بدليلٍ شرعيٍّ، وقد دلّت الأدلة على تحريمه إذا بلغ إلى الحدّ الذي قال أبو حنيفة، وما قبل ذلك على أصل الإباحة؛ ولأنّها إذا لم تقذف فلم تبلغ [إلى] غايتها، فصارت كما قبل الغَلَيَان؛ ولأنّ الخمر تتعلّق بشربها الحدود، والحدود تجب في المقصود من كلّ نوعٍ، ومالم يقذف العصير بالزَّبَد، فلم يبلغ الغاية المقصودة من الشراب، فلم يجز وجوب الحدّ فيه.
وجه قولهما أنّ الحكم يتعلّق بحدوث الشدّة، وذلك موجودٌ إذا غلى؛ ولأنّ القذف بالزَّبَد إنّما يعتبر لترقّ وتصفو، وعدم هذا المعنى لا يمنع من التحريم.
فإذا عرفنا الخمر على القولين؛ فالأصل في تحريمها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال في الآية الأخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقد قيل: إن الإثم من أسماء الخمر، وأنشدوا فيه:
شربت الإثم حتى زال عقلي … كذاك الإثم يذهبُ بالعُقُولِ (١)
[وروي: حتى ضل عقلي]، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآية [المائدة: ٩٠] (٢)، وقد روي أنّ عمر ﵁[دعا] فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فأنزل الله تعالى:
стр. 5567
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، فقال: انتهينا (١).
ولأنّ تحريم ذلك معلومٌ ضرورةً من [دين] النبي ﵇، وأنّه كان يدعو إلى ذلك ويتديّن به، كما يعلم من دينه وجوب الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان.
وأمّا نقيع الزبيب والتمر، فحرامٌ، وقال شريك: هما حلالٌ.
والأصل في ذلك قوله ﷺ : "الخمر من هاتين الشجرتين" (٢)، و "مِنْ" للابتداء، وهذا يدلّ على أن ما كان منها على حدّ الابتداء، فهو [حرامٌ] (٣).
وقد روي عن ابن مسعود أنّه سئل عن السَّكَر يُتداوى به من الصَّفَرِ (٤)؟ فقال: إنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم (٥)، والسَّكَر نقيع التمر، وقد علم من مذهب ابن مسعود القول بإباحة نبيذ التمر، فإذا زعم أنّ الله تعالى حرّم النيء، دلّ على أنه اعتقد إباحة المطبوخ خاصّةً، وهذا يبطل قول من قال: إنّ أبا حنيفة خالف الإجماع في شرط الطبخ في نبيذ التمر والزبيب.
قال: لأنّ السلف اختلفوا على قولين: فمنهم من قال بتحريمه بكلّ حالٍ، ومنهم من قال بإباحته بكلّ حالٍ، فشرط الطبخ يخالف إجماعهم؛ لأنّ تحريم
стр. 5568
ابن مسعود السَّكَر مع اشتهار قوله في إباحة نبيذ التمر؛ دلالةٌ على شرط الطبخ فيه.
وأمّا عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه، فهو حرامٌ عندنا، وقال حماد بن أبي سليمان: إذا طبخ حتى ينضج فهو مباحٌ، وهو قول بشر المريسي وبعض المتكلمين، وكان قول أبي يوسف الإباحة للمُنصَّف، وروي مثله عنه.
وقال عمر ﵁: يحل إذا ذهب ثلثاه [وبقي ثلثه] (١)، وهو قول أبي حنيفة، والدليل على تحريم طبخ العصير إذا لم يبلغ الحد الذي ذكرناه، ما روى الشعبي عن جابر ابن الحصين الأسدي: أنّ عمارًا أتاه كتاب عمر بن الخطاب إليه يأمره أن يأمر المسلمين بشرب العصير الذي طبخ فذهب ثلثاه وبقي ثلثه، وأن عمارًا شربه، وأمر الناس به، وقال: هذا شرابٌ لم نكن نشربه حتى أمرنا أمير المؤمنين عمر ﵁ (٢).
وعن داود بن أبي هندٍ قال: قلت لسعيد بن المسيب: الطلاء الذي أحلّه عمر للناس ما هو؟ قال: الذي يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه (٣).
ولا يجوز أن يقال: إنّما أباح ذلك عمر؛ لأنّه قيل له إنّه لا يسكر؛ وذلك لأنّ عمر أباحه لدفع ضرر الطعام، وذلك لا يكون مع الشدّة، والذي روي أنه قال حين رآه: ذهب حظّ الشيطان منه، وروي أنّه قال: ذهب شيطانه وريح جنونه، فلم يُرد بذلك [زوال] الإسكار، وإنما أراد زوال المعنى الموجب للتحريم، وهذا معنى قوله: ذهب حظ الشيطان منه.
стр. 5569
وإذا ثبت أنّه ﵁ حَدَّ في ذلك ذهابَ الثلثين بحضرة الصحابة، وكتب به إلى الأمصار من غير خلافٍ، دلّ على أنّ ذلك حدّ الإباحة؛ ولأنّ العصير إنّما يطبخ أدنى طبخ استصلاحًا للخمر، وحتى لا يفسد بالبقاء، واستصلاحها لا يجوز أن يكون سبب إباحتها.
٢٩٤٤ - فَصْل: [حِليّة شرب العنب والزبيبِ والعصير إذا طبخ]
[قال]: وأمّا العنب إذا طُبخ كما هو، فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنّه يحل بأدنى طبخ، فذكر ذلك للحسن بن أبي مالك، فأنكره، وقال سمعت أبا يوسف يحكي (١) عن أبي حنيفة: أنّه لا يحلّ حتى يذهب ثلثاه.
وجه رواية الحسن: أنّ الزبيب إذا طبخ عاد إلى صفة العنب، وحلّ بأدنى طبخٍ، فإذا طبخ العنب فهو مثله.
وجه رواية أبي يوسف: أنّ العنب إذا طبخ، فالعصير قائمٌ فيه لم يتغيّر، فطبخه قبل العصر كطبخه بعد العصر، فلا يحلّ إلا بذهاب ثلثيه.
قال [أبو الحسن]: الخمر حرامٌ قليلها وكثيرها، ومن شرب منها قليلًا أو كثيرًا وجب عليه الحدّ، صرفًا شربها أو ممزوجةً.
أمّا تحريم قليل الخمر وكثيرها؛ فلأنّ الدلالة التي قدّمناها في التحريم لا تفصل بين القليل والكثير؛ ولأنّها محرمّةٌ عندنا باسمها، ولهذا قال ابن عباس: (حُرّمت الخمرة لعينها، والسُّكْرُ من كل شراب) (٢)، والاسم موجودٌ في القليل.
стр. 5570
أمّا وجوب الحدّ بها (١)، فلأنّ النبي ﵇ حدّ الشارب (٢)، ولا خلاف في ذلك.
وأمّا الممزوجة، فمتى كانت الخمر غالبةً، فالحدّ واجبٌ؛ لأنّ المقصود منها لا يزول [بذلك، ألا ترى أنّ الغالب على من شرب أن يمزجها بالماء، وإذا كان مقصودها لا يزول] وجب الحدّ، كما لو شربها صرفًا، فأمّا إذا غلب الماء عليها حتى زال طعمها وريحها، فلا حدّ في شربها؛ لأنّ المقصود من الشرب يزول بهذا التغير، والحدود تجب في المقصود من كلّ نوعٍ، إلا أنّ شرب ذلك حرامٌ؛ لأنّ الحظر والإباحة إذا اجتمعا غُلّب الحظر (٣)، ولأنّها نجسةٌ عندنا، والنجاسة إذا خالطت الماء لم يجز شربه.
