وعن سعيد بن المسيب قال: لكلّ مسكينٍ] عباءةٌ وعمامةٌ (١).
وعن ابن عباسٍ: ثوبٌ ثوبٌ لكلّ إنسانٍ (٢)، وقد كانت العباءة يومئذٍ تقضي عن الكسوة.
وعن مجاهد قال: أدناه ثوبٌ، وأعلاه ما شئت (٣).
وذكر ابن سيرين: أنّ أبا موسى الأشعري كسا عشرة مساكين في كفارة اليمين ثوبين ثوبين من معقد البحرين (٤).
وعن الحسن قال: ثوبٌ ثوبٌ (٥)، وعن ابن سيرين والحسن قالا: ثوبان لكلّ مسكينٍ (٦)، يعني لمن طاب بذلك نفسًا.
وعن عطاء قال: كانوا على عهد رسول الله ﷺ يعطون في كفارة اليمين المساكين في الكسوة: عباءةً لكلّ مسكين (٧)(٨).
* * *
стр. 5602
بَاب باب الكفارة بالعتقِ
وإذا أعتق الرجل عن يمينه عبدًا صغيرًا أو كبيرًا، مسلمًا أو كافرًا، أجزأه.
أمّا الصغير، فلقوله تعالى: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا عامٌّ في الصغير والكبير؛ ولأنّها رقبةٌ كاملة الرقّ والأعضاء، كالكبير.
ولا يقال: إنّ الصغير ليس لأعضائه منافع، فهو كالزَّمِن؛ لأنّ الصغير منافع أعضائه كاملةٌ، وإنّما فيه ضعفٌ، فيصير كالكبير الضعيف.
ولا يقال: إنّ الإطعام للصغير لا يجوز، فكذلك العتق؛ لأنّ الإطعام [يجري] (١) على طريق التمليك.
وإنّما قالوا: لا يجوز تمكين [الصبيّ] الصغير؛ لأنّه لا يأكل الأكل المعتاد.
٢٩٤٩ - فَصْل: [الكافر يجزئ في كفارة اليمين]
أمّا الكافر، فيجزئ في كفارة اليمين والظهار، وقال الشافعي: لا يجزئ (٢).
لنا: قوله تعالى: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وهذا عامٌّ، ولأنّها رقبةٌ كاملةٌ الرقّ والأعضاء، فجازت في الكفارات كالمسلم.
ولا يلزم كفارة القتل؛ لأنّ التعليل لجوازها في الكفارات دون التعيين.
стр. 5603
ولا يجوز أن يقاس كفارة اليمين على كفارة القتل؛ لأنّ قياس المنصوص على المنصوص لا يجوز عندنا؛ ولأنّ شرط الإيمان في كفارة الظهار واليمين زيادةٌ في النص، وكذلك لا يجوز عندنا بالقياس ولا بخبر الواحد، فلو قسنا على كفارة اليمين، لزدنا في النص بالقياس.
ولا يقال: إنّ هذا تخصيصٌ وليس بزيادةٍ؛ لأنّ من جوّز الرقبة المؤمنة، لم يجوّزها لأنّها رقبةٌ حتى ينضمّ إليها الإيمان، وهذا معنى قولنا: إنّها زيادة.
٢٩٥٠ - فَصْل: [الكفارة بعتق الحمل]
فإن أعتق حملًا لم يجزه وإن ولد بعد يوم حيًا؛ وذلك لأنّ الحمل ناقصُ الخلق ما لم ينفصل، ألا ترى أنّه لا يُبصر، فصار كعتق العبد الأعمى.
قال: وإن أعتق مُدبّرًا أو أمّ ولدٍ، لم يجزه؛ وذلك لأنّ رقّهما ناقصٌ، ألا ترى أنّ حق [التدبير والاستيلاد] (١) منع من جواز التصرّف فيهما، والمستحقّ عليه عتق رقٍّ كاملٍ؛ ولأنّ حقّ الولاء ثابتٌ لهما بالتدبير والاستيلاد، فإذا أعتقهما لم يثبت الولاء بالعتق، وإنّما يثبت بالسبب السابق، والعتق المستحقّ في الكفارة هو الذي يوجب الولاء، فأمّا المكاتَب إذا أدّى شيئًا لم يجز عتقه؛ لأنّه سلّم للمولى عوضًا عن رقّه، فإذا أعتقه مع سلامة العوض، صار كالعتق ببدلٍ.
وأمّا إذا لم يؤدّ شيئًا، فلم يسلّم له بدلًا عن رقبته (٢)، وإنّما هناك [حريّةٌ] (٣)
стр. 5604
متعلّقةٌ بشرطٍ في حال الحياة، فيصير كما لو علق عتقه بدخول الدار.
قال: ولو أعتق عبدًا أعوَر، أو مقطوع إحدى اليدين أو الرِّجلين، أو اليد والرِّجل من خلاف، أجزأه؛ وذلك لأنّ منفعة الجنس باقيةٌ، فصار كالمقطوع الأصبع والمشجوج.
