مقدّمة الربع الأول
القرآن الكريم منظومة متسلسلة من أوله حتى آخره، وهذا التسلسل ينطبق على الآيات القرآنية في كل سورة على حدة، كما ينطبق على ترتيب السور جميعا من سورة الفاتحة حتى سورة الناس، وقد بدأ المؤلف في كتابه بيان النظم في القرآن الكريم بالربع الرابع منه، أي من سورة غافر (٤٠)، وحتى سورة الناس (١١٤)، ونشره في كتابه (بيان النظم في القرآن الكريم)، وفي هذا الكتاب بيان النظم في الربع الأول منه، أي من سورة الفاتحة (١)، حتى سورة الأنعام (٦)، والعمل جار في استكمال الربعين الثاني والثالث إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين،
المحرم ١٤٢٥ - شباط/فبراير ٢٠٠٤
محمد فاروق الزين
البريد الإلكتروني faruk@zein.org
стр. 3
مراجع الكتاب:
١ - رسالة القرآن - محمد أسد The Message of the Quran،Muhammad Asad
٢ - تفسير المنار - الشيخ محمد رشيد رضا
٣ - التفسير الكبير - الرازي
٤ - الكشاف - الزمخشري
٥ - روح المعاني - الألوسي
٦ - تفهيم القرآن - سيد أبو الأعلى المودودي
٧ - جامع أحكام القرآن - القرطبي
٨ - معاني القرآن الكريم - عبد الله يوسف علي
٩ - أنوار التنزيل - البيضاوي
стр. 4
مقدّمة الربع الرابع [¬*]
﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصّلت ٤١/ ٤٤]
تتسم معظم تفاسير القرآن الكريم بأنها تفسر القرآن آية آية بالتجزئة، كما لو كانت كل آية من الآيات مستقلة بذاتها عما قبلها وعما يليها، دون كثير اهتمام بترابط الآيات بعضها مع بعض، ودون التركيز على النظم القرآني المحكم، لدرجة أن البعض، في تجاهل واضح للنظم، قد يعتقد أن ليس هنالك من علاقة بين ترتيب الآيات وبين معانيها، ولا شك أن هذا الأمر وقف عائقا بين بعض المستشرقين وبين فهم القرآن حتى أنهم توصّلوا إلى استنتاجات خاطئة من قبيل أن القرآن كتاب غير مفهوم أو غير منتظم أو غير محكم، وأدّى هذا الأمر ببعضهم إلى محاولة إعادة ترتيب القرآن بحسب ترتيب النزول الزمني في مسعى منهم لمحاولة فهمه، وهذه الصعوبة ليست مقتصرة على المستشرقين وحدهم بل تعم الكثير من المسلمين أنفسهم، ناهيك عن حديثي العهد بالإسلام منهم.
والمعروف أن للإعجاز القرآني الكثير من الوجوه اثنان منها على الأقل له علاقة بالنظم، الوجه الأول أن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ على مدى ثلاث وعشرين سنة من البعثة النبوية بحسب الظروف المرحلية للبعثة وطبقا لمتطلباتها في كل مرحلة من مراحلها، وكان الوحي يبيّن للنبيّ ﷺ عند نزول كل آية موضعها الصحيح من السورة الخاصة بها، كما كان يبيّن له ترتيب
стр. 5
السور على النحو الذي نعرفه اليوم مما لا يطابق الترتيب الزمني للنزول، وبالتأكيد أنّ ذلك لم يكن اعتباطا، لأن القرآن لم ينزل فقط كي يوافق المتطلبات المرحلية للبعثة النبوية وحدها، وإنما نزل كي يلائم كل العصور والأمم وليس لوقت أو أمة بعينها، ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء ١٧/ ١٠٦]، وما يدل أن ترتيب الآيات والسور في المصحف ذو مغزى لا يمكن التغاضي عنه في تفسير القرآن الكريم، وقد أقر غالبية الفقهاء بإعجاز القرآن من هذه الزاوية لكنهم لم يتجاوزوا هذا الإقرار إلى الاستفادة منه في التفسير، بل إن غالبية المفسرين لم يركزوا على هذه النقطة.
فالوجه الثاني من هذا الإعجاز المذهل أن النبي الذي لم يكن يمتلك أي وسيلة من وسائل التحرير والتعديل والتنقيح، ولا أدنى وسيلة من وسائل التقانة المتاحة اليوم في هذا المضمار، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما من بعثته، ما يجعل من المستحيل أن يستطيع من تلقاء نفسه ترتيب القرآن على النحو المحكم الذي نعرفه، والمغاير لترتيب النزول الزمني، وبحيث يكون القرآن مناسبا لكل العصور، ممّا يدل على أن ترتيب المصحف الذي نعرفه توقيفي من الله تعالى،
فهنالك إذا نقطتان لا يمكن التغاضي عنهما: الأولى أن تعريف السورة بهذه الكلمة: (سورة) يعني أنها بمثابة سور يحيط بموضوع معين أو مواضيع مترابطة، وبمعنى أن كل سورة ذات محور يدور حوله موضوعها أو مواضيعها، ولولا ذلك لما كان هنالك مبرر لتقسيم القرآن إلى سور، ولكان كله سورة واحدة من أوله إلى آخره، ولا بد لكل قارئ للقرآن أن يلاحظ أن لكل سورة قرآنية شخصيتها المختلفة عن الأخرى، وهذا الأمر يبدو شديد الوضوح عندما ينتهي المرء من قراءة إحدى السور وينتقل إلى الأخرى، ومن هنا يبدو أحد جوانب التحدي القرآني للكفار أن يأتوا بسورة من مثله، والنقطة الثانية أن ترتيب
стр. 6
السور التوقيفي يقتضي أن لهذا الترتيب مغزى لطيفا لا علاقة له بطول السورة أو قصرها، وهو ما اجتهد الكاتب في بيان ارتباط السور المتتالية بعضها ببعض.
وإذا قرأ أحدهم القرآن دون محاولة التركيز على النظم فقد تبدو له الآيات مفككة المعاني، غير أن وضع كل آية في نصابها الصحيح من السورة ودراسة تعلقها بما قبلها وما بعدها يلقي المزيد من الضوء على معناها بما لا يقبل الخطأ.
وليس من شك أن بعض المفسرين فطن لهذا الموضوع، ولكن تصديهم له كان جزئيا كما هي الحال في التفسير الكبير للرازي (المتوفّى ٦٠٤ هـ/ ١٢٠٨ م) الذي حاول أن يجد العلاقة أحيانا بين بعض الآيات وبعضها الآخر أو العلاقة بين نهاية بعض السور وبداية السورة التي تليها، كما بذل الألوسي (المتوفّى ١٢٧٠ هـ/ ١٨٥٤ م) في تفسيره (روح المعاني) ذات المحاولة الجزئية، غير أنهما معا لم يستفيدا من إحكام النظم في تفسيرهما للسور القرآنية كل على حدة، ولا للقرآن بمجمله، وقد وردت هذه المحاولة الجزئية أيضا في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا،
وقد لفت الإمام الزركشي (المتوفّى ٧٩٤ هـ/ ١٣٩٢ م) في كتابه (البرهان في علوم القرآن) النظر لهذا الموضوع، إذ عرّف النظم بعبارة: «معرفة المناسبات بين الآيات» فكتب: «وهذا النوع - من معرفة المناسبات بين الآيات - يهمله بعض المفسّرين أو كثير منهم، وفوائده كثيرة»، وكتب أيضا: «قال بعض مشايخنا: قد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة، لأنها على حسب الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا، فالمصحف مرتّبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أوّل شيء عن كونها مكمّلة لما قبلها أو مستقلّة، ثم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جمّ، وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له»، ونقل عن الشيخ أبي الحسن الشهرباني قوله: «أوّل من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه
стр. 7
من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري (المتوفّى ٣٢٤ هـ/ ٩٣٦ م) وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول إذا قريء عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة» انتهى.
وقد بذل محاولة متكاملة في هذا الصدد الإمام برهان الدين إبراهيم ابن عمر البقاعي (المتوفّى ٨٨٥ هـ/ ١٤٨٠ م) في تفسيره الذي سمّاه: (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) وذكر في مقدمته: «هذا كتاب عجاب، رفيع الجناب، في فنّ ما رأيت من سبقني إليه» فلم يخل من التصنّع والتكلّف.
ومن جهة أخرى لا بد أن يلاحظ المرء أن القرآن الكريم قد لا يستنفد موضوعا من المواضيع في مكان واحد أو في سورة واحدة، بل يعود إليه في أكثر من سورة بما قد يعطي الانطباع أن هنالك تكرارا في المواضيع، غير أن التمعن في ذلك يبين أن الموضوع يتم بحثه في كل مرة من زاوية مختلفة عن الأخرى أو متممة لها وبما قد يتناسب مع محور السورة موضوع البحث، وهو ما يشير إليه القرآن الكريم بتصريف الآيات كما في قوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام ٦/ ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام ٦/ ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام ٦/ ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ [الإسراء ١٧/ ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ [الإسراء ١٧/ ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف ١٨/ ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ [الفرقان ٢٥/ ٥٠].
