Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يسرُّ "مشروع أسفار" أن يقدِّمَ للقارئ الكريم الإصدارَ الثَّالث والأربعين من إصدارات المشروع: (شَرح مختصَر الكَرخيِّ) للفقيهِ أبي الحسين القُدُوريِّ (ت ٤٢٨)؛ يُنشر لأوَّل مرَّةٍ.
كتابُنا الفَخم من مدوَّناتِ الفقهِ المتقدِّمة، يشرح متنًا تعليميًّا أصيلًا في مذهب الإمام أبي حنيفة؛ حبَّرَهُ قلمُ فقيهٍ من القرن الرَّابع الهجريِّ: هو "أبو الحسن الكرخيُّ" أحدُ مجتهدي طبقتهِ المذهبيَّة، ولقد اشتغلَ العلماءُ بمختصره الفقهيِّ شرحًا وتدريسًا، وكان من أهمِّ شروحهِ كتابُنا للشَّارِحِ القُدُوري، الذي "انتَهَت إليه رئاسةُ الحنفيَّة" في بغداد، وانتفع النَّاس بمؤلَّفاته، وكان فقهيًا من ذوي النَّجابة والذَّكاء، مشهودًا له بالصِّدق.
وتجلَّت إمامتهُ "مذهب الحنفيَّة" خلال شرحهِ المختصر: في استيعابهِ لفروع مذهبه، ومعرفتهِ بالرِّوايات والأوجه والخلافيَّات؛ ذلك لكونِ المتنِ المشروح من المختصَرات الشَّاملة الجامعة، وقد ذكر الشَّارح في مقدِّمته: "أَنَّ المختصر يجمَعُ من فروعِ الفقهِ ما لا يجمعهُ غيرهُ".
لذا ظَهَرت عنايةُ الشَّرح بالتَّعليل والتَّدليل للمسائل، وتوجيهِ مآخذِ الأقوال، ولم يخل الكتاب من مناقشةٍ للاستدلال، وبيان الخلاف العالي عند ورود مسائلهِ المتنازعة بين الحنفيَّة وسائر المدارس الفقهية: كـ (المالكية، والشَّافعية، وأهل الحديث).
ويزيدُ من أهميَّة الكتاب: أنَّ المتن الأصليَّ لأبي الحسن الكرخيِّ لم يصلنا إلا من خلال شروحه، فهو في حكم المفقود. وقد اكتسبَ هذا الشَّرح مكانته
стр. 2
الرفيعة ومنزلته الفُضلى عند فقهاء الحنفيَّة؛ لاستفادتهم من مادَّته في مصنَّفاتهم الفقهيَّة، واعتمادهم عليه في حكاية المذهب.
بل كان "شرحُ القُدوري" مصدرًا أصيلًا مرجوعًا إليه عند غير الحنفيَّة؛ فمن ذلك: أنَّ شيخي الإسلام ابنَ تيميَّة وابنَ قيِّمِ الجوزيَّة قد أفادا منه في كتبهم، ونقلا مذهبَ الإمام أبي حنيفة ﵀ وأصحابه في تقريرهم "توحيد العبادة" وقطع "ذرائع التَّوسل بالمخلوقين" (١).
وأبانَ القُدوريُّ عن منهاجه: أنه يبيِّن الفروع، والرِّوايات، والزَّوائد على المختصر التي لابد منها، وأوردَ في شرحه مسائل من الخلاف مما انفرد المختصرُ به، ولمَّا لاحظَ الاختلافَ في منهجِ المختصر - لأنه ابتدأهُ صغيرًا ثم زادَه بعد العبادات وبسَطَ عبارته؛ فاختلفَ حجمهُ - ألحقَ به من الفروع ما يعتدلُ به أوَّلهُ وآخرهُ، وزادَ عليه ما أغفلهُ من الكتب، ثم شَرَحَ جميع ذلك مع التَّرجيح والتَّصحيح، وربما استدرك عليه، واقتَضَت صنعتهُ ألا يتمايز المتنُ عن شرحهِ بشكلٍ واضح؛ فإِنَّ الشَّارح عَجَنه بقلمهِ وتصرَّفَ فيه؛ وصار الكتاب كأنَّه تصنيفٌ مستقلٌّ.
وأخيرًا؛ نسألُ الله تعالى المغفرة والرَّحمة والرِّضوان لمؤلِّف الكتاب ومحقِّقه، ولمن تحمَّل تمويل الكتاب، أو ساهم في إخراجه، فجزاهم الله تعالى خيرًا، وأسبلَ عليهم بركته، ورفع درجتهم، وجعله لهم من العلم النافع المدخر الجاري ثوابه. والحمد لله ربِّ العالمين.
أسفار
لِنَشْرِ نَفيس الكُتُبِ والرَّسَائِل العلمية
دولة الكويت
_________
(١) ينظر الفصل: ٢٩٠١.
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقَدِّمَة
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلوات الله تعالى وسلامه على سيد الأولين والآخرين (معلم الناس الخير) سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار وكل من والاه إلى يوم الدين.
وبعد: فإن التفقه في دين الله وشرعه أهم غاية يتمنى المرء المسلم أن يصل إليها في هذه الحياة الدنيا.
وقد حث المولى على ذلك مُرغبًا بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال النبي الكريم صلوات الله وسلامه مشجعًا على التفقه ومعرفًا بمكانة الفقيه وتقديره: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".
كما أن الفقه الإسلامي تراث فاخر لهذه الأمة، تستغني به عن الأحكام الوضعية في إصلاح شؤونها الدينية والدنيوية، ومن أعرض عنه ومال إلى القوانين الوضعية في تنظيم حياة الناس وفي تقويم الأود، وانتظر منها المدد،
стр. 4
فهو في سبيل القضاء على العزة الإسلامية ومقتضى الشرع بسعيه في الابتعاد عن الأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة.
