها المديح، والْهجاء الشخصي والسياسي، والغزل، والوصف للوقائع، والوصف لِمجالس المرح، والرثاء، والزهديات، والفخر، والاستنهاضات، ثم يوجد بين ذلك أبيات الحكمة، والتي ترسل مثلا، كل هذا موجود فيما عندنا، فلنسق ما يستلطف من بعض ذلك مُختارين. يقول مُحمد الهوزالي النابغة في مُحمد الشيخ، وفي جيشه العتيد الذي فتح به المغرب، نأتي بِها كلها، لا لأنها من نُخب ما عندنا عن ذلك العهد، بل لأنها ألَمَّت ببعض أمور تلفت النظر لا تَخفى عن لبيب: ببيض السيوف وسمر العوالْ ... توطد أركان أس المعالْ يرى الخائضون لغمرتها ... دماء الجروح كبنت الدوال وعِثْير معترك قائم ... خلوقا ومسكا ودهن الغوال (١) ألذ معانقة عندهم ... معانقة القرن عند النِّزال وأفضل ألعوبة بينهم ... تراشقهم في الوغى بالنبال فإن يتمنَّ أخو خور ... منادمة الشرب تَحت الظلال تَمنوا منادمة الحرب في الـ ... ـهواجر بين شداد الرجال إذ الرعب خام به فَزع ... أذابوا الحديد بحر الْمِصَال (٢) يزيدون في حربِهم مِرة ... إذا ما تَمادى اللقا واستطال همُ ما همُ جند سيدنا ال ... أمِير مبيد فئات الضلال إمام الهدى وسياج الْحِمَى ... ورب الْحسام وإلف العوال أغاث الأنام وضيم العدو ... ينتف غثنونَهم والسبال (٣) لوى بالبلاد ومال العباد ... بَحر الجلاد ورأي ومال فعاث عثوا عظيما فلا ... يزيد سوى جفوة ودلال ففي كل يوم له طفرة ... وفتك بِمعمعة واغتيال تبحبح هذي البلاد بِما ... له من جنود ومكر مُذال تَمكن في الناس أجمعم ... فيعرك عرك الرحى للثِّفال (٤)

стр. 68

وأصبح سكانها في ذهول ... كأنْ لَم يكن بينهم من رجال وقد استبيحت بسائطهم ... ودب العدو لصوب الجبال هناك بدا منكمُ يا بني الر ... سول مداعسة والنِّزال (١) تَماسون أهل الصليب كما ... تفادونَهم بالظبا والإلال (٢) فرد إلى نَحرهم كيدهم ... بِحرب زَبون وكيد مطال (٣) وجند قوي وبأس شديد ... ورأي مُطاع ونسج احتيال وأس الحروب على خدع ... تصيد الأسود بِحوك السلال فطهرت الأرض من رجسهم ... بعزم بني المصطفى خير آل فنلنا الأمان على ديننا ... وأبنائنا وخدور العيال جزيتم بني المصطفى بالتي ... يُجازى بِها مَن يقيم المُمَال فلا زلتمُ في ذرى عزة ... تصون مَهابتكم والجلال ولسعيد الْحَامدي بين القصائد التي وقفنا عليها قصيدة طنانة، يعتنى بها في سوس، فتشرح وتُدرس، يقول في غزلِها، وهي في مُحمد الشيخ: إذا طيفها بالوجد ضافك لَم تكن ... لتقريَ إلا بالدموع السواجم (٤) تبدت كلمح البرق ثُم تبرقعت ... وأغرت دموعي بالشئون الشوائم (٥) فكم لوعة تنتابني وكأنّما ... يسامرني منها سمير الأراقم (٦) ألام على حبي سعاد وليتنِي ... حشوت غضا صدري صدوراللوائم رأيت طريف الحب يقتل داؤه ... فقل في تليد ذقتُه متقادم ويقول في مديحها: أمام إمام عوَّد الطعن بالقنا ... وعلَّم حد السيف حز الغلاصم (٧) إذا ما الكماة ملت الطعن في القفا ... أمل عليهم ضربها بالصوارم (٨)

