أكساب مكاتبه، فهو كالأجنبي.
وعلى هذا، إذا دفع إلى رجل مالًا مضاربة، وأمره أن يعمل المضارب معه أو يعمل معه رب المال، فالمضاربة فاسدة؛ لأن المضارب ولي العقد وهو ممن لا يجوز أن يأخذ مضاربة، ورب المال يستحق الربح بالمال.
وقالوا في المضارب إذا دفع المال إلى ربّ المال مضاربة بالثلث، فالمضاربة الثانية فاسدة، وما كان من الربح فهو بين رب المال والمضارب على ما شرطا في المضاربة الأولى، ولا أجر لرب المال؛ لأن ربّ المال لا يجوز أن يأخذ مال نفسه مضاربة، فصار كأنه تصرف بأمر المضارب لا على وجه المضاربة، فيكون مُعينًا للمضارب، ولا أجر له؛ لأنه عمل في ملك نفسه.
قال أبو الحسن: فإن وقع عقد المضاربة على الوجه الذي لا يجوز، فعمل المضارب فربح، كان الربح كله لرب المال أولمن يستحق رأس المال، وللمضارب أجر مثله فيما عمل؛ وذلك لأن التسمية إنما تجب مع صحة العقد، فإذا فسد العقد سقط المسمّى، كالبيع الفاسد والنكاح الفاسد إذا سقطت التسمية، فربّ المال يستحق الربح؛ لأنه نماء ماله، وإنما يستحق المضارب بعضه بالشرط، وقد بطل الشرط، وللمضارب أجر] (١) مثله؛ لأنه [استوفى] (٢) منافعه بعقد فاسد (٣).
قال أبو يوسف: لا يجاوز به القدر الذي شرط للمضارب، وقال محمد: له
стр. 2977
أجر مثله بالغًا ما بلغ، وقد بيّنا هذا في شركة الاحتطاب، وقال أبو يوسف: لا أجر له إذا لم يربح، رواه عنه محمد، ورواه ابن سماعة في نوادره عنه، وهو خلاف ما في الأصول (١).
وجه ما في الأصل: أن المضاربة إذا فسدت صارت إجارة، والإجارة يجب فيها الأجر رَبحَ المستأجر أو لم يربح.
لأبي يوسف: أن المضاربة الفاسدة لا تكون أقوى من الصحيحة، ومعلوم أن المضارب إذا لم يربح لم يستحق شيئًا مع صحة المضاربة، فمع فسادها أولى.
قال: وكل مضاربة صحيحة فللمضارب ما شرط [له]، فإن لم يربح شيئًا فلا شيء له؛ وذلك لأن التسمية صَحَّتْ، فالمستحق من المال مُعَيَّنٌ وهو الربح، فإذا لم [يحصل] لم يجب شيء.
وقد ذكر في كتاب المضاربة: أن المضاربة الفاسدة إذا هلك المال في يد المضارب لم يضمن.
وروى ابن سماعة، عن محمد أنه قال: يضمن، فيجوز أن يكون ما المضاربة قول أبي حنيفة على أصله: أن الأجير المشترك لا يضمن.
وما رواه ابن سماعة على أصل أبي يوسف ومحمد في ضمان الأجير، والمضاربة الفاسدة: صارت إجارة؛ بدلالة وجوب أجر المثل، والمضارب فيها على حكم الأجير المشترك؛ لأنه لا يستحق الأجر إلا بالعمل.
ويجوز أن يكون ما في الأصل قولهم، وتكون المضاربة فاسدةً، وإن
стр. 2978
صارت في حكم الإجارة من وجه فهي معتبرة بالمضاربة الصحيحة، وإذا لم يضمن [المضارب] في الصحيح لم يضمن في الفاسد، ألا ترى أن البيع الصحيح لما تعلق به الضمان تعلق بالفاسد. والله تعالى أعلم (١).
стр. 2979
بَاب ما يجوز أن يشترط من الربح وما لا يجوز
قال أبو الحسن: ولا يجوز أن يشترط في المضاربة لرب المال ولا للمضارب إلا قدرًا معلومًا مشاعًا في جميع الربح على الأجزاء، وإن شرطا (١) من ذلك نصفًا أو ثلثًا أو ربعًا أو أقل من ذلك [أو أكثر] (٢).
والأصل في هذا: أن الربح في المضاربة لا يصح إلا أن يكون مشاعًا بين رَبِّ المَالِ والمُضَارِبِ؛ لأنها نوع من الشركة، والربح في الشركة لا يكون إلا مشاعًا.
قال: فإن شرط قدرًا معلومًا على غير الأجزاء لم يجز، مثل أن يشرط [لأحدهما] مائة درهم من الربح أو أقل من ذلك أو أكثر، والباقي للآخر، فإن ذلك لا يجوز، والمضاربة فاسدةٌ في قولهم.
(وكذلك إن شرط أحدهما النصف أو الثلث ومائة درهم، أو إلا مائة فإنه لا يجوز، والمضاربة فاسدة) (٣) في قولهم.
والأصل في هذا: ما أن روي النبي ﷺ سئل عن المزارعة إذا شرط لأحدهما ما على الربيع الساقي، أو ما على الماذيانات، فأبطل المزارعة (٤)،
стр. 2980
وكان المعنى فيه أنهما قطعا ذلك الشركة عن جزءٍ من النماء؛ ولأن هذا يؤدي إلى قطع الشركة في الربح، ألا ترى أنهما إذا شرطا لأحدهما النصف ومائة، جاز أن يكون الربح ما بيّن، فيستحق المشروط له كل الربح، وإذا شرطا له النصف إلا مائة، جاز أن يكون النصف مائة فلا يستحق المشروط منه شيئًا.
وأما إذا شرطا دراهم مسمّاة فهذه إجارة؛ لأن العمل ببدل معلوم إجارة، والإجارة لا تصح مع جهالة العمل والمدة.
وأما فساد المضاربة: فالشروط الفاسدة فيها على ضربين:
إذا أدّت إلى جهالة الربح أفسدت؛ لأن الربح هو المعقود عليه، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد.
وإذا لم تؤدِّ إلى جهالة الربح صحت المضاربة وبطل الشرط، مثل أن يشرطا الوضيعة عليهما؛ وذلك لأن الوضعية جُزْءٌ هالك من المال، فلا يجوز أن يلزم غير رب المال؛ إلا [أنه] (١) لا تؤدي إلى جهالة الربح، فلم تفسد المضاربة.
والدليل على أنها لا تفسد بالشروط إذا لم تكن في المعقود عليه: أن صحتها تقف على القبض، فلا تبطل بالشروط كالهبة والرهن، ولأنها وكالة، والوكالة لا تبطلها الشروط.
فإذا ثبت هذا: فشرطهما أن تكون الوضعية بينهما لا تؤثر في جهالة الربح،
стр. 2981
فلا تفسد [المضاربة].
وقد ذكر محمد في المضاربة: إذا قال رب المال للمضارب: لك ثلث الربح وعشرة دراهم في كل شهر ما عملت في المضاربة، صحّت المضاربة بالثلث وبطل الشرط (١).
وقال في المزارعة: إذا دفع إليه أرضه بثلث الخراج وجعل له عشرة دراهم في كل شهر، فالمزارعة باطلة.
فمن أصحابنا من قال: المسألة على روايتين: [رواية] كتاب المزارعة تقتضي فساد المضاربة؛ لأن المشروط للمضارب من المشاهرة معقود عليه، وقد قطع عنه الشركة، ورواية المضاربة: تقتضي أن تصح المزارعة.
والوجه فيه: أنه عقد على ربح معلوم وجزء من الخارج معلوم، ثم ألحق به شرطًا فاسدًا، فبطل الشرط كسائر الشروط.