قال محمدٌ في الأصل - في العصير الحلو -: لا بأس بشربه، فإذا غلى وقذف بالزبد لم يجز شربه، ولم يجز بيع المسلمين له؛ وذلك لأنّه ما لم يغل
стр. 5571
فليس بخمرٍ، فهو على أصل الإباحة، فإذا غلى وقذف بالزبد، صار خمرًا، فلم يجز شربه، وأمّا بيعه فلا يجوز للمسلمين (١)؛ لما روي عن النبي ﵇: (أنّه لعن الخمر ومشتريها) (٢).
قال محمدٌ: فإن طبخ بعدما غلى وقذف بالزبد ثم شرب منه، حُدّ شاربه، ولم يحلّ له الطبخ؛ وذلك لأنّ الطبخ حصل في العين المحرمّة، فلا يؤثّر في إباحتها، كطبخ لحم (٣) الخنزير، وإنّما وجب الحدّ؛ لأنّ الطبخ لا يغيّر اسمها، ولا يزيل معناها.
وليس كذلك إذا طبخ العصير حتى يذهب ثلثاه؛ لأنّ الطبخ حصل في عينٍ مباحةٍ، فتغيّرت عن هيئة العصير، فحدثت الشدّة فيها، وليست بعصيرٍ، فلذلك حلّت.
وأمّا إذا طبخ العصير حتى يذهب نصفه، فإنّ الحسن روى عن أبي حنيفة أنّه قال: أكره شربه، وأجيز بيعه، ولا أحدّ منه إلا في السكر، وكذلك [ذكر] محمدٌ في الأصل.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجوز بيعه، ولا حدّ فيه.
أمّا كراهة شربه؛ فلانّ عمر ﵁ شرط في الإباحة ذهاب ثلثيه، وذلك بحضرة الصحابة من غير خلافٍ، وإذا لم يحصل شرط الإباحة لم يحلّ (٤) شربه.
стр. 5572
وأمّا الحد، فلا يجب بشربه؛ لأنّه ليس بخمرٍ، ألا ترى أنّ المقصود بالخمر ما فيها من الرقّة، وذلك يزول بهذا القدر من الطبخ، وإذا لم يتناوله الاسم، لم يجب الحد.
وأمّا البيع، فوجه قول أبي حنيفة: أنّه شراب ليس بخمرٍ، فصار كنبيذ التمر.
وجه قولهما: أنّه شرابٌ محرمٌ كالخمر.
وقد قال أبو حنيفة: إنّ بيع الأشربة كلّها جائزٌ ما خلا الخمر (١).
وقال أبو يوسف: لا أجيز بيع المسكر، ولا نقيع (٢) التمر إذا اشتدّ، ونقيع الزبيب، وهذا على ما بيّنا.
وأمّا إذا طبخ العصير حتى ذهب منه أقلّ من النصف، عشره أو ربعه، فإن أبا حنيفة قال: لا يحلّ شربه إذا اشتدّ، ولا أحدّ في شربه، ويجوز بيعه؛ وذلك لأنّ الطبخ يزيل اسم الخمر عنه، وما ليس بخمرٍ لا يجب الحدّ بشربه، ولأنّه مختلفٌ في إباحته، والاختلاف شبهةٌ في سقوط الحدّ؛ ولأنّ الشراب المختلف فيه لا يحكم بفساد العقد عليه عنده، كمطبوخ التمر (٣).
٢٩٤٥ - فَصْل: [الأشربة المباحة]
أمّا الأشربة المباحة: فعصير التمر (٤) والزبيب إذا طبخا حتى ينضجا، فهما
стр. 5573
حلالٌ، وقال شريكٌ: هو حلالٌ طبخ أو لم يطبخ، وقال مالك والشافعي: كلّ شراب أسكر كثيره فقليله حرامٌ (١).
أمّا الكلام على شريك، فما روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "الخمر من هاتين الشجرتين" (٢)، قال: و "من" للابتداء، فكلّ ما كان من النخل والكرم على حكم (٣) الابتداء، فهو محرمٌ بهذا الظاهر ما لم يطبخ وهو على حدّ الابتداء.
وأمّا المطبوخ، فالأصل في إباحته: ما روى أبو مسعودٍ الأنصاري أنّ النبي ﵇ طاف بالبيت في حجة الوداع، ثم استسقى من السقاية، فأتي بشراب فشمّه وقطّب، ثم دعا بماء فصبّه عليه وشرب منه وقال: "إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة، فاكسروا متونها بالماء" (٤)، وهذا يدلّ على جواز شرب النبيذ [الشديد].
ومن حمل ذلك على الحموضة فقد غلط؛ لأنّ الخمر لا يستسقى في السقاية، ولا يشربه الناس، ويدلّ عليه ما روي أنّه ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن الأوعية، ثم رأيت أنها لا تحرم شيئًا، فانتبذوا واشربوا ولا تشربوا مسكرًا" (٥)، والأوعية المنهية عنها: هي التي تُحدث في الشراب شدّةً، فدلّت الإباحة بعد
стр. 5574
الحظر على جواز (١) شرب النبيذ الشديد ما لم يسكر.
وروى ابن مسعود أنّه قال: شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم، وشهدت إباحته وغبتم (٢)، فحكى إباحته بعد الحظر، والإباحة بعد الحظر لا تكون إلا من صاحب الشريعة.
وروي عن عمر بن الخطاب أنّه قال: إنّا نأكل لحم الجزور، ونشرب النبيذ الشديد، فيقطعه في بطوننا (٣).
وروي أنّه أُتى بسكران فقال له: إنما شربت من إداوتك، فطلب له مخرجًا فلم يجد، فحدّه، ثم أخذ الإداوة فشرب منها وقطّب، وقال: هذا الذي قتله (٤)، وهذا يدلّ على جواز شرب ما يسكر كثيره، ولأنّ الأشربة كانت كثيرةً بالمدينة من غير العنب، وكانت الخمر قليلةً؛ لأنّها كانت تحمل من الشام.
وعند مخالفنا أنّ تحريم سائر الأشربة كتحريم الخمر، ولو كان كذلك لكان بيان تحريم سائر الأشربة كبيان تحريم الخمر أو أقوى، فلما حرمت الخمر بطريقٍ مقطوعٍ به، ولم يوجد مثل ذلك في غيرها مع شدة الحاجة إلى العلم به، دلّ على أنّهما لا يتساويان في التحريم؛ ولأنّ كلّ نوعٍ حرمه الله تعالى فقد أباح من نوعه ما يتعوّض به عنه، فلما حرم الخمر أباح ما يتعوّض به عنها، وهي الأشربة المشتدّة، فلو قلنا بتحريم جميعها، لم يتعوّض عن تحريم الخمر بما يسدّ مسدها،
стр. 5575
وهذا خلاف الأصول.
فأمّا دعوى مخالفنا: أنّ الأنبذة مُحرّمةٌ بتحريم الخمر؛ لأنّ اسم الخمر يتناول كلّ شراب مسكر، فهو غلطٌ؛ لأنّ الخمر عند العرب من عصير العنب إذا اشتدّ، وما سواه خصّوه بأسماء أُخر.
وطريق العرب في الفرق بين الأسامي: أن يخصُّوا كلّ عينٍ باسمٍ، فدلّ ذلك على نفي الاشتراك، إلا أن ينقل عنهم ما يقتضي الاشتراك، وإذا لم يسمّ ذلك خمرًا لم يدخل في الآية التي اقتضت تحريم الخمر؛ ولأنّ الأمّة اجتمعت على تحريم الخمر، ويكفّر مستحلّها، وأجمعوا أنّ من استحلّ غير الخمر لا يكفر، ولا بد أن يكون أحد الأمرين غير الآخر، حتى لا يجمعوا على حكمين ضدين.
وأمّا قولهم: إنّ الخمر إنّما سمّيت بذلك لمخامرة العقل، وهذا المعنى موجودٌ في النبيذ.
