← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1996–2031 · переход к 2001.

стр. 1996

سورة الزلزلة - ٩٩ - مختلف في كونها مكية أم مدنية المحتمل أنها نزلت في أوائل الفترة المدنية، مع قول البعض أنها من أواخر الفترة المكية ارتباط السورة بما قبلها في سورة البيّنة المتقدمة أنّ أهل الكتاب تفرقوا من بعد أن جاءتهم البينة: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤/ ٩٨]، وفي هذه السورة أنهمّ يلاقون حسابهم في الآخرة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨]. محور السورة يوم الحساب - المرموز له بزلزلة الأرض - ينقضي به العالم الظاهر الذي نعرفه ليحل محله عالم الغيب الذي تتحقق فيه العدالة وتظهر به الحقيقة المطلقة، يوم يحاسب الناس فرادى، فلا يفوت من حسابهم مثقال ذرّة من خير أو شرّ،

стр. 1997

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الخطاب استمرار واضح لآخر سورة البينة لجهة الحساب يوم القيامة، يوم وقوع الزلزلة: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ (١) عندما يخرج للحساب ما كان خفي في الأرض من أموات: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ (٢) ويذهل من بقي شاهدا على زلزلتها: ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها﴾ (٣) فتشهد يومئذ - بإيحائه تعالى لها - بكلّ ما جرى عليها منذ الخليقة، تشهد لكل فرد أو عليه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٤ - ٥) ويأتي الناس للحساب أشتاتا متفرقين يرى كلّ منهم عمله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ (٦) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء ١٤/ ١٧]، فلا يفوت من ميزان حسنات الفرد أو سيئاته مثقال ذرّة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٧ - ٨)

стр. 1998

سورة العاديات - ١٠٠ - مكية من أوائل السور المكية. ارتباط السورة بما قبلها في سورة الزلزلة أنه يوم القيامة لا يفوت من حساب الإنسان مثقال ذرة من خير أو شر: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩ - ٨]، وفي هذه السورة أن الفاسق غافل عن ذلك: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات ٩/ ١٠٠ - ١١]. محور السورة اندفاع النفوس الشريرة نحو الفساد والإفساد: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ [١/ ١٠٠]، وعمايتها عن الحق: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ [٤/ ١٠٠]، وأن الإنسان عندما يستسلم لشهواته يصبح جاحدا: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [٦/ ١٠٠]، ويغفل عن الآخرة حيث لا يخفى من حسابه شيء: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [١١/ ١٠٠].

стр. 1999

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قالوا إنّ الخمس آيات الأولى من السورة تشير إلى الخيل المغيرة وقت انبلاج الصبح، والشرر يقدح تحت حوافرها مثيرة الغبار - النقع - حتى تتوسط جمع العدوّ، وزعم آخرون أنها الإبل تسرع بالحجيج من عرفة إلى مزدلفة إلى منى فتتوسط جموع الحجاج: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِياتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ (١ - ٥)، وذكروا حججا واهية في الربط بين الآيات (١ - ٥) والآيات (٦ - ١١) من السورة، وحيث لا بد من وجود رابط قوي وتسلسل منطقي بين الآيات (٦ - ٨) وما قبلها، وما دامت الآيات (٦ - ٨) تدين الإنسان بأنه كفور متهالك على الدنيا، فعلينا أن نستنتج أن الآيات (١ - ٥) منسجمة مع هذه الإدانة وليست مديحا لما توهّموا أنهم حجيج أو مقاتلون في سبيل الله يغيرون على العدو، وقد رأى محمد أسد في العاديات ضبحا كناية عن النفس الإنسانية العاصية المنهمكة في اللحاق بأهداف شريرة وهي خلوّ من أي توجّه روحاني بسبب اختلاط الأمور عليها وكثرة الذنوب وهيمنة الشهوات والأنانية ومادية الدنيا، فتندفع بصورة عمياء إلى الفساد والإفساد لا يردعها ضمير ولا تعقّل، إذ أعماها غبار الجهل والشهوة فتعيث في الأرض فسادا، والسبب أن أصحاب هذه النفوس جاحدون فاسقون وهم المعنّيون بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (٦) أي جاحد مستسلم لشهواته، وتشهد أعماله الشريرة على ضلاله وكفره: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ (٧) وهو بالنظر لماديته وتهالكه على الدنيا شديد الحب للمال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾

стр. 2000

ناسيا الآخرة والحساب والمسؤولية تجاه الخالق الذي لا يخفى عليه شيء: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ (٩ - ١١).

стр. 2001

سورة القارعة - ١٠١ - مكية نزلت في وقت مبكر من الفترة المكية. ارتباط السورة بما قبلها في سورة العاديات أن ما يخفيه الإنسان في صدره - عن نفسه وعن الآخرين - يظهر يوم القيامة: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات ٩/ ١٠٠ - ١١]، وفي هذه السورة أنه يجزى بحسب ميزان حسناته وسيئاته: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ * فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة ٦/ ١٠١ - ٩]. محور السورة تصف سورة القارعة جانبا من يوم القيامة حيث تتحقق موازين العدالة على أكمل وجه، فتكون الحياة الآخرة لكل فرد نتيجة طبيعية لما كان عليه في دنياه من اتّباع الحق أو الباطل.