والصحيح: الفرق بين المسألتين؛ لأن المزارعة إجارة بدلالة أنها لا تصح إلا [بمدة] (٢) معلومة، فالشرط الفاسد في البدل يفسدها، والمضاربة ليست بإجارة؛ بدلالة أنها لا تفتقر إلى ذكر المدة، فلذلك لم يفسدها الشرط.
وعلى هذا الأصل قال محمد: فيمن دفع ألفًا مضاربة (٣) على أن الربح بينهما نصفان، على أن يدفع إليه رب المال أرضه يزرعها سنة، أو على أن يسكنه
стр. 2982
داره سنة، فالشرط باطل، والمضاربة جائزة؛ لأنه ألحق بها شرطًا لا يقتضيه.
ولو كان المضارب هو الذي شرط عليه أن يدفع أرضه ليزرعها رب المال سنة، أو يسكنه داره سنة (١)، فسدت المضاربة؛ [وذلك] لأنه جعل نصف الربح عوضًا عن عمله وعن أجرة [الدار و] الأرض، فصار حصة العمل مجهولة بالعقد، فلم يصح العقد.
وروى المُعَلَّى عن أبي يوسف: في رجل دفع مالًا إلى رجل مضاربةً على أن يبيع في دار رب المال، أو على أن يبيع في دار المضارب، (كان جائزًا.
ولو شرط أن يسكن المضارب دار رب المال أو رب المال دار المضارب) (٢) فهذا لا يجوز؛ وذلك لأنه لما شرط البيع [في] إحدى الدارين فإنما خص البيع بمكان دون مكان، ولم يعقد على منافع الدار، وإذا شرط للمضارب السكنى فقد جعل تلك المنفعة له.
ولم يتعرض أبو يوسف للفساد في المضاربة، وإنما ذكر الفساد، فينبغي أن يكون في الشرط (٣).
* * *
стр. 2983
بَاب المضاربة يشترط فيها الربح لأحدهما ويسكت عن الآخر
قال: أصل هذا الباب ما قدمنا أن رب المال يستحق الربح؛ لأنه نماء ماله، فلا يفتقر (في ذلك إلى شرط) (١)؛ ولهذا إذا فسد الشرط كان جميع الربح [له، والمضارب لا يستحق إلا بالشرط؛ ولهذا إذا فسد الشرط لم يستحق شيئًا من الربح؛ لأن الربح] نماء من مال غيره، وإنما يستحقه في مقابلة عمله، والعمل لا يتقوم إلا بالعقد.
وإذا ثبت هذا [الأصل]، قال أبو الحسن: إذا قال الرجل لرجل: خذ هذا الألف على أن لك نصف الربح أو ثلثه، ولم يزد على هذا، فالمضاربة جائزة، وللمضارب ما شرط له، وما بقي لرب المال؛ وذلك لأن المضارب هذا الذي يفتقر إلى التسمية ليستحق بها، وقد سمّى له وما بعد ذلك مسكوت عنه، فيستحقه رب المال بماله.
فإن قال: خذ هذا المال مضاربة على أن لي نصف الربح ولم يزد على هذا، فالقياس أن تكون المضاربة فاسدة، ولكنها تجوز استحسانًا، ويكون للمضارب النصف.
وجه القياس: أن رب المال سمّى لنفسه النصف وسكت عن ذكر النصف، وما سكت عنه فهو لرب المال، فلم يحصل (٢) للمضارب قدرًا معلومًا من الربح،
стр. 2984
فلم تصح المضاربة.
وجه الاستحسان: أن الربح في المضاربة من حكمه أن يكون بينهما، فإذا سمّى نصيب نفسه وسكت عن الباقي، فكأنه سمى الباقي للمضارب، ألا ترى أن الله تعالى لما جعل المال للأبوين ثم بيّن نصيب الأم، علمًا أن الباقي للأب.
قال: فإن قال: على أن لي النصف [من] الربح (١)، ولك ثلثه ولم يزد على هذا، فالثلث للمضارب، والباقي لرب المال؛ لأنه سمّى للمضارب مقدارًا معلومًا، ولنفسه قدرًا معلومًا وسكت عن سدس [الربح] (٢).
وقد بيّنا أن المسكوت عنه لرب المال إلا في مسألة الاستحسان.
وقد قالوا في المضاربة إذا قال رب المال على أن ما رزق الله تعالى من شيء فهو بيننا، جاز [ذلك]؛ وذلك لأنه [بَيَّنَ] (٣) كلمة القسمة، وهي تقتضي المساواة إذا لم يبيّن فيها مقدارًا، قال الله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨]، فَفُهِمَ من ذلك التساوي، بدلالة قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥].
قال: ومن هذا النوع ما لم يذكره أبو الحسن: إن شرط جزءًا من الربح لغير المضارب ورب المال (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المآب.
стр. 2985
بَاب الربح يشترط فيه لثالث غير رب المال والمضارب
قال أبو الحسن: أصله أن ينظر إلى ما شرط للثالث، فإن كان لو صَحّ استحق الثالث دونهما كان الشرط باطلًا، وإن كان ما شرط للثالث لو صَحّ كان ذلك للمضارب جاز ذلك.
وقالوا: إذا دفع الرجل إلى رجل ألف درهم مضاربة على أن ما رزق الله تعالى من ذلك [من شيء] فللمضارب ثلثه ولعبد المضارب ثلثه ولرب المال ثلثه، فهذا جائز، فما فالثلثان للمضارب، والثلث لرب المال؛ وذلك لأن ربح عبد المضارب إذا لم يكن عليه دين فالمشروط له مشروط للمضارب؛ لأنه هو الذي يملكه، فكأنه شرط للمضارب الثلثين.
قالوا: وكذلك لو شرط للمضارب الثلث، ولرب المال الثلث، ولعبد رب المال الثلث جاز؛ لأن ما شرط لعبد رب المال إذا لم يكن عليه دين مشروط لمولاه، فكأن رب المال شرط لنفسه الثلثين.
وعلى هذا قالوا: لو شرط ثلث الربح لقضاء دين المضارب، أو لقضاء دين رب المال [جاز]؛ لأن المشروط في قضاء دين أحدهما مشروط [له].
وأمّا إذا شرط الثلث لابن المضارب [أو لزوجته فالمضاربة جائزة، وما شرط لابن المضارب فهو لرب المال؛ وذلك لأن ابن المضارب] لا يجوز أن يستحق من غير مال ولا عمل، فصار المشروط له مسكوتًا عنه، وما سكت عنه
стр. 2986
من الربح فهو لرب المال؛ لأن ابن المضارب لا يجوز أن يستحق من [الربح].
وأمّا إذا شرط ثلث الربح لعبد رب المال وعليه دين، فلا يخلو: إمّا يشترط عمله أو لا يشترط، فإن شرط عمله فهو عند أبي حنيفة كالأجنبي؛ لأن المولى لا يملك اكتسابه، وإن لم يشترط عمله فما شرط له فهو لرب المال؛ لأنه لا يجوز أن يستحق ربحًا في المضاربة من غير عمل ولا مال، فصار المشروط له كالمسكوت عنه.
وعلى قولهما: إذا كان عليه دين فما شرط [له] فهو مشروط لمولاه عمل أولم يعمل.
وأما إذا شرط لعبد المضارب الثلث وعليه دين، فإن شرط عمله جاز عند أبي حنيفة؛ لأن المضارب لا يملك كسبه، فصار كالأجنبي، وإن لم يشترط عمله (فما شرط له فهو لرب المال) (١)؛ لأنه مسكوت عنه.
وقال أبو يوسف ومحمد: للمضارب؛ لأنه يملك كسبه كما يملك لو لم يكن عليه دين (٢).
стр. 2987
بَابُ ما يكون مضاربة بغير لفظها
قال أصل هذا الباب: إن العقود لا يقف انعقادها على عبارة بعينها، وإنما يقف على ذكر معانيها؛ ولهذا يعقد البيع بلفظ التملك، والنكاح أيضًا بلفظ الهبة، وكذلك المضاربة لا يقف عقدها على لفظها إذا أتى بمعناها.
