← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

تمام الشركة لا يؤثر فيها. ٢٣٣٣ - فَصْل: [الضمان بالهلاك في يد الشريك] قال أبو يوسف: في رجل دفع إلى رجل ألف درهم فقال: اشتَرِ بها بيني وبينك نصفين، والربح لنا، والوضيعة علينا، فَقَبِلَ ذلك وقبض المال على هذا الشرط، فضاع مَنْ عنده قبل أن يشتري شيئًا، فلا ضمان عليه، وليس هذا بقرضٍ عليه، إنما هذا شركة فإذا اشترى بالمال ثم هلك فعلى الآمر ضمان نصف المال، وعلى المشتري مثل ذلك. وقال ابن سماعة عن محمد: إذا هلكت الألف قبل أن يعمل بها، فالقابض ضامن نصف المال. لأبي يوسف: أنه دفع المال إليه على وجه الشركة، وأذن له في أن يشتري به لهما، فما هلك من يد الشريك لا يلزمه ضمانه، وليس كذلك إذا اشترى ثم هلك؛ لأنه لما اشترى لزمه نصف الثمن دينًا، وقضاه من مال الآمر، فكان عليه مثله. لمحمد: أن الشراء بمال الغير على أن الربح للمشتري لا يكون إلا بطريق القرض، فقد أقرضه نصف الألف وأقبضه ذلك؛ فإذا هلك هلك من ضمانه. يبين ذلك بما اتفق [عليه] أبو يوسف ومحمد: أن الآمر لو قال للمأمور: اشتر بألفي على أن جميع الربح لك، فأقبضه الألف فهلك قبل الشراء كان مضمونًا عليه؛ لأنه لا يستحق [جميع] الربح، إلا أن يكون المال قرضًا، فكذلك إذا شرط هذا في بعض الألف.

стр. 2907

وروى الحسن عن أبي حنيفة: في هذه المسألة مثل قول أبي يوسف. وقد قالوا: إن شركة العنان تصحّ بين الرجال والنساء؛ لأنها تتضمن الوكالة، وتوكيل أحدهما للآخر جائز، وكذلك تَصِحُّ بين الأحرار والعبيد، وبين العبيد المأذون لهم، وكذلك الصبي المأذون والمكاتب؛ لأن توكيل هؤلاء ووكالتهم جائزة. وتصحّ أيضًا بين المسلمين وأهل الذمّة؛ لأنه ليس من شرطها التساوي في المال، وكذلك يجوز عدم التساوي في التصرف، وليس بين المسلم والكافر [إلا] الاختلاف [في] التصرف.

стр. 2908

بَاب ما يجوز لأحدِ شَرِيكي العِنان أن يَعْمَله في المال قال أبو الحسن: ولكل واحد من شريكي العنان أن يبيع مال الشركة بالنقد والنَّسَاء؛ وذلك لأن الشركة إِذْنٌ عام في البيع، وذلك يشتمل على النقد والنَّسَاء؛ ولأن الوكيل بالبيع يملك عندنا أن يبيع بالنسيئة، وتصرف الشريك أعم من تصرف الوكيل وأقوى، فهو بجواز ذلك أولى. قال: ويشتري أيضًا؛ يعني: بالنقد والنساء، وهذا على وجهين: إذا كان في يده مال خاص للشركة جاز أن يشتري بالنساء، وكذلك إن كان عنده مكيل أو موزون، فاشترى بذلك الجنس شيئًا؛ لأن الشريك وكيل بالشراء، والوكيل بالشراء يملك الشراء بالنسيئة. فأما إذا لم يكن في يده دراهم ولا دنانير، واشترى بدراهم أو دنانير فالمشترى له خاصة دون شريكه؛ وذلك لأنا لو صححنا شراءه على الشركة صار مستدينا على مال الشركة [والشركة شركة عنان]، والشريك والمضارب لا يملكان الاستدانة إلا أن يؤذن لهما في ذلك، وليس هذا كما لو كان المال المشترى به في أيديهما مثله؛ لأن هذا ليس باستدانة. بيان ذلك: أنه إذا اشترى بألف وليس ذلك عنده صار مستدينًا على شريكه، فيؤدي إلى أن يصير مال الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه، وإذا كان في يده مثل ذلك المال لم يؤد إلى هذا، [فجاز].

стр. 2909

وقد حكى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: إذا كان في يد أحد الشريكين دنانير فاشتري بدراهم جاز، وقال زفر: لا يجوز. لأبي حنيفة: أن الدراهم والدنانير قد أجريا مجرى الجنس الواحد، فكأنه اشترى بجنس ما في يده. وأما زفر: فلا يجوِّز الشركة في الدراهم والدنانير ويجعلهما في حكم الجنسين، فصار كالمشتري بالدراهم وعنده عروض. قال: وله أن يبضع؛ وذلك لأن الشركة تنعقد على عادة التجار، ومن عادتهم أن يبضعوا، ولأن له أن يستأجر من يعمل في البضاعة بعوض، فإذا دفعها بضاعة فقد استعمل فيها بغير عوض، فهو أولى. قال: وله أن يودع؛ لأن ذلك من عادة التجار، ولأنه يجوز أن يستحفظ المودع بأجر، فإذا استحفظه بغير أجر [فهو] أولى. قال: وله أن يدفع مال الشركة مضاربة، ذكره محمد في الأصل عن أبي حنيفة (١). وقال الحسن عن أبي حنيفة: [إنه] ليس له ذلك. وجه رواية الأصل: أنه يملك أن يستأجر المضارب للعمل في المال ببدل مضمون في الذمة، فإذا دفعه مضاربة استعاد عمله بغير أجر مضمون فهو أولى. وجه رواية الحسن: أن المضاربة [شركة] (٢) وليس لشريك العنان أن

стр. 2910

يشارك إلا أن ينص له على ذلك. وهذا ليس بصحيح؛ لأنا لو جوزنا له أن يشارك [لاستفاد] (١) بحكم العقد مثل العقد، وتوابع العقد ما هو دونه، والمضاربة دون المشاركة، فجاز أن يستفاد بمقتضى الشركة، وإن لم يستفد بمقتضاها الشركة التي هي مثلها، تبين ذلك أنهم قالوا في المضارب: ليس له أن يدفع المال مضاربة بإطلاق المضاربة، وله أن يوكِّل؛ لأن الوكالة دون المضاربة، فجاز أن يستفاد بحكمها وإن لم يستفد بها مثلها، وعلى هذا لم يجز للوكيل أن يوكل بإطلاق الوكالة؛ لأنه لا [يستفيد] بحكم العقد مثل العقد. قال: يجوز أن يعمل في المال الذي بشركتهما كلَّ شيء يجوز للمضارب أن يعمله؛ وذلك لأن تصرف الشريك أقوى من تصرف المضارب وأعم، فما كان (٢) للمضارب أن يعمله فلأنْ يجوز للشريك أولى. قال: ولأحدهما أن يوكل بالشراء والبيع؛ لأن الشركة تنعقد على عادة التجار، ولأنّا لو لم نجوّز له أن يوكل ضاق الأمر عليه؛ ولأن التجار لا يتمكنون من جميع التصرفات بأنفسهم؛ لأن الوكالة أخص من الشركة، فجاز أن يستفاد بحكمها (٣). ٢٣٣٤ - فَصْل: [ارتهان أحدهما بدين عليهما] قال محمد في كتاب الرهن: [إذا رهن أحدهما متاعًا من الشركة بدين عليهما لم يجز، وصار ضامنًا للرهن]، ولو ارتهن بدين لهما أو أداناه وقبض،

