← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومات شابًا قبل أوان الرواية، سنة أربعين وأربعمائة" (١). * طلبه العلم ومشايخه: لم يزودنا التاريخ بمعلومات كافية عن حياة القدوري العلمية، ولا بذكر مشايخه الذين أخذ عنهم منذ بداية طلبه للعلم إلى أن تبوأ المكانة العلمية العالية المرموقة والرئاسة بين علماء وفقهاء عصره، ولم يحدثنا القدوري عن نفسه أيضًا بالتفصيل. وكل ما وصل إلينا هو ما ذكر بعض من المشاهير الذين أكثر القدوري من الأخذ عنهم، والذين كان لهم الأثر في تكوين شخصيته العلمية والخلقية. * ومن أهم مشايخه: * الفقيه الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني، الحنفي، نزيل بغداد، المتوفى (٣٩٨ هـ) على الأرجح، أحد أعلام الحنفية الكبار (٢). * المحدث الشيخ عبيد الله بن محمد بن أحمد، أبو الحسين الشيباني، المعروف بالحوشبي المتوفى (٣٧٥ هـ)، وكان ثقة ثبتًا مستورًا أمينًا، وَثَّقه المحدثون كالخطيب البغدادي، والبرقاني والتنوخي وغيرهم (٣). روى الحديث عنه الإمام أبو الحسين القدوري (٤). _________ (١) الجواهر المضية، ٣/ ٦٤. (٢) انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي، ص ١٤٥؛ الجواهر المضية، ١/ ٢٤٨. (٣) انظر: تاريخ بغداد، ٤/ ٣٧٧؛ الجواهر المضية، ١/ ٢٤٨. (٤) انظر: تاريخ بغداد، ٤/ ٣٧٧.

стр. 37

* المحدث الشيخ أبو بكر محمد بن علي بن سويد المؤدب، المتوفى (٣٨١ هـ) (١). * تلاميذه: لم يُعْرَف الكثير من العلماء والأئمة إلا من خلال مؤلفاتهم وتلامذتهم، فهم عنوان مكانتهم في العلم، ومرآة رجاحة عقلهم وفهمهم. وقد عُرف من تلامذة إمامنا الكثير من النابغين النابهين في العلم. * فمِنْ أهم تلامذته: * الفقيه أبو بكر عبد الرحمن بن محمد السرخسي، المتوفى (٤٣٩ هـ) صنف تكملة تجريد القدوري، ومختصر المختصرين (٢). * القاضي مفضل بن مسعر بن محمد بن يحيى بن أبي الفرج أبو المحاسن التنوخي المصري، الفقيه الحنفي النحوي (٣). * الأديب الفقيه عبد الواحد بن علي بن برهان أبو القاسم العكبري المتوفى (٤٥٦ هـ)، صاحب التصانيف، وكان فقيهًا حنفيًا، وكان عَلَمًا من أعلام العربية والأنساب (٤). * الحافظ أحمد بن علي بن أحمد بن مهدي، أبو بكر الخطيب البغدادي، _________ (١) انظر: الجواهر المضية، ١/ ٣٤٨. (٢) انظر: الجواهر المضية، ٢/ ٣٩٧. (٣) انظر: تاج التراجم، ص ٢٩٧. (٤) انظر: الطبقات السنية، ٤/ ٤٠٠.

стр. 38

المتوفى (٤٦٣ هـ)، المؤرخ الكبير، صاحب التصانيف الكثيرة وأحد أعيان الشافعية، المشهود له بالفضل والعلم (١). * الفقيه أبو نصر أحمد بن محمد بن محمد الأقطع، البغدادي، المتوفى (٤٧٤ هـ)، "درس الفقه علي مذهب أبي حنيفة على أبي الحسين القدوري حتى برع فيه". وشرح مختصر القدوري شرحًا حسنًا (٢). * الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن الحسين الدامغاني الكبير، المتوفى (٤٧٨ هـ)، أحد أعيان الحنفية ببغداد في زمانه (٣). برع في الفقه حتى فاق أقرانه، وانتهت إليه رئاسة مذهب أبي حنيفة في زمانه (٤). * مكانته العلمية بين الفقهاء الحنفية: بلغ الإمام القدوري مكانة بارزة بين فقهاء مذهبه في عصره حتى قال الحافظ الخطيب البغدادي عنه بعد أن عظم قدره وارتفع جاهه عند الحنفية: "انتهت إليه بالعراق رياسة مذهب أبي حنفية" (٥). وقال أبو إسحاق الشيرازي: "وكان أبو الحسين البغدادي المعروف بالقدوري، إمام مذهب أبي حنيفة في عصرنا" (٦). _________ (١) انظر: تاريخ بغداد، ١٩/ ٦٠. (٢) انظر: الجواهر المضية، ١/ ٣٣١، ٣١٢. (٣) انظر: المصدر السابق، ٣/ ٢٦٩. (٤) انظر: تاريخ بغداد، ٣/ ١٠٩. (٥) تاريخ بغداد، ٤/ ٣٧٧. (٦) طبقات الفقهاء، ص ١٢٤.

стр. 39

كما جعله فضلاء الحنفية الذين قسموا طبقات الفقهاء الحنفية من طبقة أصحاب الترجيح، ربما أنه بطول باعه وعلو كعبه في الأصول والفروع يستحق أن يكون من أصحاب التخريج إن لم يكن من طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب: "الطبقة الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين كأبي الحسين القدوري، وصاحب الهداية وأمثالهما وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، بقولهم: هذا أولى وهذا أصح رواية، وهذا أرفق للناس" (١). _________ (١) وهذا تقسيم ابن كمال باشا، حيث قسمهم إلى سبع طبقات فأذكر بقية الطبقات: الطبقة الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع كالأئمة الأربعة أو من سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط الأحكام والفروع من الأدلة الأربعة، من غير تقليد لأحد في الفروع ولا في الأصول، وهي الطبقة العليا من الطبقة المجتهدين. الطبقة الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، كتلاميذ أصحاب الطبقة الأولى: كأبي يوسف ومحمد لأبي حنيفة، وكالمزني والبويطي للشافعي، فمسلكهم استخراج الأحكام من أدلتها الشرعية على مقتضى القواعد التي قررها مشايخهم، وإن خالفوهم في بعض أحكام الفروع، فلا يخرجون من اتباع مشايخهم في قواعد الأصول، وهي الطبقة الوسطى من طبقات الاجتهاد. الطبقة الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، كالخصاف، والطحاوي، وأبي الحسن الكرخي وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان، وأمثالهم من أئمة الحنفية، ومن في طبقتهم من أئمة الشافعية والمالكية، وغيرهم من الأئمة المعارضين في المذهب، فإنهم لا يقدرون على مخالفة شيوخهم لا في الأصول ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها عنهم على حسب أصولهم ومقتضى قواعدهم، وهي الطبقة السفلى من طبقات الاجتهاد. الطبقة الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازي وأضرابه؛ فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلًا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمأخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، أو حكم مبهم محتمل لأمرين منقول عن صاحب المذهب، أو عن أحد من أصحابه المجتهدين، برأيهم ونظرهم في الأصول، والقياس على أمثاله ونظرائه من الفروع، كما وقع =

