← Акыда

Акыда · id 30039

توضيح المقصود من حائية ابن أبي داود

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (171 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والمليكُ: اسمٌ من أسماء اللهِ، فمِن أسمائِه تعالى: الملكُ والمليكُ، قال اللهُ تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ (٥٥)﴾ [القمر] وبعد أن بيَّنَ الناظمُ القولَ في كلام الله قال: (بذلك دان الأتقياء): يريدُ أهلَ السنَّةِ والأئمة، فكلُّهم دانوا بذلك، أي آمنوا به، (وأفصحوا) فأعلنوه وصرَّحوا به. وهذا سبيلُ المتقين، الذين اقتَفَوا أثرَ الصحابةِ والتابعين، واجتَنَبُوا طريقَ البدعةِ والمُحْدِثين، فتلك عقيدتُهم في القرآن، وفي كلام الله عمومًا. وقد اضطربَ المبتدعة في كلام اللهِ على مذاهبَ (١)؛ منها: مذهبُ الجهميةِ والمعتزلة. وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ، وإنَّه تعالى لا يقوم به الكلامُ، لا لفظُه ولا معناه، تعالى اللهُ عن قولهم علوًّا كبيرًا. وهذا راجعٌ إلى أصلهم الباطلِ: وهو نفيُ صفاتِ الربِّ مطلقًا، فإنَّهم ينفون عن الله أن تقومَ به الصفاتُ، فلا يقوم به علمٌ ولا سمعٌ ولا بصرٌ ولا كلامٌ، ولا غيرُ ذلك، ويزعمون أنَّه لو قامت به الصفاتُ لكانت قديمةً، وإذا كانت قديمة لَلَزِمَ تعدُّدُ القدماءِ، فيلزم من ذلك تعدُّدُ الآلهة، وهذا تلبيسٌ من الشيطان عليهم، فاللهُ -تعالى- واحدٌ بصفاته، فتعدُّدُ الصفاتِ لا يلزم منه تعدُّدُ الآلهة، وصفةُ الإله لا يُقال لها: إلهًا، كما أنَّ صفةَ النبيِّ ليست نبيًا.

стр. 37

وهذه الشبهة وجوابها مذكور في القاعدة السادسة من الرسالة «التدمرية» لشيخ الإسلامِ ابنِ تيمية (١)؛ وقد ذكر ﵀ شُبَهَ النفاةِ وأجاب عنها. المذهبُ الثاني: مذهبُ الكُلَّابيةِ والأشاعرةِ. وهم أتباعُ أبي محمد عبدِ الله بن سعيد بن كُلَّاب، وهو أحد المتكلِّمينَ المنتسبينَ إلى السنَّةِ، وكان يردُّ على المعتزلة، وعلى منهجه درجَ أبو الحسنِ الأشعري، وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ الله معنىً نفسي قائمٌ بذاته، ليس بحرفٍ ولا صوتٍ، وإنه قديمٌ لا تتعلَّقُ به المشيئةُ. لكن ابن كُلَّابٍ يقول: إنَّه أربعةُ معانٍ: أمرٌ، ونهيٌ، وخبرٌ، واستخبارٌ، وأمَّا الأشعريُّ في المذهب المشهورِ الموروثِ عنه فيقول: إنه معنىً واحدٌ لا تعدُّدَ فيه، وهو قديمٌ لا تتعلَّقُ به المشيئةُ، وهو معنىً نفسيٌّ ليس بصوتٍ ولا حرفٍ، وهذا هو مذهبُ الأشاعرةِ الذي يتكلَّمون به ويُقرِّرونه. ومذهبُ الكُلَّابيَّةِ والأشاعرةِ قريبان في المعنى. والمذهبُ الثالثُ: مذهبُ السَّالميةِ (٢). وهو أيضًا من جنس مذهبِ الكُلَّابيةِ والأشاعرةِ، فهم ينتسبون إلى السنَّةِ ويخالفون المعتزلةَ، وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ اللهِ قائمٌ به، وهو

стр. 38

بحرفٍ وصوتٍ، ولكنه قديمٌ كله لا تتعلَّقُ به المشيئةُ، ولا يحدثُ منه شيءٌ بعد شيءٍ. فهم يتفقون مع الأشاعرة على أنَّ كلامَ اللهِ قديمٌ، وأنَّه لا تتعلَّقُ به المشيئةُ، لكن هؤلاء السالمية يقولون: إنَّه حروفٌ وأصواتٌ قديمةٌ، وأولئك يقولون: إنَّه معنىً واحدٌ لا تعدُّدَ فيه، وليس بحرف ولا صوت. وأمَّا المذهبُ الرابعُ: فمذهبُ الكرَّامية. وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ اللهِ قائمٌ به، وإنَّه بحرفٍ وصوتٍ، وإنَّه يتكلَّمُ إذا شاء بما شاء، لكنهم يقولون: إنَّ الله تعالى صار متكلِّمًا بعد أن لم يكن، فجنس كلامِه حادثٌ، وهذا باطل عقلًا وشرعًا، ولا يخفى أن كل هذه المذاهب مخالفةٌ للعقل والشرع، ومتضمِّنةٌ تنقُّصَ ربِّ العالمين سبحانه، ولأصحابها شُبهاتٌ ومناقشاتٌ واستدلالاتٌ موجودة في الكتب المبسوطةِ ك «شرح الطحاوية»، وقد ذكر فيه مذاهب كثيرة في كلام الله (١)، وهذه المذكورةُ أشهرُها. وأمَّا المذهبُ الخامسُ: فهو مذهبُ أهلِ الحقّ، أهلِ السنَّةِ والجماعة. القائلين بأنَّ اللهَ -تعالى- لم يزل يتكلَّمُ بما شاء إذا شاء كيف شاء، وأنَّ كلامَه صفةٌ له قائمةٌ به، وأنَّه بحرفٍ وصوت، يُسمعه مَنْ شاء من

стр. 39

عباده، كما سمع موسى ﵇ كلامَ اللهِ، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، وسمع الأبَوَان نداءَه-سبحانه-: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ [الأعراف]، وسمعت الملائكةُ كلامَه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وهكذا جبريلُ ﵇ سمع القرآنَ من اللهِ وبلَّغه لمحمَّدٍ ﷺ ، ويقولون: إنَّ الله لم يزل يتكلَّم، فليس لجنسِ كلامِ اللهِ بدايةٌ، أمَّا تكليمُه موسى ﵇ فهو من آحاد كلامِه تعالى عندما جاء لميقات ربِّه؛ فليس بقديمٍ؛ بل هو حادثٌ، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فكلامُ اللهِ قديمُ النوعِ حادثُ الآحادِ، آحادُه مُتجدِّدةٌ تبعًا لمشيئته (١). ويقولون: إنَّ كلامَ اللهِ -تعالى- لا يُحصى، وكلماتُه لا تنفد: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف]، وكذلك الآيةُ في سورة لقمان: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان]. وكلامُ اللهِ يكون خبرًا ويكون طلبًا وإنشاءً، وكلماتُ اللهِ منها: كلماتٌ كونيةٌ بها يُكَوِّن الأشياء. وكلماتٌ شرعيةٌ تتضمَّنُ الأحكامَ؛ وهي أوامرُه ونواهيه، وأخباره في كتبه المنزَّلةِ كالقرآن، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام]