стр. 2911

لم يجز على شريكه، وهذا إنما يريد به إذا رهن أحدهما بدين عليهما وجب بعقدهما؛ وذلك لأن الرهن للإيفاء، فكل واحد منهما لا يملك أن يوفي دين الآخر من ماله إلا بأمره، فكذلك لا يملك الرهن، وكذلك [إذا] ارتهن بدين [أداناه]؛ لأن الارتهان للاستيفاء، وهو لا يملك أن يستوفي ثمن ما عقده شريكه لنفسه. قال: فإن هلك الرهن في يده، وقيمته والدين سواء ذهب بحصته، ويرجع شريكه بحصته على المطلوب، ويرجع المطلوب بنصف قيمة الرهن على المرتهن، وإن شاء شريك المرتهن ضمن شريكه حصته من الدين؛ وذلك لأنه قبض الرهن بعقدٍ فاسدٍ، وفاسد الرهن يتعلق به الضمان كما يتعلق بصحيحه. فإذا هلك في يده صار مستوفيًا للدين، ومن استوفى دينًا مشتركًا بغير إذن شريكه، كان لشريكه أن يرجع على الغريم بنصيبه، ويرجع الغريم على القابض بما قبض؛ لأنه سلم إليه ليملك ما في ذمته بما سلم، ولم يملك ذلك، وإن شاء الشريك رجع عليه بنصف دينه؛ وذلك لأن هلاك الرهن استيفاء للدين من طريق الحكم، وأحد الشريكين إذا استوفى نصيبه من دين مشترك كان لشريكه أن يشركه فيما قبض ويرجع القابض بمثله، فإن أشركه في مسألتنا في مقدار نصيبه ثبت للمرتهن الرجوع بمثل ما استحق، وفي ذمته مثله، فصار مستوفيًا له، فثبت لشريكه المشاركة فيه، وثبت له الرجوع بمثله، وعلى هذا حتى يستوفيا (١) الدين. وقد طعن عيسى في هذه المسألة وقال: يجب أن لا يضمن الشريك نصيب

стр. 2912

شريكه؛ لأن محمدًا قال: لو قال رجل [الرجل]: أعطني رهنًا بدين فلان الذي عليك، فإن أجازه جاز، وإن لم يجزه فلا ضمان على القابض، فإن أعطاه وهلك الرهن في يده لم يضمن (١). وهذا ليس باعتراض؛ لأنه لما أخذ رهنًا لغيره وشرط أن لا ضمان صار عدلًا [له]، وهلاك الرهن في يد العدل لا يوجب عليه الضمان، فأما في مسألتنا فإنما قبضه للاستيفاء، والرهن المقبوض للاستيفاء مضمون. قال أبو الحسن: وإن اشتركا شركة مبهمة، فلكل واحد منهما أن يبيع بالنقد والنسيئة، وأن يأخذ رهنًا، وذلك كله جائز عليه وعلى شريكه، وإنما يعني بالشركة المبهمة المطلقة. فأما البيع بالنقد والنسيئة، فقد بيّناه، وأما أخذ الرهن فإذا وَلِيَ العقد جاز له أن يرهن ويرتهن؛ لأنه يملك الإيفاء والاستيفاء، وليس كذلك المسألة المتقدمة؛ [لأنهما وضعا على أنهما] (٢) ولِيَا العقد، ولا يملك أحدهما أن يستوفي نصيب شريكه ولا أن يوفيه. وأما الحوالة فلأنها [تمليك مال] (٣) بمال، والشريك يملك هذا في حق شريكه؛ ولأنه من عمل التُّجَّار. قال: ويجوز أن يُوَكِّلَ كل واحد منهما وكيلًا بالبيع والشراء، أستحسن ذلك، وأدع القياس فيه.

стр. 2913

[وجه القياس: أن الشريك رضي برأيه ولم يرض برأي غيره]. وجه الاستحسان: أن الشركة تنعقد على عادة التجار، ومن عادتهم أن يوكلوا [ويبضعوا] ويستأجروا من يعمل في المال. قال: وإذا كانا شريكين في خادم أو ثوب خاصة، فليس لأحدهما أن يوكل ببيعه، وإن وَكَّلَ لم يجز في حصة صاحبه؛ لأن شركة الأملاك كل واحد من الشريكين في نصيب الآخر كالأجنبي، ألا ترى أنه لم يأذن له في التصرف ولا ولاية له عليه، فلم يجز له التصرف في ماله مع عدم الوِلايَةِ والإِذْن. قال أبو الحسن: وإذا باع أحدهما لم يكن للآخر أن يقبض شيئًا من الثمن، وكذلك كل دَيْنٍ وليه أحدهما فليس للآخر قبضه، وللمديون أن يمتنع من دفعه؛ وذلك لأن القبض من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد؛ ولأن المديون لم يلتزم الحقوق للمالك، وإنما التزمها للعاقد، [فلم يجز أن يلزمه للمالك ما لم يلتزمه إلا بتوكيل العاقد]، فإن دفع إلى الشريك برئ من نصيبه، ولم يبرأ من حصة المداين، وهذا استحسان. والقياس: إذا قبض الموكل لا يبرأ الدافع؛ لأن حقوق العقد لا تتعلق به كالأجنبي وجه الاستحسان: أنا لو فسخنا هذا [العقد] (١) احتجنا إلى إعادته في الحال ألا ترى أن المديون يلزمه دفعه إلى العاقد، فَيَتَعَيَّنُ في يده للموكل، فيرده إليه فلا معنى لفسخ القبض وإعادته في الحال.

стр. 2914

قال: وليس لواحدٍ منهما أن يخاصم فيما أدانه الآخر أو باعه، والخصومة للذي باع، وعليه ليس على الذي لم ينل من ذلك شيء، ولا يسمع بينته فيه، ولا يستحلف، وهو والأجنبي في هذا سواء. وذلك لما بينا أن الخصومة من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد. قال: وإن قبض الذي باع الثمنَ أو المبيعَ أو وكل بذلك، جاز عليه وعلى شريكه؛ لأن شريكه (١) قائم مقامه، فصار قبضه كقبضه. قال: فإن وَكَّل أحدهما وكيلًا ودفع إليه مالًا وأمره بأن ينفق على شيء من تجارتهما، والمال من الشركة فذلك جائز؛ لما بيّنا أن الشريك يملك التوكيل، فصار تصرف وكيله كتصرفه. قال: وإن أخرج الشريك الآخر الوكيل، فقد خرج منها إن كان في تقاضٍ أو بيع أو شراء أو إجارة؛ وذلك لأن كل واحد من الشريكين يملك التصرف في حق شريكه الآخر بالتوكيل، فكذلك بالعزل؛ ولأن الشريك وكيل لشريكه، وإذا وَكَّل كان لمُوَكِّلِهِ أن يعزلَ وَكِيْلَه. فإن كان وكلَّه في تقاضي [ما باعه] فليس للآخر إخراجه؛ وذلك لأنه لا يملك أن يوكل بتقاضي ما باعه شريكه، فلا يملك أن يعزل [وكيله] عنه؛ ولأن هذا التوكيل لم يستفده الشريك بحكم الوكالة، وإنما استفاده بالعقد، وشريكه لا يمكنه عزله عن حقوق العقد. قال: وليس لأحدهما أن يكاتب عبدًا من تجارتهما، ولا يعتقه على مال؛

стр. 2915

لأن الشركة تنعقد على التجارة والمكاتبة والعتق ليسا من التجارة؛ ولهذا لا يملكهما المأذون. قال: وليس لأحدهما أن يُزَوِّجَ عبدًا ولا أمة في قول أبي حنيفة ومحمد، أما التزويج للعبد فلا يجوز في قولهم، ولا يملك أحد في حق عبده (١) إلا أن يأذن بصريح الإذن؛ لأنه ضرر لا منفعة فيه، وأما تزويج الأمة فلا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه ليس من التجارات، وتصرف الشريك خاص في التجارات، ويجوز عند أبي يوسف؛ لأن تصرفه عام كتصرف الأب، وقد بيّنا هذا في النكاح. قال: وإذا باع أحدهما [وأخّر الآخر] لم يجز على صاحبه، أما في نصيب شريكه فلا يجوز؛ لأنه لا يملكه ولا ولي عقده، وأما في نصيب نفسه فلا يجوز عند أبي حنيفة على أصله في الدين المشترك: أن [أحد الشريكين لا يملك تأخير نصيبه منه (٢). وقال أبو يوسف ومحمد: يملك. (٣) وجه قول أبي حنيفة: أن تأخير نصيبه يؤدي إلى قسمة الدين حال كونه في الذمة، ألا ترى أن معني القسمة: أن ينفرد أحد الشريكين بنصيبه على وجه لا يثبت للآخر فيه حق، وهذا المعنى موجود في التأخير، فإذا لم يجز قسمة الدين، لم يجز تأخيره، وليس كذلك إذا أبرأ أحدهما من نصيبه؛ لأن البراءة إتلاف لنصيبه، والدَّيْنُ فيها معنى القسمة، ألا ترى أن القسمة سلامة