وجزى الله عنا أئمة الفقه المتبوعين ﵃ خير الجزاء على توافقهم في استنباط الأحكام العملية من الكتاب الكريم والسنةِ النبويةِ الشريفة، حيث مهدوا قواعد الاستنباط والفهم، وملؤوا العالم بدواوينهم في العلم، وخلفهم فقهاء أصفياء يسيرون على منهجهم الرشيد، وطريقهم السديد، فخلدوا كتبًا فاخرة، وعلومًا زاخرة، مشكورين في الدنيا مأجورين في الآخرة.
هذا وقد تفنن الفقهاء في توصيل هذا العلم إلى طبقات المجتمع الإسلامي كافة بطرق وأساليب شتى:
فوضعوا كتبًا خاصة لكل مذهب من المذاهب الأربعة المشهورة، تارة مقترنة بالأدلة والحجج المؤيدة لكل قول؛ ليدرك القارئ أصل قول ومذهب المجتهد، وتارة أخرى متونًا مختصرة، مجردة عن الأدلة والعلل، تيسيرًا وتسهيلًا للمبتدئين على الاستذكار، وتذكرة وعونًا للعلماء والمفتين، عِلْمًا بأن هذه المسائل الفقهية درست ونُقحت وصيغت صياغة علمية، وعلق عليها من أفاضل أئمة كل مذهب عبر القرون، كما أنها أُشبعت بحثًا من حيث الدليل والتعليل والبراهين والمناقشة والتخريج والترجيح، ومظانها معلومة ومعروفة.
وعلى المنوال الأخير وضع مؤلفنا (أبو الحسن الكرخي ٣٤٠ هـ)، كتابه المختصر (مختصر الكرخي) في فقه المذهب الحنفي، ومختصرُ الكرخي يعدُّ: (أهم متن في فروع المذهب) ومن المتون المعتمدة في المذهب الحنفي.
стр. 5
وقالوا في المتون: العبرة بما فيها عند تعارض ما فيها وما في غيرها؛ لما عرفوا من جلالة قدر مؤلفيها، والتزامهم إيراد مسائل ظاهر الرواية، والمسائل التي اعتمد عليها المشايخ (١).
وقد توارث فقهاء الأحناف الاهتمام بهذا المختصر اهتمامًا بالغًا؛ إذ لن نجد كتابًا كُتِبَ بعد مختصر الكرخي إلا وقد نقل منه، بل يؤيد المؤلِّفُ قولَه بما ذكره الكرخي في مختصره، وذلك لشدة اهتمام فقهاء المذهب بالمتون المعتبرة، وتقديم ما ورد فيها على ما في غيرها، إذ القاعدة المعروفة لدى فقهاء الأحناف في الترجيح بين الأقوال المعتمدة في المذهب، وفي تقديم نصوص بعض الكتب على البعض الآخر في الاعتبار عند التعارض، أنه: "إذا تعارض ما في المتون وما في غيرها من الشروح والفتاوى، فالعبرة لما في المتون، ثم للشروح المعتبرة، ثم للفتاوى؛ إلا إذا وجد التصحيح ونحو ذلك في بيان الشروح والفتاوى ولم يوجد ذلك في المتون، فحينئذٍ يُقدَّم ما في الطبقة الأدنى على ما في الطبقة الأعلى".
وتوضيح هذه القاعدة بَيَّنَه ابن عابدين في ردِّ المحتار بقوله: "صرحوا أن ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى، لكن هذا عند التصريح بتصحيح كل من القولين، أو عدم التصريح أصلًا، أما لو ذكرت مسألة في المتون ولم يصرحوا بتصحيحها، بل صرحوا بتصحيح مقابلها، فقد أفاد العلامة قاسم ترجيح الثاني؛ لأنه تصحيح صريح، وما في المتون تصريح التزامي، والتصحيح الصريح مقدم على التصحيح الالتزامي، أي التزام المتون ذكر ما هو الصحيح".
_________
(١) مقدمة الجامع الصغير، ص ٢٣.
стр. 6
ومن ذلك الاهتمام بهذا الكتاب المبارك: ما وضعه الإمام أبو الحسين القُدُوري (ت ٤٨٠ هـ) في شرحه النافع الواسع الجليل، الذي ذاع صيته في الآفاق وقدّمه أئمة المذهب على سائر الكتب حيث أبدع الشارح القدوري في تصنيف الشرح أيّما إبداع؛ فقد توسع ﵀ في شرح المختصر توسعًا بالغًا فائقًا، وما ترك في شرح مسائل الكتاب أيَّ مسلك ومنحي يمكنه التطرق والتحدث فيه إلا سلكه وسار فيه، ولو كان الربط بإشارة بعيدة، فأفاض فيه وتحدث عن المسألة مفصِّلًا موضِّحًا لها من جميع جوانبها، ثم الاستدراك على المتن بمسائل لم يذكرها، حتى يتم الموضوع من كل جوانبه، إلا أن الشارح ﵀ لم يفرق ويفصل بين المتن وشرحه، كعادة بعض الشراح، لمعرفة الأصل من الشرح، ولم أستطع أيضًا العثور على نسخة المتن مستقلًا حتى يتضح الفرق.
كما أنه إذا بدأ بالجانب اللغوي يستقصي مذاهب وأقوال اللغويين في الموضوع، ويذكره بإيجاز؛ مستشهدًا ببعض الشواهد المؤيدة لقوله، وهكذا إذا استدل بآية، نجده يتتبع أقوال المفسرين وآراءهم في الآية، وليس بالنقل والاقتباس فقط - مع كونه أمينًا في عزو الأقوال لأهلها -، بل نجده مناقشًا ناقدًا لأقوال المفسرين، ثم يرجح ما يراه مؤيدًا بأدلة وعلل وقرائن وأشباه ونظائر.