فغلطٌ؛ لأنّه قد قيل: إن الخمر سمّيت خمرًا للخمرة (١)، ولو سلمّنا ما قالوا، لم يلزم أن تطرد العلة، ألا ترى أنّهم قد يسموا أعيانًا بأسامي لم يخصوها (٢) بها، وإن وُجد معناها في غيرها، كما قالوا في الفرس الذي اجتمع فيه السواد والبياض: أبلق، ولم يقولوا للثوب: أبلق، وقد قالوا للنجم: نجمًا لظهوره، [يقال: نَجَم، أي ظهر]، ولم يسموا كلّ ظاهرٍ: نجمًا، فلا يمتنع أن تسمّى الخمر [خمرًا] لمخامرة العقل، ولا يسمى كلّ ما خامر العقل خمرًا.
فأمّا احتجاجهم بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "كلّ مسكرٍ خمرٌ" (٣)،
стр. 5576
[فقد] قال يحيى بن معين: إنّ هذا لا يصحّ عن رسول الله ﷺ ، ولو ثبت لكان الجواب عنه: أنّ النبي ﵇ لا يعلمنا الأسامي، وإنّما يعلمنا الأحكام، فكأنّه قال: ما أسكر كثيره (١) فحكمه حكم الخمر، [وكذلك نقول].
وكذلك الجواب عمّا روي عن النبي ﵇ أنّه قال: "الخمر في النخل والكرم والحنطة والشعير والذرة" (٢).
فأمّا قولهم: إنّ العصير إذا حدث فيه شدةٌ سُمّي خمرًا، فإذا زالت الشدّة زال الاسم، ولا يمتنع أن يسمّى الشيء باسمٍ لوجود معنى فيه ويخصّ الاسم به، فلا يسمون ما وجد فيه ذلك المعنى باسمه، كما ذكرناه في الجنين.
فأمّا الذي روي عن النبي ﵇ أنّه قال: "كلّ مسكرٍ حرامٌ" (٣). و: "ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ" (٤)، و: "ما أسكر الفرق منه، فالجرعة منه حرامٌ" (٥).
لا دلالة لهم فيه؛ لأنّه يجوز (٦) أن يكون قبل الإباحة، وقد قدّمنا أنّ الإباحة حدثت بعد الحظر؛ ولأنّ المسكر ما حدث السكر عنده، كما أنّ المؤلم ما حدث عنده الألم، والسكر إنّما يكون من القدح الأخير دون غيره، (واليسير لا يحدث
стр. 5577
فيه السكر، فلا يسمى مسكرًا، كما لا يقال: الطعام مشبعٌ وإن حدث الشبع منه مع غيره) (١).
فأمّا قوله ﷺ : "ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ"، فصحيح على قولنا؛ لأنّه إذا شرب الكثير فسكر، فالمحرم منه ما حدث منه السكر، وما قبل ذلك غير محرمٍ، فإذًا (٢) المحرم في الحقيقة هو اليسير الذي يسكر كثيره.
قالوا: الشدّة المطربة سببٌ للتحريم بدلالة الخمر.
والجواب: أنّ الخمر لا يجوز أن تكون حُرّمت لهذه العلة؛ لأنّ قليلها وكثيرها حرامٌ على وجهٍ واحدٍ، وهذه العلة لا توجد في القليل.
ولا يقال: إنّ الحكم يوجد بوجودها ويعدم بعدمها؛ لأنّ القليل منها إذا حرم بالطريق الذي حرم الكثير -وهذه العلة لا توجد فيه- دَلَّ على فسادها وإن وجد الحكم بوجودها وعدم بعدمها؛ ولأنّه ليس تعليق الحكم بما قالوه أولى ممّن قال: العلة فيها أنّها نيءٌ مشتدةٌ، فلا يمكن أن يرد الحكم إلى المطبوخ، والحكم يوجد بوجود هذه [العلة] في الأصل، ويعدم بعدمها.
فإن قالوا: إنّ العلة عندنا وجود هذا المعنى في الكثير، فدلّ على أنّ تحريم الجنس لم يصح؛ لأنّ الأصل أنّ الأحكام تعلّل بعللٍ فيها لا في غيرها، فلا يجوز أن نعلّل القليل بعلّةٍ توجد في غيره.
стр. 5578
٢٩٤٦ - فَصْل: [النبيذ من التين والعسل والحنطة]
وأمّا الأنبذة من غير التمر والعنب، مثل التين والعسل والحنطة والشعير والذرة، فلا يعتبر فيه الطبخ؛ لأنّ النبي ﵇ قال: "الخمر من هاتين الشجرتين" (١)، فخصّ التحريم بهما؛ ولأنّ هذه أطعمةٌ معتادةٌ، فلا تعتبر الشدّة (٢) فيها وحدوث السكر، كما لا يعتبر السكر الذي يوجد في الخبز الذي يوجد في بعض البلاد، والسكر الذي يوجد بشرب اللبن.
٢٩٤٧ - فَصْل: [في الأنبذة]
[قال]: قد بيّنا مذهب أبي حنيفة في الأنبذة، فأمّا قول أبي يوسف ومحمدٍ، فكان قولهما: إنّ النبيذ المطبوخ إذا كان لا يفسد بالبقاء عشرة أيام فصاعدًا فهو حرامٌ، وإن كان يفسد فهو مباحٌ، وإن اشتدّ.
ثم رجع أبو يوسف عن هذا [القول] إلى قول أبي حنيفة، وروى رجوعه محمد بن الحسن، وبشر بن الوليد، ومعلى.
وأمّا محمدٌ، فروي أنّه وقف في ذلك وقال: لا أحرمه ولا أبيحه.
وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: في نبيذ التين والذرة والحنطة والشعير إذا اشتدّ: فهو مكروهٌ، [فإن شرب منه حتى سكر لم يُحدّ، وأجمع الرواة عن أبي حنيفة أنّ ذلك غير مكروهٍ]، وهو الصحيح؛ لأنّ هذه الأشياء مأكولةٌ، فلا يعتد بحدوث الشدة فيها.
стр. 5579
ووجه رواية الحسن: أنّ ما حدث فيه الشدّة - وهو باقٍ على أصل خلقته لم يتغيّر عنها - لم يجز شربه كنقيع التمر والزبيب.
وقد ذكر محمدٌ في الأصل في نبيذ التوت والتين وقصب السكر والفانيذ (١) والناطف (٢) والقند (٣) والأرز، قال: لا بأس بذلك، وقال في موضعٍ آخر: لا بأس الشراب الذي يصنع من البُرّ والشعير، فيُعتّق، وهذا على ما قدّمناه.
стр. 5580
بَابْ ما يخرجُ من الكَرْمِ والنخلِ إِذا طبخَ
قال: وما طُبخ من التمر، أو ما يخرج من النخل (١)، فأنضجته النارُ فنبذ، فلا بأس به، كان فيه راذيٌّ (٢) أو غير ذلك (٣) ممّا يشتدّ به ويصلب، فليس في طبخه حدٌّ فيما يذهب [منه] بالنار، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ المعتبر الطبخ الذي يخرجه من حكم الابتداء، وقليل الطبخ في ذلك ككثيره إذا نضج.
وأما الراذيّ، فلا حكم له؛ لأنّه يجعل فيه لتحدث الشدة، وقد بيّنا أنّ الشدة لا تؤثّر فيه التحريم.
فأمّا عصير العنب، فالمعتبر فيه أن يطبخ حتى يذهب ثلثاه، وقد بيّنا ذلك.
وأمّا الزبيب فهو كالتمر، يعتبر فيه أدنى طبخ؛ لأنّه يخرج بذلك عن حكم الابتداء.
واختلفت الرواية في الزبيب إذا نُقع وصُفِّيَ ماؤه ثم طُبخ: فروى محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنّه لا يحلّ حتى يذهب ثلثاه.
وحكى هشام عن أبي يوسف: أنّه يعتبر فيه أدنى طبخ؛ (لأنّه يخرج بذلك
стр. 5581
عن حكم الابتداء) (١).
