← Акыда

Акыда · id 30039

توضيح المقصود من حائية ابن أبي داود

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (171 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ويُطلَقُ البسطُ ويراد به الجودُ وكثرةُ العطاء، واللهُ -تعالى- جوادٌ كريمٌ، هو أجودُ الأجودين وأكرمُ الأكرمين؛ فيداه مبسوطتان بكثرة الجودِ والعطاءِ دائمًا، وفي الحديث الصحيح: «إنَّ يمينَ اللهِ ملأى لا يغيضُها نفقةٌ، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلقَ السموات والأرض؟ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشُه على الماء، وفي يده الأخرى الفيض، -أو القبض- يرفعُ ويخفضُ» (١)، فاللهُ تعالى جوادٌ كريمٌ. * * *

стр. 72

١١. وقُل ينزِلُ الجبَّارُ في كلِّ ليلةٍ … بلا كيفَ جلَّ الواحدُ المتمدِّحُ ١٢. إلى طَبَقِ الدنيا يَمُنُّ بفضلِه … فتُفرجُ أبوابُ السماءِ وتُفْتَحُ ١٣. يقول: ألا مستغفرٌ يلقَ غافرًا … ومُستمنِحٌ خيرًا ورزقًا فيُمنَحُ (١) ١٤. روى ذاكَ قومٌ لا يُرَدُّ حديثُهمْ … ألا خابَ قومٌ كَذَّبُوهمْ وقُبِّحوا هذه أربعةُ أبياتٍ ضمَّنها النَّاظمُ إثباتَ النزولِ الإلهي. وصفةُ النُّزول صفةٌ فعليةٌ تتعلَّقُ بالمشيئة، فاللهُ ينزل إذا شاء، كيف شاء، والثابتُ في السنَّةِ المتواترةِ هو نزولُه إلى السماء الدنيا كلَّ ليلةٍ حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخر (٢). وصحَّ أيضًا عنه ﷺ قوله: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» (٣).

стр. 73

والشاهدُ في الحديث قولُه: «وإنه ليدنو»، وأمَّا ما ورد من النزول ليلةَ النصف من شعبان؛ فالمعروفُ أنَّه لم يصحَّ فيه شيءٌ بخصوصه (١)، وإن كان بعضُ العلماء يُورد أحاديثَه (٢)، لكنَّ النزولَ الثابتَ المتواترَ هو النُّزولُ الإلهيُّ في ثلث الليلِ الآخرِ. والمقصود في هذا المقام الإيمانُ بأنَّ النزولَ الإلهيَّ واقعٌ ثابتٌ، وكلُّ حديثٍ يصحُّ ويذكر فيه النُّزول يجب الإيمانُ به، والنُّزولُ ليس ممتنعًا على الربِّ؛ بل هو فعلٌ يفعلُه إذا شاء، كما يجيءُ يوم القيامة إذا شاء. والصفاتُ الفعليةُ هي التي تكون بمشيئته، فكلُّ ما يقال فيه: إنه يكون إذا شاء، كقولهم: ينزلُ إذا شاء، ويغضبُ إذا شاء، ويرضى إذا شاء، واستوى على العرش حين شاء، ويجيءُ إذا شاء، ويخلقُ ما شاء إذا شاء، فهو صفةٌ فعليَّةٌ. والضابطُ الذي يفرق به بين الصفاتِ الذاتيةِ والصفاتِ الفعليةِ:

стр. 74

أنَّ الذاتيةَ هي التي لا تتعلَّقُ بها المشيئةُ، وهي لازمةٌ لذات الربِّ تعالى، والفعليةُ هي التي تتعلقُ بها المشيئةُ، ولا تكون لازمةً لذاته (١)، فصفةُ النزولِ من الصفات الفعلية، ومن القول المأثور عن الفضيل ابن عياض ﵀: «إذا قال لك الجهميُّ أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه- يشير إلى صفة النزول-، فقل: أنا أُومن بربٍّ يفعل ما يشاء» (٢)، وهذا الردُّ موجزٌ بليغٌ. قال الناظمُ: (وقل: ينزلُ الجبَّارُ): والمعنى قل أَيُّها السُّنِّي بقلبك ولسانك إقرارًا وإيمانًا: ينزل الله كما قال الرسول ﷺ : «ينزلُ ربُّنا» (٣)، والجبَّار اسمٌ من أسماء الله مذكور في سورة الحشر. وقولُه: (في كلِّ ليلةٍ بلا كيفَ): أي بلا كيفيةٍ نعلمُها، فلا تقل: كيف ينزلُ فإن القول في النزول كالقول في الاستواء فما قال الإمام مالك (٤) في الاستواء يقال في النزول. ويجب أن ينتبَّه إلى أنَّ قولَ الأئمة: «بلا كيف»؛ ليس نفيًا منهم للكيفية، فلا يقال: ينزل بلا كيفيةٍ، أو ليس لنزوله كيفية، وإنَّما مُرادهم نفيُ العلمِ بالكيفية (٥).

стр. 75

وقول الناظمِ: (جلَّ الواحدُ): تنزيهٌ؛ أي: عَظُمَ شأنُ الواحدِ عن مماثلة المخلوقات، وعن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، و (الواحدُ): اسمٌ من أسماء اللهِ ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ٣٦]. و (المتمدِّحُ): هو الذي يثني على نفسه بذكر محامدِه وصفاتِ كماله، وفي الحديث الصحيح: «لا أحدَ أحبّ إليه المدحُ من الله، ولذلك مدحَ نفسَه» (١)، وقد أثنى سبحانه على نفسه في كتابه وفيما أخبر به رسولُ اللهِ ﷺ . وقوله: (إلى طَبَقِ الدنيا): يريد السماءَ الدنيا، سمَّاها طبقًا أخذًا من قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]، أي: طبق فوق طبقٍ، والذي يظهر أنَّ قوله: (طَبَقِ الدنيا) من باب إضافةِ الموصوفِ إلى الصفة؛ أي: إلى الطبق الدنيا. وقوله: (يمُنُّ بفضلِه): أي ينزل ليمُنَّ بفضله على عباده . (فتفرَجُ أبوابُ السماءِ وتُفتحُ): بالعطاءِ والبذلِ. وقوله: (ألا مُستغفرٌ يلقَ غافرًا): أي: هل من مُستغفرٍ؟ وقد جاء في بعض ألفاظِ الحديث: «هل من مُستغفر» (٢)، والنَّاظمُ هنا نظمَ معنى حديث النزول الثابت في الصحيحين وغيرِهما: «ينزلُ ربُّنا إلى السماء

