← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

١١ - [فَصْل: المضمضة والاستنشاق والغسل] قال أبو الحسن: والغسل مفروض في جميع البدن مغابنه وغير مغابنه، وداخل الأنف وداخل الفم، لا [يجزئ] من تَرك ذلك في غسله صلاته. قال رحمه الله تعالى: الأصل في وجوب غسل الجنابة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] والمراد به جميع البدن، فكأنه تعالى قال: طهروا أبدانكم، فيقتضي ذلك تطهير كل ما يمكن تطهيره من غير مشقة، ولا خلاف في ذلك إلا في المضمضة والاستنشاق. فعندنا: أنّهما فرض في الجنابة. وقال الشافعي: ليسا بفرض (١). والدليل على ما قلناه: قوله ﷺ : "إن تحت كل شعرة جنابة، ألا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة" (٢)، قال ابن الأعرابي: البشرة في اللغة: الجلدة التي تقي اللحم من الأذى، وروى عليّ عن النبي ﷺ أنّه قال: "من ترك شعرة من شعره في الجنابة لم يُصبها الماء، أصابه كذا وكذا من النار"، قال عليّ ﵁: فمن ثَم عاديتُ شعري [فحلقته] (٣)، ومعلوم أن في داخل الأنف شعرًا وفي الفم بشرةً؛

стр. 72

ولأنه عضو شق إيصال الماء إليه في الوضوء، فكان فرضًا في الجنابة كالأذنين، ولأنه عضو يختص تطهيره باسم، فوجب تطهيره في الجنابة كالرأس. واحتج الشافعي: أن أم سلمة قالت للنبي ﷺ : إني امرأة [أشد ضفر] (١) رأسي فما أصنع به في الجنابة؟ فقال: "أما أنا فأحثي على رأسي وسائر جسدي ثلاث حثيات من ماء، فإذا فعلت ذلك فقد طهرت" (٢)، وهذا لا دلالة فيه؛ لأنّ قوله: أحثي على رأسي وسائر جسدي يتناول الفم والأنف؛ لأنه من الجسد، وقياسهم على الوضوء لا يصح؛ لأنه يسقط فيه أكثر الظواهر؛ فلأن يسقط فيه البواطن أولى. ١٢ - [فَصْل: ضربات التيمم] قال أبو الحسن: والتيمم عند عدم الماء للوضوء والغسل سواء، وهما ضربتان: ضربة للوجه، وضربة أخرى لليدين إلى المرفقين، يعم بذلك العضوين جميعًا ويدخل في ذلك المرفقان (٣). والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وقول النبيّ ﷺ : "التراب طهور المسلم

стр. 73

ما لم يجد الماء" (١). والدليل على أن التيمم (للجنابة والحدث) سواء: ما روي عن عمار بن ياسر أنّه قال: أصابتني جنابة فتمعكت في التراب كما يتمعك الحمار، فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ فقال: "أصرتَ حمارًا، إنّما كان يكفيك أن تضربَ بيديك على الأرض فتمسح بهما وجهك وتضرب بهما ضربة أخرى وتمسح بهما ذراعيك" (٢)، والكلام في تفصيل التيمم وصفته يأتي في كتاب التيمم إن شاء الله تعالى بالدقة. ١٣ - فَصْل: [مسنونات الوضوء] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: والمسنون في الوضوء تسمية الله تعالى في ابتدائه إلى آخر [ما ذكر] (٣). قال رحمه الله تعالى: وجملة هذا أن مسنونات الوضوء على ضروب: منها ما يتقدم عليه، ومنها ما يوجد عند افتتاحه، ومنها ما يوجد في خلاله. فالذي يتقدم عليه: السواك، وهو سنة بدليل ما روي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتُهم بالسواك لكل صلاة" (٤) وقال النبي ﷺ : "صلاة

стр. 74

بسواكٍ أفضلُ من كذا كذا صلاة بغير سواك" (١)، وقال ﵊: "أوصاني خليلي جبريل بالسواك، حتى خِفت كاد يزدردني" (٢)، وقال ﵊: "طهروا مسالك القرآن بالسواك". ١٤ - [فَصْل: التسمية في الوضوء] والتسمية في ابتداء الوضوء سنة (٣) لما روي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "كل أمر ذي بال لم يُبدأ فيه باسم الله تعالى فهو أبتر" (٤). وقال ﵊: "من توضأ وذكر اسم الله تعالى كان طهورًا لجميع بدنه، ومن يتوضأ ولم يذكر الله تعالى كان طهورًا لما أصاب الماء" (٥). وقد قال قوم: إن

стр. 75

التسمية فرض، وهذا غلط لهذا الخبر، ولأنها عبادة (١) ليس في أثنائها ذكر واجب، فلا يجب في ابتدائها ذكر، كالصوم. فإن احتجوا بقوله ﵊: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه" (٢). قلنا لهم: خبر الواحد لا يثبت به وجوب ما يعم البلوى به على ما قدمناه؛ ولأنه محمول على نفي الكمال كقوله ﵊: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٣)، ونحو ذلك. ١٥ - [فَصْل: غسل اليدين قبل الوضوء] قال: وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء لمن استيقظ من منامه سنّة (٤) لما روي أن النبيّ ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يغمسنَّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يَدري أين باتت يده" (٥).

стр. 76

وقد قال قوم بوجوب ذلك، واختلفوا: فمنهم من أوجبه من نوم الليل والنهار، ومنهم من أوجبه من نوم الليل خاصة، [والدليل على أنّه ليس بواجب] أنّه إن كان غسلا من حدث لم يجب فيه غسل العضو مرتين، وإن كان غسلا من نجاسة، فالأصل في يده يقين الطهارة، ويجوز أن تكون نجست، ويجوز أن تكون لم تنجس، فلا يجب التطهير بالشك. فأما الخبر فلا دلالة فيه على الوجوب، لأنّ قوله ﵊: "لا يدري أين باتت يده" [معناه: لا يدري أين باتت يده في مكان طاهر من بدنه أو نجس]، ومن شكّ في النجاسة، فإن غسلها مستحب، وليس بواجب. ١٦ - [فَصْل: المضمضة والاستنشاق في الوضوء] [قال]: والمضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء (١)؛ لقوله ﵊: "بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (٢)، وتوضأ رسول الله ﷺ فتمضمض واستنشق. وقد قال بعض الناس بوجوب ذلك في الوضوء، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ بواطن البدن لا يجب غسلها في الوضوء، كسائر المغابن.

