← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30053

الكاشف لدقائق المفردات القرآنية

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (544 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

- فالإمام من المكان تعني: الذي يقصده الناس. - والإمام من الأشخاص: القدوة الذي يتّبعه الناس؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما﴾ [البقرة: ١٢٤]، ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. ومن الكتب: كما في قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: ١٢] أي: في كتاب واضح؛ وهو اللوح المحفوظ. ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَة﴾ [الأحقاف: ١٢] أي: يُؤتم به، ويُعمل بما فيه. أمامه قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥]. (أَمَامَهُ) تحتمل معنيين كلاهما صحيح: ١ - أمامهُ في أيامه القادمة وما امتد من عمره في هذه الحياة الفانية. فيكون المعنى: يريد الإنسان أن يمضي في الفجور والمعاصي قُدُمًا، لا يثنيه ولا يردعه شيء. فهذه الآية تبين طول الأمل، والتسويف، ونسيان الأجل. فيحتمل أن يكون سؤاله في الآية بعدها: ﴿يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ سؤال غفلة واستبطاء. ٢ - أمامه؛ أي: فيما هو قادم عليه وهو يوم القيامة، والفجور هنا: هو التكذيب به. والمعنى: يريد الإنسان أن يُكذِّب بما أمامه وما هو قادم إليه وهو يوم القيامة؛ فيكون سؤاله في الآية بعدها: ﴿يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٦] سؤال تكذيب وعناد واستكبار. وبجمع المعنيين يتبيّن أن من الناس من يريد أن يدوم على فجوره في الحاضر والمستقبل ويسوّف التوبة، ومنهم من هو سادر في الغيّ، ولا يؤمن بيوم القيامة، بل هو مكذِّبٌ به، ولا يحسب له حسابًا. فائدة (١): في قوله تعالى: (يريد الإنسان): - إرادة الإنسان في المعنى الأول تعني: إرادته الاسترسال في المعاصي والشهوات. - وفي المعنى الثاني: تفيد تعمّده الإصرار والتكذيب والعناد. فائدة (٢): * الفجور في المعنى الأول يراد به: الفسق والمعاصي.

стр. 37

* والفجور في المعنى الثاني: هو الكفر والتكذيب؛ فالآية على إيجازها المُعجز شملت المفرِّط بدرجاته، والمكذب المعاند. أمة معاني مفردة «أُمّة»: لها في القرآن الكريم أربعة معان: ١ - إمامًا وقدوة. ٢ - برهة من الزمن. ٣ - ملة ودين، أو أهل ملة. ٤ - طائفة وجماعة وقوم، وجيل من الناس. - فجاءت بمعنى: (إمامًا وقدوة) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]. - وجاءت بمعنى: (مدة من الزمن) في: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]. ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨]. - وجاءت بمعنى: (ملة ودين) في: * ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي: على ملة ودين. * ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] أي: على ملة واحدة وهي الكفر. * ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] أي: على ملة واحدة ودين واحد؛ فقد كان الناسُ على ملة آدم ﵇ مدة عشرة قرون حتى عبدوا الأصنام؛ فبعث الله إليهم نوحًا ﵇. * ومثلها جميع ما جاء فيه قوله تعالى: (أمة واحدة) أي: ملة واحدة، أو أهل ملة واحدة. - وجاءت بمعنى: (أهل ملة) كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَة﴾ [الجاثية: ٦٨] أي: أهل كل ملة. * ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر: ٥] أهل كل ملة. * ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدا﴾ [القصص: ٧٥] أي: من أهل كل ملة وغيرها.

стр. 38

- أما الآيات الأخرى التي وردت فيها مفردة (أمة) فجاءت بمعنى: (جماعة، أو قوم وجيل وما في معناها) فقد تكون طائفةً قليلة العدد، وقد تكون جيلًا ممتدًّا وعدة قرون من الناس، ومنها: * ﴿وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. * ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] جماعة أو قوم. * ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: جماعة عدولًا خيارًا في الناس. * ﴿وَإِن مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] أي: طائفة أو قوم. * ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أي: جماعة وطائفة من الناس يسقون. * ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] من كل أمة من الأمم طائفة. * ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] لكل قوم أو جماعة جعلنا لهم شريعة. * ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] أي: بسبب كون طائفة منهم أكثر عددًا وقوة من الطائفة الأخرى. * ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] في كل قوم أو جيل من الناس. إمْرًا قال تعالى -في قصة موسى والخضر-: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرا﴾ [الكهف: ٧١]. (إمْرًا) الإمر: هو الأمر المنْكر العجيب؛ تقول العرب للأمر إذا استفحل: (أمِرَ الأمر). * وقريب منها: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرا﴾ [الكهف: ٧٤]. قال أهل العلم: النُّكْر أعظم من الإِمْر؛ فمعناه: أنه جاء بشيء فظيع أشد نكرًا من الأول؛ لأن الأول كان في خرق السفينة ويمكن إصلاحه، أما الثاني فكان في قتل الغلام ولا يمكن إعادته للحياة. * ومثلها في المعنى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾ [القمر: ٦] أي: إلى أمرٍ فظيع لشدة أهواله خارج عن المألوف، وهو يوم القيامة، والداعي هو إسرافيل ﵇. * وفي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيّا﴾ [مريم: ٢٧]. (فريّا): ادعاء وفرية عظيمة؛ لأنهم لم يصدقوا بعفّتها. * وفي قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدّا﴾ [مريم: ٨٩] أي: منكرًا فظيعًا جدًّا.