وأما الجانب الفقهي فهو أساس هذا الكتاب النافع الكبير، وقد تفنن المؤلف ﵀ في شرح (مختصر الكرخي)، ففصل كل قول موجز بشرح مسهب مطول، مع بيان جميع جوانب المسألة، فيبدأ ببيان التعريف اللغوي، ثم يوضح أصل المسألة، ويثلث بذكر أركان المسألة وتوضيحها، مع الرد على الاعتراضات الواردة على بعض أجزائها إن كان ثَمَّة ذلك، ثم يتجه إلى بيان فصول الباب فصلًا
стр. 7
فصلًا مع الاعتناء والحرص على انفراد كل فصل بمسألة مستقلة، وعدم التداخل في المسائل، وهذه ميزة تميز بها هذا الكتاب عن سائر المطولات، ومقارَنةً ما يراه من الخلاف في المسألة بين أئمة المذهب، ثم بين أقوال أئمة المذاهب المعتبرة الأخرى، وبخاصة الشافعية، ثم المالكية، وأحيانًا يذكر مذهب الإمام أحمد بقوله: ذكر أهل الحديث، وهو في كل ذلك يبين أدلة المخالفين ويناقشهم فيها، ولا ينسى المؤلف التفريع على بعض المسائل، كما لا يفوته الاستدراك على صاحب المختصر في بعض المسائل، وغير ذلك من أساليب وطرق متنوعة شيّقة مبدعة، سلكها المؤلف في شرح الكتاب المبارك.
وهو في كل ما يذكر في الكتاب يعزو الأقوال لأصحابها بأمانة وصدق: بذكر أسماء قائليها ومصادر منقولاته من الكتب والمراجع في بيان ذلك.
وفي الحقيقة فإن هذا الشرح كتاب مستقل بكيانه وشموله وجمعه لجميع فروع المسألة وملاحقها، ثم استيعابه لجُلّ ما ذكر في المسألة من أقوال أئمة الفقهاء الحنفية بخاصة، وتوجيه أقوالهم فيما لو اختلفوا.
وكذا المذاهب الأخرى المعروفة - كما ذكرت - وغيرها من مذاهب أئمة الفقه المجتهدين الذين لم تُدَوّن أقوالهم واجتهاداتهم الفقهية، ولم تدون مذاهبهم مستقلةً مرتبةً في المصنفات. كأمثال الإمام: الحسن بن حي، والشعبي، وابن أبي ليلى، وغيرهم.
وإذا أردنا معرفة مكانة هذا الكتاب وقدره بين الكتب الفقهية، فلا بد من النظر في الكتب المؤلفة في الفن نفسه في عصر المؤلف أو قبل عصره، ثم
стр. 8
المقارنة بين هذه المؤلفات، فبالتتبع والتقصي لا نجد كتابًا يشابه هذا المؤلَّف في حجمه الكبير، واحتوائه واشتماله لهذه المسائل الكثيرة، إضافة إلى سهولة أسلوبه في عرضه للمسائل، وتسهيله وتيسيره للقضايا الفقهية لكتاب (مختصر الكرخي).
فهو فريد في بابه (ولذلك كانت قلوب العلماء والفقهاء وبخاصة الحنفية منهم تهفو لظهور هذا الشرح مطبوعًا).
وباجتماع كل ما ذكرته آنفًا من مميزات هذا الكتاب وتقدمه على سائر كتب المذهب، ومما لم أذكرها، يمكنني تسمية هذا المصنف بـ: (الموسوعة الفقهية المقارنة)، ويمكن للباحثين في الدراسات الفقهية أن يجعلوا الكتاب إمامًا لاستخراج علوم وفنون فقهية متنوعة، بإذن الله .
ومن قبل ذلك فهو كتاب معتمد مقدم على سائر الكتب الفقهية في المذهب الحنفي. ولا غرو بأن يكون هذا الشرح أساس وعمدة المتأخرين الذين أتوا بعده؛ لما للمؤلِّفَين الجليلين لهذا السفر المبارك من المكانة الرفيعة؛ حيث بلغ المصنِّفان الرئاسة في مذهب الحنفية في عصرهما بالعراق كما يأتي في ترجمتهما مفصلًا، هذا إذا كان كل منهما منفردًا، فكيف إذا اجتمع هذان الإمامان الجليلان في تصنيف كتاب واحد.
فجزاهما الله تعالى خير الجزاء على ما قَدَّما وَبَذَلا من جهود مشكورة، يستمر لهما ذكرهما والدعاء لهما من أهل العلم والفضل إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، فرحمهما الله تعالى رحمة الأبرار، وأسكنهما فسيح جنانه.
стр. 9
وقد اعتمدت في تحقيق وإخراج الكتاب على نسخٍ خطيةٍ للكتاب؛ أهمها:
* النسخة الأولى:
نسخة (داماد إبراهيم (٥٦٣) تركيا، إستانبول)، وهي النسخة الكاملة من النسخ المعتمدة في التحقيق ما عدا بعض السقطات القليلة، وعدد أوراقها (٥٦٣) ورقة، ورمزت لها بـ: (أ).
* النسخة الثانية:
نسخة (مراد ملا (٨٨١) تركيا إستانبول)، وعدد أوراقها: (٨٩٥ ورقة)، ورمزت لها بـ: (ب).
وتتميز هذه النسخة بوضع العناوين لفصول أكثر الكتاب، وكُتِبت بالمداد الأحمر تمييزًا عن بقية المسائل، وفيها سقطات لبعض الأبواب.
* النسخة الثالثة:
نسخة لالي (١٠٠٠) والنسخة هذه مبتورة، فبدايتُها من (كتاب البيوع) وتنتهى (بكتاب الرهن) وعدد أوراقها (٤١١)، وقد أفدت كثيرًا من هذه النسخة، وبخاصة في تكملة السقطات في نسخة أ، ب، كما أن خط النسخة واضح.
* النسخة الرابعة:
نسخة (مراد ملا) (٨٨٢٠) وعدد أوراقها (٣٦١) وهي تحتوي على جزء من الجزء الثالث فقط من الكتاب (ابتداء من كتاب العتاق، وانتهاء بالأضاحي)
стр. 10
وكانت الاستفادة منها قليلة إلا في بعض المواضع؛ لانتشار السواد والرطوبة على أكثر صفحاتها.
