← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٩٤) ٩٤ - ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ﴾ إشارة إلى ادعائهم المذكور بقوله تعالى ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾ (١١١)، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم المذكورة. ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ بل هم حريصون على الحياة الدنيا ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بسبب ما قدّموا من المعاصي ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ بخبايا نفوسهم ونفاقهم. ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ وهو سبب كل مصائبهم وضلالهم وإضلالهم، لا يبالون أن يعيشوا حياة نفاق ودجل ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ حرصهم على الدنيا أشد من حرص المشركين عليها ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ الألف سنة تعبير عن المبالغة في الكثرة، والمغزى أن اليهود يعلمون أنهم على ضلال ولذا يرون أن الدنيا ومنغصاتها خير لهم من الآخرة وما ينتظرهم فيها من العقاب ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فيحاسبهم بأعمالهم. ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ الكلام متصل بما قبله من حيث تسلسل أعذار اليهود في عدم الإيمان بالنبي ﷺ ، فقد

стр. 72

زعموا أولا أنهم مؤمنون بكتاب ولا حاجة بهم إلى وحي جديد، ثم زعموا أنهم ناجون في الآخرة على كل حال، لأنهم شعب الله المختار، والآن يتعللّون بعذر أغرب مما سبق، فقد ورد في العديد من الروايات الصحيحة أنّ أحبار اليهود في المدينة كانوا يصفون جبريل ﵇ بأنه عدو الله لثلاثة أسباب: الأول: زعموا أن جميع المصائب التي لحقت بني إسرائيل في مطلع تاريخهم تكلّم بها جبريل، في حين أنّ ميكال كان يحمل إليهم الأنباء السارة فأصبح صديقهم بزعمهم، والثاني: لأنّ القرآن نزل به جبريل على محمد ﷺ وهم أرادوا أن يكون النبي المنتظر منهم، والثالث: أن القرآن يشتمل على النقد المرير لبني اسرائيل بسبب عصيانهم رسالة موسى، فأخبرهم تعالى إن جبريل يتنزّل بالوحي على محمد ﷺ بإذن الله وليس من عند نفسه ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مصدّقا لما تبقّى من الوحي الذي نزل على أنبيائهم، وليس تصديق كتب اليهود والنصارى بوضعها الحالي ولا بالوضع الذي كانت عليه وقت نزول القرآن، لأنها خضعت لكثير من التحريف والتغيير عبر تاريخها، كما أنه ليس المقصود تصديق تشريعات اليهود والنصارى لأن القرآن نسخها، انظر الآية (١٠٦)، ولكن المقصود تصديق ما تبقى من الحقائق الأساسية في كتبهم وقت نزول القرآن ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لو قبل اليهود رسالة الإسلام لاستفادوا من هديه وتبشيره، ولكن استياءهم وغيظهم موجّه ضد الهداية الصحيحة. ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ (٩٨) ٩٨ - ما دام ذلك سبب عدائهم لجبريل ﵇ فليعلموا أنه ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ عطف الخاص على العام ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ فيعاقبهم على عصيانهم وتعاميهم عن الحقيقة.

стр. 73

﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضحة لا لبس فيها ولا يسع العاقل إلا الإيمان بها ﴿وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ﴾ المصرّون على المعصية، الذين فضّلوا تقليد الآباء والأجداد والزعماء والعصبية على نور الفطرة والعقل. ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ العهود التي عاهدوها ونبذوها كثيرة، ومنها المذكورة في آيات [البقرة ٢/ ٤٠، ٥٩، ٦٣، ٨٣، ٨٤، ٩٣]، عدا نقضهم العهود مع النبي ﷺ في المدينة، وهذا النقض لم يكن عفويا، بل اتباعا لما تنص عليه كتبهم المحرّفة من وجوب نقض العهود مع الأغيار، وهم يزعمون أنّ إلههم يهوه قال لهم: (لا تقطع لهم عهدا، ولا تشفق عليهم) (سفر التثنية ٧/ ٢)، حتى صار نقض العهود سمة متأصلة فيهم كما هي اليوم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بأصل الوحي الذي نزل عليهم، وإنما يصدقون كتابات الأحبار. ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١) ١٠١ - ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ وهو النبي محمد ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ مصدّق لما تبقى معهم من الوحي الصحيح حتى يتمكنوا من التمييز بين الغث والسمين، وبين الزيف والحقيقة ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ الفريق هم أحبار اليهود ﴿كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ نبذوا ما يعلمون انه كتاب الله حقّا وهو القرآن الكريم، أما الأسفار المشوّهة التي حرّرها الأحبار فتمسّكوا بها ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ الحقيقة، وكأنهم لا يعلمون أن النبي المنتظر الذي كانوا يتوقعونه سيكون من سلالة إسماعيل، كما هو واضح من كتابهم في سفر (التثنية ١٨/ ١٨).

стр. 74

﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي بدلا من اتباع النبي ﷺ للوصول إلى أعلا المراتب، اتبعوا أساليب السحر والشعوذة لاستعادة مجدهم، لأنهم ظنّوا أن مملكة سليمان كانت قائمة على ذلك: ﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾ أي ما كانت تتلوا الشياطين ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ أي على زمن مملكة سليمان، وكلمة الشياطين في هذه الآية تنصرف إلى شياطين الإنس والجن معا، و ﴿تَتْلُوا﴾ بمعنى تقول كذبا، والمعنى أنّ بني إسرائيل بدلا من اتّباع محمد ﷺ فقد اتّبعوا ما نسبته شياطين الإنس إلى ملك سليمان إذ كان بعضهم - شياطينهم - يشيع أنّ عظمة ملك سليمان ﵇ قامت على السحر والطلاسم، وأنهم لو توصّلوا لعلومها لاستعادوا ملكه، فاستحوذ ذلك على عقولهم وانهمكوا فيه بسبب انحطاطهم الفكري ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ أي إنّ السحر أو محاولته ليس سوى كفر، وأطلق اسم الشياطين على من يحاوله، وسليمان والأنبياء معصومون منه (البيضاوي)، وقد ذكر اليهود في كتبهم أنّ سليمان كان يشتغل بالسحر فيحرق البخور ويقدم القرابين للأوثان (سفر الملوك الأول ١١/ ١ - ١٠) وهذه الآية تدحض ذلك ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ أي اليهود - أو شياطينهم - يعلّمون الناس السحر ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ خلال وقوع اليهود في عبودية الأسر البابلي (٥٨٦ - ٥٣٧ ق. م) قيل إنّه نزل فيهم رجلان سمّيا ملكين - بفتح اللام - باعتبار وقارهما فشبّها بالملائكة، وقيل إنّ ﴿ما﴾

стр. 75

نافية أي إنّ اليهود يعلّمون الناس السحر ويسندون ذلك إلى الملكين ببابل مع أنّه لم ينزل السحر على الملكين وإنّما اخترعاه من عند أنفسهما فكيف يعلّمونه الناس؟ (البيضاوي)، ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ يقولان إننا أو لو فتنة، وننصحك بعدم الكفر، ولعلهما يقولان ذلك لإيهام الناس بفضلهما وللمحافظة على حسن اعتقاد الناس بهما ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ليس في الآية ما يدل على أن ما يتعلمونه مؤثّر بذاته لسبب غيبي أو خارق للعادة ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ إذا صادف أن أصيب أحدهم بضرر من عملهم فهو بإذن الله، أي يكون عائدا لسبب من الأسباب التي ربطت بها المسبّبات، فليس هنالك قوة غيبية وراء عملهم ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ الضرر ناتج عن تركهم العمل الجاد، ولجوئهم إلى الشعوذة لمحاولة الوصول إلى المبتغى ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ في الآية تحذير واضح من محاولة تغيير مجريات الأمور باتباع وسائل فوق طبيعية - في ذهن أصحابها على الأقل - وأن مثل هذه المحاولة تنفي نصيب صاحبها في الآخرة، روى أحمد في مسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى كاهنا أو عرّافا فصدّقه فقد كفر بما أنزل على محمد»، ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ كم هو بائس ما باعوا به أنفسهم، أي سيؤدي بهم إلى البؤس ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الحقيقة، ولكنهم متعلقون بالأوهام. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ ببعثة النبي ﷺ ﴿وَاِتَّقَوْا﴾ الكفر والطغيان ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ﴾ لكان خيرا لهم من محاولة أساليب السحر والشعوذة ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ العلم الصحيح، لكنهم يتّبعون الظنّ والخيال والعصبية، والآية التالية تحذّر المسلمين من تقليدهم ومن الوقوع في حبائلهم.