стр. 8
وهنالك أيضا آيات الأحكام التي لا يسردها القرآن في موقع واحد أو سورة واحدة، بل نرى هذه الآيات متداخلة مع النص القرآني في مواضع مختلفة، فالنصوص القرآنية ليست مجرد أحكام، والقرآن كتاب دعوة للإسلام، وهو أيضا كتاب دين ودنيا مما يفسر هذا التداخل، فحياة الإنسان وحدة متكاملة لا يمكن فصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية.
وتبدو مبالغة بعض المفسرين في الاعتماد على (أسباب النزول) سببا مهما، من جملة أسباب أخرى، في تفكيك النص القرآني أو توهم تفككه، والانصراف عن نظمه المحكم وبالتالي عن معانيه، فغالبا ما تعطي أسباب النزول الانطباع بتفكك النص مع أن واقع السور يشهد بعكس ذلك.
معظم أسباب النزول جمعت في مؤلّفين، الأول كتبه أبو الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفى ٤٦٧ هـ/ ١٠٧٥ م)، والثاني كتبه جلال الدين السيوطي (المتوفى ٩١٠ هـ/ ١٥٠٥ م) - وهي مدوّنة كملاحظات بأسفل صفحات تفسير الجلالين -، علما أن بعض هذه الأسباب - القصص - مذكور في كتب السيرة والمغازي، كما هي مذكورة أيضا في كتب التفاسير المأثورة، ويعطي الواحدي النيسابوري أسبابا للنزول لبعض الآيات الواردة في ٨٣ سورة من مجموع سور القرآن الكريم، في حين أن السيوطي يعطي أسبابا للنزول لبعض الآيات في كافة سور القرآن الكريم - عدا الفاتحة -، فالأسباب في مجموعها لا تغطي سوى قسما قليلا من القرآن، وقد أحصيت الآيات التي لها أسباب نزول عند الواحدي النيسابوري فوجد عددها/ ٥٩٩ /آية من مجموع آي القرآن الكريم البالغ عددها/ ٦٢٣٦ /آية أي بنسبة مئوية من المجموع أقل من عشرة بالمئة، ومع ذلك يعتبرها البعض ضرورة لا بد منها لتفسير القرآن!.
واليوم يرى بعض العلماء أن أسباب النزول ضعيفة الإسناد في معظمها، وحتى ما كان منها ذا إسناد جيد - وهو أقل القليل - فإن البعض منها قد يناقض
стр. 9
بعضها الآخر، وفي الأغلب يجب النظر إلى الأسباب كتطبيقات لما نزل من القرآن الكريم، وليس كأسباب نزول، وفي ذلك كتب الإمام الزركشي في (البرهان، الجزء الأول ص ١٢٦): «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: "نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها».
والنتيجة أنّ أسباب النزول يمكن أن تؤخذ في الاعتبار فقط عندما تشير الآية أو الآيات إلى أحداث تاريخية معينة، انظر الملحق (أ) - في نهاية الربع الرابع - الذي يبين المناسبات التاريخية لنزول بعض النصوص القرآنية، وفيما عدا ذلك يلزم التمحيص بها والتعامل معها بحذر شديد.
كما يبين الملحق (ب) - في نهاية الربع الرابع - أسماء الأعلام من مؤرخي السيرة والفقهاء وكتّاب الحديث والتفاسير وأسباب النزول، وأسماء الخلفاء المعاصرين لهم، لإعطاء فكرة عن بعد الفترة الزمنية - أو قربها - لهؤلاء الأعلام من البعثة النبوية الشريفة بما يتناسب مع العمل الذي كانوا بصدده.
وقد كتب أبو حامد الغزالي في مؤلّفه «إحياء علوم الدين» أن حجب فهم القرآن أربعة، أي التي تحجب فهم القرآن الكريم عن قارئه،
أولا: حين ينصرف همّ القارئ إلى تحقيق الحروف ومخارجها، وهذا يتولّى حفظه شيطان يصرفه عن معاني كلام الله، فلا يزال يحمله على ترديد الحروف يخيل له أن لم تخرج من مخارجها، فيكون تأمّله مقتصرا على مخارج الحروف، فأنّى تنكشف له المعاني؟.
ثانيا: حين يكون القارئ مقلّدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عقله عليه وتعصّب له.
ثالثا: حين يكون مصرّا على ذنب، أو متّصفا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا.
стр. 10
رابعا: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أن لا معنى لكلمات القرآن إلاّ ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأنّ ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأنّ من فسّر القرآن برأيه فقد تبوّأ مقعده من النار، فهذا أيضا من الحجب العظيمة.
ومن كل ذلك تنطلق محاولة هذا الكتاب لبيان النظم القرآني وبالتالي المعاني القرآنية، وقد بدأ الكاتب بالربع الأخير من القرآن الكريم، ويتضح الغرض من الكتاب في ثلاث مواضيع:
١ - بيان ارتباط السور القرآنية بعضها مع بعض.
٢ - بيان موضوع كل سورة أو ما اصطلح على تسميته محور السورة الذي تدور حوله.
٣ - بيان النظم في الآيات لكل سورة على حدة.
وفي العصر الحديث، وفي الباكستان بالذات، قام أحد علمائهم وهو مولانا أمين احسان إصلاحي (١٩٠٤ - ١٩٩٧) بمجهود كبير بهذا الصدد في مؤلفه الضخم المكون من ستة آلاف صفحة والذي سمّاه (تدبّر القرآن)، غير أنّه كتبه بلغة الأوردو، ولم يترجم حتى الآن إلى أية لغة أخرى فلم يصل إلينا.
وقد لفت نظري الأخ الكريم المهندس نزار الكردي، الذي تضاهي معارفه الفقهية علومه الهندسية، أنّ كون ترتيب السور والآيات القرآنية توقيفي من الله تعالى، أي الترتيب إلزامي غير معلّل، مما يعفي المرء من البحث عن علّة مصطنعة عند ما تنتقل السورة من موضوع لآخر قد لا يبدو هنالك رابط بينهما، وهو ما اصطنعه الشيخ برهان الدين البقاعي في كتابه" نظم الدرر "في كثير من الحالات، وكما هي الحال مثلا عندما يتم الخلط بين واو العطف وواو الاستئناف بين بعض الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ [الكهف ١٨/ ٩٩]، فالواو في قوله:
стр. 11
(وتركنا) واو الاستئناف وليست واو العطف إذ هي ابتداء لموضوع جديد بعد انتهاء قصة ذي القرنين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
شوال ١٤٢٣ هـ - كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٢ م
محمد فاروق الزين
البريد الإلكتروني faruk@zein.org
***
стр. 12
سورة الفاتحة - ١ - مكية
من أوائل السور المكية
محور سورة الفاتحة
تبدأ السورة بآية البسملة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (١)، أي نبدأ باسم الله، ونظيره قوله تعالى على لسان نوح: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ [هود ١١/ ٤١]، وقوله تعالى على لسان سليمان: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل ٢٧/ ٣٠]، لأن الله تعالى هو القوة الوحيدة الحقيقية المهيمنة على كل شيء، فلذا وجب البدء باسمه، باعتباره تعالى مصدر التكوين والتشريع،
ويلاحظ أن آية البسملة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ في سورة الفاتحة جزء منها، بالمقارنة مع بقية سور القرآن الكريم التي تفتتح بالبسملة، سوى سورة التوبة التي لا تفتتح بها، لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور، واستنتجوا من عدم بداية سورة التوبة بالبسملة دليلا آخر على أنها آية مستقلة بذاتها، لكون بعض الناس يتنازعون في كون ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من القرآن الكريم أم لا.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢)، الله تعالى مستحق الحمد على إيجاده لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم ١٩/ ٩]، ولقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان ٧٦/ ١]، كما هو مستحقّ الحمد على نعمائه، لقوله: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل ١٦/ ٥٣]، وهو غنيّ عن شكر الشاكرين وحمد الحامدين، غير أنّه مستحق الحمد
стр. 13
لذاته سواء قدر العباد على الإتيان بالحمد أم لم يقدروا، وسواء حمده حامد أم لم يحمد، فكمال الحمد ملكه وحقّه،
وأما كلمة الربّ في قوله تعالى ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فتشمل امتزاج معنى الألوهية بمعنى التربية، وكلمة ﴿رَبِّ﴾ لا تطلق على غيره تعالى إلاّ مضافة إلى شيء، كقولهم ربّ الدار أو ربّ العائلة،
﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣)، الرحمن صفة ذاتية لله تعالى لقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ٧/ ١٥٦]، فرحمته تعالى من صفاته القديمة الأزلية التي قام بها أمر الكون، وهي عامّة لكل مخلوق، ولولاها لهلك فورا كل كافر وعاص عقب كفره ومعصيته دون إمهال،
والرحيم صفة فعل تدل على وصول الرحمة إلى الخلق، لقوله تعالى:
﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف ٧/ ١٥٦]، أما العذاب فليس من صفاته بل من أفعاله المرتبة على صفة العدل،
﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤)، وهو يوم البعث والجزاء الذي تتحقق فيه العدالة على أتم وجه لقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٥٣/ ٣١]، والدين من الديّان وهو صفة لله تعالى، لأن العباد صاروا مسؤولين بعد نزول الوحي عليهم، وفي الحديث: «كما تدين تدان»، والمعلوم أن المسؤولية قسمان: حقوق الله، وحقوق العباد، أمّا حقوق الله فمبنيّة على المسامحة لأن الله تعالى غنيّ عن العالمين، وأما حقوق العباد فغير ذلك،
وبعد بدء السورة بالبسملة، والإقرار بالحمد، وبالربوبية لله تعالى، وبالمسؤولية الأخلاقية، تنتقل السورة إلى صيغة الدعاء بالجمع:
﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥)، ما يفيد حصر العبادة بالله تعالى وحده، والمعنى لا نعبد إلا الله، ولا نستعين بغيره، والآية دلالة على كلمة التوحيد المحض: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد ٤٧/ ١٩]، وصيغة الجمع في هذه الآية - حتى آخر السورة - توجيه
стр. 14
للفرد أن يستذكر جماعة المسلمين في دعائه إذ لا بدّ أن يكون فيهم من يستحق الإجابة،
أما مفهوم العبادة فواضح من قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥١/ ٥٦]، فمغزى خلق الجن والإنس هو العبادة، بمعنى معرفة الله ، والإقرار بالتوحيد، والاستسلام لمشيئته تعالى في الخليقة المتمثلة في قبول الرسالات المتتالية التي نزلت على الأنبياء والرسل وختامها الإسلام، وتكييف الحياة والمعيشة وفق ذلك، فالعبادة تعود بالسعادة وبالنفع على العباد وحدهم، لأنه تعالى غنيّ عن العالمين لقوله: ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥١/ ٥٧ - ٥٨].
﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٦)، أي بيّن لنا الطريق المستقيم وثبّتنا عليه كي لا ننحرف عن الصواب، إذ بعدما حبى الله تعالى عباده هداية العقل، ثم هداية الرسل، لم يبق للعبد سوى الدعاء بالتوفيق واللطف الإلهي.
﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٧)، الذين استفادوا من نعمتي العقل وهدي الرسل، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين رغم أنهم عرفوا الرسالة وأيقنوا بها إلاّ أنهم يجحدونها من موقع الاستكبار، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل ٢٧/ ١٤]، وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ [النحل ١٦/ ٨٣].
﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧)، الذين لم تصلهم الرسالة السماوية، وفي حال أنها وصلتهم فقد وصلت إليهم بصورة مشوهة بحيث لم يفقهوا حقيقتها، أو أنها وصلتهم وهم متشبّثون بالتقليد مستسلمون للأفكار الموروثة في تجاهل واضح لدور العقل.
стр. 15
سورة البقرة - ٢ - مدنية
مقدمة
سميت هذه السورة «البقرة» لأن قصة البقرة وردت فيها، (الآيات ٦٧ - ٧٣)، ولا يعني ذلك أن قصة البقرة هي موضوعها الرئيسي وإنما الاسم مجرّد تعريف أو عنوان للسورة.
نزّلت هذه السورة بكاملها تقريبا خلال السنتين الأولى والثانية بعد الهجرة النبوية، والقليل الباقي منها نزل فيما بعد، وهكذا نرى في هذه السورة آيات تحريم الربا، (الآيات ٢٧٥ - ٢٨١)، التي نزلت في الأيام الأخيرة من حياة النبي ﷺ ، وقيل إن (الآية ٢٨١) كانت آخر ما نزل من الوحي.
الخلفية التاريخية
قبل الهجرة النبوية إلى المدينة كانت الرسالة الإسلامية منحصرة في مكة، وموجّهة بصورة رئيسية لمشركي الجزيرة العربية، ولكن بعد الهجرة، كان على الرسالة أن توجّه لليهود القاطنين في المدينة وما حولها، والمعروف أنّ عقيدة اليهود تدهورت كثيرا، عبر القرون، عن أصل الدين الذي نزل على موسى ﵇ قبل البعثة الإسلامية بحوالي ١٨ ثمانية عشر قرنا من الزمن، وكان اليهود قد غيّروا ما تبقّى لديهم من التوراة وخلطوا كلام البشر مع الوحي الإلهي، وابتكروا كثيرا من التفاصيل والدقائق الشرعية الفرعية وتعلّقوا بالشكليات وجعلوها عبئا على الشريعة، واستغرقوا بها حتى لم يبق عندهم من الدين سوى هيكلية مشوّهة من الطقوس، وشمل التدهور علماءهم وجهّالهم على السواء،
стр. 16
وانحلّت مقاييسهم الأخلاقية، ومعاملاتهم اليومية، وخاصة مع غير اليهود، الأغيار حسب قولهم، لأن كتبهم «المقدسة» التي حرّرها الأحبار تحضّ على خداع الأغيار والغدر بهم، واعتبارهم بمنزلة الحيوانات، فطغى عليهم شعور العرق المتفوق، وصاروا على درجة من التمسك الشديد بضلالهم حتى صاروا يقاومون كل من يحاول إصلاحهم ويعتبرونه عدوّا لهم، والنتيجة أنهم حوّلوا دينهم إلى جنسية عنصرية عصبيّة لا غير، فلمّا وصل النبي ﷺ إلى المدينة نزل الوحي بسورة البقرة خلال العامين الأولين بعد الهجرة متضمنا دعوة اليهود للعودة إلى دينهم الأصلي الذي هو دين الأنبياء جميعا، وانتقدت السورة تاريخ اليهود الحافل بالجرائم، ومعاندتهم موسى، وقتلهم الأنبياء، وغرورهم في الدين، وضلالهم عن دين أنبيائهم، كما انتقدت حاضرهم المتمثّل بالتفسخ الأخلاقي والديني، وبيّنت أن العبرة ليست بالشكليات ولكن بالممارسة الصحيحة والإيمان الفعلي، (الآيات ٤٠ - ١٤١).
ومن جهة ثانية كان وصول النبي ﷺ إلى المدينة بداية لمرحلة جديدة تعتبر نواة تأسيس المجتمع الإسلامي الجديد والدولة الإسلامية، فنزل الوحي متضمنا أسس التشريع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني، (الآيات ١٥٣ - ٢٨١).
ومن جهة ثالثة واجه المسلمون بعد الهجرة صعوبات من نوع جديد، لم يعرفوها من قبل في مكة، منشؤها النفاق والمنافقين، فقد دخل بعض الناس الإسلام لمحاولة تخريبه من الداخل، ودخل بعضهم الإسلام للاستفادة من السيطرة السياسية الجديدة للمسلمين، وفي نفس الوقت حافظ المنافقون على علاقاتهم مع الكفار تحسّبا واحتياطا لتغيّر الظروف حسب زعمهم، وآخرون من الناس دخلوا الإسلام دون أن تكون لديهم الشجاعة الكافية والعزم على التضحية في سبيله، (الآيات ٨ - ٢٠).
стр. 17
ارتباط السورة بما قبلها:
بعد أن ختمت سورة الفاتحة بدعاء الهداية: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ١/ ٦]، يستمر الخطاب في سورة البقرة بقوله تعالى مبينا طريق الهداية: ﴿الم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ١ - ٢]، ثم قوله: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ٥].
وفي سورة الفاتحة قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ١/ ٧]، ثم تبين سورة البقرة أنّ من المغضوب عليهم اليهود: ﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٢/ ٩٠].
وقد تكررت الإشارة إلى غضبه تعالى عليهم في سور أخرى كما في آيات [الأعراف: ٧/ ١٥٢]، و [طه: ٢٠/ ٨٦]، و [المجادلة: ٥٨/ ١٤]، و [الممتحنة: ٦٠/ ١٣]، وهنا تفصّل آيات [البقرة: ٢/ ٤٠ - ١٠٥] أحوال بني إسرائيل وجرائمهم وتدعوهم إلى الإسلام.
محور سورة البقرة:
تصف أحوال ثلاثة أصناف من الناس: المؤمنين، والمصرين على الكفر، والمنافقين (الآيات ١ - ٢٠)، وتحشد البراهين على صدق الوحي (الآيات ٢١ - ٢٩)، وتصف خلافة بني آدم في الأرض، وتفضيلهم بالعلم على سائر الخلق، وتقرر مكابدة الإنسان في الحياة الدنيا ضد عناصر الشر (الآيات ٣٠ - ٣٩).
وتدعو بني إسرائيل إلى الإسلام وتسرد تاريخهم وجرائمهم وعنادهم، وتدعوهم إلى ترجيح الآخرة على الدنيا بعدم تفضيل الأدنى على الخير (الآيات ٤٠ - ١٠٥).
وتنسخ الشرائع السابقة بشريعة الإسلام (الآيات ١٠٦ - ١٠٧)، وتدحض عقائد اليهود والنصارى (الآيات ١٠٨ - ١٤١)، وتحذّر المسلمين بأنّ اليهود والنصارى لا يقبلون منهم بأقل من اتباع ملّتهم (الآية ١٢٠).