وقد بيّنا أن المفاوضة تنعقد بالمعنى، والذي روى الحسن أنها لا تنعقد إلا بلفظ المفاوضة؛ فلأن العادة أن العامة لا تستوفي معانيها.
قال أبو الحسن: إذا دفع الرجل إلى رجل مضاربة أو مالًا مقارضة، أو معاملة فهو مضاربة؛ لأن المضاربة صريح اللفظ، والمقارضة صريح بلغة أهل المدينة، والمعاملة عامة في البيع والشراء، وهذا معنى المضاربة.
وكذلك إذا قال: خذها واعمل بها على أن ما رزق الله تعالى من شيء فهو بيننا نصفان، أو على أن لك ثُلثُه أو عُشره ولم يزد على هذا، فهذا جائز، وهي مضاربة؛ لأن قوله: فاعمل فيها عام في البيع والشراء.
فإذا قال: خذ هذه الألف فابتع (١) بها متاعًا بما كان من فضل ولك النصف، ولم يزد على هذا القول، فهو جائز، والمال مضاربة؛ [وذلك لأن الفضل لا يحصل إلا بالبيع والشراء، وهذا معنى المضاربة].
فإن قال: خذ هذا المال فاشترِ به هَرَويًا بالنصف، أو رقيقًا بالنصف، ولم
стр. 2988
يزد على هذا شيئًا، فاشترى كما أمره، فهذا فاسد، وللمشتري أجر مثله فيما اشترى، وليس له أن يبيع ما اشترى إلا بأمر رب المال؛ وذلك لأن قوله: اشتر بالنصف استئجار على الشراء بأجر مجهول، وذلك لا يصح، ولا يكون مضاربة؛ لأنه ذكر الشراء ولم يذكر البيع، فلم يأت بمعنى المضاربة.
وقوله: هذا فاسد، يعني الشرط، فأمّا الوكالة فهي جائزة، والمشترى للآمر وللوكيل أجر مثله؛ لأن الموكل استوفى منافعه بعقدٍ فاسدٍ، وليس له أن يبيع ما اشترى؛ لأنه وكله بالشراء دون البيع، فصار المشترى للموكل، فلا يجوز [بيع غيره فيه] (١) إلا بإذنه، فإن باع منه شيئًا بغير أمره فبيعه باطل، وهو ضامن لقيمته إن لم يقدر عليه؛ وذلك لأنه تعدّى في ملك الغير، فإن أجاز رب المال البيع والمتاع قائم، أو لا يدري ما حاله، فالبيع جائز، والثمن لرب [المال]؛ وذلك لأن البيع [في المتاع] لم ينفذ لحَقَّه، فإذا أجازه جاز، وإنما شرط قيام البيع؛ لأن المتلف لا يجوز ابتداء العقد، فلا تلحقه الإجازة، فإن كان لا يعلم حاله جاز العقد؛ لأن الأصل بقاء المبيع حتى يعلم هلاكه، فإن علم أنه هلك فالإجازة [باطلة؛ لأن المبيع الهالك لا يجوز نقل الملك فيه، فلا تلحقه الإجازة].
وقال بشر عن أبي يوسف: في رجل دفع إلى رجل ألف درهم على على أن يشتري بها ويبيع، فما ربح فهو بينهما، فهذه مضاربة، لا ضمان على المدفوع إليه المال ما لم يخالف، وهذا على ما بيّنا أنه لما ذكر الشراء والبيع فقد أتى بمعنى المضاربة.
قال: ولذلك لو شرط عليه أن الوضيعة عليّ وعليك، فهذه مضاربة
стр. 2989
والربح بينهما، والوضعية على رب المال؛ لما بيّنا أن شرط الوضيعة شرط فاسد، فلا يفسد المضاربة.
وقال علي بن الجعد عن أبي يوسف: لو أن رجلًا دفع إلى رجل ألف درهم ولم يقل مضاربةً ولا بضاعة ولا قرضًا ولا شركة، وقال: ما ربحت فيها فبيننا، فهذه مضاربة؛ لأن الربح لما لم يحصل إلا بالشراء والبيع، صار التماس الربح إذنًا فيهما، وهذا معنى المضاربة.
وقد قال محمد في الأصل: إذا قال [خذ هذه الألف فابتع بها متاعًا، فما كان فيه من فضل فلك النصف، إنها مضاربة] استحسانًا.
وجه القياس: أنه ذكر الشراء ولم يذكر البيع.
وجه الاستحسان: أن الفضل لا يكون إلا بالبيع، فكأنه أذن فيه.
قال: ولو قال: خذ هذا المال بالنصف، كان مضاربة استحسانًا.
وجه القياس: أنه لم يذكر الشراء والبيع.
وجه الاستحسان: أن الأخذ لا يستحق عليه العوض، فلم يبق إلا أن يكون شرط العوض عن عمل، فلا يصح استحقاق النصف إلا بالشراء والبيع، فحمل عليه.
وليس كذلك إذا قال: ابتع هرويًا بالنصف؛ [لأنه ذكر عملًا] (١) يجوز أن يشرط عليه أجرًا، فلذلك حمل على الإجارة ولم يحمل على المضاربة.
стр. 2990
وقال محمد: إذا دفع مالًا مضاربة على أن جميع الربح لرب المال فهو بضاعة؛ لأن التصرف في المال على أن ربحه لرب المال إنما يكون في البضاعة، فهذه بضاعة غير أنه عبّر بالمضاربة.
قال: ولو قال: على أن كل الربح لك، فهذا جائز، وهو قرض لا يستحق جميع [الربح]، فلما شرط له ذلك، علم أنه أقرضه المال ليصبح استحقاق ربحه. والله تعالى أعلم (١).
* * *
стр. 2991
بَاب ما للمضارب أن يعمله في المضاربة
قال أبو الحسن: إذا دفع الرجل إلى رجل مالًا مضاربة على: أن الربح بينهما نصفان ولم يزد على هذا، فهذه مضاربة مطلقة، وله أن يشتري به ما بدا (١) له من سائر التجارات؛ وذلك لأن مقتضى المضاربة العموم، ألا ترى أنهما عقدا على الربح، وذلك لا يحصل إلا بالشراء والبيع، فكأنه أمر بذلك، ولو أمر كان أمره عامًا؛ ولأن المضاربة لو لم تقتض العموم بإطلاقها لم تصح إلا خاصة، كالوكالة.
قال: وله أن يدفعه بضاعة؛ وذلك لأن العقد وقع على عادة التُّجار، ومن عادتهم أن يبضعوا؛ ولأن المضارب يملك أن يستأجر من يعمل في المال بعوض، فإذا أبضع فقد جعل العمل بغير عوض فهو أولى.
وله أن يودع؛ لأن هذا من عادة التُّجَّار، ولأن تصرفه عام كالأب والوَصِيّ، وله أن يستأجر الأُجَراء؛ وذلك لأنه لا يتوصل إلى الربح إلا بالعمل، وقد لا يتمكن من جميع الأعمال بنفسه، فلا بد له من الأُجَراء، ولأن هذا عادة التجار.
وله أن يستأجر البيوت ليجعله فيها؛ لأنه لا يقدر على حفظ المال إلا بذلك، وهو مأذون في حفظ المال، ويستأجر السفن والدَّوَابَ والرَّجَالَ لحَمْلِهِ؛ لأن الربح يحصل بنقل المال من موضع إلى موضع، ولا يمكنه نقله بنفسه.
وله أن يبيع بالنسيئة والنقد؛ لأن الأمر [بالبيع] عام، ولأن الوكيل يملك
стр. 2992
ذلك، وتصرفه (١) أعم، وله أن يوكل بالبيع والشراء؛ لأن الإذن [على] عادة التجارة، ولأن الوكالة أخص من المضاربة، فجاز أن يستفاد من مقتضاها (٢).