* النسخة الخامسة:
نسخة (مكتبة رضا برامفور - الهند) وعدد أوراقها (٤٠٨) مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وتبدأ من الجزء الثالث إلى نهاية الكتاب، وقد أفدت منها كثيرًا؛ حيث وجدت السقطات في سائر النسخ، ولم أجد ذلك موجودًا إلا في هذه النسخة، وأتممت منها. فلله تعالى الحمد.
هذا، وكان أكثر اعتمادي على نسختين غالبًا، أو ثلاث في بعض الأحيان؛ لكون نسخة (لالي ومراد، ورامفور) مبتورة، أو بعضها غير مقروءة في بعض اللوحات؛ بسبب تأثير الرطوبة والسواد، وإنما استفيد منها في موقعها بحسب المستطاع.
* منهجي في تحقيق الكتاب:
مهمة المحقق في مثل كتاب (شرح القدوري على مختصر الكرخي): تقويم النص، وتحريره، وتصفيته من شوائب التصحيف، ورجعه إلى الأصل الذي حرَّره المصنف، أو قريب منه بما في الوسع، وتيسير فهمه على القارئين، غير مثقل بالشروح والآراء الخاصة.
وقد اقتصر عملي في الكتاب على ما يأتي، بإيجاز:
* تصحيح الكتاب ونسخه على قواعد الإملاء المعروفة حديثًا.
стр. 11
* مقابلة سائر النسخ على الأصل المعتمد منها، إذ اعتمدت في المقابلة غالبًا على نسختين وأحيانًا على ثلاث نسخ، مع ذكر ما يوجد من الفروق المهمة في الهامش، (وكان العمل على طريقة اعتماد النسخة الأم ثم المقابلة على بقية النسخ وذكر الصحيح في أصل المتن بين [] معقوفتين، والإشارة في الهامش لذلك)، وهذه الطريقة تعرف في اصطلاح المحققين (بالنص المختار).
وحاولت أن لا أذكر الفروق الكثيرة بين النسختين أو النسخ إلا ما دعت الضرورة لذكرها، حتى لا يكبر حجم الكتاب الكبير بذكر ما لا طائل تحته، ولا فائدة زائدة لأكثر القراء، ومن ثم لم أشر إلى السقطات في النسخة، فإن وجد سقط في نسخة الأصل، أتممته من نسخة أخرى وجعلته بين معقوفتين من غير إشارة إلى النسخة الساقط منها، أو المثبت منها؛ لمعرفة ذلك بوضوح؛ ولئلا تكثر الهوامش التي لا تفيد القارئ، وتزيد في صفحات الكتاب.
* تفقير الكتاب، واستعمال العلامات الإملائية في ذلك، وهذا أهم عمل أرى وجوب التزامه في إخراج الكتب التراثية، ولا يدرك ذلك إلا المتخصصون.
* وضع العناوين الناقصة لسائر مسائل الكتاب تيسيرًا وتسهيلًا على القارئ، علمًا بأن المؤلف عَنْوَنَ لبعض الموضوعات بـ (فصل) هكذا، وهي مسائل قليلة جدًا، ولم يعنون للبعض الآخر وترك فراغًا، وبخاصة في نسخة (ب)؛ ولذلك وضعت لبقية هذه المسائل عناوين وجعلتها بين معقوفتين []، وهي كثيرة جدًا.
* التأكد من صحة الأقوال الواردة في الكتاب بالرجوع إلى الكتب
стр. 12
المعتمدة في المذهب الحنفي، من المؤلفات السابقة عن عصر المؤلف، أو من المؤلفين المعاصرين له غالبًا، وكذا المذاهب الأخرى - بقدر المستطاع - من الكتب المؤلفة من أئمة مذاهبهم، أو اقترانها مع بعض مؤلفات المتأخرين غالبًا، وأحيانًا أذكر أحد الطرفين.
* قمت بشرح المصطلحات العلمية، والتعاريف الفقهية، وبعض الكلمات الغريبة التي قد يصعب فهمها على بعض القراء، وهي كثيرة، وتركت البعض الآخر لوضوحها.
* ولم أعلق على المسائل الخلافية بين فقهاء المذهب الحنفي، إلا وقد بيَّنَه المؤلف بإسهاب؛ إذ الكتاب في الفقه المذهبي فيذكر فيه أقوال أئمة المذهب، فلا أرى الحاجة تقتضي وتستدعي ذكر أقوال الآخرين، كما أنه في شرحه هذا لا يترك شاردة ولا واردة في المسألة إلا ويذكرها من خلال مذهبه وأقوال أئمته غالبًا، ومن ثَمَّ لا حاجة لإضافة شرح آخر على شرحه. وقد يجد بعض القراء شيئًا من الغموض والاشتباه في بعض المواقع، إلا أنه قليل؛ لكون القارئ لهذا الكتاب ممن يظن به الإلمام والإدراك بتلك الجوانب العلمية، وإلا فمظان الشرح والتوضيح معلومة لمن ابتغى الزيادة في التوثق والتأكد.
* كما أنني لم أذكر القول الراجح في المذهب؛ لأن هذا الكتاب أُلِّف لذكر الأقوال المختلفة في المسائل الفقهية في المذهب، وليس كتاب فتوى، إذ كل صنف في التصنيف له طريقته وخصائصه، والتآليف الفقهية وتنوعها وأسلوب كل نوع في التأليف بالمنهجية والمرجعية مشهور ومعروف، ثم إن قواعد الترجيح، وطبقات فقهاء المذهب في الاجتهاد والترجيح والاختيار في المسائل
стр. 13
أيضًا واضح بينة ومسطورة في مظانها، ومن ثَمَّ لا داعي لذكر أمور مَظِنَّة الخطأ فيها أكثر من الصواب، كما أن القراء لا يهتمون كثيرًا بذلك - وبخاصة الحنفية منهم - علمًا بأني ذكرت جزءًا قليلًا من ذلك في ترجمة المؤلف.
