Полный текст (2 031 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ أي تنزيها لك وتعظيما أن يعلم الغيب أحد سواك، أو تنزيها لك وتعظيما أن يعترض على إرادتك، فلا علم لأحد بالأسرار المتعلقة بحكمة الله تعالى وخطّته في خلقه ﴿إِلاّ ما عَلَّمْتَنا﴾ لأن الله تعالى منبع العلم، وقد جعل في عباده القدرة على التعلم وعلى التفكير المجرد والمحاكمة، والفطرة السليمة والعقل، قال تعالى: ﴿الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ [الرحمن ٥٥/ ١ - ٤].
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ العليم بشكل مطلق، الحكيم في خلقه وأفعاله.
﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا البرهان على مقدرة آدم المعرفية، ومقدرته على الخيار بين الخطأ والصواب، كان جوابا على الشكوك التي أبدتها الملائكة في البداية، مما جعلها تدرك أنّ الله تعالى قد خوّل الإنسان بعض السلطة والحرية كما وهبه المعرفة والعلوم أيضا، وأنّ احتمال الإفساد وسفك الدماء بنتيجة جعل الإنسان خليفة في الأرض ما هو الاّ جانب واحد من الموضوع، أمّا الجانب الآخر فهو إيجابي ويوازن احتمال الإفساد وسفك الدماء، إذا استفاد الإنسان من العلم، قال البيضاوي: هذه الآيات تدل على شرف الإنسان وفضل العلم على العبادة ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ما كنتم تكتمون من تعجبكم لجعل خليفة في الأرض.
﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ كناية عن تكريم الإنسان وتفضيله على الملائكة بالعلم، لمعرفته الأسماء كلها، انظر آية [الأعراف
стр. 37
٧/ ١١]، ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ﴾ كلمة إبليس في اللغة تعني المقهور أو المسحوق أو المخذول، وفي المصطلح الإسلامي تعني الجن الذي أعلن العصيان، وهو أيضا الشيطان الذي طلب من الله تعالى إمهاله فترة يحاول خلالها إغواء الإنسان نحو الشر والخطأ ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ كان في علم الله تعالى منذ الأزل أنه سيكفر ويكون من المصرّين على الكفر، إن قصة تمرد إبليس دعت بعض المفسرين للقول بأنه لم يكن من الملائكة، لأن الملائكة يفعلون ما يؤمرون، في حين قال آخرون أن الآية توضح أنه كان منهم، والنتيجة أن هذا التمرد ذو طابع رمزي، وكناية عن تعرض الإنسان للإغواء وعوامل الشر، كما أنّ إباء إبليس، واستكباره عن السجود لآدم، كناية أيضا عن عجز الانسان عن إخضاع روح الشر تماما، وعجزه عن إبطال خواطر السوء (المنار).
﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وهي جنة السموّ الروحي والتعالي عن المادة، والمغزى أنه تمّ إسكان آدم وحواء في الجنة أوّلا لاختبارهما قبل هبوط الإنسان إلى الأرض مجال خلافته، واختلفوا في المقصود بالجنة: هل هي الجنة الموعودة في الآخرة؟ أم هي جنة بالمعنى الأرضي؟ إذ قال بعضهم: إنها بستان أو غيضة من الغياض، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، وليس في قصة آدم التي تكررت في القرآن سبع مرات ما يؤكد أنها الجنة التي هي دار الجزاء على الأعمال، انظر شرح آية [الأعراف ٧/ ١١]، وحاصل القصة الرمزية أن الإنسان بجهله وتهالكه على المادة يهبط من المنزلة التي كرّمه تعالى بها، إلى منزلة الشقاء والسعي والكدّ وراء الدنيا الزائلة ﴿وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما﴾ تعبيرا عن إباحة الطيبات للإنسان، فالأصل في الأشياء الإباحة ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ لا تبالغا في التهالك على المادة، وقد تمت الإشارة إلى هذه الشجرة في سورة طه بقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾
стр. 38
﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه ٢٠/ ١٢٠]، زعم إبليس أنها شجرة الخلد وبما أن آدم وحواء لم يتوصلا إلى الخلود رغم تذوقهما تلك الشجرة تبين أن وساوس إبليس كانت، ولا تزال، مجرد خداع، ومن جهة ثانية فالقرآن لا يخبرنا عن طبيعة تلك الشجرة سوى إدعاء إبليس الكاذب بأنها شجرة الخلد، ويرى البعض أنها رمز للحدود التي وضعها الخالق لشهوات ورغبات الانسان الجامحة والتي في حال تجاوزها يسيء المرء الى فطرته التي خلق عليها، وأن رغبة الانسان بالخلود على هذه الأرض تنطوي على رهبته من الموت وإنكاره للبعث والحياة الآخرة، وهذه الرغبة مرتبطة بوساوس الشيطان للإنسان بالحصول على ﴿مُلْكٍ لا يَبْلى﴾ وبعبارة أخرى أن يكون حرا من كل الحدود لدرجة إنكار الإيمان بالله، وعندئذ لا يبقى للحياة معنى ولا هدف حقيقي ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية.
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ وسواس ﴿الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ بإغرائهما أن يذوقا من الشجرة المحرمة ﴿وَقُلْنَا اِهْبِطُوا﴾ اهبطوا من نعيم الجنة والخلد إلى عناء الدنيا وكدها، ويلاحظ انتقال الخطاب من المثنى إلى الجمع، لأن الخطاب وإن كان لآدم وزوجه فهما يرمزان لجنس البشر عامة ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وهو ما عليه الناس من العداوة والبغي والحسد والحقد بعضهم لبعض بسبب تنافسهم على الدنيا ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ أخرجهم الله تعالى من جنة الراحة إلى أرض العمل كي يستقروا ويعملوا فيها ويتمتعوا بخيراتها، دون الخلود فيها، فعبر عن ذلك بالمتاع إلى حين.
﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿فَتَلَقّى آدَمُ﴾ وبالتالي البشر قاطبة ﴿مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ أي ألهمه تعالى إيّاها فتاب إليه بها، وهي كما في سورة الأعراف: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا﴾
стр. 39
﴿أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٧/ ٢٣]، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أي قبل توبته، لأنّ التوبة في اللغة تعني العودة والرجوع، وتوبة الإنسان معناها تخليّه عن العصيان وعودته إلى طاعة الله، وعندما تنسب هذه الكلمة إلى الله تعالى فمعناها قبول توبة عبده التائب ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ المراد من وصفه تعالى بالتوّاب المبالغة في قبول التوبة، وفي ذلك نقض لاعتقاد المسيحية من أتباع بولس بما يسمونه «الخطيئة الأصلية» ومؤدّاها عندهم أنّ معصية آدم تلحق به وبذريته، ولذا فإنّ الإنسان بحاجة إلى مخلّص أسندوه إلى المسيح، وهو اعتقاد سطحي ينبذه العقل والفطرة السليمة.
﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً﴾ بصيغة الجمع كناية عن جنس البشر بكامله، انظر آية [الأعراف ٧/ ١١]، ومغزى التأكيد على هذه العبارة أنها جاءت بعد توبة آدم وقبولها، أي بعد زوال ما زعموه ربقة الخطيئة الأولى مما لا يبرر أن يكون هنالك فادي من الخطيئة كما تظن المسيحية، لكي يصلب كما اعتقدوا ويفدي البشرية منها، بل على النقيض من ذلك فإنه تعالى لم يكتف بقبول توبة عبده آدم، بل تجاوز خطيئته ومنحه الخلافة على الأرض، وإنّ تكرار الأمر الإلهي بمغادرة الجنة والهبوط في الأرض يهدف إلى توضيح نقطة هامّة، وهي أن الأرض ليست مكانا لعقاب البشر، فالعكس هو الصحيح، لأن الهبوط إلى الأرض كان تحقيقا للوعد الإلهي أصلا لقوله تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٢/ ٣٠]، ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ عن طريق الوحي والرسل ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من وساوس الشيطان والعقائد الفاسدة وما يعقبها من الشقاء والخسران ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على فوات مطلوب أو فقد محبوب.
стр. 40
والآيات الدالّة على أن سعادة الدنيا مرتبطة بالاهتداء بالدين والعمل به كثيرة، وقد حجبها عن كثير من المسلمين قول بعضهم في الكفار: لهم الدنيا ولنا الآخرة وهي مغالطة رغم حجة القرآن عليهم، قال تعالى: ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ [طه ٢٠/ ١٢٣ - ١٢٤]، وأما كون الدنيا لهم فقد جعل تعالى في الدنيا سننا وأسبابا ومسببات من أخذ بها وصل إليها، كافرا كان أو مؤمنا، ولو جعلها للمؤمنين خالصة دون غيرهم لبطل التكليف والإختيار والإختبار ولصار الإيمان قسرا.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ آيات جمع آية وهي الإشارة أو العلامة أو الرمز، وفي القرآن الكريم لها عدة معان مختلفة بحسب سياق الكلام:
فهي أحيانا تعني الرسالة السماوية، كقوله تعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام ٦/ ٤]، أو الإشارة أو العلامة كقوله تعالى على لسان فرعون مخاطبا موسى: ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف ٦/ ١٠٦]، وأحيانا أخرى تعني ظواهر الطبيعة وعجائب الخلق، لأنها تشير إلى الحقيقة الغيبية المحجوبة بالظاهر، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات ٥١/ ٢٠]، وهي أيضا معجزات الأنبياء، أي الإشارات الإلهية التي تؤيدهم، كقوله تعالى على لسان نبيّه صالح: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف ٧/ ٧٣]، كما أنّ عبارات القرآن الكريم تسمى أيضا آيات، كقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الحج ٢٢/ ١٦]، لأنّها تشير إلى الحقيقة المطلقة ولأن أسلوبها وصياغتها ومضمونها وإعجازها كلّ ذلك يعتبر إشارات واضحة لمصدرها ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لأنّ بصيرتهم عميت عن الحقيقة رغم كلّ الآيات الدالّة عليها.