стр. 18
وتقرر عودة القبلة إلى مكة كعلامة من علامات انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل بعد أن رفض بنو إسرائيل آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇ (الآيات ١٤٢ - ١٥٢).
وتحدد نواة وأسس بناء المجتمع الإسلامي الجديد والدولة الإسلامية، متضمنا أسس التشريع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني (الآيات ١٥٣ - ٢٨١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم﴾ (١)
١ - ﴿الم﴾ تسعة وعشرون سورة من سور القرآن الكريم، كلها مكية عدا البقرة وآل عمران، تبدأ بما يسمّى بالحروف المقطّعات، ويلاحظ أنّ عدد هذه السور يساوي عدد حروف الهجاء، إذا اعتبرنا الألف والهمزة حرفين، وهي تقارب ربع مجموع سور القرآن الكريم، ولا شك أنّ فواتح السور هذه جزء لا يتجزأ من تلك السور، فقد تواترت الأخبار بقراءتها كما نزل بها الوحي على النبي ﷺ .
ويحتمل أنّ استخدام المقطعات كان شائعا زمن نزول الوحي من قبل الشعراء والخطباء كصور بلاغية ذات مغزى ويلاحظ ذلك في بعض الأمثلة التي وصلت إلينا من الأدب العربي الجاهلي، فيحتمل إذن أنّ معاني المقطّعات كانت واضحة للعرب وقت التنزيل، ولم تكن بالنسبة إليهم شيئا محيّرا، إذ لم يصل إلينا أثر عن استفسار الصحابة ﵃ فيما يتعلق بمعانيها، فالقرآن الكريم نزل بلغتهم، قال تعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ٢٦/ ١٩٥].
وقد رأى الرازي أنّ تفسير ألفاظ المقطعات بناء على ما فيها من الحروف، كقولهم مثلا، ﴿الم،﴾ بمعنى أنا الله أعلم، أو قولهم أنّ ﴿المص﴾ بمعنى: ألم نشرح لك صدرك، وقولهم أن ﴿طسم﴾ تعني طور سيناء وموسى، وأنّ ﴿الر﴾
стр. 19
تعني أنا الله أرى، … إلخ، بدون أن تكون تلك الألفاظ موضوعة في اللغة لذلك المعنى أصلا، ممّا يفتح الباب للباطنية على مصراعيه في تفسير ألفاظ القرآن الكريم بما يشاكل هذا الأسلوب، انظر الرازي في تفسيره آية [الأعراف: ٧/ ١]،
وقد حاول الكثير من المفسرين استخراج معان لها بكثير من البراعة، فحروف المقطّعات مجموعها أربعة عشر حرفا، أي نصف حروف الأبجدية العربية إذا أهملنا الكسر، أو إذا اعتبرنا الألف والهمزة حرفا واحدا، وهي فوق ذلك تحوي من كل جنس من الحروف نصفه، راجع الزمخشري في الكشاف، وهي ترد في مجموعات مكونة من حرف واحد وهي (ص - ق - ن) وردت في سورة ص وسورة ق وسورة القلم، ومجموعات مكونة من حرفين وهي ﴿حِطَّةٌ﴾ - ﴿طس﴾ - ﴿يس﴾ وردت في سورة طه وسورة النمل وسورة يس، و ﴿لَحْمَ﴾ وردت في سبع سور متتاليات وهي (غافر - فصّلت - الشورى - الزخرف - الدخان - الجاثية - الأحقاف)، ومجموعات مكونة من ثلاثة حروف وهي: ﴿الم﴾ - ﴿الر﴾ - ﴿طسم﴾ وردت ﴿الم﴾ في ستة سور، منها اثنتان متتاليتان هي: البقرة - آل عمران، وأربعة متتالية وهي العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة، ووردت ﴿الر﴾ في ستة سور متتالية هي يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر، غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم، ووردت ﴿طسم﴾ في ثلاثة سور متتالية هي الشعراء - النمل - القصص غير أنها وردت بدون الميم في سورة النمل كما ذكر أعلاه، ومجموعات مكونة من أربعة حروف وهي ﴿المص﴾ - ﴿المر﴾ وردت الأولى في سورة الأعراف والثانية في سورة الرعد كما ذكر أعلاه، ومجموعات مكونة من خمسة حروف متصلة هي ﴿كهيعص﴾ وردت في سورة مريم، أو غير متصلة وهي ﴿حم * عسق﴾ وردت في سورة الشورى وسبق ذكرها أيضا مع مجموعات الثلاثة حروف ﴿لَحْمَ﴾ أعلاه، وجميع هذه السور مفتتحة بذكر الكتاب إلا أربعة منها هي: سور مريم، والعنكبوت، والروم، والقلم.
стр. 20
وقد حاول البعض اشتقاق معان أو قيم عددية لكل من مجموعات الحروف المذكورة لتوافق بعض النبوءات والتصوّرات، وهنالك شطحات صوفية بعيدة في هذا المجال، كما حاول البعض إيجاد معان أو عناصر مشتركة بين السور ذات مجموعات الحروف المتشابهة، ورغم كلّ ذلك لا يوجد إجماع على معناها، فالله أعلم بمراده، وقيل أيضا أنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، انظر آية [آل عمران ٣/ ٣].
﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)
٢ - ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ المعنى أن هذا الكتاب، أي القرآن، هو من الله بلا شكّ، إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿رَيْبَ،﴾ وهناك معنى آخر وهو أنه لا يتطرق الشك لأي من محتواه، إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿فِيهِ،﴾ لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢/ ٢٣]، لأنّ كتب البشر التي تتطرق الى الغيبيات مبنية على الظن، ولكن القرآن مبني على اليقين، لأنه من عند الله ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين ستذكر الآيات التالية أوصافهم، فالقرآن موجه للجميع إنما يستفيد منه ذوو صفات معينة فقط، وأول هذه الصفات التقوى، التي يترتب عليها أن يكون ذهن المرء منفتحا، راغبا في التوصل إلى الحقيقة وإلى التمييز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، متحررا من التقليد، أما الذين ينغمسون في الحياة المادية ويلهثون وراء أهوائهم المهيمنة عليهم، والذين أغلقوا عقولهم على التقليد وقالوا قلوبنا غلف، فليس بمقدورهم الاستفادة من هدي القرآن، أما صفات المتقين فمبينة في الآيات التالية:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣)
٣ - الصفة الأولى من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ والغيب مجموعة الحقائق التي لا تدرك بالحواس، مثل وجود الله تعالى،
стр. 21
والحياة الآخرة، وحقيقة الزمن، وعالم الملائكة والجن .. إلخ، لأن الحقيقة المطلقة ليست مقتصرة على الكون الذي «نلاحظه» بالحواس.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ وهي الصفة الثانية للمتقين: لأنّ مجرد الإيمان النظري دون التطبيق العملي غير كاف للاستفادة من هدي القرآن، فالإسلام إيمان وعمل، والمقصود إقامة الصلاة على تمامها أي بما يترتب عليها من صالح الأعمال ومكارم الأخلاق وحسن المعاملة.
﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ الصفة الثالثة للمتقين، فهم ليسوا أشحاء، ولا من عبدة المال والدنيا، بل مستعدون لإنفاق الزكاة والصدقات، ولا يتقاعسون عن التضحيات المادية في سبيل الإسلام، والرزق ليس الثروة فقط وإنّما هو العلم أيضا، فالانفاق بمعناه التجريدي يشمل التعليم ونشر المعرفة لمن رزقوا العلم والمعرفة، وفي الحديث: «تعلموا العلم وعلّموه الناس»، كما قد يكون الرزق نفوذا وسلطة وما يترتب عليهما من فرص يمكن أن تستخدم لخير المسلمين.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤)
٤ - الصفة الرابعة للمتقين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ والمغزى أنّ فهم القرآن والاستفادة من هديه متعذّر على من ينكر استمرارية الوحي الإلهي في هداية البشرية، فيمتنع الفهم عمّن يقتصر إيمانهم على أنبيائهم فقط رافضين الوحي الذي نزل خارج نطاق قومياتهم وعصبيتهم الضيقة ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ وإن كان الإيمان بالغيب قد شملها، خصّها تعالى بالذكر لجحود الكفار بها، ومنهم أكثر بني إسرائيل، وهي الصفة الخامسة للمتقين: أي اليقين بالبعث والحساب بعد موت الجسد، واليقين يفيد الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه الشك بأن نجاح الإنسان أو فشله لا يقاس بالازدهار الذي قد يحققه في الحياة الدنيا فقط، وإنّما بعاقبته في الحياة الآخرة، كما في قوله تعالى على لسان الجاحد: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر ٨٩/ ٢٤]، أي لحياتي الآخرة.
