بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛
أما بعدُ:
فنقدم لقرائنا الأكارم الطبعة الجديدة لشرح «حائية ابن أبي داود»، ولا يخفى على طالب علمٍ أهميةُ هذه المنظومة ونفاستُها في علم العقيدة؛ فهي من أقدم المنظومات العقدية وهي على وجازتها عظيمة النفع، عذبة الألفاظ، ميسورة الحفظ.
وعقد لها شيخنا -حفظه الله- ستة مجالس أتى على جميعها بالشرح والبيان، عام ثلاث وعشرين وأربع مئة وألف، في الدورة التاسعة التي أقامها جامع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بالرياض.
ففُرِّغت تلك الدروس، ثم عُرضت على شيخنا -حفظه الله- فحررها ثم طُبعت الطبعة الأولى عام ١٤٣٠ هـ بعناية «شبكة نور الإسلام» وبمراجعة الشيخ إبراهيم الأزرق -حفظه الله-، وقد وقع في الكتاب ملاحظات استدركها شيخنا في هذه الطبعة، ثم عُهد إلينا في المؤسسة أن نعتني به فاستعنَّا بالله على ذلك، وكانت طريقة العمل في الإخراج كالتالي:
стр. 2
١ - مقابلة المتن وضبطه على النسخة التي أخرجها محمد جميل الشطي؛ وهي مطبوعة ضمن مجموعة رسائل في مطبعة الترقي عام ١٣٥٠ هـ. والنسخة التي أخرجها محمد أحمد عبد السلام؛ وهي ضمن مجموع «عشر رسائل وعقائد سلفية» المطبوع عام ١٣٥١ هـ في مطبعة المنار، وهما العمدة في هذا الشرح، وننبِّهُ في الهامش إلى ما قد يكون من اختلاف بينهما وبين الأصول المعتمدة؛ ك «شرح مذاهب أهل السنة» لابن شاهين، و «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى، و «سير أعلام النبلاء» و «العلو» للذهبي، وشرح ابن البناء والسفاريني وغيرها. كما ننبِّهُ إلى بعض ما وقع في المتن من إشكالات، وننقل ما يصوِّبه شيخنا في بعض المواضع منها.
٢ - قراءة الشرح على شيخنا كاملًا، قراءةَ ضبطٍ وتصحيحٍ، فكان يصوِّب ويُعدِّل، ويحذفُ ويُضيف، ويحرِّر ويُدقق، حتى استقام على هذه الصورة.
٣ - توثيق النقول التي وردت في الشرح، وعزوها إلى مصادرها.
٤ - ربط مباحث الشرح بكتب السلف والمحققين من أهل السنة: كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم رحمهما الله وغيرهما من المحققين.
٥ - إحالةُ بعض المباحث إلى مواضع أخرى موسَّعة من كتب شيخنا -حفظه الله-.
٦ - ضبط الكلمات المشكلة، والعناية بعلامات الترقيم.
стр. 3
٧ - شرح الكلمات الغريبة من المعاجم المختصة ككتب غريب القرآن، وغريب الحديث، ومعاجم اللغة، وغيرها.
٨ - عزو الآيات إلى مواضعها من كتاب الله ، وإثباتها على رواية حفص عن عاصم.
٩ - تخريج جميع الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب.
والطريقة في ذلك كالتالي:
أ-إذا كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما نقتصر في العزو إليه إلا لفائدة؛ كأن يكون اللفظ المذكور لغيرهما.
ب-إذا كان الحديث في غير الصحيحين:
- خرَّجناه من أهم المصادر، كالسنن الأربعة ومسند أحمد وموطأ مالك وغيرها من المصادر الحديثية المعتبرة.
- ننقل ما تيّسر من كلام أهل العلم عليه تصحيحًا أو تضعيفًا.
- إن كان الحديث مرويًا عن أكثر من صحابي؛ ذكرنا صاحب اللفظ وأشرنا إلى غيره تبعًا.
١٠ - التعريف بالأعلام غير المشهورين.
١١ - التعريف بالفِرق والمقالات والكتب غير المشهورة.
١٢ - صنعُ فهرسٍ للموضوعات، وثبت للمصادر والمراجع.
стр. 4
ملاحظة:
إذا ورد في الهوامش كلمة «شيخنا» فالمراد به صاحب الشرح شيخنا عبد الرحمن البراك -حفظه الله-.
وفي الختام نسأل الله أن ينفع بهذا الشرح وأن يجزي شيخنا خير الجزاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللجنة العلمية في
مؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
للتواصل:
جوال: ٠٥٠٥١١٢٢٤٢
البريد الإلكتروني: m@sh-albarrak.com
стр. 5
نص المنظومة الحائية
١. تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ واتَّبِعِ الهُدَى … ولا تَكُ بِدعِيًّا لَعَلَّكَ تُفْلِحُ
٢. ودِنْ بكتابِ اللهِ والسُّنَنِ التي … أتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُ (١) وتَرْبَحُ
٣. وقُلْ غيرَ مخلوقٍ كلامُ مَلِيكِنَا … بذلك دانَ الأتقِيَاءُ وأَفْصَحُوا
٤. ولا تَكُ في القرآنِ بالوقْفِ قائلًا … كما قالَ أتباعٌ لجهمٍ وأسْجَحُوا
٥. ولا تقلِ القُرآنُ خَلقٌ قُرَانُه (٢) … فإنَّ كلامَ اللهِ باللَّفْظِ يُوضَحُ
٦. وقلْ يتجلَّى اللهُ للخلق جهرةً … كما البدرِ لا يَخفى وربُّك أوضحُ
стр. 6
٧. وليس بمولودٍ وليس بوالدٍ … وليس له شِبْهٌ تعالى المسبَّحُ
٨. وقد يُنكرُ الجهمِيُّ هذا وعندَنَا … بمِصْدَاقِ ما قُلْنَا حَديثٌ مُصَرِّحُ (١)
٩. رواه جريرٌ عن مَقَالِ محمدٍ … فقلْ مثل ما قد قَال في ذاكَ تَنْجَحُ
١٠. وقد يُنكر الجهميُّ أيضًا يمينَه … وكلتا يديه بالفواضلِ تنفَحُ
١١. وقُل ينزِلُ الجبَّارُ في كلِّ ليلةٍ … بلا كيفَ جلَّ الواحدُ المتمدِّحُ
١٢. إلى طَبَقِ الدنيا يَمُنُّ بفضلِه … فتُفرجُ أبوابُ السماءِ وتُفْتَحُ
١٣. يقول: ألا مستغفرٌ يلقَ غافرًا … ومُستمنِحٌ خيرًا ورزقًا فيُمنَحُ (٢)
١٤. روى ذاكَ قومٌ لا يُرَدُّ حديثُهمْ … ألا خابَ قومٌ كَذَّبُوهمْ وقُبِّحوا
١٥. وقل إنَّ خيرَ الناسِ بعد محمَّدٍ … وزيراه قُدْمًا ثم عثمانُ الارجَحُ