стр. 76

الدنيا كلَّ ليلةٍ حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخر فيقول: مَنْ يدعوني فأستجيبَ له، مَنْ يسألني فأُعطيه، مَنْ يستغفرني فأغفرَ له» (١). وقوله: (يلقَ غافرًا): أي: يجد اللهَ غافرًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء] وقوله: (ومُستمنِحٌ خيرًا ورزقًا فيُمنَحُ): المُستمنِحُ: هو الطالبُ للمنح، والمنحةُ: العطيَّةُ والنعمةُ. وهذا المعنى أخذه من قوله ﷺ عن ربه: «مَنْ يدعوني فأستجيبَ له، مَنْ يسألني فأُعطيَه، مَنْ يستغفرني فأغفرَ له». فذكر الدعاءَ العامَّ الشاملَ لدعاء العبادةِ ودعاءِ المسألةِ، ثم الخاصِّ وهو قولُه: «مَنْ يسألني فأُعطيه»، ثم ذكر دعاءً أخصَّ وهو سؤالُ المغفرة: «مَنْ يستغفرني فأغفرَ له»، فذكر العامَّ ثم الخاصَّ ثم الأخصَّ (٢). والنزولُ الإلهيُّ قد تواترت به الأخبارُ عن النبيِّ ﷺ ، رواهُ جمعٌ من الصحابة، وأجمع على الإيمان به أهلُ السنَّةِ والجماعةِ، فأهلُ السنَّةِ يؤمنون بأنَّ الله تعالى ينزل حقيقةً لا مجازًا إلى السماء الدنيا كيف شاء، ويؤمنون بما أخبر به النبيُّ ﷺ ، فيُثبتون لله النزولَ ويَنفون عنه المماثلةَ، ينزل لا كنزول الخلقِ، نزولًا لا نعلم كيفيَّته. والنزولُ معناه معروفٌ؛ وهو قربٌ من جهة العلو، وأحاديثُ النزولِ يَستدِلُّ بها أهلُ السنَّةِ على إثبات النزول، وهي كذلك من أدلتهم على العلو؛ لأنَّ النُّزول إنَّما يكون

стр. 77

من علوٍّ، فمَن ينفي علوَّ اللهِ لا يمكنه إثبات النزول (١)، أمَّا أهلُ السنَّةِ فيُثبتون العلوَّ لله، ويُثبتونَ النزول، ويُثبتون أنه تعالى فوقَ مخلوقاته مستوٍ على عرشه، على ما يليقُ ويختصُّ به. وأنكرت الجهميةُ والمعتزلةُ والأشاعرةُ حقيقةَ النزول، أمَّا الجهميةُ: فهم أئمةُ المعطلةِ، ينفون الأسماءَ والصفاتِ جميعًا، والمعتزلةُ: يُثبتون الأسماءَ وينفون الصفات، والأشاعرةُ يثبتون الصفاتِ السبع (٢) - كما هو المشهور عنهم- وينفون سائرَ الصفاتِ، ومن ذلك النُّزولُ، وطريقةُ الجميعِ واحدةٌ، لكن يختلف موقفهم من النُّصوص، فمنهم مَنْ سَلكَ طريقَ التفويضِ، ومنهم مَنْ سَلكَ طريقَ التَّأويلِ والتَّحريف (٣) كما تقدم؛ قال شيخ الإسلام فيهم: «الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل» (٤).

стр. 78

وأمَّا موقفهم من الأحاديث فما كان منها آحاد يردها لأنها آحاد لا يحتج بها في الاعتقاد، وإذا كان متواترةٌ قال إنها أدلة لفظية لا تفيد اليقين. ثم إن لهم فيها أحد طريقين التفويض والتَّأويلُ؛ كما تقدم، ولهم في حديث النزول تأويلات، منها أن الذي ينزل ملَك أو رحمته تعالى، وكلاهما باطل؛ فرحمة الله تنزل كل وقت، ولا يجوز أن يقول الملَك: مَنْ يدعوني فأستجيبَ له؟ مَنْ يسألني فأعطيه؟ مَنْ يستغفرني فأغفر له؟!، وإنما الذي يقول ذلك رب العالمين (١). والواجبُ: الإيمانُ بأنَّه تعالى ينزلُ نفسه كلَّ ليلةٍ في الثلث الأخيرِ من الليل كما أخبر الصادقُ المصدوقُ، ونقول: «آمنَّا بالله وبما جاء عن الله على مرادِ اللهِ، وبما جاء عن رسول اللهِ على مراد رسولِ اللهِ» (٢). وقد تلقَّى الصحابةُ والتابعون لهم بإحسانِ ذلك بالقبول، ولم يُعارضوه بخيالاتٍ وأوهامٍ وتقديراتٍ واعتراضات، لكن لَمَّا ظهرت بدعةُ التعطيلِ والتجهُّمِ، جاءت المشكلات، وجاءت الشبهات. وطريقُ النَّجاةِ والسَّلامةِ: هو الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله، واطراح ما خالفهما، وكلُّ السؤالات والإشكالات التي تورَد على حديث النزول، منشؤها قياسُ الخالقِ على المخلوق، وهو أبطل قياس،

стр. 79

فطريقُ الخلاصِ هو استشعارُ أنَّ اللهَ ليس كمثله شيءٌ، وأنَّه لا يُقاسُ بخلقه، فليس نزولُ الخالقِ كنزول المخلوقِ، وإذا استحضر المسلمُ هذا واستقرَّ في نفسه اندفعَ عنه كُلُّ شكٍّ. وقد شرح شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية حديثَ النزول في كتابٍ معروفٍ، وذكر فيه الأحاديثَ والروايات والمذاهبَ في موضوعِ النزولِ، وذكرَ كلَّ ما يتَّصلُ بهذه المسألةِ العظيمةِ. وفي هذا الكتاب ذكرَ بعضَ الشُّبَهِ التي تَرِدُ في عقول بعضِ الناسِ ويتكلَّمُ بها، مثل قضيةِ اختلافِ الليلِ والنهارِ من مكانٍ إلى مكانٍ، وهل يستلزم دوامَ النزول، وسؤال: متى ينزلُ؟ وكيف يكون النزولُ؟ وما أشبه ذلك من الخَلجاتِ والأفكارِ والوساوسِ. وقول الناظمِ: (روى ذاكَ قومٌ): يشيرُ إلى حديث النزولِ وما تضمَّنه. وقوله: (لا يُرَدُّ حديثُهمْ): أي: رواه الثقاتُ الذين لا يجوز رَدُّ حديثهم. وقوله: (ألا خابَ قومٌ كَذَّبُوهمْ وقُبِّحوا): أي: حُرِموا الخيرَ ومُنعوه وأُبعدوا، وهذه كلماتٌ من النَّاظم في ذمِّ أولئك المعطِّلة نفاةِ الصفات، الذين أنكروا نزولَ الربِّ وردُّوا الأحاديثَ الصحيحةَ، إمَّا تكذيبًا لها، وإمَّا تأويلًا وتحريفًا لها، بل ردُّوا نصوصَ القرآنِ وحرَّفوها تَمَسُّكًا بأصولهم الباطلةِ، واعتمادًا على استدلالاتهم وشُبهاتِهم وحُججِهم الدَّاحضةِ. * * *

стр. 80

١٥. وقل إنَّ خيرَ الناسِ بعد محمَّدٍ … وزيراه قُدْمًا ثم عثمانُ الارجَحُ ١٦. ورابعُهمْ خيرُ البَرِيَّة بَعْدَهُمْ … عليٌ حليفُ الخيرِ بالخيرِ مُنْجِحُ (١) بعدما ذكرَ النَّاظمُ بعضَ مسائل الأسماء والصفات مقررًا الحق فيها، ومنكرًا لما خالفه انتقل إلى ذكر ما يجب اعتقادُه في الصحابة. والواجبُ في أصحاب رسولِ الله ﷺ الإيمانُ بفضلِهم وتفاضلهم، ومحبتُهم، وإنزالُ كلٍّ منهم منزلته، والكفُّ عمَّا شجر بينهم، ومعرفةُ أقدارِهم، والثناءُ عليهم، والدعاءُ لهم ﵃ وأرضاهم. وأدلةُ فضلِ الصحابةِ في القرآن كثيرةٌ منها: قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة]، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ٨ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٩