стр. 2002

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اتفقوا أنّ القارعة اسم من أسماء القيامة: ﴿الْقارِعَةُ * مَا الْقارِعَةُ﴾ (١ - ٢) أما حقيقتها فمن أمور الغيب: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ (٣) أي لا علم للناس بكنهها، وقد شبّه تعالى الناس يومها بالفراش المنتشر لضعفهم وتهافتهم وذهاب جبروتهم الذي كانوا يظنونه في الدنيا: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ (٤) وحتى الجبال التي تبدو لنا صلبة في ظاهرها تصبح كالصوف المنفوش، كناية عن ضعف المخلوقات في ذلك اليوم: ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (٥) يومها تتحقق موازين العدالة على أكمل وجه، فمن ثقلت موازينه بنتيجة اتّباعه الحق في دنياه: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ (٦) تكون معيشته في الآخرة راضية: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ (٧) وأما من خفّت موازينه - لأنّ الباطل خفيف لا قرار له، لقوله: ﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء ٨١/ ١٧]- بنتيجة اتّباعه الباطل في دنياه: ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ (٨) فيهوي إلى أسفل سافلين في الدنيا قبل الآخرة: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ (٩) والاستعارة في كلمة الأم تعني أن الهاوية تحضنه كما تحضن الأم ابنها، كناية عن عذاب الآخرة، لقوله: ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾ (١٠) أي ما أدراك أيها الإنسان ما كنهها؟ فلذلك كنّى تعالى عنها بنار حامية، وتنكير النار بحذف أل التعريف لكونها تمثيلا لما غاب عنّا من أمور الغيب بما نعرف من أمور الدنيا: ﴿نارٌ حامِيَةٌ (١١)﴾.

стр. 2003

سورة التكاثر - ١٠٢ - مكية نزلت في وقت مبكر من الفترة المكية. ارتباط السورة بما قبلها هي استمرار لما قبلها لأن التكاثر غالبا ما يكون سمة الذين خفّت موازينهم، محور السورة رأى محمد أسد أن هذه السورة تنبأت بما آل إليه الإنسان في عصرنا الحاضر من تكاثر وجشع أدّيا إلى تخريب البيئة على مستوى الكرة الأرضية، وبحيث أصبح "النمو الاقتصادي" مقياسا وحيدا لتقدم الأفراد والأمم ممّا جرّ الويلات على البيئة العالمية من الناحيتين الاجتماعية والطبيعية، والتكاثر ينطبق على الإنسان بشقيه الفردي والاجتماعي مما أفقد حياة الفرد والمجتمعات كل قيمها الأخلاقية والروحية: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ * حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ [التكاثر ٢/ ١٠٢]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التكاثر بذل الجهد للحصول على المزيد، وفي هذه الحالة هو تكاثر بالعدد والثروة والسلطة والجاه، فمنها ما هو ملموس ومنها ما هو وهم، فالإنسان

стр. 2004

ينهمك في زيادة النسل أو الجري وراء مادية الدنيا ووسائل الراحة ومزيد من التسلط على بني جنسه، بل هو منهمك بالتأثير في الطبيعة سلبا من خلال جهله، أو من خلال تقدمه الهائل في العلوم والتقانة وما يلحق الطبيعة بالتالي من تخريب وتلوث، مثل هذا الانهماك في التكاثر يلهي الإنسان عما سوى ذلك من الجوانب الروحية والأخلاقية في حياته: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ (١) ﴿حتى تنقضي حياته الدنيوية كلها على هذا النمط: ﴿حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ (٢) وقوله ﴿زُرْتُمُ﴾ لأن المقابر ليست مستقرا نهائيا إذ لا يلبث الأموات أن يغادروها إلى الحياة الآخرة، والنتيجة أن جري الفرد والمجتمعات وراء السعادة المادية الوهمية و"النمو الاقتصادي" المطلق بلا ضوابط ولا حدود ينتج عنه تفسخ البيئة والمجتمعات: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (٣ - ٦) فالجحيم المشار إليه قد يكون جحيم الدنيا قبل الآخرة ممّا نشاهده الآن من تفسخ القيم والمجتمعات والتلويث المتسارع للبيئة والأنهار والهواء وشح موارد المياه وتغير المناخ وذوبان الجليد في القطبين مما لم يسبق له مثيل، أما الجحيم الحقيقي فيراه في الآخرة - على وجه اليقين - الذين ألهاهم التكاثر في الدنيا: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ (٧) فبنتيجة سوء استخدام نعم الحياة الدنيا يسبّب المكثرون لأنفسهم ما يستحقون من عذاب الآخرة: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.