٢٧. فقد نَطَقَ الوحيُ المُبِينُ بفضلِهمْ … وفي الفَتْحِ آيٌ للصَّحابةِ تَمْدحُ (١)
٢٨. وبالقَدَرِ المَقْدُورِ أيقِنْ فإنه … دِعامَةُ عَقْدِ الدِّينِ والدِّينُ أفْيَحُ
٢٩. ولا تُنْكِرَنْ جَهْلًا نَكِيرًا ومُنْكَرًا … ولا الحَوضَ والمِيزَانَ إنَّكَ تُنْصَحُ
٣٠. وقل يُخرِجُ اللهُ العظيمُ بفضلِهِ … مِنَ النَّارِ أجسادًا مِنَ الفَحْمِ تُطْرَحُ
٣١. على النَّهْرِ في الفِرْدَوسِ تَحْيَا بمائِهِ … كحِبَّةِ حَمْلِ السَّيْلِ إذ جَاءَ يَطْفَحُ
٣٢. وإنَّ رسولَ اللهِ للخَلْقِ شَافِعٌ … وقُلْ في (٢) عذابِ القبرِ حقٌ (٣) مُوَضَّحُ
стр. 10
٣٣. [ولا تُكفِرَنْ أهلَ الصَّلاةِ وإن عَصَوا … فكُلُّهمُ يَعصِي وذو العرشِ يَصفَحُ] (١)
٣٤. ولا تعتَقِدْ رَأيَ الخَوارِجِ إنَّه … مقالٌ لمن يَهْواه يُرْدِي ويَفْضَحُ
٣٥. ولا تَكُ مُرجِيًّا لَعُوبًا بِدِينِه … ألا إنَّما المُرْجِيُّ بالدينِ يَمْزَحُ
٣٦. وقلْ إنَّما الإِيمَانُ قَولٌ ونِيَّةٌ … وفِعْلٌ على قولِ النَّبيِّ مصرَّح (٢)
٣٧. وينْقُصُ طَورًا بالمعاصي وتَارةً … بطاعَتِه يَنْمِي (٣) وفي الوزنِ يَرْجَحُ (٤)
стр. 11
٣٨. ودعْ عَنْكَ آراءَ الرِّجَالِ وقولَهمْ … فَقَولُ رَسُولِ اللهِ أَزْكَى وأَشْرَحُ (١)
٣٩. ولا تَكُ مِنْ قَومٍ تَلَهَّوا بِدِيْنِهِمْ … فَتَطْعَن في أهلِ الحديثِ وتقدحُ
٤٠. إذا ما اعْتَقَدتَ الدَّهْرَ يا صَاحِ هذِه … فأنْتَ على خَيْرٍ تَبِيتُ وتُصْبِحُ
قال الآجري (٢): «ثم قال لنا أبو بكر بن أبي داود: هذا قولي، وقول أبي، وقول أحمد بن حنبل، وقول من أدركنا من أهل العلم، ومن لم ندرك ممن بلغنا عنه، فمن قال علَيَّ غير هذا فقد كذب».
* * *
стр. 12
مقدمة
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:
لا يخفى على مَنْ له فقهٌ في الدين ضرورة المسلمين في كل زمان ومكان -ولا سيما في هذا العصر- إلى العناية بالعلوم الشرعية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﵊؛ لأنه طغى في هذا العصر ما يسمى بعلم المادة؛ أي: العلوم الدنيوية، فقد غلب على كثير من الناس الاهتمام بها، وتعظيمُها والتنافس فيها، وتقديمُها على العلوم الشرعية تعلمًا وتعليمًا، في كل طبقات الأمة، في جميع مراحل التعليم، ومنشأ ذلك ضعفُ الإيمان بمنزلة علوم الإسلام، وإيثار الدنيا على الآخرة، وسيطر ذلك على عقولهم وتفكيرهم.
وإذا وجد الإنسان من نفسه محبةً للعلوم الشرعية، ورغبة في تحصيلها من مصادرها، والتلقي عن العلماء الربانيين، والاقتداء بهم ومعرفة سيرهم، مَنْ وجد ذلك في نفسه فليحمد الله، ومَن نظر في تاريخ المسلمين وجد أنهم إذا ذكروا العلم والعلماء، لم يريدوا به وبهم إلا ميراث النبوة وعلماء الشريعة.
стр. 13
والعلوم الشرعية أنواع، وأصولها ثلاثة، وهي مستمدَّةٌ من الكتاب والسنة:
الأول: علم التوحيد، وهو العلم بالله: بأسمائه وصفاته وأفعاله.
الثاني: العلم بأوامره ونواهيه، وهو دينه الذي جعله طريقًا إليه.
الثالث: العلم بالجزاء على الأعمال، ويدخل فيه كل ما يدخل في الإيمان باليوم الآخر.
وقد ذكر ابن القيم الأقسام الثلاثة في نونيته (١)؛ فقال:
والعلمُ أقسامٌ ثلاثٌ ما لها … من رابعٍ والحق ذو تبيانِ
علمٌ بأوصاف الإله وفِعله … وكذلك الأسماء للرحمنِ
والأمر والنهي الذي هو دينه … وجزاؤه يوم المعاد الثاني
والكلُّ في القرآن والسُّنن التي … جاءت عن المبعوث بالقرآنِ
وسائر العلوم الشرعية مقصودها الفقه في هذه العلوم الثلاثة، فعلوم التفسير والحديث؛ بل وعلوم اللغة كلُّها وسيلة لفهم الكتاب والسنة.
стр. 14
أما في هذا العصر فإن العلم إذا أُطلق انصرف في مفهوم كثيرٍ من المسلمين إلى العلوم الدنيوية؛ كالهندسة والطب وأنواع الصناعات، وفيها يتنافسون، وبها يفخرون، والله المستعان على ما يصفون.
ومما ينبغي التنبه له أن العلم الذي جاء به الوحي، وهو علمُ الكتاب والسنة هو الذي به الشرفُ والفضل عند الله؛ لأن به تزكو النفوس، وتصلح الأعمال، ويُهتدَى به، وهو حياة الأرواح، ونور البصائر، ولذا سماه الله روحًا ونورًا؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى].
وليس للعلوم الدنيوية شيء من هذه الفضائل، فاختر لنفسك أيها العاقل.
والمقصود: أن العلم الشرعي ضروريٌّ للإنسان، فمنه ما هو فرضُ عين، وهو ما لا يقوم دينُ الإنسان إلا به، ومنه ما هو فرضُ كفايةٍ، فيجب على الأمة الإسلامية أن تتعلم كلَّ علوم الكتاب والسنة حتى يكون فيها مَنْ يعلم ميراثَ محمد ﷺ ، فيكون ذلك سببًا في بقاء هذا الدين وبقاء العلم الموروث عن الرسول ﷺ ، وهذا محقَّقٌ ولله الحمد؛ للضمان الذي ذكره الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر].
стр. 15
وللخبر الصادق عنه ﷺ في قوله: «لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحقِّ ظاهرين» (١)؛ أي: لا بد أن تكون هذه الطائفة قائمة بالحق علمًا وعملاً، والقيام بالحق لا يتحقق إلا بذلك.
وبعد: فهذا شرحٌ مختصر على منظومة العلامة الحافظ ابن أبي داود، سميته: «توضيح المقصود من حائية ابن أبي داود» وهو أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني الإمامُ المعروف صاحبُ «السنن»، والتي هي إحدى الأمهات المصنفة في الحديث المعروفة المعتمدة عند أهل العلم في هذا الشأن.