стр. 81

وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ١٠﴾ [الحشر]. ودلَّت السنَّةُ على فضلهم عمومًا وخصوصًا، أمَّا العمومُ كقوله ﷺ : «خيرُ النَّاسِ قرني» (١)، وقولِه ﷺ : «لا تسبُّوا أصحابي، فلو أنَّ أحدَكم أَنفقَ مثلَ أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه» (٢). وهم متفاضلون، وقد جاءت النُّصوصُ أيضًا في تفضيل أعيانٍ منهم وجماعات بخصوصهم؛ فيجب الإيمانُ بالفضل العامِّ لهم وبالفضائل الخاصَّة لبعضهم. وأفضلُهم على الإطلاق: أبو بكر ﵁ باتِّفاق أهلِ السنَّةِ؛ فهو أَسبقُ السابقين إلى الإسلام، وهو الصاحبُ الأوَّلُ للنَّبي ﷺ الذي نوَّه الله تعالى بصحبته في القرآن فقال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، فحَظُّه من الصُحبة أوفرُ وأكملُ من غيرهِ ﵁. ومن أدلة السنَّةِ على فضله وتقدُّمِه: أنَّ النبيَّ ﷺ استخلفه في مرض موتِه ليُصلِّي بالنَّاس، وقال: «مُروا أبا بكر فليصلِّ بالنَّاس» (٣)، وقد اتَّفق الصحابةُ على تقديمه في الخلافة.

стр. 82

ومن بعده عمر ﵁ في الفضل باتِّفاق أهلِ السنَّةِ، وقد وردت أحاديثُ كثيرةٌ في فضله وفضلِ أبي بكر ﵄، ومن ذلك: أنَّ عليًا ﵁ قال: كثيرًا ما سمعت الرسول ﷺ يقول: «جئتُ أنا وأبو بكر وعمر، ودخلتُ أنا وأبو بكر وعمر، وخرجتُ أنا وأبو بكر وعمر» (١)، ومن ذلك أيضًا أنَّ النَّبي ﷺ قال: «أُريتُ في المنام أنِّي أنزِع بدلو بَكْرَةٍ على قَلِيْبٍ، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين نزعًا ضعيفًا والله يغفر له، ثم جاء عمرُ بن الخطاب فاستحالت غَرْبًا، فلم أرَ عبقريًا يَفْرِي فَرِيَّه حتى رَوِيَ النَّاس، وضربوا بعَطَن» (٢)، ومن ذلك حديثُ ابن عمر ﵄ قال: «كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ ، لا نُفاضِل بينهم» (٣). ومن بعد الخليفتين أبي بكر وعمر: الخليفةُ الراشدُ عثمان ﵁، ومن بعده الخليفةُ الراشدُ عليٌّ ﵁. أمَّا أبو بكر وعمر فاتَّفق أهلُ السنَّةِ على تقديمهما سلفًا وخلفًا، وأمَّا عثمانُ وعليٌّ فقد كان هناك خلافٌ بين السَّلف، يقول شيخُ الإسلامِ ابن تيمية في «العقيدة الواسطية»: «فقدَّم قومٌ عثمانَ وسكتوا، أو ربَّعوا بعلي، وقدَّم قومٌ عليًّا، وقومٌ توقفوا، لكن استقرَّ أمرُ أهلِ السنَّةِ على تقديم

стр. 83

عثمان» (١). فصارت المفاضلةُ بين عثمانَ وعليٍّ عند أهلِ السنَّةِ قديمًا على ثلاثة مذاهب: الأول: تقديمُ عثمان، والثاني: تقديمُ علي، والثالث: التوقُّفُ. ويدلُّ للقول الأول حديثُ ابن عمر ﵄ في البخاري (٢). والذي استقرَّ عليه قولُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ أنَّ الخلفاءَ الراشدين ترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، وبهذا يُعلَم الفرقُ بين تفضيلِ عليٍّ على عثمان، وتفضيلِ عليٍّ على أبي بكر وعمر، وأنَّ الأخيرَ مذهبُ الشيعةِ من الرافضة والزيدية، وهو المنكرُ والبدعةُ المخالفةُ للسُّننِ الصحيحةِ. أمَّا مسألةُ تفضيلِ عليٍّ على عثمانَ فليست مما يُبدَّع القائلُ بها، لكن الذي يُنكَر هو الطَّعنُ في خلافة عثمان، فيجب الاعترافُ بأنَّ خلافتَه خلافةٌ راشدةٌ، وأنَّ الأربعةَ جميعًا هم الخلفاءُ الراشدون، وإذا أُطلِقُ لفظُ الخلفاءِ الراشدين انصرفَ إلى هؤلاء الأربعة. وهؤلاء الأربعة هم أفضلُ الصحابةِ على الإطلاق. ومن فضائل عليٍّ ﵁ قولُه ﷺ في غزوة خيبر: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله … » الحديث (٣).

стр. 84

فهؤلاء هم خيرُ النَّاس بعد الأنبياء، لأنَّهم خيرُ هذه الأمَّة، وهذه الأمةُ هي خيرُ الأممِ. قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «ومَن نظرَ في سيرة القومِ بعلمٍ وبصيرةٍ، وما مَنَّ اللهُ عليهم به من الفضائلِ عَلِمَ يقينًا أنَّهم خيرُ الخلقِ بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم» (١). وقول الناظم: (وقل إنَّ خيرَ الناسِ بعد محمَّدٍ): أي: وبعد الأنبياءِ، وإذا قال بعد نبيهم، فإنه يتعيَّنُ أن يكون التقديرُ: خيرُ هذه الأمة بعد نبيِّها، وهذا أولى لقوله: (بعد محمَّدٍ)، لكن إذا قلنا: إنهم خيرُ الناس عمومًا، فالمرادُ بعد الأنبياء. وخيرُ الناسِ بعد محمَّدٍ ﷺ وزيراه أبو بكر وعمر، وقال: إنَّهما وزيراه؛ لأنَّهما العضدان والمعينان له؛ وكانا ملازمين له، كما في حديث عليٍّ المذكورِ آنفًا (٢). قال: (وزيراه قُدْمًا ثم عثمانُ الارجَحُ): (قُدْمًا): أي: أوَّلًا، (ثم عثمانُ الارجحُ): وهذا تقريرٌ من النَّاظم لِمَا استقرَّ عليه مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعة من تقديم عثمانَ على عليٍّ ﵄. (وعثمانُ الارجحُ): أي أنَّه أفضلُ ممن سواه من الصحابة بعد أبي بكر وعمر فيلزم أن يكون أفضل من علي، وهذا هو الذي استقر عليه أمر أهل السنة؛ كما تقدم في كلام شيخ الإسلام.