стр. 69

بكل فتى يعطي الشجاعة حقها ... إذا اصطحب الأحشاء تَحت الحيازم (١) وكل كَمِيٍّ يَحتمي القرن قرنه ... يرى ضربة الأقران ضربة لازم (٢) فإن خاف نِكْس أو تقاعس لَم يَخف ... ملال ملول أو سآمة سائِم (٣) أخو العزم إن يعزم تلاشت همومه ... وذو الْحَزم لَم تقرع له سن نادم فلست ترى في الشرق والغرب مثله ... سلوبا لأسلاب الأسود الغواشم إذا ما الرعاء أصدروا الشاء أصدروا ... صدور العوالي عن صدور الضراغم عوارض موت لَم تَحم فوق بلدة ... فتقلع إلا باصفرار البراجم (٤) وذي نَخوة أخنت عليه فعادلت ... ولائده ولدانه في المقاسِم ملكت على الأعداء بالسَّيفِ سيفهم ... جهارا وكان السيف أعدل قاسم (٥) فأي حِمى لَم تستبح عَرض غربنا ... فمَسَّه قد مست إلى مستغانِم؟ وأي حزون لَم تَجس بقنابل ... وأي عزيز لَم تدس بالقوائِم؟ (٦) كأني بِمَلك الروم وافتك رسله ... تعوَّذ منك أرضه بالتمائِم إذا عظماء الروم تعنو فإنّما ... عنت لعظيم في عيون العظائِم قصار الجدود والعصائب والخطا ... كمَ اطمعها طول العمى في العمائم رأى وعصا الإسلام شقت لشقوة ... رؤى ذلة أضغاثَها كل حالِم (٧) فأقدم في تعبيرها كل مرهفٍ ... واحجم عن تعبيرها حدس عالِم فأوطأك السعد المنير متونَها ... وقد شكمت مرانَها بالشكائِم (٨) ويقول فيها: وملحمة لقحت وهْي وليدة ... فغادرتُها تدعي بأم الملاحِم عواصف لَما أن عصفن على العدا ... عطفن على الأرحام أرأف راحم جناح جناب رفرفت رأفة به ... قديم التحفي فيه ريش القوادم إذا انتظر المكروب للكرب فرجة ... أتيت مع التفريج أول قادم فقد حزت بين الناس غير مُدافع ... جمال قصي في سلالة هاشم

стр. 70

ويقول في آخرها: سأنصف حر الشعر مني بِمجلس ... حبيب بن أوس فيه والِي الْمَظالِم ثناء كما هبت من المسك نفحة ... يغادي بِها الأرواح روح النواسم وإن مكان الشعر من كل ماجد ... مكان الفصوص من حلي الخواتِم ويقول أحمد التَّاغاتيني الرسْمُوكي في علي بودميعة التَّازروالتي من قصيدة: ملك إذا اصطاد الملوك يعافرا ... يصطاد أبطال الملوك الصيد تتقصف الأعداء قبل لقائه ... فرقا وإن هو لَم يفه بوعيد (١) أموالَهم لِجنوده ورقابَهم ... لسيوفه وجيافهم للبيد حتى إذا ملك البلاد جميعها ... كفل البنين بعطفه والجود ذو مرة في حربه وقساوة ... قصامة للصخر والْجلمود لكنه في السلم لين كيفما ... لا ينته كالخيزر الأملود (٢) ويقول سعيد العباسي من النبوية التي عارض بِها النبوية الفشتالية (٣) المشهورة، بعد ما ذكر الشمائل النبوية فتلخص إلى مدح الأمير بودميعة: فيا سعد من كانوا جوار نبيهم ... إذا عنت الهيجاء طاروا كعقبان يعلمهم من علمه فيسيمهم ... بأخصب معلوم وأمرع عرفان يُحدثهم فاهم لفيه بِما يرى ... منَ اسرار هذي الكائنات بإعلان فيا ليتنا كنا جلوسا إزاءه ... وإلا وقوفا في مواقف عُبْدان فنحظى بِما يَحظى به كل جالس ... إلى خير مَخلوق وسيد أكوان ولكن إذا ما فاتنا ذاك وانطوت ... على الأمل المرجو أذيال حرمان فهذا الإمام المجتبى نجله ففي ... مَجالسه خير الأزاهير للجاني يفيض علينا علمه بِحقائق ... يعز سناها عن سوى يد رباني نثافنه في كل وقت كأننا ... نثافن أسكوبا يصوب بتهتان (٤)