стр. 40

هذا هو مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ في كلام اللهِ تعالى. وأمَّا القرآنُ فلا يوصَفُ بالقِدَمِ لأنه من آحاد كلام الله، فعُلِم أن وصف القرآن بالقِدم خطأٌ، ومع ذلك قد يقع في كلام بعض المنتسبين لأهل السنة. ثم بعدما ذكرَ الناظمُ ﵀ المذهبَ الحقَّ في كلام اللهِ وفي القرآن، قال بعد ذلك: (ولا تكُ): (لا): ناهية، و (تكُ): فعلُ مضارعٍ مجزومٌ، تُحذَفُ نونُه جوازًا، وتَعيَّن حذفُها في النَّظمِ للوزن، كما تقدَّمَ في قوله: (ولا تكُ بدعيًا) (١). وقوله: (ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلًا): أي: لا تقل أَيُّها المسلمُ السُّنيُّ المتبعُ للسَّلفِ الصالحِ بقول الواقفةِ في القرآن، الذي هو كلامُ اللهِ المنزَّلُ على قلب عبدِه ورسولِه محمَّدٍ ﷺ ، الموصوفُ بأنَّه أحسنُ الحديثِ كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]. والوقف: هو الإمساكُ عن القول بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ أو غير مخلوقٍ، وهذا مذهبٌ انتحله بعضُ الجهميةِ، وربما سلك على طريقهم بعضُ الجهلة، يقولون: القرآنُ كلامُ اللهِ، لا نقول مخلوقٌ، ولا غير مخلوقٍ؛ لأنَّه ما جاء أنَّ اللهَ تكلَّمَ بالقرآن، والذي جاء أنَّ القرآنَ كلامُ الله، فيقولون هو كلامُ اللهِ، ويتوقَّفون في خلقه نفيًا أو إثباتًا، وهذا التوقُّفُ شكٌّ.

стр. 41

ويلزم القائلين بأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ أن يقولوا تكلَّمَ به؛ لأنَّ قولنا: «تكلَّم اللهُ به»، توضيحٌ لقولنا: «كلام الله». والقولُ بالوقفِ مذهبٌ باطلٌ، أنكرَهُ أئمةُ أهلِ السنَّة، ومنهم الإمامُ أحمدُ ﵀، وقال: إنَّ الواقفةَ الذين يقولون: القرآنُ كلامُ اللهِ، لا نقول مخلوقٌ ولا غير مخلوقٍ؛ جهميَّةٌ، وقال مرَّةً: هم شرٌّ من الجهمية المصرِّحين بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ (١)؛ لأنَّ الذي يُصرِّحُ قد أوضحَ مذهبَه، فلا خفاءَ ولا التباسَ على السنيِّ في شأنه؛ فمَن قال: «القرآنُ مخلوقٌ»؛ فقد أَبان مذهبَه، وعرف الناسُ تجهُّمَه، وحَذِروا باطلَه، ولاسيَّما مع اشتهار نكيرِ السَّلفِ لهذه البدعةِ التي لم يقل بها غيرُ أَتباعِ الجعدِ بن دِرهم، والجهمِ بن صفوان (٢). لكنَّ الواقفةَ ينخدعُ الجهَّالُ بمسلكِهم، وقد سلك هذا الطريقَ بعضُ الجهميةِ مراوَغةً وتَقِيَّةً تستَّرًا وتلبيسًا، لأنَّه يعلم أنه لو قال: القرآنُ مخلوقٌ؛ نبذَه أهلُ السنَّةِ، وأنكروا عليه، وأغلظوا له، وإن قال: القرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، خرج عن مذهبه الذي يستبطنه، فيُمسك عن القول معتقدًا عقيدةَ جهمٍ، سالكًا مسلكَ الخداعِ والمكرِ الخبيثِ. وهذا قد يستسيغُه بعضُ الجهَّالِ بحسن نيَّةٍ، بل بعضُ العلماءِ رأوا أنَّ الخوضَ في هذه المسألةِ لا طائل تحتَه ولا موجِبَ له، والحقُّ أنَّ

стр. 42

البدعةَ إذا أُظهِرت، وتُكلِّم بها، ودُعِيَ إليها، فلا بدَّ من التحذيرِ منها وأهلها، وتحديدِ الموقفِ تِجاهها؛ لأنَّ التوقُّفَ مضمونه الشكُّ، والسكوت عليه يتضمنُ إقرارَ هذا الشك، وتوجيهَ احتمالِ صحَّةِ قولِ الجهمية، فمُقتضى التوقُّفِ أنَّ مذهبَهم ليس بالباطل البيِّنِ الذي يجبُ إنكارُه (١)، ولهذا قال إمامُ أهلِ السنَّةِ: إنَّ الواقفةَ أخبثُ، وإنَّهم شرٌّ من الجهمية، وقال: الواقفةُ جهميَّةٌ. ولخطرهم نهى الناظمُ عن طريقتهم فقال: (ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلًا كما قال أتباع لجهمٍ)، وفي هذا تصريحٌ بأنَّ الواقفةَ في القرآن، الذين يقولون: إنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، ولا نقولُ: مخلوقٌ ولا غير مخلوقٍ، هم طائفةٌ من الجهمية. و (جهم): هو إمامُ المعطلةِ في هذه الأمَّةِ. وقولُ الناظمِ: (وأسجحوا): من أَسجحَ بالشيء إذا لانت به نفسُه (٢)، فأَتباعُ جهمٍ لانت نفوسُهم ومالت قلوبُهم إلى هذا المعتقد، فَسَهُلَ عليهم القولُ به.

стр. 43

وفي بعض النسخ: (وأسمحوا)، وهو الذي اعتمده السفاريني في شرحه (١)، واللفظان معناهما واحد أو متقارب، ومعناه: سمحت نفوسُهم باعتقادِ هذا القول وتقريرِه، مع فسادِه وبطلانِه. ولما ذكر الناظم مذهب الواقفة من الجهمية ذكر مذهب اللفظية فقال: * * *

стр. 44

٥. ولا تقلِ القُرآنُ خَلقٌ قُرَانُه (١) … فإنَّ كلامَ اللهِ باللَّفْظِ يُوضَحُ قوله: (ولا تقلِ القُرآنُ خلقٌ قُرَانُه) بالتسهيل أي: قِراءته؛ فإن القرآن اسم للكتاب العزيز، ويُطلَق على القراءة كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة] أي: قِراءته (٢)؛ فالقرآن في أول الشطر هو القرآن المجيد، والقرآن في آخر الشطر بمعنى القراءة، فالمعنى: لا تقل: قراءةُ القرآنِ خلقٌ؛ أي: قراءتي، وكذا تلاوتي ولفظي بالقرآن مخلوقٌ. والنَّاظمُ يريدُ نهيَ المسلمِ السنِّي أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، أو تلاوتي، وقراءتي للقرآن مخلوقةٌ، وهذه مسألةٌ كبيرةٌ كثرَ فيها الخوضُ والقيلُ والقالُ والافتراءُ، واشتُهرَ عن الإمام أحمد أنَّه قال: «مَنْ قال لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جهميٌّ، ومَن قال غير مخلوقٍ فهو مبتدعٌ» (٣)، والقائلون بأنَّ اللفظَ بالقرآن مخلوقٌ يُسَمَّونَ اللفظية (٤).