стр. 85

قوله: (ورابعُهمْ خيرُ البَرِيَّة بَعْدَهُمْ): أي: خيرُ الخليقةِ في الفضل بعد أبي بكر وعمرَ وعثمان: هو رابعُ الخلفاءِ الراشدين عليٌّ ﵁، وهو ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ ﷺ ، وزوجُ ابنتِه، وأبو السِّبْطَين، صاحبُ المناقبِ الكثيرة، وقد أشار الناظمُ إلى بعضِ فضائلِه فقال: (حليفُ الخيرِ): أي الملازم للخير؛ للعلم والعملِ الصالحِ، والجهادِ في سبيل الله، والدعوةِ إلى الله. (بالخيرِ مُنْجِحُ): بكسر الجيم من الإنجاح، وهو الظفرُ بالمقصود، وفيما قال الناظم في علي ﵁ براءة له من النصب الذي رماه به بعض المفترين (١). * * *

стр. 86

١٧. وإنَّهمُ والرَّهْطَ لا رَيْبَ فيهمُ … عَلَى نُجُبِ الفِرْدَوسِ في الخُلْدِ (١) تَسْرَحُ ١٨. سعيدٌ وسعدٌ وابنُ عوفٍ وطلحةٌ … وعامرُ فِهْرٍ والزبيرُ المُمَدَّحُ ينوِّه النَّاظمُ في هذا البيت بما أعدَّ اللهُ لهؤلاء الرَّهطِ وأمثالِهم من النَّعيم المقيم، قال: (وإنَّهم): وهذا الضميرُ يعود إلى مَنْ تقدَّمَ ذِكرهم، ونوّه بمنزلتهم، وهم الخلفاءُ الراشدون رضوان الله عليهم، وتقدَّم ذِكرُ مذهبِ أهلِ السنَّةِ والجماعة فيهم. وقولُه: (والرهطَ) (٢) الواو عاطفة، والرهط: اسمُ جمعٍ لا واحدَ له من لفظه، وهو ما بين الثلاثة والعشرة (٣)، وأراد المؤلف بهم بقية العشرة الذين ذكر أسماءهم في بقية البيت. وقولُه: (لا ريب فيهم): أي: لا شكَّ في فضلهم، أو لا شكَّ في أنَّهم على نُجُب الفردوسِ، وكأنَّه يُشير إلى أنَّهم مُبشَّرون بالجنَّة.

стр. 87

وقولُه: (على نُجُبِ الفردوس): النُّجب: جمعُ نَجيبة، وهي: الراحلةُ القويةُ (١) الحسنةُ الجميلةُ، و (الفردوس): اسمٌ من أسماء الجنَّة، أو اسمٌ لدرجةٍ من الجنَّة، وهي أعلى الجنَّةِ، وفي الحديث: «إذا سألتم اللهَ فسلوه الفردوسَ فإنَّه أوسط الجنةِ، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنَّةِ» (٢)، وقد جاء ذِكر الفردوس في القرآن: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف]. فهؤلاء الصحبُ ﵃ على نُجُب الفردوس بالخلد تسرحُ. ومن نعيم أهل الجنَّة أنَّهم يركبون النَّجائبَ، ويسيرون عليها، ويسرحون في طول الجنَّة وعرضها، والجنَّةُ فسيحةٌ واسعةٌ ينطلق فيها أهلها، ويتمتَّعون بما أعدَّ اللهُ لهم فيها، وذكر الجنَّة في القرآن وفي السنَّةِ كثيرٌ جدًا. والجنَّةُ والنارُ هما دار الجزاء، والإيمانُ بهما من الإيمان باليوم الآخر كما في حديث عُبادَةَ بن الصامت ﵁: «مَنْ شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، والجنَّة حقٌّ، والنَّار حقٌّ، أدخله الله الجنَّةَ على ما كان من العمل» (٣).

стр. 88

والله تعالى يُرَغِّب عبادَه في الإيمان والتقوى والعملِ الصالح بذكر ما أعدَّ لهم من النَّعيم المقيم: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة]، وهذا المعنى يُثَنَّى في القرآن كثيرًا بألفاظٍ متنوعةٍ، وكذلك وعيدُ أهلِ النَّارِ، واللهُ يجمع بينهما فيَقرِن بين ذِكرِ الجنةِ والنارِ كما في قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى]، وقوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة]، إلى غير ذلك من الآيات. والخلاصة أنَّ قولَ الناظمِ: وإنَّهمُ والرَّهْطَ لا ريبَ فيهمُ … على نُجُبِ الفردوس بالخلد تسرحُ يُشيرُ فيه إلى ما وردَ في حقِّ العشرةِ المبشرين بالجنَّة ﵃ وأرضاهم، وهم: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وسعيدُ بنُ زيدٍ، وسعدُ ابنُ أبي وقاص، وطلحةُ بنُ عُبيد الله، وعبدُ الرحمن بنُ عوف، وأبو عبيدة ابنُ الجراح، والزبيرُ بن العوام، ﵃ أجمعين. وقد ذكرَ الأربعةَ الأُوَلين، وهم: الخلفاء الراشدون في البيتين السابقين، وذكرَ بقيتهم في هذين البيتين، فقال توضيحًا للرَّهط في قوله: (والرهطَ لا ريبَ فيهمُ):

стр. 89

سعيدٌ وسعدٌ وابنُ عوفٍ وطلحةٌ … وعامرُ فِهْرٍ والزُّبير المُمَدَّحُ ووجهُ رفعِ سعيدٍ وما عطف عليه؛ أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والتقديرُ: هم سعيدٌ … إلخ. وهؤلاء ستةٌ؛ فأمَّا (سعيد): فهو سعيدُ بنُ زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، يلتقي مع أمير المؤمنين عمر ﵄ في جدِّه نُفيل (١). و (سعدٌ) (٢): هو ابنُ أبي وقَّاصٍ، القائدُ المشهورُ الذي قاد المعاركَ في الفتوح الإسلامية، واسمُ أبيه مالك، فهو سعدُ بن مالك بن أهيب ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي، من بني زُهرة، يلتقي مع النبيِّ ﷺ في كلاب، أحدِ أجدادِ النبيِّ ﷺ ، والد قُصي. و (ابنُ عوفٍ) (٣): هو عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بنِ عبد عوف ابن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب، الزهري القرشي، وهو الذي قال فيه الرسولُ ﷺ لَمَّا اختصم هو وخالدُ بن الوليد: «لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثلَ أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيْفَه» (٤)، يريد عبدَ الرحمن وأمثالَه من السابقين الأولين.

стр. 90

و (طلحة) (١): هو ابنُ عُبيدِ الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي صاحب المواقف والفضائل، وهو الذي كان مع النَّبي ﷺ في وقعةِ أُحد، وكان يذبُّ عنه، وكان يقي الرسول ﷺ النبلَ بيده، ويُناضلُ عنه حتى أُصيب فَشُلَّت يده في سبيل الله (٢)، نصرةً لرسول الله ﷺ . و (عامر فِهْرٍ) (٣): يريدُ به أبا عبيدة عامر بن فهر، فهو فِهري، كما تقول: أبو بكرٍ تيمي من بني تيم، وعمرُ عدوي، وعثمانُ أُموي، وعليٌّ هاشمي، وكذلك عامرُ فِهرٍ فِهري، وهو أبو عبيدةَ عامرُ بنُ عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب ابن ضبة بن الحارث بن فِهرٍ القُرشي، وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ : «إنَّ لكل أمةٍ أمينًا، وإنَّ أمينَنا أيَّتُها الأمة أبو عبيدة بن الجراح» (٤). وفِهْر: أحدُ أجدادِ النَّبيِّ ﵊، وهو الجدُّ العاشرُ، فرسول الله ﷺ هو محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهر (٥)، والمشهورُ أنَّه هو الذي لُقِّب بقريش (٦).