قال هشام: وقد وروى محمد عن أبي يوسف خلاف هذا، فلعلّ ذلك رجوعٌ من أبي يوسف.
وجه الرواية التي اعتبر فيها ذهاب الثلثين: أنّه إذا نُقع وصُفِّيَ عاد إلى صفة العصير، فيعتبر فيه ما يعتبر في العصير.
وجه الرواية الأخرى: أنّه بالجفاف فارق صفة العصير (٢)، فصار كالتمر، (وقد حكيَ عن بعض السلف أنّه قال: ما استخرج ماؤه بنفسه فهو حرامٌ، وما استخرج ماؤه بغيره فهو حلالٌ، والزبيب يستخرج ماؤه بغيره، فهو كالتمر) (٣).
وقد حكى الحسن عن أبي حنيفة في نقيع الزبيب إذا اشتدّ: لم يُحدّ في شربه إلا أن يسكر، وإن باعه جاز بيعه في قياس قول أبي حنيفة (وأبي يوم يوسف وزفر.
وأمّا الحدّ، فلا يجبُ بشربه؛ لأنّه مختلفٌ في تحريمه؛ فلذلك جاز بيعه عند أبي حنيفة) (٤)، فأمّا أبو يوسف: فالصحيح من مذهبه أن بيعه لا يجوز؛ لأنّه شرابٌ محرّمٌ.
٢٩٤٨ - [فَصْل: في الخليطين]
قال الحسن عن أبي حنيفة: لا بأس بالخليطين: [التمر والزبيب، والعنب
стр. 5582
والتمر، والأصل في إباحة الخليطين]: أنّ كلّ واحدٍ منهما لو نبذ على الانفراد حلّ، فكذلك إذا اجتمعا، والذي روي "عن النبي ﷺ أنّه نهى عن الخليطين" (١)، فإنّما ذلك لشدّة العيش في زمانه، وفي هذا ضربٌ من التوسّع، ولهذا روي أنّه نهى عن الجمع بين تمرتين ولقمتين (٢).
فأمّا الزبيب والعنب والتمر، فيجب أن يُعتبر فيه ذهاب الثلثين على رواية أبي يوسف، وإنّما ذكر هذا الحسن؛ لأنّه روي عن أبي حنيفة: أنّ العنب كالتمر والزبيب، يعتبر فيه أدنى طبخٍ، وقد بيّن محمدٌ في الأصل: أنّ الزبيب والعنب إذا اجتمعا، أنّ المعتبر ذهاب الثلثين، كما لو طبخ العنب على حياله.
قال مُعَلَّى في نوادره - في تمرٍ طُبخ ثم أُلقى فيه تمرٌ فغلى، قال: إذا كان التمر الذي فيه لو نبذ على حدةٍ لكان منه نبيذٌ، فلا خير في هذا النبيذ، هذا مطبوخٌ ونقيعٌ، ولو لم يُطرح فيه تمرٌ وطرح فيه زبيبٌ [قد ينبذ] مثله على حدةٍ ن كان مثل ذلك؛ وذلك لأنّه ألقى تمرًا لم يطبخ بعد إلقائه حتى ينضج، وهو مما يثبت حكمه بنفسه لكثرته، فقد جمع بين الطبيخ والنقيع، فلا يجوز.
وأمّا إذا كان يسيرًا لا ينبذ بنفسه، لم يعتدّ به؛ لأنّه لا يحدث فيه الشدّة بانفراده، فلا يغيّر حكم المطبوخ.
قال: ولو صبّ قدح نقيعٍ في خابية مطبوخٍ أفسده، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ النقيع المشتدّ حرامٌ، والحظر والإباحة إذا اجتمعا فالحكم للحظر [دون الإباحة] (٣).
стр. 5583
بَابُ المُسكِرِ ما هو؟
قال: جملة هذا الباب: أنّ المسكر ما حدث عنه (١) السُّكْر، كما أنّ المشبع ما حدث منه (٢) الشبع، والمؤلم ما حدث منه الألم، وهذا المعنى هو القدح الأخير.
ولا يقال: إنّ السكر لا يقع بالجزء الآخر إلا بعد تقدّم الجزء الأول، فصار السكر بهما؛ لأنّ الأول لا يمتنع أن يكون سببًا، والعلةُ ما جاوره الحكم.
قال بشر عن أبي يوسف: المسكر عندنا القدح الأخير.
قال بشر: [وقال أبو يوسف]: وكان أبو حنيفة يقول: إنّما يحرم القدح الذي أسكر.
قال أبو يوسف: إن قعد يطلب السكر، فالأول عليه حرامٌ، والمقعد عليه حرامٌ، والمشي إلى المقعد عليه حرامٌ؛ وذلك لأنّ السكر إذا كان محرمًا، فما يتوصّل به إليه في حكمه، كما أنّ المشي إلى الزنا محرمٌ.
وروى محمدٌ عن أبي يوسف [عن الكلبي] عن أبي صالح عن ابن عباس أنّه قال: (الكأس المسكر هو الحرام) (٣)، وهذا يوافق قولنا، وليس يمتنع أن
стр. 5584
يختلف حدّ كثير الشيء وقليله، كما أنّ القليل من الدم يعفى عنه في الصلاة، وكثيره يمنع منه، وكما أنّ النفقة مباحةٌ والسرف فيها محرمٌ.
وقد قالوا: إنّ شُرْب البنج يجوز للتداوي، فإذا أزال العقل لم يجز.
قال أبو الحسن: واعلم أنّ الروايات عن رسول الله ﷺ بالتحريم ضربان: أحد الضربين محرمٌ لأجل ظرفه [الذي انتُبذ فيه]، وهو ما روي (أنّه نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفّت) ونحو ذلك (١)، وهذا الضرب منسوخٌ عندنا بسنة رسول الله ﷺ ، يعني: أنّه ورد عنه أنّه قال: "كنت نهيتكم عن الظروف، ثم رأيت أنّها لا تحرم شيئًا، فانتبذوا ولا تشربوا مُسكرًا" (٢).
قال: والضرب الآخر: التحريم لنفس المشروب، وهو قوله: "كلّ مسكرٍ حرامٌ" (٣)، واختلف العلماء فيما وقع عليه قوله: "كلّ مسكرٍ حرامٌ"، فقال طائفةٌ: هي الشربة التي يعقبها السكر، وقالت الطائفة الأخرى: ما أسكر كثيره فالمسكر واقعٌ على جميعه [قليله وكثيره]، والتأويل الأول أصحّ [عندنا].
والاختلاف المشهور عن الفقهاء وأهل الحديث ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنّ ما أسكر كثيره فقليله وكثيره حرامٌ، نيئًا كان أو مطبوخًا.
وقولٌ ثانٍ: وهو أنّ نيء ذلك إذا اشتدّ حرامٌ كثيره وقليله.
وقول ثالثٌ: أنّ نيء ذلك ومطبوخه حلالٌ، ما خلا ما خرج من الكرم
стр. 5585
والنخل، فإن نيء ذلك حرامٌ كثيره وقليله، ومطبوخه حلالٌ إلا الشَّرْبَة التي تُسْكِر.
وشرط بعضهم في مطبوخ العصير والزبيب: أن يذهب بالطبخ ثلثاه ويبقى ثلثه، ولم يشترطوا في غير العصير والزبيب ذلك.
وسوّى الفريق الآخر بين سائر ما يطبخ من ذلك إذا غيّرته النار عن حاله، ونقلته عما كان عليه، [قليلٌ ذهب منه أو كثيرٌ].
فأمّا [ما جاء] في نسخ التحريم بالظروف، فحديث أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ أنّه قال: "نهيتكم عن ثلاث: عن زيارة القبور، فزوروها، فقد أُذن لمحمدٍ في زيارة قبر أمّه، ولا تقولوا هُجْرًا، وعن لحوم الأضاحي أن تمسكوها فوق ثلاثٍ، فأمسكوها ما بدا لكم وتزوّدوا، فإنّا إنّما نهيناكم ليوسّع موسركم على فقيركم، وعن النبيذ في الدُباء والحَنْتَم والمزفّت [والمقيّر]، فاشربوا في كلّ ظرفٍ، فإنّ الظرف لا يحلّ شيئًا ولا يحرّمه، ولا تشربوا المسكر" (١).
