Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
والقول والعمل عن الرياء وعن التقصير: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [١٤/ ٨٧ - ١٥]، ولكن بصيرة البعض قاصرة على الدنيا فقط دون الآخرة: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [١٦/ ٨٧ - ١٧].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الأمر بتنزيه اسمه تعالى عمّا لا يليق به من الأوصاف والمعاني وعمّا يقوله المبطلون: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١)
إذ خلق الخلق متناسبا مع ما هو مخلوق له من متطلبات:
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ (٢)
وحدّد طبيعة المخلوقات فهداها لما خلقت له: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ (٣)
وجعل الحياة والموت: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى * فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ (٤ - ٥)
وعلّم الإنسان ما لم يعلم فجعل علوم البشر والحضارات تراكمية:
﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أيها الإنسان ﴿فَلا تَنْسى﴾ (٦)، ونظيره قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٥/ ٩٦].
إلاّ ما أصبح من العلوم والتقنية باليا فحلّت محلّه علوم جديدة أحدث من سابقتها: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ (٧)
غير أنّ علوم البشر محصورة بالظاهر - الجهر -، قاصرة دون علم الغيب - ما يخفى - ودون الحقيقة المطلقة التي لا يدرك الإنسان من كنهها شيئا إلاّ بطريق الوحي الإلهي: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧)﴾ فالله تعالى يعلم الجهر من عالم الشهادة، كما يعلم ما يخفى على الإنسان من عالم الغيب،
стр. 1962
﴿ومن يؤمن بالوحي ييسّر تعالى حياته إلى اليسر والسكينة: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ (٨)
فيكون من واجبه تذكير الآخرين بالحقيقة، سواء نفعت الذكرى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ (٩) أم لم تنفع بدليل تتمة الخطاب:
فالنفع يحصل لمن في قلبه خشية لله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ (١٠)
ولا ينتفع من الذكرى من أعجبته نفسه واختار التكبّر: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ (١١)
فيجعل نفسه في عداد الأشقياء المعذّبين كنتيجة طبيعية لما كان عليه من الكبر: ﴿الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ (١٢ - ١٣)
وتحصل السعادة كنتيجة طبيعية لمن تطهّر عمله عن الرياء والتقصير، وثابر على الذكر والدعاء: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ (١٤ - ١٥) والصلاة بمعنى الدعاء لأن الصلاة المكتوبة لم تكن وقت نزول السورة المبكّر في مكة،
غير أن النفس البشرية ميّالة للدنيا غافلة عن الآخرة: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٦ - ١٧) وليس معنى ذلك أن القرآن الكريم ينظر إلى الدنيا نظرة سلبية فالمسلم الحق يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة ولا ينسى نصيبه من الدنيا [القصص ٧٧/ ٢٨].
وكل ذلك مذكور في الوحي الذي سبق ونزل على الأنبياء ومنهم إبراهيم وموسى، فالقرآن الكريم استمرار لما سبقه من الوحي وخاتمه: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ (١٨ - ١٩).
الوجه الآخر لمعنى الآيات (٦ - ٩) أن يكون الخطاب بالدرجة الأولى للنبي ﷺ ، وأن جبريل ﵇ كان يقرؤه القرآن فلا ينسى النبي العمل به
стр. 1963
- ذكره القرطبي والألوسي -، وقال الرازي: المعنى سنعلمك أيها النبيّ هذا القرآن حتى تحفظه وليعلم أن عدم النسيان من فضله تعالى وإحسانه - انتهى -، وأما قوله: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ فلا يفيد سوى تعلق الأمر بالمشيئة العليا، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد ذكر الألوسي أن الاستثناء على هذا النحو لتأكيد عموم النفي في قوله ﴿فَلا تَنْسى﴾ لا لنقض عمومه، وليس في الآية ما يفيد النسخ كما يعتقد البعض.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ (٧)، فيحتمل المعنى أيضا أن الإنسان يخفي أمورا عن الآخرين كما يخفي عن نفسه الكثير، فالله تعالى أعلم بالنفس من صاحبها.
стр. 1964
سورة الغاشية - ٨٨ - مكية
نزلت في النصف الثاني من الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
سورة الغاشية تفصيل لسورة الأعلى المتقدّمة، ففي سورة الأعلى قوله تعالى:
﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ [الأعلى ١٠/ ٨٧]، ثم تبيّن سورة الغاشية عاقبة من اختار الذكرى [الغاشية ١/ ٨٨ - ٧]، وفي سورة الأعلى قوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى ١١/ ٨٧]، ثم تبين سورة الغاشية عاقبة من اختار تجنبها [الغاشية ٨/ ٨٨ - ١٦]،
وفي سورة الأعلى أن من واجب المؤمن تذكير غيره من الغافلين: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى ٨٧ - ٩]، ثم تنهى هذه السورة المؤمن عن تجاوز واجبه من الذكرى إلى القهر: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢].
محور السورة
أنّ النبي ﷺ ، وبالتالي غيره من البشر، لا يستطيع، ولا يجب عليه، إكراه الآخرين على الإيمان: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [٢١/ ٨٨ - ٢٢]، والحساب على الله: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [٢٥/ ٨٨ - ٢٦].
стр. 1965
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تبدأ السورة بالتذكير بيوم الحساب الذي يغشى الناس جميعا فيكون وحده وقتئذ دون غيره شغلهم الشاغل: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ (١)
عندما يكون الناس قسمين، أحدهما من الذين اختاروا الشقاء لدنياهم وآخرتهم، لأنهم اجتنبوا الذكرى واتّبعوا أهواءهم، آية [الأعلى ١١/ ٨٧]، فهم يومئذ في منتهى الذلّ والعذاب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ * عامِلَةٌ ناصِبَةٌ * تَصْلى ناراً حامِيَةً * تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ (٢ - ٧)
والقسم الآخر من الذين اختاروا الذكرى وعملوا بها فنفعتهم، آية [الأعلى ١٠/ ٨٧]، فهم وقتئذ في منتهى السكينة والرضا والسعادة الروحية المنزّهة عن اللغو: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ * لِسَعْيِها راضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً * فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ * فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (٨ - ١٦)،
فكيف للكفار أن ينكروا الآخرة وعجائب الخلق محيطة بهم من كل جانب، ومنها السحاب المحمّل بالمطر: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (١٧)
والأفلاك السماوية فوقهم لا نهاية لاتساعها: ﴿وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ (١٨)
ومعجزة الجبال والأرض تحت ناظرهم: ﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (١٩ - ٢٠)
стр. 1966
فما على النبيّ ﷺ والمؤمنين من بعده - بعد كل هذا الإعجاز سوى تذكير المكابرين المصرّين على الكفر، فالإيمان لا يكون بالإكراه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٢١ - ٢٢)، أما الحساب فهو على الله وحده:
﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ (٢٣ - ٢٦).
