فملء يديك من معارف جَمة ... ومن أعطيات من يدي غير منان
فأين ابن شوز منه أين جليسه، ... من الجالس البحر الخضم ابن هتان؟ (١)
نراه وديعا بيننا غير أنه ... يثور إلى الْهَيجا كشمَّار أسنان
عليك به في السلم واحذر إذا بدا ... دعاس الوغى منه فَدوكَس خفان (٢)
لأصحابه أزهاره وثِماره ... وأشواكه يوم النِّزال لأقران
فسل عنه أبناء الصحاري وسكان ... التـ ـتنان وزيدانا وأبناء زيدان
فعندهمُ عنه حديث مسلسل ... هزائِمهم ترويه عن كل ميدان
إذا احتفلوا واستجمعوا من قواهمُ ... بدا منه فردا نَحوهم خير مطعان
يصاولِهم من كل جنب بعركة ... مفتتة الأضلاع أبرغ فرسان
تكون له أرواحهم ولِجنده ... فساطيطهم. والخيل قيدت بأرسان
ويقول عبد الله بن يوسف الوَداتوني في المولى إسْمَاعيل بعد رجوعه من الصحراء سنة (١٠٨٩هـ) نأتي بالقصيدة برمتها؛ لِمَا تدل عليه من تَمكن في غريب اللغة مع البلاغة:
هواي على تلك المهاري الرواسم ... بتلك الخدور المائلات القوائم (٣)
صمدن إلى نَحر الفلا بدجنة ... مَجررة أذيالَها بالقواتِم (٤)
تبدت من آفاق الْهِضَاب كأنّما ... تسوق رياح عاكرات الغمائم
كأن أعالي الْخُدور نواصعا ... بياضا ظهور الورق بين الْحَمائِم
كأن بروق الْجو يبرقن فوقها ... توالي ابتسامات الثغور البواسم
كأن سراب الدو يلمع بينها ... وقد مد نور الشمس فوق الرواسم (٥)
رجاء خلال الْجيش جيش مظفر ... تضم خوافيه خيار الْمَقادِم (٦)
تَحوم أمانيَّ الورى فوق جوه ... كطير إذا ما سار سرن حوائم
يبين أمير المؤمنين أمامه ... كساع بتبشير الأهالي بقادم
يصون طليعات الْخَميس ببأسه ... كما صين ريش مُختف بالقوادم (٧)
стр. 72
خَميس تضيق الفيح من جنباته ... كما امتد دون السَّيف خُضْر الْخَضارم (١)
حدائق أبطال سَنّورها لَها، ... بِخضرته مثل الْحقول النواعم (٢)
وشائعها عند الْحُدود مُسوَّر ... من الأسل العسال بين الصوارم (٣)
معودة شجعانه في لقائهم ... كلوم العدا بين القفا واللهازم
إذا ما نَجا صوبا فمد جناحه ... وأكنافه في صُلَّبَات البَلادم (٤)
وقد ماج بالسمر اللدان الطوال، إذ، ... تصافح راحات السما بالبراجم
تقدمه نَحو الأعادي. وإن هُمُ ... من العز والعلياء أبناء دارم
عرمرم جيش الروع يوقع بالعدا ... ولَمَّا يُلاقوا الْحَرب شر الْهَزائِم
يقلقهم حتى يغادر هامهم ... بِما خامر الألباب ميل العمائم
فمن يَجده منهم تَجلَّده فما ... حَمائله إلا خيوط التمائم
يساق بِخوف مزعج ولربما ... يسوق حِمارا خوفه للضراغم (٥)
فيغدو بنحس العضب يصدى صقيله ... ويُمسي بسعد الطائرات الْحوائم
ألا أيها العربان ماذا لقيتمُ ... من أروع خواض الدجى والسمائم؟
حسبتم فساح البيد تفلت جمعكم ... وقد طاردتكم ضاريات القشاعم (٦)
أردْت لكم تلك الفجاج كأنّها ... سِمام خِيَاط حين تُغْشَى بعارم
يُخامركم طوفان بأس فلا يقي ... خيامكمُ من سيله أيّ عاصم
إذا حَم أمر لا طواسين سدَّه ... ولا عاصمات منه آي الْحوامم (٧)
سدمتم وقد نادى الردى في خيامكم ... وقرَّعتمُ مِما عرا سن نادم
ولكن على الباغي تدور الرحى إذا ... تَحرش بالوَرد العبوس الطخارم (٨)
...
هنيئا أمير المؤمنين بأوبة ... منَ ارض المنايا والردى والملاحم
فضضت بِها بكرا تساء بعضلها، ... وجارتها بالزف وسط المراحم
فلم يك كفئا للغواني سوى فتى ... يقود لَها مَهر العلا بالعظائِم
عزمْتَ فنلت الفتح فذّا موفرا ... على قدر أهل العزم نيل العزائم (٩)
стр. 73
دعتني بنات السكر خامر بشره ... جوانِح صدري بالكئوس السواجم
لتهنئة أفضِي بِها لِمسامع ... مشرَّبة بالمبهجات الدوائم
لعلي أرى لي من يديه ملاءة ... أفوق بِها أهلي وكل العوالِم
على سيدي مني سلام كأنه ... أحاديث ذاك الفتح من فم غانِم
وقال مُحمد بن الْحَسن الإيلالني في تَهنئة مُحمد العالِم يوم نزل بتارودانت:
سعد الزمان وطابت الأيام ... لَمَّا بَدا من جيشك الأعلام
فالدهر عيد كله ومسرة ... وتعانق وتَحية وسلام
فكأن رغد العيش حين حللت يا ... خير الخلائق عندنا أحلام
سحت علينا الغاديات بغيثها ... لَمَّا انْجَلت عن كفك الأكمام
من صافحته يَمين مولانا فقد ... أعطته أوثق عهدها الأيام
ويقول بعد أبيات:
فزنا ورب البيت لَمَّا جئتنا ... يا أيُّها العلامة الضرغام
هذي علومك للرواة وهذه ... بيض الذكور لِمن همُ ظلام
أين الرواة فذا مرامهم بل أيـ ... ـن الظالِمون فذلك الصمصام؟
هل جئتَ مولانا بِجيشك قائدا ... في جانبيك حَمائل وحسام
أم جئتنا للدرس والتعليم في ... أيْمانك الصفحات والأقلام
أم أنت نعمة ربنا الْمُهداة فيهـ ... ـا كلُّ ما يحتفه الأنعام؟
فلتزهونَّ ردانة الغراء إذ ... أضحى لَها بِمقامك الإعظام
ولتغبطنها فاس والْخضراء وال ... أقطار حتى مصرها والشام
وقال فيه إبراهيم بن أحمد السجتاني من قصيدة:
حظينا بِخير الناس علما وحكمة ... ورأيا سديدا حين يشتبه الأمرُ
وأفضل خريتي العلوم وكل ما ... يسوِّده في ظهر مهرقهِ الْحبر (١)
وأفضل سوَّاس درى كيف يلتقي ... غزال مع الضرغام لَم يعره ذعر
وأفضل مقدام إذا اشتجر القنا، ... وماج بَحر الحرب جحفله الْمجر
به يُتقى في معمعان الوطيس إن ... تَمعرت الشجعان وانقصف الصبر (٢)
стр. 74
وقد قامت الهيجاء حق قيامها ... ودارت رحاها والتظى وسطها الْجمر
وقد صابر الشجعان حتى لوى بِهم ... إلى العجز رغما مَطعن الأسل المر (١)
وقد فلَّت الأسياف واندقت القنا. ... وكدَّست الموتى وضاق بِها البَرُّ
وجف من أوساط الحلوق لعابها ... وقد ضاقت الأضلاع وانتفخ السَّحر (٢)
وقد قام ميزان الهزيمة فانثنى ... عن الوالد البَرِّ ابنه البطل البَرُّ
هنالك مولانا يُضيء جبينه ... حبورا كأن طافت براحته الْخمر
يقاوم فردا ثابت الجأش مقدما ... كما خر نَحو السفح من قَنَّةٍ صَخر
يشايعه العزم الوطيد وقائم ... من المشرفيات البواتر والْمهر
إلى أن يرد الجيش أدباهم وقد ... تقسَّمهم حد المهند والأسر
وقال موسى الوجَّاني في إحدى ليالي المرح:
وليل مثل خافية الغراب ... عليه من ملاءات الشباب
وأنجم جوه متلفعات ... بأردية السواد من السحاب
قطعت إلى الصباح بغانيات ... وأقداح تشعشع بالشراب
وأوتار لَها نغمات وحي ... تبعثر من هم تَحت التراب
فحينا أرشف الصهبا وحينا ... أميل إلى مراشفها العذاب
فكانت ليلة غراء صينت ... من التنغيص من أهل الرِّقَاب
هل الأنس اللذيذ سوى غناء ... ورشف الراح أو رشف الرضاب؟
وصوت العود يَحدو للتصابي ... وتطويل العناق مع الكَعاب
فذا الأنس اللذيذ وما سواه ... فليس سوى بوارق من سراب
وقالت الفئة الماثلة في حضرة مُحمد العالِم في وصف مَجلس شراب، قال مُحمد العالِم مفتتحا المساجلة على عادته مع الأدباء:
هذي الكئوس مشعشعات الراح ... فانْهَض نلبِّ نداءها يا صاح
إبراهيم السجتاني:
ما عذر من ترك العقار بروضة ... زهراء بين منادمات صباح
محمد بن الحسن الإيلالني:
فالوقت طابَ وبلبل الأغصان قد ... ملأ الرياض بصوته الصَّداح
стр. 75
محمد بن أحمد الرسْمُوكي:
والروض أزهر ورده بِخدوده ... والياسمين بلونه الوضاح
مُحمد بن عبد الله الزدُّوتي:
فكأن مبيِّض الزهور مُنضرا ... حبب الرحيق أعاليَ الأقداح
السجتاني:
وكأن مُحمر الشقائق وجنة ... دعكت براحة ماجن مزاح
الإيلالني:
وكأن ذاك الورد في أشواكه ... شاك تبدى في أتم سلاح
الرسْموكي:
وكأن هاتيك الغصون وميسها ... بالرفق ميس من قدود ملاح
الزدوتي:
قم واسقنيها مثل عين الديك تحـ ... ـفز للمكارم أنفس الشحاح
السجتاني:
من كف أغيد ردفه مترجرج ... كالدعص بين تقلبات رياح (١)
الإيلالني:
أن مد يشفع ما يَمد بأعين نَجل مراض في الْجفون صحاح
الرسْمُوكي:
ما الراح إلا ما يدير مهفهف غنج وإلا فهْو دون قَراح (٢)
стр. 76
الزدْوتي:
كل الملذات العذاب توفرت ... فانْهض ولب الأنس عند الراح
وقالوا أيضا في حضرته أول اتِّصالِهم به:
مُحمد العالِم مفتتحا:
خلياني سبق السيف العذل ... حشو أذني صمم عمن عذل
السجتاني:
قضِي الأمر فأصبحت لقى، ... بلحاظ لا ببيض وأسل
الزَّدوتي:
من يكن يشكو جراحات الظبا ... فأنا أشكو جراحات المقل
الإيلالني:
فليزرني ليرى كيف الْهَوى ... من يرى أن الْهَوى أمر جَلَل (١)
وقال النابغة سيدي مُحمد بن علي الهوزالي يُهنئ الذهبي على إبلاله من مرض:
تردّى أذى من سقمك البر والبحر ... وضجت لشكوى جسمك الشمس والبدر
وبات الْهَوى خوفا عليك مسهدا ... وأصبح مذعور الفؤاد الندى الغمر
فلما أعاد الله صحتك التي ... أفاق بِها من غمه البدو والْحضر
تراءت لنا الدنيا بزينة حسنها ... وعاد إلى أبانه ذلك البشر
وصار بك الإسلام في كل بلدة ... يهنا ويدعى أن يطول لك العمر
وصحت لنا الآمال بعد اعتلالِها، ... وعادت إلى الإيناع أغصانها الْخضر
كان يَحيى الْحاحي ثُم الراسلوادي يبكي على الدين، وعلى ما وقع في الشعب من نشوب أظفار المضللين فيه، فيقول في ذلك، فمما قاله:
стр. 77
على مثل هذا يندب الدين نادبه ... قدَ اجدب واديه وشَحت سحائبه
فلا فكر فيما قد عرانا وألحفت ... على سرحها الغارات بغتا كتائبه
تبدد شرع المسلمين كأنه، ... مفاصل شلو مزَّعته نواشبه (١)
غدا قِددا من بعد أن كان شاخصا ... وحيدا تذود العابثين قواضبه
فلا عالِما يرثي لِحالته متى ... تأتى له ما تَحتويه رواجبه
يُؤَوّل آيا نيراتٍ صريحة، ... إلى ما ترى فيها مناه الكواذبه
وما قصده إلا التهام لقيمة ... ونيل رضى فدم جهول يصاقبه (٢)
إلى أن قال:
فلا آية يتلون حق تلاوة ... تراءى بِها بين الكتاب عجائبه
ولا سنة مالت إليها عيونَهم ... ليظهر منا للذي مال عائبه
بلى إن يكن كشف ورب كرامة ... وصاحب وقت تب وقت وصاحبه
ومعلن تلبيس وزاعم أنه ... ولي ومعصوم ولا حوب ثالبه
وإنه مهدي الزمان الأخير في، ... يديه من التسديد ما هو ثالبه (٣)
تَجئك من الركبان عن كل عالِم ... عجائبه عن إفكه وغرائبه
يزيدك في تأويله وحديثه ... بِما هو في الآي الصريحة كاذبه
فيتشح الإفك المزور باسْمه ... فتخلب من كان الغرير خوالبَه
ويقول أيضا في أبيات يسخر فيها بعلي بودميعة، حين كتب إليه علي بأن بيعته تَمت عند ضريح الشيخ سيدي أحمد بن موسى، وأن الناس أعلنوا الدعاء على ذلك:
يريد ابن موسى خطة الملك بالدعا ولَمَّا يسم من سيفه في الطلى الْحَدَّا
ولَمَّا يُجِل بين الصفوف مَقانبا إذا حَملت في زحفها تصدم السُّدا (٤)
وقد أجيب من إيليغ مرة بلسان أحمد أمحاولو الإيسي الكاتب الرسْمي، بعد ما عبئ جيش من إيليغ ليدب إلى يَحيى، يرد هذه السخرية إلى يَحيا فيلمزه بِمثل ذلك:
стр. 78
تشب تنانير الوغى بالمكاتب ... وتَهرب من إيقادها بالكتائب
ففي كل يوم منك شعر كأنّما ... على الشعر تأسيس الأمور المصاعب
فلم نر إلا أن نُجيبك بالوغى ... وبالجند جند الله أعظم غالبِ
فبارزهم إن كنت شَهْما كما نرى ... كثيرا إذا راسلتنا بالمكاتب
مَحا السيف أسطار البلاغة وانْتَحى ... إليك ليوث الغاب من كل جانب (١)
في هذا القدر من قوافي هذا العصر كفاية لِمن أراد أن يكون على معرفة تامة إجمالية في الذي وصله أدب العربي السوسي في هذا الدور، ثم إن هناك نتفا من رسائل نَمقت تندمج في الأدبيات، ولكنها- والحق يُقال- تنزل درجات عما ناله الشعر في الأسلوب والتفنن والانسجام، وإن كانت لَم تَخرج عن نَمط النثر المغربي العام في هذا الحين، فلنمر بذلك مر الكرام. ولنترك عرضه والاشتغال بالنظر إليه نظرة الناقد، لِمن سينصب نفسه لوزن أدب هذا الطور وغيره بِمزيان الحق، ولسنا نَحن الآن بصدد ذلك، وإنَّما نَحن بصدد العرض لبعض أدبيات، وبصدد أن نُحقق أن هناك في ذلك الطور هذا الأدب السوسي في الوجود، وأما تقدير قيمته في الفصاحة، ومتانة الأسلوب، وفي القدر الذي له من الابتكار؛ فنذره لغيرنا مِمن يتوفر على البحث والتنقيب والإمعان في الشاذة والفاذة، ثم لا علينا إن أصدر حكما له أو عليه.