стр. 40

* مؤلفاته: تُدرك وتُعرف مكانة العالِم من خلال آثاره ومؤلفاته، ومؤلفات الإمام القدوري - مع قلتها - هي الأثر الخالد لهذه الشخصية العلمية التي تشهد برسوخه في الفقه. * ومن أهم مصنفاته: * التجريد: وهو كتاب عظيم في فقه الموازنة وبخاصة في مسائل الخلاف بين الحنفية والشافعية، قال أبو الوفاء عنه: "والتجريد في سبعة أسفار، اشتمل على مسائل الخلاف بين أصحابنا وبين الشافعي، شرع في إملائه سنة خمس وأربعمائة" (١). _________ = في بعض المواضع من الهداية من قوله: "كذا في تخريج الكرخي، وتخريج الرازي" من هذا القبيل. الطبقة الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين كأبي الحسين القدوري، وصاحب الهداية وأمثالهما وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح، وهذا أرفق للناس. الطبقة السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر الرواية، والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين، مثل صاحب الكنز، وصاحب المختار، وصاحب الوقاية، وصاحب المجمع، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة، والروايات الضعيفة. الطبقة السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على التمييز المذكور، ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب الليل، فالويل لهم ولمن قلدهم كل الويل". الطبقات السنية، ص: ٤١، ٤٢. (١) الجواهر المضية، ١/ ٢٤٨، وقام بتحقيق جزء منه فضيلة الأخ الفاضل الدكتور محمد أمين مكي (الأستاذ بالجامعة العالمية الإسلامية، بإسلام أباد). وذلك لنيل درجة الدكتوراة بجامعة الأزهر =

стр. 41

* التقريب: "في مجلد، في مسائل الخلاف بين أبي حنيفة وأصحابه، مجردًا عن الدلائل، ثم صنف التقريب الثاني فذكر المسائل بأدلتها" (١). * شرح مختصر الكرخي: "وهو الكتاب الذي أقدمه للقراء محققًا بإذن الله ، المختصر المشهور: فنفع الله تعالى به خلقًا لا يحصون" (٢). وله "جزء من حديثه" من رواية أبي عبد الله الدامغاني عنه. * وفاته: توفي ﵀ ببغداد -بعد عمر حافل بالطلب والتعليم والتصنيف، يناهز الستة والستين، قضاه في طلب العلم وتعليمه ونشره- في يوم الأحد، الخامس عشر من رجب، سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، ودفن من يومه في داره بدرب أبي خلف، وزاد ابن خلكان: "ثم نقل إلى تربة في شارع المنصور، ودفن هناك، بجنب أبي بكر الخوارزمي الفقيه الحنفي". فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. * * * _________ = الشريف، وظهر الكتاب مطبوعًا كاملًا محققًا بدراسة وتحقيق الدكتور محمد أحمد سراج، والدكتور علي جمعة محمد بالقاهرة: دار الإسلام، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ. (١) تاج التراجم، ص ٩٩. (٢) الجواهر المضية، ١/ ٢٤٨.

стр. 42

ترجمة مختصرة لصاحب المتن الإمام الكرخي (٢٦٠ - ٣٤٠ هـ) (١) * اسمه ونسبه ومولده ونشأته: هو أبو الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دلهم الكرخي. * مولده ونسبته: ولد الكرخي سنة ستين ومائتين (٢٦٠ هـ). والكرخي نسبة إلى كرخ جدان "بليدة في آخر ولاية العراق، يناوح خانقين عن بعد". * نشأته ومشايخه: نشأ الكرخي في بلده فأخذ علومه الأولية من علماء المدينة ومعلميها مثل _________ (١) انظر ترجمته في: الفهرست ص ٢٩٣؛ تاريخ بغداد ١٠/ ٣٥٣ - ٣٥٥، طبقات الفقهاء، للشيرازي ١٤٢؛ الأنساب ٢٣٥ ظ؛ المنتظم ٦/ ٣٦٩، ٣٧٠؛ اللباب ١/ ٤٣٦، ٣/ ٣٥؛ الكامل ٨/ ٤٩٥؛ معجم البلدان ٤/ ٢٥٦؛ العبر ٢٥٥؛ دول الإسلام ١/ ٢١١؛ تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٥٥؛ مرآة الجنان ٢/ ٣٧٣؛ البداية والنهاية ١١/ ٢٤٤، ٢٢٥؛ تاج التراجم ٣٩؛ لسان الميزان ٤/ ٩٨، ٩٩؛ طبقات الفقهاء، لطاش كبرى زاده ص ٦٠؛ كتاب أعلام الأخيار، برقم ١٥٦؛ الطبقات السنية، برقم ١٣٧٤؛ كشف الظنون ١/ ٥٦٣ - ٥٧٠؛ شذرات الذهب ٣/ ٣٥٨؛ الفوائد البهية ١٠٨ - ١٠٩؛ إيضاح المكنون ١/ ٣٥٤؛ هدية العارفين ١/ ٦٤٦.

стр. 43

أنداده - ولم يذكر المترجمون شيئًا عن نشأته -. أخذ الفقه عن أبي سعيد البردعي: (وهو أحد الفقهاء الكبار المتقدمين ببغداد (٣١٧ هـ) وأبو سعيد أخذ عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه عن جده). بلغ الإمام الكرخي بين فقهاء الحنفية مبلغًا عاليًا وانتهت إليه رئاسة الحنفية في زمنه، وانتشر أصحابه، وعدَّه الحنفية من الطبقة الثالثة: (وهم المجتهدون في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب)، كما في طبقات المجتهدين لابن كمال باشا. بل ذهب المحققون من الحنفية: بأن الكرخي أعلى وأجل مما ذكره ابن كمال باشا في طبقات فقهاء الحنفية. حيث انفرد الكرخي عن الإمام أبي حنيفة وأصحابه في مسائل كثيرة من علم الأصول والفروع (١). * تلامذته: كما تتلمذ على الإمام الكرخي أئمة وفقهاء كبار مما يدل على مكانته العلمية العالية، وممن تفقه عليه: * أبو علي أحمد بن محمد الشاشي (٣٤٤ هـ). * وأبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص (٣٧٠ هـ). _________ (١) انظر: ناظورة الحق للمرجاني ص ٦١.