стр. 45

ولا ريب أنَّ من الجهمية مَنْ يقول: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، وهو يريد القرآنَ الملفوظَ به مخلوق، وقد اشتُهر أنَّ الإمامَ البخاري قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فنشأ عن ذلك فسادٌ بينه وبين شيخه محمد بن يحيى الذهلي (١) رحمهما الله (٢)، والبخاريُّ بيَّن المسألةَ وقرَّرَ فيها مذهبَ أهلِ السنَّةِ في كتابه «خلق أفعال العباد» (٣)، وفي «كتاب التوحيد» من صحيحه (٤). وقد أنكر السلفُ قولَ اللفظية؛ لأنهم يريدون باللفظ الكلام الملفوظ بصوت القارئ، وهو القرآن، فحكموا على ما يلفظ به القارئ بأنه مخلوق؛ فرجع ذلك إلى قولهم بأنَّ كلام الله مخلوق أو القرآن مخلوق، ولذا قال الإمام أحمد: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي» وهو ﵀ خبير بمقاصد الجهمية فلذا حكم على اللفظية والواقفة بأنهم جهمية، وسبب هذا الاشتباه أن اللفظَ مصدرُ لَفَظ يلفِظ لفظًا، والمصدرُ في اللغة العربية يُطلق ويُراد به المعنى المصدري، ويُطلقُ ويُراد به اسم المفعول، مثل: «الخلق»؛ يُطلَقُ على المخلوق إذا أُريد به المفعول،

стр. 46

ويُطلَقُ على فعل الخالق إذا أُريد به المصدرُ، ومثله «الرد» بمعنى المردود، والردُّ بالمعنى المصدري، ردَّ يردُّ ردًّا، وهذا كثيرٌ. وقس عليه من جنسه فتقول: هذا خلقُ اللهِ -تشير إلى بعض الأشياء-: أي مخلوقٌ لله مفعولٌ له، أمَّا الخلقُ بالمعنى المصدري فهو صفةٌ لله وفعلٌ من أفعاله قائم به، ومثلُه الأمر، يأتي بمعنى المأمور، ويأتي بالمعنى المصدري الذي هو الفعلُ، أمر يأمر أمرًا، وهكذا. فصارت كلمةُ (لفظ) كلمةً مجملةً. فإذا قال قائلٌ: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فينبغي أن يُستفصَلَ منه، فيُقال: ما تريد بقولك هذا؟ فإن قال: أُريد أنَّ تلفظي ونطقي وصوتي وحركة جوارحي -لساني وشفتي- مخلوقةٌ، كان المعنى الذي وصف صحيحًا، فالكلامُ كلامُ الباري، والصوتُ والألحانُ صوتُ القارئ (١). وإذا قال: لفظي بالقرآن، أُريد ما أتلفَّظُ به، مخلوقٌ، قلنا: هذا باطلٌ، الكلامُ الذي تتلفَّظُ به وتؤدِّيه بصوتك كلامُ ربِّ العالمين، فاللهُ تعالى تكلَّم بالقرآن، وسمعه منه جبريلُ ﵇، وبلَّغه لمحمدٍ ﷺ ، والصحابةُ سمعوا القرآن من الرسول ﷺ ، والمسلمون سمع بعضُهم القرآنَ من بعضٍ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، أي: يسمع كلامَ الله من الرسول، أو من أحدِ الصحابةِ، أو من آحادِ المؤمنين، فالنَّاسُ لا يسمعون كلامَ اللهِ من الله، إنما يسمعونه من بعضهم، فيُؤدُّونه بأصواتهم وحركاتهم وأفعالهم (٢).

стр. 47

وهذه المسألةُ لمّا كان فيها إشكالٌ واشتباهٌ؛ أتى الإمامُ أحمد في جوابها بهذا التفصيل، وهو قوله: «مَنْ قال لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جهميٌّ»، ومرادُه الذين يتسترون ويُطلقون هذا التعبير المُلَبِّس المشابه لتلبيس الواقفة، فمَن قال به فهو جهميٌّ، «ومَن قال: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوقٍ فهو مبتدعٌ»؛ لأنَّ هذا فيه اشتباهٌ وتَكَلُّمٌ بالمجملات. والإمامُ البخاريُّ أَلَّفَ كتاب: «خلق أفعال العباد»، ردَّ فيه على القدرية، وضمَّنَه الرَّدَّ على اللفظية. والحاصلُ: أنَّ التلاوةَ والقراءةَ واللفظَ، هذه الكلمات كلُّها ألفاظٌ محتملةٌ مجملةٌ؛ فلهذا منع الأئمةُ من إطلاق القولِ بلفظي بالقرآن مخلوقٌ، أو تلاوتي القرآنَ مخلوقةٌ، أو قراءتي؛ لأنَّ القراءةَ مصدرٌ كاللفظ، يُطلق ويُراد به الفعلُ، ويُطلق ويُراد به المفعولُ (١). ولهذا قال النَّاظمُ ﵀: (ولا تقلِ القرآن) الذي هو كلام الله، (خلقٌ قرانه): أي: خلقٌ قراءتي له. قال: (فإنَّ كلامَ اللهِ باللَّفْظِ يُوضَحُ): أي: إنَّ كلامَ اللهِ يُوضَّح ويُبيَّن ويُظهر بتلفُّظ القارئ، وكلامُ الله يأتي على وجوهٍ: فيجيءُ ملفوظًا مقروءًا، ويأتي مكتوبًا مسطورًا، ويكون لدى السامعِ مسموعًا، ولدى الحافظِ محفوظًا، وهو كلامُ اللهِ في كلِّ هذه الأحوال؛ فالقرآنُ كلامُ اللهِ كيفما تَصَرَّف كما قال الإمامُ أحمد ﵀ (٢)، فهو كلامُ اللهِ محفوظًا

стр. 48

في الصدور، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، ومكتوبًا في المصاحف، كما قال الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ [الطور]، وقال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةِ (١٤)﴾ [عبس]، ومتلوًّا بالألسُن، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف]، ومسموعًا بالآذان، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. وقد ألمَّ الإمام ابن القيم بأطراف هذه المسألة، أعني مسألة اللفظ بالقرآن في «الشافية الكافية» النونية (١)؛ فقال: وتلاوة القرآن في تعريفها … باللام قد يُعنى بها شيئان يُعنى بها المتلو فهو كلامه … هو غير مخلوق كذي الأكوان ويُراد أفعال العباد كصوتهم … وأدائهم وكلاهما خَلقان هذا الذي نصت عليه أئمة ال … إسلام أهل العلم والعرفان

стр. 49

وهو الذي قصد البخاري الرضا … لكن تقاصر قاصر الأذهان عن فهمه كتَقاصُرِ الأفهام عن … قول الإمام الأعظم الشيباني في اللفظ لَمَّا أن نفى الضدين عن … هـ واهتدى للنفي ذو عرفان فاللفظ يصلح مصدرًا هو فِعلنا … كتلفظ بتلاوة القرآن وكذاك يصلح نفسَ ملفوظٍ به … وهو القران فَذانِ محتملان فلذاك أنكر أحمد الإطلاق في … نفي وإثبات بلا فرقان وقد مهد لهذه المسألة بذكر معانٍ جليلة وتفصيلات جميلة تضمنتها الأبيات التي أولها قوله: والله أخبر أنه سبحانه … متكلم بالوحي والفرقان إلى قوله: فعليك بالتفصيل والتمييز فال … إطلاق والإجمال دون بيان