стр. 79
طور الفترة بعد النهضة الأولَى ١١١٨هـ - ١١٨٩ ه ـ
كنا نتراءى قبل أن يَختتم دور تلك النهضة باعتناء مُحمد العالِم، أن فن الأدب كان حقّا في الحشرجة، بعد أن سقطت إيليغ أمام زحف المولى الرشيد، وبعد أن توالت النكبات على سوس بالْحُروب الهائلة الكثيرة، التي توالت بين ابن مِحرز وبين مولاي إسْمَاعيل، فلم يتمكن ابن مِحرز كل التمكن في سوس، حتى يستقر به القرار؛ ليمكن أن يظهر اعتناؤه بالعلم وتوابعه كالأدب، إن كان قدر له أن سيكون من أصحاب هذا الاعتناء، وإن كنا نقع على بعض ما يدل على أن منه اعتناء بالعلماء، فقد وقفنا على وثيقة كتبت إليه وقعها ثَمانية عشر عالِما يشهدون فيها بسيد من سلالة أخيار (١) يلفتون نظر ابن مِحرز إلى أن مقامه يستدعي التوقير والإجلال، وتوفير الكرامة، ولعل لِهذه الشهادة التي أقدم عليها هؤلاء العلماء الجزوليون دلالة على أن موقعيها يعلمون ما تلاقيه شهادتهم عند الأمير، ولا يندفعون ما لَم يكونوا آنسوا منه قبل تلك الساعة ما يشجعهم على ذلك، وأيّا كان فإن ما يدل على هذه النقطة لا يزال مسود الجو في نظر بَحثنا الناقص، ونَخاف أن يكون بعض العلماء أووا إلى ظل ابن مِحرز، ثُم ينالَهم بطش من المولى إسْمَاعيل يوم ينتصر عليه، كما رأينا مثل ذلك واقعا حقيقة يوم البطش بالْمَولى مُحمد العالِم، فتؤدي هذه الفتكات إلى انزواء العلماء، ومن بينهم من يتعاطى الأدب، على أن بروز مُحمد العالِم قد مَحا ما عسى أن يتبقى من عواقب ابن مِحرز، فأعلن راية التشجيع للعلم والأدب، فأزال الروعة، وهيبة الإمارة عن أفئدة العلماء والأدباء، ثم لَم نر من أهله من خلفه في هذا التشجيع حتى عبد المالك أخوه الذي كان في تارودانت سنوات (١١٣٦هـ) فإننا لَم نقع إلى الآن على ما يدل على أنه أخذ مأخذ صنوه مُحمد العالِم، وإن كان له أيضا في العالَم الأدبي ما له، وربّما يتراءى لَنا أنه رفعت إليه المقامة الأزاريفية (٢)، ومقصودنا أن نُدرك أن للكوارث التي دارت في سوس بعد انْهِيار إيليغ، وفي أوقات المصادمات بين الأميرين ابن مِحرز ومولاي إسْمَاعيل، تأثيرا في تأخير الأدب، وقد صَرَّح في التاريخ بذلك فقال (٣) من يُحدث عن إيليغ: «إن الأدب قد انطوى بعد انطوائِها ... ».
стр. 80
ويقول إبراهيم السجتاني وثلَّته: «إننا أعرضنا عن الأدب ورفع رايته؛ لإعواز أهله، والملتفتين إليه، وأقبلنا إلى الانْخراط في زُمرة الموثقين والعلماء، أصحاب الأبحاث الفقهية» (١). هذا كله كان ثُم لَم ينفع ما أسداه مُحمد العالِم نفعا متعديا؛ لأن الذين نعرفهم في حضرته من أساطين الأدب السوسي جرفوا كلهم بسيله، أو هلكوا عن قريب (٢)، ثُم لَم يظهر من عملهم شيء بعد سنة (١١١٨هـ) فبذلك يصح لنا الْحُكم بأن نَهضة الأدب السوسي الأولى كانت قد انْهَار بناؤها حقّا، بِمجرد ما انْهَارت إيليغ، وما كان ما رأيناه في عهد مُحمد العالِم إلا بقية لَم تنمح بعد، فاشتعلت جذوتُها ثانيا لِهذا الداعي الْخَاص، ثُم لَم تنشب أن انطفأت انطفاءها الا بدي، ثُم أسدل الستار دون الأدب السوسي المتموج، فلا نكاد نرى في زهاء ستين سنة بعد ذلك الدور إلا ظلمات بعضها فوق بعض، وقد عانى أُناس أن يبرزوا في الأدب فلم يَجدوا جوّا ملائما؛ لفقدانِهم التشجيع المطلوب ولإعواز أصمخة تصيخ، وما التشجيع للأدب ولا الإصاخة إليه، إلا من مقوماته التي لا يكون إلا بِها، فلا نعجب إذا آنسنا في هذه الفترة التي ليس فيها للسوسيين بلاط يَمتُّون إليه متّا عنصريّا بنسب قريب كالسعدي والإيليغي تقلص هذا الفن في المدرسة السوسية، حتى رأينا من كبار العلماء الجهابذة المدرسين إذ ذاك؛ كالأحمد بن العباسي، والصوابي، ومُحمد الحضيجي، ومسعود المرزكوني، وعبد الله الجشتيمي، وأحمد الظريفي، ومُحمد بن الحسن التُّغزيفتي، ومُحمد التَّاساكَاتي، وعلماء أدوز؛ كإبراهيم بن مُحمد، وابن المرابط، وكثيرين من أمثالِهم، وهم الأساتذة الأكفاء، وأقطاب الدراسة ما لا يسر من آثار لا تمت إلى الأدب بعرق، ولا تعيرها لفتة من بصر، ومتى خلت الدراسة من الاعتناء بالأدب، ثم فقد في منصب الرئاسة من يشجعون الأفراد المترامين إلى النبوغ والتحليق في جو الإجادة، فأنَّى يُمكن أن يكون له وجود بارز، أو يتطلب باحث أن يلقي له من بين الآثار ما يبهج ويقر العين.
ثُم لا يفهمن القارئ من تلك الفذلكة أن اسم الأدب وكل ما يَميل إليه قد انقطع من سوس، في هذه الفترة انقطاعا تامّا، فإن ذلك لا نرمي إليه، ولا نقصده بالعبارة المتقدمة، وإلا فإن الواقع والماثل بين أيدينا يُعلن أننا حُنْف الأرجل في هذا السير، لو كنا نسيره حقّا، وإنّما مقصودنا أن يُدرك القارئ أن تلك العناية التامة بالأدب في المدرسة، وفي المحافل الرياسية، وفي مَجالس الأنس، قد انقطعت موادها، فضؤلت إلى غاية بعيدة، وأما وجود بعض أثارات من الأدب في سوس؛ فإن عندنا ما يدل عليه، فإن بين أيدينا الآن من
стр. 81
آثار هذا الطور للفقيه إبراهيم الظريفي الصوابي، وابنه مُحمد بن إبراهيم الولتيتي، ومُحمد بن أحمد بن إبراهيم الهوزيوي المتخرجين من تَمْجرت، وأحْمَد الجرسيفي المفتي، وعبد الواسع التِّركتي التملي، وأحمد بن عبد الله الماسجِّيني المتخرج من فاس، وأحْمَد بن إبراهيم الركني المتخرج من هناك أيضا، وإبراهيم بن عبد الله الأقاوي، وموسى بن أحمد الودريمي المتخرج من الْحَمراء، وعبد الله الأزاريفي (١) ما يدل على أنه لا يزال هناك بصيص يتراءى هنا وهناك -خصوصا ما قرأناه في ديوان مُحمد الهوزيوي المتقدم مِما قاله في الخليفة عبد السلام ابن سيدي مُحمد بن عبد الله مَمدوحه من قواف تَختلف قيمها، وتتفاوت ألوانَها، على المعهود من الأدب التامكروتي غالبا، مما يدل على ضعف كثير من قائله لتأثر من إلى تامكروت بالتصوف؛ ولذلك نرى في هذه الآثار نفسها ما يدل على ما قضينا به على شعر أبناء تلك الزاوية، فإن في كلام بعضهم ما يدل على أن اعتبار هذا الفن والميل إليه، واعتباره كعلم شريف، وفن له روعته قد انقطعَ إذ ذاك، يوجد هذا في مفتتح شرح العبدونية (٢) للوديمي، كما يوجد في رسالة من أحمد بن عبد الله الماسجيني إلى الأمير المولى سيدي مُحمد بن عبد الله، وقد رفع إليه القصيدة الدالية (٣)، كما ينادي بلسان الحال غالب هذه الآثار وروحها بأن غالبها -لا كلها- منسوج عن تكلف كثيف، فقلما يقع فيها الناظر على انسجام بيان تقبله الأذواق، ويستسيغه الأديب قار العين، مثلوج الفؤاد، ولا ريب أن ذلك إنَّما يقع من عدم المحاككة التي لا تكون إلا في المحافل الأدبية، لا في مَجالس الزوايا ولا في حلقات الفقهاء الأقحاح، على أن مَحافل الآداب مقفلة في هذا العهد بسوس، وربّما في المغرب كله، إلا عند أفراد قليلين جدّا، ثُم إن لِهذه الآثار اختلافا بيِّنا في المنازع، كما كان أصحابُها كذلك، فقد يتراءى من بعضهم أن له في الأدب يدا طولى في الوقت الذي تكون فيه بنات فكره من جهة أخرى تفضحه، فهذا أحمد الجرسيفي في رسالته (٤) التي أجاب بِها الفاسي، قد تَمطى فيها تَمطيا حتى ليظن منه أنه ذو قريحة سيالة في القوافي، وأنَها تطاوعه كما طاوعه يراعه في ذلك الجواب المنثور إلى حد له غاية مغبوطة، مع أنه ذو نظم اطلعنا على بعضه (٥) فوجدناه نظم فقيه مزجى البضاعة حتى
стр. 82
لنشك في تلك الرسالة أن تكون له، لو لَم ينسبها له مطلع، فإنها تدل على أن صاحبها مطلع في الجملة على الأساليب العليا في البيان، ثُم جاء ذلك النظم بِما يدل على أنه وإن كان أديبا متضلعا في الفن لَم يعط ذلاقة اللسان إن مال إلى العروض، ومثل هذا رأيناه أيضا لأحمد بن إبراهيم الركني، وإبراهيم الظريفي، وابنه مُحمد، ثم هناك أيضا موسى الودريمي الذي تَخرج بالأستاذ الإفراني صاحب (الصفوة) في الجامع اليوسفي، وذكر أنه أخذ عنه كثيرا حتى تضلع في الأدب واستحضار ما يَحتاجه الأديب لحفظه كثيرا من المختارات نظما ونثرا، ويستحضر كل ما في (المسلك السهل) لشيخه، حتى يخال بأنه في الذروة العليا إن كان دخل في حلبة الصائغين، غير أن نثره في تلك الخطبة العبدونية (١) نفسها من البضاعة المزجاة بِحسب ما يقتضيه ما تلقاه، وإن كان ربّما لا يوجد في المغرب إذ ذاك أعلى من ذلك النفس، وفيها أيضا قواف له لَم تكن لَها روعة القائل المتمكن، وهناك أيضا لعبد الله الأزاريفي تلك المقامة (٢) التي رفعها إلى أحد الأمراء، إن دلت على شيء فإنَّها تدل على أن صاحبها متضلع في اللغة، متمكن في معرفة أساليبها، وقد خدمه السعد في تلك المقامة إلى حد بعيد، وتتضمن قوافي يظهر منها أنه وسط في النزع بالقريض، ولو اطلعنا له على غير ذلك لربّما حكمنا له بأنه فذ ذلك العصر، نعم إن هناك شاعرا أعجبنا به إعجابا ما، وهو أحمد الماسجِّيني خريج فاس، فإن قصيدته تدل على تَمكن، وسنعرضها على القارئ، ولو لَم نعرف من أين تَخرج، ولو لَم يصرح هو بنفسه أنه لَم يَجد في سوس نَفاقا لسلعته بعد رجوعه، لربّما تغير حكمنا على هذا الطور متأثرين به، ولكن بعد أن علمنا أنه إنَّما استقى من (وادي الجواهر) وأنه لَم يقتبس من سوس إلا قليلا، وأنه من المفاخر أدركنا أنه لا تَختص بفخره سوس إلا بكونِها أول أرض مس جلده ترابَها، ثم إنها آوته بعد أن رجع إليها أبجر الحقائب، مَمخوض الوطاب، بأدب فاس العالي، وإن كنا نرى أن البذرة الأدبية الأولَى ربّما تلقَّحها من سوس قبل فاس.
