← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30053

الكاشف لدقائق المفردات القرآنية

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (544 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد لله الذي أنزل كتابه الكريم نورًا وهدى وتبصرة، وبيَّن لنا فيه شرعَه الحكيم ويسَّره، وأصلّي وأسلّم على نبيه الكريم الذي بشّر به كلَّ عبد من إنس وجن وأنذَره، وعلى آله وصحبه وكل من تبعه وعظّمه ووقَّرَه، أما بعد: فهذه خلاصة أقدّمها بين يدي القارئ الكريم، تناولتُ فيها دقائق المفردات القرآنية مع بعض الجمل وأشباه الجمل التي قد يُشكل فهمُها على القارئ؛ فبيّنت معانيها بأسلوب واضح مبسط، مستنيرة بعدد من المراجع المعتبرة: من كتب التفسير وعلوم القرآن، وكتب العقيدة، والفقه، ومعاجم اللغة. ولقد منّ الله عليّ بالبحث عن هذه الدقائق، ورأيتني في رحلة التدبر أتنقّل بين خمائلَ وارفة: تشرق من بينها شمس المعاني فتغمرها بالجمال والدفء، وتبعث فيها الضوء ببيان آسر، ونور باهر يظهر من خلاله سيل يتدفق بين السطور كما يتدفق الماء المَعين؛ فتتفتّق تلك الألفاظ كما يتفتّق الورد في أكمامه، وتكتمل المعاني كما تُكمّل الأزهارُ والثمار جمال الروض الأنيق. فأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل ومن أسهم فيه من المقبولين، وأن يعمّ بنفعه الأمة والدِّين!! وأسأله تعالى أن يتجاوز عن السهو والتقصير، فما هذا البحث في عظمة كتاب الله إلا جهد يسير؛ بل هو نعمة تُشعر المرء بالعجز عن شكر ربه، وأجدني أصف هذا الجهد المتواضع بكلمات كتبتها بمشاعر القلب، لا بمداد القلم:

стр. 2

لك الحمد ربي مستفيضًا بلا عددْ … لك الحمد كل الحمد دومًا بلا أمدْ لك الحمد يا منّان تعطي تفضُّلا … وخير العطايا في هداية من رشَد لك الحمد في نور الكتاب غمرتني … به أشرقت نفسي وقلبيَ والجسد وهذا يراعي في سبيلك ظاميا … على منهل المجد المؤثل قد ورد ومن سلسبيل الخير ما زال يرتوي … به أمتلي شوقًا إلى الواحد الأحد فمن فيضهِ ساحاتيَ الجُرد أورقت … كقيعان قفرٍ هزّها الماء والبرَد لك الحمد بالفضل العظيم حبوتني … ففي خدمة القرآن تشريف من عَبد وأضحَى انغماسي في كتابك جنتي … ومأوى فؤادي كلما نالني الكبد فمن روضهِ أجني قطاف حروفه … وأحذي بها من للتدبّر قد قصد فلم آلُ بحثًا كي أنال مطالبي … ولم آلُ جهدًا فيه، من جدّ قد وجد فيا رب أرجوك القبول لمنحة … فأنت المرجّى في الحوائج والصمد وأزجي صلاتي للنبي وآله … صلاة وتسليمًا عليه إلى الأبد

стр. 3

شكر وتقدير الحمد لله أوّلًا وآخرًا على ما وفّقني له من إتمام هذا الكتاب؛ فمن مِنَّة الله تعالى عليّ وفضله العظيم أن جعل اشتغالي بكتابه الكريم، ثم منَّ عليّ مرة أخرى بطباعته؛ ليكون عِلمًا نافعًا، وأسأل الله تعالى الإخلاص والقَبول. وأقدّم عظيم الشكر والعرفان لوالدَيّ الكريمَيْن اللذين غرسا في مهجتي حبَّ القرآن. والشكر موصول لزوجي الفاضل الدكتور/ عبد الله بن محمد بهجت، على دعمه المادي والمعنوي وعونه المستمر وتشجيعه، وإعادة إرسال المفردة لمجموعاته؛ ليعظم الأجر بالنشر. كما أتقدم بفائق الشكر والتقدير لسماحة الشيخ الدكتور/ مساعد الطيار؛ على توجيهاته وإرشاداته الكريمة التي كان لها عظيم الفائدة. وللدكتورة الفاضلة/ منال العتيبي؛ على الآراء النيرة. والشكر للأستاذ الفاضل/ ماجد عبد الغني، من مركز تفسير؛ لتسهيل التواصل مع العلماء. ثم أشكر كل من ساهم في إخراجه وتوفير المعلومة وتيسير الوصول إليها، وعلى رأسهم: القائمين على (المكتبة الشاملة والباحث القرآني) فكم ساهمَتَا -بفضل الله- في تيسير البحث والكتابة. كما أشكر أختي الفاضلة الدكتورة/ نجلاء بنت عبد اللطيف كردي، أستاذ البلاغة والنقد بكلية التربية؛ على ما منحتني من عزيز وقتها لتصحيح بعض الأخطاء اللغوية. وكذلك أختي الدكتورة/ زينب بنت عبد اللطيف كردي، أستاذ البلاغة والنقد بجامعة الإمام؛ فقد أعطتني من وقتها وأفكارها الكثير خاصة في طريقة تنظيم الكتاب وعرضه. والشكر ممتدٌّ للمشرف العام على مركز «ألوان الطيف» للنسخ والتصوير بجدة، الأستاذ/ عبد الوَهّاب سعد سالم؛ على تفضّله بمراجعة المادة لغويًّا، وبذله الجهدَ في إنجازه في وقت يسير. ولشركة «مجموعة القمة» التي كان لها المبادرة في تصميم الكتاب بشكل رائق أول الأمر. ثم لمركز «خاطر للخدمات العلمية والدراسات» الذي تولّى الكتاب بعد ذلك بالتصميم، وإتمام المراجعة والتدقيق اللغوي وحسن الإخراج الفني، حتى جاء الكتاب في هذه الحُلَّة القشيبة. وأخص بالذكر: المشرف العام على المركز د. أحمد خاطر، الذي أشرف على الكتاب في جميع مراحله وأدق تفاصيله، جزاه الله خيرًا.

стр. 4

أهداف الكتاب ١ - جمْعُ ما تفرّق في كتب التفسير، وتناوُلُ أكبر عددٍ ممكن من المفردات والجُمل. ٢ - إدراج جميع المعاني المحتملة للمفردة التي من شأنها إثراء المعنى وتوضيحه في السياق. ٣ - بيان معاني المفردات التي لم تعرّج عليها بعض التفاسير واستقصاؤها؛ لتجلية المعنى من الإبهام والغموض. ٤ - إبراز المعاني وتوضيحها بأسلوب ميسرٍ بعيدٍ عن تشتيت كثرة الأقوال والإحالات؛ ليفهمه العامي وغير المتعلم.

стр. 5

أصل الكتاب هذا الكتاب في الأصل عبارة عن مفردات منفصلة كنت أقوم بتلخيصها من كتب التفسير، ثم أرسلها واحدة تلو الأخرى عبر وسائل التواصل، وكنتُ قد عيّنتُ لها صفحةً في موقعي على الإنترنت، وشاء الله أن توقّفتُ عند عدد المئتين، لكني وجدت الحث من بعض القراء على مواصلة الإرسال والإفادة؛ فكنت كلما قرأت القرآن الكريم وتوقّفت عند لفظة معينة أو جملة، أبحث عنها ثم ألخّص المعنى من مجموعة كبيرة من التفاسير؛ لأُلِمّ بأوسع معنًى للمفردة ثم أرسلها على الصفحة، حتى بلغ مجملُها أكثر من ثمانمائة مفردة وجملة؛ مما استدعى جمعها وتوثيقها في كتاب ليسهل الرجوع والوصول إليها. وفي الحقيقة كنت أحرص أشد الحرص على توصيل المعلومة الصحيحة، كيف لا وهو كتاب الله تعالى وتفسير كلامه؟! فكان تلخيص المفردة الواحدة يأخذ وقتًا طويلًا في البحث والكتابة، ثم المراجعة عدة مرات، والنّظر في التفاسير المختلفة، وسؤال الله أن يلهمني الصواب.

стр. 6

منهج الكتاب * قسَّمت الكتابَ إلى بابين رئيسين: باب المفردات. باب الجمل وأشباه الجمل. * وجاء الترتيب في الباب الأول منهما على النحو التالي: - رتبت المفردات الرئيسة بحسب حروف الهجاء لجميع حروف الكلمة، بدون تجريدها من أحرف الزيادة، عدا (أل) التعريفية. - جمعت الألفاظ المشتقة من جذر واحد؛ لتسهيل الربط، وتقريب المعنى، وتيسير الفهم. - بينت معنى المفردة، والمعاني الأخرى المحتملة إن وجدت. - وضحت المعنى اللغوي -إذا احتاج الأمر- والمعنى السياقي والتفسيري. - ميَّزتُ المفردة باللون الأحمر ضمن الآية. - أدرجتُ بعض المفردات المتتابعة: ك (العاديات، ضبحًا، الموريات، قدحًا … ) مع بعضها في مفردة واحدة؛ لصعوبة الفصل، ولاكتمال المعنى. - تجاوزتُ بعض المفردات المشتقة لوضوحها، واقتصرت على الألفاظ الغريبة في الغالب للاختصار والإيجاز. رصّعتُ الكتاب ببعض الفوائد المتعلقة بموضوع المفردة؛ لإضفاء مزيد من المتعة عند القراءة. * وأما الباب الثاني -باب الجمل وأشباه الجمل- فقد جاء ترتيبه كالتالي: - جمعت جمل كل سورة في موضع واحد، متسلسلة بتسلسل آياتها داخل السورة. - رتبت السور على حسب موقعها في المصحف الشريف من الفاتحة إلى الناس. - عنونت لكل جملة برقم الآية الواقعة فيها.