стр. 71

فملء يديك من معارف جَمة ... ومن أعطيات من يدي غير منان فأين ابن شوز منه أين جليسه، ... من الجالس البحر الخضم ابن هتان؟ (١) نراه وديعا بيننا غير أنه ... يثور إلى الْهَيجا كشمَّار أسنان عليك به في السلم واحذر إذا بدا ... دعاس الوغى منه فَدوكَس خفان (٢) لأصحابه أزهاره وثِماره ... وأشواكه يوم النِّزال لأقران فسل عنه أبناء الصحاري وسكان ... التـ ـتنان وزيدانا وأبناء زيدان فعندهمُ عنه حديث مسلسل ... هزائِمهم ترويه عن كل ميدان إذا احتفلوا واستجمعوا من قواهمُ ... بدا منه فردا نَحوهم خير مطعان يصاولِهم من كل جنب بعركة ... مفتتة الأضلاع أبرغ فرسان تكون له أرواحهم ولِجنده ... فساطيطهم. والخيل قيدت بأرسان ويقول عبد الله بن يوسف الوَداتوني في المولى إسْمَاعيل بعد رجوعه من الصحراء سنة (١٠٨٩هـ) نأتي بالقصيدة برمتها؛ لِمَا تدل عليه من تَمكن في غريب اللغة مع البلاغة: هواي على تلك المهاري الرواسم ... بتلك الخدور المائلات القوائم (٣) صمدن إلى نَحر الفلا بدجنة ... مَجررة أذيالَها بالقواتِم (٤) تبدت من آفاق الْهِضَاب كأنّما ... تسوق رياح عاكرات الغمائم كأن أعالي الْخُدور نواصعا ... بياضا ظهور الورق بين الْحَمائِم كأن بروق الْجو يبرقن فوقها ... توالي ابتسامات الثغور البواسم كأن سراب الدو يلمع بينها ... وقد مد نور الشمس فوق الرواسم (٥) رجاء خلال الْجيش جيش مظفر ... تضم خوافيه خيار الْمَقادِم (٦) تَحوم أمانيَّ الورى فوق جوه ... كطير إذا ما سار سرن حوائم يبين أمير المؤمنين أمامه ... كساع بتبشير الأهالي بقادم يصون طليعات الْخَميس ببأسه ... كما صين ريش مُختف بالقوادم (٧)

стр. 72

خَميس تضيق الفيح من جنباته ... كما امتد دون السَّيف خُضْر الْخَضارم (١) حدائق أبطال سَنّورها لَها، ... بِخضرته مثل الْحقول النواعم (٢) وشائعها عند الْحُدود مُسوَّر ... من الأسل العسال بين الصوارم (٣) معودة شجعانه في لقائهم ... كلوم العدا بين القفا واللهازم إذا ما نَجا صوبا فمد جناحه ... وأكنافه في صُلَّبَات البَلادم (٤) وقد ماج بالسمر اللدان الطوال، إذ، ... تصافح راحات السما بالبراجم تقدمه نَحو الأعادي. وإن هُمُ ... من العز والعلياء أبناء دارم عرمرم جيش الروع يوقع بالعدا ... ولَمَّا يُلاقوا الْحَرب شر الْهَزائِم يقلقهم حتى يغادر هامهم ... بِما خامر الألباب ميل العمائم فمن يَجده منهم تَجلَّده فما ... حَمائله إلا خيوط التمائم يساق بِخوف مزعج ولربما ... يسوق حِمارا خوفه للضراغم (٥) فيغدو بنحس العضب يصدى صقيله ... ويُمسي بسعد الطائرات الْحوائم ألا أيها العربان ماذا لقيتمُ ... من أروع خواض الدجى والسمائم؟ حسبتم فساح البيد تفلت جمعكم ... وقد طاردتكم ضاريات القشاعم (٦) أردْت لكم تلك الفجاج كأنّها ... سِمام خِيَاط حين تُغْشَى بعارم يُخامركم طوفان بأس فلا يقي ... خيامكمُ من سيله أيّ عاصم إذا حَم أمر لا طواسين سدَّه ... ولا عاصمات منه آي الْحوامم (٧) سدمتم وقد نادى الردى في خيامكم ... وقرَّعتمُ مِما عرا سن نادم ولكن على الباغي تدور الرحى إذا ... تَحرش بالوَرد العبوس الطخارم (٨) ... هنيئا أمير المؤمنين بأوبة ... منَ ارض المنايا والردى والملاحم فضضت بِها بكرا تساء بعضلها، ... وجارتها بالزف وسط المراحم فلم يك كفئا للغواني سوى فتى ... يقود لَها مَهر العلا بالعظائِم عزمْتَ فنلت الفتح فذّا موفرا ... على قدر أهل العزم نيل العزائم (٩)

