عليه، وإن طبخ قِدْرًا خاصة ففرغ منها، فله الأجر، وليس عليه من إخراج المرق شيء، وهذا مبني على العادة.
وقالوا في رجل تكارى دابة يحمل عليها حنطة إلى منزله، فلما انتهى إليه أراد ربها أن يحمل المكاري ذلك، فيدخله منزله فأبى المكاري، قال أبو حنيفة: عليه ما يفعله الناس ويتعاملون عليه، فإن أراد أن يصعد بها إلى السطح والغرفة، فليس ذلك عليه؛ إلا أن يكون اشترطه، ولو كان حمالًا على ظهره فعليه إدخال ذلك، وليس عليه أن يصعد به إلى علو البيت إلا أن يشرط.
وإذا تكارى دابة فالإكاف على صاحب الدابة، فأما الحبال والجوالق فعلى ما تعارفه أهل [تلك] الصنعة، وكذلك اللِّجام.
وأما السرج فعلى رَبِّ الدَّابَّة، إلا أن تكون سُنَّة البلد بخلاف ذلك، فيكون على سنتهم، فقد بنو (١) هذه المسائل على التوابع التي لا تشترط، يرجع فيها إلى العادة.
قال: وليس لهم أن يحبسوا الظئر في منزلهم إذا لم يشترطوا ذلك عليها، ولها أن تأخذه (٢) إلى منزلها؛ لأنهم استحقوا عليها العمل، ولم يستحقوا العمل في مكان مخصوص.
قال: وهي مؤتمنة فيه وفيما عليه من كسوة أو حلي، فإن سرق منه شيء لم تضمن؛ لأنها أجير خاص، فلا تضمن إلا لمخالفة، فأما الثياب والحلي فقد
стр. 2872
حصل في يدها بأمر مالكه من غير تمليك ولا وثيقة (١).
قال: وليس للظئر ولا للمسترضع أن تفسخ الإجارة إلا من عذر؛ لما بيَّنَّا أن عقد الإجارة لازم لا يفسخ إلا بعيب أو عذر.
قال: والعذر لأهل الصبي أن لا يأخذ الصبي من لبنها، أو يكون تَقَيّأ من لبنها؛ لأنه إذا لم يأخذ لم تُسَلَّم المنفعة المقصودة [للصبي]، وكذلك إذا تقيأ؛ لأنه يستضر به، وإذا حبلت فهو عذر؛ لأن لبن الحامل يضر بالصبي، أو تكون سارقة؛ لأنهم يخافون على متاعهم ويستضرون بالبقاء على العقد، أو تكون فاجرة بينة الفجور؛ لأنها تتشاغل بالفجور عن حفظ الصبي، وإن أرادوا سفرًا بصَبيَّهم فأبت أن تخرج معهم فهذا عذر؛ لأنا لو ألزمناهم ترك السفر أضررنا بهم، قال: فإن مَرِضَتْ فلها أن تفسخ ولهم أن يخرجوها؛ لأن الصبي يستضر بلبن المريضة، وهي تستضر بالإرضاع، فثبت الفسخ لهما.
قال: وللزوج أن يخرجها من الرضاع إن لم يكن سلم الإجارة، فمن أصحابنا من قال: هذا على وجهين:
إن [كان] ممن يشتبه أن ترضع زوجته فله الفسخ؛ لأنها تلحق به ضرر، وإن كان ممن لا يشتبه ذلك، لم يكن له الفسخ؛ لأنه عقد على منافع بضعها، ولم يعقد على منافع بدنها.
ومن أصحابنا من قال: له الفسخ في الوجهين؛ لأنها إن أرضعت [الصبي] في بيتهم فله منعها من الخروج من منزله، وإن أرضعت في بيتها فله أن يمنعها
стр. 2873
من إدخال الصبي إلى بيته.
قال: وإن كانوا يؤذونها بألسنتهم كفّوا عنها، فإن لم يكفوا كان لها أن تخرج؛ لأن الأذية ظلم فوجب عليهم تركه، وإن لم يكفوا [عنها] لم تقدر على البقاء على العقد إلا بضرر، فثبت لها الفسخ.
قال: وليس يحل لهم أن يمنعوا زوجها من غشائها مخافة الحبل؛ وذلك لأن الوطء حق للزوج، فلا يجوز المنع منه (١)
قال: وكل ما يضر بالصبي فلهم أن يمنعو [ها منه؛ لأن] (٢) من ذلك نقص في الرضاعة، وإن أرضعته بلبنها أو لبن غيرها فلها الأجر كاملًا؛ لأن عمل غيرها يقع لها، فكأنها هي المرضعة، فإن أرضعته بلبن شاة، أو غذته بطعام حتى مضت المدة فلا أجر لها؛ لأن المستحق عليها بالعقد ما يسمى رضاعًا، فإذا فعلت ما ليس من جنسه لم تستحق العوض.
قال: وليس للرجل أن يجبر المرأة على رضاع ولدها بائنة كانت أو غير بائنة لقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ ولأن الرضاع مؤنة للصبي كالنفقة.
قال: وإن استأجر [خادم امرأته على رضاع ولدها] (٣) فخادمها بمنزلتها، ما جاز فيها جاز في خادمها، وما لم يجز فيها لم يجز في خادمها؛ لأنها هي المستحقة لمنفعة خادمها، فصار كمنفعتها.
стр. 2874
فإن [استأجر] (١) مكاتبتها جاز بكل حال؛ لأنها لا تملك منافع المكاتبة، فهي كالأجنبية، وأما مدبرتها، [كأمتها، لأنها] (٢) تملك منافعها.
قال: وإذا استأجر الأب الظئر لولده وأبت أمه أن تأخذه فقالت: ترضعه الظئر عندي، قيل للأب: استأجر للصبي من ترضعه عندها؛ لأن الحضانة حق لها، فلم يكن (٣) للأب إسقاط حقها، وإذا كانت الظئر من ذوات الرَحِمِ المَحْرَمِ اللاتي لهن الحضانة [لا تعرف إلا بالإرضاع] (٤)، فإن أرادت أن تدع الرضاع، فهذا عذر لها لما بيّنا أنه يلحقها بالبقاء على العقد شَيْن (٥).
قال: وإن أخذت الظئر صبيًا آخر فأرضعته مع الأول، فقد أساءت وأثمت إن كانت قد أضرَّت بالصبي، ولها الأجر على الأولين والآخرين جميعًا؛ وذلك لأنها إذا أرضعت [بلبنها] صبيين أضرت بأحدهما لنقصان اللبن وقد استحق عليها كمال الرضاع، وإنما استحقت الأجرة؛ لأنها فعلت ما يتناوله الاسم.
قال: فإن استأجرت ظئرًا أخرى فأرضعته، فلها الأجر استحسانًا.
وجه القياس: أن العقد وقع على عملها، ومن استأجر أجيرًا يعمل بنفسه لم يجز أن يقيم غيره مقامه.
وجه الاستحسان: أن عمل الظئر الثانية يقع للأولى، فكأنها هي التي عملت.
стр. 2875
قال: وإذا التقط الرجل لقيطًا استأجر له ظئرًا، فالأجر عليه، وهو متطوع؛ وذلك لأنه لا ولاية له عليه، فلا يملك إيجاب الدين في ذمته.
ورضاع اليتيم على من يجب عليه نفقته لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ ولأنه مؤنة الصغير كنفقته، فإن [كان] اليتيم لا وارث له، ولم يتطوع عليه أحد بشيء، فرضاعه على بيت المال؛ لأنه من المسلمين، فنفقته في بيت المال إذا لم يكن له من يقوم بنفقته (١).
فإن مات الظئر انتقضت الإجارة؛ لأن المعقود عليه تلف، وإن مات الصبي انتقضت؛ لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة.