وابن أبي داود هو أحدُ الحُفَّاظ المكثرين من الرواية، وأحدُ الثقات، وقد عني به أبوه منذ الصغر في تأهيله، فطوّف به البلاد شرقًا وغربًا ليتلقى وليسمع من الشيوخ، وقد حصل له ما أراد، فبرز ابنه على أقرانه، وتحقق لأبي داود في ابنه ما أراد رحمهما الله.
قال فيه الذهبي: «وكان من بحور العلم، بحيث إن بعضهم فضَّله على أبيه» (٢)، وذكر له مصنفات في الحديث، منها: «السنن»، و «المسند»،
стр. 16
و «الناسخ والمنسوخ». وتوفي ﵀ سنة ستة عشر وثلاث مئة، وانظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» (١).
ومن آثاره هذه المنظومة المشهورة ب «الحائية» أو «منظومة ابن أبي داود»، وهي ثابتةٌ عنه ثبوتًا قطعيًا، حتى قال الذهبي في كتاب «العلو»: «هذه القصيدة متواترة عن ناظمها» (٢)، وكأنه يرد على مَنْ يُشكِّكُ في نسبتها، ولعلها إن لم تكن أول نظم في العقيدة فلا شك أنها من أول هذا النوع من النظم (٣)، فإن أهل العلم لما قامت حركةُ التأليف وحركة الجهاد باللسان والرد على المبتدعين؛ ألَّفوا في ذلك المؤلفات الكثيرة، ومعظمها يعنى بجمع الأدلة من الكتاب والسنة مع بعض الشرح والتعليق.
ومن الأساليب: تأليف بعض العلوم بالنظم، وهذا منهجٌ تطور وتوسع كثيرًا، حتى إن بعض كتبِ الفقه نُظمَت بالآلاف؛ كمنظومة ابن عبد القوي (٤)، وفي العقيدة كذلك منظومات كثيرة طويلة وقصيرة،
стр. 17
وأعظمُ وأطولُ نظم في العقيدة «الكافية الشافية» -القصيدة النونية- للإمام ابن القيم ﵀، والتي تقرب من ستة آلاف بيتٍ كلها في عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد ضمَّنها خلاصة كتابيه «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» وكتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح».
وهذه المنظومةُ التي نحن بصددها قصيرةٌ لا تتجاوز أبياتها أربعين بيتًا تقريبًا، ولكنها تضمنت تأصيلًا لعقيدة أهل السنة والجماعة، وتنصيصًا على جملةٍ من مسائل العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة، ومع هذا الاختصار لا يمكن إلا أن يكون على وجه الإجمال.
وقد صدَّر الناظم ﵀ قصيدته بوصايا عامة خاطب بها طالبَ العلم أو كلَّ مسلمٍ.
* * *
стр. 18
١. تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ واتَّبِعِ الهُدَى … ولا تَكُ بِدعِيًّا لَعَلَّكَ تُفْلِحُ
٢. ودِنْ بكتابِ اللهِ والسُّنَنِ التي … أتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُ (١) وتَرْبَحُ
افتتح الناظم هذه القصيدة ب وصايا عامة تضمنها البيتان الأوَّلان:
الأولى؛ قوله: (تمسَّك بحبل الله) أي: اعتصم بحبل الله، واشدُد يديك به، والتعبيرُ بالتمسُّك مناسبٌ لذِكر الحبلِ، والحبلُ المراد به: القرآنُ أو دينُ الإسلامِ، واللهُ تعالى قد أطلق ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (٢)، والقرآنُ سُمِّي حبلًا؛ لأنَّ الحبلَ هو السببُ الذي يُتعلَّقُ به حسًّا، ويُتَمسَّك به طلبًا للنجاة من الوقوع في الهاوية، فإطلاقُ الحبل على القرآن إطلاقٌ معنوي، فكتابُ اللهِ ودينُ اللهِ هو حبله، وهذا عند أهل اللغة من نوع المجاز-على القول بالمجاز وهو المشهور- وفيه تشبيهٌ للإسلام والقرآن بالحبل، فيكون من قبيل المجازِ الذي علاقته المشابهة، وهو الاستعارة.
وقوله: (تمسَّك) فيه تأكيدٌ لهذا التشبيه، وقد قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾
стр. 19
[الأعراف]، فذكر اللهُ التمسُّكَ، والتمسُّكُ بحبل الله يكون بالإيمان به، والعمل به تصديقًّا لأخباره، وعملًا بشرائعه.
فهذه وصيةٌ جامعةٌ عامةٌ، في كلِّ أمرٍ من الأمور، في مسائل الاعتقاد، وأحوال القلوب، وأعمال الجوارح، وفي جميع الأحوال وفي كل زمان ومكان تمسَّك بحبل الله.
الثانية؛ قوله: (واتَّبع الهدى): أي: الهدى الذي أرسل الله به رسوله، وهو العمل النافع المستمد من كتاب الله وسنة رسوله؛ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة]. واتِّباعُ الهدى يكون بمعرفته والعمل به، والهدى: هو ما أنزله اللهُ تعالى على رُسُلِه، وأعظَمُه وأهمُّه -وهو الذي فرضه الله علينا- اتِّباع الهدى الذي جاء به محمدٌ ﷺ ، فمنذ أهبط اللهُ تعالى آدمَ ﵇ وهو ينزل على عباده الهدى الذي يهتدون به، وضَمِن لمَن اتبعه النَّجاةَ من الضَّلال والشقاء، كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه].
فقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ عامٌّ، فاللهُ يُبيِّنُ طريقَ النَّجاة للبشرية من أوَّلها منذ أهبط آدم ﵇.
فكلُّ الرُّسلِ جاؤوا بالهدى من عند الله، وقد جاؤوا بالدعوة إلى التوحيد والأعمال الصالحة، والنهي عن الشرك والقبائح، فهذا هو دينُ الله الذي بعث به الرسل من أوَّلهم إلى آخرهم، وأكملُه وأعظمُه ما بعث به خاتمَ النبيين وسيدَ ولد آدم نبينا محمدًا ﷺ .
стр. 20
واتباعُ الهدى هو سبيلُ السعادة، وبه يحصل الاهتداء، فمَن اتَّبع هدى الله فهو من المهتدين، ومَن اهتدى كان مهتديًا لنفسه، قال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥].
واتِّباعُ الهدى والتمسُّك بحبل الله مؤدَّاهما واحدٌ، لكن كل لفظةٍ لها دلالةٌ، وهذا كثيرٌ، فالشيءُ الواحدُ قد تكون له أسماء متعددة، والمسمَّى واحدٌ، لكن لكلِّ واحدٍ من تلك الأسماء دلالاتٌ، كما في أسماءِ الرسولِ ﷺ ، وأسماءِ القرآنِ، بل وأسماءِ الربِّ .