وأمَّا عبد الواسع التِّيركتي التملي؛ فإننا ما ذكرناه هنا إلا لأننا وقفنا له على رسالة فيها من الأدب نفحة، وإن لَم يكن طيبها عاليا، وإلا فقد وقفنا له على ما يستحق أن لا يذكر به بين هذه الحلبة، ولكن نريد أن لا يظن أننا عنه غافلون، وأما إبراهيم الأقاوي؛ فإن ما يقوله ربّما عري مما يتذوقه الأدباء من القوافي، ولذوق الأدباء حاسة خاصة، وذلك وراء الوزن والمعنى واللفظ:
стр. 83
وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يَجرب
إذا لَم تشاهد غير حسن شياتِها ... وأعضائِها فالْحُسن عنك مَغيب
ومنظومته هذه التي رأيناها خالية من روعة الأسلوب، ولطف المعنى، وقد يُحاول أن يعلو فتعوزه قوة الضليع المتمكن، وأمَّا أحمد بن إبراهيم فلا بأس بِما يقوله، وكان أريج (وادي الجواهر) الذي كان يتمتع به برهة، قد عاد عليه بروح تزوره أحيانا، وقد رأينا له قوافي لَم يعجبنا منها إلا بعض ما رفعه للمولى سيدي مُحمد بن عبد الله، وعندنا أيضا قواف لِمحمد بن إبراهيم الولتيتي، ولإبراهيم الظريفي أبيه، ولكلامهما تشابه، ويرمي ما اطلعنا عليه لَهُما من تغزل إلى نَحو ما لدى ابن أبي ربيعة، وإن كان ما لَهُما يغلب عليه التصنع، وكأن أدب تامجرت إذ ذاك يَميل إلى اختيار الشعر الرقيق على الشعر الجزل، ولكن الضعف يغلب عليه.
هذه نظرات عجلى على ما يقوله من وقفنا لَهم على آثار في زمن الفترة هذه، فإنَّها جهود فردية، وأقوالَهم من فورات وقتية؛ لإعواز النوادي الأدبية غاليا، وهي التي تشحذ الأفكار، وتنصب موازين القسط، فلا غرابة أن لَمسنا في مَجموع ذلك ضعفا غير قليل، وبذلك يصح حكمنا على هذه الفترة بأن الأدب السوسي فيها قد تراجع كثيرا جدّا، حتى لا نَجد بين المتخرجين فيه ذا يد جوالة غالية الوشي، جامعة بين العلم والفن، وبين السمو به إلى المثل العليا أن نزع بالقافية، فإن كان لنا أن نَختار من هذه الفترة سوسيّا نقدمه للعالِم الأدبي المغربي العام فلا نَجد نظيرا للماسجيني، ولكن هذا فيما يرجع إلى البيان العملي، وأمَّا إن أردنا أن نَجعل موضوع نظرتنا معرفة علم هذا الفن؛ فإننا نَجد أفرادا كالجرسيفي والودريمي خريج (ابن يوسف) الفذ، ثُم لا يُمكن لنا أن نشمل بِحكمنا كل الدراسة السوسية الخاصة والعامة، المجلسية والفردية في الحكم بعدم الاعتناء بِهذا الفن عمليّا غاية الاعتناء، فإننا إن أطلقنا هذا الحكم هكذا مُجازفون بلا شك، وإلا فمن أين تضلع الجرسيفي صاحب الرد على الفاسي ذلك التضلع حتى استحضر كثيرا من أشعار حلها نثرا في رسالته. ومن أمثال شتى وشحها بِها توشيحا، حتى أمكن له أن يقف كموقف ابن زيدون، يوم يكتب رسالته المشهورة عن ولادة إلى ابن عبدوس، وبين رسالة الجرسيفي وبين الرسالة الزيدونية تشابه كثير، وإن كان ما بين الرسالتين هو ما بين صاحبيهما.
وختاما نقول -ونَحن نَحمد الله على أن وفقنا للإنصاف: إن الأدب السوسي في هذا الدور إن نظرنا إليه نظرة الباحث عن آثار تصلح للنفاق في
стр. 84
سوق الأدب العام، ضئيل جدّا، حتى يكاد ينمحي لولا بقايا هنا وهناك، وإن نظرنا إليه نظرة الذي ينظر إليه كأثر لانتشار اللغة وعلومها؛ فإنه لا يزال موجودا، يدرس دراسة جافة قليلة من غير عناية خاصة به؛ فلذلك لَم تؤتِ أكلها كما ينبغي، فإن أردنا أن نتطلب علة لِهذا الفتور، زيادة على ما ذكرناه من فقدان التشجيع؛ نَجدها متجسمة في التصوف الناصري الغالب على المدرسة السوسية في هذا العهد، والأدب وأريحيته، والتصوف وتَجهمه إن تربى بِهما إنسان من صغره، لن يقترنا أبد الا بدين في نسق واحد (١)، هذا مع أن لِهذه المدرسة الناصرية التي ذكرناها وجعلناها علة فتور الأدب في سوس، وجهة أخرى في مدرستها بتامجروت إلى الأدب، أوَلَم يأتك أن أحد علماء تامجروت وهو يوسف بن مُحمد من أهل هذا العهد وما إليه، كان يَحفظ جل ديوان أبي فراس؟ أوَلَم يأتك أن أكثر الذين يصدرون عن تامجروت يكون بينهم أدباء؛ كاليوسي، والتجموعتي، والمكي صاحب الرحلة، والأديب الشفشاوني، والكنسوسي ونظرائهم، ولكن هذه الوجهة إن كانت هناك صاحبة نتائج، كما رأيناه في أشعار المكي الناصري نَحو أواسط القرن الثاني عشر وقبله بقليل، لا تكون غالبا في الاتساع والامتداد حتى يُمكن أن تُمازج كل من يأخذ من تامجروت من السوسيين إلا قليلين؛ كإبراهيم الظريفي، وابنه مُحمد الولتيتي المتقدمين، ومُحمد الهوزيوي.
كان لشيخ سوس وعلامته المتبوع مُحمد الحضيجي ازورار عن كل ما لا يَجمع القلب على الله، أفننتظر منه أن يَبتهل بالأدب، وبعلوم الأدب، غاية الابتهال، أم نترقب منه أن يؤسس لَنا نهضة أدبية، أو يُحاول إنعاشها؟ إن هذا طلب الأبلق العقوق، أو بيض الأنوق (٢)، وكما يكون المتبوعون يكون التابعون، حتى يأتي من بينهم من يقدر أن يشق الطريق، ويهتك السجاف، فيأتي بنمط جديد سنة الله، ولن تَجد لسنة الله تبديلا، وهذا هو الذي وقع بين أتباع الحضيجي، فكما كان متبوعهم كانوا أيضا، تأثروا به، غير أنه نَجم من بينهم من التفتوا التفاتات إلى هذه الوجهة، حتى كان ما سنذكره في الطور الثالث إن شاء الله، فلنعرض على القارئ ما نراه يصلح، مما لا يزول معه الرضا من القراء عن الأدب السوسي. حتى في هذا الطور الذي
стр. 85
حكمنا عليه بطور الفتور في الأدب الذي يتردد بين الإجادة وغيرها، تردد الموج بين الْجَزْر والْمَد.
قال أحمد بن عبد الله الماسجيني في الأمير المولى مُحمد بن عبد الله يوم ألقي القبض على صالِح الثائر المشهور في أجادير، وألقاه في السجن، نأتي بِها كلها:
إن السعادة ألحفتك برودها ... وثنت إليك قريبها وبعيدها
زفت إليك النصر هذا اليوم واتَّخـ ... ـذت نَهار اليوم بشرا عيدَها
تَجني لك الأثْمَار من نَخل الْمُنى ... وتنيل غيرك ليفها وجريدها
الله أكبر قد أتيت مظفرا، ... أي البلاد تَرى تَرى مسعودها؟
كنا من الأوباش وسط مراجل ... فارت يوالي المارقون وقودَها
كم حرمة نَهكوا وكم ذي شيبة ... قد أرهقوه من البؤس صعودَها
والفتنة العمياء تَخبط خبطها ... من ذا يرد عن الورى مَمدودها؟
لكن أتاها اليوم قصَّام القَرى ... عنها يرضُّ عظامها وجلودَها (١)
ويدق أعناقا غلاظا بالربا ... كانت لكل السيئات عمودَها
ويَهد من سور المصيبة ركنها ... ويَجذ من أثل المفاسد عودَها (٢)
يا طالَما رتع البغاة مراتع البغـ ... ـي المبيدة لو تكون مبيدها (٣)
واستمرءوا نَهب الضعاف بِحيفهم ... يلحون شرخ بلادنا ووليدَها (٤)
فيلممون وهم كطلسِ جوِّع ... غض اللحوم بِحيفهم وقديدها (٥)
حتى غدوا في ثروة ضموا لَها ... منا طريفَ كنوزنا وتليدَها
لكن أتى في اليوم من يُردي العتا ... ة على الملاحم عادها وثَمودَها
خضد الجبابرة الطغاة وشوكها ... مستأصلا تَحت الثرى مَخضودَها
زأرَت أسود الْحقِّ فوق نِقَادها ... فرأت مَخالب لا تَطيق أسودها (٦)
فاهتم قائدها بِحرب دونَها ... زعما وقد صدت هناك صدودَها
حتى إذا ما صرحت بأساؤها ... ورأت بروقا لا تَخون رعودَها
ألقت يد استسلامها عن ذلة ... قد عفرت آنافها وخدودَها
فهناك ألفى طالِح لا صالِح ... من كان من فئة البلاء عنيدَها
стр. 86
إن السماء تطول كف مقصر، ... نذل قصير إن يَمد مديدها (١)
فأتى فلاقى في الكبول جزاءه ... فيصيخ يسمع في السجون نشيدَها
إن كان يألف أن يشم خلوقه ... فليشمَمَن منها الغداة صديدَها
حيفا عظيما قد قطعتَ بصالِح ... من أمة أضْحَى اللعين مَريدَها
لكن سيوف الحق تأمل أن تفي ... بعهودها كيما تصون عهودَها
فتزور من ذاك العُتُلِّ غلاصما، ... فدعاء قد ضخمت تَقُّط وريدها (٢)
إن الشرار من البلاد جَميعها ... تبقى متى ترجو لَها مصمودَها
فالحزم كل الْحزم في تطويقه ... من بيض هاتيك السيوف حديدَها
بل مل إلى كل الشعاب وأهلها ... فاملأ بِمن هُم مثله أخدودَها
هذي البلاد ولا أزيد لسيدي، ... علما بِها قد رازها وحدودَها (٣)
تبغي يدا عراكة كي تستر ... د إلى السبيل رءوسها وعبيدَها
تركوا زمانا فاستنامَ جَماحهم ... للعسف ينتقص القرى وعديدها
كل يرى أن لا أمارة فوقه ... نسي الإمارة ربَّها وجنودها
حتى غدوا بين القبائل كالْمَلو ... كِ زعامة تَعلي الحروب سدودَها
ولربما يتطاولون لرتبة، ... شَمَّاءَ أمّا غُودرِوا وصعودَها
فالرأي أن ترقى الجنود إليهمُ، ... ويد الصباح كما تَمد بنودَها
فتصول فيهم صولة هزازة، ... فتطير زيغ قلوبَهم وكنودَها
كيما يروا هذي الإمامة فيهمُ ... حق اليقين ثباتَها وخلودَها
فالبربري فؤاده من جرحه ... فاجرح فئات البغي تلق جحودَها
فهمُ أسود السلم لكن أن تدُر: ... حرب يكونوا في الشعاب قرودَها
...