стр. 2876
بَاب الاستصناع
قال أبو الحسن: الاستصناع (١) ما شرط في العقد عينه، وعمله على الصانع، فكأنه جعله عقدًا على مبيع في الذمة شرط فيه العمل.
ومن أصحابنا من قال: إنه عقد على مبيع في الذمة.
والصحيح ما قاله أبو الحسن؛ لأن العمل مشروط في العقد كما شرط في الإجارة، فكان مقصودًا به؛ ولأن العقود تختلف أسماؤها لاختلاف معانيها، فلما انفرد هذا العقد باسم انفرد بمعنى، وما ذلك المعنى الذي ينفرد به إلا أنه عقد على العين والعمل.
واحتج من قال بالقول الآخر: إن [الصانع] (٢) لو أحضر عينًا عملها قبل العقد جاز، ولو اقتضى العقد العمل لم يجز إلا على عمل مستقبل كالإجارة. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه إذا أحضر عينًا فرضي بها المستصنع فليست التي وقع عليها العقد، ولكن جاز التمليك بتراضيهما.
وقد كان القياس أن لا يجوز؛ لأنه عقد على مبيع في الذمة في غير السَّلَم، كما [لو لم يشترط] (٣) فيه العمل، وقد نهى النبي ﷺ (عن بيع ما ليس عند
стр. 2877
الإنسان) (١)، وإنما استحسنوا؛ لأن الناس يعملون ذلك (٢) في سائر الأعصار من غير نكير، وقال ﷺ : "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئةً فهو عند الله سيئة" (٣)، ولأن هذا العقد أخذ شَبَهًا من عقدين جائزين، فهو جائز، أحدهما: السَّلَم؛ لأنه عقد على مبيع في الذمة، والآخر: الإجارة؛ لأنه شرط فيه العمل، وما أخذ شَبَها من أصلين جائزين فهو جائز، [كالكتابة والهبة بشرط العوض] (٤).
وقد قالوا: إنّ الاستصناع يجوز فيما جرت [به] العادة أن يستصنعه الناس كالقلنسوة والخف والآنية؛ لأنا جوّزنا ذلك لفعل الناس، فجاز ما اعتادوه؛ ولهذا لم يجز [استصناع الثياب عند الحاكة] (٥)؛ لأن العادة لم تجر بذلك.
وقالوا: إن العقد ليس بلازم فيه، ولكل واحد منهما أن يمتنع منه؛ لأن القياس يقتضي فساده، وإذا فسد لم يلزم (٦)، وإنما استحسنوا في جوازه لعمل الناس، فبقي اللزوم على أصل القياس، فإذا أحضر الصانع العين على الصنعة المشروطة، فللمستصنع الخيار عند أبي حنيفة ومحمد.
стр. 2878
وقال أبو يوسف: يأخذه ولا خيار لهما.
لهما: أن الخيار كان ثابتًا لهما، فلما أحضر الصانع العين، [فقد] أسقط خياره، فبقي خيار الآخر بحاله كالبيع المشروط فيه خيار للمتبايعين إذا أسقط أحدهما خياره.
لأبي يوسف: أنه عقد على مبيع في الذمة، فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالسَّلَم.
قال أبو يوسف: ولأن الصانع أفسد متاعه، وقطع جلده، فإذا جاء بالعمل على الصفة المشروطة، لم يكن للآخر الامتناع من أخذه والإضرار به.
قال: وليس كذلك إذا قطع الجلد ولم يعمل بعد، فقال المستصنع: لا أريده؛ لأنا لا (١) نعلم أن العقد يقع على الصفة المشروطة؛ [فلذلك] (٢) جاز الفسخ.
وقال في الأصل: للصانع أن يبيعه قبل أن يراه المستصنع لما بيّنا أن العقد ليس بلازم، فإذا رآه ورضيه فليس له أن يبيعه؛ لأن العقد تمّ بإسقاط الخيار.
قال أبو يوسف: فإن باعه الصانع وأراد المستصنع أن ينقض البيع فليس له ذلك؛ لأن الخيار عنده قائم ما لم يحضره، فإذا استهلكه قبل ذلك، صار كالبائع إذا استهلك المبيع.
قال: فإن ضرب للاستصناع أجلًا، فهو بمنزلة السَّلَم عند أبي حنيفة، يحتاج أن يقبض بدله في المجلس ولا خيار لواحد منهما إذا أسلم ما شرط عليه
стр. 2879
على صفته.
وقال أبو يوسف ومحمد: ليس بِسَلَمٍ.
لأبي حنيفة: أنه جاء بمعنى السَّلَم، وهو المبيع في الذمة مع الأجل، ومعنى العقد كعبارة العقد [وصريحه]، أصله: إذا عقد البيع بلفظ التمليك؛ ولأن الأجل يذكر لتأخير المطالبة، وذلك لا يكون إلا في عقد يجب فيه المطالبة، وما ذاك إلا السلم؛ ولأنه إذا استصنع ما لا يجوز استصناعه وشرط [فيه] الأجل كان سلمًا بلا خلاف لوجود معنى السلم، فكذلك ما يجوز استصناعه.
وجه قولهما: أن الأجل يذكر لتعجيل العمل، ولا يقصد السلم، فلم يجز إخراج العقد عن موضوعه بالاحتمال (١).
٢٣١٥ - فَصْل [الإجارة الموقوفة]
[قال]: ولم يذكر أبو الحسن حكم الإجارة الموقوفة، والإجارة عندنا تقف [على] الإجازة كما تقف على البيع والنكاح؛ لأنهما عقد له مجيز حال وقوعه.
فأما كيفية الإجازة: فإن أجاز العقد قبل العمل جاز، وكانت الأجرة للمالك؛ لأن العقد جاز بإجازته، فصار كأنه عقد ابتداءً بأمره، وأما إذا أجازه بعد استيفاء المنفعة لم يجز بإجازته، وكانت الأجرة للعاقد؛ وذلك لأن الإجازة تلحق بالعقد إذا كان يصح الابتداء به عند الإجازة، [ولا يجوز ابتداء العقد على منافع قد عُدِمت، فلم يجز أن يلحقها الإجازة] (٢).
стр. 2880
وقد قالوا فيمن غصب عبدًا فآجره سنة للخدمة، فعمل بعض المدة، وفي رجل آجر غلامًا أو دارًا، ثم أقام رجل البينة أنه له، وقال: قد أجزت ما آجرت، قال: [إن] كانت انقضت الإجارة، فالأجر للغاصب، وإن كان في نصف المدة فالأجر الماضي والباقي لرب الغلام في قول أبي يوسف.
وقال محمد: أجر ما مضى للغاصب وأجر ما بقي للمَقْضيِّ له.
لأبي يوسف: أنه إذا بقي بعض المدة فلم يبطل العقد لبقاء المعقود عليه، فجاز أن يلحقه الإجازة كالابتداء.
لمحمد: أن كل جزء من المنافع كالمعقود عليه عقدًا مبتدأً، فما مضى من المنفعة كعقد استوفى [منافعه]، فلا تلحقه الإجازة.
وقد قال محمد: فيمن غصب أرضًا فآجرها للزراعة، فأجاز صاحب الأرض الإجارة، فأجرة ما مضى للغاصب وأجرة ما بقي للمالك، وهذا على ما قدمنا.
قال: فإن أعطاها مزارعة فأجازها [صاحب الأرض] جازت، وإن كان الزرع قد سَنْبَلَ ما لم يسمن، ولا شيء للغاصب من الزرع؛ لأن المزارعة لا ينفرد بعضها (١) عن بعض، [فكانت كالشيء الواحد] (٢)، فإذا أجاز العقد قبل الاستيفاء، فكأنه [أجازه] (٣) ابتداءً، وأما إذا سمن الزرع فقد انقضى عمل المزارعة، فلم يلحق العقد إجازة.