стр. 76

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انتقال الخطاب إلى المسلمين فيما يخص أحابيل اليهود ﴿لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا﴾ لفت النظر إلى مثال من انحطاط تفكير اليهود وسفاهتهم، فعندما قدم النبي ﷺ ومعه المهاجرون إلى المدينة حاول اليهود إشغال المسلمين بقضايا جدلية فرعية لتلويث أفكارهم بأمراضهم الفكرية التي ابتلوا بها، فكان اليهود عندما يحادثون النبي ﷺ ينفثون نكايتهم وضغينتهم باستخدام تعابير مموّهة ذات معنى مزدوج، ظاهرها البراءة وباطنها السوء، والعبارة المشار لها في هذه الآية والتي أمر المؤمنون بتجنّبها ﴿راعِنا﴾ كان يستخدمها اليهود في حديثهم مع النبي ﷺ ليس بمعناها الظاهري، أي إصغ إلينا، بما تنطوي عليه من الوقاحة، ولكن لكونها تشبه كلمة في العبرية ذات مغزى سيء، ولذا أمر المسلمون بتجنب هذه الكلمة واستخدام عبارة ﴿اُنْظُرْنا﴾ بمعنى لطفا أعطنا انتباهك، أو لطفا أعطنا برهة لنتابع ما تقول ﴿وَاِسْمَعُوا﴾ أمروا بالإصغاء جيدا لحديث النبي، ومغزى الآية تنبيه المسلمين عموما كي لا يقعوا في أحابيل اليهود، وهي مقدمة للآية التالية أنهم لا يريدون الخير لهم ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ كنتيجة حتمية وطبيعية مترتبة على إنكار الحق والإصرار على الضلال والإضلال، وكما هي العادة في القرآن الكريم فإنّ مغزى الآية غير مقتصر على ظروفها التاريخية وإنّما يمتد لكل العصور لوجوب التزام المسلمين بتعليمات السنة النبوية وعدم تقديم رغباتهم الشخصية عليها. ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرين على كفرهم بلا رجوع ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ اليهود ﴿وَلا الْمُشْرِكِينَ﴾ من مشركي العرب والمسيحية ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾

стр. 77

﴿عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الخير المشار إليه هو الوحي، لأنّ الوحي هو الخير المطلق، بدليل تتمة الآية، وهم يبغضون أن ينزّل الوحي على المسلمين ﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ باختيار من يشاء من الأقوام لنزول الوحي، والآية إشارة واضحة إلى إنكار اليهود والمسيحية إمكانية نزول الوحي على غيرهم من الأمم، وغرورهم بالاعتقاد أن الوحي مقتصر عليهم ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فيختار لرسالته من يشاء وفق حكمته البالغة، انظر آية [آل عمران ٣/ ٧٣]، وآية [النساء ٤/ ٥٤] حيث وردت كلمة ﴿الْفَضْلِ﴾ بمعنى الوحي. كما وردت كلمة «الرحمة» بمعنى الوحي أيضا في آية [آل عمران ٣/ ٧٤] وآيات [هود ١١/ ٢٨، ٦٣]، ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذه الآية استمرار مباشر لما سبقها، وهي إجابة على الشكوك التي حاول اليهود نشرها، إذ قالوا: ما دام القرآن والكتب السابقة منزّلة من الله فلماذا أبدل القرآن بعض النصوص والأحكام في الشرائع السابقة بأحكام جديدة؟ كما أبدوا استغرابهم من إدانة القرآن لهم لكونهم أضاعوا جزءا من كتبهم، فقد زعموا استحالة ضياع الوحي الإلهي من الكتب أو من ذاكرة البشر، وفي كل ذلك لم يكن هدفهم موضوعيا ولكن لإلقاء الشكوك حول أصالة القرآن، فالآية تقرر أنّ ما ينسخه تعالى من الشرائع السابقة وأحكامها، أو ما ينساه البشر أو يحرّفونه أو يضيعونه أو يبتكرون غيره - كما أضاعوا التوراة والإنجيل - ينزّل الله مثله أو خيرا منه في القرآن، وأنّ كل شريعة سابقة نزلت في وقتها لتناسب عصرها، إلى أن ختمت الرسالات السماوية ببعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ الذي أرسل رحمة للعالمين جميعا وليس لأمّة بعينها، والمعنى شبيه بقوله تعالى ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ﴾

стр. 78

﴿الْكِتابِ﴾ [الرعد ١٣/ ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل ١٦/ ١٠١]، بمعنى أنه تعالى نزّل الرسالات السماوية بالتدريج واحدة تلو الأخرى بحسب تطور الإنسان الفكري والاجتماعي، ولمّا ختمها برسالة القرآن اتهم أهل الكتاب النبيّ بالافتراء، وليس المعنى نسخ بعض الآيات القرآنية كما يظن بعض المفسرين، راجع أيضا شرح آية [المائدة ٥/ ٤٨]، وقد نسب تعالى الإنساء إلى ذاته العلية مع أنه من فعل البشر، فكل شيء في الكون يسير بتقدير من الله ولا يمنع ذلك أن الإنسان مختار لأعماله، قال تعالى عن اليهود ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ٥/ ١٣]، وقال عن المسيحية أيضا ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ٥/ ١٤]، وما ذكّروا به هو الذكر، أي الوحي الذي نزل على أنبيائهم، وسمّي الوحي ذكرا لكونه يذكّر البشر بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، أنظر شرح آية [الأعراف ٧/ ١٧٢]. وأما قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج ٢٢/ ٥٢] فقد يكون أنه نسخ الحديث الشريف بالقرآن، أو أنه النسخ لما يحاول الشيطان إلقاءه في روع الأنبياء من مطامع الدنيا، وليس في الآية ما يدل على غير هذا المعنى، وعلى أية حال فإن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ فيه استثناء للنبي ﷺ ويدل على أن الآية تشير لمن قبله فقط من الأنبياء. أما لو قبلنا رأي بعض المفسرين أنّ المقصود من هذه الآية نسخ بعض آيات القرآن الكريم، فعندئذ لا يستقيم المعنى ولا يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها أو بعدها علاقة ولا ارتباط، وينقطع النظم القرآني، ويحصل فساد في الترتيب، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، ولكن يستقيم النظم سابقا ولاحقا عند ما يكون المقصود نسخ الشرائع السابقة.

стр. 79

وقد ذكر الرازي عن المفسر الشهير أبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني: «أنّ المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع القديمة من التوراة والإنجيل»، وأن «ليس في القرآن آية منسوخة»، و «أنّ النسخ خلاف الأصل فوجب المصير إلى عدمه بضرب من التخصيص أو التأويل»، ويعتمد الأصفهاني على التخصيص والتأويل لإبطال كل ما قاله بعض المفسرين عن نسخ بعض الآيات القرآنية، إذ ثبت في علم أصول الفقه أنّه إذا وقع التعارض بين النسخ والتخصيص كان التخصيص أولى، أي إنّ معنى الآية التي يقولون: إنّها منسوخة، ينصرف إلى إيضاح حالة خاصة، «أما قولهم بالنسخ فهو بعيد، فكأنهم شغفوا بتكثير الناسخ والمنسوخ من غير ضرورة ولا حاجة، والحقّ ما قرره أصحاب أصول الفقه أن الأصل عدم النسخ، فوجب السعي بتقليله قدر الإمكان» (الرازي). كما ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار ما يلي: «كان لبعض العلماء ولع بتكثير استخراج الناسخ والمنسوخ من القرآن لما فيه من الدلالة على سعة العلم بالقرآن، وإن كان علما بإبطال القرآن بادي الرأي، من غير حجة تضاهي حجة القرآن في القطع والقوة، ولا ينبغي للمؤمن أن يحسب هذا هيّنا وهو عند الله عظيم» (المنار ص ١٢١ /ج ٢). يضاف إلى ذلك أنه ليس لفكرة نسخ الآيات القرآنية أساس تاريخي أو سند صحيح في السنّة، وترجع في أصلها إلى: أولا: عجز المفسرين عن التوفيق بين بعض آيات القرآن الكريم وبعضها الآخر، فيتجاوزون هذه الصعوبة بمقولة النسخ بطريقة اعتباطية ليس فيها إجماع حتى بين مؤيدي مقولة النسخ أنفسهم، وثانيا: بسبب اعتبارهم كلمة (آية) بمعنى ضيّق فقط على أنها جملة من القرآن الكريم، مع أنها تحتمل عدة معان، انظر شرح الآية (٣٩).