стр. 50

قد أفسدا هذا الوجود وخبَّطا ال … أذهان والآراء كل زمان (١) * * *

стр. 51

٦. وقلْ يتجلَّى اللهُ للخلق جهرةً … كما البدرِ لا يَخفى وربُّك أوضحُ يقرر الناظم في هذا البيت مسألة رؤية المؤمنين لربهم، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة المتواترة، وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة؛ فمن القرآن؛ قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة] وقوله تعالى: ﴿* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وصح تفسير الزيادة عن النبي ﷺ بأنها النظر إلى وجه الله (١)، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق]، ومن السنة: حديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي أشار إليه المؤلف، قال: كنا عند النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة - يعني البدر - فقال: «إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ فافعلوا» (٢)، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، ووجه الشبه بين رؤية المؤمنين لربهم، وبين رؤية الناس للشمس والقمر أنها رؤية عيانية؛ أي: بالأبصار، وأن المرئي في العلو، وأنها رؤية من غير إحاطة، وأن الرائي لا يلحقه ضيمٌ ولا ضرر لأن المرئي ظاهر لا خفاء به (٣)، ومن السنة أيضًا حديث الصورة الطويل

стр. 52

الذي أخرجه البخاري ومسلم، وفيه قوله ﷺ : «يجمع اللهُ الناسَ يوم القيامة فيقول: مَنْ كان يعبد شيئًا فليتبعه … وتبقى هذه الأمةُ فيها منافقوها» (١) … قال: «فيأتيهم الجبارُ في صورةٍ غير صورته التي رأوه فيها أولَ مرَّةٍ، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا! فلا يُكلِّمه إلَّا الأنبياء … » الحديث، وفيه: «فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا» (٢)، ففي هذا الحديث أن المؤمنين يرونه مرتين بل ثلاثًا: يرونه أولًا ثم يأتيهم في غير الصورة التي رأوه فيها أولًا؛ فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها؛ فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقول: الساق فيكشف تعالى عن ساقه فيسجد له كل مؤمن، ويشهد لما ورد في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم] الآيتين إلى غير ذلك من الأحاديث التي تلقاها أهل السنة بالقبول والإيمان، وأنكرت الجهمية والمعتزلة أن الله يُرى، ومن شبهاتهم؛ قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وهذه الآية حجة عليهم فإن نفي الإدراك -وهو الإحاطة- يتضمن إثبات الرؤية من غير إحاطة (٣)، وتأولوا النصوص الدالة على رؤية المؤمنين لربهم إن كانت من القرآن أو من السنة المتواترة، وإن كانت آحادًا

стр. 53

ردوها، وأما الأشاعرة فقالوا إنه تعالى يُرى لا في جهة، وهذه رؤية غير معقولة فإن المرئي لا بد أن يكون في جهة من الرائي فآل أمرهم إلى نفي الرؤية الحقيقية المعقولة، وصاروا في الرؤية متذبذبين بين النفي والإثبات كحالهم في كلام الله (١). وبعد فنقول في شرح البيت: (قل): أي: أيُّها المسلمُ السُّنيُّ المُقتفي لأثر السَّلفِ الصالح: بقلبك مُعتقدًا، وبلسانك مُقرًّا ومُعلنًا، (يتجلَّى اللهُ): أي يَظهر ظهورًا بإشراقٍ ونورٍ، فالتجلِّي ليس مرادفًا للظهور، بل هو ظهورٌ بإشراقٍ ونورٍ (٢). والتجلِّي صفةٌ فعلية من صفات ربنا سبحانه، قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. كما أنه موصوفٌ بالنُّور قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] وقولُ الناظمِ: (يتجلَّى اللهُ للخلق): أي يظهرُ -كما ذكر- لجميع النَّاس فيرونه رؤيةً لا خفاءَ فيها ولا التباس، كما يرون القمر، وذلك يوم القيامة، ولم يُقيِّده به الناظمُ، لكنَّه معلومٌ بدهيٌّ. وهل يراه المؤمنون دون الكفار، أم يراه الناس كلهم؟ محلُّ خلاف، فأمَّا المؤمنون فإنهم يرونه باتفاق أهلِ السنَّةِ في عرصات القيامة، وفي الجنة في يوم المزيد.

стр. 54

وأمَّا غيرهم فقد اختلف فيهم أهلُ العلم على مذاهب (١): فقيل: لا يراه الكفارُ، بل هم محجوبون عنه مطلقًا، وقيل: بل يرونه رؤيةً لا تسرُّهم، بل تزيد من حسرتهم وخِزيهم، فليس لهم فيها حظٌّ ولا نعيمٌ. ويمكن أن يُستدلَّ لهذا القول بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٣٠]، وبذكر لقاءِ عمومِ الخلقِ له سبحانه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس: ٧]. وقيل: بل يراه المنافقون دون سائرِ الكافرين؛ لأنَّهم يكونون مع المؤمنين في بعض مواقف القيامةِ، فيرون اللهَ تعالى رؤيةً لا تَسرُّهم ولا تُسعدهم؛ لِمَا يعلمونه من حالهم، ويترقَّبونه من سوءِ مآلهم، وقد دلَّ على هذا ما ثبت في الصحيح، قال ﷺ : «يجمع اللهُ الناسَ يوم القيامة فيقول: مَنْ كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع مَنْ كان يعبدُ الشمسَ الشمسَ، ويتبع مَنْ كان يعبدُ القمرَ القمرَ، ويتبع مَنْ كان يعبدُ الطواغيتَ الطواغيتَ، وتبقى هذه الأمةُ فيها منافقوها … قال: فيأتيهم الجبارُ في صورةٍ غير صورته التي رأوه فيها أولَ مرَّةٍ، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا! فلا يُكلِّمه إلَّا الأنبياء … » الحديث (٢).

стр. 55

وقول الناظم: (للخلق) يقتضي إثباتُ عمومِ الرؤية للمؤمن والكافر، وربما أراد بالخلق: المؤمنين خاصَّة، فيكون لفظُه من قبيل العامِّ الذي أُريد به الخصوص. وقولُه: (للخلق جهرةً): أي: علنًا (١)، فالجهرُ ضدُّ الإسرار، إعلانٌ لشيءِ وكشفٌ وإظهارٌ، يوضح هذا سؤال بني إسرائيل موسى، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، والمعنى: نراه رؤيةً ظاهرةً علانيةً. وقوله: (كما البدرِ): أي: مثلما يظهر ويتجلَّى البدرُ، والبدرُ: القمرُ في ليالي الإبدار، وهي: ليلةُ الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، و (ما) في قوله: (كما) زائدةٌ، أصلها كالبدر، لكنَّ المصنِّفَ احتاجَ إليها من أجل الوزن. وقوله: (لا يخفى): إذا لم يكن دونه سحابٌ، والناظمُ أخذ هذا من تمثيل رسولِ الله ﷺ في حديث الصحيحين: لما قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحابٌ»؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: «هل تُضارُّون في القمر ليلةَ البدر ليس دونه سحابٌ»؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فإنَّكم ترونه يوم القيامة كذلك» (٢)، فالنَّاظمُ أخذ هذا من الحديث.