стр. 7

- وما عدا ذلك فقد سرت فيه مسيري في الباب الأول؛ من حيث: ضم المتشابهات، وذكر الفوائد اللغوية والتفسيرية، وغيرها مما نُص عليه في الباب الأول. * أفردتُ جزءًا لحروف المعاني، وآخر لأسماء الله الحسنى الواردة في القرآن الكريم، وثالثًا لمعاني أسماء يوم القيامة، ورابعًا لأسماء الجنة والنار. * حرصت على تسهيل اللغة والبعد عن التكلف؛ لتكون المادة العلمية في متناول جميع الفئات. * عندما تتعلق المفردة بمفردة أخرى فإني أحيل إليها: «انظر: مفردة (كذا)». المعنى والشرح: وضعتُ الأولوية لتقديم المفردة الرئيسة في الشرح، ثم أُتْبِعُها بما يستدعي توضيحه في الآية، أمّا في باب الجُمل وشبه الجُمل: فقد أبدأ بشرح الآية بُغْيَة الوصول للمعنى المطلوب بسهولة ويسر. قسم الفهرس: * الفهرس بمثابة المفتاح الذي يساعد الباحث في الوصول السريع إلى غايته، وقد ضمَّ الفهرس جميع الآيات والمفردات الواردة في الكتاب؛ سواء المستقلة، أو التابعة لغيرها. * رُتِّبَتِ الآيات في الفهرس بحسب ترتيب السور والآيات في القرآن الكريم، مع تمييز الكلمات محل التفسير باللون الأحمر، بالإضافة إلى إدراج رقم الآية، ورقم الصفحة. * عند تكرار الآية في أكثر من موضع، فإنه يُكتفى بذكر الآية مرة واحدة، مع الإشارة إلى أرقام الصفحات التي وردتْ فيها الآيةُ الكريمة في عموم الكتاب. * من خلال هذا الفهرس الشامل الموسع سيتمكن القارئ الكريم من البحث بسهولة ويسر في جميع أبواب الكتاب، ومعرفة الكلمات القرآنية محل التفسير. إيمان بنت عبد اللطيف بن كامل كردي iemanku@gmail.com

стр. 8

باب المفردات في القرآن الكريم

стр. 9

حرف الألف أبابيل قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾ [الفيل: ٣ - ٥]. (أبابيل) أي: جماعات متفرقة يتبع بعضها بعضًا. فقد أرسل الله على جيش أبرهة الحبشي الذي قدم لهدم الكعبة المشرفة جماعات من الطير تحمل في منقارها حجارة من (سجيل) أي: طين بالغ الحرارة؛ حتى أهلكهم عن بكرة أبيهم. (كعصف مأكول): فجعلهم كعصف مأكول؛ أي: كزرع أكلته البهائم وداسته بأقدامها حتى تفتّت. ابتلوا قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]. (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) البلاء هنا: من الاختبار والامتحان؛ يوصي الله تعالى الأوصياء على اليتامى أن يضعوهم تحت التجربة، ويُجربوهم في البيع والشراء وحسن التصرف في المال. (بَلَغُوا النِّكَاح) أي: سن النضج والقدرة على الاستقلال، وليس بالضرورة النكاح ذاته، ولكن ذُكِر النكاح هنا؛ لأن الشخص الذي يصلح للنكاح غالبًا لديه العقل والقدرة على التصرف السليم. (رُشْدًا) الرُّشد هنا لا يعني بلوغ سن الرشد، ولكن المراد: إن أبصرتم فيهم تصرفًا صحيحًا في أموالهم. (وَلَا تَأ كُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا) الآية تنهى عن ثلاثة أمور: ١ - لا تأكلوا أموال اليتامى وهم صغار في حالة عدم تمكنهم من أخذها منكم. ٢ - لا تسرفوا؛ فمثلًا: إذا كان يكفيه عشرة فلا يأخذ خمسة عشر. ٣ - لا تبادروا بأكلها وإنهائها قبل أن يكبروا؛ فلا يجدوا منها شيئًا. الأبرار قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]. من هم الأبرار؟ جاء وصفهم أنهم أهل الجنة بعامّة، وجاء وصفهم أنهم المرتبة الأدنى من مرتبة المقربين؛ نعرف ذلك من سياق الآيات ومن القاعدة التفسيرية المعروفة التي سيأتي ذكرها، وقد ذكر القرآن الكريم مراتب أهل الجنة بأسمائهم:

стр. 10

- فالأبرار: هم المتقربون إلى الله بالفرائض والواجبات، دون حرص على المستحبات، ولكن المهم أنهم تركوا ما حرّم الله عليهم، ولم يتعدّوا حدودَه. وقد سمّاهم القرآن بمسميات عدة: فهم أصحاب الميمنة، وأصحاب اليمين، والمقتصدون، والأبرار. - أما المقربون: فيزيدون على ذلك بالتقرب إلى الله بالنوافل بأنواعها بعد الفرائض. وقد جاء وصفهم في القرآن بأنهم: السابقون، والمقرّبون، وعباد الرحمن. فإذا كان سياق الآيات في محل مقارنة مع مراتب أهل الجنة -وهم المقربون- فالأبرار هم: المقتصدون، وهم الدرجة الأقل من المقربين. أما إذا أفرد (الأبرار) فيراد بهم: المقربون ومَن دونهم؛ على قاعدة: «إذا اجتمع اللفظان افترقا في المعنى، وإذا افترقا اجتمعا». وتنطبق هذه القاعدة على كثيرٍ مِنْ الأسماء الواردة في القرآن الكريم؛ كالإسلام والإيمان، والإيمان والعمل الصالح، وكذلك: اجتماع البرّ والتقوى، والإثم والعدوان، والفقير والمسكين، وغير ذلك. - ففي سورة الإنسان: قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] فالمقتصدون يشربون من كأس خمر ممزوجة بالكافور. ثم قال : ﴿عَيْنا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرا﴾ [الإنسان: ٦] أي: الكافور التي مُزجتْ بالخمر للأبرار المقتصدين إنما هي عين في الجنة يشرب منها المقربون صِرفًا، ووصفهم أيضًا بأنهم عباد الله. - وفي سورة المطفّفين: قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٢]، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]، قد عقد مقارنة بعدها مع المقربين؛ فالأبرار هنا هم الدرجة الأقل. - وكذلك الأمر في سورة الواقعة: قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، وقال: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠ - ٩١]، فأصحاب اليمين هنا: هم المقتصدون الأبرار الأقل درجة من السابقين؛ وذلك لأن سياق الآيات يضم مقارنة بين السابقين وأصحاب اليمين. * أما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] فالأبرار هنا عامّة في الإشارة لجميع أهل الجنة.

стр. 11

* وكذلك: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩]، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٨] فهي عامة في الإشارة لأهل الجنة جميعهم. * أما لفظ (أولياء الله) في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] فهو يشمل جميع أهل الجنة؛ من الذين يدخلون بغير سابقة خوف ولا حزن يوم القيامة. فبعض أهل الجنة يدخلونها بعد معاناة من الخوف والفزع والحزن وشدة الحسرة، بل وبعد دخول النار .. نسأل الله السلامة!! أبق قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٠]. الإِباقُ: هو هربُ العبدِ من سيده. وهو في حق النبي يونس ﵇: - هربه من التكليف الذي أمر به؛ وهو البقاء والدعوة في قومه إلى أن يأذن له ربه. - الهرب خوفًا على نفسه من قومه بسبب تكذيبهم إيَّاه، وتهديده لهم بالعذاب؛ فخرج غاضبًا منهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. (ذا النون): صاحب الحوت، وهو النبي يونس ﵇؛ سمي بذلك لابتلاع الحوت له. و (الفلك المشحون): السفينة المشحونة -أي: المملوءة- لأنها مكتظة بالركاب. فائدة: ظن يونس ﵇ أن في خروجه -حينما ضاق من قومه- الهربَ إلى فسحة الدنيا، ولا يدري أنه سائر بأقدامه إلى محبسه الأبدي إلى يوم البعث، لولا أنْ منَّ الله عليه وجعل له مخرجًا من ذلك الكَرب؛ بقربَةٍ له عند ربه أنه كان المسبِّحين. أبوابًا قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابا﴾ [النبأ: ١٩]. (أَبوابًا) أي: فُتِحَتْ وانفرجتْ؛ فتكون كلها أبوابًا يخرج منها الغمام وتنزّل منها الملائكة.