стр. 80

وثالثا: بسبب اعتبارهم آية النسخ هذه بمعزل عن سياق المعنى، مما يفسد النظم القرآني ولا يليق بكلامه تعالى، يضاف إلى كلّ ذلك أنه لا يوجد إجماع بينهم على الآيات التي يزعم أنها منسوخة، فالزهري (المتوفّى ٧٤٢ م، قرّر أنها ٤٢ آية)، ثم ازداد العدد بعده باطراد حتى زعم ابن سلامة (المتوفّى ١٠١٨ م) أن عددها ٢٤٨، وبعده عاد العدد للتناقص فقال السيوطي (المتوفّى ١٥٠٥ م) أن عددها ٢٠ فقط، ثم قال شاه ولي الله الهندي (المتوفى ١٧٦٢ م) أنها خمسة. ومن ذلك مثلا آيات تحريم الخمر الواضح أنها ليست سوى تدرج في التشريع نحو التحريم: ١ - ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل ١٦/ ٦٧] ﴿٢ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة ٢/ ٢١٩] ٣ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء ٤/ ٤٣] ٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٥/ ٩٠]. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ أيها الإنسان ﴿أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فينسخ من الشرائع السابقة ما يشاء بحسب حكمته البالغة ما قد يفوت إدراك البشر، وبحسب ارتقاء الفكر البشري من عصر لآخر، وأن من له ملك

стр. 81

السماوات والأرض قادر على بعث النبوة في غيرهم من الأمم، وقد ختم الرسالات ببعثة خاتم الأنبياء والرسل ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ فلا يغني عنهم شيئا أنهم كانوا من أتباع موسى وعيسى أو كونهم من سلالة الأنبياء السابقين إن لم يتبعوا الرسالة الإسلامية. ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (١٠٨) ١٠٨ - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ أيها اليهود ﴿أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ لأنّه عندما أنزل تعالى جواز النسخ في شرائعهم دأبوا على الدخول مع النبي ﷺ في مناقشات جدلية، و ﴿رَسُولَكُمْ﴾ هو الرسول محمد ﷺ الذي بعث للناس كافة، وسؤالهم موسى من قبل أن قالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ (٢/ ٥٥)، وقولهم أيضا ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ (٢/ ١١٨)، ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ بدلا من فهم براهين الحق عقليا وتقويم رسالة القرآن الكريم من حيث جدارتها ممّا يؤدي إلى الإيمان بها، فهم إمّا مكابرون متعجرفون، أو مصرّون على براهين مادية حسية، وذلك هو الضلال عن الطريق القويم. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ لأن من شأن الحاسد أن يحاول أو يتمنّى سلب النعمة من محسوده، ولو لم تكن ضارة به، فكيف لو أدّت إلى سيادة المحسود، أو مساواته مع الحاسد؟ ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ تبينت لهم آيات النبوة، وانطبقت على البشارات المذكورة في كتبهم، واستيقتنها نفوسهم فجحدوا بها

стр. 82

﴿فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا﴾ أيها المسلمون، والعفو ترك العقاب، والصفح هو الإعراض وترك اللوم، والمقصود توجيه المسلم ألا يغضب ولا يثور ولا يكون عدوانيا، بل يكون موضوعيا، لدى مناقشاته الدينية مع أهل الكتاب ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيأذن بنصرة دينه على من عاداه، عندما تأذن الحكمة الإلهية بذلك، وعندما يكون المؤمنون جديرين بالنصر بعملهم، كما سوف تبين الآية التالية، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ٥/ ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود ١١/ ١١٨]. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١٠) ١١٠ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ بعد أن أمر تعالى المؤمنين بالعفو والصفح عن أهل الكتاب، أمرهم بإصلاح أنفسهم باقامة الصلاة على حقها والتوجّه إلى الله تعالى والانقطاع اليه، ليجدوا في ذلك السكينة، وليوقنوا أن أمر الله آت ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ لصلاح المجتمع ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ لأن عمل الخير يعود على أصحابه، وبارتقاء المجتمع، فيتحقق وعد الله لهم بحسب سنته تعالى في خلقه ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيثيبكم بحسب أعمالكم. ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١١١) ١١١ - ﴿وَقالُوا﴾ وهم أهل الكتاب المشار إليهم بالآية (١٠٩)﴾، ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾ اليهود يعتقدون أن الهداية مقتصرة عليهم وانتهت بهم، والمسيحية من أتباع بولس مصرون على أن المسيح افتدى المؤمنين به من ربقة الخطيئة ﴿تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ﴾ ذلك من قبيل الأماني والتمنّي، حتى أقنعوا أنفسهم أنّ الوهم حقيقة ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ لأن البرهان على

стр. 83

هذه الدعوى وغيرها لا يقوم إلا من الكتب التي نزل بها الوحي، وليس من الكتب التي حرّرها الأحبار والكتبة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم. ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١١٢) ١١٢ - ﴿بَلى﴾ خلافا لما تزعمون ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ من أسلم نفسه بالكامل الى الله تعالى، وتوجّه إليه وحده دون سواه، وهو التعريف الحقيقي للمسلم، وبهذا المعنى يستخدم مصطلح المسلم والإسلام في القرآن الكريم ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا المبدأ القرآني بأن ثواب الآخرة ليس حكرا على ملّة معينة، بل هو مفتوح لكل من أسلم نفسه لله وقام بالعمل الصالح تطبيقا عمليا لإيمانه. ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١١٣) ١١٣ - ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ رفض اليهود الإيمان ببعثة المسيح ﵇ ﴿وَقالَتِ النَّصارى﴾ من أتباع المسيح ﴿لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ ما لم يؤمنوا بمبادئهم ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ ينسبون ذلك الاعتقاد إلى كتابهم، أو يعتقدونه رغم أنهم يقرؤون الكتاب ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ وهم مشركو الجزيرة العربية، وكل من يعتقد أن ثواب الله في الآخرة مقتصر عليه ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيؤكّد الصحيح من معتقداتهم، ويبيّن الزائف منها. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١١٤).

стр. 84

١١٤ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ﴾ لأن اليهود كانوا يمنعون غيرهم من دخول معابدهم، وكان دخول معبد القدس من قبل غير اليهود يعدّ جريمة عقوبتها الموت، وبالعكس تعرض اليهود للاضطهادات الدينية من قبل النصارى في كثير من العصور ﴿وَسَعى فِي خَرابِها﴾ يخرّبون معابد بعضهم البعض بحجّة أن كلّ فريق منهم يعتقد ضلال الطرف الآخر، ومغزى الآية وجوب احترام أماكن العبادة التي يعبد فيها الله رغم الخلاف الديني مع أصحابها، انظر أيضا آية [الحج ٢٢/ ٤٠]، وقد استقبل النبي ﷺ وفد نصارى نجران في مسجده في السنة العاشرة من الهجرة وسمح لهم أن يمارسوا شعائرهم في مسجده رغم الخلاف الكبير بين العقيدتين الإسلامية والمسيحية ﴿أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ﴾ لا يحق لهم دخولها إلاّ خائفين من الله تعالى فكيف يدخلونها مفسدين ومخربين؟ ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ لأنّ تعطيل المساجد وإنكار الدين يؤديان إلى الفواحش والمنكرات والشرور، وفساد وتفكك وانهيار المجتمع، فينالهم خزي الدنيا ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ عدا ما لحق بهم من خزي الدنيا. ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١١٥) ١١٥ - ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ المشرق والمغرب كناية عن الخلق بكامله ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الله ليس محدودا بالمكان، والآية استمرار لما قبلها بحرية التوجه إلى الله تعالى في الصلاة والمساجد، وفيها نهي ضمني عن الاضطهاد الديني والتزمّت والتعلّق بالشكل. ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ (١١٦) ١١٦ - ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ وهي العقيدة المسيحية التي ابتكرها بولس بعد رفع المسيح وروّج لها بين الوثنيين الهلنستيين في الإمبراطورية البيزنطية ﴿سُبْحانَهُ﴾ أي تنزّه الله عن الصفات البشرية، لأنّ اتّخاذ الولد حتى بالمعنى

стр. 85

المجازي يتضمّن عدم الكمال ﴿بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من كافة الخلق ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ مطيعون، بمن فيهم المسيح بن مريم. ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١١٧) ١١٧ - ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق ﴿وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فكما هو مبدع السماوات والأرض فإنّما أمره لأي شيء آخر إذا قضاه هو كن فيكون، كخلق المسيح من غير أب. ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١١٨) ١١٨ - ورغم أنه تعالى مبدع السماوات والأرض فالجهّال يطلبون آية فأي آية أكبر من الخلق؟ ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ أخفقوا في استيعاب الحقيقة فطلبوا أن يظهر الله تعالى لهم أو أن يشاهدوا «معجزة» تلمسها حواسّهم ليقتنعوا أنّ ما جاء به محمد ﷺ هو الحقيقة، ونظيره قوله تعالى ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ [المدّثر ٧٤/ ٥٢]. ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ مثل هذا القول قال الذين كفروا بالرسل من قبل، وبالذات اليهود ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ في التعنّت والطغيان ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي إنّ الآيات المعجزات والإشارات موجودة في كل مكان، ولكنها لا تفيد سوى الذين يبصرون الحقيقة أما المصرّون على المكابرة فما الذي يفيدهم؟ ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ (١١٩) ١١٩ - ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ فما عليك الاّ البلاغ أيها الرسول ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ الذين وضعوا أنفسهم بمنزلة