* وضعت فهرسة مفصلة لجميع عناوين مسائل الكتاب.
* أضفت أمورًا مهمة متممة لما ذكر في الكتب التراثية مثل المقاييس والموازين والمكاييل المعروفة قديمًا، وما يقابل كل هذه الأشياء في زماننا حديثًا؛ إذ يحتاجها المسلم، وتنبني عليها أموره في حياته اليومية.
* وقمت بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب، وهي كثيرة جدًا.
ومسلكي في تخريج الأحاديث: أن أبحث عن الحديث في مظانه من كتب السنن والمسانيد والمعاجم والمصنفات، فإن وجدت الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت، وإلا بحثت عنه في كتب السنن الأربعة المعتمدة (١)، وأذكر في ذلك رقم الحديث فقط.
فإن لم أجده في الكتب الستة بحثت عنه في تتمة الكتب التسعة المعتمدة أيضًا: في موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي، فإن لم أجده، بحثت عنه في الصحاح الثلاثة: صحيح ابن خزيمة، وتلميذه ابن حبان في صحيحه، وتلميذ ابن حبان الحاكم في مستدركه، فإن لم أجده عندهم بحثت عنه في بقية كتب الحديث ومدوناتها من السنن والمسانيد والمعاجم وكتب
_________
(١) إذا المعروف لدى أهل العلم قبول روايات الكتب الستة، كما يقول الزين العراقي: (وإن لم يكن في واحد من الصحيحين عزوته إلى من خرَّجه من أصحاب السنن الأربعة وغيرهم ممن التزم الصحة، كابن حبان والحاكم) طرح التثريب ١/ ١٨.
стр. 14
الرجال ونحوها، وأذكر ما قِيْلَ ونُقِلَ عن المحدثين في سند الحديث والحكم عليه باختصار إن كان ثمة ذلك، وإلا أكتفي بذكر المرجع أو المراجع التي ذَكَرَتْ ذلك، مثل: نصب الراية للزيلعي، والتلخيص الحبير، والدراية كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني، ونحوها من المراجع التي عنيت بالحديث ودراسته: رواية ودراية، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن روايات الإمام الكرخي للحديث تختلف عن سائر مؤلفي الكتب الفقهية، إذ الإمام يُعَدُّ من الفقهاء المحدثين، فقد روي جل أحاديثه بالسند المتصل بسنده إلى النبي ﷺ ، قال ابن قطلوبغا في ترجمته: "صنف المختصر، والجامع الكبير، والجامع الصغير، وأودعهم الفقه والحديث والآثار المخرجة بأسانيده" (١).
وأنقل هنا سندين فقط من روايات الكرخي - على سبيل المثال - كما أوردها ابن قطلوبغا في (التعريف والإخبار):
قال في لوحة: (أخرج الكرخي في "المختصر": حدثنا الحضرمي، حدثنا الفضل بن الحسين أبو كامل، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا فرقد السَّبْخي، عن جابر بن زيد، عن مسروق، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ : "ألا وإني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم آخرتكم، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي".
حدثنا الحضرمي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا معروف ابن واصل، حدثنا محارب بن دثار، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة أن
_________
(١) تاج التراجم، لابن قطلوبغا ص ٢٠١.
стр. 15
تشربوا إلا في ظرف الأديم، فاشربوا في كل وعاء غير ألا تسكروا".
وقال في موضع آخر لوحة: وأخرج الكرخي في "المختصر": حدثنا ابن راهويه، حدثنا علي بن شعيب، قال: قرئ على أبي سمرة وأنا أسمع: أن أسامة حدثه عن مكحول الباهلي قال: أسهم رسول الله ﷺ للفارس سهمين، وللراجل سهمًا.
حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يعقوب بن شيبة، حدثنا علي بن حرب، عن القاسم الجري، حدثنا سليمان بن معاذ، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر بن الخطاب ﵁، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله قالوا: كان رسول الله ﷺ يُسهم للفرس سهمين، وللراجل سهمًا.
ويتضح من هاتين الروايتين جليًّا مكانة رواياته، وهو بذلك لا يقل شأنًا ومكانة وقدرًا في الرواية عن سائر المحدثين المعاصرين له في القرن الرابع الهجري (القرن الذهبي لتدوين الحديث).
ومن ثَمّ: تأتي رواياته في مصاف روايات المحدثين الأجلاء الكبار، كأصحاب السنن الأربعة ونحوهم؛ وبالتالي لا داعي لتخريجها من كتب معاصريه، إلا لزيادة التوثق والتأكد، وقد لا نجدها في كتب السنن الأخرى؛ وذلك لاحتمال أن تكون روايته متميزة ومنفردة عن سائر المحدثين، وبعد ذلك لا تستغرب إذا لم تجد بعض الأحاديث إلا في كتب الفقه؛ لأنهم نقلوه عن الكرخي فقط، وكفى به محدثًا وفقيهًا.
* وترجمت لجُلّ العلماء الوارد ذكرهم في الكتاب.
стр. 16
* كما وضعت فهرسة لكتب وأبواب المؤلف بترتيب المؤلِّف أولًا، وثانيًا فهرسة الكتب والأبواب مرتبة على الحروف الهجائية؛ لما في ترتيب المؤلِّف من تشويش على المطلع؛ لعدم اتباعه وسيره على الترتيب المألوف التي يخالف ترتيب كتب اللاحقين بعده في المذهب.
* ووضعت فهرسة مفصَّلة لجميع عناوين الكتاب.
* كما وضعت الفهارس الفنية المتنوعة المعروفة عن الكتاب؛ للتسهيل على القارئ.
وهناك أمور يقتضيها إخراج الكتب التراثية للقراء لا يعرفها إلا المحققون.