стр. 91

ثم ذكر الناظمُ آخرَ العشرة (الزُّبَيْر) (١)؛ وهو الزبيرُ بنُ العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، الذي قال فيه الرسول ﷺ : «إنَّ لكل نبيٍّ حواريًا، وحواريَّ الزبير» (٢). ولكلٍّ منهم فضائلُ خاصَّة اختُصَّ بها ووردت في حقِّه، وهي مدونةٌ في كتب السنَّة وفي كتب العقائد، وتراجم الصحابة، وهذه البشارةُ بالجنَّة فضيلةٌ مشتركةٌ بينهم فرضي الله عنهم وأرضاهم. وقد ثبت عن النَّبي ﷺ أنَّه بشرهم بالجنَّة وجمعهم في حديثٍ واحدٍ فقال ﷺ : «أبو بكر في الجنَّة، وعمرُ في الجنَّة، وعثمانُ في الجنَّة، وعلي في الجنَّة، وطلحةُ في الجنَّة، والزبيرُ في الجنَّة، وعبدُ الرحمن بن عوف في الجنَّة، وسعد في الجنَّة، وسعيد في الجنَّة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنَّة» (٣). ولمَّا روى سعيد بن زيد هذا الحديث عن النَّبي ﷺ عدَّ تِسعةً وسكت، فسُئل: مَنْ العاشر؟ فقال: سعيد، أو قال: أنا (٤)، فرضي الله عنهم وأرضاهم.

стр. 92

فيجب أنَّ نشهدَ لهؤلاء العشرةِ بأسمائهم بأنَّهم في الجنَّة؛ تصديقًا لخبر الرسولِ ﷺ ، وقد عَلِمَ هؤلاء العشرة أنَّهم في الجنَّة بخبر الرسول ﷺ وعلم النَّاسُ، ولم تزدهم هذه البشارةُ إلَّا جِدًّا واجتهادًا في طاعة الله، وفي الأسباب الموصلة إلى الجنَّة، ولم يوجب لهم ذلك فتورَ العزائم، والاتكال على هذه البشارة، فليس هؤلاء من الذين قال فيهم الرسول ﷺ : «لا تُبشِّرهم فيتَّكلوا» (١)، فهؤلاء لا يتَّكلون على ما ورد في حقِّهم من الخبر الصادقِ، والوعدِ المُحقَّق المُتَيَقَّن. وقد ورد هذا الحديثُ في حقِّ هؤلاء العشرةِ، ثم إنَّ لبعضهم بشارات خاصَّة مثل: أبي بكر، وعمر، وعثمان، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي موسى ﵁ قال: «كنت مع النبيِّ ﷺ في حائطٍ من حِيطان المدينةِ، فجاء رجلٌ فاستفتحَ، فقال النبيُّ ﷺ : «افتح له وبشِّره بالجنة»، ففتحتُ له فإذا هو أبو بكر، فبشرته بما قال النبي ﷺ ، فحمدَ اللهَ، ثم جاء رجلٌ فاستفتح، فقال النبيُّ ﷺ : «افتح له وبشِّره بالجنة»، ففتحتُ له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ ، فحمدَ الله، ثم استفتح رجلٌ فقال لي: «افتح له وبشِّره بالجنةِ على بلوى تُصيبه»، فإذا عثمانُ، فأخبرتُه بما قال رسولُ الله ﷺ ، فحمدَ اللهَ ثم قال: اللهُ المستعان» (٢).

стр. 93

وهؤلاء العشرة هم أفضلُ الصحابةِ على الإطلاق، والأربعةُ الخلفاءُ أفضلُهم، وقد تقدَّمَ أنَّ ترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، وأنَّ هذا هو الذي استقرَّ عليه مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ (١). وأمَّا الستَّةُ فهم أفضلُ الصحابةِ بعد الأربعة، ولا ترتيب بينهم. والواجبُ الإيمانُ بما لهم من الفضائل، وإنزالُهم منازلهم؛ فنعرف منزلةَ أبي بكر في الأُمَّة، ومنزلةَ عمر، ومنزلةَ عثمان، ولا نُسوِّي بين مَنْ فاضل اللهُ بينهم، فاللهُ فضَّلَ بعضَ الأنبياء على بعضٍ كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، وكذلك فاضلَ بين الصحابةِ ففضَّل بعضَهم على بعضٍ. * * *

стр. 94

١٩. وسِبْطَيْ رسولِ الله وابنيْ خديجةٍ (١) … وفاطمةَ ذاتَ النقاءِ تَبَحْبَحُ (٢) قوله: (وسِبْطَيْ): بالنَّصب، ويكون التقدير: وأَمدحُ سِبطي رسول الله ﷺ وابني خديجة، والمرادُ بهما: الحسنُ والحسينُ، ابنا عليٍّ وفاطمة ﵃، فالذي يظهرُ أنَّه يريد بالسِّبطين والابنين الحسنَ والحسين، أمَّا سِبطا رسولِ اللهِ فهذا لا شكَّ فيه، لكن قوله: (وابنيْ خديجةٍ) يحتملُ -وفيه بُعد- أنَّه يريد ابني الرسول ﷺ القاسمَ وعبدَ الله، وقد ذكر أهلُ السِّير أنهما ماتا في الصغر، وهما من خديجة، فإنَّ خديجةَ أمَّ المؤمنين ﵂ هي أمُّ أولاده، ولم يولَد للنَّبي ﷺ من غيرها إلَّا ابنه إبراهيم من سُرِّيَّتِه مارية ﵂، وإلَّا فأولادُ رسولِ الله ﷺ كلُّهم من زوجته الأولى خديجة بنت خويلد ﵂ (٣). والذي يظهر أنَّ قولَه: سبطي رسولِ الله وابني خديجة يريد به الحسنَ والحسين باعتبارهما ابني بنتها.

стр. 95

وقولُه: (وفاطمةَ ذاتَ النقاءِ تَبَحْبَحُ): يعني فاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ ﷺ . (ذاتَ النقاءِ): أي ذاتَ الطُّهر. وقوله: (تَبَحْبَحُ): أي: توسط وتمكَّن (١)، والمراد التنويهُ بمقامها في الطُّهر والنقاء، ولفاطمة ﵂ منه ﷺ المنزلة العظيمة، ولهذا قال: «يا فاطمةُ بنتُ محمد، سَليني ما شئتِ من مالي لا أُغني عنكِ من الله شيئًا» (٢)، وقال: «فاطمة بَضعَةٌ منِّي فمَن أَغضبَها أَغضبني» (٣). وجاء في شأنها أنَّها سيدة نساءِ أهل الجنَّة (٤)، فهي وأمُّها وعائشةُ ﵅، ومريمُ بنتُ عمران، وآسيةُ بنتُ مزاحم امرأةُ فرعون، هؤلاء الخمسُ هنَّ أفضلُ نساءِ العالمين (٥). وأمَّا الحسنُ والحسينُ فهما سِبطا رسولِ الله ﷺ ، وجاءت في فضلهما أحاديثُ، ومن فضلهما محبَّةُ الرسولِ ﷺ لهما، واحتضانه لهما

стр. 96

صغارًا، ومما ورد في شأنهما أنَّهما سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة (١)، وقال النَّبي ﷺ في الحسن: «إنَّ ابني هذا سيِّدٌ، ولعلَّ اللهَ أن يصلحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٢)، فهما وأُمهات المؤمنين جميعًا من المبشرين بالجنَّة. ومذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعة إنَّما يُشهَدُ بالجنةِ لمن شهدَ له الرسولُ ﷺ ، وهذا هو الذي عليه جمهورُ أهلِ العلمِ، فلا يُشهَدُ لمعيَّنٍ بالجنَّة إلَّا لمن شهدَ له رسولُ الله ﷺ ؛ كالعشرة والحسنِ والحسين وفاطمة وسائر أمَّهات المؤمنين ﵃ جميعًا (٣). * * *