стр. 86

أصحاب الجحيم، فلست مسؤولا أيها النبي عن إنكار المنكرين المصرين على الكفر ولا يضرّك تكذيبهم. ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (١٢٠) ١٢٠ - ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وهو هدفهم النهائي، فهم ليسوا طلاّبا للحقيقة، والخطاب موجّه لكل مسلم في كل عصر، كي لا ينخدع بمظاهرهم، ولا شروطهم التعجيزية، فهي ليست سوى جهود لتفريق المسلمين وإضعافهم، والخطاب عنهم كأمم وجماعات وليس كأفراد، انظر الآية (٦٢)، ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي أو أيها القاريء أو السامع ﴿إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ الوحيد والحقيقي، وما عداه زيف وضلال ﴿وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾ لأنّ ما يريدون هو اتباع الهوى ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ العلم اليقيني في القرآن ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ لأن اتباع الهوى ليس خروجا عن الدين فقط، بل خسارة للدنيا أيضا. ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٢١) ١٢١ - ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ من اليهود والنصارى ﴿يَتْلُونَهُ﴾ ضمير الغائب يعود إلى العلم، المذكور في الآية السابقة وهو القرآن، أي إذا قرؤوا القرآن: ﴿حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أي قراءة موضوعية بغية الفهم والتدبّر، ولتقويمه من حيث جدارته، لا باتخاذ موقف مسبق، ولا بعقل منغلق سلفا، فعندئذ يؤمنون به. ويحتمل عود الضمير في قوله ﴿يَتْلُونَهُ﴾ إلى كتابهم أي لو قرؤوا كتابهم - بما فيه من تشويه - بفكر تحليلي ومستقل لانكشف لهم الزيف الذي أضافه الأحبار والرهبان ولآمنوا بالقرآن ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ فعندئذ يؤمنون بالعلم الذي

стр. 87

جاءك وهو القرآن ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ من المعاندين والمقلدين والمكابرين والزعماء ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة. ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (١٢٢) ١٢٢ - بعد أن بيّن تعالى الحجج الدامغة على بني إسرائيل، دعاهم إلى ترك الغرور الذي يمنع الإيمان فقال عزّ شأنه: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ تفضيله تعالى لهم بأن بعث منهم الرسل والأنبياء، وصار هذا التفضيل حجّة عليهم لكثرة ما رفضوا الرسل والأنبياء وقتلوا منهم، وقد سبق تذكيرهم بنعمته عليهم بالآية (٤٧)، ثم بعد أن أقام الحجج عليهم تكرر هنا تمهيدا لما سوف يرد من انتقال الرسالة إلى غيرهم، وفي هذا المجال نسرد الخلفية التالية: (١) كان إبراهيم، بعد نوح، ﵉، النبي المبعوث لنشر رسالة الإسلام العالمية، وقد تجوّل إبراهيم لهذا الغرض لعدة سنوات من العراق إلى مصر ومن سورية وفلسطين إلى أجزاء من الجزيرة العربية داعيا الناس إلى الله، وقد أرسل ابن أخيه لوطا إلى شرق الاردن وابنه إسحاق إلى سورية وفلسطين وابنه الأكبر إسماعيل إلى الجزيرة العربية حيث بنى في مكّة الكعبة المشرّفة التي أصبحت فيما بعد قبلة المؤمنين. (٢)﴾ تفرعت ذرية إبراهيم إلى فرعين، أحدهما ذرية إسماعيل ممّن قطنوا الجزيرة العربية ومنهم قريش وبقية القبائل العربية بما فيها تلك القبائل التي لم تنحدر بالضرورة من ذريته، ولكنها اعتنقت دعوته وتعاليمه الدينية، والثانية ذرية إسحاق ومنهم نشأ أنبياء عديدون مثل يعقوب ويوسف وموسى وداوود وسليمان ويحيى وعيسى ﵈، وكان يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم يلقب إسرائيل فعرفت ذريته ببني إسرائيل وقد تبعهم أقوام آخرون لم يكونوا بالضرورة من ذرية إسرائيل، ولكن ممّن قبلوا دعوتهم الدينية.

стр. 88

(٣) بعد وفاة إبراهيم استمرّ إسحاق ويعقوب وذريتهم الذين عرفوا ببني إسرائيل بالدعوة الدينية العالمية، وتلك هي النعمة التي يذكرها القرآن مرارا بتفضيلهم على العالمين، أي بتحميلهم عبء الرسالة في زمانهم، وفي زمن سليمان اتّخذ بنو إسرائيل القدس مركزا للدعوة وأصبحت القدس بذلك قبلة لهم يتجهون إليها في صلواتهم. (٤) المعروف أنّ اليهودية والمسيحية ليستا سوى تسميات متأخّرة جاءت بعد موسى وعيسى بزمن طويل ولم تكونا سوى تشويها لتعاليمهما الأصلية. (٥) أقامت الآيات الحجج على اليهود، وأوضحت حالة التفسّخ والانحطاط التي صاروا إليها حتى فقدوا كل إمكانية لاتباع الهدى، فضلا عن هداية غيرهم. (٦) لمّا تخلّى اليهود عن دعوة إبراهيم، وفقدوا كل إمكانية عملية للنهوض بها، أو كل تعالى المهمة الى غيرهم، انظر آية [الأنعام ٦/ ٨٩]، (٧) تشرح السورة بعثة النبي محمد ﷺ الذي صلّى لأجل قدومه كلّ من إبراهيم وإسماعيل وقت بناء الكعبة، الآية (١٢٩)، وتبيّن أن الدعوة التي بعث بها النبي ﷺ هي ذات الدعوة التي جاء بها الأنبياء السابقون إبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويعقوب وغيرهم. (٨) انتقال الزعامة الدينية العالمية من بني إسرائيل الى بني إسماعيل، اقتضى تغيير وجهة القبلة إلى مكة المكرمة، وقد كان النبي ﷺ خلال وجوده في مكة يستقبل الكعبة والقدس معا في صلاته ثم بعد إقامته في المدينة نزل الوحي بتغيير القبلة نحو مكة المكرمة، ولم يكن بمقدور المشركين ولا حتى أهل الكتاب إنكار ذلك إلاّ تحاملا، فالكعبة بناها كل من إبراهيم وإسماعيل. (٩) بعد إعلان انتقال الزعامة الدينية العالمية إلى المسلمين زوّدتهم السورة، في الآيات (١٣٦ - ٢٨٦)، بالتوجيهات والتشريعات التي نسخت الأديان السابقة، انظر الآية (١٠٦).

стр. 89

﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (١٢٣) ١٢٣ - ﴿وَاِتَّقُوا﴾ أيها اليهود ﴿يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ الإشارة إلى اعتقاد اليهود أنّ نسبهم إلى إبراهيم سوف ينجيهم من الحساب والعقاب في الآخرة، وهو اعتقاد ينفيه القرآن مرارا وقد تقدّم ذلك في الآية (٤٨). ﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ (١٢٤) ١٢٤ - استمرار الخطاب من الآيات السابقة لأن اليهود ينتسبون إلى جدهم إبراهيم لجهة إسحاق: ﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ الكلمات هي الخبرات الصعبة التي مرّ بها إبراهيم في حياته وتجاوزها بنجاح ممّا أهّله للقيام بعبء البعثة، فقد كانت حياته منذ تبينت له الحقيقة حتى وفاته مسلسلا من التضحيات والمشاق، وعزم على التضحية بابنه إسماعيل، وتحمّل أقصى ما يستطيع البشر أن يتحمله من الصعاب في سبيل الدعوة ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ تجاوز إبراهيم كل المحن والابتلاء ﴿قالَ﴾ تعالى ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً﴾ بعد أن تجاوز إبراهيم تلك المحن بعثه تعالى إماما للناس، أي قدوة لهم كي يتبعوا رسالته ﴿قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ سأل إبراهيم ربّه إن كانت الإمامة سوف تطال بعض ذرّيته، ولعلّ في ذلك تعبير عن رغبة الإنسان أن ترث ذرّيته مناقبه وخصاله ومركزه ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ المعنى سوف أستجيب لطلبك وأجعل من ذريتك أئمة للناس، سوى أنّ الإمامة هي من حقّ الأتقياء منهم فقط ولا يصلح لها الفاسق، وهكذا لزم انتقال الإمامة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل لأن ظلم بني إسرائيل بلغ الذروة بكفرهم بآخر أنبيائهم عيسى ﵇، وهذه الآية تدحض ادّعاء بني إسرائيل أن الإمامة حق أبدي لهم لمجرد انتسابهم إلى