стр. 2916

نصيب أحدهما له مع ثبوت حق الآخر فيه، فأما إتلاف أحدهما نصيبه، فهو كطعام مشترك أحرق أحدهما نصفه وجه قولهما أن التأخير إسقاط للمطالبة كالبراءة. وأما إذا أدانا جميعًا، ثم أخر أحدهما، فتأخيره عند أبي حنيفة لا يجوز في نصيب شريكه؛ لأنه لا يملكه ولا تولى العقد فيه. ولا يجوز في نصيب نفسه؛ لما في ذلك من قسمة الدين، وعلى قولهما: يجوز تأخيره في نصيبه، كما يجوز أن يُبرئ منه، ولا يجوز في نصيب شريكه. فأما إذا عقد أحدهما ثم أخر العاقد، فتأخيره جائز عند أبي حنيفة ومحمد النصيبين جميعًا، أما في نصيبه؛ فلأنه مالك له، وأما في نصيب شريكه؛ فلأنه هو العاقد، والمطالبة من حقوق العقد، فتعلق بالعاقد. وعلى قول أبي يوسف: يجوز في نصيبه، ولا يجوز في نصيب شريكه؛ لأن من أصله أن الوكيل بالبيع لا يملك تأخير الثمن ولا البراءة منه. وإذا ثبت من أصل أبي حنيفة ومحمد: أن تأخير العاقد لنصيب شريكه جائز، فلا ضمان عليه؛ لأنه يملك أن يُقايل البيع ثم يبيعه نسيئة، فإذا لم يقايله وأخر الدين، جاز. وليس كذلك الوكيل بالبيع؛ لأنه لا يملك أن يقابل، ويبيع بالنَّسَاء، فإذا أخّر ضمن. وإن استقرض أحدهما مالًا لزمهما؛ وذلك لأن الاستقراض تمليك مال

стр. 2917

بالعقد، كالصرف، فيثبت في حقه وحق شريكه. قال: وإن أقرّ بدين لم يجز على صاحبه؛ وذلك لأن شركة العنان لا تتضمن الكفالة، والإقرار يلزم المُقِرَّ، فلا يُصدّق على إيجاب الحق على شريكه. وليس لأحدهما أن يقرض؛ لأن القرض تبرع، وهو لا يملك التبرع في حق شريكه. وإن أقَرَّ بجارية في يده من تجارتهما أنها لرجل، لم يجز في نصيب شريكه، وجاز في نصيبه، وإن كان قال له: اعمل برأيك؛ لأن تصرف كل واحد منهما لا يجري مجرى تصرف الآخر، فلم يصح إقراره في نصيب شريكه كالوكيل. وكذلك إن قال له: اعمل برأيك؛ لأن هذا القول يفيد عموم التصرف فيما اشتملت الشركة عليه، والإقرارُ لم يدخل في الشركة. قال: ولا يملك أن يُقرض على شريكه إلا أن يأذن له إذنًا مصرَّحًا أن يقرض؛ لأن القرض لما لم يشتمل عليه الشركة لم يدخل تحت قوله: اعمل فيه برأيك، فلم يجز حتى يُصرّح بالإذن فيه. قال: وما استأجر أحد شريكي العنان لشيء من تجارتهما، فهو جائز، والأجرُ على المُستأجر خاصة، لا يطالب الآخر به، ويرجع على شريكه بنصفه؛ وذلك لأن الإجارة من التجارة، ألا ترى أن المأذون يملكها؛ ولأن المنافع أُجريت مجرى الأعيان، فصار الاستئجار كالشراء، والمطالبة عليه؛ لأنها تتعلق بالعاقد، ويرجع على شريكه بنصفه؛ لأنه وكيله في العقد. قال: وإذا أَقالَ أحد شريكي العِنَان فيما باعه الآخر، جازت الإِقَالَة؛ لأنه

стр. 2918

يملك الشراء على الشركة، والإقالة فيها معنى الشراء. قال: وإن اشترى أحدهما بغير مال الشركة لم يلزم صاحبه، وهذا قد بيّناه؛ لأنه يصير مستدينًا على المال، ولم يأذن له في الاستدانة. قال أبو يوسف: وليس لواحد منهما أن يُسافر بالمال بغير إذن صاحبه. والصحيح من قول أبي حنيفة: أن لشريك العنان، والمُبضَع، والمُضَارِب، والمودَع أن يسافروا. وروي عن أبي حنيفة: أنه ليس للشريك والمضارب أن يسافر، وهو قول أبي يوسف. وروي عنه: أن له أن يسافر إلى موضع لا يبيت عن منزله. وروي عنه: أنه يُسافر بما لا حمل له ولا مؤونة، ولا يسافر بما له حمل ومؤزنة. وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أن الشركة إذن في التصرف الذي يحصل به الربح، وذلك يكون في السفر والحضر، فاقتضى عموم الأمر جوازهما؛ ولأنه مؤتمن في المال كالمُوْدَع، ولا شبهة في المودع أنه لا يلتزم بحفظ الوديعة على أن يقعد عن أسفاره. وجه قول أبي يوسف: أن السفر بالمال خطر، فلا يجوز في ملك الغير إلا بإذنه. والذي فرّق بين البعيد والقريب، فلأنه إذا كان لا يبيت عن منزله، فهذا في حكم المصر وَمَحالّه.

стр. 2919

والذي فرّق بين ما له حمل وبين ما لا حمل له، أن ما له حمل إذا احتاج شريكه إلى ردّه لزمه مؤونة في الرد، وما لا مؤونة له لا يوجد فيه ذلك. وقد ذكر أبو الحسن وقال: فإن اشتركا في الأشياء كلها وليس في شيء بعينه، وهي مُفَاوَضَةٌ أو عِنان في الشراء والبيع بالنقد والنسيئة، فلهذا أن يسافر في بيع من بيع الشركة له حمل ومؤونة أو لا حمل له بغير إذن شريكه. قال هذا عطف على قول أبي يوسف؛ وذلك لأنهما إذا عقدا الشركة عامة، فقد فوّض إليه الرأي على العموم، فكأنه قال له: اعمل برأيك. وقد قالوا جميعًا في الشريك ورب المال إذا قال: اعمل برأيك: أن له السفر؛ لأنه فوّض إليه الرأي في التصرف الذي اشتملت عليه الشركة. قال أبو الحسن في الجامع عطفًا على هذه المسألة، قال: وكل شيء من هذا خرج فيه الشريك أو المضارب إلى موضع البيع الذي يشتري فيه، فلا ضمان عليه. وليس هذا كالسفر، وإنما يعني بهذا: إذا اشتركا في نوع من الأموال يبتاع في موضع مخصوص، فسافر الشريك لابتياعه؛ لأن الشركة تقتضي المعتاد من ذلك النوع، فكأنه أذن في السفر إليه. قال أبو يوسف عطفًا على قوله: ليس لأحد الشريكين أن يُسافر، فإن سافر أحدهما فهلك، فلا ضمان عليه إذا كان لا حمل له ولا مؤونة، وإذا كان له حمل ومؤونة فهو ضامن، وهذا على الرواية التي جوّز له السفر أحدهما دون الآخر. قال: وما لم يكن فيه مؤونة، فاشترى به في السفر أو باع، فربح أو وضع،

стр. 2920

فإنه يجب في القياس أن يكون الربح، له ولكني أدع القياس، فإن عطب كان ضامنًا، وإن سلم كان الربح بينهما. وكذلك ما سافر به من متاع الشركة مما له حمل ومؤونة، فباعه، فتوى الثمن أو توى المتاع من قَبْلِ أن يبيعه، فهو ضامن، فإن سلم فالربح بينهما على الشركة، وهذا يتفرع على الرواية الأخرى التي سُوِّيَ فيها بين الأمرين في المنع من السفر. فوجه القياس: أنه صار ضامنًا بالسفر، والضمان ينافي الأمانة، فكان الربح له كالغاصب. وجه الاستحسان: أنه لما سلم حكمنا بزوال الضمان، فكأنه لم يكن، ولأنّا ضمّناه للخطر بالمال، فإذا سَلِم فقد زال المعنى الموجب للضمان. وهذا نظير ما قالوا في المستأجر إذا تعدى في الحمل وسَلِمَت الدابة: فالقياس: أنه لا يلزمه الأجرة؛ لأنه غاصبٌ بالتعدي، والأجر والضمان لا يجتمعان، إلا أنهم استحسنوا: إذا سَلِمَ أن يجب الأجر؛ لأن المعنى الموجب للضمان قد زال، فكأنه لم يكن. وإذا سافر الشريك بالمال وقد أَذِنَ له في السفر، أو قيل له: اعمل برأيك، أو كانت الشركة مطلقة على الرواية التي جوّزوا السفر، فله أن ينفق من جُملة المال على نفسه في كِرَائِهِ ونَفَقَتِهِ وطَعَامِهِ وإِدَامِهِ من رأس المال، وروى ذلك الحسن عن أبي حنيفة، وقال محمد: هذا استحسان؛ لأن نفقته من مال الغير لا يجوز إلا بصريح الإذن، وإنما استحسنوا؛ لأن السفر إذا كان لأجل مال الشركة، فالعادة أن الإنسان لا يلتزم نفقته من ماله لربح يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون،