стр. 97

٢٠. وعائشُ أُمُّ المُؤمِنين وخَالُنا … معاويةٌ أَكْرِمْ به ثُمَّ أَمْنحُ يقول: (وعائشُ أُمُّ المؤمنين): عائش: هي عائشةُ بنتُ أبي بكر ﵄، وهذا الحذفُ يُسمَّى ترخيمًا، وأكثرُ ما يقع في النداء، يقال: يا عائشُ، يا فاطمُ، يا خديجُ، ويأتي الترخيم في غير النداء قليلًا، وهذا منه، والذي أوجب له الترخيم رعايةُ النَّظمِ؛ لأنَّ النَّظمَ لا يُسعفُه أن يُعبِّرَ بما يريد. (وعائشُ): كأنَّه عطفٌ على قوله: (وفاطمة)، وعائشةُ هي إحدى أُمَّهات المؤمنين، وكلُّ أزواجِ النَّبي ﷺ لهنَّ هذا الوصفُ بنصِّ القرآن: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وهذه أمومةُ منزلةٍ واحترامٍ، فليس لهنَّ أحكامُ الأمِّ من حيثُ النظرِ والمحرميَّةِ والخلوة (١). فأشار في البيتين إلى فضل خديجةَ وعائشةَ وفاطمةَ ﵅. ويختلف أهلُ السنَّةِ في المفاضلة بين خديجةَ وعائشةَ ﵄ على ثلاثة مذاهب: فمنهم مَنْ فضَّلَ خديجةَ وقال: إنَّها أفضلُ أمهات المؤمنين (٢).

стр. 98

ومنهم مَنْ فضَّلَ عائشةَ على الإطلاق، وكلٌّ يستدلُّ بما ورد في فضل الواحدةِ منهنَّ (١). وتوسَّط قومٌ فقالوا: إنَّ كلًّا منهما أفضلُ من الأخرى من وجه، كما ذكر شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀ (٢)، وذلك بأنَّ خديجةَ لها فضلُ السَّبْقِ إلى الإسلام، والمؤازرةِ للرسول ﷺ ، والمعاونةِ له على أَمرِه في وقت الشِّدَّةِ، عندما نزل عليه الوحيُ بحِرَاء وجاء يرتعدُ خائفًا، وذكر لها ما كان، وقال: إنِّي خشيتُ على نفسي، فقالت له القولةَ المعروفةَ التي تدلُّ على رجاحةِ عقلها، وعُمقِ فهمِها وعِلمِها بالله: «كلا والله ما يُخزيكَ اللهُ أبدًا، إنك لتَصِلُ الرَّحمَ، وتحملُ الكَلَّ، وتكسبُ المعدومَ، وتَقْرِي الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحقِّ» (٣). وعائشةُ أفضلُ من جهة الفقهِ في الدِّين، والتبليغِ لأحكامه، فهي قد حملت عن النَّبي ﷺ حديثًا كثيرًا وبلَّغته، فهذه فضيلةٌ تختصُّ بها ليست لخديجة، ولخديجة فضيلةٌ تختصُّ بها ليست لعائشة، واللهُ أعلمُ أَيَّتُهما أفضلُ عنده. أمَّا من جهة الفضائل؛ فلكلٍّ منهما فضيلةٌ تتميَّزُ بها عن الأخرى، وكان النَّبي ﷺ يحبُّ خديجةَ ﵂ ويذكرها، وكان يذبح الشاةَ ويقسمُها على صديقاتها، وكانت عائشةُ ﵂ تغار منها وهي ميتة (٤)،

стр. 99

وهذه الغيرةُ من طبع النِّساء، وخديجةُ ﵂ لها شأنٌ عظيمٌ، كيف وقد جاء جبريلُ ﵇ يُبلِّغها بواسطة النبيِّ ﷺ السَّلامَ من ربِّها، كما ثبت في الصحيح قال: «أتى جبريلُ النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجةُ قد أتت معها إناءٌ فيه إدامٌ أو طعامٌ أو شرابٌ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها¬ السَّلامَ من رَبِّها ومنِّي، وبشِّرها ببيتٍ في الجنة من قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب» (١)، وهذه فضيلةٌ عظيمةٌ. والحديثُ عن فضائل هؤلاء الفُضلاءِ والفاضلاتِ الأخيارِ طويلٌ، وعندي -والله أعلم- أن القول بتفضيل خديجة: قول قوي؛ لأدلة كثيرة دالة على فضلها، وكلهن فُضْليات ﵅. قوله: (وخالُنا معاويةٌ): خالُ المؤمنين معاويةُ بن أبي سفيان، واسمُ أبي سفيان صخرُ بنُ حربٍ بنِ أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان معاويةُ يُكنى أبا عبد الرحمن، وهو أوَّلُ ملوكِ المسلمين، ولد قبلَ البعثة بخمس سنين (٢). وهو أحدُ كُتَّابِ الوحي للنَّبي (٣) ﷺ ، يُعَدُ في مُسلِمَةِ الفتح؛ أو ما بعد صلحِ الحديبية، فإنَّ الصحابةَ ﵃ كان إسلامُهم على مراحل، فأفضلُهم الذين أسلموا قبل الفتح، ثم الذين أسلموا بعد الفتح، ومنهم مَنْ أسلم بعد الفتح وقبل فتحِ مكة، والمرادُ بالفتح: الفتحُ الفاصلُ بين

стр. 100

مرحلتين، وهو صلحُ الحديبية، الذي وقع في السَّنةِ السادسةِ من الهجرة، وهو المذكورُ في قوله : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] (١). فمعاويةُ، وعَمرو بنُ العاص، وخالدُ بنُ الوليد ﵃ جميعًا- كلُّهم من هذا النوع، ليسوا من السَّابقين الأوَّلين، فالسَّابقون الأوَّلون هم على القولِ الراجحِ مَنْ أَسلمَ من قبل الفتح (٢)، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾، قال اللهُ تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، فكلُّهم موعودون بالحُسنى، وكلُّهم على فضائلهم ومنازلهم. وقول النَّاظم: (وخالُنا معاويةٌ): فيه نعتُ معاويةَ بالخالِ، وقد عُرف ﵁ بخال المؤمنين، ولا أعلم مَنْ الذي لقَّبه به (٣)، لكن سبب هذا اللقب أن معاوية أخو أمِّ حبيبة بنتِ أبي سفيان أم المؤمنين، واسمُها رَملةُ، وقيل: هندُ (٤)، وهي إحدى أمَّهات المؤمنين، فهذا سببُ تَلقِيبه خال المؤمنين، ويشركه في هذا المعنى ابن عمر لأنه أخو أم المؤمنين