стр. 77

١٧ - [فَصْل: تكرار الغسل ثلاثًا] وتكرار الغسل ثلاثًا سنة (١)، لأنّ النبيّ ﷺ توضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"، وتوضأ مرتين مرتين وقال: "هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين"، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، ووضوء خليلي إبراهيم، فمن زاد أو نقص فقد تعدى وظلم" (٢)، معناه: من نقص عن الواحدة أو زاد على الثلاث. وقد قال أصحابنا: إذا زاد في الوضوء على ثلاث مرات كره له ذلك، إلا أن يقصد به ابتداء وضوءًا آخر وتجديده؛ لأنّ النبيّ ﷺ قال: "الوضوء على الوضوء نور على نور" (٣). ١٨ - [فَصْل: تكرار مسح الرأس] وليس في المسح (على الرأس) تكرار مفروض ولا مسنون، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنّه قال: "إن مسح رأسه ثلاثًا بماء واحد كان مسنونًا". وقال الشافعي: السنة أن يمسح رأسه ثلاث مرات بثلاث مياه (٤).

стр. 78

لنا: ما روي أن عثمان ﵁ توضأ بالمقاعد، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه مرة واحدة، وغسل رجليه ثلاثًا، وقال: "هكذا توضأ رسول الله ﷺ " (١). ومعلوم أن [الحكاية] (٢) تقع بالوضوء الكامل ليقتدي به الناس، ولا [يجوز أن] يقال: قد روي في هذا الخبر أنّه مسح برأسه ثلاثًا؛ لأنّ أبا داود قال في سننه: الصحيح من حديث عثمان رواية من روى (أنّه مسح مرة واحدة) (٣)؛ ولأنه مسح في الطهارة، فلا يُسَنُّ فيه التكرار، كالتيمم ومسح الخف؛ ولأن كل حكم يختص به الرأس من بين سائر الأعضاء لا يسن فيه التكرار كالحلق. [وأما الذي روي (أن النبيّ ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي) (٤) فلا دلالة فيه؛ لأنّ أكثر ما فيه أن يكون مسح رأسه ثلاثًا، وذلك لا يقتضي تكرار الماء، وهذا موضع الخلاف؛ لأنّ الحسن روى عن أبي حنيفة أنّه قال: إن مسح رأسه ثلاثًا بماء واحد، جاز]. ١٩ - [فَصْل: مسح الأذنين] ومسح الأذنين سنة (٥)، لما روي (أن النبيّ ﷺ مسح برأسه وأذنيه وصُدغيه) (٦)،

стр. 79

وأفعاله في القُرب أقل أحوالها أن تفيد السنة. ٢٠ - [فَصْل]: قال أصحابنا: [السنة في الأذن أن يمسح] أذنيه بالماء الذي يمسح به رأسه. وقال الشافعي: يأخذ لهما ماءً جديدًا (١). لنا: ما روي أن النبيّ ﷺ مسح برأسه وأذنيه، وقال: "الأذنان من الرأس" (٢). ولا يجوز أن يكون بيّن مكانهما خِلقة؛ لأنّ هذا يُعلم مشاهدة، ولا يجوز أن يكون قال ذلك؛ لأنّ طهارتهما المسح؛ لأنّ اتفاق العضوين في التطهير لا يوجب إضافة أحدهما إلى الآخر، فلم يبق إلا أن يكون المراد: أنهما يمسحان مع الرأس؛ ولأنه ممسوح مسنون فلا يفرد في طهارة الفرض بماء، كما زاد على مقدار الفرض من مسح الرأس. [والذي روي (أن النبيّ ﷺ أخذ لهما ماءًا جديدًا) (٣)؛ احتمل أن يكون لم يبق على يده بلل.

стр. 80

وعندنا: إذا كان كذلك أفردهما بماء، وقياسهم على المضمضة والاستنشاق لا يصح؛ لأنّ] ابن شجاع ذكر عن أصحابنا أنّه لو أخذ غرفة فتمضمض بها وغسل وجهه، جاز، وكذلك ذكره الحاكم في المنتقى أيضًا، فعلى هذا لا نسلم قياسهم على المضمضة والاستنشاق. ٢١ - [فَصْل: تخليل اللحية] وأما تخليل اللحية فقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنّه قال: إذا أمرّ الماء على ظاهر لحيته أجزأه، وليس تخليل لحية الشعر من مواضع الوضوء (١). وذكر محمد في الآثار: عن ابن عمر أنّه كان يخلل لحيته (٢). قال محمد: فأما على قولنا إن شاء خلل وإن شاء لم يخلل، وقال أبو يوسف: أما أنا فأخلل، فحصل من مذهب أبي حنيفة ومحمد أن التخليل جائز وليس بمسنون، وقال أبو يوسف: سنة. وجه قولهما: أن عثمان ﵁ لما حكى وضوء رسول الله ﷺ لم يخلل؛ ولأن التخليل مبالغة في استيفاء الفرض، وباطن الشعر لا يجب إيصال الماء إليه، فلا يسن تخليله كشعر الرأس. وجه قول أبي يوسف: ما روى أنس بن مالك (أن النبيّ ﷺ كان إذا توضأ شبك أصابعه في لحيته كأنها أسنان المشط) (٣).

стр. 81

٢٢ - [فَصْل: تخليل الأصابع] وأما تخليل الأصابع فهو سنة في قولهم جميعًا (١)، لما روي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "خللوا أصابعكم قبل أن يخللها نار جهنم" (٢)؛ ولأن غسل ما بينها واجب، والتخليل يتيقن به استيفاء الواجب، فهو سنة. ٢٣ - [فَصْل: إدخال الماء في العين] وليس إدخال الماء في العين سنة؛ لأنه ﵊ لم يفعل ذلك؛ ولأن فيه مشقة. ٢٤ - [فَصْل: الترتيب في الوضوء] ولم يذكر أبو الحسن الترتيب (٣)، وقد قال محمد في كتاب الطلاق: إن من ترك الترتيب في الوضوء أجزأه، وقد ترك السنة؛ لأنّ النبيّ ﷺ توضأ ورتَّب،

стр. 82

وقد قالوا: إن الأفضل أن يبتدئ بغسل يمينه قبل شماله؛ لأنّ النبيّ ﷺ كان يستحب أن يبتدئ في الأمور بالميامن، وقال ﵊: "إن الله تعالى يحب التيامن في كل شيء" (١). ٢٥ - [النية في الوضوء] والنية مسنونة في الوضوء؛ لأنّها تجعل الفعل قربة (٢)، ومن توضأ بغير نية سَقَط فرض الوضوء ولم تكن قربة. ٢٦ - [فَصْل: كيفية الغسل] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: والغسل من الجنابة وغيرها: أن يبتدئ بغسل يديه، ثم فرجه، ثم يأتي بالوضوء على ما وصفت لك إلّا القدمين، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثًا، ثم يتنحى عن مغتسله فيغسل قدميه. والأصل في وجوب غسل الجنابة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وقال النبيّ ﷺ : "إن تحت كل شعرة جنابة، ألا فبُلّوا الشعر، وأنقوا البشرة" (٣)، ولا خلاف في ذلك.