آخر كتاب الإجازات
стр. 2881
[٥٣] كتاب الشركة
قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في جواز الشركة (١) ما أن أسامة روي بن شريك جاء إلى النبي ﷺ فقال: أتعرفني؟ فقال: "وكيف لا أعرفك وقد كنت شريكي، نعم الشريك، لا يداري ولا يماري" (٢)، ولأنه ﷺ بُعث والناس يشتركون فلم ينكر ذلك [عليهم]، وهذا فعل المسلمين من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا [من غير نكير].
والشركة على ضربين: شركة أملاك، وشركة عقود.
فشركة الأملاك على ضربين: أحدهما: ما كان بفعلهما، مثل أن يشتريا أو يستوهبا أو يوصى لهما فيقبلا، والآخر: بغير فعلهما، مثل أن يرثا.
وكلا الفصلين حكمهما واحد: وهو أنّ كل واحد منهما كالأح كالأجنبي في نصيب صاحبه، لا يجوز له التصرف فيه إلا بإذنه.
وأما شركة العقود فهي على أربعة أقسام: مُفَاوَضَة، وعِنَان، وشركة صَنَائِع وتسمى بشركة الأَبْدَان، وشركة وُجُوه.
فأما المفاوضة: فقد قيل: إن اشتقاقها من التفويض؛ لأن كل واحد منهما
стр. 2882
فوّض إلى الآخر التصرف على كل حال، وقيل إنها مشتقة من المساواة، ومنه قول الشاعر:
لا يصلُحُ الناسُ فَوضى ولا سَرَاةَ لهم … ولا سَرَاةَ إِذا جُهَّالُهم سادُوا (١)
فلما كانت المفاوضة تقتضي التساوي في المال والتصرف والضمان؛ سميت بذلك (٢).
وقد قال أصحابنا: إنها عقد جائز، وقال مالك: لا أعرفها (٣)، وقال الشافعي: عقد فاسد.
فأما قول مالك: لا أعرفها؛ فإن كان لا يعرف الاسم فقد بيّنا اشتقاقه في اللغة، وإن كان لا يعرف الحكم فالدليل على جوازه قوله ﵊: "تفاوضوا فإنه أعظم للبركة" (٤)، ولأن المفاوضة تشتمل على الوكالة والكَفَالة، وكل واحد منهما يجوز على الانفراد فإذا اشتملت عليها الشركة جازت، ألا ترى أن الوكالة لما جازت على الانفراد واشتملت العِنَان عليها جاز،
стр. 2883
ولأن العقود على ضربين: شركة وغير شركة، فإذا جاز أن يشترط في غير الشركة التساوي في المال المعقود عليه؛ جاز أن يشرط في الشركة.
وقول الشافعي: إنها ضرب من القِمَار، فليس بكلام علينا، إنما ظن أنا نقول بقول [سفيان] الثوري، وهو أن ما ورث أحد المتفاوضين بينه وبين شريكه، ولسنا نقول بذلك (١).
٢٣١٦ - فَصْل [شركة العنان]
وأما شركة العِنَان فاشتقاقها من قولهم: عَنَّ له الشيء، إذا ظهر. [وقال امرؤ] القيس:
فعَنَّ لنا سِرْبٌ [كأَنّ نِعَاجَه] (٢) … عَذَارى دَوَارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّل (٣)
فلما جعل كل واحد من الشريكين للآخر أن [يشتري] (٤) فيما يعن له ويظهر؛ سميت الشركة عِنانًا.
وقد قيل: إنها مأخوذة من عِنان الدابة؛ لأن الفارس يمسكه بإحدى يديه ويتصرف بالأخرى فيما شاء، وكذلك شريك العنان يشارك في بعض ماله ويتصرف في بقية ماله كما يشاء.
وقد قال أبو عاصم النبيل: العِنان كلمة تطرّف بها أهل الكوفة ليس لها أصل في اللغة.
стр. 2884
وهذا ليس بصحيح؛ لأن يعقوب ذكر في شركة العِنان في الإصلاح، ولأنّا بيّنا اشتقاقها.
وقال النابغة:
وشاركْنا قُريشًا في تُقاها … وفي أحسابها شِرك العِنانِ (١)
والدليل على جوازها أنها مشتملة على الوكالة، والوكالة جائزة (٢)، ولأن الناس يعدونها في سائر الأعصار من غير نكير، [فهو إجماع] (٣).
٢٣١٧ - فَصْل: [شركة الصنائع]
وأما شركة الصنائع (٤)، فكالقَصَّارِين والصَّبَّاغِين والخَيَّاطِين إذا اشتركوا على أن يتقبلوا الأعمال جاز ذلك عندنا، وإنما سميت شركة الأبدان؛ لأنها تقع على العمل بالبدن، وهي شركة جائزة عندنا، وقال الشافعي: لا تجوز (٥).
لنا: أن الناس يعقدونها في سائر الأعصار من غير نكير؛ ولأنه نوع شركة تنفرد باسم خاص له موضوع، فكان فيه ما هو جائز كشركة العِنان (٦).
стр. 2885
٢٣١٨ - فَصْل: [شركة الوجوه]
وأما شركة الوجوه: فهو أن يشترك الرجلان ولا مال لهما على أن يشتريا ويبيعا، فما ربحا كان بينهما (١)، وإنما سميت شركة الوجوه؛ لأنه لا يشتري بالنسيئة إلا من له وجه عند الناس، وهو عقد جائز عندنا، وقال الشافعي: لا تجوز (٢).
لنا: أن الناس يعقدونها في سائر الأعصار من غير نكير؛ ولأنها شركة تنفرد باسم خاص كشركة العنان (٣).
٢٣١٩ - فَصْل: [وجوه استحقاق الربح في الشركة]
والربح عندنا في الشركة يستحق: إما بالمال، أو بالعمل، أو بالضمان، ولا يستحق بغير ذلك، بدلالة أن من قال لرجل: تصرف في مالك على أن لي بعض ربحه لم يجز؛ لأنه ليس له مال ولا ضمان ولا عمل.
والدليل على أن المال والعمل يستحق بكل واحد منهما الربح: أن المضاربة أجمعوا على جوازها، ورب المال يستحق الربح فيها بماله، والمضارب بعمله.
وأما الدليل على استحقاق الربح بالضمان (فنهيه ﷺ عن ربح ما لم يضمن) (٤)، وفي هذا تنبيه أن ما يضمن (٥) يطيب [له] ربحه؛ ولأن الحَمَّال إذا
стр. 2886
تقبل عملًا [وتقبل عنه أجراؤه] (١) بأقل من ذلك طاب له الفضل، وإنما استحقه بالضمان.
قال أبو الحسن: الشركة تكون على ثلاثة وجوه: شركة بالمال، وشركة بالأعمال، وشركة بالوجوه، وفي كل وجه منها شركة العنان ومفاوضة.
فأما المال: فيصحّ فيه الأمران بلا شبهة.
وأما العمل والوجه: فإذا شرط فيهما الكفالة صارت [شركة] مفاوضة؛ لأنها اشتملت على الوكالة والكفالة والتساوي فيما وقعت فيه (٢) الشركة (٣).
٢٣٢٠ - فَصْل: [شرط المال في الشركة]
قال: والشركة بالأموال لا تكون إلا بمال حاضر [عندنا] عِنانًا كانت [الشركة] أو مُفاوضةً، ولا تصح بمال غائب ولا دَيْنٍ، هذا قول أصحابنا جميعًا؛ وذلك لأن الشركة من شرطها أن تقع على جنس الأثمان، ولا تتم إلا في عين كالصرف، ولأنها تقف على القبض، فلا تصح في دين ولا مال غائب كالقرض.
ومعنى قول أبي الحسن: إن الشركة لا تصح بمال غائب ولا دين: [إنما] يعني بذلك عند الشراء، وليس يعني به عند العقد؛ لأنه إذا لم يوجد ذلك عند العقد جاز.