وروى ابن مسعود عن النبي ﵇ نحو ذلك (٢)، وروى أبو بردة بن نيّار قال: قال رسول الله ﷺ : "اشربوا في الظروف ولا تسكروا" (٣).
وذكر أبو الحسن عن نعيم بن حماد قال: كنّا عند يحيى بن سعيد القطان بالكوفة وهو يحدثنا في تحريم النبيذ، فجاء أبو بكر بن عياش حتى وقف عليه،
стр. 5586
فقال أبو بكر: اسكت يا صبي! حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: شربنا عند ابن مسعود شرابًا صلبًا آخره يُسكر، وحدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر بن الخطاب حين طعن أُتي بنبيذ فشرب، قال: فعجبنا من قول أبي بكر ليحيى: اسكت يا صبي! (١).
[وعن عمرو بن ميمون قال: سمعت عمر يقول: إنّا نشرب هذا النبيذ الشديد ليقطع لحوم الإبل في بطوننا] (٢).
وذكر عن عبد الله بن الحارث قال: خرج عمر بن الخطاب حاجًا أو معتمرًا، فجعل له أمير من الأمراء طعامًا، فلم يبلغهم حتى اشتدّ النبيذ، فأُتي بالطعام فطعم، ثم أُتي بنبيذ زبيبٍ، فلما شمّه قطّب ثم قال: إنّ في زبيب الطائف لغرامًا، ثم دعا بماء فصبّه عليه ثم شرب (٣).
وعن سعيد بن المسيب: أنّ ناسًا من ثقيف أتوا عمر وهو قريبٌ من مكة، فدعا بأشربتهم (٤)، فأتوه بقدح من نبيذ، فقرّبه إلى فيه، ثم دعا بماء فصبّه عليه مرّتين أو ثلاثًا، وقال: إذا رابكم شرابكم، فاكسروه بالماء (٥).
وعن عليٍّ رضوان الله تعالى عليه أنّه قال: إنّ القوم ليجلسون على الشراب
стр. 5587
وهو لهم حلالٌ، فلا يزالون حتى يحرم عليهم (١). وهذا يدلّ على إباحة ما يسكر كثيره.
وقال الشعبيّ: شهد عندي عبد الرحمن بن أبي ليلى أنّه شرب نبيذًا [شديدًا] في الجرار الخضر عند البدريّة من أصحاب رسول الله ﷺ [من الأنصار] (٢).
وعن الشعبيّ قال: رزق عليٌّ ﵇ طلاءً (٣) من طلاء عانات، فشرب منه رجلٌ فسكر، فجلده (٤).
وقال عامر: شرب رجلٌ من إداوة عُمر، فسكر، فجلده عمر ثمانين (٥).
وذكر عن ابن عباس أنّه قال: حُرّمت الخمرة بعينها، القليل منها والكثير، والمسكر من كل شراب (٦).
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: شربت عند علي بن أبي طالب نبيذًا فخرجت من عنده عند المغرب، فأرسل معي قنبرًا مولاه يهديني إلى بيتنا (٧).
стр. 5588
وهذا محمولٌ على أنّه شرب ما يظنّ أنّه لا يغيره، فغيّره ذلك.
وذكر أبو بكر بن عياش عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "كلّ مسكرٍ حرامٌ"، فقلنا: يا ابن عباس: إنّ هذا النبيذ الذي يشرب ليسكرنا، قال: ليس هكذا، إن شرب أحدكم تسعة أقداح فلم يسكر فهو حلالٌ، وإن شرب العاشر فسكر فهو حرامٌ (١).
وذكر عن ابن مسعود قال: شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم، ثم شهدت تحليله كما شهدتم، فنسيتم وحفظت (٢)، وقال إبراهيم: المسكر الشربة التي تُسكر (٣).
وعن الحسن بن عليٍّ ﵇ أنّه سئل عن النبيذ فقال: اشرب، فإذا رهبت أن تسكر فدعه (٤)، وروي أنّ رجلًا أخذ بساق عليٍّ ﵇، فقال: أفتني في النبيذ، فقال: اشرب ولا تسكر (٥).
وذكر عن الشعبيّ وإبراهيم أنّهما كانا يشربان النبيذ المسكر (٦).
وعن عطاء وإبراهيم: لا يضرب في النبيذ إلا (٧) من سكر (٨).
стр. 5589
وذكر الحكم عن شريح أنه كان يشرب الطِّلاءَ الشديد والمُنَصَّف (١)، فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: وما ذاك؟ فدعا به إبراهيم [من أهله]، فسقاه أصحابه، فمنهم من شرب ومنهم من كره شربه (٢).
وذكر عن عائشة ﵂ أنّها سئلت عن نبيذ الجر، فقالت: يا نساء المؤمنين! إنكنّ تسألن عن أوعيةٍ وظروفٍ ما كانت على عهد رسول الله ﷺ ، فلتتق إحداكنّ ولا تشرب ما يسكرها، فإن أسكرها ماء حِبِّها فلتتجنّبه (٣).
وعن سعيد بن مسروقٍ قال: دعيت أنا وبكر بن ماعز إلى طعام فسقينا نبيذ الدَّنّ، فأبيت أن أشرب، قال: فنظر إلي نظرًا علمت أنّه قد مقتني (٤).
قال أبو الحسن: فهؤلاء الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بدر: عليٌّ وعمر وعبد الله بن مسعود وأبو مسعود (٥) ﵃ قد ثبت عنهم ما ذكرناه من تحليل شرب النبيذ، وما روي عن عليٍّ ﵇ من قوله: إنّ القوم يجلسون على الشراب وهو لهم حلال، فما يزالون حتى يحرم عليهم، فمعناه: أن يبلغوا السكر.
وروي عنه أنّه رزق الناس الطلاء، فشرب منه رجل فسكر، فحدّه، وما روي عن عبد الله بن مسعود، فهو [مطروح] (٦)، لأنّ علقمة روى أنّه شرب عنده
стр. 5590
نبيذًا صلبًا آخره يُسكر.
وقال أبو وائل: شربت عنده نبيدًا شديدًا (١)، وقول عبد الله: شهدنا تحريمه كما شهدتم، ثم شهدنا تحليله فحفظت ونسيتم، يدل على نسخ التحريم.
وحديث ابن عباس: ما ترك لناظرٍ شكًّا [ولا شبهةً] حين قال: حرمت الخمر لعينها، القليل منها والكثير، والسكر من كلّ شرابٍ، فأخبر أنّ قليل الخمر وكثيرها يحرم ما أسكر منه وما لم يُسْكِر، وأنّ السُّكْرَ من غيرها هو المحرم خاصّةً دون ما سواه.
وقد روى عمر وابن عباسٍ: كلّ مسكرٍ حرامٌ، فإباحتهما قليل ذلك دليل على أنّ التأويل ما قلنا، وهو: أنّ المراد بالخبر ما يكون عنده السكر، فانظر في الأخبار، فما ورد فيها من ذكر الظروف، فهو منسوخٌ [بما ذكرناه]، وما كان بلفظ: "كلّ مسكرٍ حرامٌ"، فالتأويل فيه ما قد دللنا عليه، [وأوضحنا أنه الشربة الأخيرة].
وقد روي لفظ آخر: أنه ﷺ قال: "ما أسكر كثيره، فقليله حرام" (٢)، وروي: "ما أسكر الفرق منه، فملء الكف حرام" (٣)، فلهما وجهان من التأويل: أحدهما: رواه بشر عن أبي يوسف أنّه إذا جلس على الشرب يقصد السكر، فالقليل والكثير حرامٌ.