فالتمسُّكُ بحبل الله يتضمَّنُ اتِّباعَ الهدى، واتِّباعُ الهدى يتضمَّنُ التمسُّكَ بحبل الله، لكن اتِّباع الهدى فيه معنى الاقتداء، والسير في الطريق على بصيرة، والتمسُّك بالحبل يتضمَّنُ شدة تعلُّق القلب بكتاب الله علمًا وعملًا، وأخذه بقوة طلبًا للنجاة من عذاب الله، وكل إنسانٍ أحوج ما يكون إلى هذين الأمرين: إلى الهدى الذي يعصم من الضَّلال، وإلى النَّجاة التي بها الفلاح والعصمة من الشقاء، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه]، فتكفَّلَ اللهُ لمَن اتبعَ هداه بأن لا يَضِلَّ ولا يشقى؛ فلا يضل في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يشقى في الدنيا ولا في الآخرة.
فهناك تلازمٌ بين التمسُّك بحبل الله واتِّباع الهدى، فكلٌّ منهما يستلزم الآخر، لكن كلٌّ منهما له دلالةٌ كما تقدم، فمَن تمسَّك بحبل اللهِ نجا من الهَلَكةِ، كما ينجو مِنْ السقوط في الهاوية مَنْ تمسَّك بالحبل الحسِّي، واتِّباعُ الهدى يوصل إلى المطلوب ويُحقِّقُ السلامةَ من
стр. 21
الضَّلال، فمَن حقَّقَ الأمرين أفلح، ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة].
الثالثة؛ قوله: (ولا تكُ بدعيًا): أي: لا تكن من أهل البدع الخارجين عن السنة المتبعين لأهوائهم؛ المعنى: جانب طريق المبتدعين، واسلك طريق المتبعين لتكون من المفلحين، ولهذا قال: (لعلك تُفلح)؛ أي: راجيًا أن تفلح أو من أجل أن تفلح، فلعل تحتمل في مثل هذا السياق الترجي والتعليل؛ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ [البقرة] (١).
وقوله: (ولا تكُ): فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بلا الناهية، فيجوز في اللغة أن تقول: ولا تكُ، ويجوز أن تقول: ولا تكن، وقد جاء في القرآن قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾ [النمل: ٧٠]، فجائزٌ هذا وهذا (٢)، والنَّاظمُ آثر حذفَ النُّون مراعاةً للنظم؛ إذ لا يستقيمُ الوزن مع إثبات النون، فهذه القصيدةُ من «بحر الطويل» من بحور الشعر، وتفاعيله: «فعولن مفاعيلن»، أربع مرات (٣).
وقوله: (بدعيًا): نسبةً إلى البدعة، أي: لا تكن مبتدعًا فتكون من أهل البدعة.
стр. 22
والبدعةُ هي ما أُحدِث في الدِّين وليس منه، على حَدِّ قوله ﷺ : «مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (١)، وقوله ﷺ : «إنَّ أحسنَ الحديث كتابُ الله، وأحسن الهدي؛ هدي محمَّد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها» (٢).
وهذه الوصيةُ الثالثةُ من النَّاظم فيها تأكيدٌ لمَا قبلها، فإنَّ اتِّباعَ الهدى هو اتِّباع ما جاء به الرسول ﷺ ، واتِّباعُ الهدى والتمسُّك بكتاب الله فيه العصمةُ من الضَّلال، لكنَّ هذه الوصية وإن كانت داخلة ضمن ما سبق ففي التنصيص عليها تحذيرٌ، واللهُ تعالى يجمع في كتابه بين الأمر بالشيء والنهي عن ضده؛ كقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١)﴾ [الشعراء]، وقول موسى لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف].
فقوله: (ولا تكُ بدعيًا): أي: كن سُنِيًّا؛ متَّبعًا لسنَّةِ النبي ﷺ .
فضدُّ البدعي السُّنيُّ، فهما رجلان:
بدعيٌّ؛ أي مبتدعٌ، ينتحل بدعة من البدع، إمَّا قَدَريٌّ، أو مُرجئٌ، أو خارجيٌّ، أو غير ذلك.
وسنِّيٌ وهو المعتصم بالسنَّة.
стр. 23
وقد افترق الناسُ في هذه الأمَّة كما أخبر النبيُّ ﷺ فِرقًا شتَّى، كما في قوله ﷺ : «تفترقُ أمتي على ثلاثٍ وسبعين مِلَّةً كلهم في النار إلَّا ملَّة واحدة»، قالوا: ومَن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (١).
وفي حديثٍ: «هي الجماعة» (٢) فهي الجماعةُ المجتمعةُ على الحق الذي جاء به رسول الله ﷺ (٣).
فالناسُ بين سنِّيٍّ وبدعيٍّ، فمَن سلك طريقَ السَّلفِ الصالح من الصحابة والتابعين فهو من أهل السنَّة، ويتبين هذا بمعرفة مذهب أهل السنَّة، وجِمَاعُه الإيمانُ بالأصول الستَّة، قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀: «هذا اعتقادُ الفرقةِ النَّاجيةِ المنصورةِ إلى قيام الساعة -أهل السنَّة والجماعة- وهو الإيمانُ بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره» (٤)، فهذه أصولُ اعتقادِ أهلِ السنة.
والمبتدعةُ لا بدَّ أن يُخالفوا في شيءٍ من هذه الأصول.
وبدعهم نوعان:
стр. 24
بدعٌ اعتقاديةٌ، وبدعٌ عمليةٌ.
وأخطرُها البدعُ الاعتقاديةُ، وهي أسبقُ في الأمَّة من البدع العملية من حيث الوقوع، ومن أمثلة البدع الاعتقادية: أصولُ البدع؛ كبدعةِ القدر؛ وهي نفيُ القدر، وبدعةُ الخوارج؛ وهي التكفيرُ بالذنوب، وبدعةُ الرافضة؛ وهي الغلو في آل البيت، ولا سيما في علي ﵁، وبدعةُ الإرجاء؛ وهي تأخيرُ الأعمالِ عن مُسمَّى الإيمان، فهذه كلُّها بدعٌ اعتقاديةٌ.
ومن البدع الكبيرة المتأخرة: بدعةُ التعطيل؛ وهي نفيُ أسماءِ الربِّ وصفاته، وهذه بدعةٌ من أقبح البدع، وهي أكبرُ مما قبلها، ولهذا تأخَّر ظهورها، فلم تظهر في الأمَّة الإسلامية إلا في أوائل القرن الثاني، بخلاف البدعِ الأولى فقد جاءت في النصف الأولِ، بل وقبل النصف الأوَّل من القرن الأوَّل، في عصر خلافةِ النبوة، فقد ظهرت بدعةُ الخوارج وبدعةُ الرافضة في خلافة عليّ ﵁.
وقد قال شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إنما يظهر من البدع أولًا ما كان أخفى (١)، وكلَّما ضعف مَنْ يقومُ بنور النبوةِ قويت البدعةُ» (٢)، فالبدع إذا كانت أظهرَ فسادًا وبطلانًا تأخر خروجها، ولهذا تأخر ظهور بدعة التعطيل.
стр. 25
قال النَّاظمُ ﵀ بعد هذه الوصايا الثلاث: (لعلَّك تُفلح): أي: رجاءَ أن تُفلح.
وتفسير لعل بمعنى التعليل في القرآن أكثر.