стр. 83

٢٧ - [فرض الغسل وسننه] وأما فرض الغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس: فهو أن يغسل جميع بدنه ويتمضمض ويستنشق، وقد قدمنا ذلك. فأما السنة في الغسل: فهي أن يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء؛ لأنه لا يأمن أن يكون عليها نجاسة من حال الجماع، فصار كالمستيقظ من منامه، ثم يزيل نجاسته إن كانت على بدنه؛ لأنه إذا لم يبتدئ بإزالتها أصابها الماء، فسرَت إلى مكان آخر، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه (١)؛ [لأنّ النبيّ ﷺ هكذا اغتسل، ويؤخر غسل رجليه]؛ لأنه إذا اغتسل أصابهما الماء المستعمل، فإذا أخرهما وتنحى عن ذلك المكان وغسلهما أزال عنهما الماء المستعمل، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أن الجنب يتوضأ ولا يمسح رأسه، ولا يغسل رجليه؛ لأنّ الغسل لا يثبت فيه المسح، فلا معنى لفعله. وقد روي صفة الغسل عن رسول الله ﷺ عن طريق عائشة وميمونة وأنس، وأكملها حديث ميمونة، رواه ابن عباس عنها قالت: "وضعتُ للنبي ﷺ غسلًا، فاغتسل من الجنابة: فأكفأ الإناء بشماله على يمينه، فغسل كفيه، ثم أفاض الماء على فرجه فغسله، ثم مال بيديه على الحائط أو على الأرض فدلكهما، ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، وأفاض الماء على رأسه ثلاثًا، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم تنحى فغسل رجليه" (٢).

стр. 84

٢٨ - [فَصْل: الوضوء في غسل الجنابة] وقد قال قوم: إن الوضوء في غسل الجنابة واجب (١)، وهذا غلط ومخالف لظاهر القرآن؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، وقال تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، وقد روي عن عليّ بن أبي طالب وابن مسعود أنهما قالا: تجزئ إفاضة الماء؛ ولأننا لو أوجبنا الوضوء، لوجب غسل عضوٍ واحدٍ بسبب واحدٍ مرتين. ٢٩ - [فَصْل: تداخل الحدث] ولا فرق بين جنابة طرأت على حدث أو مبتدأة، ومن الناس من قال: إن المحدث إذا أجنب، وجب عليه الوضوء والغسل معًا، وهذا غلط؛ لأنّ أسباب الحدث إذا تكررت تداخلت، بدلالة المرأة الجنب إذا حاضت، اكتفت بغسل واحد. ٣٠ - [فَصْل: الوضوء بعد الغسل] ومن الناس من قال: إن الجنب إذا اغتسل، وجب عليه الوضوء بعد الغسل، وقد روي إنكار ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وقد ذُكر لابن عمر فقال: (لقد تعمقت) (٢)، أما يكفيك غسل جميع بدنك؛ ولأن الغسل قد حصل به

стр. 85

الطهارة الكبرى، فلا معنى للوضوء بعده. ٣١ - [فَصْل: ذلك البدن في الغسل] وقد قال مالك: إن على الجنب أن يدلك بدنه (١)، وهذا خطأ، لقوله ﵊: "أما أنا فأفيض الماء على رأسي وسائر جسدي ثلاث حثيات من ماء" (٢)، ولم يذكر الدّلك؛ ولأن الدّلك إنما يحتاج إليه في إزالة النجاسة لرفع عينها، وليس في الجنابة عين تزال. ٣٢ - [فَصْل: تحريك الخاتم في الغسل] ولم يتعرض أصحابنا لتحريك الخاتم في الوضوء والغسل؛ لأنهم [قد] (٣) بينوا وجوب غسل البدن، فإن كان الماء يصل من حلقة الخاتم، لم يحتج إلى تحريكه، وإن كان لا يصل لضيقه، فلا بد من تحريكه ليغسل ما تحته. ٣٣ - [فَصْل: أدنى ما يكفي في الغسل والوضوء] قال محمد في الأصل: أدنى ما يكفي في الغسل صاع، وفي الوضوء مدّ (٤)، وهذا تقدير المسنون؛ لأنّ الحسن روى عن أبي حنيفة أنّه قال: يكفي للوضوء

стр. 86

رطلان، وإن توضأ بأقل منه وأسبغ أجزأه، وإن توضأ بأكثر من رطلين ولم يسبغ وضوءه، لم يجزه، قال: فإن أراد أن يستنجيَ يتوضأ بثلاثة أرطال، رطل للاستنجاء، ورطل لغسل الوجه والذراعين ومسح الرأس، ورطل لغسل القدمين، وإن مسح على خفيه ولم يستنج كفاه رطل واحد. والأصل في ذلك: حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمُدِّ ويغتسل بالصَّاعِ" (١). وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "يجزئ في الوضوء المد، وفي الغسل الصَّاع" (٢). والدليل على أن ما دون ذلك يجزئ: ما روى عبد الله بن زيد: أن النبيّ ﷺ أتى بثلثي مُدٍّ فتوضأ به (٣).

стр. 87

بَابْ: ما يوجب الوضوء قال [الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى]: ما خرج من السبيلين: الدُّبُر والذَّكَر أو فَرْج المرأة، كائنًا ما كان، ريحًا أو غيرها، فهو يوجب الوضوء، إلّا الإنزال، والحيض والنفاس؛ فإن ذلك يوجب الغسل. والأصل في وجوب الوضوء من الخارج من السبيلين المعتاد: قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، والغائط: الموضع المطمئن [من الأرض] الذي يُقصد للحاجة، وإنما صار اسمًا للحاجة؛ لكثرة الاستعمال، كما أن العذرة هي: الفناء، وقد صارت بالعرف اسمًا للنجاسة، وقد أوجب الله تعالى الوضوء من الغائط، وأما الخارج من السبيلين إذا لم يكن معتادًا، ففيه الوضوء عندنا (١). وقال مالك: لا وضوء فيه، وهذا مثل دم الاستحاضة. والدليل على وجوب الوضوء منه قوله ﵊: "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة" (٢)؛ ولأنها نجاسة خارجة من السبيل كالمعتاد.