стр. 1967
سورة الفجر - ٨٩ - مكية
نزلت في أوائل الفترة المكية، العاشرة، أو هي من العشر الأوائل في ترتيب النزول.
ارتباط السورة بما قبلها:
تركيز سورتي الأعلى والغاشية المتقدّمتين على واجب المؤمن تذكير الغافلين:
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى ٩/ ٨٧]، و ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨]، ثم تفتتح هذه السورة أن التذكير يجب أن يكون بالإسلام الذي بزغ فجره: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر ١/ ٨٩ - ٢]، ثمّ إنّ ذوي العقول المنفتحة فقط هم الذين يستفيدون من الذكرى: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥/ ٨٩].
محور السورة
بزوغ فجر الإسلام على البشرية وإفاقتها الروحانية من ظلام الشرك والجهل ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل وبدء نزول القرآن الكريم في العشر الأواخر من رمضان: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ [١/ ٨٩ - ٢]، ما هو أكثر من كاف لإقناع أولي الألباب: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [٥/ ٨٩]، أما
стр. 1968
المصرّون على الجحود والإنكار فلا سبيل لتذكرهم إلاّ يوم وقوع الساعة عندما لا تفيدهم الذكرى شيئا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [٢٣/ ٨٩]، ويومئذ لا ينفع الندم صاحبه أنه لم يقدم خيرا لآخرته: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [٢٤/ ٨٩]، بخلاف النفس المطمئنة التي طرحت الشكوك في حياتها الدنيا وأيقنت بالكتاب وعملت به، فيقال لها: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي * وَاُدْخُلِي جَنَّتِي﴾ [٣٠/ ٨٩].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿انبلاج فجر الهداية الروحية على البشرية ببعثة النبي ﷺ وبدء نزول القرآن الكريم في العشر الأواخر من رمضان: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ (١ - ٢)
فنزل القرآن برسالة التوحيد ونبذ الشرك: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (٣)، فالشفع ليس فقط دلالة على تعددية الخلق من ذكر وأنثى وأزواج شتّى بل دلالة أيضا على شرك المشركين أن جعلوا لله شركاء، أما الوتر فهو دلالة الوحدانية،
وهكذا انسلخ ليل الباطل عن نور الحق: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ (٤)
ما هو كاف بذاته لإقناع كل عاقل غير مكابر: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (٥)
أما المعاندون المكابرون فقد مضت سنّة الله في سوء عاقبتهم، كقوم عاد الذين سكنوا الأحقاف في جزيرة العرب: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ (٦ - ٨)
وثمود الذين لا تزال حضارتهم ماثلة في صخور الجبال بوداي القرى شمال المدينة: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)﴾
стр. 1969
﴿وفرعون وقومه ذوو الجبروت: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ﴾ (١٠)
لاقوا جميعا وبال أمرهم: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ (١١ - ١٣)
فلا بد من تحقق العدالة في الدنيا أو الآخرة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ (١٤)
وابتلاء الله تعالى لعباده يكون بالنعم تارة وبالمصائب تارة أخرى لأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، فمن كان غافلا يرى في ما ابتلاه الله تعالى به من التكريم والنعم حقا طبيعيا له يستحقه: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ (١٥)
وإذا ما ابتلاه تعالى بشيء من المصاعب والنوائب، انظر آية [البقرة ١٥٥/ ٢]، لم يعتبر ذلك ابتلاء، بل يميل إلى الجحود فيشكك بالعدالة الإلهية وقد ينتهي إلى إنكار الخالق: ﴿وَأَمّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ﴾ (١٦)
مع أنّ البلاء قد يكون نزل به نتيجة كسب يديه من سوء استخدام النعمة والغش وأكل مال الآخرين والتهالك على المادة: ﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (١٧ - ٢٠)
حتى إذا قامت الساعة وتبدّلت الأرض غير الأرض والسماوات: ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢٢)
فيومئذ يندم ويتحسّر الغافل على ما فاته في دنياه ويتذكّر أنه لم يقدّم خيرا لحياته الآخرة، فلا تنفعه الذكرى في ذلك الوقت المتأخر: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى * يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ (٢٣ - ٢٤)
стр. 1970
﴿فيلقى جزاءه العادل كنتيجة طبيعية لما كان عليه في حياته الدنيا: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ﴾ (٢٥)
وتصبح روحه حبيسة لما كان عليه من الشرك والظلمات: ﴿وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ (٢٦)
أما النفوس المطمئنة بالإيمان فتلقى ثوابها كنتيجة طبيعية أيضا لما قدّمت لآخرتها من عمل صالح: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (٢٧ - ٢٨) فهي راضية بما تلاقيه من ثواب، مرضيّ عنها بما قامت من عمل في دنياها.
فتنضم إلى عباد الله المقربين: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي * وَاُدْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢٩ - ٣٠).
стр. 1971
سورة البلد - ٩٠ - مكية
نزلت في أواسط الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
تصف سورة الفجر المتقدمة حالة الإنسان النفسية في حالتي ابتلائه بالنعم أو بالمصائب، ففي الحالة الأولى ينتابه الغرور وينسب النعم بالكلية إلى حذاقته وجدارته الطبيعية بها: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر ١٥/ ٨٩]، وفي الحالة الثانية يقنط ويميل إلى الجحود والنكران:
﴿وَأَمّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ﴾ [الفجر ١٦/ ٨٩]، ثم توضح هذه السورة أن الإنسان معرض للابتلاء على الدوام: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد ٤/ ٩٠].