هذا وصَدّرت الكتاب بذكر ترجمة موجزة للمؤلِّفَين الجليلين الفاضلين رحمهما الله تعالى.
وأخيرًا: فإني حاولت بقدر مكنتي إخراج الكتاب قريبًا مما أراده المؤلف، وبذلت فيه جهدًا مضنيًا متواصلًا لسنوات من عمري لإخراجه بصورة علمية تتناسب ومكانته، وباعتبار كون الكتاب مؤَلَّفًا موسوعيًا في سعته وحجمه ومعلوماته الغزيرة؛ إذ لم يُؤلِّف أحد مثل هذا الكتاب في حجمه وسعته قبل عصره وفي عصره في المذهب، اللهم إلا كتاب "الأصل" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، وله وجه آخر من وجوه التأليف، ولأجل ذلك أبقيته خاليًا من التعليقات والزيادة والترجمة للأعلام الواردة في الكتاب، وسوف أترجم لأغلبهم في آخر الكتاب، وأرتبها ترتيبًا ألفبائيًا: ليجد الباحث بغيته إذا احتاج إليها، وحتى لا يُزاد في حجم الكتاب من غير طائل.
стр. 17
هذا وقد بذلت جهدي بما في الوسع في إخراج النص صحيحًا، ومع ذلك فالمرء في المخطوطات القديمة، لا يستطيع - مهما أوتي من علم وإحاطة وتبصر - أن يجزم بكمال النص الذي حققه.
فليتكرم من يجد فيه خطأ أو خللًا بتصحيحه، فإن هذا الكتاب لم يكن من مفاخر القرن الرابع الهجري وحده، بل هو من مفاخر الفكر الإسلامي في كل الأعصار، هذا الفكر الذي وضع جميع الأحكام المتعلقة بالإنسان، من جميع الجوانب، ليسعد المسلم في الحياة الدنيا، وفي الآخرة.
ولا يفوتني في هذه العجالة أن أنوه بأهل الفضل والإحسان بفضلهم وإحسانهم، وأشكرهم على ما قدموه لي من مدّ يد العون، بالتشجيع، والتحفيز، والدعاء، ثم المساعدة على طبع الكتاب وإخراجه وتوزيعه لطلبة العلم، وبصورة خاصة (دار أسفار)، التي قامت مشكورة بطبع الكتاب ونشره، وهناك من الإخوة الأفاضل كثيرون، الذين تعاونوا على إخراج هذا الكتاب، ولا يضيرهم أن لا أسميهم بأسمائهم، ويكفيهم أن المولى الكريم يعلمهم ويثيبهم، فهو القادر سبحانه على جزائهم وإكرامهم والإنعام عليهم ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، ولهم مني كل تقدير وشكر وامتنان "من لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى".
فلله وحده الحمد والمنة أولًا وآخرًا، وله وحده الفضل والكرم في إخراج هذا الكتاب، فإن أصبت فمن الله وتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي، وأبرأ إلى الله تعالى من حولي وقوتي إلى حول الله تعالى وقوته، وبعد ذلك أطلب من إخواني إن رأوا بعض الخلل والعثرات أن ينبهوني، فرحم الله امرًا أهدى إليّ
стр. 18
عيوبي، وبصّرني بأخطائي - فلهم مني جزيل الشكر والتقدير.
وأرجو من الله حسن القبول والتوفيق وأن ينفع به المسلمين، وأدعوه سبحانه أن ينفعني ووالديّ به في الدنيا والآخرة، وأن يجعله سببًا للفوز بمرضاته في الدارين، وهذه غاية مبتغاي.
وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد وآله وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
العبد الفقير إلى عفو ربه ومولاه
عبد الله نذير أحمد عبد الرحمن
مكة المكرمة - حي الهجرة
في ١/ ٧/ ١٤٣٩ هـ
стр. 19
صور المخطوطات
صفحة العنوان من نسخة داماد
стр. 20
الصفحة الثانية من نسخة داماد
стр. 21
الصفحة الأخيرة من نسخة داماد
стр. 22
صفحة العنوان من نسخة مراد ملا ٨٨١
стр. 23
الصفحة الأولى من نسخة مراد ملا ٨٨١
стр. 24
الصفحة الأخيرة من نسخة مراد ملا ٨٨١
стр. 25
صفحة العنوان من نسخة لالي
стр. 26
الصفحة الأولى من نسخة لالي
стр. 27
الصفحة الأخيرة من نسخة لالي
стр. 28
صفحة العنوان من نسخة مراد ملا ٨٨٢٠
стр. 29
الصفحة الأولى من نسخة مراد ملا ٨٨٢٠
стр. 30
الصفحة الأخيرة من نسخة مراد ملا ٨٨٢٠
стр. 31
صفحة العنوان من نسخة رضا برامفور
стр. 32
الصفحة الأولى من نسخة رضا برامفور
стр. 33
الصفحة الأخيرة من نسخة رضا برامفور
стр. 34
ترجمة الإمام القدوري (٣٦٢ هـ - ٤٢٨ هـ) (١)
* اسمه، ونسبه، وكنيته، ولقبه:
اسمه ونسبه: هو أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان.
كنيته: أبو الحسن بن أبي بكر.
لقبه ونسبته: اشتهر بين الناس بالقُدُوري، وصاحب المختصر، والبغدادي.
وهذه قامت مقام اللقب.
والقدوري نسبة إلى القُدُور - جمع قِدْر -، وذهب جَمْعٌ من المؤرخين إلى القول: بأنه لم يعرف سبب نسبته إلى القدور، وقيل: القدوري نسبة إلى بيع القدور أو إلى عملها، وقيل: القدور اسم محلة في بغداد يقال لها: قدور، أو قرية من قرى بغداد يقال لها: (قدورة) (٢)، كما عرف بين علماء المذهب - بصاحب المختصر - بكتابه (مختصر القدوري).