стр. 44

* وأبو حامد أحمد بن الحسين بن علي المروزي الطبري (٣٧٧ هـ) وغيرهم. * مؤلفاته: للإمام الكرخي مؤلفات فقهية نافعة معتمدة في المذهب، وقد نالت كتبه التقدير والإجلال والتقديم في المذهب على غيرها من كتب المذهب: * المختصر: وهذا المختصر من المتون المعتمدة في المذهب (وشرح هذا المختصر المضمن للشرح، وهو الكتاب الذي أقدمه بين يدي القراء محققًا بإذن الله تعالى). * شرح الجامع الصغير. * شرح الجامع الكبير. * رسالة في القواعد الفقهية. إذ يعد الإمام الكرخي من أوائل واضعي القواعد الفقهية، فرسالته المشهورة تحتوي على تسع وثلاثين قاعدة فقهية، ولعلها أول تأليف في هذا الفن. * صفاته: قد عُرف ﵀ بالقناعة والتعفف وكثرة العبادة. قال أبو الوفاء القرشي: "وكان كثير الصوم والصلاة، صبورًا على الفقر والحاجة، ولما أصابه الفالج آخر عمره كتب أصحابه إلى سيف الدولة ابن حمدان بما ينفق عليه، فعلم بذلك فبكى وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني، فمات قبل أن تصل إليه صلة سيف الدولة، وهي عشرة آلاف درهم،

стр. 45

وكان من تولى القضاء من أصحابه هجره" (١). قال صاحب مرآة الجنان: "كان إمامًا قانعًا متعففًا عابدًا صوامًا كبير القدر" (٢). * وفاته: توفي ﵀ بعد عمر مديد مبارك قضاه في طلب العلم وتعليمه - ليلة النصف من شعبان سنة أربعين وثلاثمائة (٣٤٠ هـ)، رحمه الله تعالى رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته وغفر له. * * * _________ (١) الجواهر المضية ٢/ ٤٩٣، ٤٩٤. (٢) كما في الفوائد البهية، ص ١٠٩.

стр. 46

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ولي الحمد ومستحقه، والصلاة على رسوله محمد ﷺ وآله، ذكرتم وفقنا الله وإياكم لمصالح الدين حال مختصر الشيخ أبي الحسن الكرخي رحمة الله عليه، والحاجة إلى شرحه، وهو كتاب يجمع من فروع الفقه ما لا يجمعه غيره، وقد كان أبو علي الشاشي (رحمه الله تعالى) يقول: (من حفظ هذا الكتاب فهو أحفظ أصحابنا، ومن فهمه فهو أفهم أصحابنا). وهو كتاب مختلف الترتيب؛ لأنه ابتدأه على أن يكون كتابًا صغيرًا ثم زاد فيه بعد مضي العبادات، فلما تجاوز الرهن بسطه بسطًا مستوفيًا. وقد عزمت (١) على إملاء كتاب جامع في شرحه أعتمد فيه بيان الفروع، [والروايات]، والزوائد التي لا بد منها (٢) [وترتيبها]، وأوردُ في مسائل الخلاف ما استقل به من غير بسط؛ لأني استوفيت ذلك في كتاب التجريد (٣)، وألحق بفروعه ما يليق بها؛ ليعتدل أول الكتاب وآخره في الاستيفاء، ثم ألحق بالكتاب ما أغفله ﵀ من الكتب، وأستوفي شرح جميعه معتمدًا على الله تعالى في التوفيق والتسديد والعصمة. وأقدم على ذلك مسألة في تقديم مذهب أبي حنيفة ﵀ في الجملة على

стр. 47

سائر فقهاء الأمصار، والله الموفق والمعين. (قال الشيخ الجليل أبو الحسين أحمد بن محمد البغدادي رحمه الله تعالى: الكلام في تقديم مذهب أبي حنيفة ﵁ على غيره من المذاهب، إنما يتبيّن) (١) باستقراء المسائل والنظر في دلائلها؛ ليأخذ المجتهد بما يصح عنده في كل مسألة منها، إلا أنا ندل (٢) على هذا في الجملة؛ لأنّ من ليس بمجتهد إذا أراد الأخذ بقول فقيه، لزمه الرجوع إلى أولى الفقهاء في نفسه، والذي يدل على أن مذهب أبي حنيفة ﵁ أولى من غيره من المذاهب: أنه رحمه الله تعالى ولد في عصر الصحابة، وتفقَّه في زمن التابعين، وأفتى معهم، وناظر الشعبيَّ وطاووسَ وعطاءَ، وقد قال ﷺ : "خير القرون قرني الذي بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، فيَشهد الرجل قبل أن يُستشهد" (٣)، فمن [نشأ] وتعلّم وأفتى في عصر عدّل رسولُ الله ﷺ أهلَه، كان أبعد من البدع ممن نشأ في الزمان الذي لم يعدّل رسول الله ﷺ أهلَه، وقد روى أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن [جَزْءٍ] الزبيدي (٤)، و [أبي الطفيل] عامر بن [واثلة] (٥) وغيرهم من الصحابة، [وأدرك عبد الله بن أبي أوفى أيضًا].

стр. 48

ويدل عليه: أن الله تعالى ضَمِن حِفظ الشريعة، فأمر بتعلّمها والتَّفَقّه فيها، فأول من دوّن الفقه ووضع فيه كتابًا ورَتَّبه أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ويستحيل أن يضمن الله تعالى حفظ الشريعة، ثم يكون المبتدئ بتدوينها على غير الحق، ويدل عليه: أنه وضع هذا [المذهب شورى بينهم] ولم يستبد بوضع المسائل، وإنما كان يُلقيها على أصحابه مسألةً مسألةً، فيَعرف ما عند كل واحدٍ منهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم حتى [يستقيم] (١) أحد القولين فُيثبته [أبو يوسف] (٢) حتى [أثبتَ] الأصول كلها. وكان له أصحاب لم يتفق الفقيه مثلهم، منهم: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وزفر بن الهذيل التميمي، ومحمد بن الحسن الشيبانيّ، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وداود الطائي، وعافية بن يزيد الأودي، ويوسف بن خالد السمتي، والقاسم بن معن المسعودي، وحفص بن غياث، ووكيع بن الجراح، ومالك بن مغول البجلي. فهؤلاء هم العلماء [علمًا] بالحديث والسنّة، والسيرة، والعربية، والحساب، فإذا كان [هذا] المذهب وُضع على اتفاق [من جماعتهم] كان أصحّ مما يبتدئ به الواجد بنفسه، ويرجع فيه إلى اجتهاده؛ ولأنه أخذ [العلم] عن حمّاد بن أبي سليمان، وأخذ حمّاد عن إبراهيم النخعي، وأخذ إبراهيم عن علقمة، والأسود [بن يزيد]، ومسروق [بن الأجدع]، وشُريح، وأخذ هؤلاء العلمَ عن عمر [بن الخطاب]، وعلي [بن أبي طالب]، و [عبد الله] بن مسعود ﵃، [وأخذ هؤلاء العلم عن رسول الله ﷺ حتى قال علي ﵁ لما دخل