محور السورة
أن الدنيا ليست دار سعادة بالمعنى المطلق فالإنسان مضطر للكفاح والعمل الشاق وهو معرض دوما للابتلاء: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ [٤/ ٩٠]، والإنسان الغافل يلهث وراء هواه معتمدا على حوله وقوته: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ [٦/ ٩٠]، متوهّما أن ليس من مسؤولية وحساب: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ﴾
стр. 1972
﴿يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [٧/ ٩٠]، مع أنه تعالى بيّن للإنسان طريق الصواب من الخطأ:
﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [١٠/ ٩٠]، وحضّه على عمل الخير: ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [١١/ ٩٠]، فلا بدّ للعصاة في النهاية من تحمل العواقب: ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [٢٠/ ٩٠].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الخطاب بالدرجة الأولى للنبي ﷺ ، والإشارة لبلده مكة المكرمة، وهو حلّ بها أي مقيم بها، أو بمعنى أن المشركين أحلّوا إيذاءه وقتله بها رغم حرمته وحرمتها، أو أنها أحلّت له يوم الفتح: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ (١ - ٢)
ويحتمل أن يكون الخطاب لبني آدم عامة، والبلد بمعنى الأرض أي الدنيا بمجملها بدليل تتمة الخطاب الذي يشير إلى جنس البشر بقوله: ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ (٣)، وتعبير الوالد يشمل الوالدة أيضا فيقال الوالدان،
والإنسان بالرغم من فترات السعادة القصيرة التي قد يمر بها في دنياه فإنه غالبا يكابد المصاعب والمشاق والابتلاء من كل نوع في الأمن والصحة والمال والولد - راجع آية [البقرة ١٥٥/ ٢]- ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٤)
والغافل يلهث وراء الدنيا والمادة والسلطة والجاه والتسلّط غافلا عن حقيقة ضعفه وقلة حيلته: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ (٥)
بل قد يظنّ الإنسان أنه يستطيع الوصول بإمكاناته المادية إلى أبعد الحدود معتمدا على حوله وقوته، ثم يتوهّم مقاييس الصواب والخطأ من خلال مصالحه الدنيوية فقط: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦)﴾
стр. 1973
﴿بل يتوهّم أن ليس هنالك من مسؤولية وحساب في نهاية المطاف:
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (٧)
إذ عمي عن الحقيقة الواضحة في آيات الخلق حوله ولم يستعن بالله في طلب الهداية: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ﴾ (٨ - ٩)
بل فضّل الهوى على العقل مع أن الله تعالى بيّن له الصواب من الخطأ:
﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (١٠)
فكان حريّا به تحمل التضحيات للوصول إلى الطريق السويّ: ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ (١١ - ١٢)
كالعمل على تحرير الآخرين من العبودية ومن التسلّط ومن الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (١٣)
ومكافحة المجاعة بإطعام اليتيم القريب أو المسكين الذي التصق بالتراب لشدة جوعه: ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ (١٤ - ١٦)
وأن يجمع العمل الصالح إلى الإيمان والصبر على الشدائد ورحمة الآخرين والتواصي بها: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (١٧)
حتى تكون عاقبته في الآخرة خيرا: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (١٨)
أما المصرّون على الكفر فتذهب أعمالهم هباء: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (١٩ - ٢٠)، والميمنة والمشأمة أي اليمين والشمال، من اليمن والشؤم، وأصحاب الميمنة الميامين على أنفسهم، كما أصحاب المشأمة المشائيم عليها.
стр. 1974
سورة الشمس - ٩١ - مكية
نزلت في أوائل الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة البلد أنّ الله تعالى بيّن للإنسان طريق الخير من طريق الشر:
﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠]، وحضّه على التضحية في سبيل عمل الخير: ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد ١١/ ٩٠]، وفي هذه السورة أن الله تعالى سوّى النفس الإنسانية في أحسن تقويم، غير أنّ بإمكان الإنسان بكسبه الدنيوي أن يختار الهبوط إلى حضيض الحيوانية أو السموّ إلى الخلق الرفيع: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ [الشمس ٧/ ٩١ - ٨]،
محور السورة
أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم وفطرة سليمة، وبيّن له معايير الباطل من الحق: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ [٧/ ٩١ - ٨]، غير أن النفس الإنسانية بكسبها الدنيوي قد ترتفع إلى الخلق القويم والسمو الروحي أو تهبط إلى حضيض المادة والشهوانية والهوى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [٩/ ٩١ - ١٠].
стр. 1975
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات (١ - ١٠) تشير إلى ثنائية الخلق في كل مظاهره الفيزيائية والروحية الباهرة، في مقابل وحدانية الخالق ، انظر آية [الذاريات ٤٩/ ٥١].