стр. 88

٣٤ - [فَصْل: الوضوء من المَذْي والوَدْي] وعلى هذا المَذْي يوجب الوضوء (١)، لما روي عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنّه قال: "كنت رجلًا مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد فسأله! فقال ﷺ : "إذا كان ذلك فانضح فرجك بالماء وتوضأ" (٢)، والمذي: هو الماء الرقيق الذي يخرج عند الشهوة، وعلى هذا الوَدْي: وهو الماء الأبيض الذي يخرج بعد البول فهو من توابع البول، فيوجب الوضوء، وعلى هذا إذا خرجت الدودة من أحد السبيلين، أو الحصاةُ؛ فإنّها توجب عندنا الوضوء. وعند مالك في ذلك كله لا يوجب؛ لأنه غير معتاد. قلنا: إنها تخرج وعليها نجاسة يسيرة، ويسير النجاسة الخارجة من السبيلين ينقض الطهارة. ٣٥ - [فَصْل: الريح الخارجة من السبيلين] وأما الريح الخارجة من السبيل فإنّها تنقض الوضوء لقوله ﵊: "إن الشيطان ليأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه فيقول أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى

стр. 89

يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (١). ٣٦ - [الريح الخارجة من القبل] فأما الريح الخارجة من ذَكَر الرجل، ومن قُبُلِ المرأة، فقد ذكر أبو الحسن: أنّه لا وضوء فيه إلّا أن تكون المرأة مفضاة، فيخرج معها ريح منتنة، فيُستحب لها الوضوء (٢). وروي عن محمد في الريح الخارجة من الذَّكَر أو الفَرْج: الوضوء. فأما وجه ما ذكره أبو الحسن؛ فلأن الفرج الذي هو موضع الوطء ليس بمسلكٍ للبول، فما يخرج من الريح منه لا يصلها النجاسة، والريح طاهرة في نفسها، وخروج الطاهر لا ينقض الوضوء، وإنما ينقض الريح الخارجة من الدبر؛ لأنّ آخر النجاسة تخرج بخروجها. وأما إذا كانت مفضاة، صار مسلك البول ومسلك الوطء مسلكًا واحدًا، فلا يأمن أن يكون الريح خارجة من مسلك البول، فاستحب لها الوضوء، ولم يوجبه؛ لأنّ يقين الطهارة لا يرتفع بالشك. وأما الذكر فقد قالوا: إنّه لا يتصور خروج الريح منه، وإنما يحس الإنسان فيه باختلاج، فتظن أن الريح قد خرجت.

стр. 90

فأما وجه رواية محمد: فلأن الذكر مسلك للنجاسة كالدبر، والريح الخارجة منه توجب الوضوء، وما وصل إليه من خارجه ثم عاد، ففيه الوضوء، وهذا مثل الحقنة؛ لأنّها إذا وصلت نجست لاختلاطها بالنجاسة، فإذا خرجت فهي نجاسة خارجة من السبيل فينقض الوضوء]. ٣٧ - [فَصْل: دم الاستحاضة] قال أيده الله تعالى: وقد بَيَّنَّا أن دم الاستحاضة حدث، والكلام في كيفية الوضوء منه. فعندنا: أن المستحاضة التي يسيل دمها ولا ينقطع، تتوضأ لوقت كل صلاة وضوءًا واحدًا، فتصلي به في الوقت فرض الوقت، وما شاءت من الفوائت والنوافل، فإذا خرج الوقت بطل وضوءُها (١) وقال الشافعي: إذا توضأت صلت بوضوئها فرضًا واحدًا وما شاءت من النوافل، ولا يجوز لها أن تصلي فرضًا آخر حتى تعيد الوضوء. لنا: حديث عائشة أن النبيّ ﷺ قال: "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة" (٢)، ولأنها طهارة يجوز أن تؤدي بها فرضًا بعده نفل، فجاز أن تؤدي بها فرضًا بعد فرض كمسح الخفين؛ ولأن كل طهارة جاز أن تؤديَ بها فرضًا واحدًا،

стр. 91

جاز أن تؤديَ بها فرضين، كطهارة من به رعاف متصل. ٣٨ - [فَصْل: طهارة المستحاضة] وقد قال أصحابنا: إن طهارة المستحاضة تبطل بخروج الوقت. وقال زفر: تبطل بدخول الوقت. ويتعين الخلاف بينهم فيمن توضأت قبل الظهر، قال أصحابنا: تصلي بوضوئها للظهر، وقال زفر: لا تجوز. لنا: أن النبيّ ﷺ جعل وضوءها متعلقًا بوقت الصلاة، فلو لم يكن هذا الوضوء لصلاة الظهر لم يجز لها [أن تصلي]، فلمّا جاز عُلم أنّه وقع للظهر؛ ولأن المستحاضة إذا توضأت للفجر، فطلعت الشمس، بطل وضوؤها بخروج الوقت وإن كان لم يدخل بالطلوع وقت صلاة. وجه قول زفر: إن دخول الوقت يبطل الوضوء، كدخول وقت العصر. ٣٩ - [فَصْل: صلاة المستحاضة] وإنما جوّزنا للمستحاضة أن تصلي مع سيلان الدم؛ لما روي أن فاطمة بنت قيس قالت للنبي ﷺ : إني أستحاض فلا أطهر، وأخاف أن لا يكون لي في الإسلام حظ، فقال لها: "ليس ذلك بحيض، وإنما هي ركضة من الشيطان، أو عرق انقطع، أو داء عرض، فتوضئي لكل صلاة"، فقالت: هو أكثر من ذلك، إني أثج الدم ثجًا، فقال: "احتسبي وألجمي وصلّي، ولو تقطر الدم على الحصير" (١)،