[ألا ترى أنهم] قالوا: لو دفع رجل إلى رجل ألف درهم فقال: أخرج مثلها
стр. 2887
واشتر بهما، وبع، [فما] (١) ربحت كان بيننا، فأقام البينة أنه أخرج ألفًا واشترى بهما جاز، ولم يوجد المال العين من الجهتين عند العقد [وإنما وجد عند الشراء، وجوّزوا الشركة؛ وذلك لأن الشركة لا تتم إلا بالشراء، فاعتبر وجود المال] في الحال التي يتم العقد فيها (٢).
٢٣٢١ - فَصْل: [الأموال التي تَصِحُّ بها الشَّركة]
قال: الأموال التي تصح بها عقود الشركة الدراهم والدنانير، فهي في قولهم جميعًا، وقال أبو يوسف ومحمد: وتصح بالفلوس أيضًا.
أما الدراهم والدنانير فتجوز الشركة فيها بالإجماع؛ ولأنها تقع على وجه يصح التوكيل فيها (٣)، ألا ترى أن رجلًا لو قال الرجل: اشتر بألف من مالك على أن ما تشتريه بيننا، وأنا أشتري بألف من مالي على أن ما أشتريه بيننا جاز ذلك، والشركة تنعقد على الوكالة.
٢٣٢٢ - فَصْل: [الشركة بالجنسين]
وقد قال أصحابنا إلا زفر: إذا كان لأحدهما دراهم ولآخر دنانير جازت الشركة.
وقال زفر: لا تجوز، وهو قول الشافعي (٤).
لنا: أن الوكالة تصح على الوجه الذي تضمنته الشركة، ألا ترى أن من قال
стр. 2888
لرجل: اشتر بألفك متاعًا على أنه بيننا، وأنا أشتري بمائة دينار متاعًا على أنه بيننا، جاز ذلك، وهذا مقتضى الشركة، ولأن ما جاز في الوكالة المنفردة فجوازه في الشركة أولى.
[ألا ترى] أن الوكالة بشراء المجهول لا تصح، والشركة تقتضي توكيلًا بمجهول [ويصح]، ولأنه عقد يختص بالأثمان، فجاز على دراهم من أحد العاقدين ودنانير من آخر، كالصرف.
وجه قول زفر: [أنّ] الشركة بالجنسين تؤدي إلى جهالة الربح؛ لأن رأس المال يستوفى بالقيمة، فصار كالشركة بالعروض، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يمكن أن يستوفي كل واحد منهما مثل رأس المال بعينه من غير قيمة، فلا يؤدي ذلك إلى الجهالة.
وعلى هذا قال أصحابنا: إذا كان دراهم أحدهما بيضاء و [دراهم] الآخر سوداء أو غلة، جازت الشركة، وقال زفر لا تجوز.
لنا: أن الناس في سائر الأعصار يشتركون بالأموال وإن اختلفت صفتها، ألا ترى أنه يكون في مال أحد الشريكين من المكسرة أكثر مما في مال الآخر بيسير (١)، ولا يمنع ذلك مانع؛ ولأن التوكيل يجوز فيها على الوجه [الذي] اقتضته الشركة.
٢٣٢٣ - فَصْل: [الخلط في مال الشركة]
وهذا نوع على أن الخلط ليس بشرط في صحة الشركة عندنا، [وقال زفر:
стр. 2889
تصح الشركة إلا بخلط المال خلطًا لا يتميز أحدهما عن الآخر، وهذا قول الشافعي (١)، وروي عن زفر أنه قال: الخلط] شرط في المفاوضة، وليس بشرط في العِنان.
لنا: أن الخلط سبب إذا حصل في ملك الغير أوجب الضمان، فلا يكون من شرط [صحة] الشركة كالاستهلاك، ولأن التوكيل يجوز في المالين وإن لم يختلطا، والشركة تشتمل على التوكيل [فيجوز].
وجه قول زفر: أن الشركة مأخوذة من الاختلاط، وذلك لا يكون مع تمييز المالين، ولأنهما ما لم يختلطا فما هلك من كل واحد من المالين هلك من [ماله خاصة] (٢)، والشركة تقتضي أن يكون الهلاك من مالهما، وهذا ليس بصحيح.
أما قوله: إن الشركة مأخوذة من الاختلاط فصحيح، إلا أنها من اختلاط الربح، وذلك موجود وإن اشترى (٣) بمال كل واحد منهما على حدة؛ لأن الزيادة تحدث على الشركة.
وإنما قوله: إن ما يهلك يكون من نصيب أحدهما [خاصة]، فلأن الشركة لا تتم إلا بالشراء، فإذا اشتريا تمت الشركة، فصار الهلاك من كل واحد من المالين من مالهما جميعًا، فما كان قبل تمام الشركة لا يعتبر.
وأما الذي روى الحسن عن زفر: أنه فرّق في الخلط (٤) بين المفاوضة
стр. 2890
والعِنان؛ لأن المفاوضة من شرطها المساواة، فإذا لم [يختلطا] (١) جاز أن يزيد أحد المالين على الآخر، وإذا خلطا كانت الزيادة في المالين، فلم تفسد الشركة، وأما العِنان فلا يفسدها زيادة أحد المالين، فلم يعتبر فيها الخلط، وقد ذكر الطحاوي عن زفر: أنه اعتبر الخلط في الفصلين (٢).
٢٣٢٤ - فَصْل [الشركة بالتبر]
وأما الشركة بالتبر فقد جعل التبر في الشركة كالعروض، وجعله في الصرف كالأثمان؛ لأنه قال: إذا اشترى به فهلك لم ينفسخ العقد، وهذا على حسب عادة الناس في التعامل، فإن تعاملوا به فهو كالأثمان، فتصح الشركة فيه، وإن لم يتعاملوا به فهو كالعروض.
وأما الفلوس، فالمشهور عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الشركة والمضاربة لا تجوز بها.
وقال محمد: إذا كانت نافقة جاز، وذكر أبو الحسن: أبا يوسف مع محمد معا.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن المضاربة بالفلوس جائزة.
قال: وقال أبو يوسف: تجوز الشركة بالفلوس، ولا تجوز المضاربة بها.
وجه [قولهما] المشهور: أن الفلوس تارة تكون ثمنًا، وتارة تكون مبيعًا، فصارت كالحنطة.
стр. 2891
لمحمد: أنها إذا كانت نافقة فهي ثمن، فصارت كالدراهم والدنانير.
وأما فرق أبي يوسف بين الشركة والمضاربة؛ فلأنهما إذا اشتركا بالفلوس فكسدت لم يؤدِّ ذلك إلى جهالة الربح؛ لأن رأس المال ينقسم على عددها عند الشراء بها، فيصير المال كله بينهما على [تلك الأجزاء] (١).
أما المضاربة، فلا بد من [ارتجاع] (٢) رأس المال، فإذا كسدت أخذ رأس المال بالقيمة، وذلك مجهول فلم يصح.
٢٣٢٥ - فَصْل: [الشركة بالمكيلات والموزونات والمعدودات]
وأما الشركة بالمكيلات والموزونات - التي ليست بأثمان - والمعدودات فلا تجوز قبل الخلط في قولهم؛ لأنها متعينة بالعقد كالعروض، ولأن التوكيل لا يصح فيها على عموم الأحوال، ألا ترى أنه لو قال: بع حنطتك [على] أن ثمنها بيننا لم تجز، والشركة تقتضي الوكالة بالتصرف في جميع الأحوال، فأما إذا خلط المكيل وهو من جنس واحد، فقال أبو يوسف: لا تصح الشركة فيه، وإنما صار شركة أملاك [واختلاط].
وقال محمد: صَحَّت الشركة بالخلط.
ويظهر الخلاف بينهما: إذا كان المكيل نصفين، وقد شرطا أن يكون الربح أثلاثًا، فخلطاه واشتريا [به].