وإذا فُسِّرت بمعنى الرجاء يكون المعنى: راجين أن تفلحوا، أو رجاء أن تفلحوا أو تتقوا (١).
والفلاحُ: هو الفوزُ والظَفَرُ بالمطلوب، ويُفسَّر في اللغة بمعنى الخُلُود (٢)، والخلودُ في النعيم من تمام الفوز العظيم، وقد علَّق اللهُ تعالى الفلاحَ على جملةٍ من الأعمال الصالحة في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور]، وقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران].
ووصف اللهُ المؤمنينَ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بالله وكتبه وباليوم الآخر بهذا الوصف، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة].
والناظمُ ذكرَ في هذا البيت طريقَ الفلاحِ على سبيل العموم فقال: (تمسَّك بحبل اللهِ، واتبع الهدى، ولا تك بدعيًا)، فذلك طريقُ الفلاح.
стр. 26
الرابعة؛ قوله: (ودِنْ): فعلُ أَمرٍ، مِنْ دَانَ يَدينُ، بمعنى خَضَعَ وذَلَّ وتعبد (١).
والفعل: «دان» منه الدِّين، ويُطلَقُ على معانٍ كثيرةٍ منها: الشريعةُ، والمِلَّةُ، والطَّاعةُ، والجزاءُ والحسابُ، كما في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾؛ أي: يوم الجزاء، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾ [الانفطار]
وأكثرُ ما يُطلَقُ عليه اسم الدِّين في القرآن: الملَّةُ التي يدينُ بها العبدُ ويسلك على مقتضاها، سواء كانت حقًا أو باطلًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (١٩)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون] (٢).
فالدِّينُ هنا: ما يتديَّنُ الإنسانُ به، ويتعبَّدُ به، وهو نوعان: دينٌ حقٌّ، ودينٌ باطلٌ.
فدينُ اللهِ الحقُّ: هو الإسلامُ، وضدُّه: أنواع الكفر، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ إلى قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون].
ودِينُ اللهِ هو الدِّينُ الذي بعث به رُسلَه من أوَّلهم إلى آخرهم، قال ﷺ : «الأنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّات أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (٣).
стр. 27
وقول الناظم: (بكتابِ اللهِ): أي: تعبَّدْ بكتابِ اللهِ، واخضعْ للهِ بالإيمان بكتابه.
وكتابُ اللهِ هو القرآنُ، وله أسماء كثيرةٌ منها: الكتابُ، والذِّكرُ، والفرقانُ، والتنزيلُ، والهدى، والنُّورُ (١)، وكلُّ اسمٍ له دلالةٌ، وقد فُسِّرَ (الصراط) بالقرآن في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، فالقرآنُ هو الصراطُ المستقيمُ، وهو الذكرُ الحكيمُ، وهو النُّورُ المُبينُ.
وقد عبَّرَ الناظمُ بالكتاب، واللهُ تعالى سمَّى القرآن: (كتابًا) في آياتٍ كثيرةٍ منها قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، وقوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الزخرف]
فالكتابُ في هذه الآيات هو القرآنُ، وقد يأتي اسمُ الكتابِ في القرآن لمعانٍ أُخرى منها:
حكمُ الله: كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦]
ويُطلَقُ على أمِّ الكتاب، أو الكتابِ الأوَّلِ، وهو كتابُ المقادير، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام]، فذاك هو كتابُ القَدَرِ (٢).
стр. 28
ويدخل في التَّديُّنِ أو الدين بكتاب الله: الإيمانُ بكتابِ اللهِ، والعلمِ بكتابِ الله، والعملِ به.
ف (دِنْ بكتابِ اللهِ): إيمانًا وعلمًا وعملًا.
وقوله: (والسُّننِ التي أَتَتْ عن رسولِ اللهِ)؛ أي: ودن بالسنن التي أتت عن رسول الله، والسُّننُ: جمعُ سُنَّةٍ، وهي في اللغة: الطريقةُ (١)، والمراد بها: سُنَّةُ النبيِّ ﷺ ، وهي الطريقةُ التي جاء بها وسار عليها، وتتناولُ ثلاثةَ أمورٍ عند أهل العلم: أقوالُ رسولِ الله ﷺ وأفعالُه وتقريراتُه.
وسنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ المُطْلقةُ شاملةٌ لأقوالِه وأفعالِه وتقريراتِه، وإذا أُريدَ بيانُ شيءٍ معيَّنٍ منها يُقيَّدُ، فيقال: سنَّةُ الرسولِ في كذا، سنَّتُه في الصلاة، وسنَّتُه في الركوع، وفي السجود، وهكذا.
ولهذا يُقال لكتب الحديث: «كتبُ السنَّةِ»، وإذا اعتبرنا متعلقات سنَّةِ الرسولِ المتعددةِ من الأقوال والأفعال والاعتقادات؛ قلنا: السُنن، ولهذا بعضُ مَنْ صنَّفَ في السنَّةِ سمَّى مصنَّفَه السُّنن؛ كسُننِ أبي داود، وسُننِ النسائي، وغيرهما، والمعنى أنَّ هذا المؤلَّفَ تضمَّنَ ذِكرَ سُننِ الرسولِ ﷺ في أمور الدِّين (٢).
ولمّا كان الرسولُ ﷺ هو الذي يُبيِّنُ للنَّاس ما نزَّل اللهُ من وحيه، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل]، ناسبَ عطفَ الناظمِ السُّننَ على الكتاب.
стр. 29
فقال: (والسُّنن)؛ والمعنى: دِنْ أيضًا بسنَّة الرسول ﷺ ، أي لا بدَّ من: الإيمانِ بالكتابِ والسنَّةِ، والعلمِ بهما، والعملِ، فلا يجوز الاقتصارُ على القرآن، بل لا يُمكِن؛ لأنَّهما مصدران لدينِ الله، وللعلمِ النَّافع، وكلاهما -الكتابُ والسنَّةُ- وحيٌ مُنَزَّلٌ من عند الله بنصِّ كتاب الله، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]. وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]. والحكمةُ هي السنَّةُ (١)، وهي قرينةُ القرآنِ في القرآن، كما أنَّ الزكاةَ قرينةُ الصلاةِ في القرآن والسنَّة.
والنَّصُّ على السنَّةِ وبيانُ أنَّها حقٌّ، وأنَّه يجب الإيمانُ بها واتِّباعُها؛ مُستفيضٌ في القرآن، فمَن أَنكرَ السنَّةَ فهو كافرٌ، ومَن أَنكرَ العملَ بها وقال: لا نؤمنُ ولا نعملُ إلَّا بالقرآن؛ فهو كافرٌ، ولا يمكن العملُ بالقرآن إلَّا مع الأخذِ بالسنَّةِ، فالسنَّةُ مُفسِّرةٌ للقرآن، مُبيِّنةٌ له، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]
فاللهُ فرضَ الصلاةَ في آياتٍ وبيِّن بعضَ أحكامها القليلة، وإنما عُلمت أحكامها تفصيلًا من السنَّة، فالرسولُ ﷺ بيَّنَ كيفيةَ الصلاة وقال: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» (٢)، وقلْ مثلَ ذلك في الحج، وكذلك في سائر الشعائرِ والأحكامِ التي جاءت في القرآن مُجملةً، وجاءت السنَّةُ ببيانِها وتفصيلِها.