стр. 92

فدلّ على جواز الصلاة مع السيلان. وقد قال أصحابنا: إن وضوءها يقع للحدث السابق، والصلاة مع الدم في الوقت رخصة، فأما أن يؤثر الوضوء في حدث بعده فلا. ٤٠ - [فَصْل: وضوء المستحاضة للصلاة] ومن الناس من قال: إنّ المستحاضة تغتسل لوقت كل صلاة (١)، وهذا فاسد؛ لما روي أن النبيّ ﷺ أمر فاطمة بالوضوء، ولأنه ﵊ قال: "ليس ذلك بحيض وإنما هو دم عرق" (٢)، ودم العرق لا يوجب الغسل. والذي روي أنّه ﵊ أمر حمنة بنت جحش أن تغتسل لكل صلاة (٣)؛ فلأنها صلّت أيامها [المعتادة]، فكانت لا تعلم أيام الحيض من أيام الطهر. وعندنا أن هذه تغتسل لكل صلاة. وأما من به رُعاف دائم، أو سَلَس بول، أو استطلاق بطن، فهو كالمستحاضة في الطهارة؛ وذلك لأن الحدث به دائم، فهو كالمستحاضة التي حدثها دائم. ٤١ - [فَصْل: الوضوء من الخارج من البدن] [قال أبو الحسن: وكذلك سائر ما خرج من البدن من دم، أو قَيحٍ، أو صَدِيد]، قال رحمه الله تعالى: وجملة هذا أن كل نجاسة خرجت من بدن الإنسان

стр. 93

إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فإنّها توجب الوضوء عندنا، كالرُّعاف، والفَصْد، والحِجامة، والقَيْح. وقال الشافعي: لا يجب الوضوء إلا في الخارج من السبيلين (١). لنا: ما روي في حديث تميم الداري عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "الوضوء من كل دم سائل" (٢)، ولأنه دم عرق فأشبه دم الاستحاضة؛ ولأن كل حكم تعلق بدم الاستحاضة، تعلق بالدم الخارج من [غير] السبيل كوجوب إزالته. ٤٢ - [فَصْل: الوضوء من القيء] وأما القيء ففيه الوضوء عندنا. وقال الشافعي: لا وضوء فيه (٣). لنا: ما روي عن النبيّ لنا ﷺ أنَّه قال: "من قاء في صلاته أو رعف أو أمذى، فلينصرف وليتوضأ وليبنِ على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم أو يحدث" (٤).

стр. 94

وقد روى زيد بن عليّ عن آبائه عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "القَلْسُ حَدَثٌ" (١). ولأنها نجاسة خارجة من البدن، فجاز أن تؤثر في الطهارة، كالخارج من السبيل. ٤٣ - [فَصْل: القيء بملء الفم] قال أصحابنا: إذا ملأ القيء الفم وجب الوضوء، وإن تقيأ أقل من ملء الفم فلا وضوء فيه، وملء الفم: ما لا يمكن ضبطه. وقال زفر: في قليل القيء وكثيره الوضوء. لنا: أن القياس يمنع وجوب الوضوء من القيء؛ لأنه ليس بخارج بنفسه، وإنما هو مُخرج، ألا ترى أن الأشياء السائلة لا تندفع إلى فوق بطبعها، فلمّا اندفع القيء علمنا أن الطبيعة دفعته، فصار كالنجس إذا أخرج من الجرح بقطنة، [وإنما تركنا القياس في الكثير لاتفاقنا، وما سواه يبقى على أصله]، وقد روي أن النبيّ ﷺ ذكر ما يوجب الوضوء فقال فيه: "أو دسعة تملأ الفم" (٢)؛ ولأن ما دون ملء الفم في حكم اليسير، فأشبه ما يخرج مع الجُشاء المتغير. وجه قول زفر: أنّ ما توجبه الطهارة يستوي قليله وكثيره، كالخارج من السبيل (٣).

стр. 95

٤٤ - [فَصْل: الوضوء من البلغم] قال أبو حنيفة ومحمد: إذا قاء بلغمًا فملأ فاه، فلا وضوء عليه، وقال أبو يوسف فيه الوضوء (١). وجه قولهما: إن البلغم طاهر بدلالة أن النبيّ ﷺ كان يأخذ النخامة في صلاته بطرف ثوبه فيدلكها (٢)، وخروج الطاهر لا يوجب نقض الطهارة، كالدمع والعَرَق. وجه قوله أبي يوسف: إن البلغم وإن كان طاهرًا فقد اختلط بنجاسة المعدة، فصار نجسًا كالماء إذا شربه ثم قاء. ٤٥ - [فَصْل: نقض الوضوء بالقيء دمًا] وأما إذا قاء دمًا فقد روى المُعَلَّى عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنّ يسير الدم ينقض الوضوء، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة. وروى ابن رستم عن محمد: أنّه لا ينقض حتى يملأ الفم (٣). وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أن المعدة ليست بمحل للدم، وإنما يسيل إليها من فرجة في الجوف، ثم يخرج بدفع الطبيعة له، فهذه نجاسة خرجت بنفسها ثم أخرجت، فهي كدم يؤخذ من رأس الجرح، ولو ترك لسال.

стр. 96

وجه قول محمد: أنّه نوع من أنواع القيء كسائر أنواعه. وقد روى الحسن عن أبي حنيفة في كتاب الصلاة قال: إذا قاء دمًا ذائبًا نقض الوضوء وإن كان يسيرًا؛ لأنه سال من موضعه إلى معدته، ثم خرج وليس بقيء، قال: وإن قاء علقًا من الدم لم ينقض الوضوء حتى يملأ الفم؛ لأنّ العلق يكون في المعدة، وهي: السوداء، فصار كالمِرّة وغيرها. ٤٦ - [فَصْل: الخارج من الرأس] وما خرج من الرأس من دم أو قَيْحٍ ففيه الوضوء إذا سال إلى موضع يلحقه الاستنشاق من الأنف، ويلحقه التطهير من الأُذُن؛ [وذلك] لأنّها نجاسة خرجت بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فنقضت الطهارة، وليس كذلك البول إذا نزل إلى قصبة الذكر؛ لأنّ ذلك الموضع لا يلحقه حكم التطهير، فهو كداخل البدن، وقد [قالوا في البول إذا خرج إلى القُلْفَة نقض الوضوء؛ لأنّـ[ــه زال] (١) عن حكم الباطن، فصار في حكم الظاهر]، قالوا: ولو خرج البول من فرج المرأة إلى ما بين الركبتين (٢) نقض الوضوء؛ لأنّ الركبتين على الفرج بمنزلة الأليتين على الدبر. قال: وليس في شيء يخرج من الرأس - من دهن سعوط إذا رجع أو غيره، وصل إلى الرأس أو لم يصل، مكث هنالك يومًا أو أكثر ثم خرج - وضوء؛ وذلك لأنّ الرأس ليس بمكان للنجاسة، فما يصل إليه ثم ينفصل يخرج طاهرًا، فلا