وأمّا الأعمى (١) والمقطوع اليدين [أو الرجلين]، أو المقطوع اليد والرجل من جانبٍ واحدٍ فلا يجزئ؛ لأنّ منفعة الجنس معدومةٌ، فصار كالميت.
وأمّا المجنون المغلوب فلا يجزئ؛ لأنّ منفعة الجنس معدومةٌ، ولأنّ الجنون يبطل منافع جميع الأعضاء.
وأمّا الأصم، فالقياس أن لا يجوز؛ لأنّ منفعة الجنس معدومةٌ، وفي الاستحسان: أنّه يجوز؛ لأنّه إذا بُولغ في الصياح، فدلّ على أنّ منفعة الجنس لا تعدم، وإنّما تنقص، وقد قيل: إنّ السمع لا يفوت إلا في الأخرس، وذلك لا يجوز في الكفارة.
قال: ولا يجوز المفلوج واليابس الشقّ؛ لأنّ منفعة البطش معدومةٌ.
قال: والعبد بين رجلين إذا أعتق أحدهما حصّته (٢)، لم يجز، وإن كان المعتق موسرًا فضمنه شريكه، فإنّه لا يجزئ عند أبي حنيفة، ويجزئ عند أبي يوسف ومحمدٍ.
وأمّا إذا كان المعتق معسرًا فلا يجوز عتقه؛ لأنّ السعاية تجب على العبد
стр. 5605
في نصيب الشريك، فيصير كالعتق بعوض، فلا يجزئ وإن أُبرئ من العوض.
وأمّا إذا كان موسرًا، فعند أبي حنيفة: أنّ العتق يتبعّض، فإذا أعتق أحدهما عتق نصيبه واستحقّ النصف الآخر حقّ الحريّة (١)، وذلك نقصٌ فيه، وهذا النقص لم ينصرف إلى الكفارة، فإذا ضمن فأعتق الباقي فكأنّه أعتق عبدًا إلا شيئًا (٢).
وليس كذلك إذا كان العبد كلّه له، فأعتق نصفه، ثم أعتق باقيه؛ لأنّ عتق النصف أوجب نقصًا في النصف الآخر، وذلك النقص انصرف إلى الكفارة؛ لأنّه على ملكه، فإذا أعتق الباقي، صار كمن أعتق النصف وزيادة جزءٍ، ثم أعتق الباقي.
وأمّا على قولهما (٣): فالعتق لا يتبعّض، فإذا أعتق أحدهما وهو موسرٌ، عتق الجميع، ولم يلزم العبد سعايةٌ، فكأنّه ملكه ابتداءً ثم أعتقه.
قال: وإذا اشترى أباه ينوي به العتق عن يمينه، أجزأه استحسانًا، وكذلك لو وُهب له [أو تُصدّق به عليه]، أو أُوصي له به، فإن ورثه ونوى به العتق عن يمينه، لم يجزئه.
وجه القياس: أنّ عتق الأب مستحَقٌّ لغير الكفارة، كأمّ الولد.
وجه الاستحسان: أنّ السبب الذي يتعلّق به الحريّة من جهته هو الشراء، وقد وجد مقارنًا لنية الكفارة، فصار كما لو أعتق عبدًا عن كفارة يمينه.
وإنّما استوى الشراء والهبة [والصدقة] والوصية؛ لأنّ الملك يقع في جميع
стр. 5606
ذلك بفعله وتقارنه النية، فيصير كالعتق:
وأمّا الميراث، فيدخل في ملكه بغير قبوله، فلا يوجد من جهته سبب الحرية، فلا يجزئه، وليس هذا كمن قال لعبد: إن اشتريتك فأنت حرّ، ثم اشتراه عن الكفارة؛ [لأنّ سبب الحرية من جهته اليمين السابقة، وقد وُجدت غير مقارنةٍ لنية الكفارة، فلم يجز عن الكفارة].
قال: وإذا قال الرجل: فلان حرٌّ يوم أشتريه عن يميني، ثم اشتراه ينوي به ذلك، فإنّه يجزئه؛ لأنّ سبب الحرية من جهته هي اليمين، وقد قارنتها نية الكفارة.
قال: ولو أنّ رجلًا أعتق عبدًا له في رقبته دينٌ (١)، فاختار الغرماء أن يستسعوا العبد، أجزأه [العتق]؛ وذلك لأنّ الرقبة كاملة الرقّ، والسعاية ليست ببدلٍ عن الرقّ، وإنّما هي دينٌ لزم العبد قبل الحرية، فلا يمنع من جواز العتق.
وكذلك لو أعتق عبدًا رهنًا، فيستسعى العبد في الدين، فإنّه يرجع به على المولى، ويجوز العتق؛ (لأنّ الرقبة كاملةٌ، وهذه السعاية ليست بدل الرقّ، وإنّما هي دينٌ لزمه على المولى) (٢).