стр. 30
وقوله: (التي أتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ): صفةٌ توضيحيةٌ، والنعتُ قد يأتي صفة مُؤسِّسَة، وهي التي يكون لها مفهومٌ، يُقصد به الاحتراز من شيءٍ آخرَ، وأحيانًا يأتي لمحضِ التوضيح؛ كقول النَّاظم هنا: (التي أتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ)، فهو لِمَا قال: (ودِنْ بكتابِ اللهِ والسُّننِ) يتبادرُ إلى فهم المسلمِ أنَّ المرادَ سُننُ رسولِ الله ﷺ ، لكن جاء قوله: (التي أتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ) زيادةُ توضيحٍ، والمقصودُ بقوله: (أتَتْ): جاءت عن رسول الله ﷺ وثبتت بصيغةِ الجزمِ، ولهذا لم يقل: السُّننِ التي رُويت، أو نحو هذا، فهناك فرقٌ بين: أتت ورُوِيَت؛ لأنَّ نسبةَ الحديثِ إلى رسول اللهِ ﷺ إمَّا أن تكون بصيغةِ الجزمِ، أو بصيغةِ التمريضِ المشعرةِ بالضَّعْفِ، فلا يجوز أن تقول: قال رسولُ الله، أو: ثبت عن رسول الله إلَّا فيما صحَّ، وقد تكون لفظةُ «جاء» أو «أتى» أقلَّ في الجزم، لكن «رُوي»، و «ذُكر» ونحوهما يُسمونها صيغةُ تمريضٍ، فيقولون: يُذكَرُ عن النبيِّ ﷺ ، ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ ، ليُشعِروا بالضَّعف، والرسولُ المرادُ به: محمدٌ ﷺ ، وإذا أُطلِق الرسول أو رسولُ اللهِ في كلام المسلمين؛ فالمراد: محمَّد ﷺ خاتم النبيين.
والفرقُ المشهورُ بين النبيِّ والرسولِ: أنَّ النبيَّ مَنْ أُوحيَ إليه بشرعٍ ولم يؤمرْ بتبليغِه، والرسولُ: مَنْ أُوحيَ إليه بشرعٍ وأُمرَ بتبليغِه (١).
وهذا الفرقُ على شهرته غيرُ مُستقيمٍ، فإنَّ وصفَ النبيِّ بما ذُكر يقتضي أنه لا يُعَلِّمُ ولا يأمرُ ولا ينهى ولا يُبلِّغُ، وهذا غيرُ صحيحٍ، بل الأنبياءُ أرسلهم اللهُ يحكمون بين النَّاس، ويُعلِّمونَ النَّاسَ، ويأمرونهم
стр. 31
بالمعروفِ وينهونهم عن المنكرِ، كما قال اللهُ تعالى في أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]
ويدل على أنَّ الأنبياءَ لهم حظٌّ من الإرسال، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢].
فالنبيُّ مُرسَلٌ مُكلَّفٌ مأمورٌ بأن يُعلِّمَ ويدعو ويأمرَ وينهى (١) ويبلغ، والفرقُ السديدُ ما ذكره شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية في كتاب «النبوات»؛ وهو أنَّ الرسولَ -بالمعنى الخاص-: مَنْ أُرسلَ إلى قومٍ مُكذِّبين، والنبيَّ: مَنْ أُرسلَ إلى قومٍ مؤمنين يُعلِّمُهم ويُذكِّرُهم ويحكمُ بينهم كما في الآية (٢).
وأمَّا قولُ الناظم: (تَنْجُ وتَرْبَحُ): فهو جوابُ الأمر في قوله: (ودن)، وفيه بيان جزاء من دان بالكتاب والسنة، وهو النجاة والربح، من جنس قوله: (لعلَّكَ تُفلح)، والفعلُ المضارعُ إذا وقع جوابًا للطلب جاز فيه الجزمُ والرفعُ (٣)؛ تقول: اتقِّ اللهَ تفلحْ، أو: اتقِّ الله تفلحُ، فيصحُّ هذا وهذا، والنظمُ اقتضى الرفعَ فقال: (تَنْجُ وتَرْبَحُ).
стр. 32
والنَّجاةُ: الخلاصُ من المهالك والشرور. والربحُ: ضدُّ الخُسران. وكلاهما -أعني النَّجاة والرِّبحَ- مطلبٌ، وبهما تتحقَّقُ السَّلامةُ من الشَّقاء.
ولا يخفى أن مضمونَ البيتِ الثاني يندرجُ في البيت الأول، لكنه في الحقيقة كالتفسير للبيت الأول فإن التمسك بالكتاب والسنة هو التدين بهما علمًا وعملًا، وهذان البيتان تضمَّنا وصايا عامَّةً جامعةً، وما بعدهما وصايا تفصيلية تتعلَّقُ بمسائل خاصة مندرجةٍ في هذه الوصايا العامة، فكأنَّ الناظمَ صدَّرَ هذه المنظومةَ بهذه الوصايا العامةِ في هذين البيتين تمهيدًا يُبيِّنُ فيه الأصلَ الذي ينبني عليه ما سيذكره من مسائل في العقيدة تفصيلًا.
والناظمُ ذكرَ جملةً من الوصايا التفصيليةِ في اعتقاد أهلِ السنَّةِ اقتضى التنصيصُ عليها دون غيرها ما حدث في عصره، والأصلُ الذي قرَّره في الأبيات السابقةِ يُبيِّنُ المنهجَ السلفيَّ السنيَّ إجمالًا، المضاد لما أحدثه الناسُ من بدع في الاعتقاد، ولذا قال:
* * *
стр. 33
٣. وقُلْ غيرَ مخلوقٍ كلامُ مَلِيكِنَا … بذلك دانَ الأتقِيَاءُ وأَفْصَحُوا
٤. ولا تَكُ في القرآنِ بالوقْفِ قائلًا … كما قالَ أتباعٌ لجهمٍ وأسْجَحُوا
هذان البيتان تضمَّنا الوصيةَ بعقيدةِ أهل السنة في كلامِ اللهِ وفي القرآنِ، والتحذيرَ من بعض مناهجِ المبتدعةِ.
وبدأ ﵀ بنفي خَلقِ القرآنِ؛ لأنَّه أشهرُ ما وقع فيه الخوضُ والجدلُ بين أهل السنَّةِ ومُخالفيهم، ولاسيَّما في زمانه.