يا خير من وخدت بِهم نوق إلى، ... نصر عظيم الفتح تقطع بيدَها
هذي قصيدة وأمق مودوده ... في أن تنال نفوسكم مودودَها
كانت طليعة عقدة في أيْمني ... لكم تولى ودكم معقودَها
قد كنت أسمع عنكمُ مذ نشأتي ... ما يستحث من القلوب بريدها
وودت لو أحظى برؤية حضرة ... تُعيي النباهة أن تزفَّ نديدَها
حتى أتى في اليوم يوم ماجد ... يدْني السعادة لي فشمت مَجيدَها
стр. 87
هذا مقام من ينال قيامه ... أضى لراحته الزمان مَقودَها
فينال من رتب العلاء شفوفها، ... ويقود من شيم الكرام شَرودَها
مولاي هذا العبد قال قصيده، ... أتقول كف أبي الكرام قصيدَها؟
قولي يُجيد جهودَه ولعلها أيضا بلا أمر تُجيد جهودَها
وقال أحمد بن إبراهيم الركني في ذلك المولى أيضا من قصيدة مطلعها:
قلبي من الصبر الجميل سليب ... جلد يعاني الكارثات صليب
ما سيم سلوانا بقولة عاذل ... ألا يطير به جوى ووجيب (١)
يقول منها بعد أبيات في النسيب:
يا ليت شعري والأماني كلها ... تُخطِي مداها مرة وتصيب
هل ترجع الأيام أيضا للذي ... منه رداء العيش قبل قشيب؟
بزمان وصل كنت منه في الحمى ... في جنة يندى بِها الأسكوب (٢)
عندي الحبيب معانقي في روضة ... لا ينتحيها حاسد ورقيب
والسعد قد شد الإزار يَحوطنا ... منه سياج لا يرام مهيب
في كل وقت لذة نرتادها، ... ومَراد ذياك اللذيذ خصيب
والشمس تشرق فوقنا بشعاعها، ... وينوب عنها البدر حين تغيب
لَم ندر كيف الداجيات بِجونا ... فكأنه عند الدجى مرهوب
فكأننا من تَحت ذيل ابن الذيـ ... ـن مُجارهم عند الزمان رهيب
ويقول في مديحها يصف رجال الدولة على اختلاف أسنانِهم:
شرع من الأملاك من هو قارح ... مَثَل لدى نار الوغى مضروب (٣)
وفتى كما عقدت يداه إزاره ... فالشبل نَجل الليث حيث يصيب (٤)
стр. 88
كفانا هذا القدر؛ لئلا نأتي بما ربّما تقذى به عين القراء من شعر مهلهل، ونسيب يغلب عليه التكلف، ولو كنا في مقام دراسة الأدب السوسي؛ لكانت لنا مندوحة في عرض النماذج على اختلاف أنواعها، وأمَّا نَحن في مقام البحث عن وجود هذا الأدب، وعن عدم وجوده؛ فلا نريد أن نأتي إلا بِما يدل على أن هذا الأدب له وجود مُحقق، بل تتراءى وراء وجوده روعة أحيانا وأسلوب.
والخلاصة عن الأدب السوسي في هذا الطور. أنه لو وجد من المشجعات ما وجده الطور الذي كان قبله؛ لَما آنسنا منه هذا الفتور الذي عم كل أرجاء سوس، ثم لا نقع إلا على جهود أفراد لقحهم النبوغ الفاسي أو المراكشي، أو التَّامْجروتي، أو على بعض أناس آخرين، يستفزهم لَمز اللامزين كالجرسيفي، فيأتي بِما يَحمده التاريخ للأدب السوسي، على تكلف فيه (١).
стр. 89
طور انتعاش الأدب السوسي ١١٨٩هـ - ١٢٦٩ ه ـ
رأى معنا من يتتبع خطوات بحثنا المتقدم الأخير، أن ما ذكرناه من الطور الثاني من الفتور لا يستلزم انْمِحاء الأدب كل الانْمِحَاء في الأفكار السوسية، ومن بين تعاليمهم، فإن الاعتناء باللغة العربية لا يزال من موضوعات دراستهم العامة، وإن الرحلة إلى خارج سوس لا تزال مطردة في بعثاتِهم، ومن هذا يُدرك أن من بين ذلك الاعتناء باللغة، في كل ما يؤخذ من كليات المغرب الكبرى، بل ومن كلية مصر أيضا، انبعاث بعض بروق كنا نتراءاها تومض طَوال ذلك الطور الثاني. والبرق إن لَم يكن خلَّبا يتبعه انْهِمَار الغيث، ثم انتعاش الأرض، وهذا هو عين الواقع؛ فإن المدرسة الحضَيْجيَّة التي كنا حكمنا عليها قبل بأنَّها لا تُعير لفتة خاصة إلى الأدب، وإن كانت تدرس من اللغة العربية مادة له كبرى، وكان لعميدها الحضيجي تَمكن كبير في اللغة مذكور (١)، وهي بعينها التي رأينا من بين خريجيها ثلة قليلة أبقت آثارا وأخبارا تدل على أنَّها تقدر هذا الفن قدره؛ فكان العجب أن رأينا من أتباع الحضيجي ما رأينا، على حين أن آخرين كانوا يومضون في جواء الأدب من معاصريه؛ كالجرسيفي، والأزَاريفي، وغيرهم ممن ذكروا في الطور الثاني. لَم نر لَهم أتباعا يظهر منهم الميل إلى هذه الوجهة، فكانت إحدى عجائب المدرسة الحضيجية، فإنَّها غير أدبية، مع أنَّها خرجت أدباء؛ كأحمد الهَوْزيوي (٢)، و (التَّازمورتي)، وابن زَكري، وإبراهيم الحاحي، ومُحمد بن عمر (الأسفَاركيسي) كما أنَّها غير طبية مع أنّها خرجت مثل أبي العباس ابن الحضيجي حافظ الكتب الطبية العليا، فكذلك كتب لتلك المدرسة بطيب سريرة مؤسسها أن تؤدي خدما جليلة عظيمة في نواح شتى في المعارف.
كنا افتتحنا هذا الطور الثالث: طور الانتعاش بسنة ١١٨٩هـ، وهي سنة وفاة الأستاذ الحضيجي كرمز إلى أن هذا الفن الذي كان له ظهور كبير بعده، قد تم بسببه بغير مباشرة، فكان يتولى كِبْر مُحاولة إنعاشه شخصيات ممن أخذوا عنه، فرأينا منهم النَّفاق الأدبي، ورواجا غير
стр. 90
قليل بينهم وبين شخصيات أخرى نشك في اتِّصالِها عند الأخذ بالأستاذ الحضيجي؛ كسعيد الشليح الكاتب الرسمي للحكومة، ولكن لَمَّا رأيْنَا الإنتاج في الفن، ومُحاولة نشره، إنَّما كان من الهَوزيوي الذي خلف أستاذه الحضيجي في كونه شيخ الجماعة بعده، المرجوع إليه في كل شيء، الموطوء العقب من كل من كان في قطره مرتفعا بالعلم، وصلنا هذا الطور الثالث بالمدرسة الحضيجية لعملها، وذكرى تدوم في العالَم الأدبي المغربي ما دام له وجود.
لا أستحضر الآن ما هو مقام أحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي في الأدب، كما نستحضر مقامه العالي في اللغة، واتِّساع باعه في كل العلوم التي تروج في عهده، وإنَّما رأينا بعض مَن أخذوا عنه من السوسيين ظهروا بآثار أقلامهم مع الهوزيوي، وإخوته الحضيجيين، فعندنا لعمر بن عبد العزيز، والقاضي ابن صالِح ما يدل على اعتناء أدبي كبير، وهُما من أصحاب الْهِلالي، ويذكر أيضا إذ ذاك أحمد الدرعي الروداني، ولَم ندر عمن أخذ، فإنه شارك في هذه الْحَركة الأدبية التي انبثق فجرها من مدرسة الهوزيوي، وتكتنفها حوليها أقوال من يكاتبونَهم؛ كإبراهيم الحاحي الراسلوادي، ومُحمد التَّازمُورتي، ومُحمد بن عمر (الأسْغَاركِيسي)، وابن زكري، وهؤلاء الأربعة كلهم حضيجيون، وقفنا لغالبهم على آثار، فهؤلاء الحضيجيون مع أولئك الثلاثة، من رأيناهم يظهرون في العالَم الأدبي بعد (١١٨٩هـ)، وقبلها بقليل. وسنأتي من آثارهم بِما نرى به فجرا ساطعا من مَجموعهم، ثُم لا نكاد نستمتع بنفثات تلك المدرسة، حتى تطلع علينا بعدها المدرسة الجشتيمية، وهي بنت الهَوزيوية، بِما تطلع به، ثم لَم نر بين رجالات ذلك الفجر وما بعده مِمن تَخرجوا من فاس، من رفع راية الأدب إلا ما كان من الكنسوسي الذي نشأ في تامجروت، ثُم نسمعه هزارا غريدا في الحواضر، مع أن البعثات إلى القرويين في هذا العهد عهد منبثق ذلك الفجر كثيرة متتابعة، وقد ملأ تلاميذ بناني وابن سودة وأبي حفص الأديب الفاسي وطبقتهم جبال جزولة، وكان السبب في ذلك أن الأدب الذي نراه من فاس إذ ذاك في التاريخ لَم يكن متصلا بالدراسة، وإنَّما هو ابن النوادي الأدبية الفاسية، وابن مَجهود الأفراد، فلا يتصل به من الغرباء من كانوا يسكنون في مدارس الغرباء، ولعل هذا هو السبب الحقيقي حين لَم نر من جم غفير كانوا من نَحو (١١٦٠هـ) إلى ما بعدها من ينبغون في الأدب من السوسيين المتخرجين من هناك، كما كنا نرى ذلك من قبل، أو لعل السبب ما
стр. 91
كنا ذكرناه من أن التلميذ المنخرط في القرويين لا يَحرص إلا على إتْمام ما كان تلقى مبادئه في بلده، فحين ضعف هذا الْمَنْزَع من المدارس السوسية في طور الفتور؛ لَم يكن من بين السوسيين المنخرطين في القرويين من يَميلون إلى الأدب، على حين أننا نراهم يَحرصون غاية الحرص على التضلع في الفقه ومثله، مِمَّا تلقوا مبادئه في مدارس بلادهم، فيرجع بعضهم في نبوغ تضرب به الأمثال؛ كإبراهيم (التَّاكوشتي) الثاني وأمثاله، وفي إمكان من يدرس الأدب المغربي العام في هذا الطور أن يعين أحد هذه الأسباب، أو يَحكم بِمجموعها، ولَم نكن الآن بصدد ذلك.