стр. 12

وبعد أن كانت سقفًا محفوظًا وسبعًا شدادًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادا﴾ [النبأ: ١٢] تكون يوم القيامة واهية ضعيفة كثيرة الفُرُج، ثم تطوى وتُزال. فائدة: جاء وصف السماء يوم القيامة بأوصاف كثيرة، نستطيع الخروج منها بوصف عام: قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٥ - ١٦]. ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ الآيَةَ [الانشقاق: ١]. ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩]. ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]. ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]. ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨]. ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١]. ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرا﴾ [الطور: ٩]. فالسَّماءَ يوم القيامة تتشقق وتنفرج بِالغَمام، والملائكة على أرجائها ينزلون من كل سماءٍ صفًّا صفًا، يحيطون بالخلائق في أرض المحشر. وينْزِل اللهُ في ظُللٍ من الغمام من العرش إلى الكرسي؛ للفصل بين العباد. فهذه السماوات التي فوقنا تمور وتضطرب وتتحرك، وتصبح كالزيت أو المعدن المنصهر وتطمس أنوارها، ثم تُكْشَط؛ أي: تُزَال عن مكانها، كما يُكْشَط الجلدُ عند سلخ البعير، يكشطها الله ثم يطويها -جل وعلا- بيمينه، ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أي: كما يُطوَى السجلُّ على ما كُتب فيه كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. انظر: تفسير العثيمين للآية الأولى، ومختصر العلو للعلي العظيم بتحقيق الألباني (ص ١١). اتَّقُوا للتقوى معانٍ باعتبار المخاطَب في القرآن:

стр. 13

* ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١]. الخطاب للناس كافة: فيكون معنى التقوى بالدرجة الأولى: هو الإيمان بالله. * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَواا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. إذا كان الخطاب للمؤمنين فتكون التقوى باجتناب المعاصي. * ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيما﴾ [الأحزاب: ١]، التقوى من النبي ﵊ هي الثبات في مواجهة أهل النفاق والكفر. أثارة قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]. (أثَارَةٍ) تحتمل معنيين لا يتعارضان: ١ - من أثر الشيء وما بقي منه؛ أي: بقيّة من علم. ٢ - من الأثر والرواية؛ أي: مما يؤثر ويروى من علمٍ لمن كان قبلهم. - ومثلها في المعنى الأول: * ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]. (علَى أَثَرِي) أي: على خطاي يتتبعون ما بقي من أثري، والمراد: خلفي، وعلى مقربة مني. * وكذلك: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] أي: ما بقي من أثر حافره. انظر: مفردة (بصرت). * ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] ما بقي من آثار أنواره يبدو على الوجوه. - ومثلها في المعنى الثاني: * ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]. (سحر يؤثر) أي: يرويه عن غيره من السحرة ويتحدث به. *ومنها كذلك: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: ٢٤].

стр. 14

(وآثارهم): لها معنيان: ١ - أي: كل ما كانوا سببًا فيه لغيرهم من طاعة أو معصية، وما سنُّوه لغيرهم وكانوا قدوة فيه؛ فلهم نسخة كاملة من ثوابه أو عقابه. ٢ - (آثارهم) خطاهم التي مشوها على الأرض -سواء في طاعة أو معصية- فإنها مكتوبة وشاهدة عليهم. أجاءها قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَّنسِيّا﴾ [مريم: ٢٣]. (فَأَجَاءَهَا) أي: ألجأَها واضطرتها الحاجة إلى المخاض، وهو: الولادة إلى جذع النخلة وساقها إليه؛ رغبة في التّخفي عن الناس، ولتعتمد عليه عند الولادة. وهو تقدير وتدبير ربانيّ لها؛ لتتغذى كذلك من رُطب النخلة عند الولادة. فائدة (١): هناك فرق بين جاء وأجاء: (جاء) تعني: أتى وحضر باختياره. (أجاء) تعني: أَلْجأ ودفع غيرَه اضطرارًا. فائدة (٢): قال تعالى: (إلى جذع النخلة) ولم يقل: (إلى النخلة) مما يدل على أمرين: ١ - التعبير بالجِذْع من باب إرادة الكل بالإشارة إلى الجزء؛ لأنه هو المراد في الاعتماد والاستناد إليه. ٢ - أن المقصود به أنه جِذع النخلة فعلًا، وليس نخلةً كاملة. كما تشير إلى ذلك بعض التفاسير -ومنها تفسير البغوي- إلى أن الجِذع كان يابسًا بلا رأس، فجعل الله له رأسًا وسَعَفًا ورُطبًا جنيًّا، والله أعلم. ولا نجزم به؛ لعدم القدرة على التثبت مِنْ صحة الروايات، ولكنه غير مُستبْعد؛ فأمر مريم كله مبني على الكرامات والمعجزات: ابتداءً مما كان يأتيها من رزق في بيت المقدس، ثم بحملها بلا زوج، وغير ذلك. أحتنكنّ قال تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢].

стр. 15

(لأحتنكن) لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - تقول العرب: (حنَّك الدابة) إذا ربط في حنكها -أي: أسفل رقبتها- حبلًا أو لجامًا فقادها منه. ٢ - وتقول: (احتنك الجراد ما على الأرض كله) أي: استقصاه كله وقضى عليه. والمعنى الإجمالي بعد جمع المعنيين: هو تهديد ووعيد من الشيطان للاستيلاء واحتواء ذرية آدم بالغواية، وإحكام قبضته عليهم (إلا من عصمهم الله بإيمانهم) وقيادتهم مذعنين له كما تقاد الدابة؛ فلنحذر من هذا العدو الرجيم، ونُحذِّر الأبناء جيلًا بعد جيل. الأحزاب - ذُكرت مفردة (الأحزاب) في عشر آيات فما المقصود بها؟ وهل كلها ذات دلالة واحدة؟ الأحزاب يتحدد معناها بحسب سياق الآيات، فالأحزاب في الآيات التالية هم كل الفئات المكذبة بالنبي ﷺ : قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]. (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) أي: بالقرآن (مِنَ الْأَحْزَابِ) أي: من سائر طوائف أهل الأرض المتحزبة على رد الحق. * ومثلها: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَئَابِ﴾ [الرعد: ٣٦]. (الأَحزَابِ) الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَيْك بِالمُعاداةِ؛ سواء مِنْ المُشْرِكِينَ والكفار، أو اليَهُود والنصارى. والأحزاب في الآيات التالية هم (أهل الكتاب): * ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧]. * ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]، (الأَحزَابِ) فِرق الضلال من اليهود والنصارى على اختلاف طبقاتهم، اختلفوا في عيسى ﵇: هل هو ابْن اللَّه؟ أوْ إلَه مَعَهُ؟ أوْ ثالِث ثَلاثَة؟ - أما الأحزاب في الآيات التالية فهم (الكفار ومن شايعهم في غزوة الأحزاب): * ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٠].

стр. 16

(الْأَحْزَابِ) تحزبوا على حرب رسول اللّه ﷺ وأصحابه في تلك الغزوة، فالمنافقون من جبنهم وخوفهم يحسبون أن الأحزاب -وهم الكفار الذين جاءوا للحرب- لم يعودوا ويرجعوا إلى بلادهم، وأنهم باقون حتى يستأصلوهم مع أنهم قد رحلوا. وإن يأت الأحزاب فرضًا مرة أخرى (يَوَدُّوا) أي: يَتَمَنّى هؤلاء المنافقون (لَوْ أنَّهُمْ بادُونَ فِي الأَعْراب) أي: لو أنهم لم يكونوا بينكم، وأنهم فِي البادِيَة بعيدون عن أحداث الحرب والقتال، يسألون من بعيد عن أنباء هلاككم في الحرب؛ لشدة خوفهم وفزعهم من القتل، وتمنيهم في ذات الوقت هلاك المسلمين. * ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيما﴾ [الأحزاب: ٢٢]. (الأَحزَابِ) وهم الكُفّار الذي اجتمعوا لمحاربة النبي في غزوة الأحزاب. * ﴿جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١]. (جُنْد ما هنالك) الاسم النكرة متبوعًا ب (ما) للتحقير؛ أي: مَنْ هؤلاء؟ إنهم ليسوا إلا جُنْدًا حَقِيرًا مهزومين، فنبّأ الله نبيه بهزيمتهم. (مِنْ الأَحْزاب) من الكفار أيضًا الذين تحزبوا ضدك. - أما الأحزاب في الآيات التالية فهم (الأمم): * ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: ١٣]. (الأَحزَابُ) أي: أولئك الأمم الذين تحزَّبوا على أنبيائهم وعلى الكفر بالله. * ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥]. (الأَحزَابُ) أي: الأمم من بعد نوح تحزبوا وتجمّعوا على رسلهم بالتكذيب والكفر. * ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ [غافر: ٣٠] أي: أخاف عليكم بتكذيبكم لموسى مثل ما حصل للأمم السابقة الذين تحزبوا على أنبيائهم فكذبوهم؛ فأخذهم الله بعذاب. أحقابًا قال تعالى -في حق أصحاب جهنم، والعياذ بالله-: ﴿لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابا﴾ [النبأ: ٢٣].