ففتنةُ القولِ بخلق القرآنِ كانت فتنةً عظيمةً، والقولُ بخلق القرآنِ قديمٌ، وأَوَّلُ مَنْ ابتدعه الجعدُ بنُ دِرهم، وأَخذَهُ عنه الجهمُ بن صفوان، الذي حملَ لواءَ هذه البدعةِ ونشرها؛ فاشتُهرَ بها واشتُهرتْ به، ولم تزل تتفاقمُ هذه البدعةُ وتشتهرُ، ويضلُّ بها المفتونون، ويتصدَّى الأئمةُ لقمعها ومحاربتِها والتحذيرِ منها ومن أهلها؛ حتى جاء عهدُ الخليفةِ العباسي المأمون، فأحاطت به المعتزلةُ واعتنق مذهبَهم في القرآن، فحمل الناسَ عليه وامتحنَهم به، فعظُمت المحنةُ، وابتُلي العلماءُ، وتأوَّلَ مَنْ تأوَّل، وافتُتِنَ مَنْ افتُتن، وثَبَّتَ اللهُ مَنْ ثبَّت، وأعظمُ مَنْ ثَبَتَ في المحنة: الإمامُ أحمدُ بن حنبل ﵀، فلم يُداهن في دين اللهِ، ولم يتأوَّل، بل ثبتَ على القول بأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ غير مخلوقٍ، وردَّ على المبتدعة وناظرهم وبيَّنَ أنَّ القولَ بخلقِ القرآنِ بدعةٌ منكَرةٌ، لم تأتِ في كتاب اللهِ تعالى، ولا سنَّةِ رسولِه ﷺ ، ولا قائلَ بها من سلف الأمَّةِ، بل
стр. 34
هي باطلٌ مبنيٌّ على باطلٍ، فالقولُ بخلقِ القرآنِ مَبنيٌّ على نفي كلامِ الربِّ وهذا باطلٌ.
فالناظمُ ﵀ بدأ بالنصِّ على ما يجب اعتقادُه في كلام اللهِ وفي القرآن، وحذَّرَ من بدعة الجهميةِ فيه.
فقال: (وقل غير مخلوق): وهذا إرشاد لكل طالبٍ للحق بأن يذهبَ مذهبَ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، فيقولَ ما قالوه في كلام الله: (غير مخلوق كلام مليكنا)، بل هو كلامُ اللهِ المنزَّلُ.
وقوله: (كلام مليكنا): تعبيرٌ بالأعمِّ، فالفرقُ بين كلامِ اللهِ والقرآنِ، أنَّ كلامَ اللهِ أعمُّ من القرآن، فكلامُ اللهِ يشمل ما سبق ممَّا أنزله في الكتب المتقدمة، فالتوراةُ والإنجيلُ والقرآنُ كلُّها كلامُ الله، وتكليمُ اللهِ لموسى، وخطابُه الملائكة، ونداؤُه الأبوين، كلُّ ذلك داخلٌ في كلام الله؛ فاللهُ تعالى لم يزل يتكلَّم بما شاء كيف شاء إذا شاء، والقرآنُ من كلام اللهِ.
فقولُ الناظمِ: (وقل غير مخلوق كلام مليكنا): يشمل القرآنَ وسائرَ الكتبِ، بل يشمل سائرَ ما يتكلَّمُ اللهُ به، وكلامُ اللهِ مطلقًا غيرُ مخلوقٍ، خلافًا للجهميةِ والمعتزلةِ، ومَن يقول: إنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ؛ يقول: إنَّ القرآنَ مخلوقٌ، وخطابُ اللهِ لموسى مخلوقٌ، فالمعتزلةُ تقول: إنَّ اللهَ كلَّم موسى بكلام مخلوق، خلقه في الشجرة، فالله خلق كلامًا في الشجرة سمعه موسى (١)، فالله عندهم إذا أراد أن يكلِّم أحدًا خَلَقَ كلامًا،
стр. 35
ولا يقوم الكلام به، وهذا مع أنه باطل في الشرع فهو مخالف للعقل، فمن الباطل عقلًا أن يُوصف شيءٌ بكلامٍ لم يقم به، فلا يقال: إنَّه متكلِّم بكلامٍ قام بغيره، فهذا غيرُ معقول، وإنَّما يُضاف الكلام إلى من قام به الكلام، ولا يقال لشيءٍ إنَّه متكلِّمٌ إلَّا بكلامٍ قام به، فلا يوصَف أحد بكلامٍ قام بغيره، وعلى مذهب المعتزلة إذا قيل: إنَّ اللهَ تعالى متكلِّمٌ؛ فالمعنى: أنه يخلقُ كلامًا لا يقول كلامًا، والقرآنُ عندهم كلامُ اللهِ مخلوقٌ من جملة المخلوقات فإضافته إليه إضافة مخلوق إلى خالقه كإضافة البيت والناقة، وليس هو كلامًا تكلم الله به، وقام به، فالكلامُ على قولهم ليس صفةً قائمةً به سبحانه عما يقول الظالمون والجاهلون علوًا كبيرًا.
أمَّا أهلُ السنَّةِ، فيقولون إنَّ: «القرآنَ كلامُ اللهِ مُنزَّلٌ غير مخلوقٍ، منه بدأَ وإليه يعود … وهو كلامُ اللهِ حروفُه ومعانيه، ليس كلامُ اللهِ الحروفَ دون المعاني، ولا المعانيَ دون الحروف» (١).
فاللهُ تكلَّمَ بالقرآن حقيقةً وأَنزله من عنده، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر]، وقال سبحانه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت]، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، فابتداءُ نزولِ القرآنِ من الله، لا مِنْ سواه سبحانه، واللهُ هو المتكلِّمُ به ابتداءً ليس غيره.
ولهذا قال الناظمُ: (كلام مليكنا)، فنفى عنه الخلقَ، وأضافه إلى قائله سبحانه.
стр. 36
والمليكُ: اسمٌ من أسماء اللهِ، فمِن أسمائِه تعالى: الملكُ والمليكُ، قال اللهُ تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ (٥٥)﴾ [القمر]
وبعد أن بيَّنَ الناظمُ القولَ في كلام الله قال: (بذلك دان الأتقياء): يريدُ أهلَ السنَّةِ والأئمة، فكلُّهم دانوا بذلك، أي آمنوا به، (وأفصحوا) فأعلنوه وصرَّحوا به.
وهذا سبيلُ المتقين، الذين اقتَفَوا أثرَ الصحابةِ والتابعين، واجتَنَبُوا طريقَ البدعةِ والمُحْدِثين، فتلك عقيدتُهم في القرآن، وفي كلام الله عمومًا.
وقد اضطربَ المبتدعة في كلام اللهِ على مذاهبَ (١)؛ منها:
مذهبُ الجهميةِ والمعتزلة.
وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ، وإنَّه تعالى لا يقوم به الكلامُ، لا لفظُه ولا معناه، تعالى اللهُ عن قولهم علوًّا كبيرًا.
وهذا راجعٌ إلى أصلهم الباطلِ: وهو نفيُ صفاتِ الربِّ مطلقًا، فإنَّهم ينفون عن الله أن تقومَ به الصفاتُ، فلا يقوم به علمٌ ولا سمعٌ ولا بصرٌ ولا كلامٌ، ولا غيرُ ذلك، ويزعمون أنَّه لو قامت به الصفاتُ لكانت قديمةً، وإذا كانت قديمة لَلَزِمَ تعدُّدُ القدماءِ، فيلزم من ذلك تعدُّدُ الآلهة، وهذا تلبيسٌ من الشيطان عليهم، فاللهُ -تعالى- واحدٌ بصفاته، فتعدُّدُ الصفاتِ لا يلزم منه تعدُّدُ الآلهة، وصفةُ الإله لا يُقال لها: إلهًا، كما أنَّ صفةَ النبيِّ ليست نبيًا.