﴿فهنالك الشمس والنور الوهّاج المنبعث منها: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ (١)
والقمر يعكس ضوء الشمس: ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ (٢)
وتعاقب الليل والنهار على الأرض: ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها * وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ (٣ - ٤)
ونظام الأفلاك السماوية المذهل: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ (٥)
ومعجزة خلق الأرض: ﴿وَالْأَرْضِ وَما طَحاها﴾ (٦)
والنفس البشرية المذهلة أو شخصية الإنسان التي في منتهى الإعجاز مكوّنة من جسدها المادي ومن الروح التي تعطي الجسد الحياة دون أن يدرك كنهها، وحاجاتها المادية ودوافعها ومحفّزاتها وعواطفها وفكرها وما يدخل ضمن إدراكها من ظاهر الخلق وما يغيب عن إدراكها، فسوّاها تعالى لما خلقت لأجله:
﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها﴾ (٧)
فصار بإمكانها أن تهبط بأفعالها وفكرها إلى حضيض الحيوانية أو ترتفع لأعلا درجات الخلق القويم والسمو الروحي: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (٨)
بحيث يدرك السعادة من حافظ على فطرته السليمة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها (٩)﴾
стр. 1976
﴿ويتعس من دسّ نفسه في الفجور والرذائل وانغمس فيها: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ (١٠)
ومثال ذلك أنّ الطغيان والكبرياء أدّى بثمود - من ضمن أقوام بائدة أخرى - إلى التكذيب بهذه الحقيقة: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ (١١)
فغلب على أفرادها الفجور وأخذتهم العزة بالإثم واتّبعوا أشقى أشقيائهم حتى صار لهم رائدا: ﴿إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقاها﴾ (١٢)
وبلغ بهم الشر مبلغا أن منعوا مخلوقات الله السائبة - الناقة - من مورد الماء بالرغم من تحذير رسولهم صالح: ﴿فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها﴾ (١٣)
فكذّبوه وقتلوها إمعانا في التحدّي حتى جاءهم العقاب الدنيوي عاجلا غير آجل فسوّى أرضهم عاليها بسافلها: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ (١٤)
ذلك أنهم استخفّوا بالرسالة وكفروا ولم يخف أحد منهم - وبالأخص أشقى أشقيائهم - عاقبة عمله: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)﴾.
стр. 1977
سورة الليل - ٩٢ - مكية
من أوائل السور المكية، ورجّحوا أنها التاسعة في ترتيب النزول.
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة الشمس المتقدمة أن الفلاح نتيجة مّن يزكّي نفسه باتباع سبيل الخير:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١]، وتفصيله في هذه السورة قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل ٥/ ٩٢ - ٧]،
وفي سورة الشمس أنّ الخيبة عاقبة من يدسّ نفسه في الشرور والآثام: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ١٠/ ٩١]، وتفصيله قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاِسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل ٨/ ٩٢ - ١٠].
محور السورة
شتّان ما بين سعي الإنسان للخير وسعيه للشر: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ [٤/ ٩٢] وعواقب كلّ منهما، فقد هدى تعالى البشرية لمعايير الحق من الباطل: ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [١٢/ ٩٢]، وأن الدنيا والآخرة ليستا سوى مرحلتين من حياة واحدة لا تكتمل الأولى منهما إلاّ بأن تعقبها الآخرة: ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ [١٣/ ٩٢]،
стр. 1978
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿كما في السورة السابقة، تشير الآيات (١ - ٣) إلى معجزات من ثنائية الخلق المشار إليها في آية [الذاريات ٤٩/ ٥١]، في مقابل وحدانية الله سبحانه، فهنالك الليل الذي يغشى الأرض، والنهار الذي ينيرها: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى * وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ (١ - ٢)
ومعجزة خلق الذكر والأنثى: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (٣)
وحتى تفاوت أهداف الإنسان ودوافعه ومساعيه نحو الخير أو الشر، أو الدنيا أو الآخرة، فشتّان ما بينهما: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ (٤)
وشتّان ما بين عواقب كلّ منها، فمن أنفق من ماله لوجه الله واجبا أو نفلا واتّقى كل ما لا ينبغي وجعل خشية الله نصب عينيه: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى﴾ (٥)
وآمن بالخير المطلق الذي نزل به الوحي: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ (٦)
فيوفّقه تعالى لحياة السكينة والسلام الروحاني: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ (٧)
وأمّا من أعمته المادة واللهاث وراء الدنيا والهوى والشهوات واعتقد بنفسه الاكتفاء والاستغناء عن الهدي الإلهي: ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاِسْتَغْنى﴾ (٨)
وكذّب بمعايير الحق والباطل واتّبع معايير وضعية من عنده: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى﴾ (٩)
فيخلّيه تعالى لنفسه يتخبط في الباطل ويكابد مشاق الحياة فيتعزز سلوكه بمكاسب دنيوية قصيرة الأمد ويعتاد عقله على الباطل فينغمس فيه: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠)﴾
стр. 1979
﴿حتى إذا وافت المنيّة أحدهم وتردّى في قبره لم يغن عنه ماله شيئا: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ (١١)
وقد بيّن الله تعالى للناس طريق الهدى من الضلال فلا يجبرهم على أحدهما:
﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ (١٢)
وللإنسان اتخاذ طريقه في دنياه بمحض اختياره سوى أنه يتحمّل عواقب عمله إن عاجلا أو آجلا، فالدنيا والآخرة ليستا سوى مرحلتين لحياة واحدة:
﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ (١٣)
فتكون سوء العاقبة نتيجة طبيعية لمن اختار لنفسه الشقاء وكذّب بالأنبياء والوحي وأعرض عن الحقيقة: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى * لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (١٤ - ١٦)
ويتقي سوء العاقبة من زكّى نفسه بالإنفاق من ماله واجبا ونفلا:
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ (١٧ - ١٨)
إنفاقا ليس على سبيل المنّة ولكن ابتغاء رضوانه تعالى فقط: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى * وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ (١٩ - ٢١).
стр. 1980
سورة الضحى - ٩٣ - مكية
من أوائل السور المكية، ورجّحوا أنها الحادية عشرة في ترتيب النزول.
الخلفية التاريخية
قالوا في مناسبة النزول أن الوحي احتبس عن النبي مدّة فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه، ولو كان رسولا لما احتبس عنه، فشكا النبي ﷺ مخاوفه لخديجة فقالت: كلاّ والذي بعثك بالحق ما ابتدأك الله بهذه الكرامة إلاّ وهو يريد أن يتمّها لك، وطعن الأصوليون في صحة الرواية - ذكره الرازي - وقالوا إنه لا يليق بالرسول ﷺ أن يظن احتباس الوحي عنه فهو يعلم أن عزل النبي عن النبوة غير جائز في حكمته تعالى، كما يعلم أن نزول الوحي يكون بحسب المصلحة،
وبغضّ النظر عن صحة الرواية، وحتى لو قبلنا أن الخطاب موجه بالدرجة الأولى إلى النبي ﷺ ، فلا يمنع أن تكون السورة ذات مغزى أوسع وأعمّ، لأنهم قالوا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيكون الخطاب عندئذ تثبيتا وطمأنة ليس فقط للدعاة في كل وقت، بل لكل مؤمن ومؤمنة في حالات البؤس والمشاق التي تعصف بكل إنسان في بعض مراحل حياته ولو كان طاهرا تقيا نقيّا، انظر آية [البلد ٤/ ٩٠]، حتى أن بعض المبتلين قد يصل به اليأس إلى التشكيك بالعدالة الإلهية، انظر آية [الفجر ١٦/ ٨٩].