стр. 56

وقوله: (وربُّك أوضحُ): أي الله تعالى أظهرُ إشراقًا، وأعظمُ نورًا من الشمس والقمر، وهذا التشبيهُ من قبيل تشبيهِ الرؤيةِ بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي؛ فلا يقال: اللهُ كالبدر، أو تجلِّيه كتجلِّي البدر، أمَّا قولُ الناظمِ فمن باب قياسِ الأولى، ولهذا قال: (وربُّك أوضحُ)، وكلُّ كمالٍ فاللهُ أولى به، فليس ظهورُ اللهِ كظهورِ البدر، لكن إذا كان القمرُ الضئيلُ لا يخفى، ولا تُحيطُ به الرؤيةُ، فاللهُ العظيمُ إذا تجلَّى كان بذلك أولى. * * *

стр. 57

٧. وليس بمولودٍ وليس بوالدٍ … وليس له شِبْهٌ تعالى المسبَّحُ هذا بيتٌ كأنه مُقحَمٌ بين هذه الأبيات في الرؤية، ومضمونُه التنزيه، ومن القواعد المقرَّرة أنَّ اللهَ موصوفٌ بإثبات صفاتِ الكمالِ، ونفي النقائص والعيوب، وكلُّ نفيٍ في صفاته فإنَّه متضمِّنٌ لإثبات كماله، فالنفيُ المحضُ لا يدخل في صفاته سبحانه، كما أوضح ذلك الإمامُ ابنُ تيمية في مواضعَ من كتبه (١)، ومن ذلك القاعدةُ الأولى في «العقيدة التدمرية»، قال ﵀: «إنَّ اللهَ سبحانه موصوف بالإثبات والنفي» (٢)، ثم بيَّن أنَّ النفيَ المحضَ الذي لا يتضمن ثبوتًا ليس فيه مدحٌ ولا كمالٌ، فلا يوصف اللهُ به، بل يوصف بالنفي المتضمِّنِ للكمال، فنفيُ الظلمِ عنه -سبحانه- يتضمن إثباتَ كمالِ عدله، ونفيُ الضلالِ والنسيان يتضمَّنُ كمالَ علمِه، ونفيُ الولدِ والوالد والكفؤ يتضمَّنُ كمالَ صمديته ووحدانيته، ونفيُ السِّنَةِ والنومِ يتضمَّنُ كمالَ الحياةِ والقيامِ. ومن هذا القبيل ما ذكرَهُ الناظمُ من نفي الشبيهِ والولدِ والوالدِ، قال الله تعالى في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.

стр. 58

قال الناظمُ: (وليس بمولودٍ): أي: ليس اللهُ مولودًا، وهذه الباءُ عند النحويين زائدةٌ، فليس شأنُ اللهِ شأنَ المتولدات، فالمولودُ محدَثٌ بعد أن لم يكن، مسبوق بغيره، واللهُ تعالى لا أوَّل له، فهو الأوَّلُ الذي ليس قبله شيءٌ. (وليس بوالدٍ): فالولدُ جزءٌ من والده، وهو صِنْوُ أبيه، واللهُ تعالى أحدٌ صمدٌ، ليس له نظيرٌ ولا شريكٌ، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]. قوله: (وليس له شِبْهٌ): ولو قال: «وليس له كفؤٌ»؛ كان أولى؛ ليطابقَ لفظ القرآن في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، أو قال: «وليس له مِثْلٌ»؛ ليطابق قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، لكنَّ الشبهَ والمثلَ والكفؤَ والند والسَّمي كلماتٌ متقاربةٌ. وقوله: (تعالى): أي ارتفعَ وجلَّ عن أن يكون له والدٌ أو ولدٌ أو شبهٌ، فتعالى اللهُ عمَّا نفى من المعايب في حقِّه، بل تعالى اللهُ عن كلِّ ما لا يليق به، وكلمةُ (تعالى) تُستعملُ في التنزيه ك (سبحان). وقوله: (المسبَّحُ): أي المنزَّه عن كلِّ نقصٍ، فجمع له بين التنزيهِ عن النقص مع إثبات علوِّ الشأن والقدرِ المتضمنِ للتنزيه وإثباتِ الكمال، كما جمع اللهُ بينهما لنفسه، قال الله : ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص]، وقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾ [الأنعام]. ولقائلٍ أن يقول: لماذا أتى النَّاظمُ بهذا البيت وأقحمه في وسط الأبياتِ التي يُقرِّرُ فيها مسألةَ الرؤيةِ؟

стр. 59

والذي ظهر لي أنَّه أتى به بمناسبة قوله: (كما البدرِ لا يَخفى وربُّك أوضحُ)، فكأنه لما أورد المثلَ الآنفَ جاء بهذا البيت احترازًا من توهُّمِ تشبيهِ اللهِ بالمخلوق، وقال تبعًا: (وليس بمولودٍ وليس بوالدٍ)؛ تكميلًا للمعنى، والجامعُ وُرودُ هذه الثلاثة في سورة الإخلاصِ. * * *

стр. 60

٨. وقد يُنكرُ الجهمِيُّ هذا وعندَنَا … بمِصْدَاقِ ما قُلْنَا حَديثٌ مُصَرِّحُ (١) ٩. رواه جريرٌ عن مَقَالِ محمدٍ … فقلْ مثل ما قد قَال في ذاكَ تَنْجَحُ قوله: (وقد يُنكر الجهمِيُّ هذا): و (قد): في هذا السياق للتحقيق. والإشارةُ في قوله: (هذا) راجع إلى التجلِّي، فالجهميُّ يُنكرُ الرؤية مطلقًا كما تقدم (٢)، ويُكذِّبُ بأنَّ المؤمنين يرون ربهم، أمَّا قوله: (وليس بمولودٍ وليس بوالدٍ وليس له شِبهٌ)، فهذا لا يُنكره الجهميُّ. أمَّا الرؤيةُ فاختلف فيها النَّاسُ على مذاهب تقدم ذكرها (٣). والمذهبُ الحقُّ هو مذهبُ أهلِ السنَّةِ، القائلين بأنَّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانًا بالأبصار، رؤيةً من غير إحاطةٍ، والأدلةُ على ذلك من الكتاب والسنة تقدمت الإشارة إليها، وذُكر بعضها، ومن الأدلة من السنة حديثُ جريرُ بن عبد الله ﵁ الذي أشار إليه النَّاظمُ، وقد تقدم ذكره بلفظه (٤).