رأينا في منبثق هذا الطور الثالث أسْمَاء رجالات ذكرناهم في نَمط واحد، وقد يسبق إلى الذهن -ونَحن نذكر أن إنعاش الأدب حوول في هذا الحين- أنَّهم كلهم لَهم أعمال في مُحاولة هذا الإنعاش، ودفعا لذلك نصرح بأننا لَم نقف من بينهم إلا على الهوزيوي وحده، فهو الذي صرَّح تلميذه أبو زيد الجشتيمي أنه يأخذ بأيدي تلاميذه إلى سَماء الفن الأدبي، ثُم يندو معهم فيطارحهم أدبيات، كما يلقي فيما بينه وبينهم دروسا توجيهية في النقد، فكانت النزه في بساتين تارودانت -في الخمسينات- منبعث هذا الانتعاش على الحقيقة، فقد ذكر أبو زيد (١) أنه كان هو وثلة حريصين على السمو في الأدب باستحثاث أستاذهم الهوزيوي، فيلقون مقطعات أدبية في مناسبات، ثُم يعرضونَها عليه فينتقدها نقد بصير بالفن، ثُم كانت الدروس اللغوية في كتب مُختلفة وقصائد مُختارة، مستقى ما يَمدهم به الأستاذ مِما يشحذ به أفكارهم، ثُم وراء ذلك إملاءاته ومنشداته التي يَحضهم على كتابتها، ثُم حفظها، هذا ما ذكره أبو زيد، وهذا القدر كاف في إدراك مقدار اعتناء الهوزيوي بِهذا الفن اعتناءا كبيرا، فلا غرو أن رأينا من تلاميذه مثل أبي زيد الجشتيمي، أبي النهضة التي سنتعرض لَها في الطور الرابع بِحول الله.
ثُم إن الهوزيوي مع هذا الاعتناء، لَم يتخرج به في الأدب -فيما نعلم مِمن كان له أثر مَحسوس- إلا أبو زيد، وقد ألَم أبو زيد لذلك، فأشار إلى قلة من كانوا يعنون بالأدب من بين تلاميذ الأستاذ الكثيرين، الذين لا يرون بالفقه وبِمثله من العلوم التي تنفق أسواقها وحدها في سوس إذ ذاك بديلا، فلم يكونوا ليأبَهوا بغيرها، متأثرين بالرأي العام
стр. 92
المدرسي، ناظرين إلى ما لعله يكون مصدرا لثبات مستقبلهم الحيوي، على حين أن الأدب في نظر بيئتهم إنَّما هو فن الفكهين السادرين في غلوائهم، وفن من يتغزل تغزلا يترفع عن سفاسفه أهل الوقار العلمي، وما أكثرهم في كل عصر!.
انتقلت هذه الحركة التي تُحاول إنعاش الأدب العربي في مَجلس الدراسة من تارودانت إلى المدرسة الجشتيمية، فوضع الله البركة في الْحَركة الجشتيمية، فانبثت بِها روح سرت إلى غيرها، إمَّا بالأخذ من عندها، وإمَّا بالمنافسة، كما سنتعرض له من آثار عند غيرها.
والخلاصة: أن في منبثق فجر هذا الطور، رجالا تيسر لَهم أن كانوا أحياء في عهد واحد، فرأينا بعض آثار قليلة تبادلوها فيما بينهم وهي تكون أحيانا دون ما رأيناه في الطور الثاني -طور الفتور- في مَجموعه، ولكن هذا الطور الثالث- وإن كان دور ذلك في الإنتاج الفكري بِحسب ما عندنا- يَمتاز عليه باعتناء هذه المدرسة الهوزيوية، ثُم الجشتيمية بعدها، بنشر الفن بقدر المستطاع؛ لأن كلا عميدي المدرستين مطوق بأن يعتني بكل الفنون على اختلافها، وأن يلازم الوقار العلمي الرسمي، ثُم لَم نر من أحدهما أريحية إلا في خلسة، فكان ذلك علة واضحة لكون هذا الإنعاش بطيء السير، ثُم لَم تظهر آثاره إلا بعد حين، وذلك أيضا علة لقلة الآثار الأدبية عن عميدي هاتين المدرستين، حتى إن الهوزيوي نفسه مع هذا الاعتناء لَم نقف له إلى الآن على أثر، وهناك القاضي مُحمد بن صالِح الأديب (١)، فقد كنا وقفنا له على بعض آثار لا بأس بِها، ثُم وقفنا أخيرا على ديوان له جَمع فيه قصائد كثيرة، وغالبها إمَّا في الجانب النبوي، وإمَّا في أمير عهده مولاي سليمان، وهي قواف لَم تحظ كثيرا من البيان والبلاغة إلا بقليل، على رغم ما قال في ابن صالِح قرينه أبو زيد الجشتيمي، بأنه شاعر مفلق (٢).
هذه خلاصة ما عندنا عن هذا الطور الثالث، فلنسق بعض ما يقبل من بعض آثار هذا الطور، ولنختر ما يستعذب.
стр. 93
قال ابن زكري الولتي النحوي الأديب:
الْمَجد حيث مدار السبعة الشهب ... هيهات يدركه من لَم يكن بأبي
وهِمة الْمَرء لا تعدو بصيرته ... بقدر نظرته يسمو إلى الطلب
كل له أرب لكن أخو قصر ... في الهم ليس له في المجد من أرب
إن كان لا بد للإنسان من أمل ... فليأمل المجد فوق السبعة الشهب
قال في صغره وهو يتمرن على الشعر وهو عجيب من مثله في مثله بيئته:
سعد الوقت وشفت البرح ... وتبدى في حلاه القدح
دارت الكأس على أهل الهوى ... في صباح ضاحك فاصطحبوا
والصبا قد عانقت بين الربا ... زهرا يندي زهاه المرح
باكر الوسمي منه ناعما ... وجهه من لونه ينشرح
فكساه حلة ناصعة ... من رآها يزدهيه الفرح
تتدلى نقط الماء كما ... اغرورق الدمع بِجفن يضح
ونظيم الدر في أغصانه ... كأعالي النخل فيها بلح
وقال مُحمد بن صالِح القاضي:
أنى أعير مسامعي للاحبي ... والروض يدوعنا إلى الأقداح
والصادحات سواجع بغنائِها ... والزهر ينفح بالشذى الفواح
قم واستنيها صرخدا مَمزوجة ... واجهر بذاك على عيون اللاحي
وال الكئوس وكلما ناولتني ... اصفع قفا لاح لِحاك وقاح
إن الربيع ربيع من يبغي الصفا، ... وعناق خَوْد في الرياض رَدَاح
هذا نسيم الروض رق كأنه ... نفس الحبيب أنمته بوشاحي
والْجَو صاف وجهه فكأنه، ... حبب تبسم من رحيق صباح
من لَم يكن بصبوحه متمتعا ... والدهر ساعد والزهور ضواح
والسعد يَحدو بالربيع مسرة ... في بَهْجة بفقاقع الأقداح
فالرمس أولى ما يصبحه به ... دهر حباه فعقه بِجماح
стр. 94
وقال عمر بن عبد العزيز الـچـرسيفي في رسالة لأديب كتب إليه بشعر:
نفثت بأذني السحر أو شعرك الصرفا ... ولفظك هذا أو مكاملة الذَّلفا
لقد أخذت مني قوافيك مأخذا ... عظيما كأني قد سقيت به صرفا
وما كنت أدري كيف يسكر شارب، ... إلى أن مددت الكأس توجتها الكفا
سمعت بيانا بارعا وفصاحة ... إذا سمتها فكري فقد سَمتها حيفا
أدامك ربي فرهد الشعر قائلا ... إلى أن يعد الناس من عمرك الألفا (١)
ويقول أبو زيد الجشتيمي يُخاطب أحد أهله مستفزا لِهمته من أول قطعة لَم نقف منها إلا على هذا القدر:
إذا لَم يكن للمرء نَحو العلا عزم ... فلا الب يعلى شأنه لا، ولا الأم
تنام وتبغي أن تنال مراتبا ... زللت وأخطأ ما تُحاوله الوهم
بغير الجناح لا تطير إلى السما ... بزاة فكيف الطامحون وإن هموا؟
ويقول أيضا وهو في أريحية الأديب، وهي من قطعة لَم نقف منها أيضا إلا على هذا القدر:
جللني الشيب ولكن لي ... نزعا شديدا للفكاهات
أخف نَحو غزل طاهر ... فأستخف للغزالات
لكنما الدهر يقيدني ... برغم أنفي بالجلالات
وكتب أثناء رسالة أجاب بِها من يشكو إليه جيرانه من العلماء اليَزيديِّين:
«طالَما أهمني الإشفاق: أن يقع بينك وبين أهلك شقاق؛ لأنني أتخوف منك الميل إلى الأبكار؛ لِما في فضلها من الأحاديث والأخبار، مع أن من قدمك على الآباء والأولاد، أحق بِحسن صحبتك من سائر العباد.
ولا ينبغي أن تبيع وَصْلَه وصَلْحَه، ولو بِجمال عائشة (٢) بنت طلحة، والآن أمن الله خوفي، وبرد بألطافه جوفي، إذ فهمت من رسالتك ورسلك أنك على شأنك ورسلك، وأن تحيرك من أهل الجِوار ينسيك تَخير الْجَوار، وأن الأعجاز وتَمنع الأقبال يذهلانك عن الأعجاز والتمتع بالأقبال، وإن مناغاة المتاعب تَمنع من مغازلة الكواعب» (٣).
стр. 95
وقال أحْمَد الدرعي يُهنئ ابن صالِح القاضي بعرس من قصيدة أولها:
ورد البشير مهنئا بوصال ... والقلب للشوق المبرح صال
يقول فيها بعد تغزل، والقائل متأثر ببساتين تارودانت:
إيه أيا خير الأساتِذ أننا ... طرا على نعم الهنيء البال
مدت علينا من حبورك ظلة ... كانت بعرس من وريف ظلال
ما أنت وحدك في السرور فكلنا ... بين الغزالة ناعم وغزال
حتى الزمان أتى إليك ربيعه ... بالورد فوق قضيبه الْمَيَّال
فحدائق الأشْجار في أغصانِها ... حيَّت مقامك عن شذى الآصال
والطير في أفنانِها تشدو وما ... تشدو بغير هنائك المتلالي
وخرير هذا الماء في قنواته (١) ... تصفيقه فرحا بعرس عال
قم يا مدير أدر فهذا يومها ... صارت بِهذا البشر خير حلال
واملا الكئوس بِخَمرة بسامة ... في وجه شاربِها الرخى البال
واصبن (٢) فديتك عن يدي متثلما ... فأنا شروب بنت كل دوال (٣)
ولنكتف بِهذا القدر، فإنه يكفي في أن نعلم كيف وجود الأدب السوسي في هذا الطور، فإنه كما يرى القارئ مِما سقناه لا يترامى إلى الإجادة مع ضعف في النسج، وقلما يفارقه، فالمعاني ألطف من الألفاظ، والإخوانيات، واستنهاض الهمم مِما يطرق كثيرا، ولا يدل هذا على أن القصائد الطويلة المديحية في الملوك وغيرهم غير موجودة، فإن هناك قصائد مطولة للجشتيميين في جانب مولانا عبد الرحمن، ومثلها في النبويات، بل وقفنا على نبوية في هذا الطور لأحمد الجشتيمي تنيف على خَمسين وثلاثمائة بيت من النظم الذي أطيل فيه النفس (٤)، كما رأيت أن هناك ديوانا خاصّا لابن صالِح لكنه أمشاج، فمن هناك يدرك القارئ مقدار ما لِهذا الطور الثالث من امتداد القوافي، مع إلْمَامه بِما يعتريه من ضعف غالبها، وبِما تكتسيه أحيانا من جَمال الأسلوب، وروعة البيان، فيكون هذا الدور الذي أطلقنا عليه: دور انتعاش الأدب السوسي دورا مُنْعِشا حقّا؛ لأنه
стр. 96
كما احتوى على العناية بدراسة الفن -وهو ما خلا منه الدور الذي قبله- واحتوى أيضا على التنوع فيما يُمكن أن يتنوع إليه أدب أمة بدوية مستعربة، احتوى فوق ذلك على براعة حسنة، فإن لَم تكن فائقة؛ فهي سائرة في طريق التفوق، ولا يعزب عنك أيُّها القارئ الكريم أن لَهجة أدب هذا الطور مُختلفة، فما قيل في حاضرة تارودانت يُخالف في وشيه ما يُقال في الجبال، وهذه ظاهرة ينبغي أن لا يَجهلها الباحث.