стр. 1981
وفي السورة إشارة ليتم النبي ﷺ ، فقد ولد بعد وفاة والده بشهور، ثم توفيت والدته وهو في السادسة من عمره.
ارتباط السورة بما قبلها
بعد أن أكّدت سورة الليل المتقدمة فلاح من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى، وأن الله تعالى ييسّر شأنه إلى اليسر والسهولة: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل ٥/ ٩٢ - ٧]، تفصّل سورة الضحى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى ١/ ٩٣ - ٥].
محور السورة
أنه تعالى لا يترك عباده المؤمنين وقت الشدة: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ [٣/ ٩٣]، بل يعطيهم ما يرضي قلوبهم، ويؤويهم، ويهديهم من ضلالة، ويغنيهم من فقر، فوجب عليهم إكرام اليتيم والسائل، والتحدث بنعم الله الكثيرة لا بالبؤس والمعاناة ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [١١/ ٩٣].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يبدو أن تعبير الضحى - أو ساعات الصبح المشرق - يرمز إلى فترات السعادة القليلة المتباعدة في حياة الإنسان، بالمقارنة مع ساعات الليل الطويلة التي ترمز إلى فترات الأسى والمشقة التي تميز حياة الإنسان عامة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد ٤/ ٩٠]، والخطاب وإن كان أولا للنبي ﷺ فهو بالتالي لكلّ داعية، بل لكلّ مؤمن ومؤمنة: ﴿وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ (١ - ٢)
стр. 1982
أي كما ينجلي الليل بالضحى فلا بد للفرج أن يأتي بعد الشدة، إن في الدنيا أو في الآخرة، لأنه تعالى كتب على نفسه الرحمة، انظر آية [الأنعام ١٢/ ٦].
﴿فالله تعالى يرعى مصالح عباده ولا يتخلّى عنهم وقت الشدة: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ (٣ - ٤)
وأنه تعالى يمنح عباده ما يرضيهم في الوقت المناسب بحسب الحكمة:
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ (٥)
فقد أنعم على عباده بالمأوى، والعباد كلّهم يتامى بمعنى، يوم الولادة ويوم المعاد لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦]، ومن هنا قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾ (٦) ما ينطبق على الخلق جميعا،
ثم بعث الأنبياء والرسل إلى الناس لهدايتهم من الضلال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ (٧)
وقنّعهم وأغنى قلوبهم: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ (٨)
فوجب عليهم إكرام اليتيم: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ (٩)
والانتهاء عن نهر السائل الذي يسأل المال، أو يطلب العلم: ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ (١٠)
وأن يتحدث الإنسان بنعمه تعالى عليه لا ببؤسه ومعاناته: ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾.
стр. 1983
سورة الشرح - ٩٤ - مكية
نزلت بعد سورة الضحى.
ارتباط السورة بما قبلها
سورة الشرح استمرار واضح لسورة الضحى، فبعد أن أنعم تعالى على عباده بالهداية وبالنعم المادية، الآيات [الضحى ٥/ ٩٣ - ٨]، شرح صدرهم للقيام بمهام الدعوة، فوجب عليهم الاستفادة من وقتهم بما يفيد، الآيات [الشرح ٧/ ٩٤ - ٨].
محور السورة
أنّ الله تعالى شرح صدر النبي ﷺ للقيام بمهام الدعوة والتغلب على مصاعبها حتى كان الإنجاز الهائل بانتشار الإسلام، وأن من سننه تعالى في المؤمنين أن لا يدوم عسر: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [٥/ ٩٤]، لذا من واجب المؤمنين الاستفادة من فراغهم بما يفيد دنياهم وآخرتهم: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [٧/ ٩٤ - ٨].
стр. 1984
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿شرح الله تعالى صدر النبي ﷺ للقيام بمهام النبوة، ومعنى شرح الصدر الإراحة من الهمّ والغمّ، والعرب تسمّي الغمّ والهمّ ضيق صدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر ٩٧/ ١٥]، حتى أنّ النبيّ احتمل أعباء الدعوة منشرح الصدر منشغلا بمهام التكليف متلهّفا على إسلام المعاندين من قومه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (١)
فخفّف عنه تعالى عبء ختم النبوّات الهائل الذي يثقل ظهر العظماء:
﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ (٢ - ٣)
فكان الإنجاز العظيم الذي قدّر للنبي ﷺ أن يحقّقه أعظم من منجزات الأنبياء من قبله مجتمعين: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٤)
وأنّ من سننه تعالى في عباده المؤمنين أن لا دوام للأوضاع الصعبة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ (٥ - ٦)
فوجب على النبيّ ﷺ وبالتالي كل مسلم - أن يستفيد من فراغه بما يفيد دنياه وآخرته: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٧ - ٨)، والنصب:
التعب، فالقاعدة لكلّ مسلم أن لا يمضي فراغه من غير شغل مفيد، ولا يشتغل بما لا يعنيه ولا يفيده من سفه الرأي وتفاهة العقل واستيلاء الغفلة، بل يجتهد في العبادة ويرغب إلى الله في كل أموره فيجده عند الحاجة لأنه المهيمن على أمور عباده، وفي الحديث الشريف: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" رواه البخاري وغيره.