стр. 61

ومما استدلَّ به الجهميةُ: قولُ اللهِ -تعالى- لموسى ﵇: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقيل في الجواب: ليس في الآية نفيٌ للرؤية بإطلاق، بل نفيٌ لرؤية موسى ﵇ ربَّه في مقامٍ معيَّنٍ، فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، جوابًا لقول موسى في ذلك المقام: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. وقال المجيبون أيضًا: إنَّ هذه الآيةَ أدلُّ على الرؤيةِ منها على نفيها؛ لأنَّ الله تعالى لم يقل: إنِّي لا أُرى، بل قال: لن تراني إلَّا أن يستقرَّ الجبلُ، لقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، واستقرارُ الجبلِ ممكنٌ، فيلزم إمكانُ الرؤية. وقالوا: كان موسى ﵇ أعلمَ وأجلَّ من أن يسألَ ربَّه أمرًا مستحيلًا عليه سبحانه. وذكروا وجوهًا أُخرى تضمَّنتها الآيةُ تدلُّ على جواز الرؤيةِ، أثبتها ابنُ القيم عند كلامه على هذه الآية في باب: رؤيةِ أهلِ الجنَّة لله تعالى من كتابه «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» (١). ثم قال النَّاظم: (وعندَنَا بمِصْدَاقِ ما قُلْنَا حَديثٌ مُصَرِّحُ): أي: وعندنا حجَّةٌ على الخصم حديثٌ واضحٌ صريحٌ يدلُّ على صِدق قولنا، والحقُّ أنَّ عندنا أحاديث متواترة (٢)، بل قرآنٌ وإجماعٌ، فالرؤيةُ قد دلَّ عليها الكتابُ والسنَّةُ والإجماعُ.

стр. 62

وقوله: (مُصَرِّحُ): أي: فيه التصريحُ بالرؤية، وليس لفظًا محتملًا، بل نصٌّ صريحٌ لا يحتمل التأويل، قال ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته» (١). قوله: (رواه جريرٌ): وجريرُ هو ابنُ عبدِ اللهِ البَجليِّ ﵁. (عن مَقَالِ محمَّدٍ): أي يرفعُه إلى النَّبي ﷺ . ثم قال النَّاظمُ مُكملًا: (فقلْ مثل ما قد قَال في ذاكَ تَنْجَحُ): والمعنى: قُلْ أَيُّها المسلمُ مثلَ ما قال النبيُّ ﷺ في رؤية المؤمنين لربهم، واعتقد ما قال (تَنْجَحُ): أي: تظفرُ بمطلوبك، فالنجاحُ: الظَّفَرُ بالمطلوب، وضدُّهُ الخيبةُ والخسرانُ. * * *

стр. 63

١٠. وقد يُنكر الجهميُّ أيضًا يمينَه … وكلتا يديه بالفواضلِ تنفَحُ يُتابعُ النَّاظمُ ذِكرَ مذهبِ الجهميةِ في صفات الله تعالى، فبعد أن ذكرَ مذهبهم في القرآن، وفي الرؤية، ذكر في هذا البيت مذهبهم في يدي الربِّ ، فقال: (وقد يُنكر الجهميُّ أيضًا)، و (أيضًا): تأتي بمعنى كذلك (١)، ففيها معنى الرجوع إلى مثل ما سبق كأنَّه يقول: وكذلك، أو مثل ما تقدَّم. وقوله: (يمينَه): أي: يمينُ الربِّ، فالجهميُّ ينكر أن تكون لله يمينٌ هي يدُه، ثم بيَّن المؤلفُ الحقَّ فقال: (وكلتا يديه): فأثبت لله يدين، وقد دلَّ الكتابُ والسنَّةُ والإجماعُ على إثبات اليدين لله؛ فاللهُ تعالى له يدان يخلق بهما كما خلق آدمَ بيديه، ويأخذ بهما ما شاء كما ثبت في الصحيح، قال رسول الله ﷺ : «يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟» (٢)، وشاهد هذا في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، فاللهُ تعالى له يدان لا تُشبه أيدي المخلوقين ولا نعلم كيفيتَهما.

стр. 64

ومذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ في صفات الربِّ يقوم على ثلاثة أصول (١): الأول: الإثباتُ؛ إيمانًا بما أخبر اللهُ به أو أخبر به رسولُه ﷺ . والثاني: نفيُ التمثيلِ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] والثالث: نفيُ العلمِ بالكيفية، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه] فمَن تمسَّكَ بهذه الثلاثة الأصول كان مستقيمًا على الحقِّ، في أسماء الله وصفاته. والقولُ بهذه الأصول يقتضي أن نُثبتَ لله تعالى يدين لا نتأوُّلهما، ونعلم أنهما لا تماثلان أيدي المخلوقين، ولا نعلم كيف هما فلا نتخيَّلهما، بل كلُّ ما يخطرُ بالبال من الكيفيات فاللهُ تعالى بخلافه، فالفِكرُ قاصرٌ عن تصوُّرِ كيفيةِ صفاتِ اللهِ تعالى، فلا يجوز أن نقول: كيف يدي الرب؟ أو كيف ينزل؟ أو كيف استوى؟ ولمّا قال السائلُ للإمام مالك: كيف استوى؟ أنكر عليه وقال: الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ، ولا أراك إلَّا رجل سوءٍ، فأَمَرَ به فأُخرِجَ (٢).

стр. 65

والأدلةُ على إثبات اليدين لله تعالى متضافرة من الكتاب والسنَّةِ والإجماعِ. فمن القرآن: قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، قال ذلك ردًّا على اليهود الذين قالوا: يدُ الله مغلولةٌ، فقال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. واليهودُ لَمَّا قالوا: يدُ اللهِ مغلولةٌ؛ لم يكن غلطُهم في إضافة اليدِ لله، وإنَّما في وصف اللهِ سبحانه بالبخل، فهذا هو المنكَرُ من قولهم. وعند الجهميةِ ومَن تَبعهم أنَّ نسبةَ اليدِ إلى الله من الباطل، ومن التشبيهِ الذي قال به اليهودُ. وقال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وهاتان الآيتان هما أصرحُ الآيات في الدلالة على إثبات اليدين لله لأنهما قد جاءا بلفظ التثنية، وقد جاء ذكر اليدين في مواضع أُخر إمَّا بلفظِ الإفرادِ؛ كقوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، أو بلفظ الجمعِ كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]، ولفظُ الإفرادِ لا يدلُّ على أنَّ اليدَ واحدةٌ، فقد يُراد به الجنسُ، ولفظُ الجمعِ لا يدلُّ على أنَّ لله أيدي، فإنَّ هذا الأسلوبَ لا يُفيدُ هذا المعنى؛ لأنَّ من قواعد اللسان العربي أنَّ المثنى إذا أُضيف إلى صيغة الجمعِ أو إلى الجمع جُمع (١)؛ كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وقوله: ﴿إِنْ