стр. 2005

سورة العصر - ١٠٣ - مكية من أوائل السور المكية. ارتباط السورة بما قبلها في سورة التكاثر أن الأكثرين يمضون حياتهم في التكاثر: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر ١/ ١٠٢]، وفي هذه السورة أنّهم رغم ذلك في حالة من الخسران الشديد: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١/ ١٠٣ - ٢]، محور السورة كل يوم ينقضي من حياة المرء بلا عمل صالح خسارة محققة لا يمكن استعادتها، وفي الحديث: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" رواه البخاري وغيره، النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ العصر غير الدهر كما ذكر الرازي، فالدهر يعني الزمن اللامتناهي بلا بداية ولا نهاية أي الزمن المطلق، أما العصر فهو الوقت الذي نقيسه بالسنين والشهور

стр. 2006

ينقضي من الأعمار فلا يمكن استعادة ما انقضى منه، فكل يوم ينقضي هو خسارة تهدم من عمر الإنسان لا تعود: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (١ - ٢) ﴿غير أنه يستثنى من ذلك المؤمنون الذين يستفيدون من الوقت في إنجاز الأعمال الصالحة: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فالإيمان ليس مجرد ترقّ في فكر الإنسان إن لم يتجاوزه إلى الانشغال في العمل الصالح ومن ذلك طلب العلم ونشره، والدعوة للإسلام بالقدوة الحسنة، والدفاع عن المؤمنين ضد الاضطهاد، ومساعدة الضعفاء والمستضعفين، والإنفاق في وجوه الخير، وإقام الصلاة، وغيره، وهكذا يصبح الإيمان ملاذا للفرد وإن تعرض للاضطهاد والأخطار والابتلاء، وكل ذلك يسلتزم الصبر وأن يحب المؤمن لغيره ما يحب لنفسه: ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾.

стр. 2007

سورة الهمزة - ١٠٤ - مكية نزلت في وقت مبكر من الفترة المكية. ارتباط السورة بما قبلها ذكرت سورة العصر الخاسرين أعمارهم من الناس: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١/ ١٠٣ - ٢]، ثم تبين هذه السورة وجوها من هذه الخسارة كالنميمة وجمع المال لذاته: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة ١/ ١٠٤ - ٢]. محور السورة تدين السورة الذين يمشون بين الناس بالنميمة، ويستنبطون عيوب الغير حقيقية كانت أم وهمية فيطعنون فيهم حسدا وحقدا، وينشغلون بتكديس المال فتستولي عليهم الغفلة وطول الأمل، وفي حين يظنّون أنهم يعدّون أنفسهم لنوائب الأيام فإنهم بالنتيجة يحطمون أنفسهم.

стр. 2008

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تبدأ السورة بإدانة من ينشغل بإيقاع الأذى في الآخرين بتتبّع عيوبهم بالهمز واللمز - سواء كانت هذه العيوب حقيقية أم وهمية - ويمشي بين الناس بالنميمة، وقالوا الهمزة: المستغيب غيره الطاعن فيه بغير حق، والعائب له بما ليس بعيب، واللمزة: الذي يعيب جليسه بسوء لفظه، والأصل فيهما الطعن بالغير وإظهار العيب حقيقيا كان أم وهميا بنتيجة الحسد والحقد: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (١) ومن صفات أمثال هؤلاء أن يكون ماديا متهالكا على جمع المال وتعداده أو يحسبه عدّة وذخيرة لنوائب الدهر: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ (٢) حتى يصبح تكديس المال عنده هدفا بذاته فيطول أمله وتزداد غفلته: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ (٣) في حين أنه على النقيض مما يتوهم من طول الأمل والإعداد للمستقبل فإنه بالنتيجة يحطم كيانه: ﴿كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ * نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ (٤ - ٧)، قال الألوسي إنّ الخطاب على سبيل المجاز فالنار تطّلع على الأفئدة التي هي مقر الذنوب فتعلم ما فيها وتجازي كلاّ بحسب ما يقتضيه من العذاب، وقال هو كناية عن العذاب الروحاني الذي هو أشد أنواع العذاب: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ (٨)، أي مطبقة ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾، لا يستطيعون منها فكاكا.

стр. 2009

سورة الفيل - ١٠٥ - مكية من أوائل السور المكية. الخلفية التاريخية كان أبرهة الأشرم يحكم اليمن من قبل نجاشي الحبشة إذ كانت اليمن تابعة للحبشة، وقد أراد أبرهة - وكان ثملا بالسلطة متعصبا مهووسا بالمسيحية - أن يصرف أنظار العرب عن الكعبة وعن حجّهم إليها فبنى في صنعاء كنيسة مهيبة مؤمّلا أن يؤمها العرب بدلا من الكعبة، فلمّا فشل في تحقيق مبتغاه قرّر اجتياح مكة وهدم الكعبة بالقوة، وكان ذلك في العام ٥٧٠ م، فحشد جيشا كبيرا ضمّنه عددا من الفيلة كانوا يستخدمونها في الحروب ممّا أرهب العرب وقتئذ وأذهلهم، إذ لم يسبق لهم أن شاهدوا مثل هذه الوسائل "الحربية" حتى أنهم أطلقوا على ذلك العام اسم (عام الفيل)، غير أنه في النتيجة دمّر جيش أبرهة تدميرا تامّا، ومات أبرهة نفسه وهو في طريق عودته إلى اليمن، والحادثة من إرهاصات النبوة لأن مولده ﷺ كان في عام الفيل. ارتباط السورة بما قبلها هي استمرار لسورة الهمزة من حيث أنها تضرب مثلا بمن جمع مالا وعدّده، ويحسب أن ماله وسلطانه أخلده، مغترا بضلاله وبطول الأمل غافلا عن الحقيقة،