قال: ولو أنّ رجلًا أعتق عبدين بينه وبين رجلٍ عن يمينه، لم يجزه؛ لأنّ العتق يجب صرفه إلى شخصٍ واحدٍ، فإذا فرّقه في شخصين صار كمن أعطى طعام مسكينٍ إلى اثنين؛ ولأنّ المقصود بالعتق تخليص الرقبة من الرقّ، فإذا أعتق نصف عبدين لم يخلّص واحدًا منهما.
стр. 5607
قال: ولو أنّ شاتين بين رجلين، ذَبحاهما عن نُسكهما أجزأهما؛ لأنّ الشركة في النسك تجوز إذا أصاب كلّ واحدٍ مقدار شاةٍ؛ ألا ترى أنّه تجزئه سُبع بَدَنَةٍ، ونصف شاتين يتحصل به في المعنى شاةٌ.
قال: ولو أعتق عبدًا حلال الدم عن يمينه، أجزأه؛ وذلك لأنّ رقّه كاملٌ، وإنّما وجب عليه حقٌّ، فهو كوجوب الدين.
قال: ولو أنّ رجلًا قال: إن اشتريت فلانًا، فهو حرٌّ عن كفارة يميني، فاشتراه، أجزأه؛ لأنّه أضاف العتق عن الكفارة إلى الشراء، فكأنّه نوى الكفارة عند الشراء.
قال: ولو قال: إن اشتريت فلانًا هو حرٌّ عن ظهاري، ثم قال بعد ذلك: إن اشتريته فهو حرٌّ عن قتلي، ثم اشتراه، فهو حرٌّ عن الظهار؛ وذلك لأنّ اليمين بالعتق لا يلحقها الفسخ، فإذا نوى بها الظهار، ثم نوى القتل، فقد فسخ حكم اليمين الأولى، وذلك لا يجوز.
ولو قال: إن اشتريت فلانًا فهو حرٌّ تطوعًا، ثم قال: إن اشتريته فهو حرٌّ عن ظهاري، ثم اشتراه، كان تطوعًا؛ لأنّ اليمين الأولى لا تنفسخ، وقد وجدت غير مقارنةٍ لنية الكفارة.
قال: ولو أعتق نصف عبدٍ عن ظهاره، وأطعم ثلاثين مسكينًا، لم يجزه؛ وذلك لأنّ الله تعالى أجاز العتق وجعل الإطعام في كفارة الظهار بدلًا منه، فلا يجوز الجمع بين البدل والمبدل منه؛ ولأنّ الكفارة إمّا العتق أو الإطعام بكماله، ولم يُوجد واحدٌ منهما.
стр. 5608
بَاب في إعطاء أهلِ الذمة المساكين من الكفارةِ
قال: وإذا أعطى مساكين أهل الذمّة من الكفار أجزأه عنه في رواية محمد عن أبي حنيفة، وهو قول محمدٍ.
وقال أبو يوسف في رجلٍ قال: الله عليّ إطعام عشرة مساكين، فأطعم عشرة مساكين من أهل الذمة، فإنّه يجزئ في قياس قول أبي حنيفة.
(وقال أبو حنيفة: لا يجزئ أن يطعم أهل الذمّة في كفارة قتلٍ، أو ظهارٍ، أو إفطارٍ في رمضان، أو يمينٍ، أو جزاء صيدٍ، فإنّه لا يجزئ في القياس في قول أبي حنيفة من قِبل أن هذا واجبٌ، فلا يجزئ إلا على فقراء المسلمين) (١).
وقال أبو يوسف: لا يجزئ شيء من ذلك في فقراء أهل الذمّة من صدقة فطر ولا غيرها، (من قِبَلِ أنّ هذا واجبٌ) (٢)، فأمّا قوله: الله عليّ، فإنّه يجزئ استحسانًا، وليس بقياس.
وقال أبو يوسف: فيمن نذر نحر بدنةٍ في متعةٍ أو تطوّعٍ، أجزأه أن يطعم منها فقراء أهل الذمّة وأغنياءَهم.
وقال في كتاب الزكاة: قال أبو حنيفة: لا يعطي من الزكاة إلا مسلمًا، وإن أعطى منها ذميًا أو حربيًّا لم يجزه، فأمّا الكفارات، فتجوز على فقراء أهل الذمّة،
стр. 5609
ولا تجوز على فقراء أهل الحرب.
وقال محمدٌ عن أبي حنيفة: تجزئ الصدقة على أهل الذمّة من سائر ما في القرآن، إلا زكاة المال.
وجه قول أبي حنيفة ومحمدٍ المشهور: أنّها صدقةٌ، ليس للإمام حقٌّ في أخذها كالتطوع؛ ولأنّها لم تجب بسببٍ من جهة الله تعالى ابتداءً (١) كالنذر.
وجهُ قول أبي يوسف: أنّها صدقةٌ وجبت بإيجاب الله تعالى كالزكاة، وأمّا الزكاة؛ فلأنّ النبي ﵇ قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم" (٢)؛ ولأنّ حقّ الأخذ فيها إلى الإمام، وهو قائمٌ مقام [المساكين] (٣)، فدلّ على أنّها حقٌّ لهم.