стр. 97

يتعلق بخروجه نقض طهارة. وقد روى عليّ بن الجعد عن أبي يوسف: فيمن استعط فخرج من فمه، فعليه الوضوء؛ وذلك لأنه لا يخرج من الفم إلا ما بعدما ينزل إلى الجوف، فهو في حكم القيء. ٤٧ - [فَصْل: خروج الدم من الفم] وما خرج من نفس الفم من الدم إذا غلب على الريق، ففيه الوضوء؛ وذلك لأنّ الدم إنّما يخرج من الفم من أصول الأسنان باجتذاب النفس، فإذا غلب على الريق فهذه نجاسة كثيرة أخرجها بفعله، [ففيه الوضوء]. وأما إذا كان الريق غالبًا فلا وضوء فيه؛ لأنّها نجاسة يسيرة لو تركت لم تسل. وإذا تساوى الريق والدم، فالقياس: أن لا يجب الوضوء؛ لأنه استوى الموجب والمسقط، والأصل يقين الطهارة فلا يزول بالشك، والاستحسان: أن يجب الوضوء؛ لأنّ الحظر والإباحة لما تساويا كان الحكم للحظر (١). ٤٨ - [فَصْل: الوضوء من اللمس] [قال]: وليس في ملموس لشهوة، فرج ولا غيره، وضوء، [قال رحمه الله تعالى]: وهذه الجملة تشتمل على مسألتين: إحداهما: مسّ الرجل المرأة، فعندنا أنّه لا ينقض الوضوء. وقال مالك: إن كان بشهوة ينقض، وإن كان بغير شهوة لم ينقض.

стр. 98

وقال الشافعي: ينقض في الوجهين (١). لنا: ما روي في حديث عائشة "أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ ويخرج إلى المسجد فتلقاه بعض نسائه فيصيب من وجهها ولا يتوضأ" (٢)؛ ولأنه لمس لا يؤثر في الإحرام بنفسه، فلا يؤثر في الطهارة، كلمس الرجل الرجل؛ ولأنه لمس لا يوجب الغسل، فلا يوجب الوضوء، كمس شعرها. ٤٩ - [فَصْل: الوضوء من مس الذكر] والمسألة الثانية: مس الذكر لا ينقض الوضوء عندنا، وهو قول عليّ وابن مسعود وحذيفة. وقال الشافعي: إذا مسّه بباطن كفه من غير حائل نقض الوضوء (٣). لنا: ما روي في حديث قيس بن طلق عن أبيه طلق بن عليّ أن النبيّ ﷺ

стр. 99

سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة، فقال: "لا وضوء فيه، هل هو إلّا بَضْعة منك! " (١)، ولأنه عضو من أعضائه، فلا ينقض الوضوء بمسِّه كسائر الأعضاء؛ ولأنه إن كان في حكم الأشياء الطاهرة، فمسها لا ينقض الوضوء، وإن كان في حكم النجاسات، فمسه كمس الكلب والخنزير، فلا ينقض الوضوء أصلًا. ٥٠ - [فَصْل: الوضوء بالمزال عن البدن] قال: ولا في مزالٍ عن بدن، ولا موطوء عليه وضوء، ولا إمرار ماء على موضع المزال من ظفر ولا شعر، وهذا صحيح إذا توضأ الرجل ثم قلّم ظفره، أو حلق شعره، فلا وضوء عليه، ولا يلزمه إمرار الماء على موضع ذلك، وقال [ابن جرير] (٢): ينقض الوضوء. وقد روي عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنّه قال في ذلك: ما زاده إلا تطهيرًا. وروي عن ابن عباس وابن عمر مثل قولنا ولأن هذا يُفعل للنظافة، فلا يبطل به الطهارة كالاغتسال، ولأن الشَّعْر ليس ببدل في الطهارة عن البشرة، وإنما هو نفس الفرض؛ بدلالة أن من كان ببعض رأسه صلع، جاز أن يمسح على الشعر مع القدرة على مسح البشرة،، وإذا كان نفس الفرض لم يجب الوضوء بزواله، كمن توضأ ثم تقشر جلده بالشمس. فأما الموطوء: فهو الرجل يطأ على النجاسة، فإن لم يلتصق به لم يلزمه شيء؛ لأنّ الفرض في النجاسة أن لا يكون حاملًا لها، فإن التصقت به، فعليه

стр. 100

غسلها حينئذٍ، فأما الوضوء فلا تعلق له بذلك. ٥١ - [فَصْل مباشرة الرجل المرأة] وإذا باشر الرجلُ المرأة مباشرةً فاحشة وهي: أن يتجرد وينتشر، ويلاقي فرجه فرجها، فالقياس: ألا يجب الوضوء، وهو قول محمد (١). والاستحسان: أن يجب الوضوء وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف (٢). وجه القياس: أن الملامسة لا توجب الوضوء، وإنما يجب بخروج شيء منه، ولا يعلم ذلك، ولا يجب الوضوء بالشك. وجه الاستحسان: أن الإنسان لا يكاد يبلغ هذه الحالة من امرأته وهو صحيح (٣) إلا وينفصل منه شيء، وذلك وإن لم يكن متيقنًا فهو غالب، فتعلق الوضوء به كالحدث في حال النوم، وهذا القول يقتضي إذا علم أنّه لم ينفصل منه بلة، أن لا يجب الوضوء. وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في المباشرة الفاحشة، قال: عليه الوضوء خرج منه شيء أو لم يخرج، ومعنى ذلك أنّه تيقن بخروج شيء منه أو لم يتيقن، وإلّا أدّى [ذلك إلى القول بوجوب الوضوء من اللمس]، وذلك لا يقوله أحد من أصحابنا.