стр. 49

الكوفةَ ورأى أصحاب عبد الله بن مسعود قال -: "لقد ترك ابن مسعود] هؤلاء سُرُج هذه القرية". ولا يوجد لأحد من الفقهاء طريق مثل هذا؛ لأنّ مالكًا أخذ [العلم] عن نافع، ونافع لا يُعرف بالفقه، وإنما هو من أهل الرواية (١). وأصحاب الشافعي ﵀ يُنكرون أخْذه الفقه من مالك (٢) ويضيفونه إلى [مسلم بن] خالد الزنجي، وهو ليس بفقيه، وإنما هو من أصحاب الحديث، [وقد ضعَّفوه، ولو أنصفوا لأضافوه إلى محمد بن الحسن، وبِشر المريسي؛ فإنه أخذ العلم عنهما، وهما أفقه من رأى، وقد بان ذلك في عِلمه بعد رجوعه من العراق وقبل ذلك (٣).

стр. 50

ولأنه رحمه الله تعالى أوّل من تكلم في الشروط، ووضعها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأخبر أن الله تعالى هو المعلم للشروط، وهو عِلم لا ينفرد وإنما يتفرع على كل الفقه، فصحتها تدل على صحته. ولأنه رحمه الله تعالى أوّل من وضع كتابًا في الفرائض، وقد قال النبي ﷺ : "الفرائض نصف العلم، وهو أول علمٍ يُرفع من هذه الأمة" (١)، فإذا وفق الله تعالى المبتدئ بوضعها، فالظاهر أنه يرزقه التوفيق (٢) فيها. ولأن مذهبه يجمع علومًا لم يجمعها فقيه، ذلك: من العربية، والمسائل المقولة (٣) على وفق النحو والحساب، والمسائل التي يتعب باستخراجها أهل الجَبْر والمُقابلة، ولا تجد هذا لأحد من الفقهاء.

стр. 51

[هذا مع] ما اشتهر من قوة تفريعه واقتداره على ابتداء وضع هذه المسائل، وسرعة جوابه فيها، ومواصلته للحجج. وكثرة عبادته حتى قيل: إنه صلّى الفجر بطهارة العشاء أربعين سَنة، وقَرَأ القرآن في ركعة واحدة (١) في الكعبة، وامتنع من تولي القضاء فضُرب عليه بالسوط حتى قيل: إنه ﵀ ذكر عند ابن شبرمة فقال: "لقد قرطم له وقرطم (٢) لنا فلقطنا ورفع رأسه". فإن قيل: بأن مذهب الشافعي أولى؛ لأنه رجلٌ من قريش وقد قال رسول الله ﷺ : "الأئمة من قريش" (٣)، وقد قال ﵊: "قدِّموا قريشًا ولا تتقدموها" (٤). فالجواب: أن الصحابة اختلفوا فلم يرجّح أحدٌ قول ابن عباس على قول زيد بن ثابت: بأنه من قريش، فدلَّ إجماعهم على أن التقديم لم يرد به رسول الله ﷺ التقديم في العلم، وقد قال ﷺ : "ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى" (٥)، وقال ﵊: "لو كان العلم معلَّقًا بالثُّريا لسبق إليه غِلمان من أبناء فارس" (٦)، وإذا

стр. 52

اعتبر العلماء في زمن التابعين ومن بعدهم، وجد الغالب عليهم الموالي. فإن قالوا: إن أبا حنيفة رحمة الله عليه كان قويًا في القياس، ومالكًا في الحديث، والشافعي فيهما (١). قيل لهم: بل أبو حنيفة قوي فيهما؛ لأنّ شعبة [بن الحجاج البصري] قال: "كان أبو حنيفة عارفًا بحديث أهل بلده"، وقال عبد الله بن المبارك: "كيف تقولون إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد [بن] عياش (٢) لا يُقبل خبره"، وإذا رجعت إلى مسند أبي حنيفة ﵁، وجدته أكبر من مسند الشافعي. وكيف تُدّعى للشافعي المعرفة بالحديث، وهو يقول في خبر القُلَّتين: بلغني عن رسول الله ﷺ بإسناد لا يحضرني أنّه قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" (٣)، وهذا خبر لم يقل به أحد من الفقهاء غيره (٤)، ثم لم يُعرف إسناده (٥). وخطّأه أحمد بن حنبل في قوله: "إن النبي ﷺ قضى بالدية على العاقلة

стр. 53

في [ثلاث سنين] " (١)، وقال: هذا لا أصل له عن رسول الله ﷺ ، وإنما قضى به عمر ﵁. وقال: روى أنس بن مالك "أن النبيّ ﷺ قنت في الفجر شهرًا ثم تركه" (٢) فلم يعرف ما رواه أنس بن مالك "أن رسول الله ﷺ مازال يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا" (٣)، فلم يعرف ذلك، وإن وافق مذهبه. [وقال: بلغني عن النبيّ ﷺ كلامًا معناه: "أن فيما سقت السماء العشر" (٤)، وهذا الخبر أظهر من أن ينقل بالمعنى. وقال: روي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "الولاء نسب" (٥) والخبر: "الولاء لحمة كلحمة النسب" (٦)].

стр. 54

فإن قيل: إن الشافعي كان يعرف العربية وكان أبو حنيفة لا يعرفها؛ لأنه حكي عنه أنّه قال: ولو ضربه بأبا قبيس (١) قيل لهم: أمّا دعواكم معرفة الشافعي باللغة فليس عليه دليل (٢)، والمأخوذ عليه [من الغلط] في اللغة كثير؛ وذلك أنّه قال في كتابه: ماء مالح، وإنما هو ماء مِلْحٍ (٣). وقال في أحكام القرآن: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] أي: لا تكثر عيالكم (٤)، وإنما معناه لا تميلوا وقال: إذا أشلى كلبه، يريد إذا أغراه، وإنما يقال: أشلاه إذا استدعاه. وقال: ثوب يسوي كذا وهذا من كلام العامة، وإنما يقال: ثوب يساوي كذا.