والذي ذكر أبو يوسف في بدنة التطوع والمتعة، فصحيحٌ؛ لأنّ الصدقة بلحمها غير واجبةٍ، فجاز دفعها إلى أهل الذمّة كما يجوز للأغنياء.
قال: ولو أنّ رجلًا أعتق في دار الحرب عبدًا حربيًّا، لم يجزئه عن كفارته؛ وذلك لأنّ العتق لا يقع عند أبي حنيفة؛ لوجود ما ينافيه، فإذا لم يعتق لم يُجْزِ عن الكفارة [والله أعلم].
* * *
стр. 5610
بَاب كفارةِ الظهارِ والقتل
قال الله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣ - ٤]، فجعل الله هذه الكفارة مرتبةً من أنواع ثلاثة، وشرط فيها عدم المسيس، ولم يشترط ذلك في الإطعام، والعتق واجبٌ فيها [كالعتق] في كفارة اليمين، وقد بيّناه.
وأمّا شرط [عدم] المسيس، فلا يجوز له أن يقربها حتى يعتق؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
وأمّا الصوم فهو صوم شهرين متتابعين، فلا يجوز إلا قبل المسيس.
فأمّا الإطعام، فهو إطعام ستين مسكينًا يعتبر في قدره وصفته ما يعتبر في الإطعام (١) في كفارة اليمين، ولا يجوز أن يقدّم المسيس على الإطعام عندنا، وقال مالكٌ: يجوز ذلك، وقد بيّناه في الطلاق (٢).
وأمّا كفارة القتل فقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، فجعل الله تعالى هذه الكفارة من نوعين، وشرط في الرقبة الإيمان، ولم يشترط ذلك في كفارة الظهار، فجعل أصحابنا تلك الكفارة
стр. 5611
مطلقةً، والعتق في هذه مقيّدًا بالإيمان، ولم يحملوا إحداهما على الأخرى؛ لأنّ المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، فأمّا سوى الإيمان من الشرائط، فهو ككفارة اليمين.
وأمّا الصيام: فشهرين متتابعين كالصوم في كفارة الظهار، وليس في هذه الكفارة إطعامٌ؛ لأنّا لو أقمنا (١) الإطعام فيها بدلًا عن الصيام، أثبتنا كفارةً بقياسٍ، ومن أصلنا: أنّ الكفارة لا تثبت بالقياس.
قال: وما يبطل الصوم في بعض الكفارات يبطله في باقيها، إلا قرب المرأة [المظاهر منها]؛ وذلك لأنّ الصوم في كلّ واحدٍ منهما كالآخر، إلا أنّ عدم المسيس شرطٌ في كفارة الظهار [خاصّةً]، فإذا حصل في خلال الصوم أبطل التتابع، ولا يوجد ذلك في بقية الكفارات. [والله أعلم] (٢).
* * *
стр. 5612
بَاب ما يجب فيه الطعام مكان الصيامِ وما لا يجبُ وما يجزئ فيه الطعامُ وما لا يجزئ
قال محمدٌ في الزيادات: فيمن لم يقدر على صوم رمضان من علّة مرضٍ، أو حملٍ كان بالمرأة، أو كانت مرضعًا فخافت على ولدها، فأراد واحدٌ من هؤلاء أن يُطعم مكان [كلّ] يومٍ مسكينًا، لم يجزئه ذلك، ولكنه يؤخر الصيام حتى يقدر، ثم يصوم.
وإنّما يجزئ الطعام عن الصيام في وجهٍ واحدٍ: الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم، ولا يُطمع له في ذلك حتى يموت، فهذا يؤمرُ أن يُطعم مكان كلّ يومٍ نصف صاع من برٍّ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ؛ وذلك لأنّ المريض والحامل وإن عجزًا عن الصوم، فالقضاء مرجوٌّ لهما، والله تعالى أمر بتأخير الصوم مع العجز إلى حين القدرة، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فلما أمر بتأخير الصوم مع العذر (١)، لم يجز العدول إلى الإطعام مع بقاء حكم الأصل.
فأمّا الشيخ الذي لا يُرجا له القضاء، فقد عجز عن الأصل في الحال والثاني، فسقط الصوم في حقّه؛ فلذلك جاز أن ينتقل إلى الإطعام، وقد دلّ على هذا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وروي عن ابن عباسٍ
стр. 5613
أنه قال: وعلى الذين يُطوَّقونه فلا يطيقونه فديه (١).
ويقوم الإطعام مقام الصوم في وجهٍ آخر، وهو: أنّ من مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به، أطعم عنه لكلّ يومٍ نصف صاعٍ؛ لما روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "من مات وعليه قضاء رمضان، أطعم عنه وليّه" (٢)؛ ولأنّ الصوم سقط في حقّه، فجاز أن ينتقل إلى ما قام مقامه.