стр. 101

٥٢ - [فَصْل: وجود البلل في الفراش] ونظير هذه المسألة ما قالوا: في الرجل يصبح فيجد على فراشه أو فخذه مَذْيًا، ولا يذكر الاحتلام، أو يتذكره، فالقياس: أنّه لا يجب الغسل، وهو قول أبي يوسف. والاستحسان: أنّه يجب الغسل، وهو قول أبي حنيفة ومحمد (١). وجه القياس: أنّه يحتمل أن يكون انفصل على وجه الدفق والشهوة، ويحتمل أن يكون انفصل على غير دفق وشهوة، فلا يجب الغسل بالشك. وجه الاستحسان: ما روي عن النبيّ ﷺ أنه سئل عن الرجل يرى الرؤيا ثم يصبح على جفاف قال: "لا غسل عليه" (٢)، فإن رأى بللًا فعليه الغسل وإن لم يتذكر الاحتلام، فَدَلَّ على ما قال. فإن قيل: كيف توجبون الغسل من المَذْي؟! قلنا: هذا مجاز في الكلام، ومعناه: إن أصبح فرأى بللًا صفته صفة المَذْي؛ لأنّ المَنِيَّ إذا برد يرق ويصير على صفة المذي، فأما أن يكونوا أوجبوا في المذي غسلًا فلا، وقد ذكر الحاكم الشهيد في المنتقى هذه المسألة، فقال: إذا رأى بللًا، وذكر محمد في الأصل: مذيًا، وإنما معناه: ما صفته صفة المذي. فإن قيل: إذا لم يذكر الاحتلام، جاز أن يكون خرج على غير وجه الدفق والشهوة.

стр. 102

قلنا: الأصل أن المني لا يخرج إلا على وجه الدفق والشهوة، وما خرج بغير ذلك يكون بأمر [نادر] (١) فحملوا الأمر على الأغلب. ٥٣ - [فَصْل: وقوع فأرة في بئر] ونظير المسألتين ما قالوا في البئر يوجد فيها فأرة ميتة، فالقياس: أن لا يجب عليهم إعادة الصلوات إلا من الوقت الذي تيقنوا بوقوعها في البئر، وهو قول أبي يوسف ومحمد. والاستحسان: أنّها إن كانت [منتفخة أعادوا صلاة ثلاث أيام ولياليها، وإن كانت غير] منتفخة أعادوا صلاة يوم وليلة وهو قول أبي حنيفة (٢). وجه القياس هو: أنّه يحتمل أن يكون وقوعها متقدمًا، ويحتمل أن يكون ألقيت بعد موتها الساعة، فلا يجب عليهم إعادة الصلاة بالشك. وجه الاستحسان هو: أن وقوع الفأرة من الحيوان في البئر سبب لموته، فظاهر أن الموت حصل من ذلك السبب، وإن جاز أن يكون من غيره، ألا ترى أن من جرح رجلًا فلم يزل صاحب فراش حتى مات، أن الظاهر أن الموت من الجراحة، وإن جاز أن يكون من مرض حادث، وكذلك القتيل في المحلة يوجد، وكذلك الجنين إذا ألقته الأم عقب ضرب بطنها. فاعتبر أبو حنيفة في المسائل الثلاث الطهارة والصلاة احتياطًا. واعتبر أبو يوسف يقين السبب، فقال: إن الملامسة سبب لخروج البلة،

стр. 103

وهي متيقنة، والاحتلام سبب لخروج المني، وليس بمتيقن، وتقدم [أن] وقوع الفأرة سبب للإعادة في الصلوات، وليس بمتيقن. وأما محمد: فقد أخذ بالقياس في المسألتين، وترك القياس في مسألة الاحتلام؛ لأجل الخبر فيه. ٥٤ - [فَصْل: نقض الوضوء بالنوم] قال: وليس على من نام وضوءٌ إلا أن يكون مضطجعًا أو متكئًا، والكلام هاهنا في مسائل النوم يقع في فصول: أولها: أن النوم هل هو حدث أم لا؟ فمن أصحابنا من قال: إن النوم حدث، ومنهم من قال: إن الحدث ما لا يخلو النائم منه، لا نفس النوم، يعني: من ريح أو غيره. وجه القول الأول: أن الحدث لو كان غير النوم، وهو غير متيقن، [لوجب] (١) الوضوء في حال النوم بالشك، وهذا لا يصح. وجه القول الثاني: قوله ﷺ :"العينان وكاء السَّهِ فإذا نامت العينان استطلق الوكاء" (٢)، فبيّن أن الحدث مالا يخلو النائم منه؛ ولأن النوم لو كان حدثًا لما اختلف باختلاف أحوال النائم في صلاة أو غيره، كسائر الأحداث (٣).

стр. 104

٥٥ - [فَصْل: الوضوء من النوم مضطجعًا] وأما نوم المضطجع: فهو يوجب الوضوء في قول جميع الفقهاء (١). وحكي عن أبي موسى الأشعري: أنّه كان إذا اضطجع، أجلس عنده إنسان، فإذا أخبره أنّه لم يكن منه شيء، لم يتوضأ. لنا: قوله ﷺ : "لا وضوء على من نام قائمًا، إنّما الوضوء على من نام مضطجعًا" (٢)، وروي أنّه ﷺ دخل المسجد وحذيفة نائم قاعدًا؛ فوضع يده بين كتفيه، قال حذيفة فرفعت رأسي إليه فقلت: أفي هذا وضوء؟ قال: "لا حتى تضع جنبك" (٣)؛ ولأن الغالب أن المضطجع لا يخلو من حدث، فصار الغالب كالمعلوم. ٥٦ - [فَصْل: النوم قاعدًا] وأما إذا نام قاعدًا فلا وضوء عليه. وقال مالك: إن أطال النوم، فعليه الوضوء (٤).

стр. 105

لنا: حديث حذيفة، وقد جعل رسول الله ﷺ الغاية التي يجب عندها الوضوء أن يضع جنبه، فلا يجوز إيجابه دونها ولا قبلها؛ ولأن الجالس لم يبلغ إلى الاسترسال، ألا ترى أنّه لو استرسل لسقط، والتماسك يمنع كمال الغفلة، فلو كان منه شيء لأحسّ به؛ ولأن ما يوجب الوضوء لا فرق بين كثيره وقليله، كالنوم حال الاضطجاع. ٥٧ - [فَصْل: النوم في أحوال الصلاة] وأما إذا نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا فلا وضوء عليه. وقال الشافعي: عليه الوضوء (١). لنا: ما روي أن النبي ﷺ قال:"إذا نام العبد في سجوده يباهي الله به ملائكته فيقول: انظروا إلى عبدي، روحه عندي وجسده في طاعتي" (٢) فلو كانت طهارته انتقضت لم يكن في الطاعة. وروي في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا وضوء على من نام قائمًا، إنّما الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه إذا نام مضطجعًا استرخت