стр. 66

تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فاللهُ تعالى له يدان كما صرَّح بذلك في موضعين من القرآن. وأمَّا أدلةُ السنَّةِ فكثيرةٌ؛ منها: حديثُ عبدِ الله بن عمرو ﵄ في صحيح مسلم (١) أنَّ النَّبي ﷺ قال: «إنَّ المُقسِطينَ عند اللهِ على منابرَ من نورٍ عن يمين الرَّحمنِ ، وكلتا يديه يمين، الذين يَعدِلون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُوا». والشاهدُ قوله: «وكلتا يديه»، فله يدان، يمين وشمال، كما في الحديث المتقدِّمِ عند مسلم (٢)، ولا وجه لمن حكم على رواية ذكر الشمال بالشذوذ وقد ارتضاها مسلم (٣)، ويؤيد إثباتها من جهة المعنى أن القرآن والحديث كل منهما قد دل على فضل اليمين على الأخرى فقد خص الله قبض السموات بيمينه؛ ففُهم أن قبض الأرض باليد الأخرى كما صرح به في الحديث؛ لأن السموات أفضل من الأرض، ومن وجه آخر أخبر الرسول ﷺ أن المقسطين عن يمين الرحمن، وفي هذا تفضيل لهم لفضل اليمين على اليد الأخرى. وقوله: «عن يمين الرَّحمنِ»: ليس هو معنى: «وكلتا يديه يمين»، بل معناهما مختلف، ف «كلتا يديه يمين» معناه: أنَّ يمينه واليد الأخرى

стр. 67

كلاهما ذاتُ يُمْنٍ وخيرٍ وبركةٍ، فهو كالاحتراز عن توهم النقص في اليد الأخرى بعد قوله عن يمين الرحمن، وقد فَرَّقَ القرآنُ بينهما في قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وجاء في تفسير هذه الآية من السنَّة أنَّ الله تعالى يطوي السموات بيمينه ويَقبِض الأرضَ بيده الأخرى، وفي لفظٍ «بشماله» (١). ومن أدلَّةِ إثباتِ اليدين في السنَّة ما جاء في حديث الشفاعة: أن الناس يقولون لآدم: «يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه» (٢). ومن ذلك حديثُ ابن مسعود ﵁ في قصة الحبر قال: جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى النَّبي ﷺ فقال: إنَّا نجد أنَّ اللهَ يجعل السموات على أَصبع (٣)، والأرضين على أَصبع، والشجر على أصبع، والماءَ والثرى على أصبع، وسائرَ الخلائقِ على أصبع، ويقول: أنا الملك. فضحك النَّبيُّ ﷺ حتى بدت نواجذُه تصديقًا لقول الحَبْر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (٤).

стр. 68

فأهلُ السنَّةِ والجماعةِ مُتَّفقون على إثبات اليدين للهِ على ما جاء في القرآن وفي السنَّة، وأنكرت الجهميةُ ذلك على أصلهم في نفي صفاتِ اللهِ كلِّها، وكذلك المعتزلةُ ووافقتهم الأشاعرةُ في نفي أكثر الصفات، واليدان من الصفات التي تنفيها الأشاعرةُ، فيقولون: ليس لله تعالى يدان. ثم يختلفون فمنهم مَنْ يُفوِّض النصوصَ، ويقول: هذه النصوصُ اللهُ أعلمُ بمراده منها، لا نُفسِّرُها، ولا نفهمُها، ولا نتدبَّرُها، ولا نُفكِّرُ فيها، ولا يمكن أحدًا أن يفهمَ منها شيئًا، وهؤلاء هم المفوِّضةُ من الأشاعرة. ومن العجب أنَّهم يزعمون: أنَّ رسول الله ﷺ لا يعلم معاني هذه النصوص؛ ولهذا يُسميهم شيخُ الإسلام أهلَ التجهيل (١)؛ لأنهم يُجهِّلون الرسولَ ﷺ ، ويُجهِّلون الصحابةَ ﵃، فقول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، كلُّ ذلك غيرُ مفهومِ المعنى عندهم، فلا الرسولُ ﷺ يعلمُه ولا الصحابةُ ﵃ تعرفه، وهذا ضلالٌ مبينٌ. فكلُّ ذلك ليَسلمَ لهم باطلُهم؛ وهو تعطيلُ الصفاتِ عن الله، تعالى اللهُ عن قولهم علوًا كبيرًا. ومن الأشاعرة مَنْ يؤول الصفات التي ينفونها فيُفسِّرُ اليدَ بالقدرةِ أو النعمةِ، ويقول: إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ بقدرته. فهل لآدم مزيَّةٌ على سائر الخلق على هذا التقدير؟ الجواب: ليست له خصوصيةٌ، فاللهُ خلق كلَّ شيءٍ

стр. 69

بقدرته، فتفسيرُ اليدِ بالقدرة أو بالنعمةِ يذهبُ بخصوصية آدمَ ﵇ وبالفضيلة التي نوَّه اللهُ بها حين قال لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] (١). والشُبهةُ العامةُ عند المعطِّلة هي أنَّ إثباتَ الصفاتِ يستلزم التشبيهَ، فنفوا كلَّ ما أثبته اللهُ ورسولُه من الصفات حذرًا من التشبيه. وردَّ عليهم أهلُ السنَّة بقولهم: إذا كان إثباتُ الصفاتِ للهِ يستلزم التشبيهَ فانفوا كلَّ شيءٍ حتى الوجود؛ لأنَّ الإنسانَ موجودٌ، فهل إثباتُ الوجود لله يستلزمُ التشبيهَ؟ وقد علموا أنَّ الجواب بالضرورة: لا، فليس وجودُ الربِّ كوجود المخلوق، وكذلك حياتُه، فهل إثباتُ الحياةِ لله يستلزم التشبيهَ؟ الجواب: لا، فليس الحيُّ كالحيِّ، وليست حياةُ الربِّ كحياة المخلوق، ولا سمعه كسمعه، ولا بصره كبصره، وكذلك الشأنُ في وجهه ويديه وغضبه ورضاه ومحبته ، وليس رضاهُ كرضا المخلوق، ولا محبَّته كمحبته، ولا استواؤه كاستوائه، وليست يدُ الربِّ كأيدي المخلوقين. فالواجبُ: الإثباتُ مع نفي التمثيل ونفي العلمِ بالكيفية. ثم إنَّ المعطِّلةَ جمعوا بين التعطيل والتشبيه؛ فشبَّهوا أولًا حيث توهَّموا من صفات الربِّ ما يماثلُ صفات المخلوقين، وعطَّلوا ثانيًا حيث نفوها، وشبَّهوا ثالثًا؛ حيث شبَّهوا اللهَ بالنَّاقصات والجمادات والمعدومات (٢)، واللهُ تعالى أعلمُ بنفسه، وهو الذي أخبر في كتابه

стр. 70

وعلى لسان رسولِه ﷺ بما له من الأسماء والصفات، فأيُّ جَهلٍ وأيُّ سَفَهٍ ما يقوله المُعَطِّل! فيقول على الله ما لا يعلم، ويُعارضُ قولَ اللهِ ورسولِه بما يزعم أنَّه معقولٌ! فقد تبين أنَّ من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة اليدين، فيجب الإيمانُ بهما على ما جاء في كتاب الله وسنَّةِ رسولِه ﷺ إثباتًا بلا تمثيل، مع نفي العلم بالكيفية. والنصوصُ الواردةُ في ذلك على ظاهرها وعلى حقيقتها، وهي نصوصٌ مفهومةٌ؛ فاللهُ تعالى خاطبَ عبادَه بلسانٍ عربيٍّ مُبين، والرسولُ ﷺ عربيٌّ تكلَّم بكلامٍ مفهومٍ. وقولُ النَّاظم: (وكلتا يديه بالفواضلِ تنفَحُ) أو (تنضحُ) (١): المرادُ به أنَّ كلتا يديه بالعطايا الجزيلة تنفح، يقال: نفحه بكذا؛ أي: أسعدَه وأسعفَه وأعطاه (٢)، والناظمُ أخذ هذا من قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. والبسطُ يُطلَقُ ويرادُ به ضدّ القبضِ، واللهُ يقبضُ يديه ويبسطهما كيف يشاء، كما جاء في أخذه السموات والأرض، فيقبض اللهُ الأرضَ يومَ القيامة، وفي حديث عبيد الله بن مِقْسَم أنه نظرَ إلى عبدِ اللهِ بن عمر ﵄ كيف يحكي رسول الله ﷺ قال: يأخذ اللهُ سمواته وأرضيه بيديه فيقول: أنا اللهُ، ويقبض أصابعه ويبسطها (٣).