стр. 2921

وإنما ينفق في العادة من المال، فصار المعتاد كالمنطوق به. قال محمد: وإن ربح حَسَب النفقة من الربح وإن لم يربح، كانت النفقة من رأس المال؛ لأن النفقة جزء تالف من المال، فإن كان هناك ربح فهو منه، وإلا فهو من الأصل. قال الحسن عن أبي حنيفة: ولكل واحد منهما أن يبيع ما اشتراه هو وما اشتراه صاحبه مرابحة على ما اشتراه؛ وذلك لأن كل واحدٍ منهما وكيلٌ بالشراء لصاحبه وبالبيع، ومن وُكِّل بالبيع جاز أن يبيعه مرابحة. فإن باع أحدهما متاعًا من شركتهما، فرُدَّ عليه بعيب فَقَبِلَهُ بغير قضاء قاضٍ، جاز ذلك عليهما؛ لأن كل واحدٍ منهما يملك أن يشتري ما باعه على الشركة، وقبول المبيع بغير قضاء في حكم شراءٍ مبتدأٍ. وكذلك لو حَطّ ثمنه أو أخّر ثمنه، يعني: لأجل العيب؛ لأن العيب يوجب الرد، ويجوز أن يكون الصُّلح والحط أنفع من الرد، فكان له ذلك. قال: وكذلك لو احتال بثمنه على رجل، جاز؛ لأن الحوالة تمليك مالٍ في الذمة بمثله، كالصرف. وإن حَطَّ أحدهما عن غريم لهما شيئًا من غير عيب ومن غير أن يخاف منه، جاز نصف الحط في حصته، ولم يجز على صاحبه؛ لأن الحط بغير عيب تبرع، وتبرع الإنسان يجوز في مال نفسه، ولا يجوز في مال شريكه. وكذلك لو وهبَ؛ لأن الهبة صريح تبرع، وذلك لا يجوز في ملك الغير. قال: ولو أقَرَّ أحدهما بعيب في متاع باعه، جاز عليه وعلى صاحبه.

стр. 2922

قال: وهذا قياس قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف، وبه نأخذ؛ وذلك لأن الشريك لا يلزمه الجحود إذا كان يعلم بالعيب، فإذا أقر به لم يكن مُفرِّطًا. وقد قالوا في الوكيل إذا أقرّ بالعيب، فردّ [بقضاء] (١) القاضي عليه، كان له أن يخاصم المُوَكِّلَ؛ لأنه لا يملك الشراء في حقه، وقوله غير مقبول إن كان العيب كان في يده، فأما الشريك فليس بمتعدٍ في الإقرار، وهو يملك الشراء في حق شريكه، فلذلك لزمهما. قال: فإن قال كل واحدٍ منهما لصاحبه اعمل في ذلك برأيك، جاز لكل واحدٍ منهما أن يعمل في ذلك كله فيما يقع في التجارة: من الرهن، ودفع المال مضاربة، والسفر بالمال، والارتهان، وأن يخلطه بماله، وأن يشارك فيه؛ وذلك لأنه فوّض إليه الرأي في التصرف الذي تقتضيه الشركة، فإذا فعل ما هو من التجارة، جاز على العموم؛ ولأنّا إنما لا نجوّز له أن يُشارك؛ لأنه بالشركة يوجب في مال شريكه حقًّا لغيره، فإذا فوّض إليه الرأي فقد رضي بذلك. وأمّا الهبة والقرض وما كان إتلافًا للمال، أو تمليكًا له بغير عوض، فإن ذلك لا يجوز، إلا أن ينص عليه بعينه؛ لأن هذا ليس من التجارة، وهو إنما فوّض إليه الرأي في التجارة خاصة. وقد قالوا: إن الشريك إذا لم يقل له: اعمل برأيك، لم يجز له أن يخلط مال الشركة بمال له خاصّ؛ لأن الخلط إيجاب حق في المال، فلا يجوز إلا القدر الذي رضي به مالك المال. وقالوا: إن شارك أحد الشريكين رجلًا شركة عنان، فما اشتراه الشريك،

стр. 2923

فنصفه له ونصفه بين الشريكين؛ وذلك لأنه لا يملك الشركة في حق الشريك، ويملك التوكيل، وفي مضمون الشركة التوكيل، فإذا اشترى الشريك، كان نصف ما اشتراه بينهما، فإذا اشترى الشريك الذي لم يشارك فيما اشتراه بينه وبين شريكه نصفين، ولا شيء للأجنبي منه؛ لأنه لم يوكله، فبقي ما اشتراه على حكم الشركة. قال الحسن: وإذا شارك أحد الشريكين شركة عنان رجلًا شركة مفاوضة بغير محضر من شريكه، لم تكن مفاوضة، وكانت شركة عِنان؛ لأن المفاوضة تقتضي فسخ شركة العنان، ألا ترى أن المفاوض يجب أن يكون شريكه في كل المال، وذلك لا يصح في حق شريكه، فكان ذلك فسخا للشركة، وهو لا يملك الفسخ مع غيبته. وإن كان ذلك بمحضر من صاحبه، صحّت المفاوضة، وكان ذلك إبطالًا لشركة العنان؛ لأنه يملك فسخ الشركة مع حُضور صاحبه، فإذا فعل ما يقتضي الفسخ، كان فسخًا. وقالوا: إذا أخذ أحد شريكي العنان مالًا مضاربة، فهو له خاصّة؛ لأن المضارب يستحق الربح في مقابلة عمله، فانفرد به، كما لو آجر نفسه. قال: وإذا قال أحد الشريكين للآخر: اعمل برأيك، فليس له أن يزوّج، ولا أن يكاتب؛ لأن ذلك ليس من التجارة، وهو إنما جعل إليه عموم التصرف في التجارة. قالوا: ولا يستولد جارية من المال؛ لأن في ذلك إبطالًا للشركة، وهو إنما جعل إليه عموم التصرف في الشركة، لا في إبطالها (١).

стр. 2924

بَاب ما يجوز لأحد المتفاوضين أن يعمله في مال المفاوضة قال أبو الحسن: كل ما ذكرت لك أنه يجوز لشريك العنان أن يفعله، فذلك جائز للمفاوضين، ويجوز على شريكه؛ وذلك لأن المفاوضة أعمّ من العنان، فما جاز لشريك العنان من التصرف، فجوازه للمفاوض أولى. وعلى هذا، كل ما كان شرطًا في صحة شركة العنان، فهو شرط في صحة شركة المفاوضة؛ لأن المفاوضة أعمّ من العنان، فهي تقتضي شروط العنان وزيادة. وكل ما فسدت به شركة العنان فهي مفسدة لشركة المفاوضة؛ لأن المفاوضة لا يُفسدها ما لا يفسد العنان؛ فلأن يفسدها ما يفسد العنان أولى. ويجوز للمفاوض أيضًا ما لا يجوز لشريك العنان، فمما يختص به المفاوض أن يجوز إقراره بالدين عليه وعلى شريكه، ويطالب المُقرُّ لَه أيهما شاء؛ لأن كل واحد منهما كفيل عن الآخر، فيلزم المُقِرُّ بإقراره، ويلزم شريكه بكفالته. وكذلك ما وَجَب على كلِّ واحدٍ منهما من كل واحدٍ منهما من دين بسائر العقود التي تكون من التجارة من الشراء والبيع، والاستئجار وغير ذلك من سائر ما يضمنه أحدهما من الأموال بالغصوب، والبيوع الفاسدة، والخلاف في الودائع، والعواري، والاستهلاكات، والإجارات. أما ما لزم أحدهما بالعقود التي تكون من التجارة، فذلك دين لزم بسبب