قال: (وكل ما كان للمضارب أن يفعله، فله أن يوكل بذلك؛ لأنه يملك التصرف بأمر عام، فملك أن يوكل به كالشريك) (٣)، وكل ما يجوز للمضارب أن يفعله بعد نهي رب المال أو بعد موته، فله أن يوكل به؛ وذلك لأنه [قد] استفاد بمقتضى المضاربة، فصار حقًّا من حقوقه، حيث لم ينعزل عنه بالعزل، فجاز توكيله فيه لحقوق نفسه.
وما لم يجز فعله للمضارب لم تجز وكالته على رب المال؛ (لأن ما لا يملك فعله بنفسه، فلأن لا يملكه وكيله أولى) (٤).
قال: وله أن يرهنه بدين عليه في المضاربة من مال المضاربة، وأن يرتهن بدين له منها على رجل؛ لأن الرهن للإيفاء، والارتهان للاستيفاء، وهو يملك ذلك بعقد عام.
وإن استدان على المضاربة لم يجز ذلك على رب المال؛ لأن ما يبتاعه المضارب، قيمته [مضمون] (٥) له على رب المال، ألا ترى أنه إذا اشترى برأس المال فهلك قبل التسليم، رجع عليه المضارب بمثله، ولم يرض أن يضمن إلا مقدار رأس المال، فلو جوّزنا الاستدانة لزمه ضمان ما لم يرض بضمانه، وهذا لا يصح.
стр. 2993
قال: فإن رهن به من متاع المضاربة شيئًا ضمنه؛ لأنه لما لم يجز أن يستدين على [رب] المال صار مستدينًا لنفسه، والدين عليه، فلا يجوز أن يرهن به مال المضاربة، كما لا يملك إيفاءه منها.
قال: فإن كان رب المال أذن له أن يستدين، كان الدين عليهما نصفين، فإن أذن له أن يرهن فرهن رهنًا فهلك وقيمته والدين سواء، كان على المضارب نصف قيمته.
قال: والأصل في هذا [الباب]: إن رب المال إذا أذن للمضارب أن يستدين على المال، فما يستدينه شركة بينهما (١) شركة وجوه، فإذا أطلق الاستدانة كان ما يشتري (٢) بينهما نصفين، بينهما نصفين، ألا ترى أن المشترى بالدَّيْنِ لا يجوز أن يكون مضاربة؛ لأنها لا تصح إلا في مال عين، فلم يبق إلا بأن يكون شركة وجوه، وإطلاق الشركة يقتضي التساوي، ولا فرق بين أن يكون الربح بينهما في المضاربة نصفين أو أثلاثًا؛ لأن هذه شركة على حيالها، فلا تبتني على حكم المضاربة.
وقد بيّنا أن شركة الوجوه لا يتفاضلان في ربحها إلا أن يشرطا التفاضل في الضمان، فإن شرطا أن المشترى أثلاث كان الربح كذلك، وإن أطلقا فالمشترى نصفان، فلا يجوز أن يتفاضلا في الربح.
وإذا ثبت أن هذه شركة وجوه فقد صار الثمن دينًا عليهما من غير مضاربة، فلا يملك المضارب أن يرهن مال المضاربة إلا بإذن رب المال، فإن أذن له رب
стр. 2994
المضاربة أن يرهن بجميع الثمن فقد أعاره نصف الرهن ليرهنه بدينه، فإذا هلك صار ذلك مضمونًا عليه. والله تعالى أعلم (١).
٢٣٣٥ - فَصْل: [رهن المضارب بعد نهي رب المال عن العمل]
قال: وليس للمضارب أن يرهن بعد نهي رب المال له عن العمل والمضاربة، ولا بعد موته؛ وذلك لأن النهي والموت يبطلان المضاربة إلا في التصرف الذي يؤدي إلى أن ينضّ (٢) به، رأس المال؛ لأن رب المال لا يملك عزل الوكيل عن ذلك.
ولهذا قالوا: إن المضارب [بعد] النهي أو الموت يملك أن يبيع ما بيده من العروض؛ لأن بالبيع ينصّ رأس المال، ولا يملك أن يشتري؛ لأن بالشراء لا ينض، وإنما هو تصرف على المضاربة، وقد انعزل عن ذلك (٣).
إذا ثبت هذا: فالرهن تصرف لا ينضّ به رأس المال، فلا يملكه.
قال: وإذا باع شيئًا فأخّر على المشتري الثمن جاز، وهذا ظاهر على قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الوكيل بالبيع عندهما يملك ذلك، فالمضارب أولى؛ إلا أنهما قالا في الوكيل: إذا أخّر ضمن، والمضارب لا يضمن؛ لأن المضارب يملك أن يستقيل ثم يبيع بالنَّساء، فكذلك يملك أن يؤخر ابتداءً، فلا يضمن، والوكيل لا يملك أن يقايل (٤) ثم يبيع بالنساء، فإذا أخّر ضمن.
стр. 2995
فأما أبو يوسف فقال: لا يجوز تأخير الوكيل، ويجوز تأخير المضارب؛ لأن المضارب يملك أن يشتري السلعة (١) أو يستقيل فيها، ثم يبيعها نَساء، فكذلك يملك أن يؤخر ثمنها، والوكيل لا يملك ذلك.
قال: فإن احتال بالثمن على رجل، والمحتال عليه مُوسرًا كان أو معسرًا فهو جائز؛ وذلك لأن الحوالة (٢) من عادة التجار؛ لأنهم ربما تمكنوا من اقتضاء المحتال عليه أكثر مما يمكن اقتضاء المحيل، وليس هذا كالوصي إذا احتال بمال اليتيم؛ [لأن] ذلك إن كان أصلح جاز، وإلا لم يجز؛ لأن تصرف الوصي لليتيم على وجه الاحتياط [فما لا احتياط فيه] (٣) لا يجوز، وتصرف المضارب على عادة التجار، فما اعتادوه [جاز].
قال محمد: وله أن يستأجر أرضًا بيضاء ويشتري ببعض المال طعامًا فيزرعه فيها، وكذلك [له] أن يقلبها ليغرس فيها نخلًا أو شجرًا [أو رطابًا]، فذلك كله جائز، والربح على ما شرطا؛ لأن الإجارة من التجارة، وهو مالك للتجارة، ولأن الاستئجار من عادة التجار، فجاز للمضارب.
قال: ولو أخذ المضارب نخلًا أو شجرًا [أو رُطْبًا] (٤) معاملة على أن ينفق على ذلك من المال، لم يجز على رب المال وإن كان قال: اعمل [في ذلك] برأيك حين دفع إليه المال؛ [وذلك] لأن هذا عقد على منافع المضارب، فصار
стр. 2996
كما لو أجر نفسه للخدمة، ولا يعتبر ما شرط من الإنفاق؛ لأن ذلك تابع للعمل ليس بمعقود عليه كالخيوط في إجارة الخياطة، والصَّبْغُ في الصِّبَاغَةِ.
قال: وكذلك إن قال له: اعمل في ذلك برأيك حين دفع إليه المال؛ لأن هذا [يفيد] (١) تفويض الرأي في المضاربة، والمضاربة تصرف في المال، وأمّا منافع المضارب فلا يجوز أن يستحق بدلها رب المال.
قال: ولو أخذ أرضًا مزارعة على أن يزرعها، فما خرج من ذلك كان نصفين، فاشترى طعامًا ببعض المال فأنفق بقيته عليه، قال محمد: [فإن] هذا يجوز إن كان قال له اعمل برأيك، وإن لم يكن قال له اعمل برأيك لم يجز؛ وذلك لأنه يوجب حقًّا لرب الأرض في مال رب المال، فصار كأنه شارك بمال المضاربة، والمضارب لا يملك الشركة بالإطلاق، وإذا قال له: اعمل برأيك ملك، كذلك هذا (٢).