стр. 101

حفصة بنت عمر لكن المشهور بهذا اللقب معاوية (١). وهناك سببٌ آخر أوجب اشتهاره بذلك مع مشاركة آخرين له، وهو الردُّ على مَنْ يطعنُ عليه ﵁ وذلك ببيان فضائله، ومنها أنه صِهرُ النبيِّ ﷺ ، فيجب أن يُعرف له فضلُه وفضلُ الصُّحبة، وفضلُ تقريبِ الرسولِ ﷺ له حتى اتخذه من كُتَّاب الوحي (٢). وقد كان ﵁ موضعَ تقديرٍ للخلفاء الثلاثة الراشدين أبي بكرٍ وعمرَ وعثمان؛ وأول ذلك: أنَّ أبا بكر أمَّره على جمعٍ من الجند، وأمره أن يلحق بأخيه يزيد في الشام (٣)، وولَّاه عمر الشامَ بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان، وجمع له عثمانُ الشامَ فولي الشامَ عشرينَ سنة أميرًا، ولَمَّا تنازل الحسنُ بنُ عليٍّ ابنُ أبي طالب ﵁ وعن أبيه- عن الخلافةِ لجمعِ كلمةِ المسلمين، ولكفِّ الدماءِ وقطعِ دابرِ الفتنةِ، اجتمعت الكلمةُ عليه في عام أربعينَ من الهجرة، وسُمِّيَ ذلك العامُ عامَ الجماعةِ كما هو مشهورٌ معروفٌ (٤)، وصار مَلِكًا على المسلمين عشرينَ سنةٍ، فولايتُه منذ

стр. 102

ولي بعض الأمور إلى أن صار خليفةً إلى آخر الأمر أربعون سنة، وهو أميرٌ؛ ملكٌ أو خليفةٌ. وقولُه: (أَكْرِمْ به ثُمَّ أَمْنَحُ): يقول: معاويةُ أَكرم به، و (أَكْرِمْ به): أسلوبُ تعجُّبٍ؛ أي: ما أكرمه. (ثُمَّ أَمْنَحُ): هذه الكلمةُ فيها بعض الإشكال، ولعل المرادُ (ثم أَمْنَحُ): ثم هو أَمْنَحُ؛ أي: أكثرُ منحًا وجودًا وعطاءً. والمقصودُ: الإشادةُ بكرمِ معاويةَ وفضلِه ﵁. * * *

стр. 103

٢١. وأنْصَارُه والهَاجِرُون دِيارَهم … بنُصْرَتِهِم (١) عن كَيَّةِ (٢) النَّارِ زُحْزِحُوا (وأنْصَارُه): المرادُ: أنصارُ النَّبي ﷺ ، وهم: الأوسُ والخزرجُ، واللهُ تعالى ذكرهم بهذا الوصف، فاللهُ تعالى سمَّاهم الأنصار، وكذلك رسولُ الله ﷺ . والأنصارُ: جمعُ نصير. (والهَاجِرُون دِيارَهم): يريد بذلك المهاجرين، وأَخَّرَ ذِكر المهاجرين مراعاةً للنَّظم، ولا بأس بهذا؛ فقد جاء على لسان النَّبي ﷺ قوله: «اللهمَّ لا عيشَ إلَّا عيش الآخرة، فاغفرْ للأنصار والمهاجرة» (٣)، وإلَّا فالأصلُ هو تقديمُ المهاجرين؛ فالمهاجرونُ مُقدَّمون على الأنصار في القرآن في كلَّ المواضع: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ … ﴾ [الحشر: ٨ - ٩] الآيتين. وقوله: (الهَاجِرُون): أَي: التاركون ديارَهم، فالمهاجرون هم الذين فارقوا أَوطانهم فرارًا بدينهم، ونُصرةً لله ورسوله، فجاؤوا إلى النَّبي ﷺ في المدينة من مكة وشتَّى الأقطار، فاجتمع أهلُ البلدِ وهم الأنصار مع الضيوف الوافدين المهاجرين.

стр. 104

وقد جاءت نصوصٌ في فضل المهاجرين والأنصار؛ منها قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]، وقولُه سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، ومما جاء في فضل الأنصارِ عن النبيِّ ﷺ قولُه: «آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصارِ، وآيةُ النفاقِ بُغْضُ الأنصارِ» (١) وقال: «لا يُحبُّهم إلَّا مؤمنٌ ولا يُبغضهم إلَّا منافقٌ» (٢). وإذا كان هذا في الأنصار؛ فالمهاجرون من باب أولى، فهم أنصارٌ في المعنى، فمعنى النُّصرة حاصلٌ من الكل. وقوله: (ديارَهم): مفعولٌ به؛ أي: والذين هجروا ديارَهم وأموالَهم، كما قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر]. فأثبتَ لهم صفةَ النصرة، وأثنى عليهم بطلب فضلِ اللهِ ورضوانه، كما أثنى عليهم بنصرةِ دينهم. يقول النَّاظم: (بنصرتهم عن كَيَّةِ النَّار زُحْزِحُوا) (٣): أي: بنصرتهم لرسول الله ﷺ ، وبنصرتهم لدينِ اللهِ عن كية النَّار زُحزحوا. والمقصودُ من هذا وذاك: أنهم زُحزحوا عن النَّار فنَجوا بإيمانهم ونصرِهم لدينِ الله، ونصرهم لرسولِ اللهِ ﷺ .

стр. 105

والزحزحةُ: الإبعادُ بشيءٍ من التدرُّج، والدفع شيئًا فشيئًا، قال اللهُ تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، ومن زُحزحَ عن النَّار دخل الجنَّة، ولكن تمام الفوزُ إنما يكون بدخول الجنَّةِ، وأوَّلُ الفوزِ النَّجاةُ من النَّار بالزحزحة عنها ومُجاوزتها، فمَن جاوز النَّارَ تجاوز كلَّ الأخطارِ، ونجا من كلِّ مكروهٍ. ولا شكَّ أنَّ المهاجرين والأنصار لهم الحظُّ الوافرُ من ذلك الفضل؛ فهم أولى الناسِ بالنَّجاة من النَّار ودخولِ الجنَّة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فوعدهم اللهُ الرضوانَ والفوزَ بالجنان. وقد قال ﷺ في أهل بيعةِ الرضوان: «لا يدخل النَّارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرةِ» (١). * * *

стр. 106

٢٢. ومِنْ بَعدِهم فالتَّابعونَ لحُسْنِ (١) ما … حَذَوْا فعلهم قولًا وفعلًا فأفلحوا (٢) ٢٣. [ومالكُ والثوريُّ ثم أخوهمُ … أبو عَمْرِو الاوزَاعيُّ ذاك المُسبِّحُ ٢٤. ومِنْ بَعدِهم فالشافعيُّ وأحمدٌ … إمامَا هُدًى مَنْ يتبعِ الحقَّ يَنْصَحُ ٢٥. أولئك قومٌ قَدْ عَفَا اللهُ عنهمُ … فأحبِبْهم فإنَّكَ تَفْرَحُ] (٣) بعدما ذكرَ فضلَ الصحابةِ ﵃ وتفاضلهم أَشادَ بفضل التابعين، ولا شكَّ أنَّ التَّابعين لهم فضيلةُ الاتِّباع، واللهُ قد نوَّه بذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فيجب الاعترافُ بفضل التَّابعين الذين لقوا الصحابةَ، وأخذوا عنهم، وحذوا حَذوهم في العلم والعمل، وتشرَّفوا بلقائهم، فرؤيتهم لأصحاب النَّبيِّ ﷺ أُمنيةٌ عظيمةٌ، وكرامةٌ وفضيلةٌ.