стр. 55

وزعم أن الواو للترتيب، و [قد] أجمع أهل اللغة على خلاف ذلك. وقال: الغرم الهلاك، والغرم اللزوم (١). فأما أبو حنيفة فليس يمكن أن يُدَّعَى (٢) في كتابه خطأ في العربية، وإنما يحكي الناس هذه الحكاية ولا يعرفون صحتها، ولا وجدت له في كتاب، ثم إن صَحَّ ذلك، فهي لغة للعرب فصيحة؛ لأنّ بني الحارث بن كعب يقولونها، قال سيبويه: وهذا هو القياس وقد جاء القرآن به في قراءة من قرأ ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] (٣). وأنشدوا فيه: إن أباها وأَبَا أباها … قد بَلَغَا في المجد غَايَتَاها (٤) فإن قالوا: إن أبا حنيفة تكلَّم عليه الأئمة ولم يتكلموا على الشافعي، فحكي عن سفيان الثوري أنّه قال: "استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين" (٥). وقال

стр. 56

بعضهم: كان شيطانًا خرج من البحر. فالجواب: أنهم لو رجعوا إلى ما قال صاحبهم كان أولى بهم، وقد قال الشافعي: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة" (١)، وقال لما خرج من العراق: رأيت محمد بن الحسن إذا قرأ القرآن فكأن القرآن نزل بلسانه، وما رأيتُ عالمًا إذا سُئل عن شيء لم يتغير وجهه إلا محمد بن الحسن، ولقد أخذتُ من علمه حِمْل جملٍ بُخْتي ذَكَر" (٢). فأما من تكلم في أبي حنيفة من أهل عصره فللمنافسة؛ لأنه تقدمهم في العلم فشقَّ عليهم، ولم يمت سفيان حتى تاب من الكلام في أبي حنيفة (٣)، وقد وجد كتاب الرهن حين مات تحت وسادته. وروى عن أبي حنيفة ودلَّسه. فأما قوله: [إنه] استتيب من الكفر مرتين، فإنه كان يلاحي بذلك، وذلك أن الشراة لما دخلوا الكوفة أخذوا أبا حنيفة فقالوا له: تُبْ من الكفر؛ لأنهم يكفّرون من خالفهم، فقال: أنا تائب إلى الله تعالى من كل كفر، فأفرجوا عنه، فقيل لكبيرهم: إنّما عنى بالكفر الذي أنت عليه، فاسترده وقال له: إنك تبت من

стр. 57

الكفر وتريد به ما نعتقده. فقال له: أبعلمٍ تقول ذلك أم بظن؟ فقال: بل بظن، فقال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وهذه خطيئة منك، وكل خطيئة عندك كفر، فتب أنت من الكفر! فقال: أنا تائب إلى الله من كل كفر، ثم قال لأبي حنيفة: فتب أنت من الكفر فقال: أنا تائب إلى الله تعالى من كل كفر، فقال الناس: قد استتيب [أبو حنيفة] من الكفر مرتين، وهم يريدون هذا. وأما من مَدَح أبا حنيفة من العلماء فهم أكثر من أن يُحْصى، وقد حكينا ما قال الشافعي فيه. وأما مالك ﵁ فإنه سئل عنه فقال: "رأيت رجلًا لو قال إن هذه الأسطوانة من ذهب لدَلَّ عليه" (١). وقد حكي عن ابن سُريج - وهو أفقه أصحاب الشافعي - أنّه بلغه أن رجلًا يذكر أبا حنيفة، فدعاه وقال: يا هذا إن لأبي حنيفة ثلاثة أرباع الفقه بالإجماع، والربع الآخر لا يسلمه للناس، فقال له: وكيف يكون ذلك؟ فقال: لأنّ الفقه سؤال وجواب، وهو الذي وضع كل أسئلة الفقه، فله النصف، ثم أجاب عن هذه الأسئلة، فزعم مخالفوه أنّه أصاب وأخطأ، فإذا جُعِل خطؤه بصوابه كان له نصف النصف الآخر، ويبقى الربع، فزعم أنّه أصاب، ويزعمون أنّه أخطأ، فله ثلاثة أرباع الفقه بالاتفاق (٢)، وسنبيّن إن شاء الله تعالى من يشهد لهذه الجملة في تضاعيف المسائل، والله المعين والموفق للصواب.

стр. 58

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [١] بَابُ الطَّهَارَة قال الشيخ رحمه الله تعالى: الطهارة في عبارة اللغة: هي النظافة، وفي الشرع: عبارة عن غسل بصفة، والوضوء في اللغة: الوضاءة وهي الحُسن، ويقال: وجه وضيء [أي: حَسَن]، وفي الشريعة: عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة، فإن كان أهل اللغة يَعرفونه هذا فالاسم لغوي، وإن كانوا لا يعرفونه فهو اسم شرعي فيه معنى اللغة. والأصل في وجوب الطهارة قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهارة، ولا صدقة من غلول" (١). قال أبو الحسن: "طهارة الأبدان من الأحداث طهارتان: غسل ووضوء بالماء عند وجوده، وبالتراب عند عدمه". وإنما قسم أبو الحسن الطهارة المجتمع عليها، ولم يدخل في القسمة ما اختلف فيه من الطهارة بغير الماء [وهو الوضوء بنبيذ التمر]. والأصل في وجوب الوضوء: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ … ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وقال النبيّ ﷺ : "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه ثم يديه ثم المسح برأسه ثم يغسل

стр. 59

رجليه" (١)، وقد دلّ على هذه القسمة: قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا … ﴾، ثم قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. قال أبو الحسن ﵀: وفرض الوضوء ما نص الله عليه في كتابه: وهو غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، وتدخل المرافق والكعبان في ذلك عندنا. فأما الوجه فهو: من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن إلى شحمتي الأذن؛ لأنّ الوجه عبارة عما يواجه الإنسان في العادة، والكلام فيه يقع في فصول: * أحدها: أن إيصال الماء إلى داخل العينين ليس بواجب؛ لأنّ في ذلك مشقة، والفروض تسقط بالمشقة؛ ولأنهما في حكم الباطن، والوضوء لا يتعلق بالبواطن. * والثاني: أن المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء، ومن أصحاب الحديث من أوجبهما، ومنهم من أوجب الاستنشاق دون المضمضة [وهذا فاسد]. لنا: قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والوجه عبارة عن الظاهر دون الباطن، وعَلَّم النبيّ ﷺ الأعرابيَّ الوضوء ولم يذكر له المضمضة والاستنشاق