وقد قال أبو الحسن: إن الأرض والبذور والبقر إن كان من قِبَل رب الأرض، والعمل على المضارب، لم يكن ذلك على المضاربة، وكان للمضارب خاصة، وهذا على ما بيّنا أنه عقد على منافع نفسه، وبدل المنافع لا يدخل في المضاربة، وكذلك لو شرط البقر على المضارب؛ لأن العقد [وقع] على منفعة، والآلة تبع لم يقع عليها عقد.
٢٣٣٦ - فَصْل: [دفع المضارب أرضًا بغير بذر مزارعةً]
فإن دفع المضارب أرضًا بغير بذر مزارعة جاز، سواء قال له: اعمل برأيك
стр. 2997
أو لم يقل؛ [وذلك] لأنه لم يوجب شركة في مال رب المال، وإنما هو في حكم المؤاجر لأرضه؛ ولهذا قالوا فيمن [آجر] (١) أرضًا ليزرعها ببذره فدفعها إلى غيره مزارعة، جاز، و [لو] لم يقل له رب الأرض اعمل فيها برأيك. والله أعلم.
٢٣٣٧ - فَصْل: [بيع المضارب عبيد المضاربة]
قال أبو الحسن: وللمضارب أن يبيع عبيد المضاربة إذا لحقهم دَيْنٌ كان المولى حاضرًا أو غائبًا؛ وذلك لأن البيع في الدين يملكه من يملك بيع العبد، ورب المال لا يملك البيع، وإنما يملكه المضارب، فلا معنى لاعتبار حضور رب المال.
قال: وليس للمضارب في قول أبي حنيفة ومحمد أن يزوِّج عبدًا ولا أمة من مال المضاربة، وهذه المسألة قد بيّناها في موضعها، وذكرنا قول أبي يوسف: أنه يزوج الأمة ولا يزوج العبد.
وقال ابن رستم عن محمد: ليس للمضارب أن يتزوج بأمة من المضاربة ولا يزوجها؛ [وذلك] لأنه لا يملك أن يعقد على مال المضاربة لنفسه، كما لا يملك أن يشتري شيئًا منها لنفسه.
قال: فإن تزوج أمة من المضاربة بإذن رب المال فهو جائز، وقد خرجت من المضاربة؛ وذلك لأن مال المضاربة إذا لم يكن فيه ربح فلا ملك للمضارب فيه، فجاز أن يتزوج بإذن رب المال، كما يتزوج بسائر جواريه.
وأمّا خروج الجارية من المضاربة؛ فلأن العادة أن من تَزَوَّجَ امرأةً حفظها
стр. 2998
وسترها، والمضاربة تقتضي العرض على البيع وإبرازها للمشترين، فلما اتفقا على التزويج كان ذلك رضًا منهما بفسخ المضاربة فيها.
قال: ويلزم رب المال مقدار قيمتها من المال.
قال: ومعنى هذا: أن ذلك القدر يحتسب عليه من رأس المال؛ لأنه لما أخرجه من المضاربة صار كأنه استرجعه.
وقد قال الحسن عن أبي حنيفة: إن المضارب لا يملك أن يزوج أمة من المضاربة لعبد من المضاربة؛ [وذلك] لأن التزويج ليس من التجارة، وتصرفه خاص في التجارة، وينبغي أن يكون هذا قولهم؛ لأن عند أبي يوسف وإن جاز الأمة لم يجز (١) له تزويج العبد.
قال: وليس للمضارب - إذا لم يقل له اعمل برأيك - أن يدفع المال إلى غيره مضاربة، ولا [يشارك به]، ولا يخلط بماله ولا مال غيره في قولهم؛ لأن العقد المطلق لا يستفاد بمقتضاه مثله، وإنما يستفاد ما هو دونه، والمضاربة مثل المضاربة، فلا يملكها (٢) بمقتضاها، كما لا يملك الوكيل أن يوكل.
وأما الشركة فهي أعَمّ من المضاربة، فأولى أن لا يكون من أحكامها، فأما خلط المال؛ فلأنه (٣) ثبت في مال رب المال حقًّا لغيره، وذلك لا يجوز إلا بإذنه.
وأما إذا قال: اعمل برأيك، فقد فَوَّضَ إليه الرأي في التصرف الذي يفعله التجار، فجاز أن يفعل ذلك؛ لأنهم قد يفعلونه.
стр. 2999
وقد قالوا في الرواية المشهورة: إنّ للمضارب أن يأذن لعبد المضاربة في التجارة؛ [وذلك] لأنه من عادة التجار.
وروى ابن رستم عن محمد: أنه لا يملك ذلك بإطلاقها؛ لأن الإذن في التجارة أعم من المضاربة، فلا يجوز أن يستفاد بإطلاق [العقد] ما هو أكثر منه.
قال: وليس له أن يعتق على مال؛ لأن العتق صريح التبرع، فلا يملكه الإنسان في مال غيره إلا بإذنه، وليس له أن يكاتب؛ لأن الكتابة ليست من التجارة، وتصرفه خاص في التجارة (١).
قال: ولا يقرض؛ لأن القرض تبرع، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "قرض مرتين كصدقة مرة" (٢) والتبرع لا يجوز في ملك الغير.
قال: ولا يأخذ سفتجة، لأن السفتجة استدانة، وهو لا يملك الاستدانة، وكذلك لا يعطي سفتجة؛ لأن دفع السفتجة إقراض، وهو لا يملك القرض.
وقال محمد عن أبي حنيفة: ليس له أن يقرض ولا يأخذ سَفْتَجَةً حتى يأمره بذلك بعينه، فيقول له: خذ السفاتج وأقرض إن أحببت، فأمّا إن قال له: اعمل في ذلك برأيك فإنما هذا على البيع والشراء والشركة، والمضاربة، وخلط المال، وهذا قول أبي يوسف وقولنا؛ وذلك لأن قوله: (اعمل برأيك) استفاد به عموم التصرف في التجارة، ولا يملك به التبرع ولا الاستدانة؛ لأن التبرع ليس من عمل المضاربة، وإنما فوّض إليه الرأي في عمل المضاربة.
стр. 3000
فأما الاستدانة فقد بيّنا أنها شركة وُجُوْهٍ، وهو إنما فَوَّض إليه الرأي في المضاربة خاصة، فأما في عقد آخر لا تعلق له به، فإنه [ا] يدخل في ذلك.
قال: وللمضارب أن يسافر بالمال وإن لم يقل له: (اعمل فيه برأيك) في قول أبي حنيفة في رواية محمد والحسن بن زياد، وهو قولهما أيضًا، وكذلك روى محمد عن أبي يوسف، وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنه ليس له أن يسافر بالمال.
وقال أبو يوسف عن أبي حنيفة: إذا دفع إليه المال بالكوفة وهما من أهلها، فإن أبا حنيفة قال: ليس له أن يسافر بالمال، وإن كان الدفع في [مصر] (١) غير الكوفة، فللمضارب أن يخرج به حيث شاء.
أما وجه الرواية المشهورة: فلأن المضاربة مشتقة من الضَّرْبِ في الأرض؛ وذلك يقتضي السفر، ولأنها إذن عام في التصرف فلا يختص بمكان دون مكان (٢).
وجه رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة: فلأن السفر بالمال خطر، فلا يجوز إلا بإذن المالك، أو ما يدل على الإذن، فإذا دفع إليه المال في بلدهما، ولم يأذن له في السفر، ولا وجد ما يدل على الإذن، فأما إذا دفع إليه المال في غير بلدهما، فالعادة أن الإنسان يأخذ المضاربة و لا (٣) يلتزم ترك وطنه، فصار دفع المال رضًا بالرجوع إلى الوطن، فتضمنت المضاربة السفر، فجاز أن يسافر حيث شاء.