стр. 41
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٤٠)
٤٠ - يلاحظ ارتباط هذه الآية مع ما سبقها لجهة استمرارية الوحي الإلهي منذ بدء الخليقة، وخصّ بني إسرائيل بالذكر، لأنهم أوّل من نزل عليه الوحي من الأمم الباقية إلى اليوم، وتركيز القرآن الكريم على قصص بني إسرائيل يعتبر من قبيل الإخبار بالغيب، وذلك لأهمية الدور الكبير، وهو دور الكفر والفساد والإفساد، الذي لا يزالون يلعبونه في تاريخ البشرية حتى يومنا هذا.
وهذه الآية والتي تليها تذكّر بني إسرائيل أنّ ما جاء به النبي ﷺ ليس جديدا أو غريبا، لكونه استمرار الوحي الذي نزل على أنبيائهم، وناسخا له، انظر آية [البقرة ٢/ ١٠٦]، وأنه قد عهد الآن إلى قوم غير اليهود وهم العرب بحمل ونشر الرسالة التي فشل اليهود بحملها ونشرها، بل شوهوها وحوّلوها إلى مجرّد طقوس وعصبية وجنسية، والآيات التالية تكشف حقيقة التدهور في الحياة الدينية والأخلاقية لليهود، وتبيّن أن تقواهم التي زعموها ليست في حقيقتها سوى زيفا وتعصبا أعمى وغلوّا، كما ألغت هذه الآيات المكانة الدينية والأخلاقية لليهود أمام سكان المدينة ومشركي الجزيرة العربية وقوّضت معنويات اليهود إلى درجة لم يتمكنوا بعدها من معارضة الإسلام بعد أن انكشف زيفهم:
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ببعث الأنبياء منكم، وإنزال الهداية عليكم، واختياركم بين كل الأمم لحمل الرسالة الإلهية، واسرائيل لقب يعقوب ابن اسحق ابن ابراهيم ﵈ وأطلق على ذريته لقب بنو اسرائيل،
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ عهده تعالى لهم أن يبعث نبيا من وسط إخوتهم أي من بني اسماعيل وأن يؤمنوا به، وهو مذكور في كتبهم (سفر التثنية ١٨/ ١٨)، وهذه دلالة أنّ النبي ﷺ كما كان مبعوثا إلى العرب إبتداء فقد كان
стр. 42
مبعوثا إليهم أيضا، هذا هو العهد الخاص لهم، وذلك عدا العهد الإلهي العام الذي أخذه تعالى على جميع البشر بمقتضى الفطرة [الأعراف ٧/ ١٧٢] بالتدبّر والتفكّر والنظر في الرسالات السماوية بميزان العقل والموضوعية لا بميزان الهوى والغرور [البقرة ٢/ ٢٧]، والنتيجة أن عليهم قبول الإسلام، وأما عهدهم فهو سعادة الدنيا والآخرة،
﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ دون غيري، أي إن كنتم تخشون فوات المنافع الدنيوية وزوال الرئاسة عنكم إذا اتبعتم الحق ودخلتم الإسلام، فالأحرى أن تخافوا وترهبوا من بيده الخير كله.
يلاحظ التركيز في القرآن الكريم على عقائد اليهود والنصارى، أكثر بكثير من التركيز على عقائد الوثنية التي لم ترد الإشارة إليها سوى مرات قلائل، ولم تذكر آلهة الوثنيين سوى مرة واحدة في سورة النجم [النجم ٥٣/ ١٩ - ٢٧]، رغم أن الهدف المباشر للنبي ﷺ كان إنقاذ الجزيرة العربية من الوثنية التي كانت العدو الأول للدعوة الإسلامية في ذلك الوقت، وقد يتوقع المرء أن يكون تركيز الوحي على دحض عقائد الوثنية بالدرجة الأولى، ولكن الأمر كان على العكس من ذلك إذ ركّز الوحي على عقائد أهل الكتاب منذ أوائل سني الدعوة في مكة، وقبل حدوث المواجهة بين المسلمين وبين يهود المدينة بوقت طويل، وحتى بعد إنهاء الخطر اليهودي في المدينة فقد استمر الوحي القرآني بالتركيز على انحرافات عقائد أهل الكتاب من يهود ونصارى وانتقادها، مع العلم أن عقائد أخرى في المنطقة كالزرادشتية والهندوسية والبوذية كانت شائعة حينئذ في فارس والهند اللتين كانتا على علاقات مباشرة مع العرب سياسيا وتجاريا، وقد يتوقع المرء أن يوجه القرآن في حينه بعض انتقاداته لهذه الديانات، ولكن تطور الأحداث بعد البعثة قد فسّر تماما توجهات القرآن الكريم، فمن وجهة نظر سياسية محضة من كان يتوقع أن تكون روما، وليس فارس، الجهة النهائية والأكبر التي قدر لها أن
стр. 43
تواجه الدعوة الإسلامية وأن يواجه العالم الإسلامي تحدياتها؟ أضف إلى ذلك إلى التحدي اليهودي المعاصر! لقد كان ممكنا أن تضمحل أهمية الكثير من آيات القرآن الكريم المتعلقة بأهل الكتاب لو صادف أن الفرس أو الهند بقيا العدو الأكبر للإسلام، ولكن التاريخ أظهر أن الأمر لم يكن كذلك، لقد استطاع المسلمون بعد وفاة النبي ﷺ أن ينشروا الدعوة في فارس والهند والشام وشمال إفريقية والأندلس خلال قرن من الزمن، وبعد ذلك في آسية الصغرى وشرق أوروبة، في حين بقي الغرب المسيحي وحده عائقا مستمرا أمام انتشار الدعوة الإسلامية، ثم أصبح التحالف البروتستانتي/اليهودي في القرن السادس عشر القوة الأكبر التي تهدد العالم الإسلامي، ولا يزال اليوم محور المواجهة اليوم بين الثقافة الغربية والإسلامية، وهكذا نرى أن الأهمية الكبرى التي خصصها الوحي القرآني لعقائد اليهود والنصارى كانت مطابقة تماما للتطورات التاريخية التي تبعت نزوله.
﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٤١)
٤١ - ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ﴾ ادخلوا الإسلام وآمنوا بالقرآن، لأنه يصدّق ما تبقّى معكم من الوحي الصحيح، انظر شرح آية [آل عمران ٣/ ٣]، وبواسطته تستطيعون التمييز بين الصحيح والزيف في كتبكم المحرفة ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ لا تبادروا إلى الكفر بالقرآن وأنتم تعرفون صدقه قبل غيركم، فالأجدر بكم السبق إلى الإسلام، والمعنى أنهم كانوا أول المصرين على الكفر وقت البعثة النبوية، والكلام موجّه إلى اليهود في كل زمان ومكان ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ الثمن القليل هو الرئاسة والمصالح الدنيوية خافوا عليها الفوات لو دخلوا الإسلام، واعتقادهم الباطل أن فضل الله تعالى محصور بهم وأنّه لا يبعث نبي إلاّ منهم.
стр. 44
﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ﴾ الإشارة إلى تلاعب أحبارهم بكتبهم المقدسة ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ بإغفالهم المتعمّد لنصوص كتبهم مما لا يوافق هواهم ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الحقّ، أو أنتم تعلمون أنكم على الباطل، فهم يتعمّدون تفسير كتبهم على نحو باطل، ومن ذلك النص الذي ورد في سفر (التثنية ١٨/ ١٨) مخاطبا موسى ﵇: «أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه»، والواضح أن العرب هم المقصودين بكلمة «إخوتهم» وخاصة العرب المستعربة من ذرية إسماعيل، ومنهم قريش قبيلة النبي ﷺ ، والنص يشير بوضوح إلى بعث النبي الموعود من سلالة إسماعيل، وقد كان العرب الأمّيون يطلبون المشورة من اليهود بشأن بعثة الرسول ﷺ لما توهّموه عن اليهود من إيمانهم بالأنبياء وخبرتهم بالكتب المقدسة، فكان اليهود يستغلّون هذه الأسئلة لإدخال الشكوك والهواجس والريبة في أذهان الناس، والافتراء على النبي ﷺ ، واتّباع أسلوب المناقشات الجدلية حول مسائل فرعية افتراضية، كما هي عادتهم في التضليل والمراوغة حتى الآن.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ بعد دعوة اليهود إلى الإسلام، دعاهم الى إقامة الصلاة على تمامها وإيتاء الزكاة، ولكن اليهود اعتادوا على صلاة بالشكل وليس بالروح، وأكلوا الربا بدلا من إيتاء الزكاة، والزكاة هي الصدقة المفروضة لتزكية المال وتزكية النفس من الأنانية ومنها اشتق الاسم، والصدقة تطلق على الفرض وعلى النفل ﴿وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أي اركعوا مع المسلمين في الصلاة، بمعنى صيروا مسلمين مثلهم.
﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٤٤)
стр. 45
٤٤ - ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ فتتبعون معايير مزدوجة؟ لأن من الوصايا الموجودة في كتب اليهود النهي عن القتل وعن السرقة وعن الزنى وعن أكل الربا، ولكنهم كانوا يفهمون منها النهي عن قتل اليهودي أو سرقته أو الزنى والنهي عن أكل الربى فيما بينهم، في حين أنهم يحلّون، بل يحضّون، على تقتيل غير اليهود وإبادتهم وطردهم وسرقتهم والاحتيال عليهم وأكل الربا منهم، وينشرون الزنا بين الآخرين، الأغيار حسب تعبيرهم، بل يعتبرون كل امرأة من الأغيار مومسا، كل ذلك أدخله الأحبار في كتبهم التي يسمّونها مقدسة ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ يتلون الكتاب ويفسرونه على هواهم، بل يتلاعبون بمحتواه ويضيفون من عندهم الكثير، وقد فعل أحبارهم ذلك على مر العصور ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أن الناس كلهم عباد الله، وأنه لا يصح تقسيمهم إلى يهود وغير يهود، أغيار كما يسمّونهم، كما لا يصح أن يكون هناك ازدواجية في التعامل مع الناس، وأنه لا يوجد في دين الله عنصرية ولا تفرقة، والنتيجة: ألا تعقلون أنّ ممارساتكم ليست دينا وإنّما تقليدا أعمى لمنكرات مناقضة للمعقول.
﴿وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ استعينوا على شرور نفوسكم وما تحبون من الدنيا بالصبر والصلاة الصحيحة لمن يوقنون بالآخرة ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ الصلاة ثقيلة وشاقة على من يتهالك على الدنيا ﴿إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ فهي قرة عين لهم، وراحة وطمأنينة.
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يظنون بمعنى يوقنون، فالظنّ هنا بمعنى اليقين، كما أنهم يظنّون الموت والرجوع إلى ربّهم في كلّ لحظة، فلا يفارق الخشوع قلوبهم.
стр. 46
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ببعث الأنبياء منكم ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ ببعث الأنبياء منكم في وقت من الأوقات، إذ كان المطلوب منهم تقبّل الهدي الإلهي لصالحهم وصالح باقي الأمم، ممّا فشلوا فيه أشدّ الفشل، والمراد من الخطاب تنبيه العرب أيضا، لأنّ التفضيل لحقهم ببعث النبيّ ﷺ منهم بعد أن اقتضت الحكمة الإلهية انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل.
وقصة بني إسرائيل وارتكاسهم المتكرر إلى الوثنية مثال عن انحراف بني آدم عن هداية الوحي ومعاناتهم المريرة في التوصل إلى الهداية ومحاولة تجنب الضلال والشقاء.
﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً﴾ يوم الحساب ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ هذه إشارة إلى العقيدة المسيحية التي ابتدعها بولس، عن افتداء الخطيئة بالنيابة، وإلى اعتقاد اليهود أنهم الشعب المختار، وظنهم أنهم لا يحاسبون يوم القيامة، بل يغفر لهم بشفاعة أنبيائهم، والقرآن الكريم يدحض مثل هذه العقائد قطعيا.
﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ واذكروا إذ نجّيناكم من عذاب آل فرعون، لأنه عندما خاف الفراعنة مغبة النمو السكاني عند اليهود في مصر عملوا على انقراضهم بقتل المواليد الذكور منهم ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ ويستبقون نساءكم ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
стр. 47
﴿عَظِيمٌ﴾ البلاء هو المحنة إن كانت الإشارة إلى صنيع آل فرعون، ونعمة إن أشير به إلى نجاة اليهود، وأصل البلاء: الاختبار، ولمّا كان اختبار الله تعالى لعباده تارة بالمحنة وتارة بالمنحة أطلق عليهما معا.
﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ واذكروا إذ فرقنا بكم البحر، وهي قصة نجاتهم من فرعون وغرق فرعون وجنوده في البحر، وهذه الآية وسابقتها تذكّرهم بعض نعمه تعالى عليهم، ورغم هذه المعجزة الباهرة وغيرها من المعجزات التي وقعت لبني إسرائيل كانوا يعودون إلى العصيان في كل مرة، فكان الجحود والعصيان سمة في أوائلهم، استمرت فيهم، ولا تزال في أواخرهم ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فشاهدتم ذلك عيانا.
وفلق البحر كان معجزة وقعت على يد موسى وقت كان الإنسان في مرحلة الطفولة الفكرية تجذبه دهشة الخوارق إلى الإيمان، ولا يمنع هذا الاعتقاد من الاهتداء بسنن الله تعالى في خلقه، والاعتقاد أنها لا تتحول ولا تتبدّل، وقد دخل الإنسان مرحلة الرشد الفكرية بنزول الرسالة الإسلامية حيث أرشده القرآن إلى استعمال العقل وتتبّع الدلائل في التوصّل إلى الإيمان وتصديق الوحي الذي نزل على الأنبياء.
﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ بعد خروج بني إسرائيل من مصر إلى سيناء نزل الوحي على موسى بالحضور إلى الجبل لمدة أربعين يوما وليلة كي يتعلم ثم يعلّم أمّته الشريعة والأخلاق [الأعراف ٧/ ١٤٢]، ﴿ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ اتخذتم العجل معبودا بغياب موسى، لأنّهم تشرّبوا في قلوبهم عبادة العجل التي كانت منتشرة في مصر، وقد حاولوا تقليد عجل معبد عزيريس Osiris في العاصمة المصرية ممفيس، لشدة تأثرهم بالوثنية المصرية، وكان التفسّخ
стр. 48
والانحطاط الفكري لدى اليهود قد تغلغل فيهم بعد زمن يوسف ﵇ لدرجة أنهم اعتادوا على الممارسات الفاسدة التي كانت منتشرة بين حكامهم، بما فيها عبادة العجل ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ظالمون أنفسكم بهذه الوثنية التي ارتكستم إليها بعد أن عرفتم طريق الهداية الصحيح.
وبعد حوالي قرنين من الزمن ارتكس اليهود مرة أخرى إلى عبادة العجول الذهبية، بعد وفاة سليمان وانقسام مملكته إلى جزئين، إذ قرر الملك يربعام، ملك الجزء الشمالي المسمّى إسرائيل، تكريس العبادة للعجل الذهبي في كل من المعبدين الملكيين دان وبيت إل، وأنشأ عجلا ذهبيا في كل منهما يفترض أنه كان يرمز إلى إله اليهود يهوه، ولكنه في نفس الوقت كان يرمز إلى بعل إله الكنعانيين، انظر سورة [الصافات ٣٧/ ١٢٥]، كل ذلك رغم ما خصّ الله به اليهود من الرسالة والمعجزات، وهو دليل على تشرّبهم الوثنية وعبادة المادة، ومنه قوله تعالى عنهم: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة ٧/ ٩٣].
﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أمهلهم تعالى لعلّهم يشكرون، ولفظ الشكر يتناول القيام بالطاعات قولا وعملا، وليس بالقول فقط، قال تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ٣٤/ ١٣].
﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ﴾ التوراة وفيها الفرقان، وقد يكون تقدير الخطاب أيضا: الكتاب، وهو الفرقان، وسمّي الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل، وقيل أيضا: إن الفرقان هو مقدرة المؤمن على التفريق بين الحق والباطل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ [الأنفال ٨/ ٢٩]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ للتفريق بين الحق والباطل.
стр. 49
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ باتخاذكم العجل معبودا ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ﴾ الباريء هو الخالق الذي جعل الخلق بريئا من التفاوت ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ قال بعض المفسرين: إن الأمر يقتضي أن يقتل اليهود أنفسهم، أو يقتلوا من بينهم أولئك الذين جعلوا العجل مستحقا للعبادة، ورووا الكثير من الإسرائيليات في ذلك ممّا لا يصحّ، والأصح أن القتل مجازي والمقصود به اقتلوا نفوسكم الشريرة الأمّارة بالسوء، وذلك بالإخلاص في العبادة وبالتوبة الصادقة، كما يقال قتل فلان نفسه ندما، والدليل أنه تعالى عفا عنهم بعد عبادتهم العجل (الآية ٥٢)، وبدليل توبتهم وتوبة الله عليهم بقوله: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ وهي صورة أخرى من بلادتهم وعنادهم وماديتهم إلى أقصى الحدود، فبعد أن رأوا كل المعجزات الباهرات لم يقتنعوا، بل طلبوا أن يروا الله جهرة أي عيانا حتى يصدّقوا موسى، ممّا يدلّ على أنهم ماديون لا يؤمنون إلا بما تدركه حواسهم، دون عقولهم، والذين طلبوا ذلك هم سبعون رجلا اختارهم موسى من كبار القوم لميقات ربه [الأعراف ٧/ ١٥٥]، ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ ليس بالضرورة أن الصاعقة أماتتهم، والظاهر أنّه أخذهم ما ينظرون إليه لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فلو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إليها (الرازي).
стр. 50
﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٥٦)
٥٦ - ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قيل هو الموت الفكري بمعنى ذهاب المقدرة على التفكير السليم، لأن من يطلب رؤية الله جهرة يكون فاقدا قواه العقلية، وقيل الموت بمعنى الغشيّ أي ذهاب الحواس كما في النوم، وقال بعضهم: هو الموت فعلا، وأنّهم بعثوا بعد الموت.
﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٥٧)
٥٧ - ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾ بيان المزيد من نعمه تعالى عليهم والمعجزات التي خصّهم بها، سخّر تعالى السحاب كي يظلّهم في صحراء سيناء حيث لا يوجد ملجأ من حرارة الشمس، وعندما نذكر أعداهم الكبيرة التي هاجرت من مصر إلى فلسطين عبر الصحراء القاحلة، فلولا هذه النعمة لأهلكتهم شمس الصحراء الحارقة ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ وتلك معجزة أخرى استمرت خلال فترة أربعين عاما من التيه في سيناء، قالوا:
إنّ المنّ يشبه بذور الكزبرة وكانت تنبت بعد هطول الندى على الأرض ليلا، والسلوى طيور السمّان كانت تأتيهم بكميات وفيرة أنقذتهم من المجاعة، وقيل:
إنها كانت طيور مهاجرة من إفريقية، ولا سيّما مصر، تصل إلى سيناء تعبة فتقع على الأرض أو تسفّ فتؤخذ باليد ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ بمعصيتهم وذنوبهم ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ظلموا أنفسهم بأن كفروا هذه النعم، وضرر الكفر يعود عليهم.
﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٨)
٥٨ - ومن نعمه تعالى عليهم أيضا أن كتب لهم دخول فلسطين، في ذلك الوقت، والاستمتاع بخيراتها بعد إخراجهم من عبودية الفراعنة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾
стр. 51
﴿اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية في لغة القرآن هي المدينة أو المجتمع أو البلد، كقوله تعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٤٣/ ٣١] أي مكة والطائف، أو فارس والروم، والعرب تسمّى المدينة قرية، وفي هذه الآية يبدو أن الإشارة لفلسطين، وقيل بيت المقدس أو أريحا ﴿فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً﴾ تمتعوا من خيراتها ﴿وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً﴾ ادخلوا فلسطين متواضعين خاشعين لله تعالى، مستغفرين تائبين، ولا تدخلوها دخول الطغاة المحتلين، وكونوا قدوة لغيركم من الناس في المعاملة وحسن الدعوة، حتى يدخلوا في الدين أفواجا، مثلما دخل النبي ﷺ مكة وقت الفتح، ومثلما دخل المسلمون البلدان المفتوحة بعد فجر الإسلام ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ كان المطلوب منهم دخول القرية تائبين مستغفرين طالبين من الله تعالى أن يحطّ عنهم خطاياهم، وتقدير الخطاب: حاجتنا حطّة، أي نرجو الله أن يحط عنا ذنوبنا حطّة ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أجرا وثوابا.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بدّلوا رسالة الإيمان والدعوة إلى الخير والقدوة الحسنة بالطغيان والفساد، وقد دخلوا فلسطين دخول الطغاة على عكس ما طلب منهم من التواضع والخشوع، ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ﴾ بعد دخولهم فلسطين، بلغ التمرد والوحشية منهم مبلغا حتى سلط الله عليهم الرجز، وهو العذاب المشار إليه في آية [المائدة ٥/ ٣٣] وآية [الأعراف ٧/ ١٦٧]، وقصص دخول اليهود فلسطين بصورة وحشية مذكورة في كتبهم بالتفصيل، وهي الكتب التي حرّرها أحبارهم وجعلوها جزءا من كتابهم المقدس، وقد حفلت بفنون الغدر والمباغتة والفظائع الوحشية والأعمال الترويعية، وإشاعة الهلع والذعر بين السكان، وتقتيل الأطفال والشيوخ والنساء، وتقطيع الأشجار وردم الآبار، وحتى البقر والغنم والحمير لم تسلم منهم، انظر
стр. 52
(سفر يشوع ٢/ ٤٢، ٨/ ٢٤ - ٢٦، ١٠/ ٢٨ - ٣٨، ١١/ ١١، ٢٤/ ٩ - ١١)، (سفر الملوك الثاني ٣/ ٢٥)، (سفر التثنية ٢/ ٣٣، ٣/ ٣ - ٦، ٧/ ١، ٢٢، ١٩/ ٢٥)، (سفر صموئيل ١٥/ ٣)، ولعل عبودية التسخير التي عاشوها تحت الفراعنة قرابة أربع مئة عام، وشعور الضعف ومعاناة التخلف والقهر، كل ذلك ترك في نفوسهم عقدة التذبيح والتقتيل والغدر بالآخرين ونكران الجميل، ولم ينفعهم نزول الرسالة السماوية عليهم، ولا شك أنّ هذه النفسية القبيحة استمرت في ذريتهم إلى يومنا هذا، ممّا يفسّر سبب تركيز الكثير من آيات القرآن الكريم عليهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسوقهم، وهو خروجهم عن الحق.
﴿وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ بيان آخر لنعمه تعالى على بني إسرائيل ومعجزاته لهم ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا بعدد قبائل بني إسرائيل، وتقدير الخطاب:
فضرب فانفجرت، وحذف المعطوف عليه للإشارة لسرعة الامتثال، حتى كأنّ الإيحاء وضرب الحجر أمر واحد، وأن انفجار الماء بأمره تعالى، كأنّ فعل موسى لا دخل له فيه (الألوسي)، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ كي لا يقتتلوا على الماء ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ﴾ استكمال بيان النعم في هذه الآية وما يليها، بعد الأمر بدخول فلسطين، لبيان شناعة معصيتهم وإفسادهم رغم كل هذه النعم والمعجزات لصالحهم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ المقصود أنّ إباحة الرزق والنعم لهم كي يستمدّوا منها القوة للقيام بأعباء الرسالة والطاعات والأعمال الصالحة، لا أن تكون باعثا على الشر والعدوان والفساد في الأرض.
стр. 53
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٦١)
٦١ - بعد أن استسقوا موسى وشاهدوا بأعينهم معجزة انفجار الماء من الحجر، طلبوا منه تغيير أنواع طعامهم، وهو دليل على تفكيرهم بحاجاتهم المادية فقط: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ المنّ والسلوى ﴿فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها﴾ لم يكتفوا بانفجار الماء من الحجر، ونزول المنّ والسلوى عليهم، بل يفرضون الشروط على نبيهم أن تنبت لهم الأرض مختلف أنواع الأطعمة، دون جدّ منهم ولا عمل ولا تعب ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ بدلا من التفكير والتركيز على الرسالة السامية التي أخرجوا من مصر لأجلها لم يزالوا يفكرون بعقلية مادية بحتة، تطغى عليهم غرائز الجسد، فلم يصبروا ولو مؤقتا على عدم وجود الأطعمة التي اعتادوا عليها في مصر، فيكون مغزى الآية:
أتستبدلون المنافع الدنيوية بالرسالة السامية التي جئتم من أجلها؟ ويحتمل المعنى أيضا أن نفوس بعضهم تاقت لأسلوب العيش الذي تركوه في مصر، وعلى هذا يكون المعنى: أتستبدلون العبودية وأسلوب العيش الذي كنتم فيه، بالحرية التي أصبحتم فيها، وذلك بدليل تتمة الآية، ويلاحظ أيضا أنهم قالوا لموسى ﴿فَادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ ولم يقولوا «ربنا» وفيه جانب من وقاحتهم المعهودة،
﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ ارجعوا إلى عبودية مصر إن شئتم فلكم فيها ما تطلبون من المادة، والعبرة من القصة أن اليهود لطول إقامتهم تحت قهر الفراعنة قد اعتادوا الذل والعادات والشعائر الوثنية، ثم إنهم في سيناء صاروا يتبرمون بموسى ويحمّلونه مسؤولية المشاق في الصحراء ويتحسّرون على أيامهم
стр. 54
في مصر ويستبطئون وعد الله، وقبل ذلك قالوا له في مصر ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف ٧/ ١٢٩]، وكان موسى يحاول نزع ما في قلوبهم من الشرك، وما في نفوسهم من الذلّ الذي طبعوا عليه في مصر، وأن يدخل بهم فلسطين، ولكنهم عصوه فقالوا له ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة ٥/ ٢٤]،
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ بماديتهم لأنّ من يكون ماديا صرفا يكون ذليلا، انظر آية [الأعراف ٧/ ١٦٧]، ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ بتفضيلهم ماديّة الدنيا على سموّ الرسالة ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ كلمة ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الذلّة والمسكنة التي ضربت عليهم، وأنّ سببها كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء، وهو ما حصل في حقبة لاحقة من التاريخ اليهودي وفعل ﴿كانُوا﴾ يتضمن معنى الاستمرارية ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي مع علمهم أنّهم على غير الحق بقتل الأنبياء ﴿ذلِكَ﴾ أي ضرب الذلة والمسكنة عليهم ﴿بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ بسبب عصيانهم وعدوانهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢)
٦٢ - بعد أن أسهبت الآيات السابقة في بيان معاصي اليهود وخسّة نفوسهم وجرائمهم، حتى ليحسبهم المرء من الخاطئين جميعا، استثنت هذه الآية الصالحين منهم وطمأنتهم أنّ الله تعالى يحاسب الناس فرادى ولا يحاسبهم أقواما: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الذين آمنوا برسالة النبي محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ اليهود، وقيل سمّوا يهودا لقول موسى: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ٧/ ١٥٦]، وقيل لنسبهم إلى يهوّذا ابن يعقوب ﴿وَالنَّصارى﴾ مشتقة من النصرة لأنّ عيسى ﵇ قال للحواريين ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ [آل عمران ٣/ ٥٢]، وهم الذين نصروا عيسى ﵇ وبقوا على النصرانية، ولم ينحرفوا عن رسالته كما فعل
стр. 55
بولس وأتباعه من المسيحية ﴿وَالصّابِئِينَ﴾ وفي اللغة الآرامية الصابغين وهم طائفة موحّدة، بين اليهود والنصارى أتباع يحيى ﵇، اشتق اسمهم من الكلمة الآرامية: صبغة، لأنهم كانوا يعمّدون أي يصبغون المعتنق الجديد لدينهم في نهر الاردن فصاروا يدعون الصابغة، ومنه قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ [البقرة ٢/ ١٣٨]، ولكن العرب في إحدى لهجاتها كانت تلفظ الغين همزة فصارت الصابئة، وأصلها الصابغة، وهم أتباع يحيى ﵇ وكان يسمى يحيى الصابغ أي المعمدان أي الذي يقوم بالتعميد وهو نوع من الوضوء بماء النهر (انظر عبد الأحد داود)، ويجب عدم الخلط بينهم وبين صابئة حرّان الذين انتحلوا الاسم لأنفسهم للاستفادة من تسامح الدولة الإسلامية مع أهل الكتاب ومع طوائف الموحّدين.
﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ وحده لا شريك له ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ آمن بالبعث والحساب ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ اقترن إيمانه بالعمل الصالح ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يجب قراءة هذه الآية ضمن سياقها وهو الحديث عن بني إسرائيل، فيكون الهدف الأساسي منها دحض أوهام اليهود أنهم الشعب المختار، وأنهم يحتكرون ثواب الله ومغفرته من دون غيرهم من الأمم رغم عصيانهم وجرائمهم، فالآية تحدد أنّ المهم عند الله هو الإيمان به وحده لا شريك له والإيمان بالبعث والحساب والقيام بالعمل الصالح، وليس مجرد الانتساب إلى طائفة دينية معينة ولا أن يكون الدين جنسية كما يزعم اليهود، ويحتمل أن يكون المقصود بذلك اليهود والنصارى والصابئين قبل أن تبلغهم البعثة الإسلامية، وهو أيضا استثناء من قوله تعالى عن اليهود في الآية السابقة ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ،﴾ أي إنه تعالى استثنى منهم من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، والمعروف أنّ هنالك طائفة من اليهود تدعى السدوقيين لا تؤمن بالآخرة.
стр. 56
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٦٣)
٦٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، وهو الميثاق المشار له بالآيتين (٨٣ - ٨٤) ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ شاهدا عليكم، وهو جبل طور سيناء الواقع جنوب شبه جزيرة سيناء بين ذراعي البحر الأحمر، ويدعى الآن جبل موسى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين ٩٥/ ١ - ٢]، ويقال: إن بني إسرائيل خيّموا على سفوحه قرابة عام كامل ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ أي تمسّكوا بالكتاب بجدّ وعزيمة ﴿وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ احفظوا ما فيه واعملوا به ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ المعاصي وعواقبها السيئة، إذا أتبعتم القول بالعمل.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الرسالة السماوية ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ بمعاصيكم وماديتكم وتلاعبكم بالتوراة وتحرير غيرها ونسبتها إلى الله ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بإمهالكم، وعدم التعجيل عليكم بالعقوبة، وإعطائكم الفرص للتوبة ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ فور ارتكابكم المعاصي بلا إمهال.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ فكان عليكم أن تعتبروا بهذه الحادثة وبعواقبها، وقد ورد تفصيل هذه الحادثة في آية [الأعراف ٧/ ١٦٣]، إذ كان المفروض أن يكرّس اليهود يوم السبت للعبادة والراحة والامتناع عن الأعمال الدنيوية، وكان هذا الأمر مشددا عندهم لدرجة أن كتبهم جعلت الموت عقاب المخالف، ولكن عندما شاع فيهم التفسخ الديني والاخلاقي انتهكوا شريعة السبت فصارت مدنهم تنشط باعمال الحرف والتجارة جهارا ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ قالوا إن التحول إلى قردة بالمعنى
стр. 57
المجازي، وأنه تعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم على القلوب، أي صاروا كالقرود متجردين من السمو الروحي الذي يتمتع به البشر، متهالكين على المادة والدنيا فقط، مستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير (الآية ٦١)، وقد قال عنهم تعالى أيضا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ [الجمعة ٦٢/ ٥]، ولأنّ الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور البينات فالعرب تقول عنه مجازا: إنه حمار أو قرد، ويحتمل المعنى أيضا أن وجوه بعضهم صارت مشابهة للقرود كما نراهم اليوم ﴿خاسِئِينَ﴾ أي أذلاء مطرودين.
﴿فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٦٦)
٦٦ - ﴿فَجَعَلْناها﴾ أي تلك العقوبة ﴿نَكالاً﴾ أي عقوبة غليظة رادعة ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ عبرة للناس في زمانهم ﴿وَما خَلْفَها﴾ وعبرة للأجيال القادمة ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهذا من سنن الله تعالى أن من يفسق عن أمر ربّه ينزل عن مرتبة الانسان، الذي كرّمه الله، الى مرتبة الحيوانات، وتخلو حياته من أي هدف سام.
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٦٧)
٦٧ - ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ابتلي اليهود بفكرة تقديس البقرة (الآية ٥١) ولتحريرهم من ذلك أمروا بذبحها، وكان اختبارا قاسيا لهم ﴿قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾ حاولوا التملّص بانتحال أعذار عن نوع البقرة المطلوب ذبحها، وقد اقتبس اليهود فكرة تقديس البقرة من المصريين خلال فترة عبوديتهم، لأن المصريين كانوا يعبدون تمثالا لعجل ذهبي في معبد عزيريس Osiris ، وهنالك أكثر من مغزى لهذه القصة كما سيرد ﴿قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ أي أعوذ بالله أن أقول عليه كذبا.
стр. 58
﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ (٦٨)
٦٨ - ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي إنها ليست كبيرة في السن وليست شابة، ولكن وسط بينهما ﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ بلا جدال.
﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ (٦٩)
٦٩ - ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ زيادة في التنطع بالسؤال ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾.
﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (٧٠)
٧٠ - ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ كلّما ألّحوا في طلب التفاصيل كانوا يضيقون الخناق على أنفسهم.
﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧١)
٧١ - ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي إنّها حرة من النير الذي يربط عادة في رقاب البقر المستخدمة للحرث ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ لا تستخدم في رفع المياه من الآبار للسقاية، فهي بقرة سائبة ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ سالمة من العيوب مطلقا ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ لونها الأصفر خالص غير موشّى بغيره أي غير ممتزج بسائر الألوان ﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ جئتنا بكلّ المعلومات عنها ﴿فَذَبَحُوها﴾ بعد أن كان بإمكانهم أن يذبحوا أي بقرة كانت ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ كادوا أن لا يذبحوها لشدة تلكؤهم وإلحاحهم في طلب التفاصيل، ويلاحظ في طريقة الحوار سفاهة اليهود وقلة احترامهم لنبيهم وعدم الامتثال
стр. 59
لأمره وإلحاحهم وخفتهم وتنطعهم في السؤال، وتكرار قولهم ﴿رَبَّكَ﴾ ولم يقولوا «ربنا».
ومغزى القصة يشير إلى نقطة فقهية هامة وهي كراهة طلب تفاصيل إضافية لشرع عامّ، لأن من شأن ذلك تعقيد الأمور على المجتمع، قال تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ٥/ ١٠١]، وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: «لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدّد عليكم، فإنّ قوما شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم»، وعن ابن عباس: لو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم.
ومن ذلك أنّ نظرة السلف الأول الى الدين كانت بسيطة ومباشرة، فهموه بشكل فطري دون إشكالات ولا تعقيدات، ولكنّ بعض من جاؤوا بعدهم استغرقوا في استنباط التفاصيل، فجعلوا الشريعة عبئا ثقيلا على الناس بعكس ما هدف إليه القرآن والسنة، ويحتمل أن اختيار اسم البقرة لهذه السورة نابع من المغزى الهام الذي تنطوي عليه هذه القصة.
ومن جهة أخرى رأى البيضاوي أن ذبح البقرة كناية عن ذبح شهواتهم وأهوائهم، فيكون تقدير الآية: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة أهوائكم، والمعنى أن تتخلصوا من ضلالكم، عدا أن ذبح البقرة قربى إلى الله تعالى رجاء الوصول إلى المبتغى.
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٧٢)
٧٢ - في شرع اليهود أنه إذا وجدت جثة قتيل لم يعرف قاتله فتذبح بقرة ويدعى كبار القوم في المنطقة فيغسلون أيديهم فوق البقرة الذبيحة قائلين أن لا علاقة لهم بالقتل، وأنهم لا يعرفون القاتل، وبذلك يخلون أنفسهم من المسؤولية ومن لا يفعل ذلك منهم يعرف أنه القاتل (سفر التثنية ٢١/ ١ - ٩)، وقد يكون في الآيات (٦٧ - ٧١) إشارة لذلك:
стр. 60
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها﴾ أي فاختلفتم وتدافعتم في مسؤوليتها، والخطاب للجمع، وفيه إشارة للمسؤولية الجماعية ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ الله معلن ما كنتم تسرّونه عن القاتل.
﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٧٣)
٧٣ - يرى بعض المفسرين أن المقصود هو ضرب جثة القتيل ببعض أجزاء البقرة الذبيحة ممّا أعاد الحياة مؤقتا إلى القتيل كي يشير إلى قاتله، ومع أنه لا يوجد لهذا التصور والتفصيل سند واضح في القرآن أو السنة، فلا يمنع أن تكون هذه الحادثة من جملة المعجزات الكثيرة التي خصّ تعالى بها بني إسرائيل، فبعث القتيل وقع بناء على أفعال أمرهم تعالى بها فنفذوها بأيديهم، وكلّها مما لا يحيي الموتى، فضرب قتيل بقتيل لا يولد حياة جديدة، لكن قدرة الله جعلت هذا الضرب مؤثرا في تلك الحالة، فقام القتيل مؤقتا ليخبر عن قاتله، وليشاهد اليهود عيانا إحياء الموتى، حتى يؤمنوا بالبعث، وليعلموا أنّ من أحيا قتيلا على هذه الصورة قادر على إحيائهم وحسابهم بعد الموت، فاليهود كانوا على مستوى من البلادة والطفولة الفكرية دون منطق العقل والفكر بكثير.
ومن وجهة نظر ثانية يحتمل أنّ كلمات الآية ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ لا تنطوي على ذلك، فمن جهة ليس من تطابق في الجنس بين ضمير المذكر في الهاء بكلمة ﴿اِضْرِبُوهُ﴾ وبين النفس القتيلة المشار لها بقوله تعالى ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً،﴾ ومن جهة ثانية فان كلمة «ضرب» كثيرا ما تستخدم مجازا كقولهم «ضرب مثلا» و «ضرب في الأرض» أي تجوّل فيها، و «ضربت عليهم الذلة» .. الخ، ومن جهة فليس من المؤكد أن يعود ضمير المؤنث في ﴿بِبَعْضِها﴾ إلى البقرة المذكورة بالآية (٧١)﴾، وقد يكون أنّ ﴿اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ معناه:
اضربوا مبدأ المسؤولية الجماعية ببعض حالات القتل المجهولة انظر محمد أسد، ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾ أي يمنع سفك الدماء بمثل هذه الأحكام
стр. 61
وهو شبيه بقوله تعالى ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة ٥/ ٣٢]، ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لعلكم تستخدموا ملكة العقل لديكم وتفقهوا الحكمة من الشريعة.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٧٤)
٧٤ - ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ من بعد كل هذه المعجزات والبيّنات والوحي، ارتكبتم من الجرائم والفساد، ليس في حق أنفسكم فقط، بل في حق الآخرين أيضا، وفشلتم في حمل الرسالة ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ بمعنى أنّ قلوبهم مادية صرفة خالية من الروحانية، لا همّ لهم سوى الدنيا، وقد شبّه تعالى قلوبهم بالجمادات ولم يشبههم بالحيوانات لأن الحيوانات لا تأخذ من الدنيا إلا ما تقتضيه غريزتها للبقاء ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ﴾ حتى الحجارة تتأثر بجريان الماء قليلا أو كثيرا، أما قلوبهم فلا تتأثر بشيء ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ يتردّى من أعلى الجبل، وهو شبيه بقوله تعالى ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [الحشر ٥٩/ ٢١]، ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فسوف يجازيكم على قسوتكم ومعاصيكم.
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥)
٧٥ - ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المسلمون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الخطاب موجّه في الأصل إلى حديثي العهد بالإسلام من أهل المدينة، وإن كان موجها للمسلمين في كل العصور، إذ سبق أن أخبرهم اليهود أنّ نبيا على وشك الظهور، وأنّ أتباعه سوف يتغلّبون على باقي شعوب العالم، فكان ظنّ العرب أن يكون
стр. 62
اليهود في طليعة من يدخل الإسلام، غير أن أملهم خاب بسبب اعتقاد اليهود أن النبي المنتظر يجب أن يكون منهم، فهم يعتبرون الدين والأنبياء حكرا لبني إسرائيل فقط دون غيرهم من الناس، وكانت النتيجة أن استغلّ المنافقون والمشركون موقف اليهود لبث الشكّ في النفوس، وزعموا أن لو كان محمد نبيا حقا لما أحجم اليهود وعلماؤهم عن الإيمان به ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ تحريف كلام الله هو تغييره، والفريق منهم هم الأحبار الذين كتبوا الأسفار اليهودية «المقدسة»، انظر شرح الآية (٧٩)، ﴿مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ اقتنعوا به عقلانيا، ورفضته قلوبهم، وتغلبت عليهم أهواؤهم ومصالحهم ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تمام العلم شناعة فعلهم.
﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٧٦)
٧٦ - ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ وهم المنافقون من اليهود ﴿وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ لشدة جهالتهم وعنصريتهم، إذا خلا الأحبار مع عوامهم قالوا لهم: أتحدثون المسلمين بما فتح الله عليكم من أوصاف النبي المنتظر ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ليكون لهم الحجة عليكم عند الله ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وهو قول الأحبار لأتباعهم إمعانا منهم في العنصرية والتضليل والاستغلال، وخوفا على مكاسبهم الدنيوية أن تزول.
﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٧٧)
٧٧ - ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ يظنّون أن إخفاء جرائمهم في الدنيا ينقذهم من عقاب الآخرة، كما يظنون أن الإله خاص بهم فقط، أي هو إله إسرائيل دون باقي الناس.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ (٧٨)
٧٨ - ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ من اليهود أمّيون لجهة جهلهم بكتابهم ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ﴾ أي كتابهم ﴿إِلاّ أَمانِيَّ﴾ ومفردها أمنية، والمعنى أنهم لا يعلمون من
стр. 63
كتابهم إلاّ ما تتمنّاه قلوبهم، يقبلون ما يقال لهم على علاّته، كزعمهم أن لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ ليس عندهم من العلم اليقيني سوى أنهم يقلّدون ويتّبعون الدين الذي ابتكره أحبارهم، وإن كان لا يمتّ إلى شرع موسى بأية صلة ممّا جعلهم يعيشون في فردوس خاص بهم مبني على الأوهام الخادعة بأنهم الشعب المختار، متعلّقين بالآمال الزائفة بشفاعة الأنبياء لهم.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ (٧٩)
٧٩ - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ هم الأحبار الذين حرّروا الكتب اليهودية المقدسة وزعموا أنها كلام الله المنزل، والدليل أن العهد القديم ومن ضمنه التوراة التي بين أيدينا اليوم أكثرها من كتابتهم، بلا جدال، ويعود تاريخ تحريرها إلى عدة قرون من الزمن بعد موسى، وليس فيها من بقايا الوحي إلا القليل، وهذا ينطبق على جميع كتبهم وأسفارهم التي يزعمون أنها مقدّسة، وهي زاخرة بقصص الخرافات، والعنصرية البشعة، والمنكرات والموبقات، ممّا ينسبونه إلى أنبيائهم قبل عوامهم، ولا يعقل أن يكون وحيا، وأضافوا عليها قصص تاريخهم القومي، وتشريعات إباحية من عندهم ضد الأغيار، ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الثمن القليل هو زعامتهم الدنيوية وأغراضهم المادية التي أرادوا الحفاظ عليها عن طريق غش الآخرين ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الزيف ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ ما يكسبون بنتيجة الزيف.
وهذه الآية من قبيل إخبار النبي ﷺ والمسلمين بالغيب، لأنه لم يكن بوسع النبي ﷺ ولا المسلمين في عصره أن يعلموا من تلقاء أنفسهم أن كتب اليهود مزيفة.
стр. 64
﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨٠)
٨٠ - ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ وهذا من جملة غرورهم، لأنهم يتوهمون أنه بغض النظر عمّا يرتكبون من شرور، فعقابهم في الآخرة سيكون محدودا، لأنهم الشعب المختار بزعمهم، وهم غارقون في هذا الغرور والتبجّح، ممّا يدحضه القرآن بقوله تعالى ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي، أو أيها القارئ، أو السامع ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً﴾ بما تزعمون ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾ فإنّ الله تعالى لم يعهد لكم بشيء من ذلك ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تمنّون أنفسكم بالباطل، وليس لكم به علم يقيني.
﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٨١)
٨١ - ﴿بَلى﴾ خلافا لما يعتقدون، وهو جواب لقولهم لن تمسّنا النار إلاّ أياما معدودة، والفرق بين بلى ونعم: أنّ بلى جواب النفي، ونعم جواب الإيجاب ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وهي الذنوب التي يعذّب مرتكبها بالنار ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أي خطيئاته، وأحاطت به أي استغرقت شعوره ووجدانه، ورانت على قلبه، فصار همّه مقتصرا على دنياه، وإرضاء شهواته على مرّ الليل والنهار، ولم يبق للدين سلطان عليه ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لأنّ العمل السيّئ لم يدع للإيمان أثرا صالحا في نفس صاحبه، ولو كان معه شيء من الطاعات لما أحاطت به السيّئة من كلّ جانب.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٨٢)
٨٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ استثناء الصالحين منهم كي لا يقنطوا من رحمة الله ويلاحظ أن آيات الوعيد مقترنة بآيات الوعد، كما أنّ الإيمان مرتبط بالعمل الصالح لا ينفك أحدهما عن الآخر، انظر آية [الأنعام ٦/ ١٥٨].