стр. 2925

الشركة، وكل واحدٍ منهما كفيل عن الآخر فيما يلزمه بسبب الشركة. ولهذا قالوا: إن البينة تُسْمَعُ في ذلك على الشريك الذي لم يَلِ العقد؛ لأن الدين لازم له كما هو لازم لشريكه؛ ولأنه كفيل عن شريكه، والبينة بالدين تُسْمَعُ على الكفيل كما تسمع على المفكول عنه. فأمّا البيع الفاسد، فهو مما اشتملت عليه الشركة، ألا ترى أن الأمر بالبيع يقتضي الصحيح والفاسد، وأما الغصب فإنّه يلزم الشريك ضمانه عن شريكه، وروى الحسن بن أبي مالك وعَلِيّ بن الجَعْد عن أبي يوسف: أن الغصب والاستهلاك لا يلزم إلا فاعله دون شريكه، وكذلك الإقرار بذلك. وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أن ضمان الغصب يجري مجرى ضمان البيع الفاسد؛ لأن الضمان متعلق بالقبض؛ ولأنه يدل عمّا ملك بالفعل ويصح الاشتراك فيه، كالبدل في البيع. وجه قول أبي يوسف: أنه ضمان يتعلق بالفعل، فأشبه ضمان الجناية. وأما الخلاف في الودائع، والعواري، والرهون، والإجارات، فهو كضمان الغصب؛ لأنه يلزم بالتعدي في ملك الغير. فأما إذا كفل أحدهما بمالٍ عن غيره، فذلك لازم لشريكه عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلزمه. وجه قول أبي حنيفة: أن الكفالة تمليك مال بمال بنفس العقد، كالصّرف. وجهُ قولهما: أن الكفالة تبرّع كالهبة والصدقة والقرض.

стр. 2926

وأما إذا كفل أحدهما بنَفْسٍ لم تؤخذ جنايةً في بني آدم لم يلزم شريكه؛ لأن الجناية ليست من التجارة؛ ولأنه مال لزم بدلًا عما لا يصح الاشتراك فيه، وكذلك إن تزوّج امرأة على مهر، لم يلزم ذلك شريكه؛ لأن المهر بدل عمّا لا يَصِحُّ فيه الاشتراك. وأما إذا جنى أحدهما على دَابَّةٍ أو ثَوْبٍ، لزم شريكه في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه يملك المجني عليه بالضمان، وذلك مما يصح فيه الاشتراك. قال: ويجوز لأحدهما أن يُكاتب عبدًا للتجارة، أو يأذن له في التجارة؛ وذلك لأن تصرّف كل واحد منهما عام فيما عاد نفعه إلى المال، كتصرف الأب في مال الصغير. وقال ابن رستم عن محمد: وكل ما يجوز أن يفعله الإنسان فيما لا يملكه، فالمفاوض فيه أجوز أمرًا (١). وإنما يعني بذلك: أن الأب إذا جاز له التصرف في مال ابنه بشيء، فجوازه للمفاوض أولى، والكتابة والإذن يملكهما الأب في مال ابنه. قال: ولا يجوز أن يعتق شيئًا في عبيد التِّجَارَةِ على مال؛ لأن العتق صريح التبرع، ألا ترى أنه يتعجل العتق بمال يجوز أن يسلم ويجوز أن لا يسلم؛ ولهذا لا يملك الأب في مال ابنه. قال: ولا يزوج العبيد؛ لأن تزويج العبيد ضرر لا نفع فيه؛ لأن المهر والنفقة تجب في رقبته، وولده لغيره وينتقص من قيمته، فلا يملكه الإنسان في مال غيره.

стр. 2927

قال: ويجوز أن يزوِّج الإماء؛ لأن تزويج الإماء فيه منفعة، ألا ترى أنه يسقط عنه نفقتها، ويستحق مهرها وولدها، وتصرفه عام في كل ما عاد نفعه إلى المال، فيجوز. قال: ويجوز أن يدفع المال مضاربةً؛ لأنه يملك أن يستأجر من يعمل بأجرٍ مضمون، فلأن يملك أن يستعمله بمال غير مضمون أولى. قال: ويجوز أن يشارك شركة عنان عند أبي يوسف ومحمد، ولا يجوز في رواية الحسن؛ لأن شركة العنان أخصّ من المفاوضة، فجاز أن يُستفاد بمقتضاها كما يُستفاد المضاربة بمقتضى العنانِ؛ ولأن الأب يملك ذلك في مال ابنه، فكذلك يملك المفاوض على شريكه. وجهُ رواية الحسن: أنه يوجب للشريك حقًّا في مال شريكه، وذلك لا يجوز إلا بإذنه، وأما إذا فاوض أحدهما رجلًا، جاز عليه وعلى شريكه في قول محمد. ذكره في الأصل. قال أبو يوسف: لا يجوز، وكذلك في رواية الحسن. وجه قول أبي يوسف: أن العقد لا يُستفاد بما اقتضاه مثله، وإنما يُستفاد به ما هو دونه. وجه قول محمد: أن تصرف كل واحد منهما عام، فصار كتصرف الآخر. قال: ويجوز أن يرتهن ويرهن على شريكه؛ لأن كل واحدٍ منهما يملك أن يستوفي ما باعه الآخر، فكذلك يَملك أن يرتهن؛ لأن الرهن للاستيفاء، ويلزم كل واحد منهما أن يوفي ما على الآخر، فكذلك يجوز أن يَرهن؛ لأن الرهن للإيفاء.

стр. 2928

قال: ويجوز أن يقبض كل واحد منهما ما أدانه، أو أدانه صاحبه، أو أداناه جميعًا، أو وجب لهما على رجل من غصب أو كفالة؛ لأن كل واحد منهما كفيل ووكيل للآخر، فيملك أن يستوفي في حقه، وكل واحد منهما تصرفه كتصرف الآخر. قال: وما وجب عليه، فلصاحب الحق أن يأخذ كل واحد منهما به؛ لأن كل واحد منهما كفيل عن الآخر، فيطالب بحق الكفالة. قال: وكل واحد منهما خصمٌ عن الآخر، يطالب بما على صاحبه، ويقام عليه البينة، ويستحلف على علمه فيما هو من ضمان التجارات، وذلك لما بيّنا أن الكفيل خصم فيما يدعي على المكفول عنه، ويُستحلف على علمه؛ لأنها يمين على فعل الغير. قال: وإذا اشترى أحدهما طعامًا لأهله، أو كسوة، أو ما لا بدّ له منه، فذلك جائز، وهو له خاصة دون صاحبه، وللبائع أن يطالب بثمن ذلك أيهما شاء، وهذا استحسان. والقياس: أن يكون المشترى بينهما؛ لأنه مما يصح الاشتراك فيه، فصار كسائر الأعيان. وجه الاستحسان: أن الضرورة تدعو إلى شراء القوت والكسوة؛ لأنه مما لا بدّ منه، فصار مستلزم المفاوضة بالضرورة، فاختصّ به المشتري. قال: وللبائع أن يطالب بالثمن أيهما شاء؛ لأن كل واحدٍ منهما كفيل عن الآخر ببدل ما يجوز فيه الاشتراك، إلا أنهم قالوا إن الشريك يرجع على شريكه

стр. 2929

بنصف ثمن ذلك؛ لأنه يقضي دينه من ماله فيرجع به عليه. قال: وليس له أن يشتري جارية للوطء، ولا للخدمة بغير إذن الشريك؛ لأن الجارية مما يصح فيه الاشتراك، ولا ضرورة به إلى الانفراد بملكها، فصار كسائر الأعيان، فأما الطعام والكسوة ففيه ضرورة، فأخرجت من الشركة. قال: وإن اشترى أحدهما جارية ليطأها بإذن شريكه، فهو له خاصة، ولم يذكر في كتاب الشركة الاختلاف. وذكر في الجامع الصغير فقال عند أبي حنيفة: لا يرجع عليه بشيء من الثمن، وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع عليه بنصف الثمن (١). وجه قول أبي حنيفة: أن الجارية داخلة في الشركة؛ بدلالة أنها لو لم تدخل استوى فيها الإذن وعدم الإذن، كالطعام المشترك، وإذا دخلت في الشركة فإذنه في الشراء لا يخلو: إما أن يكون لجواز الشراء، أو للانفراد بها، أو لتملكها. ولا يجوز أن يكون لجواز الشراء؛ لأنه تملك بغير إذن، ولا يجوز أن يكون للانفراد بها؛ لأنه لا ينفرد بها وإن أذن، فلم يبق إلا أن يكون للتملك، فكأنه قال: اشتر جارية بيننا، وقد ملكتك نصيبي فيها، فيكون هذا هبة متعلقة بالشراء، وإذا اشترى وقبض، صحّت الهبة. وجه قولهما: أن الجارية مشتراة على الشركة، والإذن في الشراء لجواز الانفراد بها بعد الشركة، فلا يثبت سقوط الثمن من غير حاجة إليه. قال: وإن شترى أحدهما جارية للوطء بإذن شريكه، فاستولدها، ثم استحقت،