стр. 17

(أَحقَابًا) الحِقْب: مدة من الزمن، واختلف في تحديدها العلماء ولا يهمنا تحديدها، المهم أنها تعني أزمانًا مديدة؛ فالآية هنا لا تعني الخروج بعد انقضاء تلك الأحقاب إلا لعصاة أهل التوحيد، أما الكفار فنصوص القرآن والسنة تبين الخلود لهم، والعياذ بالله! فالمعنى في حق الكفار: ماكثين فيها دهورًا لا نهاية لها؛ فإنما هي أحقاب كلما مَضَى حِقْبٌ دَخَلَ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ إِلَى الْأَبَدِ. * ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبا﴾ [الكهف: ٦٠]. (حُقُبًا) جمع (حِقْب) أي: أمضي سنين طويلة. والمعنى: أن موسى ﵇ لما علم أن في الناس مَنْ هو أعلم منه -وهو الخضر- قام مصممًا وعازمًا على لقائه، وكان الله تعالى حدد له مكان اللقاء عند ملتقى البحرين. فقال لفتاه يوشع بن نون وهو عازم على السير: سأسير إلى ذلك الموضع، ولن أزال سائرًا حتى أبلغه وأقابل الخضر، أو أسير أحقابًا من الزمان حتى أجده. أحوى قال تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥]. (أَحْوَى) يقال: (شَفَةٌ حواء) أي: مائلة للسواد. فأحوى من (الحُوّة) وهو: لون بين السواد والسُّمرة والحُمرة، وهو اللون الذي يطرأ على النبات إذا طال عليه الزمن ففسد. وقيل: منه كذلك معنى اسم (حواء) أي: سمراء، وقيل: حواء من (الحياة) فالله أعلم. (غُثَاء): هو ما يَبُس من النبات فصار هشيمًا. والمعنى: يُذكّر الله تعالى بنعمه، وأنه أخرج المرعى: من نبات، وزرع، وعشب كثير، فترعون فيه أنعامكم، ثم يجعله هشيمًا أسود بعد أن كان زاهيًا أخضر. فهو الذي أوجد النعم وهو الذي يزيلها، وهو الذي يغيّر ولا يتغيّر سبحانه؛ فيغيّر أطوار مخلوقاته؛ من قوة لضعف، ومن حياة لموت، وهو الذي يبدئ ويعيد . أخّرت قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥]. (وَأَخَّرَتْ) لها معنيان كلاهما صحيح:

стр. 18

١ - ما تركت من خيرٍ تفريطًا منها، أو ما تركتْ من شرٍّ مخافة ربها. ٢ - ما تركت وراءها لمن بعدها فعُمِلَ به. والمعنى العام: إذا بعثرت القبور وبعثت النفوس ووقفت أمام ربها؛ ستفيق من غفلتها. وستعلم كل نفس ما قدمت؛ أي: ما قدمت وصدر منها من أعمال خير أو شر. وستعلم ما أخّرت من حقوق الله عليها، وفوّتتْ على نفسها من خير فلم تعمله؛ فتشتد حسرتها. أو ما أخرت من معاصٍ وسيئات فلم تعملها مخافة ربها؛ فتشتد فرحتها. وستعلم كل نفس ما تركت وراءها لمن بعدها من أعمال خير أو شر فعُمِلَ بها بسببها فلها وزر ذلك أو ثوابه: - من إحياء سنة. - أو دعوة لخير. - أو نشر بدعة. - أو مؤازرة لمعصية. - أو دعوة لضلالة. - وستعلم كل نفس ما تركت من أثرٍ وما خلَّفت وراءها من بصمات: - كم أضلتْ مَنْ بعدها بضلالها. - أو كم هدتْ مَنْ بعدها بهداها. اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. أَخْلُق قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]. ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]. ما معنى الخلق هنا؟ وكيف والله تعالى يقول: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]؟! معنى الخلق في حق الله ليس كمعنى الخلق في حق المخلوق؛ الخلق في حق البشر: هو الصناعة والتصوير، ففي قوله: (أخلق لكم)؛ أي: أصنع لكم، وليس خلقًا من عدم.

стр. 19

* ومثلها: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]. (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - من الصنع؛ أي: تصنعون كذبًا. ٢ - من الخلق والاختراع؛ أي: تخترعون كذبًا لا أصل له، وسُمّي الكذبُ خلقًا: لأنه افتراء من العدم. * ومثلها قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧]. (إلا اختلاق): إلا كذبًا لا حقيقة له بزعمهم. ادّارأتم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢]. (فَادَّارَأْتُمْ) من (تدارأتم) فالمدارأة: هي التدافع بين المتخاصمين. و (درأ) أي: دَفَعَ. وتقول العرب: (تَدارأَ الرجلان): إذا تَدافعا. والمعنى: فكان كل يَدْرأ عن نفسه ويتَّهم الآخرَ في قتلها. * ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] أي: يدفع عنها الحدّ والعقاب. * ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤]. (وَيَدرَءُونَ) أي: يدفعون بحسنات الأقوال والأفعال ما يلاقونه من الناس من سيئات؛ فيدفعون الإساءة بالإحسان، ويدفعون الآثام والذنوب بالتوبة وسائر الطاعات. ادّارك قال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]. (ادَّارَكَ) أي: تدارَك. وأصل المعنى: هو التتابع، وتدارك اللاحق بالسابق والآخر بالأول. ولها في هذه الآية معنيان لا يتعارضان: ١ - أي: أن هؤلاء الكفار وصل إليهم العلم عن الآخرة وتتابع عليهم، لكن لم يتوصَّلوا به إلى الإيمان ولم يُدركوا حقيقة الآخرة. ٢ - أن حقيقة العلم ستتتابع عليهم في الآخرة بعد الموت؛ فيعاينون حينئذ حقيقة الأمر، ولكنهم اليوم في شك وعمى.

стр. 20

* ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]. (ادَّارَكُوا) أي: تتابعوا في السقوط في (جهنم) وأدركت كلُّ أمة أختها التي قبلها، واجتمع فيها الأولون بالآخرين؛ لذلك سمّيت طبقات جهنم: (دركات)؛ لأنهم يتلاحقون فيها بعضهم خلف بعض؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] (الدَّرْك) منازل النار بعضها أسفل من بعض. * ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] لا تستطيع الأبصار الوصول إلى كنهه تعالى والإحاطة به. * ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] (دَرَكًا) لحوقًا بك؛ أي: لا تخاف أن يلحق بك فرعون وجنوده. فائدة: الآية الأولى تصف حال أهل الكفر في ثلاث درجات أوصلتهم إلى فقد الشعور بالآخرة: فقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٥ - ٦٦]. الجُمل في الآية السابقة بدأت بحرف الإضراب (بل)؛ لتنفي عنهم استيعاب العلم بالآخرة، وليس العلم فقط، بل تضيف مرضًا آخر وهو الشك والارتياب، وليس الشك والجهل فحسب، بل وتضيف إليه العمَى الكليّ عن الشعور بالبعث: - فعلمهم قاصر عن الوصول للإيمان. - وشكهم عجز عن الوصول لليقين. - والأشد من ذلك عمًى في بصيرتهم حجبهم عن رؤية الآخرة. أدراكم قال تعالى: ﴿قُل لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]. (أَدرَاكُم بِهِ) من (الدِّرايَةِ) بِمَعْنى: العِلْمِ. والمعنى: ولا أعْلَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ، ولا أخْبَرَكم بِه مِنْ غَيْرِ قِرَاءَتِي عَلَيْكُمْ.

стр. 21

وفي الآية يلقن الله تعالى الحجة لنبيه ﷺ في الرد على المشركين وتعنتهم مع رسوله ﷺ ، وأنهم إذا تُتلى عليهم آيات الله المبينة للحق أعرضوا عنها تعنّتًا وظلمًا، وقالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] فيجيبهم النبي ﵊: «إنّما جئتكم به بإذن الله ومن عنده ولست أتقوّله من عند نفسي، وأنتم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأتُ بينكم إلى حين بعثني اللّه ، فقد لبثتُ فيكم عمرًا ولم يخبركم الله به حتّى أوحي إليّ، ولو كنتُ افتريته لقدّمته منذ زمن!!» انظر: تفسير ابن كثير للآية. ادفعوا قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]. (ادفعوا) من الدفاع؛ أي: دافعوا. أي: إن لم تقاتلوا في سبيل الله بنية خالصة لله وطلب رضاه، فدافعوا عن أنفسكم وأعراضكم وبلادكم. والخطاب هنا للمنافقين. وليس المعنى: ادفعوا جزية أو عوضًا مقابل عدم قتالهم. أدُّوا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الدخان: ١٧ - ١٨]. (أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ) لها معنيان: ١ - (أدُّوا إليّ) أي: سلِّموا إليَّ. فيكون المعنى الإجمالي: (ولقد فتنَّا) الخطاب للنبي ﷺ تسليةً له وتخفيفًا عليه مما يواجه من استكبار قومه. أي: فتنّا واختبرنا قَبْلَ قومك -يا محمد- قومَ فرعون، وجاءهم رسول كريم وهو موسى بن عمران ﵇. قال لهم موسى: أَطْلِقُوا وادفعوا عبادَ الله إليَّ -وهم بنو إسرائيل- وأرسلوهم معي ولا تعذبوهم. والتعبير عنهم ب «عباد الله»؛ للإشارة إلى استعباد فرعون لهم؛ فَهُمْ عبادُ الله وليسوا عبادَه. ٢ - (أدُّوا إليّ) أي: أدّوا ما أمركم الله به وهو الطاعة لأمري. فيكون المعنى: أطيعوني يا عباد الله، والمعنى الأول أقوى؛ لوجود أدلة تؤيده من القرآن؛ ومنها قوله تعالى:

стр. 22

* ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]. * ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧]. اذكر قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيّا﴾ [مريم: ١٦]. (وَاذكُر فِي الكِتَابِ) تكررت في القرآن الكريم، ومن ذلك: * ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]. * ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [مريم: ٤١]. * ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾ [مريم: ٥١]. * ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ [مريم: ٥٤]. * ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦]. وتحتمل معنيين لا يتعارضان: ١ - أي: اذكر في كتابنا الذي أنزلناه إليك ما فيه من قصص لقومك، على وجه التذكير بما فيه من أخبار الأنبياء المتقدمين؛ ليقفوا عليها ويعرفوا مناقب الأنبياء، وليروا نعمة الله وفضله وإحسانه على عباده الطائعين. ٢ - أي: اذكر على وجه التعظيم والإجلال لهؤلاء النّخبة الذين اختارهم الله واصطفاهم، فذَكَرَهم في القرآن ذكرًا باقيًا يُذكرون فيه بأحسن ذكر في الكتاب العظيم؛ ليتلوه الناس في مشارق الأرض ومغاربها جزاء طاعتهم وامتثالهم. أُذُن قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١]. (هُوَ أُذُنٌ) هذه الآية يتجلى فيها حسن معاملة النبي ﷺ للمنافقين؛ فهم يتهمونه بأنه أذن -أي: آلة سمع لا تُميّز بين المقبول والمردود- فيرد عليهم الله تعالى: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لكُمْ) أي: مستمع خير، نِعْمَ المستمع: يسمع الخير فيقبله، ويسمع الشر فكثيرًا ما يُعرض ولا يعنف. يستمع إليهم في أدب ولا يواجههم بنفاقهم، بل يسمع معاذيرهم ويقبلها منهم مع علمه بنفاقهم؛ ولكنه ﵊ على خُلق عظيم كما قال عنه ربه تعالى.

стр. 23

أذنت قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢]. (وَأَذِنَتْ) أي: سمعتْ وأطاعت. ومنه قول النبي ﷺ : «ما أذن الله لشيء ما أذن للنبي ﷺ يتغنى بالقرآن» صحيح البخاري (٧٤٨٢). يعني بذلك: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبيّ يتغنى بالقرآن، استماعًا يليق بجلاله . (وحُقّتْ) أي: وحُقّ لها وواجب عليها أن تفعل ذلك؛ فهي تحت تسخيره وتدبيره جل وعلا. إرصادًا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ١٠٧]. (وَإِرْصَادًا) من (الرّصْد) وهو الإعداد والانتظار والترقب. فهؤلاء جماعة من المنافقين اتخذوا مسجدًا إلى جانب مسجد قُبَاء؛ للإضرار والتفريق بين المسلمين؛ ترصدًا وترقبًا للعداوة حتى يكون لهم حصنًا عند الحاجة إليه، وترقبًا لعودة عدو الله المحارب لدينه -وهو الراهب ابن عامر- الذي ذهب إلى هِرَقل لينصره، وهم يترقبون عودته، فأهلكه الله في طريقه. ومن مشتقات هذه الكلمة قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادا﴾ [النبأ: ٢١]. (مِرْصَادًا) أي: مترقبة ومتأهبة ومترصدة للطغاة والكفرة. * ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]. (لَبِالْمِرْصَادِ) المرصاد: هو المكان العالي الذي يرى فيه الراصد ويسمع كل شيء. والمعنى: أن الله مترصد لهم ومراقب أفعالهم. * ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. (مَرْصَدٍ) أي: ترصدوا لهم، ورابطوا في كل مكان يمرون فيه؛ لمعاقبتهم حتى يتوبوا. * ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدا﴾ [الجن: ٩]. (رَصَدًا) أي: شهاب من نار يترصده ويتبعه حتى يصيبه فيحرقه. * ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].

стр. 24

(رَصدًا) أي: الملائكة تترصد وتترقب لأي مخترق لهذا الموكب المبارك؛ حتى لا يتسرب الخبر، وحتى يتم التبليغ في سرية تامة وحفظ تام، من غير سرقة واختطاف من مَرَدَة الجن الذين يبلغونه للكهنة فيكذبون معه ويحرفونه. (يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا): المعنى: يبين الله تعالى صون كلماته وحماية الوحي الشريف عن الانكشاف لغير من ارتضاه الله لتبليغه؛ فلا يُطلِع على غيبه أحدًا من عباده إلا من رضيه الله أن يبلغ عنه. وتبليغ هذا الغيب للعبد يكون محفوفًا باحتياطات للحفظ والحماية من تلاعب الشياطين به أثناء تبليغه؛ فيكون تبليغه بواسطة أمين الملائكة جبريل ﵇. و (يسلك) أي: يصاحبه في سلوك طريقه ومسيرته عدد من الملائكة، يحوطونه من حوله ومن كل جهاته. فسبحان من حفظ كتابه وبلّغه، ثم حفظ نبيه ﷺ وعصمه فيما يبلغ عن ربه؛ فلا يخالف ما أُمِرَ به لا قصدًا ولا سهوًا ولا خطأً .. فاللهم لك الحمد على هذه النعمة. وليعلم المسلم أنه يمشي على نور وبصيرة من غير تدخّل وتحريف من شياطين الإنس والجن. أركسهم قال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ [النساء: ٨٨]. (فئتين … أركسهم): أركس: من (الارتكاس) وهو الانقلاب والانتكاس من حال حَسنة إلى حالٍ سيئة؛ كالكفر بعد الإيمان، والغدر بعد الأمان. و (ركس) أي: قلب الشيء على آخره. والآية تتحدث عن جماعة من المنافقين لمّا خرج رسول الله ﷺ إلى غزوة أحُدٍ رجعوا؛ فاختلف أمر الصحابة فيهم على فريقين (وهذا معنى فئتين)؛ ففريق من الصحابة قالوا: لا نقاتلهم لأنهم مسلمون. وفريق قالوا: نعاملهم كالكفار. فجاءهم الجواب من الله تعالى: أن لا تختلفوا في أمرهم؛ فالله قد (أركسهم) أي: نكسهم وقلبهم إلى الكفر جزاء فعلهم؛ فيعاملون معاملة الكفار، نسأل الله السلامة!

стр. 25

* ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينا﴾ [النساء: ٩١]. (كُلمَا رُدُّوا إِلَى الفِتنَةِ أُركِسُوا فِيهَا) أي: كلما عَرض لهم بلاءٌ أو فتنةٌ انقلبوا وانتكسوا إلى الكفر. الأسباط قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]. (وَالْأَسْبَاطِ) تكرر لفظ الأسباط في كتاب الله، فمن هم الأسباط؟ أصل معنى (السِّبط) في اللغة: هو الشجر الممتد أرضًا، والشجر الممتد ارتفاعًا فهو كثير الأغصان. وتُستعمل في كلام العرب في الأشخاص؛ فيقال: (أسبط الرجل) إذا تمدّد على الأرض ساقطًا. وتُستعمل في الذرية؛ فيكون الرجل كالشجرة وذريته أغصانها. ف (السِّبط) من حيث معنى الذرية له معنيان: ١ - الحفيد المباشر ولد الابن والابنة؛ فسِبْطَيْ رسول الله ﷺ : الحسن والحسين. ٢ - القبيلة من امتداد الرجل وذريته. وقد اختلف المفسرون في المراد ب (الأسباط) فقد وردت في خمس آيات، أربع منها اقترنت مع ذكر يعقوب ﵇ قبلها، والراجح أنهم قبائل بني إسرائيل من ذريته، وقُطِّعوا أسباطًا في عهد موسى ﵇. ومما يؤكد المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠]. (أسباطًا أممًا): هم قوم موسى من بني إسرائيل؛ أي: ذرية يعقوب، وإنما قُطِّعوا أسباطًا في عهد موسى ﵇، ثم تكاثروا على مر السنين؛ فالأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل ﵉. - هل الأسباط أنبياء كما ذكر بعض المفسرين؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]؟

стр. 26

الجواب: معنى ما أُنزل على الأسباط؛ أي: ما أُنزل على أمم أنبياء بني إسرائيل عامة، كقوله: (وما أنزل إلينا) نحن أمة محمد ﷺ ، فهي لا تدل على أننا جميعا أنبياء. فأولاد يعقوب تفرَّع منهم أمم بني إسرائيل، فالمراد ب (الأسباط) كما أسلفنا ليس الاثني عشر ابنًا ليعقوب كما ذكر بعض المفسرين وزعم بعضهم أنهم أنبياء، بل المراد جميع قبائل بني إسرائيل الاثني عشر، وقد تكاثروا وازدادت أعدادهم وكان فيهم الأنبياء، وليس كلهم كذلك. والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] فكانوا قبائل وعشائر فيهم الأنبياء؛ منهم: زكريا، ويحيى ويوشع، وسليمان، وداود ﵈ وغيرهم. أما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢]. (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) عيَّن موسى ﵇ من الأسباط -وهي تلك القبائل- اثني عشر نقيبًا عليهم؛ لرعايتهم والقيام على شئونهم كما يفعل الرئيس والأمير، وهم الذين بعثهم نبي الله موسى ﵇ بعد ذلك إلى فلسطين؛ ليتعرفوا على أحوال الكنعانين الذين هم القوم (الجَبَّارين) قبل قتالهم، وليسوا هم الأنبياء. استكثرتم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]. (استكثرتم) قد استكثرتم من الإنس؛ أي: أكثرتم الاستمتاع بضلال الإنس وإغوائهم، وكَثُر مَنْ أغويتم منهم؛ فانساقوا وراءكم مستمتعين بما أغريتموهم من شهوات. أسْرَهم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٨].