стр. 90

إبراهيم، وتدحض ادعاءهم أنهم الشعب المختار تفضيلا على غيرهم من الناس، وهي أيضا إيضاح أن المشركين من ذرية إسماعيل لا حق لهم بالإمامة أيضا. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١٢٥) ١٢٥ - ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ الذي بناه إبراهيم وإسماعيل ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ أي مقصدا يرجعون إليه ﴿وَأَمْناً﴾ أمانا وملاذا، لأن الحكمة والخطة الإلهية اقتضت انتقال عبء الرسالة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ مقام إبراهيم هو المكان الذي صلّى فيه إبراهيم، وقيل إنه الحرم بكامله أو مواقف الحج كلّها ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ من الشرك والوثنية ﴿لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الطواف حول الكعبة ومغزاه تذكير المؤمنين أن كل أعمال الإنسان ومساعيه يجب أن تتمحور حول الله ووحدانيته. أما البيت فيطلق على البيت الحرام أو البيت العتيق أو المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل وقد ارتبط اسمه عند العرب بإبراهيم حتى قبل البعثة الاسلامية. ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَاُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٢٦) ١٢٦ - ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً﴾ محفوظا من الأعداء الذين يقصدونه بسوء ﴿وَاُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ خصّ إبراهيم دعاءه بالمؤمنين فقط ﴿قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ أجابه تعالى إنّ النعم الدنيوية تعمّ المؤمن والكافر معا في الحياة الدنيا، وسمّى المتاع قليلا لكونه محدود الأجل في جنب الآخرة، ونظيره قوله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

стр. 91

﴿مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ [البقرة ٢/ ٣٦]، لأنه لو اختصّت النعم بالمؤمنين فقط لبطل الإختبار والتكليف ولصار الإيمان قسريا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الذين يختارون الكفر بمحض إرادتهم، يقودهم ذلك الخيار إلى عذاب الآخرة اضطرارا، وهذه الآية تميّز بين من يشرّفهم الله تعالى بالقيادة الروحية وهداية الناس، وبين من يسبغ عليهم نعمه الدنيوية فقط. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٢٧) ١٢٧ - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ استوطن إسماعيل وأمه هاجر الحجاز، وتزوج فتاة قحطانية من قبيلة جرهم، وبذلك صار جدّا للعرب المستعربة، وأطلق عليهم هذا الاسم لكونهم من أب عبري وأم قحطانية، وخلال إحدى زيارات إبراهيم لابنه إسماعيل قام إبراهيم ببناء الكعبة يساعده إسماعيل، وكان استيطان إسماعيل في الحجاز بداية الخطّة الإلهية لنقل النبوة من سلالة إسحاق الى سلالة إسماعيل ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وهو دعاؤهما بعد أن عهد لهما تعالى ببناء الكعبة. ﴿رَبَّنا وَاِجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١٢٨) ١٢٨ - ﴿رَبَّنا وَاِجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا﴾ حتى نعبدك كما تريد ﴿وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ استجاب سبحانه لدعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأن جعل المسلمين من ذرية إسماعيل. ﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١٢٩) ١٢٩ - ﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ﴾ في ذرية إبراهيم وإسماعيل ﴿رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ وقد بعث فيهم النبي محمد ﷺ ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ تلاوة آيات الوحي، أي

стр. 92

تعليمهم المنهج الذي ينبغي أن يسيروا عليه ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الأحكام التفصيلية التي جاء بها القرآن نظاما للفرد والمجتمع ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهّر أمّته من العقائد الفاسدة والعادات الخاطئة في حياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ومن استجابته تعالى لدعاء إبراهيم وإسماعيل أن نهضت الأمة الإسلامية نتيجة العمل بهذه النقاط الثلاث، بما أغنى عن فلسفات وأهواء البشر. ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٣٠) ١٣٠ - ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ لا يترك ملّة إبراهيم إلاّ من كان ضعيف العقل، فكأنه يستخفّ بعقله وبنفسه، والمقصود من عبدوا الأوثان وجعلوا لله شركاء ﴿وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا﴾ أي اصطفينا إبراهيم لهداية الناس ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ كما سيرد في الآية التالية إذ استجاب لدعوة ربه وأسلم نفسه طائعا مختارا. ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٣١) ١٣١ - ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ المسلم من يسلم نفسه طائعا لله، ويعبده إلها واحدا جديرا وحده بالعبادة، ويسيّر حياته وفق هديه، ووفق هذا التعريف فإنّ جميع الأنبياء منذ بدء الخليقة كانوا مسلمين. ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٣٢) ١٣٢ - ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ كلّ من إبراهيم ويعقوب أوصوا أبناءهم بالإسلام، وخصّ يعقوب بالذكر دون الباقين لأنّ بني إسرائيل ذرّيته المباشرة ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وهو تتمة كلام إبراهيم ويعقوب لبنيه، أي إنّ الله تعالى اختار لكم

стр. 93

الإسلام دينا فتمسّكوا به في كل لحظة من حياتكم لئلا تموتوا على غيره، والدين في المصطلح القرآني ليس مجرّد الملّة أو النحلة، وإنّما طريقة الحياة والسلوك وهو النظام الذي يحدد العقيدة والعمل. ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١٣٣) ١٣٣ - ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ الخطاب موجه إلى بني إسرائيل - بني يعقوب - ﴿إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ وهي وصية يعقوب لبنيه، وفي جوابهم له يلاحظ ذكر الآباء والأجداد كونهم انفردوا بعبادة الإله الواحد ودعوا الأمم إليه، وقد ذكر إسماعيل مع الآباء مجازا رغم أنه عمّ يعقوب ﴿إِلهاً واحِداً﴾ لا نشرك به غيره ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مستسلمون ومذعنون ومنقادون، والمغزى أنّ يعقوب - إسرائيل - قد وصّى بنيه بالاستسلام والإذعان لمشيئة الله، فما بال ذريته من اليهود يخالفون وصيته؟ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٤) ١٣٤ - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ذهبت من الدنيا ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ من أعمال تجزى بها ﴿وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ﴾ من أعمال تجزون بها ﴿وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تأكيد على مبدأ المسؤولية الفردية في الاسلام، وبه أيضا دحض لاعتقاد اليهود أنّهم الشعب المختار لمجرّد نسبهم إلى كبار الأنبياء رغم انحرافهم عن تعاليمهم وهديهم، والمعنى لا تدّعوا هؤلاء الأنبياء لكم، أيها اليهود، فسوف تحاسبون بأعمالكم وليس بأنسابكم.

стр. 94

﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٣٥) ١٣٥ - ﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ أي من دون حاجة لاتباع بعثة خاتم الأنبياء والرسل بزعمهم، مع أنّ الطقوس والأنظمة المعقدة التي تتصف بها اليهودية اليوم لم تظهر سوى في القرن الخامس أو السادس قبل الميلاد أي بعد موسى ﵇ بحوالي ستة قرون، أما المسيحية بمعتقداتها ومبادئها اللاهوتية التي نعرفها اليوم فقد تجسّدت على يدي شخصين مختلفين في عصرين مختلفين، الأول بولس، حوالي الفترة ٥٥ - ٦٥ م، الذي ابتدع عقيدة جديدة نسبها للمسيح، والثاني الإمبراطور الوثني قسطنطين بعد عيسى المسيح بأكثر من ثلاثة قرون، وقد قرر ألوهية المسيح في المجمع المسكوني الأول عام ٣٢٥ م، ولذا ينشأ السؤال تلقائيا: لو كانت هداية الناس متوقفة على اتباع اليهودية أو المسيحية فماذا يمكن القول عن إبراهيم وباقي الأنبياء ﵈، الذين يعترف بهم اليهود والنصارى، وقد جاءوا قبل اليهودية والنصرانية بعدة قرون؟ والمغزى أنّ استقامة الإنسان لا تتوقف على كونه يهوديا أو نصرانيا حسب مصطلحهم، ولكنها تتوقف على اتباع الحقيقة الأزلية التي اهتدى بها الناس على مرّ العصور ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الحنيف من فعل حنف أي مال إلى الطريق الصحيح، وترك ما كان عليه أهل عصره من الضلال والشرك، وأطلق على إبراهيم لأنّ الناس في أيامه كانوا على طريقة واحدة هي الكفر فخالفهم، وهذه العبارة ذات دلالة توحيدية قبل البعثة النبوية إذ اتصف بها الأشخاص الذين زهدوا عن مادية الدنيا وانصرفوا عن عبادة الأصنام.