стр. 3001
وقد بَيَّنَّا من قول أبي يوسف الفرق بين الموضع الذي لا يثبت فيه عن وطنه وبين ما يثبت، وبينا الرواية [التي فرق فيها بين مَا لَهُ] (١) حمل [ومؤونة، وبين] ما لا حمل له في الشركة، فالمضاربة على ذلك.
قال: وإذا اشترى المضارب بالمال متاعًا أو لم يشتر، ثم نهاه رب المال أن يخرجه من المصر الذي اشتراه فيه فليس له أن يخرجه من ذلك البلد، فإن أخرجه، فهو ضامن.
وكذلك إن مات رب المال فسافر بالمال وهو عين أو متاع وقد علم بالموت أو لم يعلم، فهو سواء، وهو بمنزلة نهي رب المال وعلم المضارب بالنهي.
فقال الشيخ رحمه الله تعالى: وجملة هذا أن المضاربة المطلقة إذا خصصها رَبُّ المال بعد العقد، فإن كان المال بحاله لم يشتر المضارب به شيئًا، أو كان مالًا عينًا قد باع به ما اشتراه فتخصيصه جائز، كما لو خصص المضاربة في الابتداء؛ لأنه يملك العزل في هذه الحالة، فلذلك يملك النهي عن بعض مقتضى العقد؛ لأن ذلك عزل عن بعض ما جعل إليه (٢).
وأما إذا اشترى [المضارب] بالمال متاعًا، فكل شيء استفاده المضارب بإطلاق المضاربة ليس لرب المال أن ينهاه عنه، فإن نهاه لم يتعلق بنهيه حكم في هذا المتاع حتى ينصّ ثمنه.
وهذا مثل أن يقول: لا تبع بالنسيئة؛ وذلك لأن المضاربة قد تمت بالشراء،
стр. 3002
فلو أراد العزل عن البيع لم يجز، فكذلك إذا أراد العزل عن مقتضى البيع لم يجز.
فأما السفر، فعلى الرواية التي قال إنه يسافر بإطلاق العقد إذا نهاه عن السفر بعدما اشترى المتاع لم يعمل نهيه؛ لأن ذلك قد ملكه بحكم العقد، فلا يملك عزله عنه (١) مع تمام العقد.
وعلى الرواية التي قال: لا يملك السفر بإطلاق العقد وإنما يملك بتفويض (٢) رب المال، فإذا عزله عنه جاز؛ لأن هذا ليس بمقتضى العقد، وإنما استفاده بأمر آخر انضم إلى العقد، فجاز عزله عنه.
وعلى هذا إذا كان قال له: اعمل برأيك، ثم نهاه عن الشركة وخلط المال، جاز نهيه؛ لأن ذلك لم يستفده بإطلاق المضاربة.
فأما إذا مات رب المال فقد انعزل المضارب من طريق الحكم، فهو كالعزل بالقول، فلا يملك الشراء المبتدأ، ويملك بيع ما اشترى؛ لينض رأس المال، كما يملك البيع [بعد العزل] (٣).
فأما إذا مات رب المال لم يكن له أن يسافر؛ لأن الأمر الذي استفاد به التصرف بطل، وليس هذا كالنهي عن السفر؛ لأن النهي لا يبطل أمر رب المال، وإنما رب المال يبطل به تصرف المضارب، فلا يملك [ذلك] فيما تم العقد فيه.
стр. 3003
وقد قالوا: إن المضارب إذا خرج بالمال بعد الموت إلى مصر رب المال لم يضمن استحسانًا؛ وذلك لأن رأس المال يجب عليه تسليمه إلى الورثة، فلا بد من رده إلى مصرهم.
وإنما استوى في الموت العلم والجهل؛ لأنه عزل من طريق الحكم.
وقال بشر وعليّ بن الجعد عن أبي يوسف: إذا كان المال قائمًا بعينه - يعني: مال المضاربة -[فله أن] (١) يمنع من البيع بنسيئة، وكذلك لو نهاه أن يعمل به، وكل ما نهاه قبل أن يعمل بالمال فيشتري به متاعًا، فنهيه جائز، وهذا [يدل] على ما بيّنا أن العقد لم يتم، فجاز له التخصيص، كما يجوز له العزل.
قال: فإذا اشترى به متاعا قال أبو يوسف: ليس لرب المال أن يمنع المضارب من بيعه بنسيئة، ومن شخوصٍ بالمتاع إلى بلد، ولا أن يأخذ على يده في شيء ينقص ما كان في أصل المضاربة، ولا أن يمنعه من [البيوع] (٢) يكون الفضل فيها، أرأيت مضاربًا أخذ مالًا مضاربة على أن يبيع بالنقد والنسيئة، ويتجر في أنواع التجارات، وفي البلدان، فاشترى طعامًا ببلد فلما قبض ونقد أراد أن يحرزه إلى مدينة السلام لما بلغه من غلاء السعر، فقال رب المال: لا تحرزه، فقد احتجت إلى مالي، فبعه وأعطنيه، فليس ذلك لرب المال.
وللمضارب الأمر العام المعروف بين الناس، ليس له في ذلك ضرر ولا ما لا يعمل به التجار في مثل ذلك، ولا أن يبيع إلى أجل لا يبيع التجار إليه، ولا أن يحمل ذلك في السفر المخوف الذي [يتحاماه] (٣) التجار، إنما هذا على ما
стр. 3004
يعمل التجار ويعرفه الناس.
وهذا على ما قدمنا أن ما استفاده بإطلاق المضاربة لا يملك رب المال نهيه عنه فيما اشتراه، فأما الأجل الذي لا يبيع الناس إليه والسفر في الطريق المخوف؛ فلأن ذلك لا يملك بإطلاق العقد، فلذلك لم يجز له.
وقال الحسن بن زياد: إذا دفع إليه مالًا مضاربة، وقال له: اعمل برأيك، [ثم قال: لا تعمل برأيك] فنهيه صحيح، وإذا كانت المضاربة مطلقة ثم قال بعد ذلك: لا تبع بنسئية، أو قال: لا تخرج به من المصر، أو قال: لا تبع منه شيئًا من فلان، أو قال: لا تشتر به البز، أو لا تشتر الدقيق، أو لا تشتر جارية، ولا دارًا لم يكن نهيه نهيًا، وكان للمضارب أن يفعل ذلك؛ لأن قوله (اعمل فيه برأيك) قد بيّنا أنه أمر آخر انضم إلى المضاربة، فجاز العزل عنه، وأما البيع بالنسيئة] (١) والبيع ممن شاء وابتياع ما شاء مستفاد بإطلاق المضاربة، فلا يملك العزل عنه بعد تمامها، وهذا محمول على أنه نهاه بعد الشراء.
قال: وإذا دفع الرجل إلى رجلين مالًا مضاربة وقال لهما: اعملا في ذلك برأيكما، أولم يقل، فليس لأحدهما أن يبيع ولا يشتري بغير إذن صاحبه، ولا يعمل أحدهما شيئًا مما للمضارب الواحد أن يعمله؛ لأن رب المال رضي برأيهما، ولم يرض برأي أحدهما، فصار كالوكيلين، ولأنه وإن كان فوّض الرأي [والاختيار] إليهما، فإنما فَوَّضه على الاجتماع، ولم يفوضه على الانفراد.
قال: وإن أذن له الشريك في شيء من ذلك جاز في قولهم، رواه محمد في المضاربة الكبيرة؛ وذلك لأنه فَوَّض الرأي إليهما وقد نفذ العقد برأيهما،
стр. 3005
فكأنهما عقداه.