وأمّا صفة الإطعام الذي يقوم مقام الصوم: فأن يطعم [لكلّ يومٍ مسكينًا]، كلّ مسكينٍ نصف صاعٍ من برٍّ، أو صاعًا من شعيرٍ، فيعتبر في ذلك ما يعتبر في الكفارات؛ لأنّ الله تعالى جعل سدّ جوعة المسكين في مقابلة المشقة التي تلحق الصائم بالصوم.
وإنّما اعتبرت الوصية في قضاء رمضان؛ فلأنّ الفروض عندنا تسقط بالموت، وإنّما يجب بالوصية عبادة مبتدأة، فإذا لم يوص لم يجب، فإن أحب ورثته أن يتبرعوا عنه بالإطعام، جاز؛ لأنّ سعدًا قال للنبي ﷺ : إن أمي ابتليت، وإنها كانت تحب الصدقة، أفأتصدق عنها؟ فقال: "نعم" (٣)، وهذا يدلّ على أنّ فعل الوارث يقومُ مقام فعلِ المُوَرِّث القُرَبَ وإن لم يأمره بذلك.
قال: ولو أنّ رجلًا وجبت عليه الكفارة ليمينٍ، فلم يجد ما يعتق، ولا ما
стр. 5614
يكسو، ولا ما يطعم عشرة مساكين، وهو شيخٌ كبيرٌ لا يقدر على الصوم، ولا مطمع له فيه، فأرادوا أن يطعموا عن صيام ثلاثة أيامٍ ثلاثة مساكين، أو مات فأوصى أن يُطعم (١) عنه ذلك، لم يجز أن يطعموا عنه، ولا يجزئه إلا أن يطعم عشرة مساكين؛ وذلك لأنّ الصوم بدلٌ، فلا يجوز أن يقيم الإطعام مقامه في القياس؛ لما في ذلك من إثبات بدل بقياس؛ ولأنّ الله تعالى جعل هذه الكفارة ثلاثة أنواع: خيّر فيها، وجعل لها بدلًا وهو الصوم، فلو أثبتنا للصوم بدلًا، صارت خمسة أنواع، وهذا خلاف النص.
ولأنّ أصل الفرض فيها: العتق، أو الإطعام، أو الكسوة، وإنّما قام الصوم مقام ذلك، فإذا عجز عن الصوم بقي أصل الفرض عليه، فإن أراد أن يطعم، وقع الإطعام عن المستحقّ، فلم يجزه أقلّ من عشرة مساكين.
قال: ولو لم يوص، فأحبوا أن يكفّروا عنه، لم يجزئهم أقلّ من إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم؛ لأنّهم إنّما يتبرعون بالواجب عليه، وقد بيّنا أنّ الواجب مقدّرٌ بذلك.
قال: ولا يجوز أن يعتقوا عنه؛ لأنّ العتق إذا تبرع به الإنسان عن غيره، وقع عن المعتقِ دون المُعتَق عنه، وإنّما يقع عن المعتَق عنه إذا شرط العوض.
وأمّا الإطعام، فيجوز عن الغير وإن لم يشترط العوض، كمن قال لغيره: أطعم عن كفارة يميني.
قال: وكذلك القاتل إذا لم يجد رقبةً وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على الصوم،
стр. 5615
فأراد أن يطعم عن الصوم [ستين] (١) مسكينًا، لم يجزه، وكذلك لو أوصى؛ لأنّ الصوم بدلٌ في هذه الكفارة، فلا يجوز أن يثبت له بدلٌ بقياسٍ؛ ولأنّه إذا عجز عن الصوم سقط، فبقي الخطاب بالعتق، فلا يجزئ الإطعام عنه.
وكذلك المتمتّع إذا لم يجد الهدي، ولم يقدر على الصوم، لم يجز أن يُطعم مكان الصيام؛ لأنّ الصوم بدلٌ، فلا يجوز أن يثبت عنه بدلٌ بقياس؛ ولأنّ الصوم إذا [سقط] (٢)، عاد إلى الهدي، فلا يقوم الإطعام مقامه.
والدليل على أنّ من عجز عن الصوم، ففرضه المبدل: أنه لو استدان فأعتق أو أهدى، جاز.
قال: وكذلك المُحْرِمُ إذا وجبت عليه كفارة الأذى، فلم يجد الهدي، ولا الإطعام لستة مساكين، ولم يقدر على الصوم، فأراد أن يطعم عن ثلاثة أيامٍ ثلاثة مساكين، لم يجز؛ لأنّ الصوم إذا سقط بالعجز، عاد إلى فرض الأصل الذي هو الإطعام، فلم يجز أقل من ستّة مساكين.
قال: والتمكين جائزٌ في هذه الكفارات كلّها عند أبي يوسف، وقال محمدٌ: ما أوجبه الله تعالى بلفظ الإطعام، جاز فيه التمكين، وما أوجبه بلفظ الصدقة، لم يجز فيه إلا التمليك.
وجه قول أبي يوسف: أنّ المقصود بالتكفير سدّ خلة الفقير، وهذا المعنى موجودٌ في التمكين؛ ولأنّها كفارةٌ، فجاز فيها التمكين ككفارة اليمين.