والتأويل [الثاني] ما قدّمناه: أنّ المسكر جزءٌ منه، وهو ما أحدث السكر،
стр. 5591
وذلك حرامٌ.
فأمّا الحجة في تحريم ما لم يطبخ من التمر والزبيب، فما روينا عن ابن مسعود أنّه سئل عن السكر فقال: لم يكن الله ليجعل شفاءكم فيما حرم عليكم، فنصّ على تحريم السكر، وهذا القطع لا يكون إلا بنصٍّ، لولا ذلك لم يقطع على الله تعالى به (١).
* * *
стр. 5592
(٨٦) كتابُ الكفارات
(قال الشيخ رفع الله قدره (١): هذا كتابٌ أفرده الشيخ أبو الحسن ﵀، ولم يفرده أصحابنا، وإنّما ذكروا الكفارات (٢) متفرّقةً في مواضعها، وأكثر ما فيه من المسائل [قد] مضت.
قال أبو الحسن: قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، فابتدأ بكفارة اليمين؛ لأنّها أوسع الكفارات أنواعًا؛ ولأنّ البلوى بالأيمان أكثر من البلوى بأسباب الكفارات.
واليمين [عندنا] على ضربين: أحدهما: على الماضي، والآخر على المستقبل.
فالماضي على ضربين: لغوٌ وغموسٌ، ولا كفارة في واحدٍ منهما، وقد بيّنا ذلك في الأيمان.
وأمّا المستقبل: فهي اليمين المنعقدة، والكفارة تتعلّق بها لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩].
والكفارات تجب على وجهين: أحدهما: على الترتيب، ككفارة الظهار
стр. 5593
والقتل، والآخر: كفارة الأذى، وهو على التخيير، (وكفارة اليمين تجمع الترتيب والتخيير) (١)، فالتخيير بين الإطعام والكسوة والعتق، والترتيب بين هذه الأشياء وبين الصيام، والدليل على أنّه مخيّرٌ بين الأشياء الثلاثة؛ أنّ الله تعالى ذكرها بلفظ: (أو)، وظاهر هذا اللفظ يفيد التخيير؛ ولأنّه بدأ بالأخف وختم بالأغلظ، فلو كان، فلو كان مراده الترتيب لبدأ بالأغلظ وختم بالأخف.
وأمّا الإطعام إذا اختاره المكفّر، فهو إطعام عشرة مساكين كما قال الله تعالى، يجزئ في ذلك التمليك والتمكين؛ [فأمّا التمليك فلا خلاف فيه، وأمّا التمكين]؛ فلأنّ الله قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، (وإطعام الأهل يكون بالتمكين دون التمليك في العادة) (٢).
وأمّا صفة التمكين: فهو أن يغدّي المساكين ويُعشّيهم في يومٍ (٣)، فتحصل له الكفاف (٤)، أو يُعَشِّيهم ويعشّيهم في يومٍ آخر، أو يغدّيهم ويغدّيهم في يوم آخر، أو يعشيّهم ويسحرهم؛ وذلك لأنّ الأكل المعتاد الغداء والعشاء، وهما أكلتان مقصودتان، فإذا عشّاهم في يومين أو غدّاهم في يومين، فهو كأكلتين في يومٍ واحدٍ، إلا أنّه يجب أن يحصل في عددٍ واحدٍ؛ لأنّ الغداء والعشاء أقيم مقام ما يقع [به] التمليك للمسكين.
ولو فرّق حصّة مسكينٍ على مسكينين لم يجز، فكذلك إذا غدّى واحدًا وعشّى آخر مثله.
стр. 5594
وأمّا إن اختار التمليك: أعطى لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ من بُرّ، أو صاعًا من تمرٍ، أو شعير، وقال الشافعي: مُدًّا [مُدًّا] (١)، وقد بيّنا ذلك فيما مضى.
قال ابن سَماعة وبشر بن الوليد وعليّ بن الجَعْد: قال أبو حنيفة: إن غدّاهم وعشّاهم خبرًا وإدامًا أو خبزًا بغير أدم، أو سويقًا، أو تمرًا، أجزأه ذلك؛ لأنّ الله تعالى شبّهه بإطعام الأهل، فوجب أن يعتبر ما يقصد بالأكل في العادة، وهذه الأشياء تفرد بالأكل، فجازت في الكفارة؛ ولأنّ إطعام الأهل قد يكون مأدومًا ويكون غير مأدومٍ، فكذلك إطعام المساكين.
وقال ابن سَماعة عن أبي يوسف: إن أطعم مسكينًا واحدًا أو غدّاه وعشّاه أجزأه من إطعام مسكينٍ، وإن لم يأكل إلا رغيفًا واحدًا؛ لأنّ المقصود بالإطعام كفاية المسكين في اليوم، فلا معتبر بالقلّة والكثرة؛ لأنّ المقدار إنّما يعتبر في التمليك ليتحصل فيه الكفاية المعتادة، فإذا أمكنه فقد حصلت الكفاية.
قال: وإن أعطاه أربعة أرغفةٍ، فإن كان يعدل ذلك نصف صاع، أجزأه، وإن لم يعدل ذلك لم يجزئه؛ وذلك لأنّ الخبز لا يجزئ بنفسه، فلا بد أن يكون قيمة الطعام، فإن وفّى بقيمة نصف صاعٍ وإلا لم يجز.
وقال أبو يوسف: لو غدّى عشرة مساكين في يومٍ ثم أعطاهم مُدًّا مُدًّا، أجزأه؛ لأنّه جمع بين التمليك والتمكين، وكلّ واحدٍ منهما جائزٌ، ولأنّ الغَدَاءَ
стр. 5595
مقدّرٌ بنصف كفاية المسكين، والمدّ مقدّرٌ بنصف كفايته، فإن أعطى غيرهم مُدًّا مُدًّا، (أجزأه؛ لأنّه جمع بين التمليك والتمكين، وكلّ واحدٍ منهما جائزٌ؛ ولأنّ الغداء مقدّرٌ بنصف كفاية المسكين، والمُدّ مقدّر بنصف كفايته، فإن أعطى غيرهم مُّدًا مُدًّا) (١)، لم يجز؛ لأنه فرّق طعام العشرة على عشرين، فلم يحصل لكلّ واحدٍ منهم المقدارُ المقدّرُ.
قال: ولو أعطى قيمة العشاء فلوسًا أو دراهم أجزأه؛ لأنّ القيمة في الكفارة تقوم مقام المنصوص عليه، لما يحصل بها من منفعة المسكين.
وقال أصحابنا جميعًا: إن غدّى مسكينًا في يوم وعشّاه فيه حتى فعل ذلك في عشرة أيام متفرقةٍ أجزأه.
قال هشامٌ عن محمدٍ: وكذلك لو غدّى رجلًا واحدًا عشرين يومًا، أو عشّى رجلًا واحدًا في رمضان عشرين يومًا، أجزأه؛ وذلك لأنّ سدّ الجوعة في أيامٍ لواحدٍ كسدّ الجوعة في يومٍ واحدٍ لجماعةٍ، فإذا جاز أحد الأمرين جاز الآخر.
ولأنّ الكفارة يعتبر فيها القدر والعدد، فإذا جاز أن يتكرر الدفع في عينٍ واحدةٍ لمساكين، جاز أن يتكرر في مسكينٍ واحدٍ.
قال: فإن أعطى واحدًا طعام عشرةٍ في يومٍ واحدٍ لم يجزِه؛ وذلك لأنّ تكرار الدفع مستحَقٌّ، فإذا أعطاه في يومٍ واحدٍ فلم يتكرر الدفع، وليس يمتنع أن يجوز الدفع المفرّق، ولا يجوز الدفع مجتمعًا، كما يجوز رمي الجمار إذا تفرّق الرمي، ولو رمي الجمار دفعةً واحدةً لم يجزِهِ إلا عن واحدةٍ.