ثُم إن هناك حركة ضئيلة أدبية حول المدرسة التمجدشتية، وقفنا على آثار منها، لا تَمت إلى الأسلوب بشيء، إلا بوزن العروض أحيانا، وإعراب الكلمات، غير أننا وقفنا من آثارها على شيء لا بأس به، وهو ما رأيناه للحسن بن الطيفور (الساموجني) ثُم التزنيتي، بل ربّما يكون هناك ما يدل على أن يده في هذا الفن فيها طول أكثر مِما نظن، ومن هذه الْحَركة (التَّمجدشتيَّة) سرت شرارة إلى أدوز، فنشأ في جوها ابن العربي الذي سنرى له أثرا في الحركة المقبلة في الطور الرابع، ثُم منه امتدت أسلاك إلى المدرسة البونعمانية؛ لِمَا بَيْن أستاذها مسعود وبين الأدوزيين، فنشأ أيضا في بيئة ذلك ابن مسعود، فهكذا انتشر أيضا من تَمجدشت، ما لَم تكن تعتني به، ولا ترفع به رأسا، ولكن لا ننسى أن حركتها لَم تكن لتصل إلى ذلك المستوى الذي وصلته، لَو لَم تُجاور الْحَركة الجشتيمية القوية، فيحمل التنافس الموجود بين المدرستين على المحاككة، وهل الكهرباء إلا بنت المحاككة؟
هكذا ينبغي أن نفهم هذا الطور الثالث، لنستطيع أن نفهم كيف تأتي لِما بعده أن يوجد وجودا طبيعيّا ليس للطفرة فيه من تأثير.
стр. 97
النهضة الأدبية الثانية ١٢٦٩هـ - ١٣٥٢ه ـ
عرفنا كيف كانت المحاولة لإنعاش الأدب السوسي مستمرة كل أوائل القرن الثالث عشر وأواسطه، وإن هذه المحاولة ساعدها الجد، فهيأ لَها من حيث تعلم أو لا تَعلم -ما يقوم لَها مقام التشجيع الذي قلنا أنه لا بد منه لكل نَهضة أدبية، فالتشجيع ملاك الأدب، ومدعاة القرائح إلى التفجر بالْمَاء المعين، فقد خلق لِهذه الحركة رجال أولعوا بالأدب غاية الولوع، فكان لَهم من مَحبتهم لفنه، والْخَوض في بَحره، ومناغاة معانيه، واقتطاف روائعه، واجتلاء أفكاره، ما قام لَها مقام التشجيع المادي الذي كان الأمراء يقومون به في كل النهضات الأدبية، في أدوار تاريخ الخليقة، منذ عرف الاستمتاع بتلك الناحية التي تنفح بروائح الْجَنَّة.
كنا عرفنا فيما تقدم أن تلك الْحَركة الأدبية كانت تنبعث من المدرسة الجشتيمية المباركة، فتتسع دائرتها بأعمال بنيها المتخرجين، وبأعمال من ينافسونَها من أبناء ضرتها المدرسة التيمجيدشتية، فتكشفت سنة (١٢٦٩هـ) التي جعلناها ختام ذلك الطور الثالث، طور مُحاولة إنعاش الأدب، عن ارتكاز الأدب في المدرسة الجشتيمية، كما ارتكز بعض ارتكاز في المدرسة الأدوزية، فهكذا قدر لِهذه النهضة أن تكون ذات شعبتين من أول يومها، فصح لنا أن نراعي أعمال تينك المدرستين الجشتيمية وما إليها، والأدوزية وما إليها، زيادة على أدباء (سَجْرَاديِيِّن) و (رودانيين) و (إجْرَارِيِّين) رأينا قصائدهم في مَجموعة قصائد (١) قدمت لِمَولاي الْحَسن من السوسيين قبل أن يكون على العرش، ثُم إن أردنا أن نتثبت في كيفية انتشار حب فن الأدب هذا الانتشار الغريب الذي أدركناه وعرفنا غوره؛ فلا بد أن نتتبع ما قامت به الشعبتان، كل واحدة في دائرتها.
تولى الأستاذ مُحمد بن العربي قيادة المدرسة الأدوزية، فكان زعيم الأدب الأدوزي الذي يطاطئ الرأس لتيمجيدشت، ويعد قوافيه للإشادة بِمجدها وللذود عن حِيَاضِها، وقد قدر لِهذا الأستاذ أن يكون ذا تأثير قليل في تثبيت أركان هذه النهضة بِما أوتيه من صلابة الرأي، وأريحية النفس، وسلاسة الطبع، مع ضعف كثير ملموس في الذي وقفنا عليه في القوافي، ثُم نشأ بتأثيره كما ذكرناه، الأدب البونعماني على يد من يمت إلى
стр. 98
ابن العربي بالتلمذة: مُحمد بن مسعود، فلم ينشب أن ظهر بعد (١٣٠٩هـ) في الميدان، فحسب له حساب كبير، فوجب علينا لارتكاز مقامه ارتكازا عجيبا في هذا الفن أن نقرنه في قيادة هذه الشعبة الأدوزية بالأستاذ ابن العربي، وأن نَجعل له إزاءه منصة سامية يتسنمها، ثُم تَخرج بِهما أناس، وأكبر من تَخرج بابن العربي الأستاذ الأديب: أبو فارس الأدوزي، شارح المعلقات والشمقمقية، ورسالة ابن زيدون، والأستاذ المؤرخ الإجراري الأريحي، صاحب اليراع الحاد، والنزوع إلى الأدب بكل جوارحه، والأديب الدغوغي، والأديب أبو زيد الإيسي، وقد كان الأديب الشاعر الحبيب السكراتي أيضا من هذا الرعيل معاصرة ومُجاورة ومنافسة، وكالأديب عبد الرحمن البزي الحامدي في طائفة تَجاذبت إذ ذاك القوافي هناك. ومن بين مَن تَخرجوا بابن مسعود: مُحمد الحضيجي، والحسين التَّالعِينتِي الأديبان الممتازان، وأمثالَهُما؛ كالطاهر السماهري، والْحَسن بن عبد الرحمن الإجراري، فهكذا أدى المحمدان ابن العربي وابن مسعود لِهذه الشعبة الأدبية التي يقودان زعامتها ما أديا، فكان لأعمال هذه الشعبة بِهما وبِمن يتقفاهما آثار تتأيد بِها النهضة الأدبية السوسية العامة.
هذا مُلخص ما قام به هذا الفريق، أمَّا المدرسة الجشتيمية والشعبة الأدبية التي كانت زعيمتها؛ فإنَّها أحظى من أختها انتشارا فقد رأس الأديب البارع أبو العباس الجشتيمي ولد أبي زيد هذا الفريق منذ حوالي (١٢٦٩هـ)، وهي السنة التي توفي فيها والده أبو النهضة؛ ولذلك أنطنا توسعها به -كما ترى- فأصدر أدباء كبارا لَهم آثار خالدة؛ كالحاج الحسين الإفراني، والْحَاج ياسين الواسخيني، ومُحمد بن إبراهيم التامانارتي الإفراني وأمثالهم، ثُم رأيناهم وبعض من تَخرجوا من تلك المدرسة، يسيرون بِهذه النهضة إلى الأمام، فنبغ من بين تلاميذ الأستاذ مُحمد بن إبراهيم التامانارتي ثم الإفراني مُحمد بن عبد الله الإلغي مؤسس المدرسة الأدبية، فكان حظ ابن إبراهيم بسبب ما انتشر من تلميذه هذا أجلى وأعلى مِمَّا انتشر عن الوَسخيني، والْحَاج الحسين، والحاج داود، والْحَاج مُحمد اليزيدي الإيسي، وأحمد (أمزاركو) السندالي، فإننا لا نرى لِهؤلاء كبير أثر إلا ما كان من الأخير، فإنه ثقف الأديب أبا عمران الرسْمُوكي قاضي تارودانت، كما أن للحاج داود أثرا ظاهرا من وراء أعمال تلميذيه الصوابيين اللذين خرجا مثل ابن إسْحَاق أحد أدباء الكرسيفيين اليوم،
стр. 99
وإن كان النابغة العثماني هو أديب سوس حقّا على الإطلاق؛ وإلا ما كان من الأديب الحاج مُحمد اليزيدي، فإن له تأثيرا كبيرا، غير أن أعماله اندمجت بين أعمال تلاميذه الإلغيين، أمَّا مُحمد بن عبد الله الإلغي المثقف بابن إبراهيم التَّامَانارتي؛ فإنه أسعد حظّا من كل من ذكرناهم من الرجال الأدباء في هذا الفريق الجشتيمي وغيرهم، فإنه أسس مدرسة وأتاه فيها السعد، فكانت كأنَّما تأسست معهدا أدبيّا فقط، فأدت في عهد مؤسسها ثم في عهد خلفه أبي الحسن علي بن عبد الله، ما كان لِهذه النهضة كتاج مرصع فوق هامتها.
حقّا نالت المدرسة الإلغية في الاعتناء بالأدب وتَجديد الأسلوب والانتقاد العلني، وكثرة المدروسات الأدبية، وتعدد ما يَجعلونه كشرط أساسي لِمن أراد أن يتعالى إلى سَماوات الأدب، مَا لَم يلحق فيه غُبارها غيرها، ولا شاهد على ذلك إلا العيان لأعمال لا تزال بيننا مَحسوسة إلى الآن آثارها الباقية، والنهار لا يَحتاج إلى دليل، فقد اعتنت بالأدب وتنوعت في التثقيف حتى اهتدت إلى الثقافة الأندلسية، فاتخذتها محورا خاصّا لأدبها؛ فلذلك يَجعل (نفح الطيب) هجيري كل متأدب إلغي، حتى أن منهم من يكاد يَحفظ غالب كل مُختاراته، وأمَّا استحضار الطرف من مُحتوياته من القصائد والرسائل والتراجم والنوادر والطرف الأدبية؛ فهو عند أكابرهم؛ كالحديث عند البخاري وابن معين، وليس على من يرتاب في هذا، ويُحمل هذا الحكم على الغلو إلا أن يلاقي أستاذينا: مولاي عبد الرحمن (البوزاكارتي) (١)، ومُحمد بن الطاهر، وصاحبنا أحمد اليزيدي، ومُحمد الحامدي وأمثالهم، فإنَّهم لا يزالون يرزقون إلى الآن (٢).
خرجت المدرسة الإلغية كثيرين ينيفون على المائة، يندر فيهم من لَم يرم بسهم في الأدب، فضلا عن مَحبته وقدر قدره، فالشاعر الإفراني وأحمد بن صالِح (التَّانكرتي)، وأبو القاسم (التَّاجَارمُونتِي)، والطاهر، والبشير الناصريان، وابن الحسين بوكرع البعمراني، وأحمد بن سعيد الأجْمَاري، والْهَاشم القاضي الأقاوي، وإدريس (التَّاغاجِّيجتي)، ومُحمد، والطاهر، والْحَسن، والمدني الإلغيون، وشيخنا عبد الله بن مُحمد الصالِحي، وعلي بن صالِح الأفقيري، ومولاي عبد الرحمن (البوزاكارني)، وأحمد اليزيدي، ومُحمد بن الْحَاج (التُّوزونتِي)، ومُحمد الكثيري،
стр. 100
وإبراهيم (التَّازيلالتي) الرَّسْموكي، وعلي بن الطاهر الرسْمُوكي، ومُحمد بن علي التملي، وأحمد البنائي الأغثاني، ومُحمد (أوبَالوش) القاضي العبلاوي، وكثيرون أمثالَهم من الإلغيين وغيرهم مِمَّن درجوا، ومِمن لا يزالون أحياء، وكلهم مِمن مر بتلك المدرسة، وتشبع بروح أدبية فائقة، وغالبهم جيد القول، مقبول المنزع إن وزن بِميزان بيئته، ثُم كان من هؤلاء المتخرجين من هناك سير آخر إلى الأمام، وأحظاهم في هذا المقام: الشاعر الإفراني شيخنا الأخير، فإنه خرج البشير (العَزِّييِني)، (التَّانكرْتِي)، وولده مُحمد بن الطاهر، والحسن الكوسالي، وداود الرسْموكي، ومُحمد الحامدي، ومُحمد بن مُحمد التملي الدمناتي المدفن، ومُحمد بن الطيب التِّيزي الصائغ وآخرين.
هكذا قام عمل مُحمد بن عبد الله الإلغي، وعمل مُحمد بن مسعود البونعماني، وعمل مُحمد بن العربي الأدوزي بِما شيد أركان نَهضة أدبية آتت أكلها، وكتب لَها سعدها أن يبقى غالب آثارها حتى يدرسها من أراد أن يكون وراء درسها على يقين من مدى سموها، ومقدار ما لَها من البلاغة والبراعة (فليس الخبر كالمعاينة).