(وقد روي عن أبي يوسف: أنّ التمكين يجوز في الزكاة؛ لأنّ المقصود بها
стр. 5616
سدّ خلة الفقير) (١)، وقد روي عنه: أنّ التمكين لا يجوز فيها؛ لأنّ التمكين إباحةٌ، والزكاة من شرطها التمليك.
وجه قول محمدٍ: أنّ الصدقة اسمٌ للتمليك، فلا تقوم الإباحة والتمكين مقامها، وليس كذلك الإطعام؛ لأنّه اسمٌ للإباحة والتمكين.
* * *
стр. 5617
بَابٌ آخر المعتبر في الكفارة
قال هشام: سألت محمدًا عن رجلٍ أوصى أن يُطعَم عنه عشرة مساكين كفارةً عن يمين، فغدّى الموصى عشرةً ثم ماتوا، فقال محمدٌ: يغدّي ويعشّي غيرهم، ولا يضمن الوصي شيئًا؛ وذلك لأنّ الكفارة يُعتبر فيها حصول الطعام للمساكين، يستوفي كلّ واحدٍ منهم قوت يومٍ، ولا يجوز أن يفرّق قوت يومٍ على اثنين، فإذا غدّى عشرةً وماتوا، فقد تعذّر إكمال الكفارة في حقهم، فلم يجز ما أعطاهم، ووجب الاستئناف، ولا يضمن الوصيّ؛ لأنّه غير متعدٍ في الدفع، ألا ترى أنّه فعل ما أُمر به، وإنّما فات الجواز بالموت، وذلك ليس من فعله.
قال: ولو قال: أطعموا عني عشرة مساكين غداءً وعشاءً، ولم يسمّ الكفارة، فغدّى عشرة ثمّ ماتوا، قال: يعشي عشرةً غيرهم؛ وذلك لأنّ المأمور به هاهنا ليس بكفارةٍ، فإذا فرّق المدفوع جاز كالنذر.
قال هشام: سمعت أبا يوسف يقول: إذا كان للرجل فضلٌ في مسكنه عن الكفاف، يبلغ زادًا وراحلةً، فعليه الحج، وإن لم يكن له فضلٌ عن مسكنه يبلغ ذلك وكان له فضل في كسوته، [عن الكفاف يبلغ زادًا وراحلةً، فعليه الحج، وإن لم يكن له فضلٌ في كسوته] وكان له فضلٌ عن خدمته عن الكفاف يبلغ زادًا وراحلة، فعليه الحج.
قال: وعليه كفارة اليمين في جميع ما ذكرنا إذا كان الفضل مائتي درهم
стр. 5618
فصاعدًا؛ وذلك لأنّ الحج يجب على المستطيع، ومقدار ما يحتاج إليه السكنى والكسوة غير محتسبٍ عليه، كما لا يحتسب بقوته، فإذا كان في ذلك فضلٌ عن الحاجة، فهو مستطيعٌ للحج من غير ضررٍ، فيجب عليه.
وأمّا الكفارة، إذا كان في مسكنه من كسوته فضلٌ، لم يجزه الصوم؛ لأنّه يقدر على التكفير بالإطعام من غير ضررٍ، إلا أنّ أبا يوسف (١) اعتبر أن يكون الفضل يساوي مائتي درهم، وهو حدّ الغني في الشريعة، ألا ترى أنّ هذا القدر هو المعتبر في وجوب الفطرة، فكذلك الكفارة.
فأمّا على [غير] هذه الرواية، فإذا كان الفضل يبلغ الكسوة أو الإطعام، وجب عليه؛ لأنّ الله تعالى جوّز الانتقال إلى الصوم لمن لم يجد ما يطعم، ولم يعتبر في ذلك الغنى، وهذا واجدٌ.
فأمّا إذا كان عنده عبدٌ ليس فيه فضلٌ عن خدمته، فلا يجزئه الصوم؛ وذلك لأنّ الحاجة إلى خدمة العبد ليست عامةً في الناس؛ لأنّ أكثرهم بلا عبيد، فلا تعتبر الحاجة التي لا يعمّ ضررها كما لا تعتبر الحاجة إلى ما زاد على الكفاف في الكسوة.
فأمّا المسكن والكسوة فالضرر يلحق في بيعهما، فاعتبر الفاضل منهما عن الحاجة، وكذلك قالوا في الثياب إذا كانت تفضل عن حاجته، والطعام إذا فضل عن حاجته.
قال بشر عن أبي يوسف: إذا جعل الرجل على نفسه أن يطعم عشرة مساكين
стр. 5619
ولم يسمّ، فعليه ذلك، فإن أطعم خمسةً لم يجزه؛ وذلك لأنّ النذر محمولٌ على أصله في الفرض، وما أوجبه الله تعالى لعددٍ من المساكين لا يجوز دفعه إلى بعضهم، إلّا أن يكرر عليهم في الأيام، فكذلك النذر.