стр. 107

وعلى كلِّ حالٍ؛ إن صحَّتْ هذه الأبياتُ عن النَّاظم فهو كما أشاد بالصحابة والتَّابعين أشادَ بالأئمة المشهورين بالعلم والدِّين، والعبادةِ والصلاحِ، وذَكر منهم: مالكًا، والشافعيَّ، وأحمدَ، والأوزاعيَّ، وسفيان الثَّوريَّ، وهؤلاء ذَكرهم على سبيل المثالِ لا على سبيل الحصرِ؛ لأنَّ هؤلاء لهم نُظراءُ، أمثال: أبي حنيفة، والليثِ بنِ سعدٍ، وسفيانَ بن عيينة، وأبي عبيد القاسم بن سلَّام، والأئمة أصحاب المصنفات؛ كالبخاري، ومسلم، وأصحابِ السُّنن، وغيرهم، وكلُّهم أئمةٌ هداةٌ ومُهتدون، وقدوةٌ صالحون، وعلماءُ عُنوا بعلم الكتاب والسنة حفظًا لدين الله؛ حملوه وعلَّموه وذَبُّوا عنه، فيجبُ الاعترافُ بفضائلهم، وما أَكرمهم اللهُ به من العلم والإمامةِ في الدِّين. وهم متفاوتون في الفضائل، مثل الصحابةِ ﵃. والنَّاسُ في العلماء ثلاثةُ أصنافٍ، كما أنَّهم في الصحابة كذلك: الصنفُ الأوَّلُ: قومٌ غَلوا في العلماء، وأَفرطوا في تعظيمهم، حتى جعلوا لهم بعضَ خصائصِ النبَّوةِ، كما يقع من بعض المتعصِّبين الذين يغلون في متبوعيهم، ويجعلون أقوالَ متبوعيهم هي الحَكَم المقدَّمَةُ على قولِ كلِّ أحدٍ يُخالفها؛ فلا يقبلون من سواهم، بل النُّصوص إذا وردت تُعرض على أقوالهم، فما وافقها قَبِلوه، وما خالفها رَدُّوه، زاعمين أنَّ أئمَّتَهم أعلمُ، فلو كانت صحيحةً أو لو كانت مُحْكمةً لَمَا تركوها ولَمَا أَهملوها، وهذا الغلوُّ سبيلُ المتعصِّبين من المقلِّدين. ولا بأس في الانتساب للمذاهب الفقهية، فلا يضرُّ الانتسابُ إلى الأئمة إذا خلا عن التقليد والتعصب.

стр. 108

فهؤلاء الأئمةُ الأربعةُ كلٌّ له من الفضل في العلم والدِّينِ ما قدَّر اللهُ له، وقد بيَّنوا ﵏ أنَّ أقوالَهم يجب أن تُعرض على كتاب اللهِ وسنَّةِ رسولِه ﷺ ، فيُطَّرح منها ما خالف نصًّا من كتاب أو سنَّة، وقال بعضُهم القَولةَ المشهورةَ: كلُّ أحدٍ يُؤخَذُ من قوله ويُترك إلَّا صاحب هذا القبر (١)؛ هذا مذهبُ جميعهم، فالذين يتعصَّبون لهم مخالفون لهم. الصنفُ الثاني: يُقابلهم وهم الذين يرفضونهم، ولا يعرفون لهم مقدارهم، ولا ينظرون في أقوالهم، ولا يستفيدون من فهومهم واستنباطهم وبيانِهم، ويقولون: نحن رجالٌ وهم رجالٌ. وهذا حقٌّ، لكن سبحان الذي فاضلَ بين الرجال، ورفعَ بعضَهم فوقَ بعضٍ درجات. وهذان فريقان على طرفي نقيضٍ؛ أولئك غلوا وتعصَّبوا، وهؤلاء فرَّطوا وقصَّروا، وحرموا أنفسهم الانتفاعَ بعلومِ أولئك العلماء وفهومهم وما فتح اللهُ به عليهم. والصنفُ الثالثُ: هم الذين عرفوا لهؤلاء العلماء قدرَهم وفضلَهم في العلم والدِّين، فاعترفوا بعلمهم وإمامتِهم وهدايتهم، واقتدوا بهم وتعلَّموا منهم، واستفادوا من فُهومهم، ولم يتعصَّبوا لهم، فأقوالُ هؤلاءِ الأئمةِ عندهم معروضةٌ على كتاب اللهِ وسنَّةِ رسولِه ﷺ ، فما وافقَها

стр. 109

قَبِلوه، وما خالفَها ردُّوه، وما لم يتبيَّن فيها هذا ولا ذاك جعلوه موضعَ اختيارٍ، فالأمرُ فيه واسعٌ ليس بواجبِ الاتباع، وإنما الذي يجب اتِّباعُه الاتِّباع المطلق هو رسولُ الله ﷺ ليس إلَّا، فهذا مقامٌ يختصُّ به الرسولُ ﷺ ؛ لأنَّ طاعةَ الرسولِ ﷺ من طاعة اللهِ؛ قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، فتجب طاعتُه في كلِّ شيءٍ طاعةً مطلقةً بلا قيد، أمَّا غيرُه فطاعتُه مقيدةٌ بطاعة اللهِ ورسولِه ﷺ . فالواجبُ في أقوال الأئمةِ أخذُ ما وافق الدليل تحكيمًا له، واتِّباعُهم في هذا حقٌّ، وما خالفَ الدليلَ وجب اطِّراحُه، وهذا من اتِّباعِ الأئمةِ والاقتداءِ بهم في تعظيم كتابِ اللهِ وسنَّةِ رسوله ﷺ . والناظم أشارَ إلى هؤلاء الأئمةِ تنويهًا بفضلهم، وإرشادًا إلى الاقتداء بهم ﵃ ورحمهم. وقوله: (أولئك قومٌ … ) إلى آخره هذا البيت بهذا التركيب في الشطر الثاني؛ انكسار فيما يقابل التفعيلة الثانية: «مفاعيل»، والظاهر أنه يستقيم وزنه إذا قيل: «فأحببهم لله تحيا وتفرح». * * *

стр. 110

٢٦. وقُلْ خيرَ قولٍ في الصحابةِ كلِّهم … ولا تَكُ طعَّانًا تَعيبُ وتَجْرحُ ٢٧. فقد نَطَقَ الوحيُ المُبِينُ بفضلِهمْ … وفي الفَتْحِ آيٌ للصَّحابةِ تَمْدحُ (١) في هذين البيتين إرشادٌ من النَّاظم إلى ما يجب لعمومِ الصحابةِ، وهذا البيتُ في بعض الروايات مرتبطٌ بالأبيات الأولى؛ لأنَّ ذِكرَ التَّابعين وذِكرَ الأئمة صار فاصلًا بين الأبيات المتعلِّقةِ بالصحابة، فكان المناسبُ كما في بعض الروايات أن يتقدَّمَ هذان البيتان على ما يتعلَّقُ بالتَّابعين ومَن بعدهم. قوله: (وقُلْ خيرَ قولٍ): أي: قل أَيُّها السنِّيُّ خيرَ قولٍ في الصَّحابة، وذلك بذكرهم بالجميل، والدعاءِ لهم، والترضي عنهم، وبيان ما يجب اعتقادُه فيهم، (وقُلْ خيرَ قولٍ في الصحابةِ كلهم)، من دون تفريقٍ بينهم إلَّا فيما فرَّقَ اللهُ فيه ورسولُه ﷺ ، فيُنزَلُ كلٌّ منهم منزلتَه، وجميعهم
следующие страницы →