стр. 5596
وقالوا جميعًا: إن أعطى من الطعام المنصوص عليه بعضًا [دون] (١) بعضٍ، وهو أقلّ من كيله [عن قيمة الآخر]، لم يجزه؛ وذلك لأنّ المنصوص عليه في الإطعام يقصد به معنى واحدًا، وإذا أخرج الثمن عن الحنطة وقع عن نفسه، كما لو أخرج الحنطة عن الحنطة، وإذا وقع عن نفسه اعتبر كيله.
قال: والغرض من الطعام من البرّ ما يخرج منه من الدقيق والسويق؛ لأنّ المقصود بالحنطة دقيقها أو سويقها، فإذا دفع ذلك فقد وفّاه المقصود، وأسقط عنه مؤنة الطحن.
فأمّا الأرز والذرة والجاروس (٢)، فيجوز عن المنصوص بالقيمة، فلا يعتبر تمام كيله؛ لأنّ النص لم يتناوله، فصار كالدراهم، وذكر عن عليٍّ ﵁ قال: كفارة اليمين لكلّ مسكين نصف صاعٍ من حنطةٍ [أو صاعٌ من شعيرٍ أو تمرٍ] (٣).
وعن عمر ﵁ قال: لكلّ مسكينٍ مُدَّان من حنطةٍ، أو صاع من تمرٍ أو شعيرٍ (٤). وعن عائشة: كفارة اليمين نصف صاعٍ بُرًّا أو صاعٌ تمرًا لكلّ مسكينٍ (٥).
وذكر عن الحسن: أنّه يجوز الغداء والعشاء في كفارة اليمين (٦).
стр. 5597
وعن سعيد بن المسيب قال: لكلّ مسكينٍ مدّان أو صاعٌ من تمرٍ (١).
وعن أبي مالكٍ (٢) قال: كفارة اليمين نصف صاع من برٍّ لكلّ مسكين (٣).
[وعن مجاهد قال: كلّ كفّارةٍ في القرآن فنصف صاعٍ نصف صاعٍ من برٍّ لكل مسكين] (٤).
وعن ابن عباس: لكلّ مسكينٍ مُدّان من حنطة بغير إدامٍ (٥). وهذا قول مشهورٌ عن السلف، فلم يمتنع خلافه.
* * *
стр. 5598
بَاب الكفارةِ بالكسوةِ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا أراد المكفّر الكسوة، كسا عشرةَ مساكين، وأدنى الكسوة ثوبٌ جامعٌ، لكلّ مسكينٍ قميصٌ (١)، أو كساءٌ أو ملحفةٌ، أو إزارٌ، أو جبّةٌ، أو قِباءٌ، ولا يجزئ في ذلك العِمامة ولا القَلَنْسوة ولا السراويل، روى ذلك ابن سماعة، وبِشر وعليّ بن الجَعد عن أبي يوسف، ورواه الكيساني عن محمدٍ في إملائه، وروى هشام عن محمدٍ: أنّ السراويل [تجزئ] (٢).
قال: وإن كان الإزار صغيرًا لم يجزئه، وإن كان كبيرًا أجزأه.
والأصل في هذا: أنّ الله تعالى أوجب الكفارة بلفظ الكسوة، فما يتناوله الاسم يجزئ، وما لا يتناوله لا يجزئ، والقميص والملحفة والجبّة والقباء يقال للابسها مكتسي، فتجزئ في الكفارة، فأمّا القلنسوة والخفّ فلا يسمى لابسها مكتسيًا، فلا تجزئ.
وأمّا العمامة، فهي محمولةٌ على عمامةٍ لا تتمّ القميص، فلا تجزئ (٣)؛ لأنّها كسوة الرأس كالقلنسوة؛ ولأنّ إطلاق الكسوة لا يتناولها.
فأمّا السراويل: فالصحيح عندهم أنّه لا يجوز؛ لأنّ لابسه يقال [إنّه]
стр. 5599
عريان، فلم يتناوله اسم الكسوة، وقد روي عن محمدٍ أنه قال: يجوز؛ لأنّ الصلاة تجزئ فيه، فصار كالقميص.
قال أبو يوسف: ولا تجزئ الكسوة عن الطعام إلا بالنية، ومعنى ذلك: إذا أعطى في الكسوة [ما لا يجزئ عن الكسوة، ولم ينو البدل عن الإطعام، لم يجزِ عن واحدٍ منهما.
وقال محمدٌ: إذا لم يجز عن الكسوة] وكان قيمة الطعام جاز عن الطعام وإن لم ينو.
وجه قول أبي يوسف: أنّ البدل لا يجزئ إلا بالنية ولم ينو البدل، وإنّما قصد أن تجزئ الكسوة نفسها، فلم يجز عن الكسوة؛ لأنّها ليست كاملةً، ولم يجز عن الطعام؛ لأنّه لم يقصد ذلك.
وجه قول محمدٍ: أنّه نوى بما أعطى التكفير، وذلك لا يجوز إلا على وجه القيمة للطعام، فكأنّه نوى ذلك.
وقد اتفقوا أنّه لو أعطى المساكين دراهم ينوي الكفارة وهي لا تبلغ قيمة الكسوة، وتبلغ قيمة الطعام، جازت عن [الطعام، وإن كانت لا تبلغ قيمة الطعام وتبلغ قيمة الكسوة، جازت عن] الكسوة؛ لأنّها لا تكون إلا بدلًا؛ فإذا أخرجها بنية الكفارة، فإنّه نوى البدل.
وليس كذلك الكسوة على قول أبي يوسف؛ لأنّها تجزئ عن نفسها تارةً وعن غيرها أخرى، فلم يقصد بإطلاق إخراجها البدل، فلا يكون بدلًا إلا بالنية.
و [قد] قال أبو يوسف: لو أنّ رجلًا عليه كفارة يمينٍ، فأعطى عشرة مساكين:
стр. 5600
مسكينًا نصف صاعٍ [من] حنطة، ومسكينًا صاعًا من شعير، ومسكينًا صاعًا من تمر، ومسكينًا ثوبًا، أو غدَّى مسكينًا أو عشاه، ذلك لم يجز، حتى يجمع عشرةً كما أمر في إطعام نصف صاع من برّ أو صاعًا من شعير؛ وذلك لأنّ الكفارة إمّا أن تكون من الإطعام أو الكسوة، فأمّا الجمع بينهما فهو نوعٌ رابعٌ، فلا يجوز، لكنه إذا اختار الإطعام جاز أن يعطي مسكينًا حنطةً، ومسكينًا شعيرًا؛ لأنّ اسم الإطعام يتناول جميع ذلك.
وأمّا إذا أعطى نصف صاع تمرًا جيدًا يساوي نصف صاع من بُرٍّ، لم يجز؛ لأنّ التمر منصوصٌ عليه في الإطعام كالبرّ، فلا يجزئ أحدهما عن الآخر، كما لا يجزئ التمر عن التمر، ويجزئ التمر عن الكسوة؛ لأنّ المقصود لكلّ واحدٍ منهم غير المقصود بالآخر، فصار كالجنسين (١) المختلفين، فجاز أن يخرج أحدهما عن الآخر بالقيمة.
وذكر أبو الحسن عن الزهري في قوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، قال: إزارٌ فصاعدًا لكلّ مسكين (٢).
وعن أبي موسى الأشعري: أنّه كسا ثوبًا ثوبًا (٣).
وعن إبراهيم قال: لكلّ مسكين ثوبٌ جامعٌ، [طيلسان أو بتٌّ (٤) أو ملحفةٌ (٥)،
стр. 5601
وعن سعيد بن المسيب قال: لكلّ مسكينٍ] عباءةٌ وعمامةٌ (١).
وعن ابن عباسٍ: ثوبٌ ثوبٌ لكلّ إنسانٍ (٢)، وقد كانت العباءة يومئذٍ تقضي عن الكسوة.
وعن مجاهد قال: أدناه ثوبٌ، وأعلاه ما شئت (٣).