قال: ولو قال: الله عليّ أن أتصدّق بهذه الدراهم على مسكينٍ، فتصدق بها على واحدٍ أجزأه؛ لأنّ الصدقة التي فرضها الله تعالى، لا تتقدّر بعدد المساكين في الدراهم بدلالة الزكاة.
قال: ولو قال: لله عليّ أن أطعم هذا المسكين هذا الطعام بعينه، فأعطاه غيره أجزأه، والأفضل أن يعطيه؛ لأنّ الصدقة المتعلّقة (١) بالمال المعيّن لا يتعيّن فيها المساكين؛ بدلالة الزكاة، ولأنّه لما عيّن الطعام صار هو المقصود، فلم يعتبر تعيين الفقير.
ولو قال: لله عليّ أن أطعم المسكين شيئًا سمّاه، ولم يعينه، فلا بد من أن يعطيه الذي سمّاه؛ لأنّه لمّا لم يعيّن المنذور، صار تعيين الفقير مقصودًا، فلم يجز أن يعطي غيره.
قال: ولو قال: لله علي طعام عشرة مساكين، وهو لا ينوي أن يطعم عشرةً، إنّما ينوي أن يعطي واحدًا ما يكفي عشرةً، أجزأه؛ وذلك لأنّ الطعام اسمٌ للقدر، فكأنّه أوجب مقدار ما يطعم عشرةً، فيجوز أن يطعم بعضهم.
(ولو قال: لله عليّ إطعام عشرةٍ، لم يجز الاقتصار على بعضهم) (٢)؛ لأنّ الإطعام عبارةٌ عن فعله، فلا بد من تكرار الفعل.
стр. 5620
قال: فإن لم يكن له نيّةٌ، فهو على العدد فيهما، إلا أنّ إطلاق النذر في الإطعام محمولٌ على أصل الفرض.
قال: فإن قال: لله عليّ أن أتصدّق بهذا الدرهم يوم يقدم فلانٌ، وقال: إن كلمت فلانًا فعليّ أن أتصدّق بهذه الدراهم، فكلّم فلانًا، وقَدِمَ فلانٌ، أجزأه أن يتصدّق بالدرهم الواحد عنهما جميعًا.
وكذلك الصيام إذا سمّى يومًا بعينه؛ وذلك لأنّ الواجب يجوز أن يتعلّق بشرطٍ واحدٍ، ويجوز أن يتعلّق بأحد (١) شرطين، فإذا أوجب صوم يوم إن قدم فلانٌ، وأوجبه إن دخل الدار، فوجد الشرطان، لم يجب أكثر من صومٍ واحدٍ، ويجزئ عن النذرين، وصار كمن قال لعبده: إن دخل هذه الدار رجلٌ فأنت حرٌّ، ثم قال: إن دخلها زيدٌ فأنت حرٌّ، فدخلها زيدٌ، عتق عبده بمقتضى اليمينين، فكذلك هذا.
قال: ولو قال: إن كلمت فلانًا فعليّ أن أتصدّق بهذا الدرهم، فكلّم فلانًا، وجب عليه أن يتصدّق به، فإن أعطاه من زكاة ماله أو من كفارة يمينه، فعليه آخر مكانه؛ لأنّ الوجوب تعلّق به، فإذا أخرجه عن واجبٍ لم يتعيّن فيه، بقي النذر في ذمته بحاله، فعليه أن يتصدّق بعوضه، كما لو أنفقه، وليس كذلك الفصل الأول؛ لأنّ كلّ واحدٍ من النذرين تعيّن فيه؛ فلذلك جاز عنهما.
قال: ولو قال: إن قدم فلانٌ فلِلَّه عليّ أن أصوم يوم الخميس، ثم صام يوم الخميس من قضاء رمضان، أو كفارة يمين، أو تطوعًا، فقدم فلانٌ يومئذٍ بعد ارتفاع النهار، فعليه يومٌ مكانه لقدوم فلانٍ؛ لأنّ صوم اليوم قد وجب عن النذر؛
стр. 5621
(لوجود شرطه، فإذا صامه عن غيره فقد منع بفعله من وقوعه عن النذر) (١)، فكأنّه قدم بعدما أكل، ولو كان المراد بهذا القول اليمين، لم يحنث في يمينه؛ لأنّه قد صام اليوم الذي حلف عليه، وجهات الصوم لم يتناولها اليمين.
قال: ولو كان قدم فلانٌ بعد الظهر، لم يكن عليه قضاؤه؛ وذلك لأنّ الصوم لم يجب عن النذر، ألا ترى أنّ الوجوب المضاف إلى الشرط المنطوق به عقيب الشرط، فكأنّه قال: بعد الزوال لله عليّ صوم هذا اليوم، فلم يلزمه بنذره شيءٌ.
قال: وإن قدم فلانٌ قبل الزوال في يومٍ قد أكل فيه، كان عليه أن يقضيه؛ لأنّ القدوم حصل في زمانٍ يصحّ ابتداء النذر فيه، وإنّما امتنع الصوم للأكل؛ وذلك لا يسقط النذر، كمن أوجب ثم أكل.