_________
(١) انظر ترجمته: تاريخ بغداد، ٤/ ٣٧٧؛ الأنساب، ١٠/ ٧٦؛ وفيات الأعيان، ١/ ٧٨؛ تذكرة الحفاظ، ٣/ ١٠٨٦؛ مفتاح دار السعادة، ٢/ ٢٨٠؛ الفوائد البهية، ص ٣٠؛ الجواهر المضية في طبقات الحنفية، ١/ ٢٤٧ - ٢٥٠؛ النجوم الزاهرة، ٥/ ٣٤؛ تاج التراجم، ص ٩٨؛ كشف الظنون ١/ ٤٦، ١٥٥، وغيرها من كتب التراجم والتاريخ.
(٢) انظر بالتفصيل: تاج التراجم ص ٩٩.
стр. 35
* مولده:
ولد الإمام القدوري سنة اثنتين وستين وثلاثمائة هجرية باتفاق المترجمين له.
ولعل مكان مولده بغداد، إذ غفل المؤرخون للإمام عن ذكر ذلك، ولعله كان سهوًا أو استغناء بنسبته إلى بغداد أو قدور.
* نشأته وأسرته:
كما لم يذكر المؤرخون شيئًا عن نشأة إمامنا وطفولته، وتلقيه العلوم الأولية، وكذلك كانت الكتب غفلًا (١) عن ذكْرِ ترعرُعِه وتربيته بين أكناف والديه أو غيرهما وما إلى ذلك. وحتى أسرته، لم تصلنا أخبار الرواة عنها بما يمكن للقارئ أن يتعرف على ملامح قضاء طفولة الإمام أو المؤثر فيه من العائلة في نبوغه وبروزه عن كثب، إلا ما ذكره القرشي عن والده بقوله: "والد الإمام أبي الحسين أحمد صاحب المختصر، حكى عن أبي بكر الشبلي، روى عنه القاضي أبو تمام علي بن محمد بن الحسن الواسطي .. " (٢).
وقال أيضًا عن ولده: "هو محمد بن أحمد بن محمد أبو بكر بن أبي الحسين القدوري، ابن الإمام، صاحب المختصر، وهذا محمد أبو بكر سمع الحديث من أبي علي الحسن بن أحمد بن شاذان، والقاضي أبي القاسم التنوخي وغيرهما.
_________
(١) ولعل سبب هذه الغفلة - أو عدم ذكر النشأة - عن حياة كثير من الأئمة الكبار؛ أن الإنسان يولد عاديًا مثل عامة الأطفال، ولا يظهر نبوغ الطفل إلا بعد فترة من التلقي والتعلم، وبعد ذلك يشتهر ويبدأ الاهتمام به؛ ولذلك لا تجد الخلاف في سنة الوفاة كثيرًا.
(٢) الجواهر المضية، ٣/ ٢٩.
стр. 36
ومات شابًا قبل أوان الرواية، سنة أربعين وأربعمائة" (١).
* طلبه العلم ومشايخه:
لم يزودنا التاريخ بمعلومات كافية عن حياة القدوري العلمية، ولا بذكر مشايخه الذين أخذ عنهم منذ بداية طلبه للعلم إلى أن تبوأ المكانة العلمية العالية المرموقة والرئاسة بين علماء وفقهاء عصره، ولم يحدثنا القدوري عن نفسه أيضًا بالتفصيل.
وكل ما وصل إلينا هو ما ذكر بعض من المشاهير الذين أكثر القدوري من الأخذ عنهم، والذين كان لهم الأثر في تكوين شخصيته العلمية والخلقية.
* ومن أهم مشايخه:
* الفقيه الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني، الحنفي، نزيل بغداد، المتوفى (٣٩٨ هـ) على الأرجح، أحد أعلام الحنفية الكبار (٢).
* المحدث الشيخ عبيد الله بن محمد بن أحمد، أبو الحسين الشيباني، المعروف بالحوشبي المتوفى (٣٧٥ هـ)، وكان ثقة ثبتًا مستورًا أمينًا، وَثَّقه المحدثون كالخطيب البغدادي، والبرقاني والتنوخي وغيرهم (٣). روى الحديث عنه الإمام أبو الحسين القدوري (٤).
_________
(١) الجواهر المضية، ٣/ ٦٤.
(٢) انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي، ص ١٤٥؛ الجواهر المضية، ١/ ٢٤٨.
(٣) انظر: تاريخ بغداد، ٤/ ٣٧٧؛ الجواهر المضية، ١/ ٢٤٨.
(٤) انظر: تاريخ بغداد، ٤/ ٣٧٧.
стр. 37
* المحدث الشيخ أبو بكر محمد بن علي بن سويد المؤدب، المتوفى (٣٨١ هـ) (١).
* تلاميذه:
لم يُعْرَف الكثير من العلماء والأئمة إلا من خلال مؤلفاتهم وتلامذتهم، فهم عنوان مكانتهم في العلم، ومرآة رجاحة عقلهم وفهمهم. وقد عُرف من تلامذة إمامنا الكثير من النابغين النابهين في العلم.
* فمِنْ أهم تلامذته:
* الفقيه أبو بكر عبد الرحمن بن محمد السرخسي، المتوفى (٤٣٩ هـ) صنف تكملة تجريد القدوري، ومختصر المختصرين (٢).
* القاضي مفضل بن مسعر بن محمد بن يحيى بن أبي الفرج أبو المحاسن التنوخي المصري، الفقيه الحنفي النحوي (٣).
* الأديب الفقيه عبد الواحد بن علي بن برهان أبو القاسم العكبري المتوفى (٤٥٦ هـ)، صاحب التصانيف، وكان فقيهًا حنفيًا، وكان عَلَمًا من أعلام العربية والأنساب (٤).
* الحافظ أحمد بن علي بن أحمد بن مهدي، أبو بكر الخطيب البغدادي،
_________
(١) انظر: الجواهر المضية، ١/ ٣٤٨.