стр. 2010

وهو في هذه الحالة أبرهة الأشرم وأتباعه، وأمثالهم كثر في كل عصر، من أكابر القوم وأصاغرهم. محور السورة إن كان الله تعالى يحمي بيته فمن باب أولى أنه يحمي دينه ليظهره على الدين كله، انظر آية [الصف ٩/ ٦١]، رغم تخاذل من يتخاذل لقوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩/ ٦]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تشير السورة إلى العاقبة الوخيمة التي انتهى إليها أصحاب الفيل، وهم أبرهة الأشرم وحاشيته وجيشه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾ (١) والعبرة من القصة أنّ جبروتهم وتخطيطهم وكيدهم لم يفدهم شيئا بل كان في ضلال وضياع أدّى إلى دمارهم: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ (٢) ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٣ - ٥) واختلفوا في تفسير الطير الأبابيل التي رمت جيش أبرهة بحجارة من سجّيل فأفنته عن آخره، حين كان أهالي مكة مختبئين في الجبال دون مقاومة منهم للغزاة، وليس من شك أنّ ما حدث كان معجزة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ويوم تلا الرسول هذه السورة على أهل مكة حوالي السنة الثالثة من البعثة كان فيهم الكثير ممّن شهدوا تلك الواقعة إذ لم يكد ينصرم حتى مبعث الرسول سوى نيف وأربعين عاما، فلم يعارضه أحد منهم على كثرة كفار مكة ممّن كانوا يتشوقون لتكذيبه. وبما أنه لا يوجد في القرآن الكريم أو الحديث الصحيح ما يؤيد ما ذهب إليه

стр. 2011

المفسرون من تفصيل عن الطير الأبابيل والحجارة من سجّيل فلنا أن نعتقد أن الطير الأبابيل أي المتفرقة قد تكون طيورا أو حشرات طائرة نقلت إلى جيش أبرهة وباء من الأوبئة كمرض الحصبة - أو الحصباء - فهي بهذا المعنى تحصبهم أي ترميهم بحجارة من سجّيل - من السجلّ - أي بما كتبه الله تعالى عليهم منذ الأزل من العقاب والفناء حتى جعلهم كعصف مأكول، والعصف: التبن إذ تعصف به الريح فتفرّقه عن الحبّ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ [الرحمن ١٢/ ٥٥]، والتبن إذا كان مأكولا فقد بطل ولا رجعة فيه ولا منعة، والعصف أيضا ورق الزرع الجاف يبقى على الأرض بعد الحصاد فتعصف به الريح وتأكله المواشي فيخرج منها روثا متفرقا، وهكذا يكون تشبيه فلول جيش أبرهة بالعصف المأكول من بلاغة القرآن وآدابه في نفس الوقت، دون التطرق إلى التفصيل.

стр. 2012

سورة قريش - ١٠٦ - مكية نزلت في أوائل الفترة المكية بعد سورة التين. ارتباط السورة بما قبلها هي استمرار واضح لسورة الفيل المتقدّمة بأنه تعالى جعل البيت حرما آمنا وجعل أصحاب الفيل كعصف مأكول: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل ٣/ ١٠٥ - ٥]، من أجل إيلاف قريش: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش ١/ ١٠٦]، إذ جعل ذلك لهم إلفا يألفونه في ما اعتادوا عليه في مكة من الاستقرار الأمني والاقتصادي. محور السورة جعل الله تعالى لقريش حرما آمنا في حين يتخطّف الناس من حولهم، وجعل الناس في حالة إلف معهم في رحلتي تجارتهم إلى الشام وإلى اليمن لتأمين مورد رزقهم ومعاشهم، فحقّ عليهم شكر نعمه تعالى بعبادته، كما حقّ عليهم حمل رسالة الإسلام التي شرفّهم تعالى بها وبمبعث النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل بين ظهرانيهم.

стр. 2013

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الخطاب مستمر من ختام السورة السابقة بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل ٥/ ١٠٥]، إلى بداية هذه السورة بقوله: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ (١) أي إنه تعالى جعل أبرهة وجيشه كعصف مأكول من أجل إيلاف قريش، لكي ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم، في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، فلا يجترئ عليهم في طريقهم أحد، ويألفهم الناس لما اشتهروا به أنهم أهل حرم الله وولاة بيته: ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾ (٢) فحقّ عليهم أن يعبدوا الله تعالى الذي جعل لهم حرما آمنا: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾ (٣) الذي هيأ لهم فرص التجارة الآمنة مع الشام واليمن انطلاقا من بركة البيت فصارت مصدر رزقهم ومعاشهم: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.