أمَّا مستندات هذه النهضة بالإجمال؛ فمن دراسة الكتب الأدبية الموجودة، كالمقامات الحريرية التي عم تدريسها في كل النواحي من عهد بعيد، ولا تزال تدرس دائما إزاء التحفة؛ كالمعلقات، والزيدونية، وبانت سعاد، والطغرائية، والمقصورة الدريدية، والوردية، والدالية اليوسية، والشقراطيسية، ويزيد الأدوزيون دراسة ميمية الحامدي، وديوان المتنبي، وقلائد العقيان بشرح ابن زاكور، يدرسونَها بالأنصبة اليومية، ويزيد البونعمانيون مقامات بديع الزمان، وديوان المعري، ويزيد عبد العزيز الأدوزي في البوعبدلية ديوان الحماسة، وينفرد الإلغيون بالاعتناء الكبير بدراسة نَحو نفح الطيب، والعقد الفريد، وخزانة الأدب الكبرى، وطبقات ابن خلكان لا يتدارسونَها بالأنصبة، بل بالتتبع ثبات ثبات في أيام الاستراحة من توالي الدروس العامة، فتجد أحدهم تلا أمثال هذه الكتب مرات، كما يعتنون كذلك بِمروج الذهب، وحياة الحيوان الدميري، المشحون بالأدبيات، والمستطرف، وثَمرات الأوراق، وتزيين الأسواق، وكثير من الدواوين الشعرية، وهذه تروج كثيرا زيادة على اعتنائهم بالتثبت في اللغويات بكثرة مراجعة القواميس، وذلك أول ما يتعلمه متأدبهم من الخطوة الأولى، كما لَهم أيضا ولوع بِمثلث قويدر، ومَنظومة ابن المرحل
стр. 101
لفصيح ثعلب، وربَّما يُحاول بعضهم حفظ ذلك المثلث كله، ثُم ينفرد كل فريق أو أفراد بكل ما تناوله أيديهم من وراء هذا أيّا كان، وهم يعتنون بِحفظ المقامات الحريرية مع استحضار كل ما كان في شرحها للشريشي، ولا يُمكن أن تَجد من نُجبائهم من لَم يكن حفظ منها فيهم إلا تَحلة القسم، كما لا يُمكن أن تَجد منهم من لا يَحفظ كثيرا من نوادر الأبيات والأمثال العربية، فيدور ذلك في مُحاوراتِهم وفي أسْمارهم، فتجد رسائلهم مشحونة بذلك، حتى رسائل بلدانهم ومُحاورات أشباه العامة من متطلبتهم، وهذا كله شائع ذائع عنهم حتى ليعابون من الجامدين على الفقه وحده بِهذا اللهج الشديد بِهذه الناحية؛ كما عَابَ الأستاذ الرفاكي الإلغيين بذلك عن حسن نية، ولكن لسان حالِهم يُجيبهم بِهذا البيت:
ذاك الذي تكرهون مني ... هو الذي يشتهيه قلبِي
أمَّا مَجالات أدبياتِهم؛ فإنَّها كما تعتني بالقافية تعتني أيضا بالترسل، فبين أيدينا الآن عشرات وعشرات من رسائلهم بينها ما فيه براعة فائقة، ولا أثلج للصدر من رسائل كان طلبة المدارس في عنفوان هذه النهضة يتراشقون بِها بينهم عتابا أو موادة أو مساجلة، وهي طويلة مسجعة مفعمة بالأبيات اللطيفة والأمثال الحكيمة، وقد دارت بين الطلبة المتأدبين في مدرسة إلغ وبين مدارس بومروان وإفران وأداي وإغشَّان وتَانَالْت وبونعمان وإيغيلالن رسائل من هذا النوع الذي يرمون فيه إلى الترسل الأندلسي الجميل، وأمَّا قوافيهم فإنَّها تطرق غالبا المديح، والرِّثاء، والإخوانيات، والمجاذبات، والجناب النبوي، والتشكي من الدهر، والعتاب، والهجو، وقلما نقف منها على خلاف هذه الأنواع، كما وصل إليه تتبعنا لذلك متقصين (١).
هذا الذي نصف به هذه النهضة يدخل فيه كله البونعمانيون والأدوزيون والإفرانيون والإلغيون، ثم يسري ذلك إلى مدارس أخرى تريد أن تتشبه بِهذه؛ كمدرسة (تاهَالا) حين كان المانوزي وطبقته من تلاميذ (الأسَكاري) يتشبهون بالإلغيين في الأدب، فنبغ بذلك المانوزي، وما ذلك إلا لأن لِهذه النهضة تأثيرا كثيرا شاملا مَجرور الذيل، حتى لينحاش فيها إلى الأدب من ليس في العير ولا في النفير، بل وقفنا على بعض
стр. 102
السرقات لبعضهم من نثر الإلغيين أو من شعرهم، ينسبه لنفسه (١) تزينا وتَجملا به، فكم فقيه يلج الحلبة بين هؤلاء، فيتخذ متندر المحافل الأدبية ما شاء الله، حتى أننا لنعجب أن رأينا مثل (أعْبُّو) و (الأسْكَاري) الأستاذين الفقيهن، يُخرجان مثل الأديب المانوزي، مع أنّهما غير مَوْصُوفيْنِ بالنّزوع إلى الأدب، وما ذلك إلا من تأثير هذه النهضة المائجة على أمثال المانوزي، فيتأدب هو وأمثاله بِجهودهم على حدة، ثُم لا يفوتنا أن ننبه على ظاهرة في (إلغ) لَم تكن في غيرها، مِما يشاركها في الاعتناء الأدبي؛ وهي وجود ندوة أدبية انتقادية يعرض أمامها كل شيء، فتقبل وترد، وإن كانت لا تَخرج عن دائرة المجاملات وتتخذ انتقاداتها في صفة إرشادات، وكان رئيس هذه الندوة أبا الحسن علي بن عبد الله الإلغي الأديب الكبير، فلا تَخطر قصيدة جديدة، أو رسالة حديثة كيفما كانت وإن لَم تكن إلا من مبتدئ في خطوته الأولَى إلا وتتلى في المجمع، والعيون شاخصة، والأسْمَاع مرهفة فيشاد بِما للمجيدين، ويرشد بالملاطفة غير المجيدين، فهذه الندوة لَها تأثيرها كثيرا في الإشادة بالأدب الإلغي وفي تنشيطه إلى الأمام؛ لأن بعض القائلين قد تبلغ منهم كلمة يُحبذ بِها ما لا تبلغ جائزة كان غيره يتسلمها من يد مَمدوح في بلاط. ولا يدري إلا الله كم قصيدة مرت في هذه الندوة؛ لأن العادة استمرت أنه كلما حضرت فرصة أن تستنبط القرائح، فعند كل ولادة لِمعتبر عندهم، أو وفاة فاضل، أو قدوم أديب، أو توديع آخر، أو قيام عرس، أو ختم مؤلف يدرس، أو مناسبة ما، تَجد القصائد يُرمى بِها بين يدي رئيس الندوة، وقد يصل عددها أحيانا ما فوق العشرة، أفلا يكون هذا هو الباعث حتى بلغ الأدب الإلغي ما بلغه مِما لَم يدركه سواه في سوس.
ثُم إن الإلغيين والأدوزيين والبونعمانيين، كان من عادتِهم أن يُخاطبوا تلاميذهم شعرا أو نثرا في كل فرصة ينتهزونَها، ثُم يقترحون على كل أحد أن يُجيب كي يتمرن الطلبة بذلك، وقد وقفنا على آثار غير قليلة في هذا الموضوع (٢).
стр. 103
وأخيرا أكفكف القلم، فقد كدت أتَجاوز الإيجاز في وصف هذه النهضة الكبيرة التي بلغت أشدها ما بين (١٢٦٩هـ) وبين (١٣٥٢هـ)، ثُمَّ وقف دولابَها إلا نادرا بعد الاحتلال؛ لتبلبل الأفكار، ولكون الحال يقتضي أن يشتغل كل واحد بِخويصة نفسه، فأدَّى إلى إقفال النادي الإلغي، فكاد ينتهي في إلغ كل شيء، لولا خطرات تسنح، فتتفجر بِها القرائح، وقد كانت بونعمان وأدوز انتهى منهما قبل ذلك هذا الفن أيضا فوجبت شمس الأدب السوسي بذلك في مدارس شتى، وذبل زهره إلا بقايا هنا وهناك لذهاب البواعث، ولا يدوم إلا الله، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فلم يبق إلا دور تسجيل ذلك (١) لئلا يَجرفه النسيان، فهذا ما تعزم عليه منَّا الْهِمَّة إن شاء الله.
فلنذكر بعض أشعار ورسائل عن هذا الطور أيضا؛ اتِّبَاعا لِمَا كُنَّا نصنعه في كل الأطوار المتقدمة، ولا نتعدى غاية الإيجاز، وإلا فإن الموضوع زاخر الآثار جدّا، ونَحن جد حريصين على جَمع شتاتِها في كل ما يَجول فيه يراعنا، مِمَّا نَجمعه في هذا المنفى، فنزجي به الآن الوقت في هذه العزلة الجبرية، ولنختر ما يوافق أذواق اليوم في الجملة؛ لأن في جل ما في آثار هذا العهد ما تنبو عنه أسْمَاع كثيرين مِمَّن مازج الأدب الحديث أذواقهم، وإن كانت له روعة ما في تلك البيئة إذ ذاك؛ لأن هذه النهضة الأدبية السوسية، وإن كانت بنت هذا العصر، هي بِمعزل تام عن الأدب الحديث، وقد ضرب ما بينهما بسور من حديد، حتى لَم يكن لأسلاكهما أدْنَى اتِّصَال إلا من سنوات قليلة جدّا (٢)، ولِهذه الحيثية مكانتها عند من يريد أن يبحث تَحت ضوئها في آثار هذا الطور إن كان من المنصفين، وكان من الذين يراعون المشقة العظيمة التي تكون أمام المتأدب السوسي العجمي قبل أن يتذوق الأسلوب العربي في سماوات فصاحته ومُحيط بلاغته.
قال الأديب أبو العباس الجشتيمي في المولى عبد الرحمن العلوي من قصيدة ليس عندنا منها إلا ما نسوقه مطلعها:
اُحْدُ النياق بذكرهم يا حادي فالذكر عنهم سلسبيل الصادي (٣)
стр. 104
يقول عند التخلص:
من لَم يكن مستلئما متكميا ... أنى يصاول في مَجال طراد؟! (١)
هذا الإمام أبو البسالة ما ارتضى ... إلا بِحزم فل كل أعاد،
رأي كما جالت نوافذ بيضه ... فتقد كل الغلب أعلى الْهَادي
(٢)
فكأنَّما سجف الغيوب مزحزح ... عنها يبصر رائحا من غادي
ورث المجادة والسيادة والعلا ... عن ساسة ساسوا الورى أمجاد
خلقوا منَ انوار النبوة ما همُ ... إلا الشموس سَمت على الأنداد
قد أنجبتهم من بني عدنان أمـ ... ـلاك عظام من صدور النادي
فشبابهم كالشيب في آرائهم ... وضراوة الأشبال كالآساد
بِخلاء بالأعراض لكن إن أتى ... زاد، فما أنداهمُ بالزاد
من آل إسْمَاعيل كانوا من خيا ... ر الناس لاقيناه بالأسناد
إلَى أن قال في أواخرها:
مولاي يا خير الملوك ونُخبة الـ ... أبرار أهل الفضل والإسعاد
قد جل قدرك ما الذي سيقوله ... فيه ذوو الإنشاء والإنشاد؟
تعيي مناقبك العظيمة من همُ ... أهل البلاغة من فصاح إياد
أأرى أنا وأنا الفهيهة محصيا، ... ما كان عندي غاية لِمرادي (٣)
اقبل أمير المؤمنين مقال من، ... لَم يدر كيف السرد للأزراد (٤)
فلقد بذلت الْجهد لكن عاقني ... حصري العظيم على لسان الضاد
فعليك من ضيف يَجوب بشوقه، ... ليراك أطراف الفلا بالْحَادي
أزكى سلام طيب يشذى كما ... تشذى الحدائق من أريج الْجَادي (٥)
وقال على لسانه يتوسل بالنبي ﷺ ذاكرا بعض ما كان يعانيه في إصلاح الأمة، ويتشوق إليه:
شوق يذوب القلب من جَمراته ... وجوى يغيب الرأي في غمراته
من لي بزورة من أحب ولو كرى ... فهو الروى لو نلت من زوراته
стр. 105
يقول فيها:
يا خير من ساق الغرام لربعه ... صبّا فنال السؤل من عفطاته
ماذا ترى فيما نكبت؟ فإنني ... من لَم يناد سواك في أزماته
تَهفو لربك ما نأيت صبابة ... روحي وتَحيا من شذى نَسماته
ويقول فيها:
أشكو إليك وكم كشفت ملمة ... ما حار فيه القلب من ظلماته
شكوى حزين حلف جرم لا يرى ... إلا بك الإنقاذ من كرباته
فلأنت أحنى من أناخ ببابه ... مثلي ثقيل الظهر من هفواته (١)
وقال يُخاطب مولانا الحسن، وقد كان لازمه ما شاء الله إماما لصلواته، فيقترح عليه أن يودعه؛ لاشتياقه إلى أهله، والسلطان ضنين به، نأتي بِها كلها:
لولا حقوق لا تعد عظيمة ... للأهل دمت لذا المقام مقيمه
لو مت من ظمإ بقيظ مُحرق ... والقفر يرسل في السماء سمومه
وأنا بوسط مَجاهل لا يهتدي ... فيها الظليم إذا أضل حَميمه
وأنا وج نقب الأخامص مبدع ... بي لا يرى سمعي هناك كليمه (٢)
وأنا أرجي من هناك رضاك كا ... ن الكل عندي نعمة مغنومه
لا رأي للعبد المطيع إذا رأى ... من كان طول حياته مَخدومه
مر يَمتثل يا خير مولى رأي ... من منه الإنابة دائما معلومه
رأي الملوك منارة الإرشاد أمـ ... ـا غيرهم فمزاعم مركومه
مولاي يا مَن لي رضاه جنة ... ولزومه أزهاري المشمومه
إني عرضت على مسامع سيدي ... من قبل بعد صلاتنا المعلومه
أمرا يقلقل عبده ويقيمه ... ويطيل بالسهر الطويل خديمه
فجرى على سمعي مشرف رأيه ... ولعله ما كان منه عزيمه
فاليوم عدت لعل ما أرتاده ... من روض جودكمُ أحس شميمه
فالأهل والوا رسلهم بتتابع ... حتى رسائلهم علي كديمه
стр. 106
والأمر أمركمُ فقولوا يَمتثل ... من نفسه بِهواكمُ مزمومه
لكن رجائي واقف مستعطف ... من خيبة الراجي لديه عديمه
فالزغب في الأوكار ترسل طرفها ... من رأس شاهقة تكل البومه (١)
في كل صبح أو زوال أو مساء ... ترتجي ممن يغيب قدومه
لكن إذا رضي الإمام إقامتي ... أبدأ هنا كنت الحياة مقيمه
فعلى أمير المؤمنين تَحية ... بدموع شوق أخي النوى مَختومه
نرى أن هذه في موضوعها من ألطف ما رأيناه لمستعطف، عرف كيف يأتي من كل جهة، حتى لا يُمكن لأدنى فاهم إلا أن يؤخذ بِمثل هذا بِمجرد ما يسمعه.