قال أبو يوسف: الربح على قدر المالين، وقال: محمد: على ما شرطا.
стр. 2892
لأبي يوسف: أن العروض تارة تكون ثمنًا، وتارة تكون مبيعًا كالفلوس؛ ولأن الشركة لا تقع فيها إلا وهي عين، وهي [مع التعيين] في هذه الحالة ليست بثمن، فجواز أن تكون ثمنًا في حال أخرى لا يعتبر كالفلوس الكاسدة؛ ولأن حال المكيل بعد الخلط أبعد منه قبله؛ بدلالة أن الحنطة والشعير قبل أن يختلطا يجوز أن يكون كل واحد منهما ثمنًا، فإذا اختلطا لم يجز ذلك، فإذا لم تجز الشركة في مسألتنا قبل الخلط فبعده أولى.
لمحمد: أن الوكالة التي تقتضيها الشركة تَصِحُّ فيها، وهي مما تكون ثمنًا بحال، فصارت كالدراهم والدنانير، وليس [كذلك] قبل الخلط؛ لأن الوكالة التي تقتضيها الشركة لا تصح فيها، ولا يلزم العروض؛ لأنها ليست بثمن بحال (١).
٢٣٢٦ - فَصْل [الشركة بالعروض]
وأما الشركة بالعروض فلا تجوز عندنا، وقال مالك: تجوز (٢).
لنا: أن التوكيلات فيها على الوجه الذي تضمنته الشركة لا يصح، ألا ترى أن من قال لغيره: بع عرضك على أن ثمنه بيننا، لم يجز، فإذا لم تجز الوكالة لم تنعقد الشركة، ولأن الشركة فيها يؤدي إلى جهالة [الربح] عند القسمة، ألا ترى أن رأس المال قيمتها، وذلك يعلم بالحزر والظن، وعقد الشركة المقصود منه مراعى، فما أدى إلى جهالة الربح في الثاني يعتبر حال العقد (٣).
стр. 2893
٢٣٢٧ - فَصْل: [الربح في شركة الوجوه]
قال أبو الحسن: وأما شركة الوجوه: فأن يشتركا على أن يشتريا بوجوههما على أن ما اشتريا بينهما نصفين، أو أثلاثًا، أو أرباعًا ويبيعا ذلك، فما كان فيه من ربح فعلى قدر أملاكهما فيما اشتريا، والوضعية على ذلك.
وقد بيّنا جواز هذه الشركة، فأما كون الربح على قدر المشتري؛ فلأن الربح يستحق بالضمان، والذي ضمنه كل واحد منهما من الثمن مقدار ما شرط له من المبيع، فما زاد على ذلك لا ضمان له فيه، فلا يستحق ربحه (١).
٢٣٢٨ - فَصْل: [اختلاف الأعمال في شركة الصَّنائع]
قال: وأما الشركة بالأعمال كالصُّنَّاع والعُمَّال يشتركون في ذلك، فيشترك الصَبَّاغَان والخَيَّاطَان والقَصَّارَان على أن يتقبلا الأعمال ليعملا بها على أن ما رزق الله تعالى فهو بيننا، وقد بيّنا ذلك.
قال: وسواء اختلفت أعمالهما أو اتفقت، وقال زفر: لا يصح إذا اختلفت الأعمال.
لنا: أن كل واحد منهما إنما استحق الربح بالضمان، فإذا وَكَّلّ شريكه أن يتقبل لهما فالعمل مضمون عليهما، والربح يستحق بالضمان؛ ولأن الشركة تجوز عندنا على الملك المختلف، فكذلك على العمل المختلف، [فهو بناء عليه] (٢).
وعند زفر: الشركة في المال المختلف لا تجوز، فكذلك في العمل المختلف.
стр. 2894
بَاب شركة المفاوضة
- ومعناها: الاختلاط والاستواء -.
قال أبو الحسن: إذا تفاوض الرجلان بالمال واشتركا فيه شركة مفاوضة، فشرط صحتها: [أن تكون] في جميع التجارات، ولا يختص أحدهما بتجارة دون شريكه، وأن يكون ما يلزم أحدهما من حقوق ما يتجران فيه لازمًا للآخر، وما يجب لكل واحد منهما يجب للآخر، ويكون كل واحد منهما فيما وجب لصاحبه بمنزلة الوكيل [له]، وفيما وجب عليه بمنزلة الكفيل عنه، ويتساويان مع ذلك في رؤوس الأموال في قدرها وفي قيمتها، ويتساويان في الربح، وإن تفاوتا في شيء من ذلك لم تكن مفاوضة وكانت عِنانًا.
قال: والأصل في هذا ما بيّنا: أن المفاوضة مأخوذة من المساواة، فلا بد من التساوي في المال الذي تقع [عليه] الشركة، ولا يكون لأحدهما مال تصح فيه الشركة ولا يدخل في الشركة؛ لأن أحدهما متى انفرد بمال تصح فيه الشركة دون الآخر زال معنى التساوي (١).
فإن تفاضلا في الأموال التي لا تصح الشركة فيها: مثل العروض، والعقارات، جازت الشركة؛ لأن ذلك مما لا تنعقد الشركة عليه، والتفاضل فيه لا يمنع صحتها، كالتفاضل في الزوجات والأولاد.
стр. 2895
وكذلك إذا كان لأحدهما ديون؛ لأن الدين لا تصح الشركة فيه، فالتفاضل فيه لا يمنع صحتها.
وأما اشتمالهما على الوكالة في جميع التجارات؛ فلأنها تنعقد عامة في التجارات، وما دخل في الشركة فكل واحد منهما وكيل فيه، وكل واحد منهما كفيل عن الآخر فيما يلزمه من الحقوق ما يتجران فيه؛ لأن المفاوضة قد انفردت باسم عن العِنان، فلا بد أن تنفرد بمعنى.
ولا يجوز أن يكون ذلك المعنى العموم؛ لأن العِنان يجوز أن تنعقد على كل التجارات، فلم يبق إلا أن يكون اختصت بالكفالة، وإنما كان كُلُّ واحدٍ [منهما] وكيلًا للآخر فيما وجب له وعليه؛ لأن تصرف كل واحد منهما أجري مجرى تصرف الآخر، فكأَنَّ كل واحد منهما تولى العقد.
وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أن المفاوضة لا تصح إذا كان لأحدهما دراهم وللآخر دنانير؛ لأن المساواة فيها تعلم بالظن والحزر، والمشهور عنه جواز ذلك؛ لأنهما من جنس الأثمان.
وأما إذا كان لأحدهما ألف بيض وللآخر ألف سُود، وبينهما فضل قيمة في الصرف، لم تصح المفاوضة في الرواية المشهورة؛ لأن أحد المالين يزيد على الآخر في القيمة، فصار كزيادة [في] الوزن.
وروى إسماعيل بن حماد عن أبي يوسف: أن أحد الألفين إذا كان أفضل من الآخر جاز، وكانت مفاوضة؛ لأن الجودة إذا لاقت جنسها فيما يثبت فيه الربا لا قيمة لها، فكأنهما على صفة واحدة، وأما إذا تفاوضا [والمال
стр. 2896
متساويان] (١) ثم زاد أحد المالين على الآخر قبل الشراء فإن المفاوضة منتقضة، وهذا يتصور في الشركة بالدراهم والدنانير إذا تساوت قيمتهما في حال العقد واختلفت بعده؛ لأن عقد الشركة يقف تمامه على الشراء، فما وجد قبل الشراء كالموجود في حال العقد، ألا ترى أن تمام البيع لما وقف على القبض كان هلاك المعقود عليه قبل القبض كعدمه في الابتداء.