قال: وكذلك المرأة تقول: لله عليّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلانٌ، فقدم قبل الزوال وهي حائضٌ، فعليها أن تقضي؛ لأنّ ما أوجبته على نفسها في زمانٍ بعينه معتبرٌ بما أوجبه الله تعالى فيه، ومعلومٌ أنّ الحيض في رمضان لا يسقط القضاء، فكذلك في النذر.
قال: ولو قال رجلٌ: لله عليّ أن أصوم اليوم الذي آكل فيه، لم يكن عليه قضاؤه، وكذلك امرأةٌ قالت: لله عليّ أن أصوم اليوم الذي أحيض فيه؛ وذلك لأنّهما أضافا الصوم إلى [زمانٍ] (٢) لا يصحّ صومه، فصارا لاعبين (٣) بهذا القول، فلا يتعلّق به وجوب.
стр. 5622
وليس كذلك الفصل الأول؛ لأنّهما أضافا النذر إلى زمانٍ يجوز أن يصحّ صومه منهما، فحدوث ما [يمنع] (١) من جواز الصوم لا يمنع القضاء.
قال: ولو قال: لله عليّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فلانٌ، فقدم في رمضان، فصامه من رمضان، أجزأه من رمضان ومن الصوم الذي جعل عليه، ولا كفارة عليه إن كان أراد اليمين؛ وذلك لأنّ زمان رمضان مع الإقامة لا يجوز عن غيره، فلم يتعلّق بنذره حكمٌ.
وقوله: أجزأ عنهما، تجوّزٌ، وإنّما أراد بالإجزاء: أنّه لا يلزمه شيءٌ بالنذر، وأمّا الكفارة؛ فلأنّه قد صام فيه، واليمين انعقدت على الصوم دون غيره.
ولو كان قال: لله عليّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه [فلانٌ] شكرًا لله تعالى تطوعًا لقدومه، وأراد اليمين، فصامه من كفارة يمين، ثم قدم فلانٌ ذلك اليوم بعد ارتفاع [النهار]، فعليه قضاؤه والكفارة، ولو كان هذا في رمضان كان مثل ذلك في الكفارة [ولا قضاء عليه؛ وذلك لأنّه نذر الصوم للقدوم، فصامه عن الكفارة]، وهى غير متعيّنة فيه، فكان عليه القضاء، وحنث في يمينه؛ لأنّه لم يحلف على إطلاق الصوم، وإنّما حلف أن يصوم عن القدوم، فإذا صام عن غيره، حنث.
وأمّا إذا كان ذلك في رمضان فلا قضاء عليه؛ لأنّ الزمان متعيّنٌ لرمضان، فلا يصحّ إيجابه لغيره.
فأمّا الكفارة؛ فإنما تجب لأنّه لم يصم لما حلف عليه.
قال: وإن صامه ينوي الشكر عن قدوم فلانٍ، ولا ينوي رمضان، برّ في
стр. 5623
يمينه وأجزأه عن رمضان؛ لأنّ صوم رمضان لا يعتبر فيه تعيين النية، فأمّا اليمين فقد برّ فيها؛ لأنّه قصد الصيام عمّا حلف عليه، وإنّما وقع عن غيره حكمًا (١).
وذكر بعد ذلك: من صام في رمضان في السفر ينوي الكفارة أو التطوع، كان عن الكفارة في قول أبي حنيفة، ولم يكن عن التطوع، وقد مضت هذه المسألة في الصيام.
قال: كلّ صومٍ ذكره الله تعالى في كتابه متتابعًا، فلا يجوز إلا متتابعًا، وما لم يذكر فيه التتابع، فإن شاء تابع، وإن شاء فرّق، إلا في كفارة اليمين، فإنّ عليه صيام ثلاثة أيام متتابعاتٍ، وهي في قراءة عبد الله وأبي ابن كعب.
أمّا ما ذكره الله تعالى متتابعًا، فقد أوجب العبادة على صفةٍ، فلا يجوز أن تؤدى على غيرها.
وأمّا الصوم المطلق في غير [كفارة اليمين] (٢)، فإن شاء تابع، وإن شاء فرّق؛ لأنّ إطلاق الأمر عامٌّ في الأمرين.
فأمَّا كفارة اليمين فهي متتابعةٌ عندنا، وقد بيّناها في كتاب الأيمان (٣).
آخر كتاب الكفارات
(وهو آخر شرح مختصر الشيخ أبي الحسن الكرخي رحمه الله تعالى،
стр. 5624
شرحه الشيخ أبو الحسين القدوري رحمه الله تعالى، أعانه الله على دينه ودنياه.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسوله محمدٍ النبيّ وآله أجمعين.
صادف الفراغ منه العبد الفقير إلى رحمة الله، محمد بن الحسين بن هبة الله بن فارس الموصليّ، في أواخر ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، بمدينة مرو عمّرها الله، رحم الله من دعا لكاتبه بحُسن التوفيق في الدارين بنعمة الله بهِ، له ولجميع المسلمين) (١).