стр. 60

مع جهله بالأحكام، ولو كانت واجبة لذكرها؛ ولأن وجوبها مما تعم البلوى به، ويحتاج جميع الناس إلى معرفته، فلو وجب لبَيّنه رسول الله ﷺ للجماعة، ولو فعل ذلك لنقل من طريق الاستفاضة، فلما لم ينقل نَقْل الاستفاضة، دلّ على أنّه غير واجب. * والثالث: أن إيصال الماء إلى ما تحت شعر اللحية ليس بواجب، قال أبو حنيفة: "وإنما مواضع الوضوء ما ظهر منها". وقال الشافعي: "إن كان شعرها كثيفًا فكذلك، وإن كان خفيفًا يجب إيصال الماء إلى البشرة" (١)، وهذا فاسد؛ لأنّ ما لا يجب إيصال الماء إليه إذا تكاثف عليه الشعر لم يجب إذا خفّ كبشرة الرأس. * والرابع: وجوب مسح ما يلاقي بشرة الوجه من اللحية، قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: "وليس تخليل الشعر من مواضع الوضوء، وإنما مواضع الوضوء ما ظهر منها"، وهذا يقتضي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية. وذكر ابن شجاع عن الحسن عن أبي حنيفة وزفر: [أنه] إذا مسح من لحيته ثلثًا أو ربعًا جاز، وإن مسح أقل من ذلك لا، قال: وقال أبو يوسف: وإن لم يمسح منها شيئًا، جاز. وجه رواية أبي يوسف: أن الفرض كان متعلقًا بالبشرة فإذا سترها الحائل لم يسقط الفرض وإنما ينتقل إلى الحائل كشعر الرأس. وجه رواية الحسن: أن فرضها المسح، والممسوحات لا يجب فيها الاستيعاب

стр. 61

كمسح الرأس. وجه قول أبي يوسف: أنّه لو وجب تطهيرها لكان الواجب المسح [وهي من الوجه وفرضه الغسل] فيجتمع في عضو واحد وجوب الغسل والمسح، وهذا لا يجوز كسائر الأعضاء. * والفصل الخامس: ما استرسل من الشعر عن العضو، فعندنا: لا يجب إيصال الماء إليه، وقال الشافعي: مسح جميع اللحية واجب (١). لنا: أن الفرض كان متعلقًا بالبشرة فإذا انتقل إلى الحائل ثبت فيما لاقى موضع الفرض دون غيره كمسح الخفّ؛ ولأن ما استرسل من اللحية يلاقي موضعًا لو ظهر لم يجب غسله، فلا يجب إيصال الماء إليه في الوضوء كطرف الذؤابة. * والفصل السادس: وأما غسل البياض الذي بين العذار والأذن فعند أبي حنيفة ومحمد: واجب، وروي عن أبي يوسف: أنّه لا يجب. لهما: أنّه يجب غسله قبل نبات الشعر، فحيلولة الشعر بينه وبين الوجه لا يسقط الوجوب كالجبهة لما وجب غسلها قبل نبات شعر الحاجب، وجب بعده. وأما أبو يوسف فيقول: إن الفرض قد سقط عمّا تحت العذار: وهي إلى الوجه أقرب، فسقوطه عما هو أبعد أولى. ١ - [فَصْل: دخول المرفقين في غسل اليدين] وأما غسل اليدين إلى المِرفَقَين فواجب للآية ويدخل في الغسل: المرافق

стр. 62

عندنا، وعند زفر: غسل المرافق لا يجب. لنا: قوله تعالى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، والغاية تدخل في الكلام تارة ولا تدخل أخرى، والحدث متيقن فلا يسقط الفرض بالشك؛ ولأن الغاية إذا كانت محتملة ففعله ﵊ بيان لها، وقد روي عن النبي ﷺ "أنّه توضأ فأدار الماء على مرفقيه" (١)؛ ولأنه مفصل ينتهي إليه الوضوء، فوجب دخوله فيه كالزند. وأما زفر فيقول: إن الغاية لما كان فيها احتمال لم يجز إيجاب الفرض بالشك (٢). ٢ - [فَصْل: مقدار مسح الرأس] وأما مسح الرأس فواجب لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والخلاف في مقدار الواجب [منه]. قال أصحابنا: الواجب مسح مقدار الناصية، وروي عنهم ربع الرأس، وروي مقدار ثلاثة أصابع [من أصابع اليد]. وقال مالك: لا يجوز حتى يمسح جميع الرأس أو أكثره. وقال الشافعي: إذا مسح ما يتناوله اسم المسح جاز (٣).

стр. 63

وأما الكلام على مالك فما روى المغيرة بن شعبة عن النبيّ ﷺ : "أنه بال وتوضأ ومسح على ناصيته [وخفيه] " (١)، وهو لا يترك بعض الواجب، ولأنه مسح بأكثر أصابع يده فصار كما لو مسح أكثر رأسه، والذي روي أنّ النبيّ ﷺ مسح بجميع رأسه، لا دلالة فيه؛ لأنه قد يزيد على الواجب طلبًا للفضيلة، ولا يجوز أن ينقص من الواجب. وأما الكلام على الشافعي: فقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. قلنا: الباء عند أهل اللغة للإلصاق؛ وذلك يقتضي الجميع أو المقصود، وهذا لا [يتأتى] في شعرة واحدة ولأنه حكم يختص بالرأس، فلا يتقدر بأدنى ما يدخل تحت الاسم (٢)، كوجوب الدم في الحلق. ٣ - [فَصْل: وضع الإصبع من غير إمرار] وقد اختلفت الرواية عن أصحابنا فيمن أخذ الماء فوضع ثلاث أصابع وضعًا ولم يمررها. فقالوا في إحدى الروايتين: يجوز، وفي الأخرى: لا يجوز. وإنما قالوا: لا يجوز، إذا قدروا المفروض بالناصية؛ لأنه إذا وضعها بغير

стр. 64

إمرار (١) لم يستوف مقدار الناصية، فلا بد له من الإمرار حتى يستوفيه. وفي الرواية التي قدّروا الواجب بثلاث أصابع، أجازوا وضعها من غير إمرار؛ لأنّ المعتبر هناك إصابة الماء دون المسح، ألا ترى أنهم قالوا: لو أصاب رأسه ماء المطر، ولم يمسحه، جاز (٢). ٤ - [فَصْل: المسح بإصبع واحدة] [قال أصحابنا: لا يجوز المسح بإصبع واحدة وإن مسح بها مقدار ثلاثِ أصابع. وقال زفر: يجوز المسح. قال ابن رستم عن محمد: لا يجوز حتى يعيدها إلى الماء ثلاث مرات يمسح بها في كل مرة. لنا: أن المقصود من المسح إمساس الماء، فإذا حصل المقصود صار مستعملًا، ولا يجوز المسح به؛ ولأن الاستيعاب إذا لم يجب، فالمقصود يحصل بنفس الوضع، ولا يقال: فيجب أن لا يجزئ عن المسنون فيما زاد على الربع. قلنا: لما كان المسنون الاستيعاب صار في حكم السنة، كالغسل، وجه قول زفر: إن شرط الاستعمال مفارقة الماء للعضو فصار كالمغسول]. ٥ - [فَصْل: الواجب في الرِّجلين] والواجب عندنا: غسل الرجلين، وقال قوم: الواجب المسح، ومن الناس من قال: هو مخيّر بين الغسل والمسح، وقال بعض المتأخرين: يجب عليه الجمع بينهما (٣).