قال محمد: وكذلك إن اشترى بأحد المالين وزاد الآخر؛ وذلك لأن الشركة لم تتم [فيما] (٢) يشتريه، فصار كأن الزيادة قد حصلت في الابتداء، فإن زاد المال المشترى [به] في قيمته فالمفاوضة بحالها؛ وذلك لأن هذه الزيادة تحدث على ملكهما؛ لأنهما ربحا في المال المشترى، فلا يفضل أحدهما على الآخر.
قال محمد: القياس إذا اشترى بأحد المالين قبل صاحبه أن تنتقض المفاوضة؛ لأن الألف الذي اشترى به (٣) على ملك صاحبه، وقد ملك نصف ما اشترى له الآخر، فصار ماله أكثر، فانتقضت المفاوضة؛ إلا أنهم استحسنوا فقالوا: لا تبطل؛ لأن الذي اشترى وجب له على شريكه نصف الثمن دينًا فلم يفضل في المال.
وكل موضع عدم شرط من شروط المفاوضة - وذلك الشرط لا يعتبر في شركة العِنان - فالشركة عِنان؛ وذلك لأنهما أتيا بمعنى العِنان وعَبَّرا عنها بالمفاوضة، ولا معتبر بالعبارة؛ لأن فقد هذا الشرط يبطل ما يقف صحته على
стр. 2897
وجوده والذي تقف عليه المفاوضة، وأما [شركة العنان] (١) فلا تقف عليه، فصارا شريكين غير مفاوضة، فكان عِنانًا.
وأما التساوي في الربح، فلأنّ التفاضل إذا وجد فيه أدّى إلى بطلان المفاوضة لزيادة مال أحدهما على الآخر، فإن ورث أحد المفاوضين مالًا عينًا تصح فيه الشركة مثل الدراهم والدنانير والفلوس، وصار ذلك في يده، بطلت المفاوضة وصارت عِنانًا؛ لأن العقود التي المقصود فيها مراعاة ما يطرأ عليها كالموجود في الابتداء.
وإن ورث عروضًا أو ديونًا لم تبطل المفاوضة ما لم يقبض الديون؛ لأنه فاضله (٢) فيما لا تصح الشركة فيه، فصار كالابتداء.
وقال الحسن عن أبي حنيفة: لا تصح الشركة إلا بلفظ المفاوضة، وقال أبو الحسن: وهو [عندي قول] أبي يوسف ومحمد.
وكان أصحابنا يقولون في وجه ذلك: إن العامة لا يقفون على شروط المفاوضة، فإذا لم يتلفظوا به لم تصح؛ لعدم معناها.
وأما إذا كان العاقد لها يقدر على استيفاء معناها، صَحَّتْ وإن لم يذكر المفاوضة؛ لأن العقود [عندنا] لا تعتبر بألفاظها، وإنما تعتبر معانيها.
وتفسير شركة العنان: قال أبو الحسن: شركة العنان أن تكون في جميع التجارات أو بعضها، لما بيّنا أنه ليس من شرطها العموم، فيجوز أن تنعقد خاصة
стр. 2898
وعامة، كالوكالة.
قال: وما لزم أحدهما في تجارتهما من ثمن بيع تولاه أو [أجرة] أجير استأجره، وكل مداينة وليها [أحدهما] أو دين أقَرَّ به، فهو لازم له خاصة دون شريكه؛ وذلك لأنها لا تتضمن الكفالة، وإنما تتضمن الوكالة، وما يجب على الوكيل بتصرفه لا يطالب به الموكِّل.
قال: وله أن يرجع على صاحبه بما يخصه من ذلك إذا كان ذلك معروفًا؛ لأن كل واحد منهما وكيل عن الآخر، وما يلزم الوكيل بحكم [الموكل] رجع على الموكل به، فإن كان لا يعرف ذلك لم يصدق على شريكه إذا أنكر ذلك؛ لأنه ادَّعى دينًا عليه لا يعلم سببه إلا بقوله.
قال: ويستحلف؛ لأنه ادعى عليه [دينًا]، فالقول قوله مع يمينه.
قال: ولا يكون أحدهما خصمًا عن الآخر، ولا وكيلًا عنه بعقد الشركة؛ وذلك لأن كل واحد منهما وكيل للآخر في الشراء والبيع، والموكل لا يكون خصمًا عن وكيله.
قال: ولا بأس أن يتفاضلا في رأس المال، ويتساويا في الربح، وهذه المسألة مذكورة في الباب الذي يلي هذا (١).
* * *
стр. 2899
بَاب شركة العنان
قال أبو الحسن: إذا اشترك الرجلان ورأس مالهما جميعًا دراهم أو دنانير، أو جاء أحدهما بدراهم والآخر بدنانير يتساويان في ذلك أو يتفاضلان، فاشتركا بذلك على أن يبيعا ويشتريا على أن ما رزق الله تعالى من ذلك بينهما على قسمة [المال] (١)، ولم يقولا مفاوضة، فذلك جائز، وهي شركة عنان؛ وذلك لأن الشركة إنما تكون مفاوضة بلفظ المفاوضة، أو بذكر معانيها ولم يأتيا بذلك، فكانت الشركة عِنانًا.
قال: ولا بأس أن يشترط أحدهما [للآخر] فضلًا عن ربح ماله إذا كانا شَرَطا أن يعملا بالمال جميعًا.
وقال زفر والشافعي: لا يجوز أن يشرط لأحدهما أكثر من ربح ماله (٢).
لنا: أن الشركة [تستحق الربح فيها بالعمل والمال بدلالة المضاربة، فإذا اشتركا ومالهما متفاضل وتساويا في الربح، فقد شرط لأحدهما زيادة ربح لأجل عمله وذلك جائز؛ ولأن الربح إذا جاز أن يستحق] بالمال على الانفراد [وبالعمل على الانفراد]، جاز أن يستحق بهما في حالة واحدة، كشريك العنان إذا أخذ
стр. 2900
مالًا مضاربة وأذن له في خلطه [بماله] (١)، وليس هذا كالمشتركين في الماشية إذا شرطا لأحدهما (٢) فضلًا في أولادها وألبانها؛ لأن نماء الحيوان المشترك لا يجوز أن يستحق إلا [بالملك] (٣)، وربح المال يجوز أن يستحق بغير [الملك] بدلالة المضاربة.
وجه قول زفر: أن هذه الشركة لو صَحّت لاستحق الشريك زيادة ربح بعمله في المال المشترك؛ وذلك لا يجوز، كما لا يستحق [الأجرة] بعمله فيه، وهذا ليس بصحيح؛ لأن حكم الربح لا يعتبر بالأجرة، ألا ترى أنه لو اعتبر بها لوجب أن يشترط مدة معلومة وعملًا معلومًا، فلما لم يعتبر ذلك في استحقاق الربح - وإن اعتبر ذلك في استحقاق الأجرة - دل على اختلافهما.
فإن قيل: إن هذا العقد فيه معنى المضاربة عندكم؛ لأن تقديره كأنّ أحدهما قال: اعمل في مالي وربحه لي، وأعمل في مالك وربحه بيننا، ومن شرط المضاربة: أن تبطل إذا شرط عمل رب المال فيها، وقد جوّزتم هذه الشركة وإن شرطا عملهما.
والجواب: أن المضاربة أمانة، وتمام الأمانة يقف على التخلية بين الأمين وبينها كالوديعة، فإذا شرطا عمل رب المال لم توجد التخلية، فلم تصح، وأما الشركة: فكل واحد منهما أمين في المال، [فشرط عملهما لا يبطل] (٤) معنى الأمانة، كالمودعين والمضاربين لرجل واحد إذا أذن لهما في أن يشتركا،
стр. 2901
[فتصرف] كل واحد منهما قائم مقام [تصرف] رب المال، وشرط عمله لا يفسد المضاربة.