(٢) انظر: الجواهر المضية، ٢/ ٣٩٧.
(٣) انظر: تاج التراجم، ص ٢٩٧.
(٤) انظر: الطبقات السنية، ٤/ ٤٠٠.
стр. 38
المتوفى (٤٦٣ هـ)، المؤرخ الكبير، صاحب التصانيف الكثيرة وأحد أعيان الشافعية، المشهود له بالفضل والعلم (١).
* الفقيه أبو نصر أحمد بن محمد بن محمد الأقطع، البغدادي، المتوفى (٤٧٤ هـ)، "درس الفقه علي مذهب أبي حنيفة على أبي الحسين القدوري حتى برع فيه". وشرح مختصر القدوري شرحًا حسنًا (٢).
* الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن الحسين الدامغاني الكبير، المتوفى (٤٧٨ هـ)، أحد أعيان الحنفية ببغداد في زمانه (٣). برع في الفقه حتى فاق أقرانه، وانتهت إليه رئاسة مذهب أبي حنيفة في زمانه (٤).
* مكانته العلمية بين الفقهاء الحنفية:
بلغ الإمام القدوري مكانة بارزة بين فقهاء مذهبه في عصره حتى قال الحافظ الخطيب البغدادي عنه بعد أن عظم قدره وارتفع جاهه عند الحنفية: "انتهت إليه بالعراق رياسة مذهب أبي حنفية" (٥).
وقال أبو إسحاق الشيرازي: "وكان أبو الحسين البغدادي المعروف بالقدوري، إمام مذهب أبي حنيفة في عصرنا" (٦).
_________
(١) انظر: تاريخ بغداد، ١٩/ ٦٠.
(٢) انظر: الجواهر المضية، ١/ ٣٣١، ٣١٢.
(٣) انظر: المصدر السابق، ٣/ ٢٦٩.
(٤) انظر: تاريخ بغداد، ٣/ ١٠٩.
(٥) تاريخ بغداد، ٤/ ٣٧٧.
(٦) طبقات الفقهاء، ص ١٢٤.
стр. 39
كما جعله فضلاء الحنفية الذين قسموا طبقات الفقهاء الحنفية من طبقة أصحاب الترجيح، ربما أنه بطول باعه وعلو كعبه في الأصول والفروع يستحق أن يكون من أصحاب التخريج إن لم يكن من طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب: "الطبقة الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين كأبي الحسين القدوري، وصاحب الهداية وأمثالهما وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، بقولهم: هذا أولى وهذا أصح رواية، وهذا أرفق للناس" (١).
_________
(١) وهذا تقسيم ابن كمال باشا، حيث قسمهم إلى سبع طبقات فأذكر بقية الطبقات:
الطبقة الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع كالأئمة الأربعة أو من سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط الأحكام والفروع من الأدلة الأربعة، من غير تقليد لأحد في الفروع ولا في الأصول، وهي الطبقة العليا من الطبقة المجتهدين.
الطبقة الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، كتلاميذ أصحاب الطبقة الأولى: كأبي يوسف ومحمد لأبي حنيفة، وكالمزني والبويطي للشافعي، فمسلكهم استخراج الأحكام من أدلتها الشرعية على مقتضى القواعد التي قررها مشايخهم، وإن خالفوهم في بعض أحكام الفروع، فلا يخرجون من اتباع مشايخهم في قواعد الأصول، وهي الطبقة الوسطى من طبقات الاجتهاد.
الطبقة الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، كالخصاف، والطحاوي، وأبي الحسن الكرخي وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان، وأمثالهم من أئمة الحنفية، ومن في طبقتهم من أئمة الشافعية والمالكية، وغيرهم من الأئمة المعارضين في المذهب، فإنهم لا يقدرون على مخالفة شيوخهم لا في الأصول ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها عنهم على حسب أصولهم ومقتضى قواعدهم، وهي الطبقة السفلى من طبقات الاجتهاد.
الطبقة الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازي وأضرابه؛ فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلًا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمأخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، أو حكم مبهم محتمل لأمرين منقول عن صاحب المذهب، أو عن أحد من أصحابه المجتهدين، برأيهم ونظرهم في الأصول، والقياس على أمثاله ونظرائه من الفروع، كما وقع =
стр. 40
* مؤلفاته:
تُدرك وتُعرف مكانة العالِم من خلال آثاره ومؤلفاته، ومؤلفات الإمام القدوري - مع قلتها - هي الأثر الخالد لهذه الشخصية العلمية التي تشهد برسوخه في الفقه.
* ومن أهم مصنفاته:
* التجريد: وهو كتاب عظيم في فقه الموازنة وبخاصة في مسائل الخلاف بين الحنفية والشافعية، قال أبو الوفاء عنه: "والتجريد في سبعة أسفار، اشتمل على مسائل الخلاف بين أصحابنا وبين الشافعي، شرع في إملائه سنة خمس وأربعمائة" (١).
_________
= في بعض المواضع من الهداية من قوله: "كذا في تخريج الكرخي، وتخريج الرازي" من هذا القبيل.
الطبقة الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين كأبي الحسين القدوري، وصاحب الهداية وأمثالهما وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح، وهذا أرفق للناس.
الطبقة السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر الرواية، والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين، مثل صاحب الكنز، وصاحب المختار، وصاحب الوقاية، وصاحب المجمع، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة، والروايات الضعيفة.
الطبقة السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على التمييز المذكور، ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب الليل، فالويل لهم ولمن قلدهم كل الويل". الطبقات السنية، ص: ٤١، ٤٢.
(١) الجواهر المضية، ١/ ٢٤٨، وقام بتحقيق جزء منه فضيلة الأخ الفاضل الدكتور محمد أمين مكي (الأستاذ بالجامعة العالمية الإسلامية، بإسلام أباد). وذلك لنيل درجة الدكتوراة بجامعة الأزهر =
следующие страницы →