стр. 2014

سورة الماعون - ١٠٧ - مختلف في كونها مكية أم مدنية الجمهور على أنها مكية، وقيل مدنية، وقيل نصفها مكي ونصفها مدني، فالآيات (١ - ٣) نزلت في أوائل الفترة المكية، والآيات (٤ - ٧) مدنية، ارتباط السورة بما قبلها بعد أن ضرب تعالى مثلا بقصة أصحاب الفيل، وما جعله لقريش بين الناس من إيلاف، وتشريف قريش بمبعث النبي الأحمد فيها - وقد ولد بعام الفيل - فكيف يليق بها وبأمثالها التكذيب بيوم الدين، يوم القيامة والحساب، الآيات (١ - ٣)، أما تتمة السورة فنزلت في منافقي المدينة، وفي المنافقين في كل مكان وزمان لأنهم يصلّون نفاقا ورياء. محور السورة أساس الفضائل: الإيمان بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الخالق، أما من ينكر البعث والحساب فلا يبالي أن يرتكب الشرور ويؤذي الضعفاء ويمنع المعروف: ﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ [٢/ ١٠٧ - ٣]، ثمّ هنالك من يدّعي الإيمان بالآخرة فيؤدّي الصلاة نفاقا ورياء: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [٤/ ١٠٧ - ٥].

стр. 2015

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الخطاب لكل عاقل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (١)، والمقصود بالدين: القيامة والحساب وهو أحد معانيه، ومنه الحديث: "كما تدين تدان"، فيكون المعنى أرأيت الذي يكذّب بالحساب والجزاء؟ لأن الأصل في الشرور إنكار الحساب، وقد يأتي بالأفعال الحميدة حتى من ينكر الإسلام إذا كان مقرّا بالقيامة والحساب، ثم بيّن تعالى - على سبيل المثال - صفتين من صفات الذي يكذّب بالدين، الأولى أنه يدفع اليتيم بعنف وجفاء عن حقه وماله، أو يعنّفه ولا يعينه: ﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (٢) وهذه الصفة من باب الفعل، أما الصفة الثانية فهي من باب الإهمال والترك إذ يترك الحض على طعام المسكين: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٣) أي لا هو يطعمه ولا يحض غيره على إطعامه، وقوله ﴿طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ إشارة لأنّ ذلك الطعام حقّ للمسكين فلا يجوز الامتنان به، والخلاصة أنّ السورة تجعل تكذيب المرء بالقيامة والحساب سببا لإقدامه على إيذاء الضعيف ومنع المعروف، ثمّ إن من ينكر القيامة والحساب قد يؤدي الصلاة نفاقا ورياء: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (٤) أي المنافقين منهم الذين يؤذون الضعفاء ويمنعون المعروف: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ (٥) لأنّ صلاتهم لا تأمرهم بالمعروف ولا تنهاهم عن المنكر: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ * وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ (٦ - ٧) فليس فقط أنهم يصلّون رئاء الناس، بل إنهم لخسّتهم ولؤمهم يمنعون أقل قدر من المعونة عن الغير، والفرق بين المنافق والمرائي أن المنافق يظهر الإيمان ويبطن الكفر، والمرائي يظهر ما ليس في قلبه من خشوع ليعتقد من يراه أنه متديّن.

стр. 2016

سورة الكوثر - ١٠٨ - مكية وقيل مدنية ارتباط السورة بما قبلها قال الرازي إنّ سورة الكوثر كالمقابلة لسورة الماعون المتقدّمة، لأنه في سورة الماعون وصف الذي ينكر الآخرة والجزاء بالبخل بقوله: ﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون ٢/ ١٠٧ - ٣]، وفي مقابل ذلك قوله تعالى في سورة الكوثر: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر ١/ ١٠٨] أي إنّا أعطيناك الكثير فأعط أنت الكثير ولا تبخل. وفي سورة الماعون وصف ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون ٥/ ١٠٧] بأنهم يصّلون رئاء الناس: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾ [الماعون ٦/ ١٠٧]، وفي مقابل ذلك قوله في سورة الكوثر: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أي لتكن صلاتك خالصة لله دون مراءاة. وفي سورة الماعون وصف المنافقين من المصلّين أنهم يمنعون الماعون أي يمنعون أقل قدر من المعونة للغير: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ [الماعون ٧/ ١٠٧]، وفي مقابل ذلك قوله تعالى في سورة الكوثر: ﴿وَاِنْحَرْ﴾ [الكوثر ٢/ ١٠٨] أي انحر الأضاحي وتصدّق بها، ثم ختم السورة: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ٣/ ١٠٨] أي من يبغضك ويأتي بتلك الأفعال الذميمة لن يبقى من دنياه ولا لآخرته أي

стр. 2017

أثر حميد وذلك معنى الأبتر، وأما أنت فيبقى لك الذكر الجميل في الدنيا والثواب في الآخرة. محور السورة الله تعالى أنعم على النبي ﷺ وعلى عباده بالخير الكثير، وعلى رأس ذلك نعمة القرآن، وعلى المؤمنين بنعمة الإسلام، فوجب عليهم الصلاة وتحمل التضحيات، حتى تكون العاقبة لهم وللإسلام، وينقطع دابر الكفر. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الخطاب وإن كان في الأصل للنبي ﷺ فهو بالتالي لكل مؤمن ومؤمنة: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١) أي أعطيناك الخير الكثير في الدين بنعمة القرآن والإسلام، ومن نعم الدنيا ما لا يحصى، فلا تغتر بمال الكفار ولا تتوصل إلى حلول وسط في العقيدة معهم، فالآية وعد للنبي وللمؤمنين بالنصرة والحفظ وأن يصير أمرهم إلى الازدياد والمنعة، فأمرهم بالصلاة والتضحية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ﴾ (٢) أي لتكن صلاتك خالصة لله، بخلاف صلاة الكفار الذين يصلّون لغير الله وينحرون القرابين لغير الله وللأوثان، ولما كانت صلاة المؤمنين وعزة الإسلام تبعث الغيظ والحسد والبغضاء لدى الكفار أضاف قوله: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ والشنآن البغض والشانيء المبغض، والمعنى إن مبغضك مقطوع دابره، وقد تحقق ذلك بالفعل في صدر الإسلام بهزيمة أعدائه في جزيرة العرب وانتشاره بالقدوة الحسنة في مشارق الأرض ومغاربها، وهو يتحقق دوما على قاعدة: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد ٧/ ٤٧].