стр. 95

﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١٣٦) ١٣٦ - ﴿قُولُوا﴾ أيها المسلمون ﴿آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ عدم التفريق بين الأنبياء يقتضي الإيمان أنهم كانوا جميعا على الحق، إذ يتلقون الوحي من منهل واحد ويدعون الناس إلى الحقيقة الواحدة، أما من يؤمنون بنبي ويكفرون بآخر فهم في الواقع يكفرون حتى بالنبي الذي يدّعون الإيمان به، لأنهم لا يستوعبون وحدة الرسالات السماوية، فدينهم ليس سوى تعصب وتقليد وجنسيّة توارثوها عن أجدادهم. ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٣٧) ١٣٧ - ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ وهم أهل الكتاب وغيرهم ﴿بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وهو الإيمان بكافة الرسالات السماوية، وببعثة خاتم الأنبياء والرسل ﴿فَقَدِ اِهْتَدَوْا﴾ تلك الهداية الصحيحة لا غير، ولا يوجد غيرها من الحلول الوسط، أو أنصاف المؤمنين ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان بكافة الأنبياء والرسل وبخاتمهم النبي الأحمد ﴿فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ﴾ كما هو واضح من تاريخهم القديم والحديث، تفرقوا شيعا ومذاهب وكنائس متعددة لا حصر لها، ولا تزال فرقهم في ازدياد ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ وعد للمؤمنين بالحفظ والنصرة على من عاداهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بعقيدة ونوايا الطرفين. ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ (١٣٨) ١٣٨ - ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، والمعنى: اتخذنا نحن المسلمون صبغة الله، فماذا يريد أهل الكتاب

стр. 96

وغيرهم أحسن منها؟ فمن يؤمن بما أنزل على جميع الأنبياء كافة فقد اتّخذ صبغة الله، وفي كلمة (صبغة) إشارة إلى عادة اليهود وقت بعثة يحيى وعيسى ﵉ تغطيس المعتنق الجديد للدين في ماء النهر تعبيرا عن غسل خطاياه السابقة، واتخاذه صبغة جديدة في الحياة، ولذا أطلقوا على يحيى ﵇ لقب (يحيى الصابغ أي المعمدان)، ومنه قوله تعالى ﴿وَالصّابِئِينَ﴾ (٦٢) أي الصابغين، وقد استمرت هذه العادة لدى النصارى وصار يطلق عليها «التعميد»، واستخدمت أيضا مع حديثي الولادة، أما مغزى الآية فهو كما يلي: ما فائدة التعميد أو التغطيس الشكلي بالماء؟ فالمهم اتخاذ صبغة الله ليس بالغسيل الظاهري للجسد، ولكن بتطهير الروح بواسطة الإيمان الصحيح والأعمال الصالحة ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ نحن المسلمون عابدون لله وحده، بلا شرك. ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ (١٣٩) ١٣٩ - ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ﴾ أي إنّ ما جاء به محمد ﷺ لم يكن سوى الدعوة إلى عبادة الله وحده، وهو ربّ الجميع، وليس في ذلك ما يدعو إلى الجدل بين المؤمنين، ولكنّ الجدل ينتج عن اعتقاد اليهود أن النبوة من حقهم فقط دون غيرهم من الأمم، ثمّ اعتقاد المسيحية بألوهية المسيح، وكل منهم يعتقد أن النجاة في الآخرة من نصيبه فقط ﴿وَلَنا أَعْمالُنا﴾ نحاسب بها ﴿وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ تحاسبون بها، وهو تأكيد على مبدأ المسؤولية الفردية في المعتقد والسلوك وحرية الخيار، فالمسلمون لن يكرهوا أحدا على اعتناق الإسلام ﴿وَنَحْنُ﴾ المسلمون ﴿لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ فلا نعبد غيره.

стр. 97

﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٤٠) ١٤٠ - ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ الأسباط هم ذريّة يعقوب، والخطاب موجّه إلى جماهير اليهود والنصارى الذين اعتقدوا أن جميع الأنبياء كانوا على ديانتهم ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ وهم أحبار اليهود ورهبان النصارى يعلمون تمام العلم أن اليهودية والنصرانية بمفاهيمها الحالية نشأت في وقت متأخر بعد الأنبياء، ومع ذلك تظاهروا بأنّ الحقيقة في متناول أيديهم فقط، وضلّلوا عامة الناس، ونشروا المفاهيم الخاطئة بأن نجاح الدنيا ونجاة الآخرة يكمن في اتباع المعتقدات والمؤسسات والنظم التي ابتكروها هم أنفسهم بعد ذهاب الأنبياء بوقت طويل، فلو سئل أحدهم: إلى أي من الديانات كان ينتسب كل من إبراهيم وإسحاق ويعقوب؟ لما جرؤوا على الادعاء بأن الأنبياء المذكورين ينتمون إلى ملّتهم أو طائفتهم، وفي الوقت ذاته لا ينفون ذلك صراحة، لأنهم لو فعلوا لكان نسفا لما يدعونه من احتكار الحقيقة ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ من إضلال عامّة الناس. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤١) ١٤١ - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا تؤاخذون بسيئات من سبقوكم ولا تنفعكم حسناتهم، وتكرار هذه الآية في مجال افتخارهم بالأنبياء إشارة إلى أنّ السعادة والنجاة متعلقة بالمسؤولية الفردية، ولا علاقة لها بالآباء والشفعاء.

стр. 98

﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٤٢) ١٤٢ - ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ وهم اليهود ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ كان النبي ﷺ في مكة يصلّي تجاه الجدار الجنوبي للكعبة متجها شمالا، مستقبلا الكعبة وبيت المقدس معا، ولمّا هاجر إلى المدينة استمرّ في التوجه شمالا لحوالي ستة عشر شهرا حتى نزل الوحي بالتوجّه نحو الكعبة، فامتعض يهود المدينة، والآية تشير إليهم، فمن وجهة نظر قرآنية لم يكن هنالك تغيير لوجهة القبلة لأنّ الآية (١٤٤) هي أوّل ما نزل بتعيينها، وهنالك تسلسل بين الآية (١٤٢) والآيات التي سبقتها من حيث إنّ إبراهيم هو الذي بنى الكعبة ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ تنبيه لضعاف العقول والمغرضين الذين يعلّقون أهمية شكلية على جهة الصلاة، كما لو كان تعالى في جهة معينة فقط، في حين أنّ الذين يتقبّلون الهدي الإلهي من ذوي العقول الموضوعية يترفّعون عن الخوض في الشكليات لأنهم يفهمون جوهر الدين ﴿يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي يهدي من يشاء الهداية فيوفّقه إلى ذلك. ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤٣) ١٤٣ - ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ كذلك ببعث خاتم الأنبياء جعلناكم أمة وسطا، وكذلك جعلنا القبلة في مكة بدلا من القدس بعد إزاحة بني إسرائيل من القيادة الروحية للعالم وإحلال أمّة محمد ﷺ مكانهم ﴿جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ بأن يكون المسلمون أمّة تحافظ على الاتزان والاعتدال بين النقائض، في كل نواحي الحياة، فالأمة واقعية في نظرتها لطبيعة الإنسان والوفاء

стр. 99

برغباته، وفي نفس الوقت ترفض الفسوق وعدم الالتزام المطلق، كما ترفض المبالغة في الزهد والتنسّك، والقرآن يحذّر المسلمين من المبالغة في التركيز على النواحي المادية في الحياة، ولكنه في الوقت ذاته يبيّن أن النزعات والرغبات البشرية للمرء طبيعية ويجب إرضاؤها وفق الشريعة، وأن ليس من تناقض بين الجسد والروح ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ الغرض من جعل المسلمين أمّة وسطا أن تكون الأمة قدوة للناس أجمعين في أعمالها وسلوكها فتحقق العقيدة الإسلامية قولا وعملا، بممارسات حياتية عملية تكون في ذاتها قدوة للناس، وبالتالي دعوة عملية إلى الإسلام، وتكون حياتهم شهادة فعلية لبيان الصواب من الخطأ ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ كما كان الرسول قدوة لكم بأعماله وسلوكه وأخلاقه ودعوته، إنّ هذا التكريم الذي حظي به المسلمون أن يكونوا شهداء على الناس، هو في الوقت ذاته مسؤولية ضخمة لقيادة العالم أجمع عن طريق القدوة بالأعمال الحسنة والخلق الصحيح قولا وعملا، وكما نقل الرسول ﷺ الرسالة إلى المسلمين فهم بدورهم يتحملّون مسؤولية نقلها إلى باقي الناس بالقدوة الحسنة، وإذا قصّروا في ذلك فإنّ الزعامة الروحية التي أو كلت إليهم تكون وبالا عليهم، كما كانت على بني إسرائيل، فهي ليست مجرّد زعامة معنوية وإنّما مسؤولية ثقيلة يحاسبون عليها ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أي التي كنت تتّبعها ﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ لكي يتمّ، وفق سنن الأسباب والمسبّبات، فرز الذين سيطرت عليهم عصبيتهم القومية وغلو النسبّ من الذين تحرروا من هذه التوجهات الجاهلية وارتفعوا إلى المستوى الذي يمكّنهم من رؤية الحقيقة ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ كان اختبارا صعبا على الكثيرين ممّن سبق أن ربطوا التوجه نحو بيت المقدس برسالات الأنبياء السابقين، ولكنّ أقوياء الإيمان لم يجدوا صعوبة في قبول ذلك،