стр. 22
﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥)
٥ - ﴿أُولئِكَ﴾ المتّصفين بالصفات المذكورة آنفا ﴿عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هم على الهدى التام، وهم المفلحون، والفلاح هو النجاح.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)
٦ - بالمقارنة مع المتقين هنالك المصمّمون على الكفر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين صمّموا على الكفر تصميما لا رجوع عنه ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يستوي إنذارهم وعدمه، والكافر في اللغة من يغطي الحقيقة وينكرها، والكافر أيضا الليل المظلم لأنه يستر ويغطي كل شيء، وهو أيضا المزارع لأنه يغطي البذور بالتربة كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد ٥٧/ ٢٠]، والكفر في الدين إنكار النعمة وجحودها، والآية التالية تبيّن أنّ الإصرار على إنكار الحقيقة يترتب عليه موت الملكات الروحية لدى الانسان فيمتنع عليه أي تأثير إيجابي خارجي.
﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٧)
٧ - ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ هذه سنّة من سننه تعالى في الخلق، فإذا تمكنت من المرء اعتقادات خاطئة وتمسّك بها تعصّبا وانحيازا وتقليدا، انغلق ذهنه عن الحقيقة، كما لو أنه ختم على ملكاته العقلية فعلا، وبما أنه تعالى قد سنّ قوانين الطبيعة بأكملها فهو ينسب «الختم على القلوب «إلى ذاته العليّة، رغم أن ذلك نتيجة طبيعية لحرية خيار المرء وليس قسرا مفروضا عليه ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم، وفي تنكير كلمة العذاب إشارة إلى أنه عذاب مبهم مجهول عند أهل الدنيا، والمعنى أنّ الإعراض عن هدي الإسلام جزاؤه الضنك والتعاسة في الدنيا، وعذاب عظيم في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ [طه ٢٠/ ١٢٤].
стр. 23
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٨)
٨ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بعد أن ذكر تعالى في أول السورة فئة المؤمنين من الناس، ثم فئة الكفار منهم، ينتقل الخطاب هنا إلى فئة المنافقين والماديين، الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ويبطنون خلاف ما يظهرون، والإشارة المباشرة هي إلى المنافقين من أهل المدينة خلال السنوات الأولى بعد الهجرة النبوية، ولكن كما هي العادة في القرآن الكريم فإن مغزى الآيات لا يقتصر على الأحداث التي عاصرت نزول الوحي وإنما المغزى عام لكل العصور ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لأن إيمانهم مقتصر على الادّعاء والكلام ولا ينعكس إيجابا على سلوكهم، ونلاحظ أنه تعالى وصف الكفار في آيتين (٦ - ٧) في حين فصّل أحوال المنافقين في ثلاث عشرة آية (٨ - ٢٠) تنبيها على خطرهم، لأن المنافق ضمّ إلى سلوكه التلبيس والكذب المبطن، وهو بسبب تهالكه على الدنيا والسلطة والمادة بأي ثمن، في الوقت الذي يدّعي الإيمان والصلاح، يكوّن خطرا كبيرا على المجتمع.
﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٩)
٩ - ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أصل الخداع الإخفاء، ولذا سميت الخزانة مخدع، والخداع الخلقي هو المخاتلة، ويخادعون الله مجازا أي يظنون أن أمورهم تخفى على الله ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ عاقبة الخداع تعود عليهم ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ بأنّ العاقبة تعود عليهم، إذ يحسبون أن نفاقهم يخفى على الناس، في حين أنّ أمرهم مكشوف، لما في شخصية المنافق من التناقض.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهو مرض النفاق وحب الدنيا، وسمّي مرضا لأنه يحجب الحقيقة عن صاحبه، وقد يكون المرض هو الغم الذي في قلوبهم الناتج عن حسدهم وحقدهم على المؤمنين ﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ لأنّ الله تعالى
стр. 24
يمهلهم للتوبة ولا يبادرهم بالعقوبة، فتكون النتيجة أن يبتهجوا بالنجاح المؤقت لأحابيلهم ويزدادوا نفاقا إذ يعتقدون أن بامكانهم التوفيق بين الخطأ والصواب، والحصول على المنافع من الجانبين ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أي بسبب تكذيبهم الرسالة، فالعذاب نتيجة مترتبة على التكذيب، ولازمة له.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (١١)
١١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا تفسدوا في الأرض بإنكار الوحي ومعارضة الشريعة، لأن إنكار الوحي وعدم العمل به يؤدي إلى الفساد والإفساد ﴿قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يتوهّمون أنّ لديهم مهمة جديرة يؤدونها، أو يتوهمون أنهم يتوصلون إلى الحقيقة والسلوك الصحيح بمعزل عن تعاليم الرسالة الإسلامية، وأن عقولهم في غنى عنها مع أن مفهوم الحق والباطل ملتبس عليهم.
﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٢)
١٢ - ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ لأنهم يرفضون تنظيم الحياة العملية على أسس الإسلام، بل يحاولون استنباط الأنظمة والأفكار الوضعية فيساهمون في التخبط الأخلاقي والاجتماعي في المجتمع ﴿وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ إذ يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣)
١٣ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ أي كونوا مسلمين بصدق وإخلاص مثل الناس المخلصين في مجتمع المسلمين ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ لأنهم يعتقدون أنّ من يؤمن ويدخل الإسلام بصدق ويعيش حياة مستقيمة ويرجو الآخرة، يعتبر سفيها، أي ضعيف العقل، وهم ينظرون إلى ضعاف الناس الذين سبقوهم إلى الإيمان نظرة دونيّة، أما الوجهاء منهم فيعتبرون
стр. 25
أنفسهم معذورين في التولّي عن الرسول، لأنهم لا يريدون مساواة أنفسهم بالفقراء ظنّا منهم أنهم أعلى قدرا وأسمى فكرا، كما يعتبرون استعداء الآخرين في سبيل الحق والإصلاح ضربا من الحماقة، أما الحكمة والنجابة عندهم فتكمن في الاهتمام بالمصالح المادية والدنيوية والشخصية ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾ لأنهم ضعاف العقول حقا إذ جعلوا الدنيا منتهى أملهم وأهملوا الآخرة ﴿وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ اختلطت عليهم الأمور بسبب اتباع الهوى والحرص على الدنيا.
﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١٤)
١٤ - ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ يدّعون الإيمان نفاقا وهذا من جملة خداعهم ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ الشيطان في العربية بمعنى العنيد العاصي المتمرس في العناد، ويستعمل للانس والجنّ معا، وهو أيضا مشتق من قولهم تشيطن وشطن اذا ابتعد من الصلاح والخير، وفي هذه الآية بالذات تنصرف كلمة شياطينهم الى شياطين الإنس من أكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم، وهم أكابر الكفار وأكابر المنافقين والماديين لأنهم هم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض، وأما أصاغرهم فلا.
﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي يجازيهم على استهزائهم، وسمّي جزاء الاستهزاء باسمه كما سمّي جزاء السيئة سيئة ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الله تعالى يبقيهم ويلطف بهم ويمهلهم لعلهم يتوبون، فيأبون إلاّ التخبّط في ظلامهم، وفي حين أن العمى قد يكون في البصر أو الرأي، فإنّ العمه يكون في الرأي وهو التخبط والتحيّر.
стр. 26
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١٦)
١٦ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ اختاروا الضلالة وتخلّوا عن الهدى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ كأنّ رأس مالهم العقل الرشيد والفطرة السليمة فتخلّوا عنهما ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ لم يبق لديهم ما يوصلهم إلى إدراك الحق والاهتداء إلى العقائد الصحيحة.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿مَثَلُهُمْ﴾ مثل المنافقين ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ ناراً﴾ وهو الباحث عن بغيته يريد أن يستنير ويبحث عن الطريق الصحيح ولكنه يتخبط في بحثه ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ﴾ أنوار الرسالة الإسلامية ﴿ما حَوْلَهُ﴾ وأصبح ممكنا تمييز الحق من الباطل، والصواب من الخطأ ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ لم يدرك المنافقون أهمية الهدي الإلهي، فلم يستفيدوا من نور الإسلام وهديه، واختاروا البقاء في ظلمة النفاق ظنّا منهم أن يأمنوا على أنفسهم من المؤمنين،
وقد يكون المعنى أيضا أن حبل النفاق قصير، لأن المنافق إذا نجح بنتيجة نفاقه يكون كمن: ﴿اِسْتَوْقَدَ ناراً﴾ ثمّ سرعان ما ينكشف أمره بين الناس: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ فيتخبّط بلا جدوى.
والآية أيضا مثل لمن يبحث عن مغزى الحياة ليصل إلى هدفه منها فلمّا تبين له طريق الهدى أعرض عنه، أما قوله تعالى ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي ذهب بنور بصيرتهم، وخسروا نور الإيمان، فليس المعنى أنهم لم يكونوا مسؤولين عن بقائهم في الظلام، فقد اختاروا اتباع الأهواء الدنيوية، وأنكروا الحق فعميت بصيرتهم، فالله تعالى يمكّن الناس من اختيار ما يشاؤون، والقسر ينافي التكليف ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ﴾ في ظلمات الجهل والهوى والشرك والضلال ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ الحقيقة، بمحض اختيارهم.