стр. 2930

فعلى الواطئ العقر، يأخذ المستحق بالعقر أيّهما شاء؛ لأن هذا ضمان وجب بسبب البيع، والضمان الواجب بسبب البيع يلزم كل واحد منهما كالثمن. وليس كذلك المهر في النكاح الصحيح والفاسد؛ لأنه مال لزم بسبب النكاح، فلا يدخل في الشركة. ولو أَقالَ أحدهما في بيع باعه الآخر جاز عليهما؛ لأنه يملك الشراء على الشركة، والإقاله في معنى الشراء؛ ولأن الإقالة يملكها شريك العنان، فالمفاوض أولى. وإذا مات أحد المتفاوضين، أو تفرقا، لم يكن للذي لم يل المداينة أن يقبض الدين؛ لأن الشركة بطلت بالموت، ألا ترى أنها وكالة، والوكالة تبطل بموت المُوكل؛ لبطلان أمره، وتبطل بموت الوكيل؛ لتعذر تصرفه. وإذا بطلت الشركة، بطلت الوكالة التي في مضمونها، فلم يجز لأحدهما أن يقبض نصيب الآخر إذا لم يكن هو الذي وَلِي العقد، ويجوز قبضه في نصيب نفسه؛ لأنه موكل فيه، وقبض الموكل يجوز استحسانًا. وأمّا الذي ولي المداينة، فله أن يقبض الجميع؛ لأنه يملك ذلك بعقد المداينة، فلا تبطل بفسخ الشركة، كما لا تبطل بالعزل. وإذا آجر أحد المتفاوضين نفسه في خياطة أو عمل من الأعمال، والأجر بينهما نصفان، وكل كسب اكتسبه أحدهما فهو بينهما نصفان، وهذا على وجهين: إذا آجر نفسه على عمل يصير مضمونًا عليه بالعقد، صار ذلك العمل مضمونًا على شريكه بالكفالة، فكانت الأجرة بينهما.

стр. 2931

فأما إذا آجر نفسه في عمل لا يكون مضمونًا عليه، فالأجرة له خاصة، مثل أن يؤاجر نفسه يخدم رجلًا؛ لأن العمل ليس بمضمون عليه، فلا يستحق شريكه الأجرة مع عدم الضمان. وقال أبو حنيفة: وإذا قضى أحدهما دينًا كان عليه قبل المفاوضة، فهو جائز؛ لأنه إذا قضى صار المقضي دينًا على القاضي، ثم يصير قصاصًا من طريق الحكم، وهو يملك المداينة بحكم الشركة، فلذلك جاز القضاء. ولا تنتقض المفاوضة؛ لأن مال أحدهما العين لم يزد على مال الآخر، وليس لصاحبه سبيل على الذي قبض الدين؛ لأنه قبض مالًا للشريك أن يملكه إياه، ويرجع على شريكه بحصته منه؛ لأنه قضى دين نفسه من مال غيره، فإن استرجع ذلك بطلت المفاوضة؛ لأن ملكه زاد على مال شريكه. قال: فإن رهن به أمة من المفاوضة، وهو خمسمائة وقيمتها ألف، فإن ماتت في يد المرتهن، ذهبت بخمسمائة، ولا يضمن ما بقي؛ لأنه مودع في مقدار الأمانة من الرهن، وللمفاوض أن يودع. وكذلك وَصِيُّ أيتامٍ رهن أمة لهم بأربعمائة عليه قيمتها ألف، فماتت في يد المرتهن، ذهبت بأربعمائة، ويكون ذلك دينًا للورثة على الوَصَيّ، وهو أمين في الفضل. وكذلك الأب يرهن أمة ابن له صغير بدين عليه؛ وذلك لأن الأب والوصي يملكان الوديعة، وما زاد على مقدار الدين في الرهن أمانة، فيصير كالوديعة. وقال الحسن: قال أبو حنيفة: لو أقرض أحد المتفاوضين مالًا، وأعطاه

стр. 2932

رجلًا ليأخذ به سفتجةً (١)، كل ذلك جائز عليهما، ولا يضمن تَوَيَ المال أولم يَتْوِ. وفي قياس قول أبي يوسف: أن الذي أقرض وأعطى السفتجة يضمن حصة شريكه من ذلك، وهذا فرع على اختلافهم في الكفالة؛ لأن الكفيل في حكم المُقْرِض، فإذا جاز ذلك عند أبي حنيفة في حق الشريك، جاز القرض، وعلى قول أبي يوسف: لا تجوز الكفالة لما فيها من معنى التبرع، فكذلك القرض. وقالوا: في أحد المتفاوضين إذا استأجر إبلًا إلى مكة ليَحِجَّ، أو ليحمل عليها متاعه من بيته فللمؤاجر أن يطالب أيهما شاء بالأجر؛ لأن المعقود عليه مما يجوز دخوله في الشركة، ألا ترى أنه لو بدا له في حمل متاعه، فحمل عليهما متاع الشريك، جاز، وإذا دخل ذلك في الشركة كان البدل عليهما. ولو آجر أحدهما عبدًا له ورثه، لم يكن للشريك أن يقبض الأجرة؛ لأنها بدل عما لم تدخل في الشركة، فلم يملك قبضه كالدين الذي وجب له من الميراث (٢). * * *

стр. 2933

بَاب من يجوز له شركة المفاوضة قال أبو الحسن رَحمهُ الله تعالى: وإذا اشترى الرجلان - وأحدهما حرّ مسلم، والآخر عبد أو مكاتب أو وصي مأذون في التجارة - شركة مفاوضة، لم يصِح، وكانت شركة عنان؛ لأن المفاوضة تقتضي التساوي في المال والتصرف، والعبد والمكاتب لا يساويان الحر في التصرف؛ لأن تبرعهما لا يجوز، وتبرع الحر جائز، وكفالتهما لا تصح، وإذا لم يتساويا في التصرف لم تجز الشركة. وكذلك العَبْدَانِ والصَّبِيَّانِ والمُكَاتَبَان إذا اشتركوا؛ لأن المفاوضة تقتضي الكفالة، وكفالة هؤلاء لا تصح، وإنما كانت الشركة عنانًا؛ لأنه … (١) قد فيها شرط لا يُعتبر في العنان، فبطل معنى المفاوضة وبقي معنى العنان. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تصح المفاوضة بين المسلم والذِّمِّيّ، وقال أبو يوسف: تَصِحُّ. وجه قولهما: أن المسلم والذمي لا يتساويان في التصرف؛ إذ الذمي يتصرف في الخمر والخنزير دون المسلم، وعدم التساوي في التصرف يمنع جوازها. وجه قول أبي يوسف: أن الخمر والخنزير مستثنى من شركتهما، وهما حران تجوز كفالتهما ووكالتهما كالمسلمين.

стр. 2934

وأما المسلم والمرتد فلا تجوز الشركة في قولهم. هكذا ذكر أبو الحسن، ورواه عيسى. وقال محمد في الأصل: قياسُ قول أبي يوسف أن يجوز. فأمّا على أصل أبي حنيفة؛ فلأن المرتد موقوف التصرف، وملكه موقوف فلم يساو المسلم في الملك ولا في التصرف، فلم تجز شركتهما. وأما محمد فقال: كُفْرُ أحد الشريكين يمنع صحة المفاوضة كالذمي. وأما أبو يوسف يُفرّق بين المُرتد والذمي؛ لأن مِلْكَ المرتد معرض للزوال، وتصرفه ناقص، ألا ترى أن حاكمًا لو حكم ببطلان تصرفه وزوال ملكه نفذ حكمه، وإذا انتقض ملكه وتصرّفه حل محل المكاتب. وأمّا إذا شارك المسلم مرتدةً، فلا يجوز ذكره أبو الحسن، وهذا ظاهر على أصل أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الكفر عندهما يمنع من انعقاد الشركة، كالكفر الأصلي. فأما أبو يوسف، فالكفر عنده لا يمنع، وإنما لم يجز في المرتد لنُقصان ملكه وتصرفه، وهذا لا يُوجد في المرتدة؛ لأنها لا تقتل، فكان الواجب أن تجوز الشركة. ويجوز أن يقال: إن الردة تمنع صحّة المفاوضة، كالرجل. وأما إذا تفاوض الذمّيان، جازت مفاوضتهما وإن اختلف دينهما؛ لأنهما يتساويان في تمام الملك والتصرف، وتصح كفالتهما كالمسلمين، واختلافهما الدين غير مؤثر؛ لأنه لا يوجب اختلاف التصرف.