وذكر ابن سيرين: أنّ أبا موسى الأشعري كسا عشرة مساكين في كفارة اليمين ثوبين ثوبين من معقد البحرين (٤).
وعن الحسن قال: ثوبٌ ثوبٌ (٥)، وعن ابن سيرين والحسن قالا: ثوبان لكلّ مسكينٍ (٦)، يعني لمن طاب بذلك نفسًا.
وعن عطاء قال: كانوا على عهد رسول الله ﷺ يعطون في كفارة اليمين المساكين في الكسوة: عباءةً لكلّ مسكين (٧)(٨).
* * *
стр. 5602
بَاب باب الكفارة بالعتقِ
وإذا أعتق الرجل عن يمينه عبدًا صغيرًا أو كبيرًا، مسلمًا أو كافرًا، أجزأه.
أمّا الصغير، فلقوله تعالى: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا عامٌّ في الصغير والكبير؛ ولأنّها رقبةٌ كاملة الرقّ والأعضاء، كالكبير.
ولا يقال: إنّ الصغير ليس لأعضائه منافع، فهو كالزَّمِن؛ لأنّ الصغير منافع أعضائه كاملةٌ، وإنّما فيه ضعفٌ، فيصير كالكبير الضعيف.
ولا يقال: إنّ الإطعام للصغير لا يجوز، فكذلك العتق؛ لأنّ الإطعام [يجري] (١) على طريق التمليك.
وإنّما قالوا: لا يجوز تمكين [الصبيّ] الصغير؛ لأنّه لا يأكل الأكل المعتاد.
٢٩٤٩ - فَصْل: [الكافر يجزئ في كفارة اليمين]
أمّا الكافر، فيجزئ في كفارة اليمين والظهار، وقال الشافعي: لا يجزئ (٢).
لنا: قوله تعالى: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وهذا عامٌّ، ولأنّها رقبةٌ كاملةٌ الرقّ والأعضاء، فجازت في الكفارات كالمسلم.
ولا يلزم كفارة القتل؛ لأنّ التعليل لجوازها في الكفارات دون التعيين.
стр. 5603
ولا يجوز أن يقاس كفارة اليمين على كفارة القتل؛ لأنّ قياس المنصوص على المنصوص لا يجوز عندنا؛ ولأنّ شرط الإيمان في كفارة الظهار واليمين زيادةٌ في النص، وكذلك لا يجوز عندنا بالقياس ولا بخبر الواحد، فلو قسنا على كفارة اليمين، لزدنا في النص بالقياس.
ولا يقال: إنّ هذا تخصيصٌ وليس بزيادةٍ؛ لأنّ من جوّز الرقبة المؤمنة، لم يجوّزها لأنّها رقبةٌ حتى ينضمّ إليها الإيمان، وهذا معنى قولنا: إنّها زيادة.
٢٩٥٠ - فَصْل: [الكفارة بعتق الحمل]
فإن أعتق حملًا لم يجزه وإن ولد بعد يوم حيًا؛ وذلك لأنّ الحمل ناقصُ الخلق ما لم ينفصل، ألا ترى أنّه لا يُبصر، فصار كعتق العبد الأعمى.
قال: وإن أعتق مُدبّرًا أو أمّ ولدٍ، لم يجزه؛ وذلك لأنّ رقّهما ناقصٌ، ألا ترى أنّ حق [التدبير والاستيلاد] (١) منع من جواز التصرّف فيهما، والمستحقّ عليه عتق رقٍّ كاملٍ؛ ولأنّ حقّ الولاء ثابتٌ لهما بالتدبير والاستيلاد، فإذا أعتقهما لم يثبت الولاء بالعتق، وإنّما يثبت بالسبب السابق، والعتق المستحقّ في الكفارة هو الذي يوجب الولاء، فأمّا المكاتَب إذا أدّى شيئًا لم يجز عتقه؛ لأنّه سلّم للمولى عوضًا عن رقّه، فإذا أعتقه مع سلامة العوض، صار كالعتق ببدلٍ.
وأمّا إذا لم يؤدّ شيئًا، فلم يسلّم له بدلًا عن رقبته (٢)، وإنّما هناك [حريّةٌ] (٣)
стр. 5604
متعلّقةٌ بشرطٍ في حال الحياة، فيصير كما لو علق عتقه بدخول الدار.
قال: ولو أعتق عبدًا أعوَر، أو مقطوع إحدى اليدين أو الرِّجلين، أو اليد والرِّجل من خلاف، أجزأه؛ وذلك لأنّ منفعة الجنس باقيةٌ، فصار كالمقطوع الأصبع والمشجوج.
وأمّا الأعمى (١) والمقطوع اليدين [أو الرجلين]، أو المقطوع اليد والرجل من جانبٍ واحدٍ فلا يجزئ؛ لأنّ منفعة الجنس معدومةٌ، فصار كالميت.
وأمّا المجنون المغلوب فلا يجزئ؛ لأنّ منفعة الجنس معدومةٌ، ولأنّ الجنون يبطل منافع جميع الأعضاء.
وأمّا الأصم، فالقياس أن لا يجوز؛ لأنّ منفعة الجنس معدومةٌ، وفي الاستحسان: أنّه يجوز؛ لأنّه إذا بُولغ في الصياح، فدلّ على أنّ منفعة الجنس لا تعدم، وإنّما تنقص، وقد قيل: إنّ السمع لا يفوت إلا في الأخرس، وذلك لا يجوز في الكفارة.
قال: ولا يجوز المفلوج واليابس الشقّ؛ لأنّ منفعة البطش معدومةٌ.
قال: والعبد بين رجلين إذا أعتق أحدهما حصّته (٢)، لم يجز، وإن كان المعتق موسرًا فضمنه شريكه، فإنّه لا يجزئ عند أبي حنيفة، ويجزئ عند أبي يوسف ومحمدٍ.
وأمّا إذا كان المعتق معسرًا فلا يجوز عتقه؛ لأنّ السعاية تجب على العبد
стр. 5605
في نصيب الشريك، فيصير كالعتق بعوض، فلا يجزئ وإن أُبرئ من العوض.
وأمّا إذا كان موسرًا، فعند أبي حنيفة: أنّ العتق يتبعّض، فإذا أعتق أحدهما عتق نصيبه واستحقّ النصف الآخر حقّ الحريّة (١)، وذلك نقصٌ فيه، وهذا النقص لم ينصرف إلى الكفارة، فإذا ضمن فأعتق الباقي فكأنّه أعتق عبدًا إلا شيئًا (٢).
وليس كذلك إذا كان العبد كلّه له، فأعتق نصفه، ثم أعتق باقيه؛ لأنّ عتق النصف أوجب نقصًا في النصف الآخر، وذلك النقص انصرف إلى الكفارة؛ لأنّه على ملكه، فإذا أعتق الباقي، صار كمن أعتق النصف وزيادة جزءٍ، ثم أعتق الباقي.
وأمّا على قولهما (٣): فالعتق لا يتبعّض، فإذا أعتق أحدهما وهو موسرٌ، عتق الجميع، ولم يلزم العبد سعايةٌ، فكأنّه ملكه ابتداءً ثم أعتقه.
قال: وإذا اشترى أباه ينوي به العتق عن يمينه، أجزأه استحسانًا، وكذلك لو وُهب له [أو تُصدّق به عليه]، أو أُوصي له به، فإن ورثه ونوى به العتق عن يمينه، لم يجزئه.
وجه القياس: أنّ عتق الأب مستحَقٌّ لغير الكفارة، كأمّ الولد.
وجه الاستحسان: أنّ السبب الذي يتعلّق به الحريّة من جهته هو الشراء، وقد وجد مقارنًا لنية الكفارة، فصار كما لو أعتق عبدًا عن كفارة يمينه.
وإنّما استوى الشراء والهبة [والصدقة] والوصية؛ لأنّ الملك يقع في جميع