стр. 27
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ صمّ عن سماع الحق، بكم عن التعبير به، وعمي عن الإدراك السليم، ولذا لا يرجعون إلى الهدى الذي باعوه ولا عن الضلالة التي اشتروها.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ أو أنّ مثل المنافقين والماديين، كمثل من أصابه صيّب من السماء، وهو المطر الشديد، فلم يستفيدوا منه، وإنّما كان همّهم محصورا في تفادي الشدائد المرافقة له، والصيّب من السماء رمز إلى الإيمان والقرآن، وأمّا ظلمات الغيوم الداكنة والبرق والرعد فترمز إلى المحن والابتلاء والمشاقّ والتكليف، ووجوب التخلّي عن التقليد والأهواء، والانقياد للإسلام، كل ذلك ممّا هو شاق على المذبذبين ضعاف الإيمان، والآية تصوّر حالة القلق والفزع وعدم الاستقرار التي يعيشونها ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ يظنّون أن سلوكهم يجعلهم بمنجاة من سوء العاقبة، فكما أن صم الأذنين عن صوت الصواعق لا يفيد صاحبه فكذا النفاق والمسك بالدنيا يوقع أصحابها في عواقب عملهم ﴿وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ لا نجاة لهم إلا بالإسلام والإخلاص.
﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾ لانبهارهم بالحق، ومع ذلك فإنهم يتخبطون في سبيل مصالحهم الدنيوية ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يتقدمون قليلا نحو الصواب عندما تبدو لهم الظروف ملائمة ﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ عندما تظهر المشاقّ في الأفق، أو عندما يتوجب عليهم عمل ما يخالف أهواءهم
стр. 28
فانهم يجمحون ويتوقفون، والآية تمثيل لشدة حيرتهم وفزعهم وترددهم ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لو شاء الله لجعلهم في الحالة التي يجعلونها لأنفسهم، أي في الضلال، ولصاروا كالكفار المذكورين في الآية (٧) الذين على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ولكن الله تعالى يلطف بهم ويبقي سبيل الهداية والتوبة مفتوحا لهم، والواضح أن السمع والبصر كناية عن مقدرة الإنسان الفطرية على التفريق بين الحق والباطل.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢١)
٢١ - بعد أن شرحت الآيات السابقة حال المؤمنين، والكفار، والمنافقين، ينتقل الخطاب لبيان الأدلة على التوحيد والنبوة والبعث: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ رسالة القرآن موجهة للناس جميعا، والآية تذكرهم بنعمته تعالى إذ خلقهم بعد أن لم يكونوا شيئا، فهم مدينون له بوجودهم، فلا أقل من أن يلتزم الإنسان في حياته بطاعة خالقه وعبادته، ويدخل في العبادة: التوحيد بالقلب، والخضوع بالنفس، والاستسلام للحكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وهو معنى الخوف والرجاء من الله، فالإنسان يبذل جهده في الطاعات، والمعنى لعلكم تتّقون السلوك المنحرف والعواقب الوخيمة الناجمة عن العقائد الزائفة.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ وهذه أيضا من موجبات عبادته تعالى أنه سخّر الأرض ورزق الناس بالمطر والثمار، وفي الآية حثّ على التفكّر في مخلوقات الله ومعجزات الكون للثبات على التوحيد ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً﴾ عاجزون أن يفعلوا شيئا من ذلك، والآية دعوة لإبعاد الناس عن الشرك، فربّما
стр. 29
اتخذ بعضهم من المخلوقات أندادا له، وقد يستعبدهم متسلط عليهم يتّبعونه كأنه خالقهم، وقد يستعبد المال بعض الناس فينسون خالقهم ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي وأنتم تعلمون بطلان ذلك، لأن الإنسان يستطيع بفطرته أن يدرك معنى التوحيد، فيكون شركه، مع مقدرته على إدراك التوحيد، أكبر جرما وشناعة.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٣)
٢٣ - لما بيّن الخالق للكفار والمشركين ما يثبت الوحدانية ويبطل الشرك، وحثّ على التفكر في الدلائل، كخلق الناس من العدم، وخلق الأرض مستقرّا لهم، وخلق الكون بناء عجيبا، وإنزال المطر وإنبات الثمار، وهي كلها دلائل موصلة إلى التوحيد ومبطلة للشرك، لأن أحدا من المخلوقات لا يقدر على شيء من ذلك، أعطى تعالى البرهان الحاسم على إثبات نبوّة محمد ﷺ ، وإعجاز الوحي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ فهذه طريقة لإزالة الريب من قلوبكم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ وقبل ذلك تحدى القرآن المشركين في مكة أن يأتوا بأي شيء مماثل للقرآن في إعجازه إن كانوا يعتقدون أن القرآن من تأليف البشر، انظر آيات [يونس ١٠/ ٣٨] و [هود ١١/ ١٣] و [الإسراء ١٧/ ٨٨] و [الطور ٥٢/ ٣٣ - ٣٤]، ويلاحظ أن كلمة ﴿رَيْبٍ﴾ في الآية مرتبطة مع الآية (٢)﴾ من هذه السورة بأن الكتاب لا ريب فيه، ويحتمل عود الضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ للنبي ﷺ ، كما يحتمل عوده للقرآن، ومن المهم ملاحظة عبارة ﴿نَزَّلْنا﴾ بلفظ التنزيل دون الإنزال، وهو بمعنى النزول على مهل وتدرّج، لأنّهم كانوا يقولون: لو كان هذا من عند الله لم ينزّل هكذا نجوما، آية بعد آية وسورة بعد سورة ولنزل دفعة واحدة، غافلين عن تنزّله بما يناسب ظروف البعثة، فالجواب إن ارتبتم بهذا الذي نزّل على مهل فهاتوا أنتم سورة واحدة مثله ﴿وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ادعوا أكابركم وأعوانكم ومن ادّعيتم فيهم الألوهية ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
стр. 30
فيما زعمتم من قدرتكم على معارضة القرآن، لأنهم قالوا: ﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ [الأنفال ٨/ ٣١]، والإعجاز في التنزيل نجوما أوضح وأعظم على مر العصور، لأن النبي ﷺ كان أمّيا لا يقرأ ولا يكتب، والآيات كانت تنزل عليه متفرقة، وترتيب النزول الزمني غير ترتيب القرآن الذي نعرفه، فكان يأمر بوضع الآيات في مواضعها المحكمة دون أن يكون أمامه كامل النصوص، فلا مراجعة ولا تنقيح ولا تعديل، وإنما وحي وتوقيف إلهي على مدى ثلاثة وعشرين عاما.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ لأنّ ذلك ليس في طاقة المخلوقين، وهذا التحدّي من قبيل الإخبار بالغيب والجزم به سلفا ﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ الاشارة ضمنية أن النار في الآخرة لن تكون من نصيب الكافرين فقط وانما سيجدون معهم في النار أصنامهم الحجرية ومعبوديهم من كل الأنواع التي سوف تكون من العجز وقلة الحيلة بمثابة الحجارة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٢١/ ٩٨].
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ تأكيد على وجوب اقتران الإيمان بالعمل الصالح، انظر آية [الأنعام ٦/ ١٥٨]، والبشارة أن إيمانهم وعملهم الصالح سوف يثمرا في الآخرة: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي من تحت أشجارها الأنهار، بحذف المضاف إليه ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ﴾
стр. 31
﴿رِزْقاً﴾ أي من ثمرة أعمالهم، بحذف المضاف إليه وهو كثير في التنزيل، انظر إعراب القرآن للزجاج (الباب ٣٣) ﴿قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي هذا الذي كتب لنا رزقه منذ قمنا بعملنا الصالح في الحياة الدنيا، فهم يرون في الآخرة ثمار أعمالهم الدنيوية أي ثوابها ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً﴾ يكون الثواب مشابها لما قدّموا من عمل صالح ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ كلمة أزواج في اللغة تنطبق على الزوجين الذكر والأنثى، فهي تعني الزوج أو الزوجة، فالرجل زوج المرأة كما المرأة زوج الرجل، كقوله تعالى مخاطبا آدم ﴿يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة ٢/ ٣٥]، وقوله تعالى ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ [النجم ٥٣/ ٤٥]، والأزواج مطهّرة أي طاهرة النفس والسريرة.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما﴾ أي لا يستبقي أن يضرب مثلا، كما هي الأمثال السابقة: مثل الذي استوقد نارا، ومثل الذي أصابه المطر، ومثل النار التي وقودها الناس والحجارة، ومثل الجنة التي وعد المتّقون، ومعنى يستحيي يستبقي، كقوله تعالى على لسان فرعون: ﴿وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف ٧/ ١٢٧] أي نستبقي نساءهم، فالقرآن الكريم يضرب الأمثال بالعنكبوت والذبابة والبعوضة ﴿بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ أي بالشيء الأصغر والأكبر،
ويعتبر ورود هذا المثل بعد آيات الجنة والنار لإبراز الطبيعة الرمزية لهذا التصوير ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ويفهمون المغزى منها ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً﴾ يتعامون عن الحقيقة ولا
стр. 32
يهدفون للوصول إليها فيكون تعلقهم بتساؤلات واهية ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾ الإضلال من الله تعالى بالتخلية وترك المنع بالقهر والجبر ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ من ينشد الحقيقة ويتّبع الإدراك الصحيح يتعمّق في هذه الأمثال ويستوعب جوهر الحكمة التي تجسّدها ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ الذين اختاروا الفسوق، وهو الخروج عن الطاعة والإصرار عليه، والآية التالية تعرّف الفاسقين، وهم عكس المتقين المشار إليهم بالآيات (٢ - ٥)،
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ قالوا: إنّ عهود الله تعالى ثلاثة: عهد أخذه على ذرية بني آدم في الأصلاب أن يقروا بربوبيته، آية [الأعراف ٧/ ١٧٢]، وعهد مأخوذ بالرسل على الأمم، آية [الأحزاب ٣٣/ ٧]، وعهد خصّ به الذين أوتوا علم الكتاب أن يبينوا الحق ولا يكتموه، آية [آل عمران ١٨٧/ ٣]، ويبدو أن عدم ذكر أي شيء محدد قبل هذه الآية أو بعدها فيما يتعلق بالعهد مغزاه أنه متأصل في الإنسان بالفطرة، ولذا فالحجّة قائمة على كل من وهب نعمة العقل أن يفهم السنن الكونية ويتفكّر في هدي الرسل، أما نقض العهد فعبارة عن عدم استخدام تلك المواهب استعمالا صحيحا، وهو أيضا إنكار لبعث الرسل وعدم الاهتداء بهديهم ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يقطعون الأرحام ويعادون المؤمنين ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بتخريب العلاقات الاجتماعية التي أمر الله بإرسائها على أسس سليمة، والتي يتوقف عليها الصلاح الفردي والاجتماعي للبشر، وهذه الآية عامة تشمل أخلاقيات البشر وحياتهم الاجتماعية بكاملها أفرادا وجماعات ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ خسروا أنفسهم بعدم الاستفادة من هداية العقل وهداية الدين.