стр. 27

(أَسْرَهُمْ) كل شيئين شددْتَهُما برباط فقد أسرتَهُما. وتقول العرب للشخص المتكامل الحسن والخِلقة: (شديد الأسر). والإِسار: هو الرباط، وسُمي الأسير أسيرًا: لأنه يوثق ويربط ويُشد إِسَاره. والمعنى: يبين الله تعالى للكفار المنكرين للبعث، ويستدل على إعادة بعثهم بأنه هو سبحانه الذي خلقهم وأحكم خِلقتهم بشدها وربط مفاصلها وجوانبها بالعروق والأعصاب والأوتار، وبالقوى الجسدية والنفسية والروحية والعقلية؛ ربطًا عجيبًا معجزًا حتى تمت أجسادهم واكتملت. فإن شاء سبحانه أهلكهم وأفناهم واستبدلهم بأمثالهم في الخلقة، وجاء بخير منهم يؤمنون به ويعبدونه. أسرّوه قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ١٩]. (وَأَسَرُّوه) من الإسرار والخفاء. والضمير في (أسرّوه) يحتمل عَودُه على معنيين: ١ - أخفى إخوة يوسف ﵇ قرابته لهم لمّا جاء السيارة وأخرجوه من البئر، وباعوه على أنه عبد آبق لهم بدراهم معدودة، وسكت يوسف خوفًا منهم. ٢ - أخفى السيارةُ -وهم المارَّة- من قافلة التجار المسافرين أمر شراء يوسف عن بعضهم البعض؛ خوفًا من الشركة فيه، فأخفوه مع أمتعتهم كبضاعة من البضائع. آسفونا قال تعالى -عن قوم فرعون-: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥]. الأسف يأتي بمعنى: الغضب، ويأتي بمعنى: الحُزن والحسرة. (آسفونا) أي: أغضبونا. فالمعنى في حق الله تعالى: ولما أغضبونا بأفعالهم وتماديهم في الكفر، انتقمنا منهم بعذاب مُعَجَّل فوق المؤجل، والعياذ بالله. * وقال تعالى عن موسى ﵇: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفا﴾ [طه: ٨٦]. (أسِفًا) قيل: شدة الغضب، وقيل: شدة الحزن؛ فيكون الغضب الممزوج بالحسرة.

стр. 28

* وكذلك كما في سورة يوسف عن يعقوب ﵇: ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤]. (يَا أَسَفَى) يا حزنًا؛ فالأسف هنا: شدة الحزن. * ومثلها قوله تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]. (باخعٌ) أي: مُهلك نفسك. (أسفا) أي: حزنًا وحسرة على عدم إيمانهم. ومنها ما جاء في الحديث الشريف: «مَوتُ الفَجْأَةِ أخْذَةُ أسَفٍ» صحيح الجامع (٦٦٣١) أي: أخذة غضب من الله ﵎. وقد ورد عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ وعائشةَ ﵄ قالا: (مَوتُ الفُجاءَةِ رأفةٌ بالمؤمِنِ وأسَفٌ على الفاجِرِ) *؛ فيتضح أن موت الفجأة أخذة غضب على العبد الفاجر المفرِّط في حق مولاه ﵎. * مصنف ابن أبي شيبة (١٢٠٠٧)، وصححه الأرناؤوط موقوفًا في هامش سنن أبي داود (٥/ ٦٥). إصرًا قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. (إِصْرًا) أي: عهدًا، وأصل الإصر: هو الثِّقَلُ، وسمي العهد إصرًا: لأنه ثقيل، ويلزم منه الامتناع عن كل ما يخالفه. والمعنى: لا تحمل علينا عهدًا ثقيلًا لا نطيقه ولا نستطيع الوفاء به كما حصل للأقوام السابقة. * ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. (إصرهم) أي: يضع عنهم عهودهم ومواثيقهم المشددة التي أُخذتْ عليهم. * ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١]. (أخذتم على ذلكم إصري) أي: قبلتم عهدي وميثاقي عليكم. فائدة: ومنها: أواصر الأُخُوّة، وأواصر الدِّين، وغير ذلك؛ أي: روابط الأخوة وروابط الدِّين. أصيلا

стр. 29

* ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الإنسان: ٢٥]. * ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]. (أصيلًا) الأصيل: هو وقت ما بين الظهر إلى أن تغيب الشمس. (بكرة) البكرة من البُكور: وهو أول النهار؛ وهو الصبح. * ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأصَالِ﴾ [النور: ٣٦]. (الغدو والآصال): الصباح والمساء. * وفي بعض الآيات عُبّر عن طرفي اليوم ب (البكرة والعشيّ) كقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا﴾ [مريم: ١١]. والعشيّ في اللغة: هو الأصيل؛ كما جاء في الصحيح «صَلَّى بنَا رَسولُ اللهِ ﷺ إحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ -إمَّا الظُّهْرَ، وإمَّا العَصْرَ- فَسَلَّمَ في رَكْعَتَيْنِ، … » صحيح مسلم (٥٧٣). أغطش قال تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩]. (أغطش) أي: أذهب نوره وأظلمه؛ تقول العرب: (رجلٌ أغطش) أي: ضعيف البصر. وقد ذكر الله تعالى الليل في القرآن، وأقسم به؛ *فقال تعالى: ﴿وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] أي: إذا مضى وجاء بعده النهار. * وقال: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] أي: أقبل بظلامه وأدبر. ف (عسعس) من المتضادات في اللغة، وقد ذُكرت في مفردة سابقة؛ فهي تعني: أدبر، وتعني: أقبل. * ﴿وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧] أي: وما جمع فيه خبايا الأمور؛ من هوامّ الخلق وأعمال البشر. انظر: حرف الواو (وسق). * ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] أقسم بالليل في سريانه، وما فيه من أوقات العبادة؛ ولهذا أقسم قبله بالليالي العشر، و (السُّرى) هو السير بالليل. * ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٤] أي: إذا غطى نور الشمس بظلامه. * ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] أي: إذا غطى الكون بظلمته. * ﴿وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢] لها معنيان:

стр. 30

١ - سجى؛ أي: سكن وهدأ؛ يقال: (بحر ساجٍ) أي: ساكن. ٢ - سجى؛ أي: امتدَّ وغطى؛ يقال: (سُجّيَ الميت بثوب) أي: مُدّ عليه ثوب. كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسا﴾ [النبأ: ١٠] أي: ألبس سواده كل شيء. أقنى قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨]. (أغنى) أي: أعطى الكفاية بما يُستغنى به ويُستكفى. (أقنى): من الاقتناء؛ أي: أعطى زيادة على الغنى ما تقتنونه وتدّخرونه. وقيل: هي مقابلة لأغنى؛ أي: أفقر. والمعنى بعد جمع المعاني: أعطى بعض الناس ما يكفيهم ويسد حاجتهم، وأقنى بعض الناس بالادخار واقتناء الأموال الكثيرة، وأفقر البعض فلم يعطهم إلا القليل. أكاد قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]. (أَكَادُ أُخفِيهَا) قال الشنقيطي ﵀ في تفسير الآية: «هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُتَوَهَّمُ مِنها أنَّهُ جَلَّ وعَلا لَمْ يُخْفِها بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهُ قارَبَ أنْ يُخْفِيَها». وقد صرّح ربنا تعالى أنه أخفاها في غير آية؛ كما قال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. فما معنى (أكاد أخفيها)؟ ذكر المفسرون في تفسيرها عدة أوجه؛ منها: ١ - أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي؛ فَكَيْفَ يَعْلَمُهَا مَخْلُوقٌ؟! ٢ - أكاد أتْرُكَ الإخْبارَ عنها لِشِدَّةِ إخْفائِي لِها، ولكني أخبرتكم بوقوعها. ٣ - أي: أكاد أزيل خفاءها؛ بمعنى: أكادُ أُظْهِرُها؛ لأن الهَمْزَةَ في قَوْلِهِ: (أُخْفِيها) قد تكون هَمْزَةَ السَّلْبِ؛ كَقَوْلِهِمْ: شَكا إلَيَّ فُلانٌ فَأشْكَيْتُهُ؛ أي: أزَلْتُ شِكايَتَهُ. ٤ - أنَّ (كادَ) صِلَةٌ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: (إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها) (لِتُجْزى … ) أي: أخفيتها لتجزى كل نفس بعدها بما فعلت من خير وشر، والله أعلم بمراده! انظر: تفسير أضواء البيان للآية. أكدَى