стр. 2018

سورة الكافرون - ١٠٩ - مكية ارتباط السورة بما قبلها بعد أن أنعم تعالى على عباده بالخير الكثير: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر ١/ ١٠٨]، والخير المطلق هو الوحي أو القرآن، وأنعم على المؤمنين بنعمة الإسلام، ووعدهم بقطع دابر مبغضيهم: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ٣/ ١٠٨]، تبيّن هذه السورة أن لا مجال للحلول الوسط مع الكفار في مجال العقيدة: ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ﴾ [الكافرون ٤/ ١٠٩]، كما أنّ بداية هذه السورة بقوله: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ * لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون ١/ ١٠٩ - ٢]، ذات استمرارية مع آخر آية من سورة الكوثر: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ٣/ ١٠٨]، فهي بمثابة جواب على مبغضي الإسلام الذين يظنون أنّ بإمكانهم القضاء عليه. محور السورة في حين لا مجال للحلول الوسط مع الكفار في شؤون العقيدة الإسلامية، فإنه لا مبرر لاضطهاد الآخرين بسبب عقائدهم، فحساب الجميع على الله وليس على العباد: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [٦/ ١٠٩].

стр. 2019

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أمر تعالى الرسول ﷺ وبالتالي كل مسلم بالرفض الحاسم لأي تسوية مع الكفار في شؤون العقيدة: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ (١) الذين تكفرون بالله أو بالتوحيد: ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ (٢) من الآلهة أو الشركاء أو الوسطاء المزعومين أو الأوثان، وبالمقابل فإنّ الكفار لا يؤمنون بالإسلام ما تمسّكوا بالقيم الزائفة التي تحجب الحقيقة عنهم: ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ (٣) كما يستحيل على المسلم أن يرتد عن دينه، لا حاضرا ولا مستقبلا، كما يظنّون ويعملون من خلال بعثاتهم التبشيرية: ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ﴾ (٤) وليس من احتمال في دخولهم الإسلام ما استمرّوا في إخفاء الحقيقة عن أنفسهم: ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ (٥) غير أن هذه الحال ليست مبررا لاضطهاد الآخرين بسبب عقيدتهم، فما على الرسول والمؤمنين سوى البلاغ، أما الحساب فهو على الله وحده: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.

стр. 2020

سورة النصر - ١١٠ - مدنية إذا اعتبرنا المقصود بالفتح فتح مكة، فإن الفتح تم في رمضان سنة ثمان للهجرة، وللناس في وقت نزول هذه السورة قولان: أحدهما أنّ هذه السورة نزلت بعد الفتح، سنة عشر خلال حجة الوداع، والقول الثاني: أن السورة نزلت قبل فتح مكة لأن قوله: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١/ ١١٠] يقتضي الاستقبال فتكون السورة من جملة معجزات القرآن الكريم في الإخبار عن الغيب. ارتباط السورة بما قبلها بعد أن ختمت السورة السابقة بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦/ ١٠٩] بمعنى أن لا إكراه في الدين وحساب الجميع على الله، افتتحت هذه السورة بقوله: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١/ ١١٠] فهي بشارة بأن النصر سيكون للإسلام، ونظيره قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٣٣/ ٩].

стр. 2021

محور السورة السورة بشارة للمسلمين بفتح مكة ودخول أهالي جزيرة العرب في الإسلام، وإذا أخذنا العبرة من عموم اللفظ لا من خصوص السبب فهي بشارة بانتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وأن ذلك يكون موجبا لتواضع المسلم وتسبيح الله وحمده واستغفاره، مع التوبة من الذنوب: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ [٣/ ١١٠]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الآية الأولى تشير إلى عون الله لرسوله وللمؤمنين بفتح مكة في رمضان من سنة ثمان للهجرة: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١) وقالوا إن فتح مكة هو فتح الفتوح، وإذا اعتبرنا قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فتكون الآية بشارة للمسلمين في كل زمن بالنصر والفتح على قاعدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد ٧/ ٤٧]، وقد دخل أهالي جزيرة العرب بعد فتح مكة في الإسلام أفواجا: ﴿وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً﴾ (٢)، وفي (مسند أحمد) عن النبي ﷺ أنه قال: "ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلاّ أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل، عزّا يعزّ به الإسلام، وذلاّ يذلّ به الكفر"، غير أن انتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها على هذا النحو لا ينبغي أن يدفع المسلم إلى الخيلاء والإعجاب بالنفس والتكبر، بل عليه التمسك بالتواضع والتسبيح وحمد الله على نعمائه والاستغفار من الذنوب والتوبة: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً (٣)﴾، وقوله ﴿تَوّاباً﴾ أي يقبل التوبة من عباده لأنّ الاستغفار إنّما ينفع إذا كان مع التوبة.