стр. 73

دعتني بنات السكر خامر بشره ... جوانِح صدري بالكئوس السواجم لتهنئة أفضِي بِها لِمسامع ... مشرَّبة بالمبهجات الدوائم لعلي أرى لي من يديه ملاءة ... أفوق بِها أهلي وكل العوالِم على سيدي مني سلام كأنه ... أحاديث ذاك الفتح من فم غانِم وقال مُحمد بن الْحَسن الإيلالني في تَهنئة مُحمد العالِم يوم نزل بتارودانت: سعد الزمان وطابت الأيام ... لَمَّا بَدا من جيشك الأعلام فالدهر عيد كله ومسرة ... وتعانق وتَحية وسلام فكأن رغد العيش حين حللت يا ... خير الخلائق عندنا أحلام سحت علينا الغاديات بغيثها ... لَمَّا انْجَلت عن كفك الأكمام من صافحته يَمين مولانا فقد ... أعطته أوثق عهدها الأيام ويقول بعد أبيات: فزنا ورب البيت لَمَّا جئتنا ... يا أيُّها العلامة الضرغام هذي علومك للرواة وهذه ... بيض الذكور لِمن همُ ظلام أين الرواة فذا مرامهم بل أيـ ... ـن الظالِمون فذلك الصمصام؟ هل جئتَ مولانا بِجيشك قائدا ... في جانبيك حَمائل وحسام أم جئتنا للدرس والتعليم في ... أيْمانك الصفحات والأقلام أم أنت نعمة ربنا الْمُهداة فيهـ ... ـا كلُّ ما يحتفه الأنعام؟ فلتزهونَّ ردانة الغراء إذ ... أضحى لَها بِمقامك الإعظام ولتغبطنها فاس والْخضراء وال ... أقطار حتى مصرها والشام وقال فيه إبراهيم بن أحمد السجتاني من قصيدة: حظينا بِخير الناس علما وحكمة ... ورأيا سديدا حين يشتبه الأمرُ وأفضل خريتي العلوم وكل ما ... يسوِّده في ظهر مهرقهِ الْحبر (١) وأفضل سوَّاس درى كيف يلتقي ... غزال مع الضرغام لَم يعره ذعر وأفضل مقدام إذا اشتجر القنا، ... وماج بَحر الحرب جحفله الْمجر به يُتقى في معمعان الوطيس إن ... تَمعرت الشجعان وانقصف الصبر (٢)

стр. 74

وقد قامت الهيجاء حق قيامها ... ودارت رحاها والتظى وسطها الْجمر وقد صابر الشجعان حتى لوى بِهم ... إلى العجز رغما مَطعن الأسل المر (١) وقد فلَّت الأسياف واندقت القنا. ... وكدَّست الموتى وضاق بِها البَرُّ وجف من أوساط الحلوق لعابها ... وقد ضاقت الأضلاع وانتفخ السَّحر (٢) وقد قام ميزان الهزيمة فانثنى ... عن الوالد البَرِّ ابنه البطل البَرُّ هنالك مولانا يُضيء جبينه ... حبورا كأن طافت براحته الْخمر يقاوم فردا ثابت الجأش مقدما ... كما خر نَحو السفح من قَنَّةٍ صَخر يشايعه العزم الوطيد وقائم ... من المشرفيات البواتر والْمهر إلى أن يرد الجيش أدباهم وقد ... تقسَّمهم حد المهند والأسر وقال موسى الوجَّاني في إحدى ليالي المرح: وليل مثل خافية الغراب ... عليه من ملاءات الشباب وأنجم جوه متلفعات ... بأردية السواد من السحاب قطعت إلى الصباح بغانيات ... وأقداح تشعشع بالشراب وأوتار لَها نغمات وحي ... تبعثر من هم تَحت التراب فحينا أرشف الصهبا وحينا ... أميل إلى مراشفها العذاب فكانت ليلة غراء صينت ... من التنغيص من أهل الرِّقَاب هل الأنس اللذيذ سوى غناء ... ورشف الراح أو رشف الرضاب؟ وصوت العود يَحدو للتصابي ... وتطويل العناق مع الكَعاب فذا الأنس اللذيذ وما سواه ... فليس سوى بوارق من سراب وقالت الفئة الماثلة في حضرة مُحمد العالِم في وصف مَجلس شراب، قال مُحمد العالِم مفتتحا المساجلة على عادته مع الأدباء: هذي الكئوس مشعشعات الراح ... فانْهَض نلبِّ نداءها يا صاح إبراهيم السجتاني: ما عذر من ترك العقار بروضة ... زهراء بين منادمات صباح محمد بن الحسن الإيلالني: فالوقت طابَ وبلبل الأغصان قد ... ملأ الرياض بصوته الصَّداح

стр. 75

محمد بن أحمد الرسْمُوكي: والروض أزهر ورده بِخدوده ... والياسمين بلونه الوضاح مُحمد بن عبد الله الزدُّوتي: فكأن مبيِّض الزهور مُنضرا ... حبب الرحيق أعاليَ الأقداح السجتاني: وكأن مُحمر الشقائق وجنة ... دعكت براحة ماجن مزاح الإيلالني: وكأن ذاك الورد في أشواكه ... شاك تبدى في أتم سلاح الرسْموكي: وكأن هاتيك الغصون وميسها ... بالرفق ميس من قدود ملاح الزدوتي: قم واسقنيها مثل عين الديك تحـ ... ـفز للمكارم أنفس الشحاح السجتاني: من كف أغيد ردفه مترجرج ... كالدعص بين تقلبات رياح (١) الإيلالني: أن مد يشفع ما يَمد بأعين نَجل مراض في الْجفون صحاح الرسْمُوكي: ما الراح إلا ما يدير مهفهف غنج وإلا فهْو دون قَراح (٢)
следующие страницы →