стр. 31

قال تعالى: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم: ٣٤]. (أكدى) أي: انقطع ولم يستمر؛ تقول العرب: (أكدى حافر البئر) أي: صادف كُدْيَة -صخرة- فانقطع عن حفرها. فالمعنى: أعطى قليلًا ثم انقطع عطاؤه. وهو أحد المشركين الذي نزلت فيه الآية؛ قيل: إنه الوليد بن المغيرة، بدأ في عطائه لمن يتحمل عنه ذنوبه من المشركين، ثم انقطع ولم يستمر. وقيل: بدأ في الكلام الطيب عن القرآن، ثم انقطع وأعرض. أكفره قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ [عبس: ١٧ - ٢٤]. (قتل): بمعنى هلك، وقيل: لُعن. (ما أكفره): لها معنيان: ١ - (ما) للتعجب: فيكون المعنى: ما أشد كفره وجحوده مع من لم يزل ينعم عليه. ٢ - (ما) استفهامية للإنكار: ما الذي حمله على الكفر؟! (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ): لها معنيان كذلك والمعنى الأول أظهر: ١ - أن الإنسان لم يقض ما أمره: فبعد أن عدَّد الله نِعمه على الإنسان بعموم اللفظ (بني الإنسان) -وقيل: المراد الكافر- ومع جميع ما أنعم الله عليه؛ لم يُؤَدِّ شكرها، ولم يقض ما أمره الله به، ولم يُوفِ بعهده معه إلا القليل منهم، وأكثر المفسرين عليه. ٢ - أن الله لم يقض ما أمره: فالجملة (كلا لما يقض ما أمره) تعود للآية التي قبلها (ثم إذا شاء أنشره) والمعنى: إذا شاء الله أنشر العبد ليوم النشور، ولكنه أمهله؛ لأن أمر النشور له وَقْتُه المقدر له ولم ينقضِ بعد؛ فلا بد أن يَتم حتى يُنشِرالله ابن آدم ويبعثه. قال بمثل هذا التفسير جمع من العلماء؛ منهم: ابن عثيمين، وابن كثير. الأكمه قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].

стр. 32

(الْأَكْمَهَ): هو المولود الذي يولد أعمى ممسوح العين؛ أي: ليس له عين. فكأن عيسى ﵇ يشق له بصره من جديد. وقيل: كل أعمى؛ تقول العرب: (كَمِهَ الرجل) أي: عَميَ. قال العلماء: ذكر الأعمى والأبرص على وجه الخصوص؛ لأن الطب يعجز عن شفائه. أكنانًا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]. (أكنانًا)، (سرابيل) يعدد الله تعالى بعض نعمه على عباده؛ فجعل لهم ما يسترهم ويحميهم، وهي هنا ثلاثة أشياء للحماية: ١ - جعل لهم الظلال تسترهم عن أشعة الشمس، وتحميهم من حرارتها. ٢ - جعل لهم الأكنان. وأصل المعنى من الكِنِّ، أو الكِنَانِ؛ وهو الغطاء. وجمعها: أَكِنّة، وأكنان؛ لأن الإنسان يَكِنّ فيه ويأوي إليه. والمقصود: البيوت مما ينحتونه من الجبال، أو يبنونه على السهول يستر عوراتهم ويحفظ خصوصيتهم. ٣ - جعل لهم السرابيل، وهي القُمص، والقميص الواحد: سربال. والسرابيل مُنوَّعة: سرابيل تقي من الحر، ويدخل في المعنى: سرابيل تدفئ من البرد، وسرابيل تُتّخذ دروعًا تقي بأس الحرب، وهذا يدل على تنوع الأقمشة: منها الخفيف، والثقيل، والمضفور، والمغزول من الكتان، والقطن، والحرير، والصوف، وغيرها من نعم الله؛ فله الحمد والمنة. * ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]. يتحدث السياق هنا عن المجرمين في النار أن لباسهم فيها ثياب من مادة بالغة الحرارة، تسربلهم وتغطيهم ليزدادوا احتراقًا، كما قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩]. * ومن أصل معنى التغطية: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام: ٢٥] أي: على قلوبهم غطاءٌ عن فهم مراد الله تعالى، وعن الإيمان به.

стр. 33

* ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] أي: داخلة في غلاف يحجبها عن الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفُ﴾ [البقرة: ٨٨]، وكذلك: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. (أكنَنْتم) أي: ما سترتموه داخل أنفسكم وأضمرتموه. * ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩]. (ما تُكِنُّ) أي: ما تخفي وتضمر داخلها. * ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] أي: مغطًّى ومستور بما يحفظه عن خدش صفائه وتغيُّر لونه، ومصون من لمس الأيدي. * ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] أي: كاللؤلؤ المحفوظ والمغطّى في صدفاته. * ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] أي: محفوظ عند الله مستور، ومحجوب عن الوصول إليه وعن الشياطين، انظر حرف الميم، مفردة (مكنون). إلّا قال تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠]. (إِلًّا وَلَا ذِمَّةً) لها معنيان كلاهما يحتمله السياق: ١ - من الإل: وهو الحَلِف والقَسَم. ٢ - من الإلَّة: وهي القرابة. والذمة: هي العهد والأمان. أي: لا يرعَوْن تحالفًا، ويقطعون الإلَّ والقرابة، ولا يرعُون حُرمة العهد. * ومن أصل المعنى الأول: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. (وَلَا يَأْتَلِ) أي: لا يحلف. والمعنى: لا يحلفوا على ألا يؤتوا النفقة لذوي القرابة والامتناع عن الخير، وهي قصة معروفة لأبي بكر الصديق حينما حلف على وقف النفقة لقريبه مِسْطَح حينما خاض في حادثة الإفك. * وكذلك: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦].

стр. 34

(يُؤْلُونَ) من الإيلاء، وهو الحلف واليمين؛ أي: يحلفون على نسائهم ألا يقربوهن؛ وهو الحلف على ترك الوطء مطلقًا أو مقيدًا بأربعة أشهر أو أكثر. (فَاءُوا) أي: رجعوا، والمقصود: رجعوا عن الحَلِف. والمعنى بإجمال: كان العرب في الجاهلية إذا كره الرجل منهم زوجته يحلف ألا يقربها، وهو مع ذلك لا يطلقها ليتزوجها غيره، فشرع الله تعالى توقيت ذلك ليتروَّى الرجل عسى أن يرجع إلى رشده. فعلى الأزواج الذين يحلفون ألّا يطؤوا نساءهم انتظار أربعة أشهر فقط، فإن رجعوا عن حلفهم قبل فواتها فإن الله غفور رحيم؛ أي: لا شيء عليه سوى كفارة يمين فحسب. أمّا إن تجاوز مدة الأربعة أشهر: فإنه يُوقف بأمر القاضي، وللزوجة أن تطالب بالرجوع عن يمينه أو الطلاق، أمّا إن صبرت باختيارها حتى يُكمل يمينه؛ فلا إشكال إذن عليه. ألفافًا قال تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ١٥ - ١٦]. (ألفافًا): هي جمع من: لف، ولفيف. والالتفاف: هو الاجتماع. والشجر اللفيف: هو المجتمع والملتف بعضه على بعض. والمعنى: جنات ملتفة كثيفة الشجر. * ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفا﴾ [الإسراء: ١٠٤]. (لَفِيفًا) أي: كلكم أَوّلكم وآخركم، وجميع قبائلكم وأجناسكم؛ ليجازى كل بعمله. * وكذلك في قوله تعالى التي سبق بيانها في مفردة (ساق): ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩]. (الْتَفَّتِ) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - التفاف كل ساق على الأخرى في الكفن واجتماعهما. ٢ - اجتماع الشدائد والتفاف الأمور، وصعوبة الحال وعِظَم الكرب. الألواح قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. (الألواح) قيل: هي التوراة. وقيل: هي سابقة لها، والعلم عند الله. (وكتبنا) كتبها الله تعالى بيده، وهذا ما يرجّح أنها التوراة؛ فالثابت أن التوراة كتبها الله بيده.

стр. 35

(سَأُورِيكُم دَارَ الفَاسِقِينَ) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - سأوريكم منازل ومصير الفسقة المعرضين من بني إسرائيل وغيرهم في جهنم يوم القيامة؛ فهو تحذير عن الخروج عن طاعة الله. ٢ - سأوريكم دار الفسقة المعرضين من الذين سبقوكم في القرون الماضية، بالمرور عليهم في العراق والشام؛ ليكونوا عبرة وعظة. أما م ن قال: سأوريكم دار الفسقة المعرضين وهم آل فرعون، فهو تفسير بعيد؛ لأن الآيات تحكي ما بعد خروجهم من مصر. إمام قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٨ - ٧٩]. (لَبِإِمَامٍ) الأَمُّ: هو القصد؛ تقول العرب: (أمَمْت الطريق) أي: قصدته. والمعنى: أن الله تعالى انتقم من قوم شعيب -وهم أصحاب الأيكة- وصفهم بمسكنهم -وهو البستان كثير الشجر- فانتقم منهم لشركهم، ولتطفيف الكيل والوزن. وضمير المثنى (وإنهما) راجع إلى قريَتَي قوم لوط في آية سابقة، وأيكة شعيب. وكان تجار مكة إذا دخلوا أرض فلسطين يمرون ببحيرة لوط (البحر الميت) وعلى أطرافها بقايا قرية سَدُوم التي غمر الماءُ معظمها، فالآثار باقية في طريق واضح يقصده المارّة والمسافرون؛ موعظة لمن يتعظ! * ومنها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانا﴾ [المائدة: ٢]. (آمِّينَ) أي: قاصدين البيت الحرام. * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: لا تقصدوا بنفقتكم الرديء الذي لا تحبونه لأنفسكم. * ومنها جاء التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبا﴾ [النساء: ٤٣] وهو قصد التراب الطاهر. فائدة: كلمة (إمام) تعني: كل ما يُؤتمّ به؛ سواء كان إِنسانًا يُقتدى بقوله وفعله، أَوْ كتابًا، أَوْ غير ذلك.