стр. 2022

سورة المسد - ١١١ - مكية من أوائل السور المكية، وهي السادسة في ترتيب النزول. الخلفية التاريخية أبو لهب عم الرسول ﷺ واسمه عبد العزّى ابن عبد المطّلب، وكان يكنّى أبو لهب قبل الإسلام، لتلهّب وجنتيه وإشراقهما، وامرأته أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان، عمّة معاوية، كان أبو لهب وامرأته من ألد أعداء النبي ﷺ ، عداوة منبثقة من الكبرياء والتكبّر بالثروة والجاه، وكراهية ما جاءت به دعوة الإسلام من التوحيد ونبذ الأوثان والمساواة بين الناس، وفي (البخاري ومسلم) أنّ النبي ﷺ صعد الصفا مرّة في مكة وجعل ينادي الناس ليدعوهم إلى الإسلام فاجتمعوا إليه فلما سمع أبو لهب مقالته قال له: تبّا لك ألهذا جمعتنا، فنزلت السورة، وهي الوحيدة في القرآن الكريم التي تسمّي أحدا من أعداء الإسلام بالاسم، وفيها إخبار بالغيب، لأن الغالبية من كفار قريش دخلوا الإسلام في نهاية المطاف، والسورة من إعجاز القرآن إذ تفيد أنّ أبا لهب لا يؤمن البتّة، وقد بقي مصرّا على كفره حتى مات قهرا ومرضا في مكة بعد وقعة بدر ببضعة أيام.

стр. 2023

ارتباط السورة بما قبلها بعد البشارة في السورة السابقة بنصر الإسلام والمسلمين تفيد هذه السورة أن أمر المصرّين على الكفر - كما كان أمر أبي لهب - سائر إلى تباب لا محالة، والتباب الهلاك، وهذه المجانسة بين السورتين من إعجاز القرآن لأن سورة النصر مدنية من أواخر ما نزل من السور بالمدينة وسورة أبي لهب من أوائل ما نزل بمكة، بل السادسة في ترتيب النزول، لنعلم أن ترتيب السور من الله تعالى وبأمره . محور السورة أنّ مقاومة الإسلام عديمة الجدوى، ومن يقم بها ينته مع جهوده إلى تباب لا محالة. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اليدان في اللغة كناية عن السلطة والنفوذ، والتباب الهلاك، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) أي أنّ سلطة ونفوذ أبي لهب سائران إلى تباب لا محالة، فلا تفيده ثروته ولا ما كسبه من عمله الخبيث الذي ظنّ أنه منه على شيء: ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾ (٢) بل سيلقى وبال أمره: ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ (٣)، وفي الآية تجانس "ذات لهب" مع "أبي لهب" لفظا ومعنى، أما امرأته أم جميل فقد كانت تمشي بالنميمة: ﴿وَاِمْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ ويقال لمن يمشي بها أنه يحمل الحطب بين الناس أي يوقد بينهم العداوة

стр. 2024

والبغضاء ويؤجج الشرور، وقالوا أيضا المعنى على الحقيقة فقد كانت تجمع أغصان الشوك فتطرحها ليلا في طريقه ﵊، ﴿ويحتمل المعنى أنّ ما حملت من الآثام في عداوتها للنبي كالحطب في تصييرها إلى عذاب النار: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ أي في عنقها حبل مفتول كالذي كانت تجمع به حزم الشوك، وقيل على المجاز إنه حبل عبوديتها للشر.

стр. 2025

سورة الإخلاص - ١١٢ - مكية من أوائل السور المكية. ارتباط السورة بما قبلها ارتباط السورة بما قبلها من القرآن المجيد أنها تختصر العقيدة القرآنية في وصف الله تعالى وعلاقة الخلق به. محور السورة محورها التوحيد، وهي سورة الإخلاص لأن الإخلاص متعلق بالتوحيد، وقد ذكر الزمخشري أنها تسمى أيضا (سورة الأساس) لاشتمالها على أصول الدين. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تبدأ السورة بالأمر بالإقرار بشهادة التوحيد: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ وفي تفسير "من وحي القرآن" عن تفسير الميزان: "إن الأحد إنما يطلق على ما لا يقبل الكثرة لا خارجا ولا ذهنا، ولذلك لا يقبل العدّ ولا يدخل في العدد، بخلاف الواحد، فإنّ كل واحد له ثان وثالث إمّا خارجا وإمّا ذهنا، بتوهّم أو

стр. 2026

بفرض العقل، فيصير بانضمامه كثيرا، وأمّا الأحد فكلّما فرض له ثان كان هو هو لم يزد عليه شيء." ﴿الله الصمد: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) أي السيّد المطلق المقصود في كلّ الحوائج، يحتاج إليه الخلق في كل أمورهم فيقصدونه بها ولا يقصدون غيره إلاّ من حيث إنه أداة من أدواته ووسيلة من وسائله، لأنه الخالق لهم والمدبّر لهم والمهيمن على الأمر والوجود كله، ذكر الرازي عن الحسن البصري قوله: هو الذي لم يزل ولا يزال ولا يجوز عليه الزوال، كان ولا مكان، ولا أين ولا أوان، ولا عرش ولا كرسي، وهو الآن كما كان: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) فهو الأزليّ الذي لم يسبقه العدم، ولم يسبقه وجود آخر، الغنيّ في ذاته، العليّ عن التجزئة، وهو الأحد المتفرّد بكل شيء لا مثيل له في صفاته الإلهية ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)﴾.