стр. 2935

وأمّا إذا تفاوض المرتدان، أو اشتركا شركة عنان، فذلك موقوف عند أبي حنيفة على أصله: أن عقود المرتد موقوفة، فإن أسلم جاز عقدهما، وإن قُتلا على ردتهما أو لحقا وحكم بلحاقهما، بطل تصرفهما. فأمّا على قولهما: فشركة العنان جائزة؛ لأن عقودهما تامة جائزة. فأمّا المفاوضة فينبغي أن لا تجوز؛ لأن عند أبي يوسف نقصان الملك يمنع المفاوضة، وملكهما ناقص؛ لأن الحاكم لو حكم بزواله نفذ حكمه، فصارا كالمكاتبين. وأما محمد فمن أصله: أن المرتد كالمريض في عقوده، وكفالة المريض لا تصح إلا من الثلث، والمفاوضة تقتضي جواز الكفالة على الإطلاق. وأما إذا شارك مسلم مسلمًا، ثم ارتد أحدهما، فإن قتل أو لحق فحكم بلحاقه، بطلت الشركة، وإن رجع مسلمًا قبل ذلك فهما على الشركة؛ لأنه إذا قتل أو لحق بدار الحرب فحكم بلحاقه، زالت أملاكه عند أبي حنيفة من حين ارتد، فكأنه مات، فتبطل شركته، وإن أسلم زالت المراعاة في ملكه، فكأن الردة لم تكن. ولهذا قال أبو حنيفة: إن المرتد منهما إذا أقرّ ثم قتل، لم يلزمه إقراره، ولم يلزم شريكه؛ لأن الملك يحكم بزواله من حين الردة، فقد أقر بعد بطلان الشركة (١). فأمّا على قولهما فإقراره جائز على شريكه، وكذلك بيعه وشراؤه؛ لأن

стр. 2936

الشركة عندهما بطلت بالقتل والحكم، فما قبل ذلك الشركة باقية، فينفذ تصرفه وإقراره. قال: ويكره للمسلم أن يُشارك الذمي؛ لأنه يعقد عقودًا لا تجوز في الإسلام، فيحصل الكسب من وجهٍ محظور على المسلم؛ ولهذا كرهوا توكيل المسلم للذِّمِّي (١).

стр. 2937

بَاب شركة الوجوه قال أبو الحسن: إذا اشترك الرجلان على أن يشتريا ويبيعا بوجوههما، على أن ما اشتريا أو أحدهما فهو بينهما نصفان، أو شرطا أن لأحدهما من ذلك الثلثين، وللآخر الثلث، أو أرباعًا، أو كيفما شرطا وقوع الملك في المشترى بينهما، فهو جائز، والربح بينهما على قدر ملكهما فيما اشتريا، ولكل واحد منهما حصة ملكه، لا يجوز أن يفضل أحدهما على ربح صاحبه شيئًا. وقد بيّنا جواز هذه الشركة، وأنها منعقدة على الضمان، والضمان يستحق به الربح، فمقدار ما ضمن كل واحد منهما بالعقد له ربحه. فإن شرط له أكثر من نصيبه لم يجز؛ لأنه شرطُ ربحٍ له له من غير مال ولا ضمان، وذلك لا يجوز. فإن قيل: يجوز أن يكون فضل الربح شرطًا لفضل العمل. قيل له العمل الذي يستحق به الربح في الشركة، إنما يكون إذا انعقدت على العمل في مال معلوم، كالمضاربة وشركة العنان، وفي مسألتنا لم يشرط العمل في مال معين، فلم يجز استحقاق الربح بالعمل، كرجل قال لرجل: أنا أدفع إليك ألفًا مضاربة على أن تعمل بالنصف، ولم يعينها، لم تجز المضاربة؛ لأنه لم يشترط العمل في مالٍ بعينه.

стр. 2938

قال: وهما في جميع ما يجب لهما، وما يجب عليهما، وما يجوز فيه فعل أحدهما على شريكه، وما لا يجوز بمنزلة شريكي العنان؛ لأنهما أطلقا الشركة، والشركة المطلقة تقتضي العنان. فإن اشتركا بوجوههما شركة مفاوضة، فذلك جائز؛ لأنهما ضمّا إلى الوكالة الكفالة، وذلك جائز، إلا أنه لا بد من التساوي فيما يبتاعانه؛ لأن المفاوضة تمنع من التفاضل (١).

стр. 2939

بَاب الشركة بالأعمال قال ﵁: قد بيّنا جواز شركة الصنائع مع [اتفاق] (١) الصنعة واختلافها، فإذا أطلقت فهي عنان، وإن شرطا فيها المفاوضة، فهي مفاوضة؛ لأنهما ضمّا إلى الوكالة الكفالة، وذلك جائز. فإن عمل أحدهما دون الآخر، والشركة عنان أو مفاوضة، فالأجر بينهما على ما شرطا؛ لأن العمل استحق عليهما بالعقد، فإذا انفرد به أحدهما معينًا لصاحبه في نصف العمل، والأجر لمن لزمه العمل بالعقد، كالقصَّار إذا استعان برجل في القصارة. قال: وإن شرط لأحدهما فضل عن صاحبه، وعملهما واحد أو متفرق، فاشترط لأحدهما الثلثين، أو ثلاثة أرباع، وللثاني ما بقي، فهو جائز على ما شرطا إذا كانا قد شرطا العمل جميعًا، وعمل بعد ذلك الذي شرط الكثير أو لم يعمل، وهذا إنما يصح في شرط الزيادة. وإذا شرطا التفاضل في ضمان ما يقبلانه، فاستحق زيادة الأجر بزيادة الضمان، فأمّا أن يستحق الربح على التفاضل والعمل متساوي، فلا يجوز؛ لما قدمنا في شركة الوجوه؛ لأن العمل إنما يستحق به الربح إذا شرط في مال بعينه. وحكي عن أبي الحسن أنه علل لهذه المسألة فقال: المنافع غير مقوّمة إلا

стр. 2940

بعقد، والشريك قد قوّمها بمقدار ما شرط لنفسه؛ فلذلك لم يستحق الزيادة عليها. قال أبو بكر: لا يجوز أن يستحق الفضل بالعمل، وإنما يستحق بزيادة الضمان، ألا ترى أن عمل أحدهما لو كان أفضل من عمل الآخر، فشرط أدونهما عملًا الثلثين، جاز ذلك، فعلم أن زيادة الأجر يستحق بفضل الضمان، لا بفضل العمل. قال: فأما الوضيعة فلا تكون بينهما إلا نصفين على قدر عملها، وإن كانا شرطا أن ما يتقبلان من شيء فثلثاه على أحدهما بعينه، وثلثه على الآخر، والوضيعة نصفان، فالقبالة (١) بينهما على ما شرطا والربح على ما شرطا، واشتراطهما الوضيعة باطل، وهي على قدر ما شرطا على كل واحد منهما من القبالة. وقياس القبالة شركتهما بالأموال العين على ما وصفت لك؛ وذلك لأن الربح إذا انقسم على قدر الضمان كانت الوضيعة على قدر ذلك، ألا ترى أن المال يجوز أن يستحق فيه الربح بالشرط، أولى أن تكون الوضيعة على قدر الضمان. قال محمد في إملائه: ولا يشبه شركتهما في القَبَالة شركتهما بالدَّيْن؛ لأنهما حين تقبلا لم يلزمهما مال بضمانه ثمنًا للقبالة، فلا يقاس على الشراء بالدين، وإنما يقاس فيما يتقبلانه من أعمال شركتهما بالمال العين في جميع ما وصفت لك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولنا. وهذا القول من محمد يدل على أن ما قاله أبو الحسن: أن زيادة الشرط في