стр. 36

- فالإمام من المكان تعني: الذي يقصده الناس. - والإمام من الأشخاص: القدوة الذي يتّبعه الناس؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما﴾ [البقرة: ١٢٤]، ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. ومن الكتب: كما في قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: ١٢] أي: في كتاب واضح؛ وهو اللوح المحفوظ. ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَة﴾ [الأحقاف: ١٢] أي: يُؤتم به، ويُعمل بما فيه. أمامه قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥]. (أَمَامَهُ) تحتمل معنيين كلاهما صحيح: ١ - أمامهُ في أيامه القادمة وما امتد من عمره في هذه الحياة الفانية. فيكون المعنى: يريد الإنسان أن يمضي في الفجور والمعاصي قُدُمًا، لا يثنيه ولا يردعه شيء. فهذه الآية تبين طول الأمل، والتسويف، ونسيان الأجل. فيحتمل أن يكون سؤاله في الآية بعدها: ﴿يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ سؤال غفلة واستبطاء. ٢ - أمامه؛ أي: فيما هو قادم عليه وهو يوم القيامة، والفجور هنا: هو التكذيب به. والمعنى: يريد الإنسان أن يُكذِّب بما أمامه وما هو قادم إليه وهو يوم القيامة؛ فيكون سؤاله في الآية بعدها: ﴿يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٦] سؤال تكذيب وعناد واستكبار. وبجمع المعنيين يتبيّن أن من الناس من يريد أن يدوم على فجوره في الحاضر والمستقبل ويسوّف التوبة، ومنهم من هو سادر في الغيّ، ولا يؤمن بيوم القيامة، بل هو مكذِّبٌ به، ولا يحسب له حسابًا. فائدة (١): في قوله تعالى: (يريد الإنسان): - إرادة الإنسان في المعنى الأول تعني: إرادته الاسترسال في المعاصي والشهوات. - وفي المعنى الثاني: تفيد تعمّده الإصرار والتكذيب والعناد. فائدة (٢): * الفجور في المعنى الأول يراد به: الفسق والمعاصي.

стр. 37

* والفجور في المعنى الثاني: هو الكفر والتكذيب؛ فالآية على إيجازها المُعجز شملت المفرِّط بدرجاته، والمكذب المعاند. أمة معاني مفردة «أُمّة»: لها في القرآن الكريم أربعة معان: ١ - إمامًا وقدوة. ٢ - برهة من الزمن. ٣ - ملة ودين، أو أهل ملة. ٤ - طائفة وجماعة وقوم، وجيل من الناس. - فجاءت بمعنى: (إمامًا وقدوة) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]. - وجاءت بمعنى: (مدة من الزمن) في: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]. ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨]. - وجاءت بمعنى: (ملة ودين) في: * ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي: على ملة ودين. * ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] أي: على ملة واحدة وهي الكفر. * ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] أي: على ملة واحدة ودين واحد؛ فقد كان الناسُ على ملة آدم ﵇ مدة عشرة قرون حتى عبدوا الأصنام؛ فبعث الله إليهم نوحًا ﵇. * ومثلها جميع ما جاء فيه قوله تعالى: (أمة واحدة) أي: ملة واحدة، أو أهل ملة واحدة. - وجاءت بمعنى: (أهل ملة) كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَة﴾ [الجاثية: ٦٨] أي: أهل كل ملة. * ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر: ٥] أهل كل ملة. * ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدا﴾ [القصص: ٧٥] أي: من أهل كل ملة وغيرها.

стр. 38

- أما الآيات الأخرى التي وردت فيها مفردة (أمة) فجاءت بمعنى: (جماعة، أو قوم وجيل وما في معناها) فقد تكون طائفةً قليلة العدد، وقد تكون جيلًا ممتدًّا وعدة قرون من الناس، ومنها: * ﴿وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. * ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] جماعة أو قوم. * ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: جماعة عدولًا خيارًا في الناس. * ﴿وَإِن مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] أي: طائفة أو قوم. * ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أي: جماعة وطائفة من الناس يسقون. * ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] من كل أمة من الأمم طائفة. * ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] لكل قوم أو جماعة جعلنا لهم شريعة. * ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] أي: بسبب كون طائفة منهم أكثر عددًا وقوة من الطائفة الأخرى. * ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] في كل قوم أو جيل من الناس. إمْرًا قال تعالى -في قصة موسى والخضر-: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرا﴾ [الكهف: ٧١]. (إمْرًا) الإمر: هو الأمر المنْكر العجيب؛ تقول العرب للأمر إذا استفحل: (أمِرَ الأمر). * وقريب منها: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرا﴾ [الكهف: ٧٤]. قال أهل العلم: النُّكْر أعظم من الإِمْر؛ فمعناه: أنه جاء بشيء فظيع أشد نكرًا من الأول؛ لأن الأول كان في خرق السفينة ويمكن إصلاحه، أما الثاني فكان في قتل الغلام ولا يمكن إعادته للحياة. * ومثلها في المعنى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾ [القمر: ٦] أي: إلى أمرٍ فظيع لشدة أهواله خارج عن المألوف، وهو يوم القيامة، والداعي هو إسرافيل ﵇. * وفي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيّا﴾ [مريم: ٢٧]. (فريّا): ادعاء وفرية عظيمة؛ لأنهم لم يصدقوا بعفّتها. * وفي قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدّا﴾ [مريم: ٨٩] أي: منكرًا فظيعًا جدًّا.

стр. 39

(إِدّا) (الإِدّ): وصفٌ لفظاعة الأمر وشناعته، وهو الأكبر شناعة وافتراء مما قبله؛ لذلك قال جل وعلا: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] وهو ادّعاء الولد لله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا. أمَرْنا قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرا﴾ [الإسراء: ١٦]. (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا): هل يأمر الله المترفين بالفسق؟! تعالى الله. في الآية عدة تفسيرات: ١ - أن متعلّق الأمر في الآية محذوف لمعرفته وظهوره؛ فالله تعالى لا يأمر إلا بالطاعة والمعروف. وكما تقول العرب: (أمرته فعصاني) فالمحذوف هو: أمرنا مترفيها بالطاعة لله ورسله فعصوا وفسقوا. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]. ٢ - أن كلمة (أمَرنا) تعني: قدّرنا عليهم الأمر القدري الكوني. فالمعنى: إذا أردنا أن نهلك قرية قدّرنا على مترفيها القدر الذي كتِب عليهم، فكل مُيسَّر لما خُلق له، فتركهم وفِعْلَهم وأجرى عليهم تبعاته؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، (أمرُنا) أي: قدرُنا. ٣ - (أمرنا) بمعنى: سلّطنا؛ أي: سلطنا عليهم مترفيهم وفَسَقَتَهُم؛ لأنهم ابتعدوا عن شرع الله. وهناك معانٍ أخرى، وهذه هي الأقرب للصواب كما ذكر المفسرون، والله أعلم. فائدة: ذكرت الآية الكريمة أن الذي فسق هم مترفوها فعمَّ العذاب الجميع؛ وذلك لسببين: ١ - إما أن الأكثرية أصبحوا تبعًا لأمرائهم الفسقة ففعلوا مثلهم. ٢ - وإما أنهم تركوا الأمر بالمعروف فلم يتناهوا ولم ينكروا؛ فعمّهم الله بالعقاب. أمْنَا قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنا﴾ [البقرة: ١٢٥]. (وَأَمْنًا) لها مدلول واسع:

стр. 40

- فهي أمن من كل عدوان. - أمن للنفس وسكينة واطمئنان. - أمن حتى للشجر والحيوان إلا الفواسق الخمس. - أمن مضاعف في بلد أمين مخصص للمؤمنين. - وأمن مضاعف للحجيج في بيت حرام وشهر حرام وبلد حرام. - أمن للرزق -فمن مقوماته البركة- وتُجبى إليه الثمرات. - وفوق ذلك أمن ومغفرة في الآخرة لمن قصده للعبادة بصدق وصواب. أُمّها قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]. (أُمِّهَا) الأم في اللغة لها معنيان: ١ - رأس الشيء وأعظمه، ومقدمته: هو أمه. ٢ - ويقال لكل شيء اجتمع فيه أكثر الأشياء وضَمّها: (أم). (أُمِّهَا): - أي: في أكبرها وأعظمها، وهو المكان الذي يؤمُّه أكثرُ الناس. - أي: في أكثر القرى. والمعنى: ما كان ربك-يا محمد- مهلك أهل قرية حتى يقيم عليهم الحجة، فيبعث في أكبرها وأعظم بلادها والمكان الذي يضمُّ أكثرَ الناس رسولًا، كما أرسلك في أم القرى مكة المكرمة. فللإهلاك شرطان: ١ - أن يبعث رسولًا ويقيم عليهم الحجة. ٢ - أن يظلم أهلُ القرى ويكذبوا الرسول. * ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]. * ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. (أُمّ الكتاب) هو اللوح المحفوظ، وسمي (أُمّ الكتاب):
следующие страницы →