стр. 2027

سورة الفلق - ١١٣ - مختلف في كونها مكية أو مدنية ارتباط السورة بما قبلها بعد أن أوضح القرآن الكريم مقاييس الحق والباطل والفرق بينهما بما لا يقبل اللبس، ومنه تسمية القرآن فرقانا، وجب الاستعاذة بالله تعالى الذي أنزل الفرقان على عبده، واللجوء إليه والاعتصام به من شرور الجهل والظلمات والانحراف، وشرور اليأس والقنوط، ومن شرور المخلوقات. محور السورة اللجوء إليه تعالى والاعتصام به من شرور الظلمات والجهل والشك، ومن شرور المخلوقات والغاسق والساحر والحاسد. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الفلق الانشقاق، كانشقاق الحب والنوى عن النبات، وعن الحياة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام ٩٥/ ٦]، والفلق الفجر لأنه

стр. 2028

ينشق عن ظلمة الليل كما في قوله: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦]، وهو على الحقيقة والمجاز، إذ هو أيضا انفلاق الفجر الروحاني على الباحث عن نور الحقيقة كما في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام ١٢٢/ ٦] وقد شبّه تعالى الكافر بالميت، وانفلاق فجر الهداية عليه بالإحياء، فتكون الاستعاذة برب الفلق كمن يبحث عن الحقيقة ونور المعرفة، وكمن يهتدي بها بعد فترة من الحيرة والشك والترقّب: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (١)، والاستعاذة بمعنى اللجوء إليه تعالى والاعتصام به. ﴿ولذا وجب الاستعاذة من شر إبليس، ومن كل شر في الدنيا والآخرة: ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ (٢) والاستعاذة من شر الغسق، وهو أول ظلام الليل إذا خيّم ظلامه، وتنكيره بمعنى أن ليس كل غاسق ذا شر، وهو أيضا على الحقيقة والمجاز، فتكون الاستعاذة مجازا من شر اليأس والقنوط والقلق والجحود والكفر: ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ (٣) والاستعاذة من كل مساعي الشر التي قد يلجأ إليها الآخرون مستعينين بطرق غيبية، بغض النظر عن الاعتقاد بفعالية تلك المساعي من عدمه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾، وعبارة النفاثات في العقد إشارة لما كان بعض السحرة يقومون به من ربط الخيط عقدا والنفث فيها، وفي آية البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٠٢/ ٢] ما يدل أن الساحر يأثم ويرتدّ عليه مسعاه بالسوء.

стр. 2029

﴿كما وجب الاستعاذة من شرور مساعي الحسّاد، لأن الحاسد الذي تشتد رغبته لإزالة نعمة الغير يجتهد في مساعي قد تكون سببا للفساد ولأضرار اجتماعية وأخلاقية: ﴿وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)﴾، رغم أن مساعي الحاسد قد يرتد ضررها عليه، وفي قول أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: "لله در الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله".

стр. 2030

سورة الناس - ١١٤ - مختلف في كونها مكية ام مدنية ارتباط السورة بما قبلها ركّزت سورة الفلق المتقدمة على الاستعاذة من شرور خارجية كظلام الجهل والشك، ومن شرور المخلوقات ومن شر الغاسق والساحر والحاسد، ثم تكمل سورة الناس بالاستعاذة من شرور الوساوس من داخل النفس. محور السورة الاستعاذة من وسواس النفس الناتج من وساوس الجن والإنس، ما يجعل المرء في حيرة بين الصواب والخطأ، والحق والباطل. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وجوب اللجوء إليه تعالى والاعتصام به، من حيث إنه رب الناس ومتولي أمورهم، وهو أيضا ملكهم الحقيقي، وإلههم الأحد: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ * مَلِكِ النّاسِ * إِلهِ النّاسِ﴾ (١ - ٣)

стр. 2031

فوجب اللجوء إليه من شرور وساوس النفس التي تظهر وتختفي - تخنس - فتزيّن الشر للمرء وتجعله في حيرة من أمره، حتى تختلط عليه الأمور في الفارق بين الصواب والخطأ، فتزيّن له الحق باطلا والباطل حقا، وحتى يصاب بعمى القلب تحت تأثير شهواته وشهوانيته، وتحت تأثير القيم الزائفة التي قد يكون متمسكا بها، وبتأثير التقليد الذي توارثه من أقرانه وآبائه: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ (٤ - ٦)، وفي سورة الأنعام إشارة لشياطين الإنس والجن: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام ١١٢/ ٦].