стр. 71

ويُطلَقُ البسطُ ويراد به الجودُ وكثرةُ العطاء، واللهُ -تعالى- جوادٌ كريمٌ، هو أجودُ الأجودين وأكرمُ الأكرمين؛ فيداه مبسوطتان بكثرة الجودِ والعطاءِ دائمًا، وفي الحديث الصحيح: «إنَّ يمينَ اللهِ ملأى لا يغيضُها نفقةٌ، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلقَ السموات والأرض؟ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشُه على الماء، وفي يده الأخرى الفيض، -أو القبض- يرفعُ ويخفضُ» (١)، فاللهُ تعالى جوادٌ كريمٌ. * * *

стр. 72

١١. وقُل ينزِلُ الجبَّارُ في كلِّ ليلةٍ … بلا كيفَ جلَّ الواحدُ المتمدِّحُ ١٢. إلى طَبَقِ الدنيا يَمُنُّ بفضلِه … فتُفرجُ أبوابُ السماءِ وتُفْتَحُ ١٣. يقول: ألا مستغفرٌ يلقَ غافرًا … ومُستمنِحٌ خيرًا ورزقًا فيُمنَحُ (١) ١٤. روى ذاكَ قومٌ لا يُرَدُّ حديثُهمْ … ألا خابَ قومٌ كَذَّبُوهمْ وقُبِّحوا هذه أربعةُ أبياتٍ ضمَّنها النَّاظمُ إثباتَ النزولِ الإلهي. وصفةُ النُّزول صفةٌ فعليةٌ تتعلَّقُ بالمشيئة، فاللهُ ينزل إذا شاء، كيف شاء، والثابتُ في السنَّةِ المتواترةِ هو نزولُه إلى السماء الدنيا كلَّ ليلةٍ حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخر (٢). وصحَّ أيضًا عنه ﷺ قوله: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» (٣).

стр. 73

والشاهدُ في الحديث قولُه: «وإنه ليدنو»، وأمَّا ما ورد من النزول ليلةَ النصف من شعبان؛ فالمعروفُ أنَّه لم يصحَّ فيه شيءٌ بخصوصه (١)، وإن كان بعضُ العلماء يُورد أحاديثَه (٢)، لكنَّ النزولَ الثابتَ المتواترَ هو النُّزولُ الإلهيُّ في ثلث الليلِ الآخرِ. والمقصود في هذا المقام الإيمانُ بأنَّ النزولَ الإلهيَّ واقعٌ ثابتٌ، وكلُّ حديثٍ يصحُّ ويذكر فيه النُّزول يجب الإيمانُ به، والنُّزولُ ليس ممتنعًا على الربِّ؛ بل هو فعلٌ يفعلُه إذا شاء، كما يجيءُ يوم القيامة إذا شاء. والصفاتُ الفعليةُ هي التي تكون بمشيئته، فكلُّ ما يقال فيه: إنه يكون إذا شاء، كقولهم: ينزلُ إذا شاء، ويغضبُ إذا شاء، ويرضى إذا شاء، واستوى على العرش حين شاء، ويجيءُ إذا شاء، ويخلقُ ما شاء إذا شاء، فهو صفةٌ فعليَّةٌ. والضابطُ الذي يفرق به بين الصفاتِ الذاتيةِ والصفاتِ الفعليةِ:

стр. 74

أنَّ الذاتيةَ هي التي لا تتعلَّقُ بها المشيئةُ، وهي لازمةٌ لذات الربِّ تعالى، والفعليةُ هي التي تتعلقُ بها المشيئةُ، ولا تكون لازمةً لذاته (١)، فصفةُ النزولِ من الصفات الفعلية، ومن القول المأثور عن الفضيل ابن عياض ﵀: «إذا قال لك الجهميُّ أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه- يشير إلى صفة النزول-، فقل: أنا أُومن بربٍّ يفعل ما يشاء» (٢)، وهذا الردُّ موجزٌ بليغٌ. قال الناظمُ: (وقل: ينزلُ الجبَّارُ): والمعنى قل أَيُّها السُّنِّي بقلبك ولسانك إقرارًا وإيمانًا: ينزل الله كما قال الرسول ﷺ : «ينزلُ ربُّنا» (٣)، والجبَّار اسمٌ من أسماء الله مذكور في سورة الحشر. وقولُه: (في كلِّ ليلةٍ بلا كيفَ): أي بلا كيفيةٍ نعلمُها، فلا تقل: كيف ينزلُ فإن القول في النزول كالقول في الاستواء فما قال الإمام مالك (٤) في الاستواء يقال في النزول. ويجب أن ينتبَّه إلى أنَّ قولَ الأئمة: «بلا كيف»؛ ليس نفيًا منهم للكيفية، فلا يقال: ينزل بلا كيفيةٍ، أو ليس لنزوله كيفية، وإنَّما مُرادهم نفيُ العلمِ بالكيفية (٥).

стр. 75

وقول الناظمِ: (جلَّ الواحدُ): تنزيهٌ؛ أي: عَظُمَ شأنُ الواحدِ عن مماثلة المخلوقات، وعن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، و (الواحدُ): اسمٌ من أسماء اللهِ ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ٣٦]. و (المتمدِّحُ): هو الذي يثني على نفسه بذكر محامدِه وصفاتِ كماله، وفي الحديث الصحيح: «لا أحدَ أحبّ إليه المدحُ من الله، ولذلك مدحَ نفسَه» (١)، وقد أثنى سبحانه على نفسه في كتابه وفيما أخبر به رسولُ اللهِ ﷺ . وقوله: (إلى طَبَقِ الدنيا): يريد السماءَ الدنيا، سمَّاها طبقًا أخذًا من قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]، أي: طبق فوق طبقٍ، والذي يظهر أنَّ قوله: (طَبَقِ الدنيا) من باب إضافةِ الموصوفِ إلى الصفة؛ أي: إلى الطبق الدنيا. وقوله: (يمُنُّ بفضلِه): أي ينزل ليمُنَّ بفضله على عباده . (فتفرَجُ أبوابُ السماءِ وتُفتحُ): بالعطاءِ والبذلِ. وقوله: (ألا مُستغفرٌ يلقَ غافرًا): أي: هل من مُستغفرٍ؟ وقد جاء في بعض ألفاظِ الحديث: «هل من مُستغفر» (٢)، والنَّاظمُ هنا نظمَ معنى حديث النزول الثابت في الصحيحين وغيرِهما: «ينزلُ ربُّنا إلى السماء
следующие страницы →