стр. 37
وهذه الشبهة وجوابها مذكور في القاعدة السادسة من الرسالة «التدمرية» لشيخ الإسلامِ ابنِ تيمية (١)؛ وقد ذكر ﵀ شُبَهَ النفاةِ وأجاب عنها.
المذهبُ الثاني: مذهبُ الكُلَّابيةِ والأشاعرةِ.
وهم أتباعُ أبي محمد عبدِ الله بن سعيد بن كُلَّاب، وهو أحد المتكلِّمينَ المنتسبينَ إلى السنَّةِ، وكان يردُّ على المعتزلة، وعلى منهجه درجَ أبو الحسنِ الأشعري، وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ الله معنىً نفسي قائمٌ بذاته، ليس بحرفٍ ولا صوتٍ، وإنه قديمٌ لا تتعلَّقُ به المشيئةُ.
لكن ابن كُلَّابٍ يقول: إنَّه أربعةُ معانٍ: أمرٌ، ونهيٌ، وخبرٌ، واستخبارٌ، وأمَّا الأشعريُّ في المذهب المشهورِ الموروثِ عنه فيقول: إنه معنىً واحدٌ لا تعدُّدَ فيه، وهو قديمٌ لا تتعلَّقُ به المشيئةُ، وهو معنىً نفسيٌّ ليس بصوتٍ ولا حرفٍ، وهذا هو مذهبُ الأشاعرةِ الذي يتكلَّمون به ويُقرِّرونه.
ومذهبُ الكُلَّابيَّةِ والأشاعرةِ قريبان في المعنى.
والمذهبُ الثالثُ: مذهبُ السَّالميةِ (٢).
وهو أيضًا من جنس مذهبِ الكُلَّابيةِ والأشاعرةِ، فهم ينتسبون إلى السنَّةِ ويخالفون المعتزلةَ، وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ اللهِ قائمٌ به، وهو
стр. 38
بحرفٍ وصوتٍ، ولكنه قديمٌ كله لا تتعلَّقُ به المشيئةُ، ولا يحدثُ منه شيءٌ بعد شيءٍ.
فهم يتفقون مع الأشاعرة على أنَّ كلامَ اللهِ قديمٌ، وأنَّه لا تتعلَّقُ به المشيئةُ، لكن هؤلاء السالمية يقولون: إنَّه حروفٌ وأصواتٌ قديمةٌ، وأولئك يقولون: إنَّه معنىً واحدٌ لا تعدُّدَ فيه، وليس بحرف ولا صوت.
وأمَّا المذهبُ الرابعُ: فمذهبُ الكرَّامية.
وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ اللهِ قائمٌ به، وإنَّه بحرفٍ وصوتٍ، وإنَّه يتكلَّمُ إذا شاء بما شاء، لكنهم يقولون: إنَّ الله تعالى صار متكلِّمًا بعد أن لم يكن، فجنس كلامِه حادثٌ، وهذا باطل عقلًا وشرعًا، ولا يخفى أن كل هذه المذاهب مخالفةٌ للعقل والشرع، ومتضمِّنةٌ تنقُّصَ ربِّ العالمين سبحانه، ولأصحابها شُبهاتٌ ومناقشاتٌ واستدلالاتٌ موجودة في الكتب المبسوطةِ ك «شرح الطحاوية»، وقد ذكر فيه مذاهب كثيرة في كلام الله (١)، وهذه المذكورةُ أشهرُها.
وأمَّا المذهبُ الخامسُ: فهو مذهبُ أهلِ الحقّ، أهلِ السنَّةِ والجماعة.
القائلين بأنَّ اللهَ -تعالى- لم يزل يتكلَّمُ بما شاء إذا شاء كيف شاء، وأنَّ كلامَه صفةٌ له قائمةٌ به، وأنَّه بحرفٍ وصوت، يُسمعه مَنْ شاء من
стр. 39
عباده، كما سمع موسى ﵇ كلامَ اللهِ، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، وسمع الأبَوَان نداءَه-سبحانه-: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ [الأعراف]، وسمعت الملائكةُ كلامَه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وهكذا جبريلُ ﵇ سمع القرآنَ من اللهِ وبلَّغه لمحمَّدٍ ﷺ ، ويقولون: إنَّ الله لم يزل يتكلَّم، فليس لجنسِ كلامِ اللهِ بدايةٌ، أمَّا تكليمُه موسى ﵇ فهو من آحاد كلامِه تعالى عندما جاء لميقات ربِّه؛ فليس بقديمٍ؛ بل هو حادثٌ، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فكلامُ اللهِ قديمُ النوعِ حادثُ الآحادِ، آحادُه مُتجدِّدةٌ تبعًا لمشيئته (١).
ويقولون: إنَّ كلامَ اللهِ -تعالى- لا يُحصى، وكلماتُه لا تنفد: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف]، وكذلك الآيةُ في سورة لقمان: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان].
وكلامُ اللهِ يكون خبرًا ويكون طلبًا وإنشاءً، وكلماتُ اللهِ منها:
كلماتٌ كونيةٌ بها يُكَوِّن الأشياء.
وكلماتٌ شرعيةٌ تتضمَّنُ الأحكامَ؛ وهي أوامرُه ونواهيه، وأخباره في كتبه المنزَّلةِ كالقرآن، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام]
стр. 40
هذا هو مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ في كلام اللهِ تعالى.
وأمَّا القرآنُ فلا يوصَفُ بالقِدَمِ لأنه من آحاد كلام الله، فعُلِم أن وصف القرآن بالقِدم خطأٌ، ومع ذلك قد يقع في كلام بعض المنتسبين لأهل السنة.
ثم بعدما ذكرَ الناظمُ ﵀ المذهبَ الحقَّ في كلام اللهِ وفي القرآن، قال بعد ذلك: (ولا تكُ): (لا): ناهية، و (تكُ): فعلُ مضارعٍ مجزومٌ، تُحذَفُ نونُه جوازًا، وتَعيَّن حذفُها في النَّظمِ للوزن، كما تقدَّمَ في قوله: (ولا تكُ بدعيًا) (١).
وقوله: (ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلًا): أي: لا تقل أَيُّها المسلمُ السُّنيُّ المتبعُ للسَّلفِ الصالحِ بقول الواقفةِ في القرآن، الذي هو كلامُ اللهِ المنزَّلُ على قلب عبدِه ورسولِه محمَّدٍ ﷺ ، الموصوفُ بأنَّه أحسنُ الحديثِ كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣].
والوقف: هو الإمساكُ عن القول بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ أو غير مخلوقٍ، وهذا مذهبٌ انتحله بعضُ الجهميةِ، وربما سلك على طريقهم بعضُ الجهلة، يقولون: القرآنُ كلامُ اللهِ، لا نقول مخلوقٌ، ولا غير مخلوقٍ؛ لأنَّه ما جاء أنَّ اللهَ تكلَّمَ بالقرآن، والذي جاء أنَّ القرآنَ كلامُ الله، فيقولون هو كلامُ اللهِ، ويتوقَّفون في خلقه نفيًا أو إثباتًا، وهذا التوقُّفُ شكٌّ.