стр. 65
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٨٣)
٨٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ﴾ بعد أن بيّنت الآيات (٧٤ - ٨١) عناد بني إسرائيل وقسوة قلوبهم وجهلهم وغرورهم، تذكّرهم هذه الآية أن طريق التقوى قد بيّنت لهم بتشريعات سلوكية وأخلاقية يجب أن يلتزموا بها ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً﴾ عاملوا الناس معاملة حسنة، ولا تعاملوهم معاملة دونيّة، ولا تزعموا أنهم أغيار، ولا يكون هنالك ازدواجية في مقاييسكم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ التزموا بالعبادات والصدقات ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ فلم تعملوا بشيء من ذلك ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ انصرفتم عن دعوة الحق متعمّدين غير مكترثين ولا عازمين على التوبة، إلاّ قلّة منهم.
ويلاحظ ترتيب الطاعات في الآية، بعد عبادته وحده سبحانه: الإحسان وحسن المعاملة بالفعل والقول، مع الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، خاصة، والناس عامة، ثم الصلاة والزكاة.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٨٤)
٨٤ - قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة كانت قبائل اليهود في منطقة المدينة متحالفة بعضها مع الأوس وبعضها الآخر مع الخزرج، فعندما تنشب الحروب بينهما كانت كلّ من قبائل اليهود تقاتل إلى جانب حلفائها مما سبّب أن يقتل اليهود بعضهم بعضا نتيجة تحالفهم مع قبائل وثنية متنازعة وفي ذلك خرق للميثاق المذكور في كتبهم، والمشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ﴾ يلاحظ أن الخطاب
стр. 66
للمجتمع بكامله وبشكل فيه تأكيد على وحدة الأمة إذ جعل سفك دم الفرد كأنه سفك دم الجميع، وإخراج الفرد من داره يعادل إخراج الجميع ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بالميثاق ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على أنفسكم بلزومه،
وفي المعنى العام للآية أن اليهود أساؤوا التصرف وارتكبوا من الجرائم على مدى تاريخهم ما أدى إلى أن يصيبهم التقتيل والطرد من الديار، انظر آية [المائدة ٥/ ٣٣]، كما حدث لهم عام (٧٠) م وعام (١٣٥) م عندما نكّل الرومان بهم وطردوهم من القدس وفلسطين.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٨٥)
٨٥ - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يقتل بعضكم بعضا ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ﴾ كانوا يفتدون أسراهم، بحجة أنهم ينفذون تعاليم كتابهم، بعد أن كانوا قاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم، الأمر المشار اليه بقوله تعالى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ يطبقون معايير دينية مزدوجة، ومن ذلك تنفيذ تعاليم الكتاب بافتداء الأسرى، ويتغاضون عنها عندما يقتل بعضهم بعضا، ويخرج بعضهم بعضا من ديارهم ﴿فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الخزي العاجل في الحياة الدنيا، انظر آية [المائدة ٥/ ٣٣]، ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ﴾ أشدّ من الخزي الحاصل في الدنيا ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيحصي عليكم أعمالكم ليوم الحساب.
стр. 67
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٨٦)
٨٦ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ﴾ جعلوا الدنيا همّهم الوحيد ولم يكترثوا بالآخرة ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ارتباط العذاب مع التهالك على الدنيا، وهو ارتباط المسبب بالسبب، وهذه الآية قاعدة عامة في أمثالهم وغير مقتصرة عليهم.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ التأكيد على تعاقب الرسل لدى اليهود، بعد موسى ﵇، مما لا يترك لديهم مجالا لادّعاء الجهل ﴿وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ﴾ وهو آخر رسل بني إسرائيل، والآيات البينات هي براهين الحقيقة المفترض أن تقنع كل باحث موضوعي ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أيّدناه بالمعرفة عن طريق الوحي، وسمّي القدس لأنّ العلم بواسطته يكون مقدّسا، أو أنه يقدّس النفوس أي يطهرها، وقيل هو ملاك الوحي جبريل ﵇، انظر أيضا آية [المائدة ٥/ ١١٠] حيث تشرح التأييد بروح القدس، وفي آية [المجادلة ٥٨/ ٢٢] ورد أيضا تأييد الله تعالى للمؤمنين بروح منه ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ الانتقال في التعبير من الفعل الماضي ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ إلى الفعل المضارع ﴿تَقْتُلُونَ﴾ يوضح استمرارية النية المبيّتة لدى اليهود، عن عمد منهم، بتكرار قتل الأنبياء، حتى أنهم تآمروا على قتل النبي ﷺ .
﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ (٨٨)
٨٨ - ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ فلا نحتاج إلى مزيد من الرسل، وغلف صمّ، ومن قرأ: غلف، بضمّ اللام، أراد جمع غلاف، أي قلوبنا أوعية ممتلئة بالعلم فلا
стр. 68
حاجة لنا بغيره، والمعنى أنهم صامدون في ضلالهم لدرجة أنهم لن يغيروا من قناعاتهم مهما جاءهم من براهين، ومثل هذا القول سمة مشتركة لذوي التعصب الأعمى الذين يسيطر على عقولهم التحامل والتحيّز المسبق، وهو ما يتبجّحون بأنها قناعات يتمسّكون بها لمجرّد أنهم توارثوها، بغضّ النظر عن البراهين الحاسمة بزيفها، وهو المشار إليه بقوله تعالى ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي بسبب كفرهم، لأن الكفر هو التغطية، فهو يحجب الحقيقة عن صاحبه، ويمنعه من التفكير الموضوعي ويعمي بصيرته فيبتعد عن رحمة الله، وهو معنى اللعنة ﴿فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ قليلا ما يؤمنون بالصواب، لأنّ معتقداتهم متمحورة ومنغلقة حول أنفسهم، ويحتمل المعنى أيضا أنه لا يؤمن منهم بخاتم الأنبياء والرسل المذكور في كتبهم إلا القليل، فيظلّون بانتظار غيره أبد الدهر.
﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٨٩)
٨٩ - ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ وهو القرآن الكريم ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ لما تبقى معهم من الوحي انظر شرح الآية (٤١)﴾ وآية [آل عمران ٣/ ٣] وآية [المائدة ٥/ ١٣]، ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قبل بعثة النبي ﷺ كان اليهود يتوقعون ظهور النبي المنتظر، المذكور في كتبهم، بفارغ الصبر وكان يقول بعضهم لبعض: ليضطهدنا الناس الآن فعندما يأتي نبيّنا المنتظر سوف نسوّي حساباتنا معهم ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ كانوا ولا زالوا يعتقدون أن النبوة حكر عليهم، فلمّا جاءهم النبي المنتظر من بني إسماعيل محققا النبوءات المذكورة عندهم كفروا به، انظر كتاب «محمد في الكتاب المقدس «للبروفسور عبد الأحد داوود، سابقا كبير الكهنة الكلداني دافيد بنجامين، يفصل فيه نبوءات كتب اليهود والنصارى عن قدوم النبي الأحمد ﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ الكافرين الذين يغطون الحقيقة عن أنفسهم، لأن هذا هو معنى الكلمة كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾
стр. 69
[الحديد ٥٧/ ٢٠] فها هنا الكافر بمعنى الزارع، لأنه يغطي البذور بالتربة، فالكفار تعمى بصيرتهم عن الحقيقة، ويبتعدون عن رحمة الله، وهو معنى اللعنة التي أوجبوها لأنفسهم، فارتباط اللعنة بالكفر، أي بتغطية الحقيقة، كارتباط المسبب بالسبب.
﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٩٠)
٩٠ - ﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ بئس ذلك الكبرياء الزائف الذي من أجله خسروا أنفسهم، واشترى بمعنى باع، والمعنى بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم حيث استبدلوا الباطل بالحق والكفر بالإيمان ﴿بَغْياً﴾ حسدا للعرب ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ إذ قالوا: إنّما كانت الرسل من موسى إلى عيسى من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل؟ يريدون أن يكون الوحي حكرا عليهم دون غيرهم من الناس ﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ استحقوا غضب الله مرة أخرى بكفرهم بالنبي الأحمد المنتظر، كما استحقّوه في السابق بعصيانهم موسى، وبكفرهم بعيسى ﵉ ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ مترتّب على إنكارهم الحقيقة.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩١)
٩١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ يدّعون الإيمان بما أنزل على أنبيائهم فقط ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ﴾ ينكرون الوحي الذي نزل على عيسى ومحمد ﵉ ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ﴾ مصدّقا لما تبقى معهم من الوحي الصحيح، والمعنى أنه لا يمكن تمييز الصحيح من الزيف في كتابهم إلا عبر النظر إليه من منظار إسلامي ﴿قُلْ فَلِمَ﴾ كنتم ﴿تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أسند القتل اليهم رغم أنه من فعل آبائهم، لأنهم راضون به
стр. 70
وعازمون على تكراره ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم مؤمنين بكتابكم كما تزعمون، فليس فيه الأمر بقتل الأنبياء.
﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ (٩٢)
٩٢ - ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ﴾ وهي المعجزات القاهرة كفلق البحر وغيره ﴿ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ معبودا ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ عبدتم العجل بعد أن ذهب موسى لميقات ربه في الطور، وبعد وفاة سليمان أيضا ارتكستم إلى الوثنية وإلى عبادة العجول الذهبية ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ لأنفسكم، والمعنى أنكم تدّعون الإيمان بما أنزل عليكم، مع أنكم عبدتم العجل رغم البينات التي جاءكم بها موسى.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاِسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩٣)
٩٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم عند جبل الطور ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاِسْمَعُوا﴾ تمسّكوا بالتوراة بجدّ وبعزيمة، واسمعوا ما فيها سماع تفكّر وتفهّم ﴿قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ سمعوه فتلقّوه بالعصيان، لأنّ أعمالهم التي تلت الميثاق تبرر هذا التعبير المجازي، فقد أضاعوا معظم التوراة وحرّروا بدلا عنها من عند أنفسهم وحسب أهوائهم، وكفروا بمن جاءهم من الأنبياء بعد موسى ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ﴾ حبّ ﴿الْعِجْلَ﴾ وتهالكوا على عبادة المادة التي رمز إليها بعبادة العجل الذهبي، انظر شرح الآية (٥١)﴾، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب كفرهم وإنكارهم الحقيقة ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ﴾ لأنّ إيمانكم الذي تزعمون يأمركم بالشرور والآثام لا غير ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنكم غير مؤمنين حقيقة.