فإذا ثبت هذا قال أصحابنا: إذا شرط عملهما استحقا الربح على ما شرطا، وإن عمل أحدهما؛ لأن معنى قولنا: إن الربح يستحق بالعمل، ليس المراد به وجود العمل، وإنما المراد به شرط العمل، ألا ترى أن المضارب لو استعان برب المال فعمل، استحق الربح؛ لأن العمل مشروط عليه وإن لم يعمل، فكذلك في مسألتنا.
وإن شرطا العمل على الذي شرط له فضل الربح جاز؛ لأنه عامل في ماله فربحه له، وعامل في مال شريكه ببعض ربحه، والربح يستحق بالعمل، [فأما إذا شرطا الفضل لأَقَلِّهما عملًا] (١) خاصةً لم يصح؛ وذلك لأنه شرط [فضل الربح] عن مال بغير عمل ولا ضمان، والربح لا يُستحق إلا بمال أو عمل أو ضمان (٢).
٢٣٢٩ - فَصْل: [رأس مال الشركة]
وإن اشتركا ورأس مالهما شيء من المكيل أو الموزون جنسًا واحدًا وَقَدْرًا واحدًا وصفةً واحدة، لم تجز الشركة عندهم جميعًا.
وقد بيّنا هذه المسألة، وبيّنا حكمها إذا اختلطا، والخلاف بين أبي يوسف ومحمد.
стр. 2902
فأما إذا اشتركا ولأحدهما حنطة وللآخر شعير لم تجز الشركة؛ لأن الجنس الواحد لا تصح الشركة فيه قبل الخلط، فالجنسان أولى.
فأما إذا خلطا لم تصح الشركة في قولهم جميعًا؛ لأن الحنطة إذا خلطت بالشعير خرجت من أن تكون ثمنًا، ألا ترى أن مستهلكها يلزمه قيمتها، ولا يلزمه مثلها.
٢٣٣٠ - فَصْل: [الربح على قدر رأس المال]
قال أبو يوسف في الشركة بالحنطة إذا خلطاها، وقال أبو يوسف ومحمد: في الشركة بالعروض، وبالحنطة [والشعير] إذا اشتركا فيها: فلكل واحد منهما ما اشتريا قدر قيمة متاعه، فإن كانت القيمة سواء فهو نصفان، وإن كانت مختلطة (١) فعلى حساب ذلك.
وقال محمد في الإملاء: إذا اشتركا فيما لا يجوز فيه الشركة، فاشتريا بذلك متاعًا ثم باعاه، ثم أرادا القسمة، فإن كانت الشركة بعروض أو بشيء لا يكال ولا يوزن ولا يباع عددًا، فرؤوس أموالهما قيمة ذلك يوم اشتريا، والربح بينهما على قدر ذلك.
وقال في كتاب الشركة في الأصل: إذا كان رأس المال شيئًا مما يكال أو يوزن أو يُعَدُّ فاشتريا به متاعًا على أن لكل واحد منهما بحصة ماله، ونقدا ذلك ثم باعا ذلك بدراهم، أو كان رأس المال عروضًا فاشتريا متاعًا ثم باعاه بألف درهم،، فإنما يقتسمان الدراهم على قيمة العروض يوم اشتريا، وإن كان مما يكال
стр. 2903
أو يوزن أو يعد، أخذ كل واحد منهما قدر رأس ماله يوم يقتسمان.
وقال بشر عن أبي يوسف: فيما لم تجز الشركة (١) عليه إذا ابتاعا به عبدًا فهو بينهما على قدر قيمة متاع كل واحد منهما.
فحصل من هذا، أن الشركة إذا وقعت بما لا مثل له اعتبر قيمته يوم الشراء؛ لأنه انتقل إلى العين، وصار رأس مال بالشراء، ولا يجوز أن يثبت مثله في المال؛ لأنه لا مثل له فيثبت قيمته، وأما المكيل والموزون والمعدود والذي لا يتفاوت فيثبت مثله في المال.
وإذا باعا ما اشتريا بالدراهم صار ذلك دينًا فيها، فوجب استرجاعه من المال.
وقد [طعن بعض] (٢) أصحابنا على قول محمد في الأصل: إنه يعتبر قيمته يوم القسمة؛ لأن الكيل صار دينًا في المال، فإذا باعا المال بالدراهم فكأنما باعا مكيلًا مشتركًا، فيقسم الثمن على قدر ذلك عند البيع.
والذي قال محمد عند القسمة فمحمول على أن القيمة لم تتفاوت فيما بين حال البيع وحال القسمة (٣).
٢٣٣١ - فَصْل [ضياع مال أحد الشريكين قبل الخلط]
فإذا اشترك الرجلان بمال فلم يخلطاه على أن يشتريا ويبيعا، فما كان من
стр. 2904
ربح فبينهما، فضاع مال أحدهما قبل الشراء فقد انقضت الشركة، فإن اشترى الآخر بالمال الباقي شيئًا، كان ما اشتراه لنفسه [أيهما كان المشتري].
قال وجملة هذا: أن الشركة على ضربين:
أحدهما: أن يشترطا أن الربح فيما اشتريا على سهام معلومة، مثل مسألتنا، فإذا هلك أحد المالين قبل الشراء انتقضت الشركة، فإن اشترى الآخر بماله فهو له خاصة؛ وذلك لأن الشركة تَعَيَّنَت في المالين، فإذا هلك أحدهما قبل الشراء بطلت الشركة فيه، وبطلت في المال الآخر؛ لأن صاحبه لم يرض بمشاركة شريكه إلا بشرط أن يشركه في ماله، فإذا بطلت الشركة كان ما يشتريه بماله له خاصة.
والضرب الثاني: أن يشرطا أن كل ما يشترى بينهما، [والربح بينهما]، فهلك أحد المالين ثم اشترى الآخر بماله فالشركة باطلة، والمشترى بينهما على ما شرطا، وللمشتري أن يرجع على شريكه بحصته من [الثمن] (١)، وهما شريكان في المشترى شركة أملاك، لا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر إلا بإذنه؛ وذلك لأنهما ذكرا الشركة وصرحا بالوكالة بقولهما: إن ما يشتريه كل واحد بينهما (٢)، وهلاك أحد المالين قبل الشراء تبطل الشركة، فتبقى الوكالة المستفادة بصريح الأمر،، فإذا اشتريا كان مشتركًا بحكمهما لا بحكم الشركة، ومن وكَّل رجلًا بشراء شيء على أن يكون بينهما فاشتراه فهو على ما شرطا، وعلى الأمر حصته من الثمن، وليس لكل واحد منهما أن يتصرف في نصيب الآخر، كما ليس
стр. 2905
لهما فيما ملكاه بالميراث (١).
وليس كذلك الفصل الأول؛ لأنه لم يصرح فيه بالوكالة، وإنما استفيدت بحكم العقد، فإذا بطل العقد بطلت، وهذه المسألة توجد مختلفة الجواب لاختلاف سؤالها، فكل موضع وضعوها على شركة مجردة أبطلوا [الوكالة] (٢) بهلاك المال، وكل موضع وضعوها على التصريح بالوكالة [في الشركة] لم تبطل الوكالة ببطلان الشركة، فإذا عرفت القسمة (٣) لا تجد فيما ذكروه اختلافًا.
٢٣٣٢ - فَصْل: [الشراء بأحد المالين ثم هلاك الآخر]
وأما إذا اشتريا بأحد المالين ثم هلك الآخر فما اشترياه بينهما، وإن كانا لم يصرحا في العقد بالوكالة؛ وذلك لأنه اشترى مع بقاء الشركة [فملك] (٤) المشترى، فهلاك المال بعد ذلك لا يعتبر حكم الملك.
واختلف الحسن ومحمد في هذا الفصل، فقال الحسن: المشترى بينهما شركة أملاك، لا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر؛ لأن الشركة انتقضت بهلاك أحد المالين، والتصرف إنما يثبت بحكم الشركة.