قال: فإذا دفع الرجل إلى الرجل مالًا مضاربةً، وأجاز ما صنع في ذلك فاشترى به خمرًا أو خنزيرًا أو ميتة، أو مُدَبّرًا أو أمَّ ولد، أو مُكَاتَبًا، وهو يعلم أو لا يعلم، فقبض ذلك ودفع الدراهم، فهو ضامن للدراهم التي دفع؛ وذلك لأن الإذن في الشراء على المضاربة، فيقتضي شراء ما يمكن بيعه؛ لأن الربح لا يحصل إلا بالبيع، وهذه الأشياء لا يجوز بيعها، فلم يتضمنها الإذن، فإن اشتراها المضارب كان مشتريًا لنفسه.
قال: وإذا اشترى [بيعًا] (١) فاسدًا مما يملك إذا قبض فليس بمخالف، وهو (٢) على المضاربة؛ لأن الإذن في الشراء عام في الصحيح والفاسد، فما (٣) يمكن بيعه بعد ابتياعه فقد دخل تحت الأمر، فلا يكون مخالفًا.
قال: وإذا اشترى عبدًا بما لا يتغابن الناس [في مثله] فهو مخالف، قال له: اعمل برأيك أو لم يقل؛ وذلك لأن المضارب وكيل بالشراء، فلا يجوز شراؤه إلا بما (٤) يتغابن في مثله؛ لأنه تصرف من طريق الحكم، كالوصي، وقوله: اعمل برأيك قد بيّنا أنه ينصرف إلى عموم من الرأي فيما يدخل في المضاربة، ولا ينصرف إلى [التبرع والمحاباة] (٥).
قال: وإذا باع بما لا يتغابن الناس فيه فهو جائز في قياس قول أبي حنيفة،
стр. 3006
ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد، وهذا فرع على مسألة الوكالة.
فأبو حنيفة يقول: إن الوكيل بالبيع يتصرف من طريق الأمر، والأمر عام.
وهما يقولان: الوكالة محمولة على العادة.
وأما إذا باع بنقصان يتغابن فيه جاز في قولهم؛ لأنا لا نتيقن الحظ، ألا ترى أن ذلك يدخل بين تقويم المقومين، فكأنه باع بمثل القيمة.
قال أبو الحسن: إذا قال له: اعمل برأيك، فله أن يعمل جميع ما في هذا الباب: غير القرض، وأخذ السفاتج، والاستدانة على المال، والشراء بما لا يتغابن الناس فيه، فإنه لا يجوز حتى ينص على ذلك بعينه واسمه، وهذا على ما بيّنا. والله أعلم (١).
* * *
стр. 3007
بَابُ المضاربة الخاصة
قال [أبو الحسن]: وإذا دفع الرجل إلى رجل ألف درهم مضاربة على أن يعمل بها بالكوفة، فليس [له] أن يعمل بها في غيرها؛ وذلك لأن (على) من ألفاظ الشروط، والإذن في التصرف إذا كان بشرط وجب اعتباره؛ ولأن هذا التخصيص فيه زيادة [فائدة]، لأن السفر [فيه] خطر، فإذا لم يرض به رب المال لم يجز.
قال: ولا يعطيها بضاعة لمن يخرج بها من الكوفة؛ [لأنه إذا لم يملك أن يخرج بنفسه، لم يملك الأمر بذلك، فإن أخرجها من الكوفة] ضمن إذا اشترى بها وباع، وما اشترى فهو لنفسه، له ربحه وعليه وضيعته؛ لأنه تصرف على غير الوجه المأذون، فصار كالمبتدئ بالتصرف في ملك الغير.
قال: وإن لم يشتر بها شيئًا حتى رَدَّها إلى الكوفة برئ من الضمان ورجع المال مضاربة على حاله؛ وذلك لأنه مؤتمن في المال، وإنما ضمن بالتعدي [فإذا ردّها قبل الشراء] فقد أزال التعدي، فصار كالمودع إذا تعدى ثم أزال التعدي، [ولو اشترى ببعضه وردّ البعض، فما اشترى فهو له، وما ردّ رجع على المضاربة، فإن اشترى في المصر وباع في المصر، كان ما اشترى في المصر مردودًا على المضاربة]؛ وذلك لأنه لو اشترى بالجميع كان الشراء له، ولو رَدَّ الجميع [كان ما اشترى] (١) للمضاربة، فإذا اشترى ببعضه وَرَدَّ بعضه، كان
стр. 3008
للبعض حكم الجميع.
قال: وإن دفع إليه على أن يعمل في سوق الكوفة، فعمل بالكوفة في غير سوقها، فهو جائز على المضاربة استحسانًا.
وجه القياس: أنه شرط العمل في مكان بعينه، فلم يجز [العمل] في غيره، كما لو شرط بلدًا بعينه فعمل في غيره.
وجه الاستحسان: أن البلد الواحد كالبقعة الواحدة، فالتخصيص بسوق منه لا فائدة فيه، [وكل أمر لا فائدة فيه] يلغو.
قال: [فإن قال]: اعمل به في سوق الكوفة، ولا تعمل به إلا في سوق الكوفة، فعمل في غير السوق فباع واشترى فهو ضامن؛ وذلك لأنه حجر عليه في غير السوق، [وهو يملك الحجر، فلم يجز تصرفه، وليس كذلك الفصل الأول؛ لأنه لم يحجر عليه في غير السوق]، وإنما خَصَّ السوق، والتخصيص يثبت إذا كان فيه فائدة.
وإذا قال: خذ هذا المال لتعمل به في الكوفة، لم يجز العمل في غيرها؛ لأن (في) حرف ظرف، فقد جعل الكوفة ظرفًا للتصرف الذي أذن فيه، فلا يجوز في غيرها، وكذلك إذا قال: فاعمل به بالكوفة؛ لأن الفاء تعلق ما قبلها بما بعدها، فصار العمل بالكوفة هو المأذون فيه، وكذلك إذا قال: خذ هذا المال بالنصف بالكوفة؛ لأن الباء تلحق الصفة بالموصوف، فلم يجز أن يتصرف على غير الصفة المأذون فيها.
ولو قال: خذ هذا المال مضاربة واعمل به بالكوفة، فله أن يعمل بالكوفة
стр. 3009
وحيث ما بدا له؛ لأن الواو للاستئناف، فقد أذن إذنًا مطلقًا، وشاوره فيما يعمل في المال، فلم يختص الإذن به (١).
وإذا قال: خذ هذا المال مضاربة بالنصف على أن تشتري به الطعام، [أو قال: اشتر به الطعام، أو قال تشتري به الطعام]، أو قال: في الطعام، [فذلك كله سواء، والطعام هو الحنطة والدقيق، وليس له أن يشتري غير ذلك؛ لما بيّنا أن (على) حرف شرط، والأمر إذا تعلق بشرط وجب اعتباره، والفاء تعلق ما قبلها بما بعدها، وإذا قال: تشتري به الطعام، فهذا تفسير الإذن فيختص به، وإذا قال: في الطعام]، ففي حرف ظرف، فإذا دخلت على [ما] (٢) يكون ظرفًا صارت شرطًا، وإنما قلنا: إن الطعام الحنطة ودقيقها؛ لأن في العادة لا يراد بالطعام كل ما يطعم به، إنما يراد ما [يطلق] (٣) عليه الاسم، وذلك هو الحنطة دون غيرها، وأما دقيقها فلأن المقصود به ما يقصد بها؛ ولأنه كان طعامًا يسمى عندهم على الإطلاق، والمعتبر فيه ما يتناوله الاسم في كل بلد.
قال: وكذلك كل جنس يذكر من التجارات على هذا اللفظ لما بيّنا أن اللفظ يفيد التخصيص، فإذا اختص الإذن، فإن اشترى غيره، كان ما اشترى له، فكأنه ابتدأ التصرف بغير أمره.