стр. 65

[والدليل على ما قلناه]: ما روي أن النبيّ ﷺ علّم الأعرابيَ الوضوء وقال: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه" (١)، وروي عن النبي ﷺ أنّه توضأ وغسل رجليه وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٢)؛ ولأنّ النبيّ ﷺ داوم على غسل رجليه، وأطبقت الأمة على نقل ذلك، ولم ينقل عنه المسح إلا شاذًا من جهات ضعيفة، ومن يخالف في هذه المسألة يقول: إن الغسل لا تجزئ به الصلاة، وهذا خلاف [الإجماع] المنقول من طريق الاستفاضة. فإن قالوا: يجوز الغسل والمسح [جميعًا] إلا أن المسح أفضل، أدّى ذلك إلى أن يكون النبيّ ﷺ داوم على ترك الفضيلة، وهذا لا نظن به، فإن قالوا كل واحدٍ منهما جائز والغسل أفضل، [قلنا]: العضو الذي فرضه المسح لا يكون غسله أفضل كمسح الرأس. وأما قوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قالوا: روي عن ابن عباس قال: "نزل جبريل ﵇ بغسلين ومسحين". وقد قرئت هذه الآية بقراءتين، قراءة النصب: وظاهرها توجب الغسل؛ لأنه عطف الأرجل على المغسول فصار تقديرها (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم [إلى المرافق] وأرجلكم وامسحوا برؤوسكم)، والقراءة الأخرى قراءة الخفض، وظاهرها: يقتضي المسح؛ لأنه تعالى عطفها على الممسوح فتقديرها (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) (٣).

стр. 66

والدليل على أن ظاهر كل واحدةٍ من القراءتين ما ذكرنا: أن مَن قرأ من الصحابة بالنصب اعتقد الغسل، ومن قرأ منهم بالخفض اعتقد أيضًا المسح، وهم أهل لغة ولسان، ولولا أن ظاهر كل واحدة من القراءتين ما اعتقده مَن قرأها، وإلا لطولب بالدليل على عدوله عن الظاهر، فإذا احتملت الآية الأمرين، كان فعله ﷺ بيانًا للاحتمال، وقد بينا أنّه ﷺ غسل رجليه وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". فإن قالوا لا نسلم أن ظاهر قراءة النصب تفيد الغسل، بل تفيد المسح، ونصب الأرجل عطفًا على الموضع والمجاورة؛ لأنّ المسح موضعه نصب، وإنما خفضه بدخول حرف الجر فيه وهي الباء، فإذا عطف عليه فهو مخيّر إن شاء عطف على لفظه، وإن شاء عطف على موضعه، وهذا ظاهر في اللغة وقد أنشدوا فيه: مُعَاوَيَ إننا بَشَر فأسْجِح … فَلَسْنا بالجبالِ ولا الحديدَا (١) فالجواب: أن سيبويه قد ذكر أن الأجود هو العطف على اللفظ، فأما العطف على الموضع للمجاورة فليس هو في الظهور كالعطف على اللفظ؛ فإذا كان هذا تركًا للظاهر خرج منه ما قلنا. وقد قيل: إن العطف على الموضع إنّما يخيّر بينه وبين العطف على اللفظ إذا لم يلتبس، فأما إذا التبس لم يخير، [كما] قالوا: رأيت زيدًا ومررت بعمرو، فإذا قلت وبكرًا وأردت عطفه على عمرو، لم يخير ولم يجز النصب فيه عطفًا على الموضع؛ لأنه يلتبس أنّه مَرْئيٌّ أو ممرور به، كذلك في مسألتنا لما اختلف ما قبل

стр. 67

العطف، لم يجز العطف على الموضع لما فيه من الالتباس بين الغسل والمسح. فإن قيل: على ما ذكرتم [فعلام] تُحمل قراءة الخفض؟ قلنا: قد قال أهل اللغة: إنّها خفض على المجاورة كقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]. وقولهم جحرُ ضبٍّ خربٍ، وخرب صفة للجحر، فكان ينبغي أن يرفعه إلّا أنه جرّه بالمجاورة وأنشد في ذلك سيبويه: كَأنَّ ثُبيْرًا في عَرَانينِ وَبْلِه … كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ (١) فإن قيل: إنّما يكون الخفض بالمجاورة إذا لم يكن هناك حرف عطف، فأما مع حرف العطف فلم يتكلم العرب به. قلنا: هذا ليس بصحيح [لقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾]؛ ولأن جريرًا قال: فهل أنت إن ماتت أتانك راحل … إلى آل بسطام بن قيس فخاطب فخفض خاطب بالمجاورة مع حرف العطف. قالوا: ولأن حرف العطف يجعل بين الجملتين من الامتزاج والملابسة ما لا يكون مع عدمه، فإذا جاز الاتباع في الإعراب مع عدم الملابسة والامتزاج، فمع وجوده أولى (٢). ٦ - [فَصْل: غسل الكعبين] وأما الكعبان فغسلهما واجبان مع الرجل؛ وقال زفر: لا يجب، والكلام في

стр. 68

ذلك كالكلام في المرفقين وقد مضى. ٧ - [فَصْل: الكعب من الرِّجل] وأما الكعب الذي يجب غسله فهو الناتئ الذي في مفصل القدم. وروى هشام عن محمد: أنّه المفصل الذي في وسط القدم عند مَعقِد الشراك [وهذا ليس بصحيح]. لهما: قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] ولو كان المراد به ما قال محمد، لقال: وأرجلكم إلى الكعاب؛ لأنّ ما كان واحدًا من واحد فتثنيته بلفظ الجمع، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ولم يقل قلباكما، وكلّ ما كان اثنين من واحد فتثنيته بلفظ التثنية، كما قال الله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ دل على أن المراد به اثنان من كل رجل، وهذا على قولهما صحيح؛ لأنّ في كل واحد منهما كعبين، فلما قال الله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ دل على أن المراد به اثنان؛ ولأن إطلاق الكعب يتناول العظم الناتئ ألا ترى أنه إذا قيل ضُرب كعب فلان، فُهم منه هذا، فكذلك قال النبي ﷺ : "ألصقوا الكعاب بالكعاب" (١) وأراد به ما ذكرناه؛ ولأن الكعب مأخوذ من [الكعوب الذي هو] النتوء، ومنه جاريةٌ كاعبٌ، إذا نتأ [صدرها] (٢) وهذا يوجد في مفصل

стр. 69

القدم (١) دون غيره. فأما محمد فإنه يقول: الكعب عبارة عن المفصل، ومنه كعوب الرمح المفاصله، وفي وسط القدم مفصل، والناتئُ (٢) أيضًا مفصل، والاسم إذا تناول شيئين حمل على أشهرهما (٣)، وهذا الذي رواه هشام [سهو]. وإنما قال محمد: إن الكعب هو مفصل القدم في مسألة المحرم إذا لم يجد نعلين، أنه يقطع الخف أسفل الكعب، فقال: إن الكعب ها هنا الذي في مفصل القدم، فَنقَل هشام ذلك عنه إلى الطهارة، وإلّا فلا خلاف في مسألة الطهارة بينهم. ٨ - [فَصْل: النية في الطهارة] والنية ليست من شرائط الطهارة بالماء عندنا. وقال الشافعي: هي شرط (٤). لنا: أن النبيّ ﷺ علّم الأعرابي (٥) الوضوءَ ولم يذكر له النية مع جهله بالأحكام؛ ولأن الطهارة بالماء شرط لا تصح الصلاة مع القدرة إلا به، فلم نضطر إلى النية كإزالة النجاسة؛ ولأنه حكم ثبت في حق الكافر فلا يشترط فيه النية كستر العورة.