стр. 100

لأنهم يعلمون أن إبراهيم ﵇ هو الذي بنى الكعبة رمزا للتوحيد ومركزا فكريا لوحدة المسلمين، ورغم أنها كانت تعج وقتئذ بأصنام المشركين ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ إيمان المؤمنين، لن يذهب سدى عند الله. ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤٤) ١٤٤ - ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ الآية تدلّ على أنّ النبي ﷺ كان يتوقّع هذا الأمر، لشعوره أن الوقت قد حان لكي تعود الكعبة مركزا لدعوة إبراهيم ﵇ مع نهاية عصر الزعامة الروحية لبني إسرائيل ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ باتجاهه ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لأنهم يعلمون أن بناة الكعبة هم إبراهيم وإسماعيل، وقد ذكر عبد الأحد داوود في كتابه «محمد في الكتاب المقدس» أنّ انتقال بيت المقدس إلى بلاد جنوبية مذكور في رؤيا إدريس Enoch's Apocalypse وأن بيت الله في الجنوب يكون أعظم وأكبر منزلة من سابقه، ويلاحظ أن المروة والصفا في مكة يحملان ذات الإسمين «موريا» و «زيون» للمرتفعين في القدس ولهما نفس المعنى ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ من تجاهل ذلك، فيحاسبهم عليه. ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٥) ١٤٥ - ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، وبالتالي لأمة المسلمين في كل العصور، والمعنى

стр. 101

أن الحقيقة مهما كانت ساطعة، والحجة مهما كانت باهرة، فإن التحامل والعناد والتقليد مسيطر على تفكير أهل الكتاب ﴿وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأنهم منقسمون طوائف كثيرة، كل منها تدعي الحقيقة لنفسها في حين أنهم يتوجهون إلى قبلة أهوائهم وعصبياتهم ومصالحهم المادية والشخصية فلكل منهم وجهة هو مولّيها كما سيرد: ﴿وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ المعنى أنه لا يمكن الوصول إلى حل وسط معهم إلا باتباع أهوائهم، ونظير ذلك قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ [آل عمران ٣/ ١٠٠]، والمغزى أيضا أنه لا عذر في التولّي لمن جاءه علم الكتاب. ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١٤٦) ١٤٦ - ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ يعرفون الرسول محمد ﷺ المشار إليه بالآية (١٢٩)﴾، ﴿كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ كما يعرف أحدهم ابنه من بين أبناء الناس كلهم، وكانت العرب تضرب هذا المثل في صحّة الشيء، وأهل الكتاب أيضا يعرفون مكان القبلة الجديد القديم بداهة، وفي الكتاب اليهودي المقدس المسمّى العهد القديم (سفر التكوين ٢١/ ١٨) ورد صراحة أن ستنشأ أمة عظيمة من سلالة إسماعيل، وأن سيكون منها النبي المنتظر الشبيه بموسى (سفر التثنية ١٨/ ١٨)، ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ﴾ وهم العلماء من بينهم كما سيرد ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ لأنهم على علم أنّ إبراهيم هو الذي بنى الكعبة أصلا، وأنّ مسجد القدس بناه سليمان بعد ذلك بأكثر من عشرة قرون، فالكعبة كانت هي القبلة طيلة تلك الفترة، وتلك حقيقة تاريخية يعرفونها حقّ المعرفة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الحق، كما يعلمون أنهم على ضلال.

стр. 102

﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١٤٧) ١٤٧ - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي هذه هي الحقيقة النهائية، والخطاب موجّه لكل مسلم في كلّ عصر أن لا يكون في شكّ من ذلك. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٤٨) ١٤٨ - ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها﴾ قال القرطبي أنّ الضمير المنفصل ﴿هُوَ﴾ يعود على لفظ ﴿وَلِكُلٍّ،﴾ أي هو - كل فرد من الأفراد - مولّي قبلته وجهه ونفسه، والمعنى لكلّ صاحب ملّة، قبلة يولّيها وجهه ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ الأهم هو التوجّه نحو الاستقامة والتقوى واستباق الخيرات التي تحضّ عليها الصلاة، أي التركيز يجب أن يكون على المضمون وليس فقط على الشكل، لأنّ المغزى من التوجه نحو القبلة يجب أن يكون في استباق الخيرات، وهذا المعنى شبيه بآية [المائدة ٥/ ٤٨]، ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ فيثيبكم أو يجازيكم على أعمالكم ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يعجزه شيء. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٤٩) ١٤٩ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أعاد الأمر لبيان أنه شريعة عامة في كل زمان ومكان ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ إعلان عن حقيقة وشريعة ثابتة ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ في قبولكم للحقيقة. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥٠) ١٥٠ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ جمع بين الخطاب للنبي ﷺ ولعامة المسلمين،

стр. 103

وتعليل ذلك فيما يلي: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ بما أن القرآن يؤكد أن المسلمين هم أتباع إبراهيم لذا وجب أن يتّبعوا قبلته، فلو توجهوا في صلاتهم لغير الكعبة لاحتجّ الناس عليهم بذلك ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي﴾ إنّ اتباع الكعبة لا يترك حجة للناس إلاّ الذين ظلموا منهم واستعمال الفعل الماضي بكلمة ﴿ظَلَمُوا﴾ يؤدّي معنى الإصرار على الإنكار والمكابرة والعدوان فلا يرجى منهم العودة إلى الصواب، كما في الآية (٦)، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بفتح مكة ودخول المسجد الحرام ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الحقيقة. ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (١٥١) ١٥١ - ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ﴾ الخطاب متّصل بما قبله أي: ولأتمّ نعمتي عليكم بفتح مكة ودخول المسجد الحرام، كما سبق أن أنعمت عليكم بإرسال الرسول منكم ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا﴾ فيبين لكم منهاج الحياة الصحيح ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يطهّر نفوسكم من الوثنية والشرك ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الفقه والعلم والفهم ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ممّا لا طريق إلى معرفته إلاّ بالوحي، الآية (١٢٩). ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ (١٥٢) ١٥٢ - ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ في الحديث القدسي: «أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم»، والمعنى كما ذكرتم بفضلي فاذكروا ربّكم ﴿وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ وكما تعطفت عليكم بالنعم فاشكروها، وشكرها يكون بالقول والعمل.

стр. 104

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (١٥٣) ١٥٣ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ الآية استمرار لما قبلها من حيث أنّ جعل المسلمين أمة وسطا تدعو الناس إلى الإسلام، وكون الرسالة السماوية الأخيرة نزلت عليهم وظهر فيهم خاتم الأنبياء والرسل، فانتقلت إليهم الزعامة الروحية للعالم بعد بني إسرائيل، كل ذلك سيجعل اليهود والمسيحية يتهجّمون عليهم، فأمر تعالى المسلمين بالاستعانة على عداوة الناس بالصبر والصلاة، كما أنّ الآية توجيه لكل مسلم لمواجهة كل محنة بالصبر والصلاة لأن الإيمان، وما يترتب عليه من العمل، يصاحبه مشاق وعناء كما سيرد في الآية (١٥٥)، ولو كانت النعم الدنيوية ملازمة للإيمان لبطل الاختبار والتكليف ولصار الإيمان قسريا، انظر الآية (١٢٦). ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (١٥٤) ١٥٤ - ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ استمرار للخطاب السابق كأنه تعالى قال: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة الدين ومجاهدة عدوّكم، فإن حصل فيكم القتل فاعلموا أن قتلاكم أحياء عند الله، وأيضا استعينوا بالصبر والصلاة عند المصيبة، واعلموا أن قتلاكم أحياء عند الله. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ (١٥٥) ١٥٥ - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ﴾ استمرار الخطاب أي استعينوا بالصبر والصلاة عندما نبلوكم بالخوف والجوع، نتيجة محاربة الآخرين لكم، والابتلاء هو الاختبار وقلّله في قوله ﴿بِشَيْءٍ﴾ لأنّ كلّ بلاء أصاب الإنسان فهو أقلّ مما فوقه، وإنّما وعد الله عباده ذلك قبل وقوعه ليوطّنوا نفوسهم عليه (الزمخشري)، وقيل: إنّ

стр. 105

نقص الثمرات هو موت الأولاد، وقد تكون فقد بعض الأعضاء والحواس كفقد النظر ومثله، غير أن نقص الثمرات قد لا يعني بالضرورة موت بعض الأولاد، وإنما فقدهم المعنوي، كأن يختار أحدهم طريق الضلال، والمغزى أنّ مجرّد الإيمان لا يقتضي سعة الرزق والنجاح وانتفاء المخاوف والأحزان، بل تجري الأمور بسنن الله تعالى في خلقه وفق الأسباب والمسبّبات، فلا بد من الصبر: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ بأنّ الفوز الأخير لهم. ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (١٥٦) ١٥٦ - ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ﴾ إقرار من العبد لخالقه بالملك ﴿وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إقرار بالبعث والنشور، وليس القول باللسان فقط ولكن بالقلب أيضا، وهو الرضا بالقضاء وترك الجزع، قال ابن مسعود: لأن أخرّ من السماء أحبّ إليّ من أقول لشيء قضاه الله ليته لم يكن. ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١٥٧) ١٥٧ - ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ صلوات الله على عباده هي المغفرة، والمعنى من صبر عند المصيبة، وقال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾، كتب له ثلاث خصال: المغفرة، والرحمة، وتحقيق سبل الهدى. ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١٥٨) ١٥٨ - وهذه الآية تتمة للموضوع من حيث إنها بشارة ضمنية للمسلمين أنّهم سوف يفتحون مكة ويدخلون المسجد الحرام ويقيمون فيه مناسك إبراهيم ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ أي علما من أعلام طاعة الله، وقد جعلهما الله تعالى كذلك لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل بعدما تركهما إبراهيم في مكة بوحي من الله، وإسماعيل في ذلك الوقت لم يزل طفلا، فلمّا اشتدّ بهما العطش وخافت هاجر على حياة ولدها أخذت تجري بين الصفا والمروة بحثا عن الماء