وقال محمد: لا تنتقض، وما اشترياه على الشركة، فأيهما باعه فبيعه جائز، فإن ربحا فيه أو وضعا فيه وضيعة اقتسما الثمن على رؤوس المال؛ وذلك لأن الشراء وقع مع بقاء الشركة في المشترى، فهلاك المال بعد
стр. 2906
تمام الشركة لا يؤثر فيها.
٢٣٣٣ - فَصْل: [الضمان بالهلاك في يد الشريك]
قال أبو يوسف: في رجل دفع إلى رجل ألف درهم فقال: اشتَرِ بها بيني وبينك نصفين، والربح لنا، والوضيعة علينا، فَقَبِلَ ذلك وقبض المال على هذا الشرط، فضاع مَنْ عنده قبل أن يشتري شيئًا، فلا ضمان عليه، وليس هذا بقرضٍ عليه، إنما هذا شركة فإذا اشترى بالمال ثم هلك فعلى الآمر ضمان نصف المال، وعلى المشتري مثل ذلك.
وقال ابن سماعة عن محمد: إذا هلكت الألف قبل أن يعمل بها، فالقابض ضامن نصف المال.
لأبي يوسف: أنه دفع المال إليه على وجه الشركة، وأذن له في أن يشتري به لهما، فما هلك من يد الشريك لا يلزمه ضمانه، وليس كذلك إذا اشترى ثم هلك؛ لأنه لما اشترى لزمه نصف الثمن دينًا، وقضاه من مال الآمر، فكان عليه مثله.
لمحمد: أن الشراء بمال الغير على أن الربح للمشتري لا يكون إلا بطريق القرض، فقد أقرضه نصف الألف وأقبضه ذلك؛ فإذا هلك هلك من ضمانه.
يبين ذلك بما اتفق [عليه] أبو يوسف ومحمد: أن الآمر لو قال للمأمور: اشتر بألفي على أن جميع الربح لك، فأقبضه الألف فهلك قبل الشراء كان مضمونًا عليه؛ لأنه لا يستحق [جميع] الربح، إلا أن يكون المال قرضًا، فكذلك إذا شرط هذا في بعض الألف.
стр. 2907
وروى الحسن عن أبي حنيفة: في هذه المسألة مثل قول أبي يوسف.
وقد قالوا: إن شركة العنان تصحّ بين الرجال والنساء؛ لأنها تتضمن الوكالة، وتوكيل أحدهما للآخر جائز، وكذلك تَصِحُّ بين الأحرار والعبيد، وبين العبيد المأذون لهم، وكذلك الصبي المأذون والمكاتب؛ لأن توكيل هؤلاء ووكالتهم جائزة.
وتصحّ أيضًا بين المسلمين وأهل الذمّة؛ لأنه ليس من شرطها التساوي في المال، وكذلك يجوز عدم التساوي في التصرف، وليس بين المسلم والكافر [إلا] الاختلاف [في] التصرف.
стр. 2908
بَاب ما يجوز لأحدِ شَرِيكي العِنان أن يَعْمَله في المال
قال أبو الحسن: ولكل واحد من شريكي العنان أن يبيع مال الشركة بالنقد والنَّسَاء؛ وذلك لأن الشركة إِذْنٌ عام في البيع، وذلك يشتمل على النقد والنَّسَاء؛ ولأن الوكيل بالبيع يملك عندنا أن يبيع بالنسيئة، وتصرف الشريك أعم من تصرف الوكيل وأقوى، فهو بجواز ذلك أولى.
قال: ويشتري أيضًا؛ يعني: بالنقد والنساء، وهذا على وجهين:
إذا كان في يده مال خاص للشركة جاز أن يشتري بالنساء، وكذلك إن كان عنده مكيل أو موزون، فاشترى بذلك الجنس شيئًا؛ لأن الشريك وكيل بالشراء، والوكيل بالشراء يملك الشراء بالنسيئة.
فأما إذا لم يكن في يده دراهم ولا دنانير، واشترى بدراهم أو دنانير فالمشترى له خاصة دون شريكه؛ وذلك لأنا لو صححنا شراءه على الشركة صار مستدينا على مال الشركة [والشركة شركة عنان]، والشريك والمضارب لا يملكان الاستدانة إلا أن يؤذن لهما في ذلك، وليس هذا كما لو كان المال المشترى به في أيديهما مثله؛ لأن هذا ليس باستدانة.
بيان ذلك: أنه إذا اشترى بألف وليس ذلك عنده صار مستدينًا على شريكه، فيؤدي إلى أن يصير مال الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه، وإذا كان في يده مثل ذلك المال لم يؤد إلى هذا، [فجاز].
стр. 2909
وقد حكى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: إذا كان في يد أحد الشريكين دنانير فاشتري بدراهم جاز، وقال زفر: لا يجوز.
لأبي حنيفة: أن الدراهم والدنانير قد أجريا مجرى الجنس الواحد، فكأنه اشترى بجنس ما في يده.
وأما زفر: فلا يجوِّز الشركة في الدراهم والدنانير ويجعلهما في حكم الجنسين، فصار كالمشتري بالدراهم وعنده عروض.
قال: وله أن يبضع؛ وذلك لأن الشركة تنعقد على عادة التجار، ومن عادتهم أن يبضعوا، ولأن له أن يستأجر من يعمل في البضاعة بعوض، فإذا دفعها بضاعة فقد استعمل فيها بغير عوض، فهو أولى.
قال: وله أن يودع؛ لأن ذلك من عادة التجار، ولأنه يجوز أن يستحفظ المودع بأجر، فإذا استحفظه بغير أجر [فهو] أولى.
قال: وله أن يدفع مال الشركة مضاربة، ذكره محمد في الأصل عن أبي حنيفة (١).
وقال الحسن عن أبي حنيفة: [إنه] ليس له ذلك.
وجه رواية الأصل: أنه يملك أن يستأجر المضارب للعمل في المال ببدل مضمون في الذمة، فإذا دفعه مضاربة استعاد عمله بغير أجر مضمون فهو أولى.
وجه رواية الحسن: أن المضاربة [شركة] (٢) وليس لشريك العنان أن
стр. 2910
يشارك إلا أن ينص له على ذلك. وهذا ليس بصحيح؛ لأنا لو جوزنا له أن يشارك [لاستفاد] (١) بحكم العقد مثل العقد، وتوابع العقد ما هو دونه، والمضاربة دون المشاركة، فجاز أن يستفاد بمقتضى الشركة، وإن لم يستفد بمقتضاها الشركة التي هي مثلها، تبين ذلك أنهم قالوا في المضارب: ليس له أن يدفع المال مضاربة بإطلاق المضاربة، وله أن يوكِّل؛ لأن الوكالة دون المضاربة، فجاز أن يستفاد بحكمها وإن لم يستفد بها مثلها، وعلى هذا لم يجز للوكيل أن يوكل بإطلاق الوكالة؛ لأنه لا [يستفيد] بحكم العقد مثل العقد.
قال: يجوز أن يعمل في المال الذي بشركتهما كلَّ شيء يجوز للمضارب أن يعمله؛ وذلك لأن تصرف الشريك أقوى من تصرف المضارب وأعم، فما كان (٢) للمضارب أن يعمله فلأنْ يجوز للشريك أولى.
قال: ولأحدهما أن يوكل بالشراء والبيع؛ لأن الشركة تنعقد على عادة التجار، ولأنّا لو لم نجوّز له أن يوكل ضاق الأمر عليه؛ ولأن التجار لا يتمكنون من جميع التصرفات بأنفسهم؛ لأن الوكالة أخص من الشركة، فجاز أن يستفاد بحكمها (٣).
٢٣٣٤ - فَصْل: [ارتهان أحدهما بدين عليهما]
قال محمد في كتاب الرهن: [إذا رهن أحدهما متاعًا من الشركة بدين عليهما لم يجز، وصار ضامنًا للرهن]، ولو ارتهن بدين لهما أو أداناه وقبض،