وقال ابن العربي في وصف مَجلس تنشد فيه الأمداح النبوية:
بَهجة القلب في اجتناء الأماني ... واجتلاء المقسمات الحسان (٢)
وغصون الرمان فيها ثِمار ... بل نهود على قدود الغواني
وورود الرياض تنفح من شـ ... ـم بِمنس نوافج الغزلان
وجَميع الأحباب قد حضروا فاسـ ... ـتجمع المنتدى شتيت الأماني
قد أهابت بِهم دواعي التهاني ... فأجابوا طرا دواعي التهاني (٣)
فشدوا بالمديح شدو حمام ... طاب منه الهديل في الأفنان
وبخار العود الرفيع تعالى ... حينما العود صادح بالأغاني (٤)
أن هذا يوم كيوم الذي يو ... عده المؤمنون وسط الجنان
متع كله وأنس عظيم ... شاهدته العينان والأذنان
تتباهى بِها المسرة بالأفـ ... ـراح شتى جاءت على ألوان
فتراضت كل الجوارح فيه ... بين حور الفردوس والولدان
وقال أيضا في مَجلس مثله:
أدرها بِمشمولة يا هلال ... أدرها فخمرتها لي حلال
إذا ما بدت خلتها شعلة ... بكف هلال حكاه الْهِلال
стр. 107
فكل شراب له سكرة ... وهذا شراب يزيل الضلال
فهذا الشراب شراب الْهُدى ... فأين الفحول وأين الرجال؟
وقال في أول قصيدة قدمها للمولى الحسن في إحدى وفداته عليه، يذكر ما لاقاه في وادي (النفيس) ولعل ذلك في سنة (١٢٩٣هـ):
دواعي المنى قادت زمامي إلى الْحِمَى ... وتَحدو الرجاء المستجد المصمما
بكرت إلى المأمول مثل الغراب إن ... نوى في رجى ما يرتجيه فيمما (١)
فجلت على كور تسنم ذروة ... كقطعة مزن فوق يذبل خيما (٢)
تناوح وجهي العاصفات وإنني ... أمد لَها حر الجبين المعمما
أخوض بُحور الثلج بالْمَاء في ذرى ... جبال النفيس والظلام المقتما
وما القصد وصل الغانيات وما أنا ... وأحْمَدُ ربي الزير أتبع الدما (٣)
ولكن قصدي وهْو أفضل مقصد ... يشرف أن ألقى الإمام المعظما
وكتب أبو فارس الأدوزي إلى بعض من يأخذون عنه أثناء رسالته:
«أصلح الله حالك، وأزاح عنك أوحالك، إنني رأيتك تَمد الزند بلا كف، وتريد أن تسعى وأنت ملتف، فما فضل يد لا كف فيها، واهتمام بِمساع لا تنبعث لِمجاريها، فمتى طير بغير جناح، أو خيضت هيجاء بغير سلاح؟ فما هكذا يكون من إلى العلم يرتَحل، وما هكذا يا سعد تورد الإبل!».
وكتب إلى بعض أقرانه أيضا:
«سيدي، حرس الله بدرك من المحاق، وطيب ذكرك من الآفاق، إن أتفق معك في الانتساب إلى العلم؛ فلم أساوك في الفهم؛ لأن لك قلما بليغا لا يلحق شأوه، ولا يشق غباره، وأنى للبغاث أن يطاير الطير العتاق، وللسكيت أن يُجاري الخيل السباق؟!». إلى أن قال معتذرا عن شيء: «عياذا بالله أن يراني سيدي حيث يكره، أو أجتني مكره، إذن رمى الله سلعتي بالكساد وصرفني عن الرشاد، بل أنا سهْمك إن رميت بي العيوق أنتظمه، أو أقحمتنِي البحر أقتحمه، فأنا أطوع من بنانك، وأنفذ من سنانك».
стр. 108
وقال الأديب ابن مسعود في قصيدة مديح لبعض أشياخه الكبار من الإلغيين وهو الشيخ الإلغي:
لئن سوغوا في المدح قول مبالغ ... يسيح له من حول مَمدوحه مد
فأنت سَموت المد من كل قائل ... بليغ فما من جزر تقصيره بد
لعمري لئن أطرى يزيد بن مزيد ... صريغ الغواني واللها رشحها الْحمد (١)
وأغرب بل أربى على كل شاعر ... أبو الطيب الجعفي يقتاده الجد
فجاء بني حَمدان من نفثاته ... مرصع تاج ليس يصدأ والعقد
وأسدى لكافور ثناء مُخلقا ... تطيب به في روضة اللسن الملد
فأنت أحق بالقصائد ينتقى ... لَها الماس والياقوت والسلك والنضد
أحق لعمري بالمدائح فوق ما ... يَحوك ابن أوس حين فصحه الرفد
لئن كسبوا في مَدحهم كل طائل ... ففي مدحك الطول الذي ما له حد (٢)
وقال من قصيدة في رثاء عالِم عظيم من أشياخه الأدوزيين وهو ابن العربي:
ماذا تؤمل من دناك وإنَّما ... آمال نضرتها سراب سار
فإلى الزوال نعيمها فإذا حبت ... سلبت وإن نفعت فنفع معار
ما دام فيها مالك وخليله الـ ... أصفى عقيل بعد طول جوار
وجذيمة وقصيره وقصوره ... لَم تغن عنه مكائد الختار
غالتهمُ أيدي الْمَنون فكسرت ... كسرى وقسرا صرح قيصر هار
وخلا الخورنق بعد آل مُحرق ... ومضت بسيف مدرك الأوتار
وجرت على عبس وذيبان بِما ... غم النفوس وعم بالأكدار
شأن الزمان كذا وليس بنافع ... لَهف الفتى من نازل الأقدار
يقول فيها:
من للفهوم ودقة الأنظار ... مَن بعد فارس سوسنا الكرار
من للعلوم يبثها ويَمد البـ ... ـباب الرجال بثاقب الأفكار
من للقصائد ينتقي درر الكلا ... م لَها ويرسلها كماء جار
ما شئت عن لطف ورقة مَنْزع ... ومتانة في أحرف كدرار
стр. 109
انظر إلى ما أدرجوا في القبر من ... فضل ومن علم وكل فخار
هذا إمام الدين يوم واحد ... من مثله خير من الأعمار
لا در در العين إن لَم تبكه ... بنجيعها ومهذب الأشعار
ويقول فيها:
أمحمد أسفا لِهذا الصقع بل ... للغرب من نبراسك المتواري؟
كانت أدوز بك البدور طوالع ... حتى طلعت بِها كشمس نَهار
فرقيت ذروة ذلك المجد الصميـ ... ـم مجليا في ذلك المضمار
وأقمت رسْم العلم فابتهجت من الـ ... ـبحث الأنيق مسالك النظار
إن مت فالذكر الجميل حياة من ... دامت صنائعه على الأحرار
ما مات من عبقت بنشر علومه ... وتفتحت أزهار ذي الأقطار
تلك المكارم لا التعاظم نَخوة ... وسفاهة من غير زند وار (١)
وكتب الأستاذ مُحمد بن عبد الله الإلغي إلى طلبته بِمناسبة رمضان يُحرضهم على مقابلته بِما يقتضيه، فقال بعد أبيات:
«هذا وقد كنت أعظكم مشافهة ومكاتبة، وأنبهكم إلى الله ملاطفة ومعاتبة، ومحضتكم جهدي مذاكرة ومصاحبة، كل ذلك قياما بالواجب على العبد للمعبود، وتَمهيدا لنا ولكم إلى طريق السلامة يوم القيامة، يوم رض الكبود، إلا فقوموه لله وانتهوا، وتَجلدوا لِمخالفة الهوى ولا تهوا، ومن نوم غفلتكم -وفقكم الله- تنبهوا، وأخلصوا لله ما استطعتم وإلا فتشبهوا».
وقال الأديب علي بن عبد الله الإلغي يُخاطب ابن الداني من كتاب (الحضرة الحسنية)، وذلك عند زورة السلطان لسوس (١٣٠٣هـ):
إلى الفقيه الذي بدت مَحاسنه ... كالبدر إذ يَجتلي في دارة الحمل
لله أخلاقه الغر التي سقيت ... ماء الحياة فرقت رقة الغزل
تنسيك أقلامه في الرق راقمة ... سم المقرع صنع البيض والأسل
غارت مصانعه في الناس فاشية ... وانجدت فغتدت في مضرب المثل
فمن يُجاريه في الإحسان تنشده ... (وهل يطابق معوج بِمعتدل) (٢)
стр. 110
وقال مرحبا بوفد أدبي -كما هو دأبه دائما كلما نزل به وفد-:
لله يوم خَميس جاد لي بلقا ... من كنت من بينهم قبل اللقا لقى
حيوا فأحيوا نفوسا طالَما قبرت ... واستأصل البعد من أرواحها الرمقا
وفى لي الدهر مذ وافوا وجدد لي ... من وشي برد التهاني كل ما خلقا
ما كنت أقضيهم الحق الذي لَهم ... وإن فرشت لَهم من جفني الْحَدقا
وقال مودعا، كما هي عادته دائما في كل مقام توديع:
يا راحلا والقلب بين عيابه ... والروح مني تبلغ الحلقوما
ما في عظامي طاقة أمشي بِها ... فأسير في تشييعكم وأقوما
هيهات سير بقوتي عند الودا ... ع فصرت ملقى في الفراش سقيما
وقال من قصيدة أجاب بِها قريضا:
فما روضة جاد العهاد وهادها ... وغنت بِها الأطيار في ملد أشجار
وأبدت ونور الشمس قابل نورها ... جدا ولَها كالأيم في حين أدبار
وتصبح في برد قشيب منمق ... وشته يد الوسمي وشيا بأزهار
بأحسن من شعر يعز على أن ... أرى رقمه في غير صفحة أفكاري
وكتب في أثناء رسالة يُهنئ بِها رئيسا بفتح وقع له:
«فالحمد لله الذي جعل الملك مظفرا، وألقى أعداءه منبوذين بالعراء، فأهنئ سيدنا الخليفة، صاحب الأخلاق المنيفة، بِهذا الفتح الذي تيسر لسيدنا، فهو والله فتح انفتحت به مغاليق المنى.
فتح تفتح أبواب السماء به ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب"
وكتب إلى أستاذ كبير يسائله عن مشاكل فقهية:
بِحقك يا ريح الصبا طيبي الجوا ... ليسلكه مني السلام لِمن أهوى
من على الذي يتململ شوقا، إلى من اتَّخذه وده رقّا، شيخ الشيوخ في هذا العصر، والْحَامل منه بفك المعضلات الأصر ....
عليك سلام من مشوق يدعه ... إليك اشتياق كلما طلع الفجر