стр. 1985
سورة التين - ٩٥ - مكية
نزلت خلال النصف الأول من الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
بعد أن بينت سورة الشرح المتقدمة أن الله تعالى شرح صدر نبيّه للقيام بمهام بعثته النبوية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١/ ٩٤]، وخفف عنه عبء ختم النبوات الهائل: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح ٢/ ٩٤ - ٣]، تبين سورة التين أن رسالة الإسلام استمرار لما سبقها من بعث الأنبياء والرسل:
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين ١/ ٩٥ - ٢]، كما تشير من طرف خفي إلى انتقال النبوة من بني إسحاق إلى بني إسماعيل: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ١/ ٩٥ - ٣] إشارة لمكة المكرمة.
محور السورة
أنه تعالى هدى البشرية بنزول الرسالات السماوية عليها من خلال بعث الأنبياء والرسل، كما خلق الإنسان في أحسن تقويم جسمي ومعنوي، وفي أحسن فطرة، غير أنّ الإنسان من خلال حرية إرادته التي كرّمه بها تعالى يستطيع السمو إلى أعلا المراتب، أو الانحطاط إلى أسفلها.
стр. 1986
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿التين والزيتون إشارة إلى البلدان التي انتشرت فيها هاتان الشجرتان في شرق البحر الأبيض المتوسط منذ القدم، وهي البلدان التي تميزت ببعثات الأنبياء، من إبراهيم إلى موسى إلى عيسى ﵈، والإشارة إلى جبل الطور في سيناء حيث نزل الوحي على موسى، ثم كانت بعثة عيسى ﵇ في فلسطين، آخر أنبياء بني إسرائيل: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ﴾ (١ - ٢)
إلى أن نسخت ديانتيهما ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل في البلد الأمين مكة الذي جعله تعالى حرما آمنا: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣)
ثم تشير السورة إلى مغزى خلق الإنسان في أحسن تقويم فيزيائي ومعنوي بحيث يستطيع من خلال إرادته الحرة وباستفادته من الهدي السماوي أن يسمو روحيا إلى أعلا المراتب التي خلق لأجلها: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٤)
أو ينحط إلى الدرك الأسفل بإفساد فطرته السليمة التي فطر عليها باتباعه الشهوانية والحيوانية والشذوذ والإجرام: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ (٥)، كما يحتمل المعنى أيضا أن الإنسان يرتد في شيخوخته إلى أسفل سافلين جسديّا وعقليا لكي لا يعلم من بعد علم شيئا، انظر آية [الحج ٥/ ٢٢]،
وفي المقابل يتمتع الذين آمنوا وأثبتوا إيمانهم بالعمل الصالح بأجر لا ينقطع ولا ينقص: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٦)
فأنّى للإنسان بعد ذلك أن يكذّب بالوحي وبالمعايير السامية التي نزل بها أو يشكك بمغزى الخلق والفطرة السليمة، فذاك معناه تكذيب بالقيامة والحساب والآخرة والعدالة الإلهية: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ (٧ - ٨).
стр. 1987
سورة العلق - ٩٦ - مكية
الجمهور على أن الآيات (١ - ٥) من هذه السورة كانت أول ما نزل من الوحي، وابتدأ بها نزول القرآن الكريم في العشر الأخير من رمضان عام ١٣ قبل الهجرة (الموافق تموز - آب ٦١٠ م)، أما تتمة السورة، الآيات (٦ - ١٩)، فنزلت بعد ذلك.
ارتباط السورة بما قبلها
بعد أن ألمحت سورة التين لانتقال عبء رسالة التوحيد من بني إسحاق إلى بني إسماعيل بقوله تعالى: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ٣/ ٩٥]، تفتتح سورة العلق ببدء نزول الوحي على النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١/ ٩٦].
محور السورة
الأمر للنبي ﷺ وبالتالي لكل مسلم - أن يقرأ القرآن قراءة استيعاب وتعلّم واستعداد للدعوة: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [١/ ٩٦]، فقد كرّم الله تعالى الإنسان ورفعه من بويضة ملقحة - علقة - تافهة إلى شخصية ذات إمكانات فكرية وروحية متكاملة وزوّده بعلوم الدنيا ومن علوم الآخرة: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ﴾
стр. 1988
﴿الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [٤/ ٩٦ - ٥]، ومع ذلك فمنهم من يستكبر ويطغى، ويكتفي بنفسه ويظن أنه مستغن عن الوحي، وينكر الحساب والآخرة، ويدّعي "العلمانية" فليس عنده للدين أي دور في سلامة المجتمع، بل يتطاول على المؤمنين ويضطهدهم، فإن لم يقلع عن غيّه ولم يتب قبل الفوت تكون عاقبته الوخيمة نتيجة طبيعية لما كان عليه من ضلال في دنياه:
﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ [١٥/ ٩٦]، وما على المؤمنين في دنياهم سوى الثبات على دينهم والاقتراب من الله قولا وعملا: ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاُسْجُدْ وَاِقْتَرِبْ﴾ [١٩/ ٩٦].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أمر جبريل ﵇ النبيّ ﷺ أن يقرأ القرآن قراءة استيعاب لكي يدعو الناس للإسلام، وأن تكون القراءة مفتتحة ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، أي قل بسم الله ثم اقرأ، وفيها دلالة على وجوب التسمية في ابتداء كل سورة، وقيل المعنى اقرأ القرآن مستعينا باسم ربّك خالق كل شيء: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١)
خلق الله الإنسان من بويضة ملقّحة، فشتّان ما بين البداية العضوية البسيطة المتواضعة للإنسان وبين ما يؤول إليه العلق من شخصية متكاملة ناضجة ذات امكانات فكرية وروحية هائلة، فأنّى يكون ذلك بالصدفة، بل الله الخالق المدبّر لحياة ذات معنى ومغزى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (٢)
ثم تكرار الأمر بالقراءة، وهو وإن كان بالدرجة الأولى للنبي ﷺ فإنه بالتالي للناس جميعا أن يقرؤوا القرآن الذي أكرم به تعالى بني آدم فيتعلمون منه ما لا يمكنهم التوصل إليه بمعارفهم الدنيوية المجردة: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٣)
ثم جعل تعالى القلم الذي هو وسيلة الكتابة الأولى رمزا لحفظ علوم البشرية
стр. 1989
وتوثيقها وتوارثها وتوارث الخبرات عبر الأجيال حتى تصبح تراكمية تنتقل من ثقافة إلى أخرى ومن جيل لآخر فيتعلّم الإنسان ما لا يمكنه تحصيله بمفرده:
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٤ - ٥)، وفي كل ذلك عودة إلى الأمر بالقراءة في الآية الأولى: ﴿اِقْرَأْ﴾،
﴿ومع ذلك ورغم تلك البداية المتواضعة لخلق الإنسان من علق، وما توصّل إليه من العلوم التي حباه تعالى بها من علوم دينية ودنيوية، فإنه يغتر بنفسه فتداخله الخيلاء والكبرياء بما توصل إليه من ثروة أو سلطان أو جاه أو إمكانات فيظن بنفسه الاكتفاء الذاتي والاستغناء عن الوحي الإلهي: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ (٦ - ٧)
بل يظنّ أن بإمكانه تسيير الأمور في دنياه بالمطلق، وفق هواه دون حساب ولا رقيب ولا مسؤولية أخلاقية تجاه سلطة عليا، غافلا عن يوم الحساب: ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ (٨)
بل يتمادى في اضطهاد غيره من المؤمنين وينكر للدين أي وظيفة مفيدة أو شرعية في تكوين المجتمع السليم، ولا يعير لعقيدة غيره أي تفكير أو احتمال أن يكون الطرف الآخر على الهدى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى * عَبْداً إِذا صَلّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى﴾ (٩ - ١٢)
فهو يدّعي "العلمانية" ويتمسك بوهم أنّ الإنسان ليس بحاجة للهداية السماوية: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (١٣)
بل يعتقد أن ليس من حساب أمام سلطة محيطة فوق البشر: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ (١٤)
فإن هو أصرّ على غيّه بلا توبة كانت نهايته الحتمية نتيجة طبيعية لإصراره على الكذب على نفسه: ﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾
стр. 1990
﴿خاطِئَةٍ﴾ (١٥ - ١٦) أي فليرتدع هذا الإنسان عن ضلاله وإلاّ نشدّه إلى جهنّم من شعر جبهته، والسفع الجذب بشدة،
﴿فلا ينفعه حينئذ أعوانه ولا عشيرته الذين كانوا يؤيدونه على الباطل:
﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ (١٧) إن كان منهم فائدة،
بل الملائكة الموكلون بعذابه يأخذونه: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ (١٨) فلا يستطيع دفع العذاب عن نفسه وقد يأتيه عاجلا في الدنيا أو آجلا في الآخرة،
والنتيجة أن على المسلمين أن ينبذوا كل أنواع الضغوط لحملهم على ترك صلاتهم أو لحرفهم عن الصواب، بل يثبتوا ويسجدوا ويقتربوا من الله تعالى بأقوالهم وأفعالهم: ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاُسْجُدْ وَاِقْتَرِبْ (١٩)﴾.
стр. 1991
سورة القدر - ٩٧ - مكية
من أوائل السور المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
بعد أن افتتحت سورة العلق ببدء نزول الوحي على النبي ﷺ بقوله تعالى:
﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١/ ٩٦]، تبين هذه السورة أن ابتداء نزول القرآن كان في ليلة القدر: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ١/ ٩٧].
محور السورة
بدء نزول القرآن الكريم في ليلة القدر وتشريف الإنسان بختم الرسالات:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [٣/ ٩٧]، وحلول السلام الروحي في نفوس المؤمنين: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [٥/ ٩٧].
стр. 1992
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿بدء نزول القرآن الكريم في ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١) وضمير الغائب في ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ يعود للقرآن، فالقرآن يقال للآية وللسورة وللمصحف كلّه، والمعروف أن القرآن نزل منجّما أي مفرّقا على مدى ثلاثة وعشرين عاما هي بعثة النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة ٧٥/ ٥٦]،
والقدر والقدر أيضا بمعنى واحد: ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (٢)، فهي الليلة التي قدّر فيها بدء نزول القرآن الكريم، خاتم الرسالات السماوية لبني آدم، وليلة القدر أيضا بمعنى ليلة العظمة والشرف بالنظر لعظمة الرسالة الجديدة وتشريف الإنسان بها،
ويدلّ على ذلك قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٣) أي هي خير من ألف شهر ليس فيها ليلية قدر، والألف شهر بمعنى التكثير وليس بالضرورة ألف بالمفهوم البشري للزمن، أمّا إن كان المقصود من الشهر:
الإشهار - كما يقولون في مصر عن الشهر العقاري - فإن إشهار القرآن على البشرية خير من ألف إشهار آخر غير مشتمل على القرآن،
فقد تنزّلت الملائكة وفيها جبريل ﵇ بالوحي بإذن ربّهم، ليكون القرآن شاملا كلّ أمر يحتاجه الإنسان لدنياه وآخرته: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (٤)
ففي ليلة القدر يتبدّد ظلام الجهل ويحلّ السلام الروحي في نفوس المؤمنين ويطهّرهم من وساوس السوء: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾.
стр. 1993
سورة البيّنة - ٩٨ - مختلف في كونها مكية أم مدنية
اختلفوا في كونها من أواخر السور المكية أم من أوائل السور المدنية.
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة القدر بيان لبدء نزول القرآن الكريم على البشرية بما هو خير من ألف شهر أو إشهار أيّ رسالة أخرى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر ٣/ ٩٧]، وفي هذه السورة أنّ من أهل الكتاب والمشركين من أصرّ على الإنكار، وأصمّ أذنيه، وأغلق عقله عن الحق حتى بعد نزول القرآن: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤/ ٩٨].
محور السورة
الله تعالى لم يكن ليترك أهل الكتاب والمشركين على ضلالهم بلا بعث الرسل إليهم وعرض الهداية عليهم، لقوله: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧]، وقوله: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام ١٣١/ ٦]، وقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٥/ ٩].
стр. 1994
فبعث لهم الأنبياء والرسل ثم ختم الرسالات ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل ﷺ إلى الناس كافة، ورغم ذلك بقي الكثير منهم على الكفر والجمود الفكري، وتفرقوا أحزابا وطوائف كثيرة.