стр. 33
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الخطاب متصل بما قبله لجهة بيان البرهان الحاسم للفاسقين، والمعنى: بأي دلالة تكفرون؟ وعلى أي شبهة تعتمدون؟ وحالكم في الموت والحياة تأبى ذلك! قارنوا إحياءكم من العدم الذي حصل، مع بعثكم بعد الموت الذي سيحصل، فإذا كان الإحياء الأول ممكنا فهو الدليل العقلي على الإحياء الثاني ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتحاسبون على عملكم.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩)
٢٩ - بعد أن بيّن تعالى بعض آياته في أنفسهم، ذكّرهم بآياته في الآفاق:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ فلا يجوز أن يستعبد الإنسان في سبيل المادة، ولا يجوز أن يعتبر أي شيء من الموجودات أهم من الإنسان، فهذا هو التصور المثالي لمنزلة الإنسان وقيمته ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ في اللغة العربية يستخدم العدد سبع لتكثير الآحاد بمعنى بضع، وفي العربية أيضا كل سماء هي سماء بالنسبة لما تحتها، وهكذا فإنّ سبع سماوات قد تفيد أنظمة كونية متعدّدة شاملة ملايين المجرّات والنجوم والكواكب ممّا لا حصر له ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ في إحكام خلقه.
﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣٠)
٣٠ - قصة الخليقة والمغزى منها: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ قصة الخلق تتصل بصورة منطقية مع الآيات التي سبقتها، ويرى البعض فيها رمزا لإظهار الإنسان في أكمل صوره وبيان مقدرته على التفكير المجرّد، وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في المنار أن هذه الآيات من المتشابهات [آل عمران ٣/ ٧] التي لا
стр. 34
يمكن حملها على ظاهرها، لأنّ الله تعالى منزّه عن مشابهة المخلوقات فلا يليق به الحوار مع الملائكة كما نعرفه نحن فذلك محال عليه تعالى، ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي المقدّر المكتوب منذ الأزل، والخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه، وهو هنا من قبيل الاستعارة، فالله موجود في كل مكان، ولا حاجة لمن يخلفه، لكن المعنى أنه تعالى وكلّ الأرض للإنسان يعمل فيها بأمر ربه، فكأنه استخلفه عليها وعلى غيره من المخلوقات فيها، وقيل: إن الإنسان خليفة لمن سكن الأرض قبله،
روى ابن بابويه في كتاب التوحيد عن النبي ﷺ أنه قال: «لعلّك ترى أن الله لم يخلق بشرا غيركم، بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أو أكثر أنتم في آخر أولئك الآدميين»، وفي كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر ﵇ أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، نقله الرازي في تفسير آية [الحجر ١٥/ ٢٦].
﴿قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ فهمت الملائكة من كلمة ﴿خَلِيفَةً﴾ أن سوف تكون على الأرض سلالة تتمتع ببعض السلطة والحرية، فلم تستوعب كيف يمكن لسلالة الخلق التي تتمتع بالسلطة مع حرية التصرف والاختيار، بالإضافة لتمتعها بالعاطفة التي يمكن أن تسمو بها، أو أن تهبط بها إلى الحضيض، كيف يمكن لهذه السلالة أن تنضبط وفق النظام الكوني العام المبني على الكمال وعلى الطاعة المطلقة لإرادة الخالق، وكيف يمكن أن تنضبط دون إفساد وسفك للدماء، وإن كان المفهوم من الخليفة أنه يخلف صنفا بائدا من الخلق سبق أن أفسد في الأرض وسفك الدماء، فتكون الملائكة قد استنبطت سؤالها بالمقارنة ما سبق، والنتيجة أن حكمته تعالى في خلقه تخفى أسرارها على كافة مخلوقاته، لا يستثنى منهم الملائكة، وقد يكون أن الملائكة أرادت أن تعلم ما أعدّه تعالى لصون الإنسان عن الفساد وسفك الدماء.
стр. 35
﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ بلا غفلة ولا فتور ممّا قد لا يكون شأن الإنسان، والتسبيح له معنيان: المعنى الأول هو التنزيه، وسبّوح من أسماء الله تعالى، والمعنى الثاني هو تكريس النفس بحماس وهمّة، وأما التقديس فله معنيان أيضا: الأول هو التطهير، والقدس هو الطهر، وتقدّس معناها تطهّر، وقدّوس من أسماء الله تعالى، والمعنى الثاني هو إعلان القداسة وتمجيدها ﴿قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أعلم ما لا تعلمون من الحكمة في خلق الإنسان، فالحكمة الالهية اقتضت خلق سلالة على الأرض تخوّل بعض السلطة، وذات عاطفة، وتكون لها حرية الخيار، وأنّ الانسان يكون خليفة بالعلم، لأنّه يستطيع بالعلم أن ينتهي عن الإفساد وسفك الدماء.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ قد يكون المراد من الأسماء المسمّيات، لأنّ الاسم هو صورة المعلوم في الذهن، وأنّ تعليم آدم الأسماء كلّها يعني تزويده بالمفاهيم والمدركات، والمقدرة على المحاكمة والتفكير المجرّد واستنباط العلوم، أو الاستعداد لتحصيل علوم ومعارف لا حد لها كما نرى في عصرنا الحاضر، ومنها علوم الإنسان الروحية وإيمانه الفطري والفكري بعالم الغيب، وقد يكون المراد العلم الذي بواسطته ينتهي الإنسان عن الإفساد وسفك الدماء، جوابا على استفهام الملائكة عن الحكمة من خلق الإنسان، والواضح أنّ المقصود من آدم الجنس البشري بكامله لقول الملائكة: ﴿قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ،﴾ وهذه الآية دالة على فضل العلم، وتفضيل بني آدم بالعلم على غيرهم من المخلوقات، وأنّ الإنسان يستطيع بالعلم أن يصون نفسه عن الإفساد وسفك الدماء.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إن كنتم صادقين في أنّ دور الإنسان سيكون مقتصرا على الإفساد وسفك الدماء، في حين أنه بالعلم يستطيع أن يصون نفسه عن ذلك.
стр. 36
﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ أي تنزيها لك وتعظيما أن يعلم الغيب أحد سواك، أو تنزيها لك وتعظيما أن يعترض على إرادتك، فلا علم لأحد بالأسرار المتعلقة بحكمة الله تعالى وخطّته في خلقه ﴿إِلاّ ما عَلَّمْتَنا﴾ لأن الله تعالى منبع العلم، وقد جعل في عباده القدرة على التعلم وعلى التفكير المجرد والمحاكمة، والفطرة السليمة والعقل، قال تعالى: ﴿الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ [الرحمن ٥٥/ ١ - ٤].
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ العليم بشكل مطلق، الحكيم في خلقه وأفعاله.
﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا البرهان على مقدرة آدم المعرفية، ومقدرته على الخيار بين الخطأ والصواب، كان جوابا على الشكوك التي أبدتها الملائكة في البداية، مما جعلها تدرك أنّ الله تعالى قد خوّل الإنسان بعض السلطة والحرية كما وهبه المعرفة والعلوم أيضا، وأنّ احتمال الإفساد وسفك الدماء بنتيجة جعل الإنسان خليفة في الأرض ما هو الاّ جانب واحد من الموضوع، أمّا الجانب الآخر فهو إيجابي ويوازن احتمال الإفساد وسفك الدماء، إذا استفاد الإنسان من العلم، قال البيضاوي: هذه الآيات تدل على شرف الإنسان وفضل العلم على العبادة ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ما كنتم تكتمون من تعجبكم لجعل خليفة في الأرض.
﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ كناية عن تكريم الإنسان وتفضيله على الملائكة بالعلم، لمعرفته الأسماء كلها، انظر آية [الأعراف
стр. 37
٧/ ١١]، ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ﴾ كلمة إبليس في اللغة تعني المقهور أو المسحوق أو المخذول، وفي المصطلح الإسلامي تعني الجن الذي أعلن العصيان، وهو أيضا الشيطان الذي طلب من الله تعالى إمهاله فترة يحاول خلالها إغواء الإنسان نحو الشر والخطأ ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ كان في علم الله تعالى منذ الأزل أنه سيكفر ويكون من المصرّين على الكفر، إن قصة تمرد إبليس دعت بعض المفسرين للقول بأنه لم يكن من الملائكة، لأن الملائكة يفعلون ما يؤمرون، في حين قال آخرون أن الآية توضح أنه كان منهم، والنتيجة أن هذا التمرد ذو طابع رمزي، وكناية عن تعرض الإنسان للإغواء وعوامل الشر، كما أنّ إباء إبليس، واستكباره عن السجود لآدم، كناية أيضا عن عجز الانسان عن إخضاع روح الشر تماما، وعجزه عن إبطال خواطر السوء (المنار).
﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وهي جنة السموّ الروحي والتعالي عن المادة، والمغزى أنه تمّ إسكان آدم وحواء في الجنة أوّلا لاختبارهما قبل هبوط الإنسان إلى الأرض مجال خلافته، واختلفوا في المقصود بالجنة: هل هي الجنة الموعودة في الآخرة؟ أم هي جنة بالمعنى الأرضي؟ إذ قال بعضهم: إنها بستان أو غيضة من الغياض، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، وليس في قصة آدم التي تكررت في القرآن سبع مرات ما يؤكد أنها الجنة التي هي دار الجزاء على الأعمال، انظر شرح آية [الأعراف ٧/ ١١]، وحاصل القصة الرمزية أن الإنسان بجهله وتهالكه على المادة يهبط من المنزلة التي كرّمه تعالى بها، إلى منزلة الشقاء والسعي والكدّ وراء الدنيا الزائلة ﴿وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما﴾ تعبيرا عن إباحة الطيبات للإنسان، فالأصل في الأشياء الإباحة ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ لا تبالغا في التهالك على المادة، وقد تمت الإشارة إلى هذه الشجرة في سورة طه بقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾
стр. 38
﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه ٢٠/ ١٢٠]، زعم إبليس أنها شجرة الخلد وبما أن آدم وحواء لم يتوصلا إلى الخلود رغم تذوقهما تلك الشجرة تبين أن وساوس إبليس كانت، ولا تزال، مجرد خداع، ومن جهة ثانية فالقرآن لا يخبرنا عن طبيعة تلك الشجرة سوى إدعاء إبليس الكاذب بأنها شجرة الخلد، ويرى البعض أنها رمز للحدود التي وضعها الخالق لشهوات ورغبات الانسان الجامحة والتي في حال تجاوزها يسيء المرء الى فطرته التي خلق عليها، وأن رغبة الانسان بالخلود على هذه الأرض تنطوي على رهبته من الموت وإنكاره للبعث والحياة الآخرة، وهذه الرغبة مرتبطة بوساوس الشيطان للإنسان بالحصول على ﴿مُلْكٍ لا يَبْلى﴾ وبعبارة أخرى أن يكون حرا من كل الحدود لدرجة إنكار الإيمان بالله، وعندئذ لا يبقى للحياة معنى ولا هدف حقيقي ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية.
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ وسواس ﴿الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ بإغرائهما أن يذوقا من الشجرة المحرمة ﴿وَقُلْنَا اِهْبِطُوا﴾ اهبطوا من نعيم الجنة والخلد إلى عناء الدنيا وكدها، ويلاحظ انتقال الخطاب من المثنى إلى الجمع، لأن الخطاب وإن كان لآدم وزوجه فهما يرمزان لجنس البشر عامة ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وهو ما عليه الناس من العداوة والبغي والحسد والحقد بعضهم لبعض بسبب تنافسهم على الدنيا ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ أخرجهم الله تعالى من جنة الراحة إلى أرض العمل كي يستقروا ويعملوا فيها ويتمتعوا بخيراتها، دون الخلود فيها، فعبر عن ذلك بالمتاع إلى حين.
﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿فَتَلَقّى آدَمُ﴾ وبالتالي البشر قاطبة ﴿مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ أي ألهمه تعالى إيّاها فتاب إليه بها، وهي كما في سورة الأعراف: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا﴾
стр. 39
﴿أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٧/ ٢٣]، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أي قبل توبته، لأنّ التوبة في اللغة تعني العودة والرجوع، وتوبة الإنسان معناها تخليّه عن العصيان وعودته إلى طاعة الله، وعندما تنسب هذه الكلمة إلى الله تعالى فمعناها قبول توبة عبده التائب ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ المراد من وصفه تعالى بالتوّاب المبالغة في قبول التوبة، وفي ذلك نقض لاعتقاد المسيحية من أتباع بولس بما يسمونه «الخطيئة الأصلية» ومؤدّاها عندهم أنّ معصية آدم تلحق به وبذريته، ولذا فإنّ الإنسان بحاجة إلى مخلّص أسندوه إلى المسيح، وهو اعتقاد سطحي ينبذه العقل والفطرة السليمة.
﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً﴾ بصيغة الجمع كناية عن جنس البشر بكامله، انظر آية [الأعراف ٧/ ١١]، ومغزى التأكيد على هذه العبارة أنها جاءت بعد توبة آدم وقبولها، أي بعد زوال ما زعموه ربقة الخطيئة الأولى مما لا يبرر أن يكون هنالك فادي من الخطيئة كما تظن المسيحية، لكي يصلب كما اعتقدوا ويفدي البشرية منها، بل على النقيض من ذلك فإنه تعالى لم يكتف بقبول توبة عبده آدم، بل تجاوز خطيئته ومنحه الخلافة على الأرض، وإنّ تكرار الأمر الإلهي بمغادرة الجنة والهبوط في الأرض يهدف إلى توضيح نقطة هامّة، وهي أن الأرض ليست مكانا لعقاب البشر، فالعكس هو الصحيح، لأن الهبوط إلى الأرض كان تحقيقا للوعد الإلهي أصلا لقوله تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٢/ ٣٠]، ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ عن طريق الوحي والرسل ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من وساوس الشيطان والعقائد الفاسدة وما يعقبها من الشقاء والخسران ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على فوات مطلوب أو فقد محبوب.
стр. 40
والآيات الدالّة على أن سعادة الدنيا مرتبطة بالاهتداء بالدين والعمل به كثيرة، وقد حجبها عن كثير من المسلمين قول بعضهم في الكفار: لهم الدنيا ولنا الآخرة وهي مغالطة رغم حجة القرآن عليهم، قال تعالى: ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ [طه ٢٠/ ١٢٣ - ١٢٤]، وأما كون الدنيا لهم فقد جعل تعالى في الدنيا سننا وأسبابا ومسببات من أخذ بها وصل إليها، كافرا كان أو مؤمنا، ولو جعلها للمؤمنين خالصة دون غيرهم لبطل التكليف والإختيار والإختبار ولصار الإيمان قسرا.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ آيات جمع آية وهي الإشارة أو العلامة أو الرمز، وفي القرآن الكريم لها عدة معان مختلفة بحسب سياق الكلام:
فهي أحيانا تعني الرسالة السماوية، كقوله تعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام ٦/ ٤]، أو الإشارة أو العلامة كقوله تعالى على لسان فرعون مخاطبا موسى: ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف ٦/ ١٠٦]، وأحيانا أخرى تعني ظواهر الطبيعة وعجائب الخلق، لأنها تشير إلى الحقيقة الغيبية المحجوبة بالظاهر، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات ٥١/ ٢٠]، وهي أيضا معجزات الأنبياء، أي الإشارات الإلهية التي تؤيدهم، كقوله تعالى على لسان نبيّه صالح: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف ٧/ ٧٣]، كما أنّ عبارات القرآن الكريم تسمى أيضا آيات، كقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الحج ٢٢/ ١٦]، لأنّها تشير إلى الحقيقة المطلقة ولأن أسلوبها وصياغتها ومضمونها وإعجازها كلّ ذلك يعتبر إشارات واضحة لمصدرها ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لأنّ بصيرتهم عميت عن الحقيقة رغم كلّ الآيات الدالّة عليها.