стр. 106

حتى تفجّر ماء زمزم فأنقذهما، فصار السعي بين الصفا والمروة رمزا للابتلاء والإيمان المطلق برحمة الله والصبر على الشدائد، وهذا أيضا من علاقة الآية بما قبلها فهو تحقيق لما ذكر بالآية (١٥٥) من أنه تعالى يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وأنّ الله مع الصابرين (الرازي)، ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ كان الناس في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة تعظيما لصنمين كانا عليهما، ولذا تحرّج المسلمون من الطواف بينهما، فبيّنت الآية أنّ الصفا والمروة من شعائر الله ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ من تطوّع خيرا فاعتمر فإنّ الله شاكر لعمله، عليم به، فالحجّ فريضة، والعمرة تطوّع. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ (١٥٩) ١٥٩ - في هذه الآية عودة إلى أصل السياق وهو عداوة اليهود للنبي ﷺ وإنكارهم مكان القبلة، وكتمانهم البشارات بقدوم النبيّ الأحمد، كما كتموا الدلائل على نبوّة المسيح من قبل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ﴾ قالوا: إن المقصود بالكتاب هو كتاب اليهود والنصارى، فتكون الإشارة بهذه الآية لهم، لأن أحبارهم وعلماءهم كانوا يحتكرون علم الكتاب ولا ينشرونه بين عامة الناس، بل إنهم كتبوا غيره من عندهم، ولم يترجم كتابهم المقدس إلى اللغات الأوروبية إلاّ في القرن السادس عشر، ويحتمل أن تكون العبرة بعموم اللفظ أي لا يجوز كتمان ما أنزل على الأنبياء من الكتب والوحي والعلم ﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ أصل اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد وفي الشرع هو الإبعاد من رحمة الله ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ الملائكة والمؤمنون يسألون ربّهم أن يبعد الكفّار من رحمته، والمغزى أنّ جميع الكائنات تراهم جديرين بلعنة الله.

стр. 107

﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٠) ١٦٠ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ عن الكتمان ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ عملهم باتباع البيّنات والإسلام ﴿وَبَيَّنُوا﴾ جاهروا بعلمهم وعملهم وبيّنوه للناس ﴿فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أقبل توبتهم، وقد أسند تعالى إلى ذاته العليّة فعل التوبة الذي أسنده إليهم ﴿وَأَنَا التَّوّابُ﴾ يصف نفسه بكثرة الرجوع إلى العبد والتوبة عليه حتى لا ييأس العبد من رحمة ربّه ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحمهم الله تعالى رغم التفريط العظيم منهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٦١) ١٦١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ﴾ أصرّوا على كفرهم حتى ماتوا، بالمقابلة مع الذين تابوا المذكورين في الآية السابقة ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ جميع من يعلم حالهم من الكائنات يراهم جديرين بلعنة الله وهي الحرمان من رحمته. ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (١٦٢) ١٦٢ - ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ كنتيجة طبيعية ولازمة لأعمالهم ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون، لأنّ الإمهال كان في الحياة الدنيا. ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٣) ١٦٣ - ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ تنبيه للمشار إليهم في الآيات السابقة ممّن يكتمون البيّنات والمصرّين على ضلالهم وشركهم، أنّ الخير والرحمة بيد الله وحده، فلا رجاء من غيره، وهذه الآية أيضا هي أساس التوحيد. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾

стр. 108

﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٦٤) ١٦٤ - إثباتا لما ورد في الآية السابقة تشرح هذه الآية بعض الآيات الكونية الدالّة على التوحيد، وعلى رحمة الله، ومثيلاتها في القرآن الكريم كثيرة، وهي تحثّ الإنسان على استخدام العقل ودراسة العلوم والتفكير في العجائب اليومية للطبيعة، بما فيها الناتجة عن عبقرية الإنسان نفسه كالسفن التي تجري في البحر، وكلّها مؤشرات على وجود سلطة عليا مدبّرة للكون. ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ﴾ (١٦٥) ١٦٥ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً﴾ أي رغم كل البراهين والدلائل الكونية القاطعة، ممّا هو مذكور في الآية السابقة، فمن الناس من يتّبع من دون الله أندادا، والندّ هو الذي يطلب منه ما لا يطلب إلاّ من الله ، ومنهم الأحبار والأسياد والرؤساء والزعماء الذين يطيعهم البعض فيحلّون بطاعتهم ما حرّم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، أو يعتمدون عليهم في دفع المضار وجلب المنافع متوهّمين فيهم السلطة الغيبية، أو يتّبعون رؤساهم لارتباط مصالحهم الدنيوية بهم في المادة والجاه ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ يحبّون الانقياد لهم والتقرب إليهم، كحبّ المؤمنين لله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ وليس للأنداد ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ﴾ وجواب (لو) محذوف: أي لعلموا أنّ أسيادهم عاجزة لا تنفعهم. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ (١٦٦) ١٦٦ - ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا﴾ تنصّل الزعماء من أتباعهم، كما هو مفصّل في آيات [الأعراف ٧/ ٣٨ - ٣٩]، ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ﴾ الذي نتج عن

стр. 109

سوء عملهم ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ زالت العهود بينهم وما كانوا يتواصلون به من الضلال. ﴿وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ (١٦٧) ١٦٧ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً﴾ عودة إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا﴾ وهم السذّج الذين استسلموا لخداع زعمائهم، والانتهازيين الذين تهالكوا على مصالحهم الشخصية في الحياة الدنيا فرجّحوا طاعة أسيادهم على طاعة الله ﴿كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ فالعذاب بنتيجة الحسرة على ما قدّموا من سييء الأعمال ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ لأن فترة الاختبار تكون وقتئذ قد انتهت، فليس من فرصة ثانية بالعودة إلى هذه الدنيا كما يتمنّون. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١٦٨) ١٦٨ - يلاحظ اتصال الكلام بما قبله، لأنّ البعض يطيع الأنداد في التحليل والتحريم بلا أساس من الكتاب والسنّة، فيقرّون للأنداد بحق إصدار تشريعات ذات صفة دينية أو شبه دينية، إضافة إلى العادات الاجتماعية التي سوّغتها التقاليد، وهيمنت عليهم، فصارت ملزمة لهم أكثر من الشرع: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً﴾ كلوا بطريق الحلال ﴿طَيِّباً﴾ وصف الحلال وحده أنه طيب، وهو أمر بطرح المحرّمات المنبثقة عن الخرافات والعادات والتقاليد، لأنّ الأصل في الأمور الحلّ إلاّ ما نصّ على حرمته الكتاب والسنة ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ لأنه يزيّن للناس ضلالهم ويزين لهم التحليل والتحريم من عند أنفسهم ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.

стр. 110

﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٦٩) ١٦٩ - ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ﴾ الفحشاء المعاصي الكبيرة القبيحة ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ الإشارة إلى الشرائع الوضعية التي يبتدعها البشر من عند أنفسهم وينسبونها إلى الدين كما تفعل المجمعات المسكونية، وإلى التكاليف «الشرعية» التي يقرّها البعض من دون سند قطعي من القرآن والسنة الصحيحة ويجعلونها جزءا من العقيدة يلزمون به الناس. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٧٠) ١٧٠ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ الكفار مصرّون على التقليد، ومبررهم الوحيد لاتّباع المعتقدات الخاطئة والمحرّمات أنهم توارثوها من التقاليد جيلا بعد جيل بلا تفكير، مفضّلين عقول آبائهم على عقولهم، ولذلك شبّههم تعالى بالبهائم في الآية التالية ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ أي لا يعقلون شيئا من الشرائع الإلهية، ولا يهتدون سبيلا إلى مصالحهم الدينية والدنيوية. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٧١) ١٧١ - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً﴾ شبّه تعالى الذين صمّموا على الكفر بالبهيمة التي تشعر بنداء المنادي - الراعي - فلا تفقه منه سوى أنّه مجرّد تصويت ونداء، ولا تفهم معناه، والمعنى أن الكفرة، لكونهم أسرى لأفكارهم أو لانهماكهم في التقليد، لا يفكرون فيما يتلى عليهم من الوعظ ولا يتأمّلون فيه ولا يستوعبونه ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ صمّ عن سماع الحق سماع الفهم والتفكّر، ولا يتكلمون به عن اعتقاد وعلم، ولا يبصرون آيات الله في الخلق ﴿فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ينقادون لغيرهم كما تتبع البهائم الراعي دون أن يفقهوا النداء.
следующие страницы →