стр. 2941

شركة الصنائع تستحق بفضل العمل كما تستحق في شركة العنان، وإن كان ذلك مفارقًا لشركة الوجوه التي تستحق فيها الربح بالضمان. قال بشر عن أبي يوسف في كتاب المضاربة: ولو أن شريكين اشتركا في عمل يعملانه، كل واحد منهما له عمل غير عمل صاحبه، فمرض أحدهما، أو بطل، أو سافر، فما عمل الآخر فهو بينهما، وكذلك ما عمل المسافر؛ لأن ما تقبله كل واحد منهما يجب عمله عليهما، فإذا انفرد أحدهما بالعمل كان معينًا للآخر. قال: ولو شرط لأحدهما ثلثي الكسب، وللآخر الثلث على أن العمل عليهما نصفان، أو على أن العمل عليهما ثلثان أو ثلث، فالشركة جائزة، ما خلا أن يشترط العمل نصفين، والأجرة والكسب أثلاثًا. قال: ولو اشتركا ولم ينسبا العمل إلى نصفين، واشترطا الكسب أثلاثًا، فهو جائز؛ وذلك لأنهما لما اشترطا العمل نصفين والكسب أثلاثًا فقد شرط لأحدهما بدل عمل الآخر، وذلك لا يصح. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا دفع رجل إلى أحدهما عملًا، فله أن يأخذ بذلك العمل أيهما شاء، ولكل واحدٍ منهما أن يُطالبه بأجرة العمل، وإلى أيهما دفع صاحب العمل برئ، وعلى أيهما وجب ضمان العمل كان لصاحب العمل أن يطالب الآخر، وإن لم يتفاوضا ولكن اشتركا شركة مبهمة، وهذا استحسان. وقال بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إذا جنت يد أحدهما، فالضمان

стр. 2942

عليهما جميعًا، يأخذ صاحب العمل أيهما شاء بجميع ذلك. وجه القياس: أن هذه الشركة شركة عِنَان، فما لزم كل واحد منهما بعقده لا يطالب به الآخر، وما يثبت لكل واحدٍ منهما بعقده، لا يطالب به الآخر. وجه الاستحسان: أن هذه الشركة مقتضاها الضمان، ألا ترى أن العمل الذي يتقبله أحدهما مضمون على الآخر؛ ولذلك يستحق الأجر، وإذا كان الضمان مقتضاها أجروها في بَاب ضمان العمل، واقتضاء البدل مجرى المفاوضة، ولم يجعلوها مفاوضة من غير هذا الوجه؛ لأنهم قالوا في الدين إذا أقر به أحدهما من ثمن صابون، أو أشنان، أو عمل من علم الفعلة، وكذلك أجر أجير، أو بيت لمدّة قد مضت، فإنه لا يصدق على صاحبه إلا ببينة، ويضمن ذلك خاصّة ولا يرجع عليه ببينة أو إقرار من صاحبه إذا كان ذلك مُستهلكًا، وكانت المدة قد مضت في الإجارة. وإن كانت الإجارة لم تمض، أو المبيع لم يستهلك، لزمهما جميعًا بإقراره وإن جحد شريكه، فدل على أنهم جعلوهما كشريكي العنان في هذا الوجه، وأجروها مجرى المتفاوضين في لزوم العمل والمطالبة بالأجر لما قدّمنا. وقال أبو يوسف: إن ادُّعي على أحدهما ثوب عندهما، فَأَقرَّ أحدهما وجحد الآخر، جاز على الآخر، ويدفع الثوب، ويأخذ الأجر، وليس هذا بقياس، وإنما هذا استحسان؛ لأنهما ليسا بمتفاوضين، فيصدّق كل واحد منهما على صاحبه أنهما شريكان شركة عنان، ولكن ندع القياس في هذا ونستحسن. وجه القياس: أن الثوب في أيديهما، فإذا أَقرَّ أحدهما وجحد الآخر، فقد

стр. 2943

أقرَّ أن المُدَّعَى فيما في يده دون ما في يد شريكه، كشريكي العنان إذا أقر أحدهما بثوب من شركتهما. وجه الاستحسان: أن كل واحد منهما لما لزمه كل العمل، كان له المطالبة بالأجر، وعليه المطالبة بالعمل، ويلزمه ما حدث من عمل شريكه، صار كالمتفاوضين، فإذا أقر أحدهما لزم الآخر. وقال ابن سماعة عن محمد: لا يقبل إقرار أحدهما على الآخر، ويجوز فيما في يد المقر، وفي الشيء الذي أقر به خاصة دون ما في يَدِ صاحبه منه، إنْ كانت الشركة نصفين، صدق في نصف ما أقرّ به. وهذا الذي قاله محمد هو القياس؛ لأن الشيء في أيديهما، وشركتهما عنان، وإنما استحسن في ضمان العمل والمطالبة بالأجر، فما سوى ذلك باقٍ على أصل القياس (١).

стр. 2944

بَاب الشركة الفاسدة قال أبو الحسن: وإذا اشترك الرجلان في الشيء المباح يملكه من أخذه بالأخذ: مثل الصيد، والحَطَب، والحشيش، وما يكون في الجبال من الثمار، ومن المعادن في التراب وما أشبهه، على أن يصيدا، أو يحتطبا، أو يحتشا، أو يسقيا الماء ويبيعانه، على أن ما أصابا من ذلك فبينهما، فالشركة فاسدة، ولكل واحد منهما ما أخذ ملكًا له، وثمنه أو ربحه ووضيعته عليه؛ وذلك لأن كل واحد منهما ملك ما أخذه بالأخذ، فليس لشريكه عليه سبيل (١). ولأن الشركة تنعقد على ما تنعقد عليه الوكالة، ولو وَكَّلَ رجل رجلًا يصطاد له، لم تصح الوكالة، فكذلك لا تجوز الشركة. ولأنّ كل واحد منهما يريد أن يستحق كسب الآخر من غير مال، ولا ضمان، ولا عمل، وذلك لا يجوز. وإذا لم تصح الشركة، كان لكل واحد منهما ما أخذ؛ لأنه ملكه بالأخذ، فإن أخذ كل واحدٍ على الانفراد وخلطاه وباعاه، فإن كان مما يُكال أو يُوزن، قُسِّمَ الثمن بينهما على قدر الكيل الذي لكل واحد منهما أو الوزن. وإن كان لا يُكال ولا يُوزن، قَسِّمَ الثمن بينهما، يضرب كل واحد

стр. 2945

منهما بقيمة الذي له؛ لأن المكيل والموزون غير متفاوت والثمن بدل عنه، فاستحق كل واحد منهما من الثمن بمقدار ملكه. وإن كان مما لا يكال ولا يوزن، وهو متفاوت، قسم الثمن على قيمته. فإن لم يُعْرَف الكيل والوزن والقيمة، فكل واحد منهما يُصَدَّقُ فيما يَدَّعِي إلى النصف من ذلك، فإن ادّعى أكثر من النصف فعليه البينة؛ وذلك لأنه في أيديهما، والتساوي في اليد يقتضي التساوي في الملك. فإن عمل أحدهما وأعانه الآخر في عمله أو جمعه، فله أجر مثله لا يتجاوز به نصف ثمن ذلك في قول أبي يوسف. وقال محمد: له أجر مثله بالغًا ما بلغ. وإنما وجب الأجر؛ لأن الأخذ في المباح قَدَّمْنَا أنه سبب للملك، وقد استوفى منفعة الأجر بعقدٍ فاسدٍ، فكان له أجر المثل. قال أبو يوسف: لا يجاوز به المُسَمَّى؛ لأنه رضي بذلك، فسقط ما زاد عليه، كمن قال لرجل: بع هذا الثوب على أن لك نصف ثمنه، فباعه، كان له أجر المثل لا يتجاوز به نصف الثمن. وجه قول محمد: أن الأجر لا يزاد على المسمّى؛ لأنه لما رضي بالتسمية وهي قدر معلوم أسقط ما زاد عليه، ونصف الحطب في مسألتنا ليس بمعلوم حتى يكون مسقطًا لما زاد عليه من أجر مثله؛ ولهذا يستحق أجر المثل وإن لم يجمع ما له قيمة. قال: وإن كان لهما كلب فأرسلاه جميعًا، كان ما أصاب بينهما؛ لأنهما
следующие страницы →