стр. 106

مفاصله" (١) ولأنه نام في حال من أحوال الصلاة من غير عذر كالقاعد. ٥٨ - [فَصْل: تعمد النوم في السجود] وقد قال أبو يوسف: إنّ من تعمد النوم في حال سجوده، بطل وضوءه، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ ما يوجب الوضوء يستوي فيه العمد وغيره (٢). وجه قول أبي يوسف: أن الوضوء يتعلق بالنوم، وذلك لا يختلف باختلاف الأحوال، وإنما استحسن في السجود في الصلوات؛ لأنّ من يكثر الصلاة بالليل لا يحترز من النوم في السجود، فإذا تعمّد النوم بقي على أصل القياس. وقد ذكر ابن شجاع مسألة النوم في حال القيام والركوع والسجود، وقال: إنّما لا ينقض الوضوء ذلك إذا كان في الصلاة، وأما إذا لم يكن في الصلاة نقض، ولم يذكر ذلك رواية، وإنما ذكره عن نفسه، وهو قول لم يقل به أحد من أصحابنا؛ لأنّ ما يوجب الطهارة لا فرق فيه بين الصلاة وغيرها. ٥٩ - [فَصْل النوم مستندًا] وقد ذكر الطحاوي فيمن نام مستندًا إلى شيءٍ لو أزيل عنه لسقط: أن عليه الوضوء (٣)؛ لأنه بلغ إلى غاية الاسترخاء، ولم يسقط للسند، فصار كالمضطجع. وذكر [خلف بن أيوب] (٤) عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عمّن

стр. 107

استند إلى سَارِية أو رَحْلٍ فنام، لولا السارية أو الرَّحْل لم يستمسك، قال: إذا كانت أليتيه مستوثقة الأرض فلا وضوء عليه (١). وهذا خلاف ما ذكره الطحاوي، وهو أشبه بظاهر قوله ﷺ "لا وضوء على من نام قائمًا أو قاعدًا ولم يفصل. ٦٠ - [فَصْل: النوم قاعدًا] فأما إذا نام قاعدًا فسقط، قال خلف بن أيوب عن أبي يوسف: فيمن نام فوقع لم ينتقض وضوئه حتى يستقر نائمًا. وروي ابن رستم عن محمد قال: إن استيقظ حال ما سقط، فلا وضوء عليه. وروى الحسن عن أبي حنيفة قال: ولو استيقظ حال ما سقط جنبه على الأرض وهو نائم، بطل وضوءه، وكذلك إن سقط على قفاه ثم انتبه، وهذا صحيح؛ لأنه إذا استيقظ حال ما وقع على الأرض، لم يوجد جزء من النوم في حال الاضطجاع، فلا يجب عليه الوضوء، وإن حصل على الأرض نائمًا ثم استيقظ، فقد وجد جزء من النوم في حال الاضطجاع، فنقض وضوءه وإن كان يسيرًا (٢). ٦١ - [فَصْل: الوضوء من الإغماء والجنون] وفي قليل الإغماء [والجنون] وكثيرها الوضوء؛ لأنّ يسير الإغماء والجنون أكثر في الغفلة من كثرة النوم، فإذا وجب بالنوم الكثير الوضوء، ففي يسير الجنون والإغماء أولى.

стр. 108

٦٢ - [فَصْل: الوضوء من القهقهة في الصلاة] والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود حدث. وقال الشافعي: ليس بحدث (١). لنا: ما روى [عمرو] بن عبيد عن الحسن عن [معبد] (٢) الجهني "أن النبيّ ﷺ كان يصلي فدخل أعمى إلى المسجد فسقط في بئر، فضحك قوم من خلف رسول الله ﷺ ، فلمّا قضى صلاته قال: مَنْ ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة" (٣)، ولأن الطهارة عبادة يبطلها الحدث فجاز أن يبطلها القهقهة كالصلاة، وأما ما دون القهقهة من الضحك فلا يفسد الصلاة، لما روي "أن النبيّ ﷺ تبسم في صلاته (٤)، فلمّا فرغ سئل عن ذلك، فقال: "أخبرني جبريل أن الله تعالى يقول: من صلّى عليك مرة صليت عليه عشرًا"، ولم يستأنف الصلاة، وإنما

стр. 109

قالوا إن القهقهة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لا تبطل الوضوء؛ لأنّ القياس أن لا يبطل القهقهة الطهارة في جميع الأحوال؛ لأنّ ما لا يوجب الوضوء خارج الصلاة، لا يوجبه فيها كالكلام، وإنما تركوا القياس للخبر، والخبر ورد في صلاة كاملة الأركان، فما سواها باق على أصل القياس. ٦٣ - [فَصْل: تأثير الكلام على الطهارة] قال أصحابنا: إن الطهارة لا تبطل بالكلام الفاحش، ومن الناس من أوجب في ذلك الوضوء. لنا: ما روي أن النبيّ ﷺ قال: "من حلف فقال في يمينه واللات، فليقل لا إله إلا الله" (١) ولم يوجب عليه الوضوء. وقال ﷺ : "ومن قال لأخيه تعال أقامرك فليتصدق بشيء" (٢)، وقال ﷺ : "الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء" (٣). ٦٤ - [فَصْل: الوضوء مما مسته النار] قال أصحابنا: لا يجب الوضوء [من أكْلِ] ما مسته النار، ومن أصحاب الحديث من أوجب الوضوء من ذلك (٤).

стр. 110

وقد روي عن ابن مسعود أنّه قال: "الوضوء مما يخرج لا مما يدخل" (١). وروي أن أهل المدينة كانوا يتوضؤون مما مسته النار إلا آل أبي طالب. والدليل على ما قلناه: ما روي في حديث أبي أمامة عن ميمونة قالت: "دخل عليّ رسول الله ﷺ فغرفتُ له غرفة فأكل، ثم جاء المؤذن فقلت له: الوضوء، فقال: الوضوء علينا مما يخرج لا مما يدخل" (٢)، وروى ابن عباس عن أبي بكر الصديق "أن النبيّ ﷺ نهش من كتف، ثم صلّى ولم يتوضأ" (٣)، ولأنه مأكول كسائر المأكولات. والذي روي عنه ﷺ أنّه قال: "الوضوء مما مسته النار" (٤) فقد أنكره (٥) ابن
следующие страницы →