قال: وله أن يشتري ذلك [الصنف] (٤) في المصر وغيره، وأن يبضع فيه، ويعمل في ذلك الضرب خاصة جميع ما يعمله المضارب في المضاربة المطلقة؛
стр. 3010
وذلك لأن اللفظ يفيد العموم، فإذا دخله التخصيص من وجه بقي العموم في باقيه على ما كان عليه.
قال: وإذا عطف بالواو في هذا كله فقال [له]: اعمل كذا وكذا فهو مطلق (١)، وهذا القول منه مشورة، وقد بيّنا ذلك.
وإذا قال له: على أن تشتري من فلان وتبيع منه، فهو على فلان خاصة لا يتعداه؛ لأن هذا التخصيص فيه فائدة، وهو الثقة بفلان، وكل تخصيص فيه فائدة يثبت حكمه.
فإذا قال: على أن تشتري بها من أهل الكوفة وتبيع، فاشترى وباع من رجل بالكوفة ليس (٢) من أهلها فهذا جائز؛ لأن هذا التخصيص لا فائدة فيه إلا ترك السفر، فكأنه قال على أن تشتري ممن بالكوفة.
وكذلك إذا دفع إليه مالًا مضاربة في الصرف على أن يشتري من [الصَّيَارِفَة] (٣) ويبيع،، كان له أن يشتري [من] غير [الصيارفة] (٤) ما بدا له من الصرف؛؛ لأن التخصيص بالصيارفة لا فائدة فيه إلا تخصيص البلد أو النوع، فإذا حصل ذلك من صيرفي أو غيره فهو سواء.
قال: وإذا دفع إليه مالًا مضاربة ثم قال له [بعد ذلك: اشتر البَزَّ وبِهِ] (٥)،
стр. 3011
فله أن يشتري البز وغيره، وهذا محمول على أنه نهاه بعد الشراء، وقد بيّنا أن ما استفاده بإطلاق المضاربة إذا خصّه بعد العقد، فإن كان المال عينًا جاز تخصيصه، وإن كان قد اشترى به لم يعمل به تخصيصه، إلا أن يبيعه بمال عين، فيؤثر التخصيص عند ذلك، ولا يجوز أن يشتري إلا ما قال.
قال: وإذا دفع إليه مالًا مضاربة على أن يشتري ويبيع بالنقد، فليس له أن يشتري ويبيع إلا بالنقد؛ لأن هذا التخصيص فيه فائدة، فتعلق الأمر به.
فإن قال: بع بنسيئة ولا تبع بالنقد، فباع بالنقد جاز؛ لأن هذا أنفع من النسيئة، والتخصيص الذي لا فائدة فيه لا يثبت، وهذا كما لو قال: بع بعشرة فباع بأكثر منها. والله أعلم بالصواب وإليه المآب (١).
стр. 3012
بَاب اختلاف رب المال والمضارب (على أيّ شرطٍ قَبلَ المالَ) (١)
قال الشيخ رحمه الله تعالى: أصل هذا الباب أن مقتضى المضاربة العموم على ما قدمنا، فإذا اختلفا فالقول قول من يدَّعي العموم منهما؛ العموم منهما؛ لأنه يَدَّعي مقتضى العقد، والمدعي للخصوص يدعي زيادة شرط، فلا تقبل دعواه، فإن [اتفقا على أن العقد وقع خاصا فالقول قول رب المال؛ لأنهما] اتفقا على العدول عن ظاهر العقد، وأنه وقع على الخصوص، فصار كالوكالة الخاصة إذا اختلفا فيها أن القول قول الموكل.
قال ابن سماعة وعلي بن الجعد عن أبي يوسف: إذا اختلف المضارب ورب المال في التجارة، فقال رب المال: أمرتك أن تَتَّجِرَ في الحنطة دون ما سواها، وقال المضارب: ما سميت لي تجارة بعينها، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: القول قول المضارب مع يمينه؛ وذلك لأنه ادَّعَى مقتضى العقد، وادعى رب المال العدول عن مقتضاه، فلم يُقْبَلْ قوله، وعلى المضارب اليمين؛ لأن القول قوله فيما يلزمه فيه الخصومة، وهذا مما يصح بذله.
وقال الحسن: القول قول رب المال، ومن أصحابنا من قال: إنه قول زفر؛ لأن الأمر مستفاد من جهة رب المال، فالقول قوله كيف أمر.
стр. 3013
قال: فإن قامت لهما بينة على ما قالا، فالبينة بينة المضارب.
إذا زادوا في الشهادة حرفًا واحدًا، فقالوا نشهد أنه أعطاه إياه مُضَارَبَةً في كل تجارة، ولو لم يشهدوا بهذا الحرف وقالوا: أعطاه مضاربة، فالبينة بينة رب المال؛ وذلك لأنهم إذا شهدوا بمطلق المضاربة، فشهود رب المال قد شهدوا بشرط زائد، فشهادتهم أولى، وإذا شهد شهود المضارب: أنه دفع إليه في كل شيء، فقد شهدوا بزيادة لفظ لم يشهد به الآخرون.
قال: والشهادة في هذا (١) الوجه على زيادة الحروف والمعاني، وهذا يدل على أن الأخبار المتعارضة ترجح بالزيادة في اللفظ.
قال: فإن لم يختلفا في أنواع التجارة، واختلفا في [الكون] (٢) دون ما سواها، فهو كذلك، يعني: في المنع من السفر؛ لأن المضاربة تقتضي إطلاقها في الرواية المشهورة للسفر.
فإذا ادَّعَى رب المال أنه نهاه عن السفر، فقد عدل عن إطلاق العقد، فلا يقبل قوله، فأما على قول من قال إنّ المضارب لا يسافر، فالقول قول رب المال؛ لأنه يَدَّعِي مقتضى إطلاق العقد، والمضارب (٣) يدعي زيادة شرط فيه.
قال: فإن قال رب المال دفعت إليك المال مضاربة في البَزِّ، وقال المضارب: في الطعام، فالقول قول رب المال، وهذا في قولهم؛ [وذلك] لأنهم اتفقوا على خصوص العقد وزوال إطلاقه، فلم يجز الرجوع إلى ما يقتضيه
стр. 3014
الإطلاق، فكان القول قول من [استفيد] (١) الإذن من جهته، فإن أقاما بينة (كانت بينة المضارب أولى) (٢)؛ وذلك لأنه يثبت شرطًا زائدًا تنفيه بينه رب المال، والبينة [المثبتة] أولى.
وقد قالوا في البينتين إذا تعارضتا في صفة الإذن، وقد وقتتا، فالوقت الآخر (٣) أولى؛ لأن الشرط الثاني ينقض الأول، فكان الرجوع إليه أولى. والله أعلم بذلك (٤).
* * *
стр. 3015
بَاب نفقةُ المُضَارِب عَلَى نَفْسه مِنْ مَالِ المُضَارَبَةِ
قال أبو الحسن: قال أصحابنا جميعًا: لا نفقة للمضارب في المال إذا عمل به في مصره (١)، وإن أنفق على نفسه من مال المضاربة شيئًا فهو ضامن [له] (٢)؛ لأن القائل في النفقة أحد قائلين:
إما من قال: لا يجوز أن ينفق بحال إلا بإذن رب المال.
ومن قال: ينفق في السفر دون الحضر، فصار الحضر إجماعًا.
فإذا أنفق ضمن؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله عليه الصلاة السلام: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" (٣)
قال: وإن سافر بالمال للعمل به، فنفقته فيما يكتري لركوبه، ونفقته على نفسه من كسوة أو طعام يأكله، أو أجير يخدمه، أو ثوب يلبسه، أو فراش ينام عليه، أو ماء يشربه، أو علف دابته التي يركبها في سفره ويتصرف عليها في حوائجه، أو غسل ثيابه [في المال]، وكذلك من شراء دابة ليركبها، روى هذا بشر بن الوليد