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿بحسب القاعدة القرآنية: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧]، فإن الله تعالى لم يكن ليترك أهل الكتاب والمشركين هائمين في ضلالهم، أو يدينهم، قبل أن يبين لهم طريق الهداية بيانا لا لبس فيه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (١)
فبعث لهم الرسل وختم ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل الذي بعث بالقرآن للناس عامة: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٢ - ٣)
ولكن أهل الكتاب الذين انحرفوا عن رسالات أنبيائهم بشكل سافر: اليهود عن رسالة موسى، والمسيحية عن رسالة عيسى، ثم لما جاءهم النبي الأحمد المذكور بشارته في كتبهم أنكروه وتفرقوا طوائف وشيعا كثيرة كلّ حزب بما لديهم فرحون: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٤)، والبيّنة هي رسالة الإسلام بيّنت الحق من الباطل.
فاختاروا الشرك والطقوس وعادات الوثنية على استقامة الحنيفية السمحة:
﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٥)
لذا يكون العذاب في الآخرة نتيجة طبيعية لإصرارهم على الكفر، لما في
стр. 1995
الكفر من ظلم للنفس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (٦)
﴿غير أن الكثيرين منهم دخلوا الإسلام طواعية بعد الفتوحات الإسلامية التي انتشرت من الأندلس إلى الصين، وحسن إسلامهم، ولا يزال اليوم يدخل الكثير منهم الإسلام في أنحاء العالم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (٧)
ممّا هو في صالح دنياهم وآخرتهم: ﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ﵃﴾ ورضوا بما جزاهم من الثواب: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾.
стр. 1996
سورة الزلزلة - ٩٩ - مختلف في كونها مكية أم مدنية
المحتمل أنها نزلت في أوائل الفترة المدنية، مع قول البعض أنها من أواخر الفترة المكية
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة البيّنة المتقدمة أنّ أهل الكتاب تفرقوا من بعد أن جاءتهم البينة:
﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤/ ٩٨]، وفي هذه السورة أنهمّ يلاقون حسابهم في الآخرة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].
محور السورة
يوم الحساب - المرموز له بزلزلة الأرض - ينقضي به العالم الظاهر الذي نعرفه ليحل محله عالم الغيب الذي تتحقق فيه العدالة وتظهر به الحقيقة المطلقة، يوم يحاسب الناس فرادى، فلا يفوت من حسابهم مثقال ذرّة من خير أو شرّ،
стр. 1997
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الخطاب استمرار واضح لآخر سورة البينة لجهة الحساب يوم القيامة، يوم وقوع الزلزلة: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ (١)
عندما يخرج للحساب ما كان خفي في الأرض من أموات: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ (٢)
ويذهل من بقي شاهدا على زلزلتها: ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها﴾ (٣)
فتشهد يومئذ - بإيحائه تعالى لها - بكلّ ما جرى عليها منذ الخليقة، تشهد لكل فرد أو عليه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٤ - ٥)
ويأتي الناس للحساب أشتاتا متفرقين يرى كلّ منهم عمله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ (٦) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء ١٤/ ١٧]،
فلا يفوت من ميزان حسنات الفرد أو سيئاته مثقال ذرّة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٧ - ٨)
стр. 1998
سورة العاديات - ١٠٠ - مكية
من أوائل السور المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة الزلزلة أنه يوم القيامة لا يفوت من حساب الإنسان مثقال ذرة من خير أو شر: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩ - ٨]، وفي هذه السورة أن الفاسق غافل عن ذلك: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات ٩/ ١٠٠ - ١١].
محور السورة
اندفاع النفوس الشريرة نحو الفساد والإفساد: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ [١/ ١٠٠]، وعمايتها عن الحق: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ [٤/ ١٠٠]، وأن الإنسان عندما يستسلم لشهواته يصبح جاحدا: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [٦/ ١٠٠]، ويغفل عن الآخرة حيث لا يخفى من حسابه شيء: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [١١/ ١٠٠].
стр. 1999
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قالوا إنّ الخمس آيات الأولى من السورة تشير إلى الخيل المغيرة وقت انبلاج الصبح، والشرر يقدح تحت حوافرها مثيرة الغبار - النقع - حتى تتوسط جمع العدوّ، وزعم آخرون أنها الإبل تسرع بالحجيج من عرفة إلى مزدلفة إلى منى فتتوسط جموع الحجاج: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِياتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ (١ - ٥)،
وذكروا حججا واهية في الربط بين الآيات (١ - ٥) والآيات (٦ - ١١) من السورة، وحيث لا بد من وجود رابط قوي وتسلسل منطقي بين الآيات (٦ - ٨) وما قبلها، وما دامت الآيات (٦ - ٨) تدين الإنسان بأنه كفور متهالك على الدنيا، فعلينا أن نستنتج أن الآيات (١ - ٥) منسجمة مع هذه الإدانة وليست مديحا لما توهّموا أنهم حجيج أو مقاتلون في سبيل الله يغيرون على العدو، وقد رأى محمد أسد في العاديات ضبحا كناية عن النفس الإنسانية العاصية المنهمكة في اللحاق بأهداف شريرة وهي خلوّ من أي توجّه روحاني بسبب اختلاط الأمور عليها وكثرة الذنوب وهيمنة الشهوات والأنانية ومادية الدنيا، فتندفع بصورة عمياء إلى الفساد والإفساد لا يردعها ضمير ولا تعقّل، إذ أعماها غبار الجهل والشهوة فتعيث في الأرض فسادا، والسبب أن أصحاب هذه النفوس جاحدون فاسقون وهم المعنّيون بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (٦) أي جاحد مستسلم لشهواته،
وتشهد أعماله الشريرة على ضلاله وكفره: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ (٧)
وهو بالنظر لماديته وتهالكه على الدنيا شديد الحب للمال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾
стр. 2000
ناسيا الآخرة والحساب والمسؤولية تجاه الخالق الذي لا يخفى عليه شيء:
﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ (٩ - ١١).
следующие страницы →