стр. 71
﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٩٤)
٩٤ - ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ﴾ إشارة إلى ادعائهم المذكور بقوله تعالى ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾ (١١١)، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم المذكورة.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٩٥)
٩٥ - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ بل هم حريصون على الحياة الدنيا ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بسبب ما قدّموا من المعاصي ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ بخبايا نفوسهم ونفاقهم.
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (٩٦)
٩٦ - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ وهو سبب كل مصائبهم وضلالهم وإضلالهم، لا يبالون أن يعيشوا حياة نفاق ودجل ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ حرصهم على الدنيا أشد من حرص المشركين عليها ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ الألف سنة تعبير عن المبالغة في الكثرة، والمغزى أن اليهود يعلمون أنهم على ضلال ولذا يرون أن الدنيا ومنغصاتها خير لهم من الآخرة وما ينتظرهم فيها من العقاب ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فيحاسبهم بأعمالهم.
﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٩٧)
٩٧ - ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ الكلام متصل بما قبله من حيث تسلسل أعذار اليهود في عدم الإيمان بالنبي ﷺ ، فقد
стр. 72
زعموا أولا أنهم مؤمنون بكتاب ولا حاجة بهم إلى وحي جديد، ثم زعموا أنهم ناجون في الآخرة على كل حال، لأنهم شعب الله المختار، والآن يتعللّون بعذر أغرب مما سبق، فقد ورد في العديد من الروايات الصحيحة أنّ أحبار اليهود في المدينة كانوا يصفون جبريل ﵇ بأنه عدو الله لثلاثة أسباب:
الأول: زعموا أن جميع المصائب التي لحقت بني إسرائيل في مطلع تاريخهم تكلّم بها جبريل، في حين أنّ ميكال كان يحمل إليهم الأنباء السارة فأصبح صديقهم بزعمهم،
والثاني: لأنّ القرآن نزل به جبريل على محمد ﷺ وهم أرادوا أن يكون النبي المنتظر منهم،
والثالث: أن القرآن يشتمل على النقد المرير لبني اسرائيل بسبب عصيانهم رسالة موسى،
فأخبرهم تعالى إن جبريل يتنزّل بالوحي على محمد ﷺ بإذن الله وليس من عند نفسه ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مصدّقا لما تبقّى من الوحي الذي نزل على أنبيائهم، وليس تصديق كتب اليهود والنصارى بوضعها الحالي ولا بالوضع الذي كانت عليه وقت نزول القرآن، لأنها خضعت لكثير من التحريف والتغيير عبر تاريخها، كما أنه ليس المقصود تصديق تشريعات اليهود والنصارى لأن القرآن نسخها، انظر الآية (١٠٦)، ولكن المقصود تصديق ما تبقى من الحقائق الأساسية في كتبهم وقت نزول القرآن ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لو قبل اليهود رسالة الإسلام لاستفادوا من هديه وتبشيره، ولكن استياءهم وغيظهم موجّه ضد الهداية الصحيحة.
﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ (٩٨)
٩٨ - ما دام ذلك سبب عدائهم لجبريل ﵇ فليعلموا أنه ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ عطف الخاص على العام ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ فيعاقبهم على عصيانهم وتعاميهم عن الحقيقة.
стр. 73
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ﴾ (٩٩)
٩٩ - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضحة لا لبس فيها ولا يسع العاقل إلا الإيمان بها ﴿وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ﴾ المصرّون على المعصية، الذين فضّلوا تقليد الآباء والأجداد والزعماء والعصبية على نور الفطرة والعقل.
﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠٠)
١٠٠ - ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ العهود التي عاهدوها ونبذوها كثيرة، ومنها المذكورة في آيات [البقرة ٢/ ٤٠، ٥٩، ٦٣، ٨٣، ٨٤، ٩٣]، عدا نقضهم العهود مع النبي ﷺ في المدينة، وهذا النقض لم يكن عفويا، بل اتباعا لما تنص عليه كتبهم المحرّفة من وجوب نقض العهود مع الأغيار، وهم يزعمون أنّ إلههم يهوه قال لهم: (لا تقطع لهم عهدا، ولا تشفق عليهم) (سفر التثنية ٧/ ٢)، حتى صار نقض العهود سمة متأصلة فيهم كما هي اليوم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بأصل الوحي الذي نزل عليهم، وإنما يصدقون كتابات الأحبار.
﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١)
١٠١ - ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ وهو النبي محمد ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ مصدّق لما تبقى معهم من الوحي الصحيح حتى يتمكنوا من التمييز بين الغث والسمين، وبين الزيف والحقيقة ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ الفريق هم أحبار اليهود ﴿كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ نبذوا ما يعلمون انه كتاب الله حقّا وهو القرآن الكريم، أما الأسفار المشوّهة التي حرّرها الأحبار فتمسّكوا بها ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ الحقيقة، وكأنهم لا يعلمون أن النبي المنتظر الذي كانوا يتوقعونه سيكون من سلالة إسماعيل، كما هو واضح من كتابهم في سفر (التثنية ١٨/ ١٨).
стр. 74
﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٢)
١٠٢ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي بدلا من اتباع النبي ﷺ للوصول إلى أعلا المراتب، اتبعوا أساليب السحر والشعوذة لاستعادة مجدهم، لأنهم ظنّوا أن مملكة سليمان كانت قائمة على ذلك:
﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾ أي ما كانت تتلوا الشياطين ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ أي على زمن مملكة سليمان، وكلمة الشياطين في هذه الآية تنصرف إلى شياطين الإنس والجن معا، و ﴿تَتْلُوا﴾ بمعنى تقول كذبا، والمعنى أنّ بني إسرائيل بدلا من اتّباع محمد ﷺ فقد اتّبعوا ما نسبته شياطين الإنس إلى ملك سليمان إذ كان بعضهم - شياطينهم - يشيع أنّ عظمة ملك سليمان ﵇ قامت على السحر والطلاسم، وأنهم لو توصّلوا لعلومها لاستعادوا ملكه، فاستحوذ ذلك على عقولهم وانهمكوا فيه بسبب انحطاطهم الفكري ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ أي إنّ السحر أو محاولته ليس سوى كفر، وأطلق اسم الشياطين على من يحاوله، وسليمان والأنبياء معصومون منه (البيضاوي)، وقد ذكر اليهود في كتبهم أنّ سليمان كان يشتغل بالسحر فيحرق البخور ويقدم القرابين للأوثان (سفر الملوك الأول ١١/ ١ - ١٠) وهذه الآية تدحض ذلك ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ أي اليهود - أو شياطينهم - يعلّمون الناس السحر ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ خلال وقوع اليهود في عبودية الأسر البابلي (٥٨٦ - ٥٣٧ ق. م) قيل إنّه نزل فيهم رجلان سمّيا ملكين - بفتح اللام - باعتبار وقارهما فشبّها بالملائكة، وقيل إنّ ﴿ما﴾
стр. 75
نافية أي إنّ اليهود يعلّمون الناس السحر ويسندون ذلك إلى الملكين ببابل مع أنّه لم ينزل السحر على الملكين وإنّما اخترعاه من عند أنفسهما فكيف يعلّمونه الناس؟ (البيضاوي)، ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ يقولان إننا أو لو فتنة، وننصحك بعدم الكفر، ولعلهما يقولان ذلك لإيهام الناس بفضلهما وللمحافظة على حسن اعتقاد الناس بهما ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ليس في الآية ما يدل على أن ما يتعلمونه مؤثّر بذاته لسبب غيبي أو خارق للعادة ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ إذا صادف أن أصيب أحدهم بضرر من عملهم فهو بإذن الله، أي يكون عائدا لسبب من الأسباب التي ربطت بها المسبّبات، فليس هنالك قوة غيبية وراء عملهم ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ الضرر ناتج عن تركهم العمل الجاد، ولجوئهم إلى الشعوذة لمحاولة الوصول إلى المبتغى ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ في الآية تحذير واضح من محاولة تغيير مجريات الأمور باتباع وسائل فوق طبيعية - في ذهن أصحابها على الأقل - وأن مثل هذه المحاولة تنفي نصيب صاحبها في الآخرة، روى أحمد في مسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى كاهنا أو عرّافا فصدّقه فقد كفر بما أنزل على محمد»، ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ كم هو بائس ما باعوا به أنفسهم، أي سيؤدي بهم إلى البؤس ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الحقيقة، ولكنهم متعلقون بالأوهام.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٣)
١٠٣ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ ببعثة النبي ﷺ ﴿وَاِتَّقَوْا﴾ الكفر والطغيان ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ﴾ لكان خيرا لهم من محاولة أساليب السحر والشعوذة ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ العلم الصحيح، لكنهم يتّبعون الظنّ والخيال والعصبية، والآية التالية تحذّر المسلمين من تقليدهم ومن الوقوع في حبائلهم.
следующие страницы →