стр. 70

٩ - [فَصْل: الترتيب في الطهارة] وأما الترتيب فليس بشرط في الوضوء ولا في التيمم، وقال الشافعي: هو شرط (١)، وقد روى أبو داود في سننه: "أن النبيّ ﷺ تيمَّم فمسح يديه ثم مسح وجهه" (٢)، وعن عليّ ﵁ أنه قال: "لا أبالي بأي أعضائي بدأت" (٣)؛ ولأن أعضاء الطهارة لا يجب فيها الترتيب كاليمين والشمال. ١٠ - [فَصْل: الموالاة في الوضوء] والموالاة ليست بشرط في الطهارة. وقال مالك: هي شرط (٤). لنا: قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه ثم يديه" (٥) وثم للتراخي؛ ولأنها طهارة فلم يبطلها التفريق كغسل الجنابة].

стр. 71

١١ - [فَصْل: المضمضة والاستنشاق والغسل] قال أبو الحسن: والغسل مفروض في جميع البدن مغابنه وغير مغابنه، وداخل الأنف وداخل الفم، لا [يجزئ] من تَرك ذلك في غسله صلاته. قال رحمه الله تعالى: الأصل في وجوب غسل الجنابة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] والمراد به جميع البدن، فكأنه تعالى قال: طهروا أبدانكم، فيقتضي ذلك تطهير كل ما يمكن تطهيره من غير مشقة، ولا خلاف في ذلك إلا في المضمضة والاستنشاق. فعندنا: أنّهما فرض في الجنابة. وقال الشافعي: ليسا بفرض (١). والدليل على ما قلناه: قوله ﷺ : "إن تحت كل شعرة جنابة، ألا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة" (٢)، قال ابن الأعرابي: البشرة في اللغة: الجلدة التي تقي اللحم من الأذى، وروى عليّ عن النبي ﷺ أنّه قال: "من ترك شعرة من شعره في الجنابة لم يُصبها الماء، أصابه كذا وكذا من النار"، قال عليّ ﵁: فمن ثَم عاديتُ شعري [فحلقته] (٣)، ومعلوم أن في داخل الأنف شعرًا وفي الفم بشرةً؛

стр. 72

ولأنه عضو شق إيصال الماء إليه في الوضوء، فكان فرضًا في الجنابة كالأذنين، ولأنه عضو يختص تطهيره باسم، فوجب تطهيره في الجنابة كالرأس. واحتج الشافعي: أن أم سلمة قالت للنبي ﷺ : إني امرأة [أشد ضفر] (١) رأسي فما أصنع به في الجنابة؟ فقال: "أما أنا فأحثي على رأسي وسائر جسدي ثلاث حثيات من ماء، فإذا فعلت ذلك فقد طهرت" (٢)، وهذا لا دلالة فيه؛ لأنّ قوله: أحثي على رأسي وسائر جسدي يتناول الفم والأنف؛ لأنه من الجسد، وقياسهم على الوضوء لا يصح؛ لأنه يسقط فيه أكثر الظواهر؛ فلأن يسقط فيه البواطن أولى. ١٢ - [فَصْل: ضربات التيمم] قال أبو الحسن: والتيمم عند عدم الماء للوضوء والغسل سواء، وهما ضربتان: ضربة للوجه، وضربة أخرى لليدين إلى المرفقين، يعم بذلك العضوين جميعًا ويدخل في ذلك المرفقان (٣). والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وقول النبيّ ﷺ : "التراب طهور المسلم

стр. 73

ما لم يجد الماء" (١). والدليل على أن التيمم (للجنابة والحدث) سواء: ما روي عن عمار بن ياسر أنّه قال: أصابتني جنابة فتمعكت في التراب كما يتمعك الحمار، فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ فقال: "أصرتَ حمارًا، إنّما كان يكفيك أن تضربَ بيديك على الأرض فتمسح بهما وجهك وتضرب بهما ضربة أخرى وتمسح بهما ذراعيك" (٢)، والكلام في تفصيل التيمم وصفته يأتي في كتاب التيمم إن شاء الله تعالى بالدقة. ١٣ - فَصْل: [مسنونات الوضوء] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: والمسنون في الوضوء تسمية الله تعالى في ابتدائه إلى آخر [ما ذكر] (٣). قال رحمه الله تعالى: وجملة هذا أن مسنونات الوضوء على ضروب: منها ما يتقدم عليه، ومنها ما يوجد عند افتتاحه، ومنها ما يوجد في خلاله. فالذي يتقدم عليه: السواك، وهو سنة بدليل ما روي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتُهم بالسواك لكل صلاة" (٤) وقال النبي ﷺ : "صلاة

стр. 74

بسواكٍ أفضلُ من كذا كذا صلاة بغير سواك" (١)، وقال ﵊: "أوصاني خليلي جبريل بالسواك، حتى خِفت كاد يزدردني" (٢)، وقال ﵊: "طهروا مسالك القرآن بالسواك". ١٤ - [فَصْل: التسمية في الوضوء] والتسمية في ابتداء الوضوء سنة (٣) لما روي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "كل أمر ذي بال لم يُبدأ فيه باسم الله تعالى فهو أبتر" (٤). وقال ﵊: "من توضأ وذكر اسم الله تعالى كان طهورًا لجميع بدنه، ومن يتوضأ ولم يذكر الله تعالى كان طهورًا لما أصاب الماء" (٥). وقد قال قوم: إن

стр. 75

التسمية فرض، وهذا غلط لهذا الخبر، ولأنها عبادة (١) ليس في أثنائها ذكر واجب، فلا يجب في ابتدائها ذكر، كالصوم. فإن احتجوا بقوله ﵊: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه" (٢). قلنا لهم: خبر الواحد لا يثبت به وجوب ما يعم البلوى به على ما قدمناه؛ ولأنه محمول على نفي الكمال كقوله ﵊: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٣)، ونحو ذلك. ١٥ - [فَصْل: غسل اليدين قبل الوضوء] قال: وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء لمن استيقظ من منامه سنّة (٤) لما روي أن النبيّ ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يغمسنَّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يَدري أين باتت يده" (٥).
следующие страницы →