стр. 39

(إِدّا) (الإِدّ): وصفٌ لفظاعة الأمر وشناعته، وهو الأكبر شناعة وافتراء مما قبله؛ لذلك قال جل وعلا: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] وهو ادّعاء الولد لله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا. أمَرْنا قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرا﴾ [الإسراء: ١٦]. (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا): هل يأمر الله المترفين بالفسق؟! تعالى الله. في الآية عدة تفسيرات: ١ - أن متعلّق الأمر في الآية محذوف لمعرفته وظهوره؛ فالله تعالى لا يأمر إلا بالطاعة والمعروف. وكما تقول العرب: (أمرته فعصاني) فالمحذوف هو: أمرنا مترفيها بالطاعة لله ورسله فعصوا وفسقوا. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]. ٢ - أن كلمة (أمَرنا) تعني: قدّرنا عليهم الأمر القدري الكوني. فالمعنى: إذا أردنا أن نهلك قرية قدّرنا على مترفيها القدر الذي كتِب عليهم، فكل مُيسَّر لما خُلق له، فتركهم وفِعْلَهم وأجرى عليهم تبعاته؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، (أمرُنا) أي: قدرُنا. ٣ - (أمرنا) بمعنى: سلّطنا؛ أي: سلطنا عليهم مترفيهم وفَسَقَتَهُم؛ لأنهم ابتعدوا عن شرع الله. وهناك معانٍ أخرى، وهذه هي الأقرب للصواب كما ذكر المفسرون، والله أعلم. فائدة: ذكرت الآية الكريمة أن الذي فسق هم مترفوها فعمَّ العذاب الجميع؛ وذلك لسببين: ١ - إما أن الأكثرية أصبحوا تبعًا لأمرائهم الفسقة ففعلوا مثلهم. ٢ - وإما أنهم تركوا الأمر بالمعروف فلم يتناهوا ولم ينكروا؛ فعمّهم الله بالعقاب. أمْنَا قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنا﴾ [البقرة: ١٢٥]. (وَأَمْنًا) لها مدلول واسع:

стр. 40

- فهي أمن من كل عدوان. - أمن للنفس وسكينة واطمئنان. - أمن حتى للشجر والحيوان إلا الفواسق الخمس. - أمن مضاعف في بلد أمين مخصص للمؤمنين. - وأمن مضاعف للحجيج في بيت حرام وشهر حرام وبلد حرام. - أمن للرزق -فمن مقوماته البركة- وتُجبى إليه الثمرات. - وفوق ذلك أمن ومغفرة في الآخرة لمن قصده للعبادة بصدق وصواب. أُمّها قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]. (أُمِّهَا) الأم في اللغة لها معنيان: ١ - رأس الشيء وأعظمه، ومقدمته: هو أمه. ٢ - ويقال لكل شيء اجتمع فيه أكثر الأشياء وضَمّها: (أم). (أُمِّهَا): - أي: في أكبرها وأعظمها، وهو المكان الذي يؤمُّه أكثرُ الناس. - أي: في أكثر القرى. والمعنى: ما كان ربك-يا محمد- مهلك أهل قرية حتى يقيم عليهم الحجة، فيبعث في أكبرها وأعظم بلادها والمكان الذي يضمُّ أكثرَ الناس رسولًا، كما أرسلك في أم القرى مكة المكرمة. فللإهلاك شرطان: ١ - أن يبعث رسولًا ويقيم عليهم الحجة. ٢ - أن يظلم أهلُ القرى ويكذبوا الرسول. * ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]. * ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. (أُمّ الكتاب) هو اللوح المحفوظ، وسمي (أُمّ الكتاب):

стр. 41

١ - لكونه ضم جميع المقادير. ٢ - ولكونه أعظم الكتب. * ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. (أُمّ الكتاب): ١ - أصله الذي تنبني عليه الأحكام. ٢ - مُعظم القرآن من المُحْكَمات. * ومثلها: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩]. ١ - يهوى على مقدمته وأُمّ رأسه. ٢ - يهوي إلى (أُمّه) وهي جهنم التي تضمه في داخلها. * ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]. (أُمّ القرى) هي مكة المكرمة، سميت (أُمّ القرى)؛ لكونها: ١ - أعظم القرى. ٢ - ضمت بيت الله وحرمه ومهبط وحيه … - وسميت (الفاتحة) أُمّ الكتاب، كما في الحديث الشريف: «الحمدُ لله ربِّ العالمين: أمُّ القرآنِ، وأمُّ الكتابِ، والسبعُ المثَاني» صحيح الجامع (٧٢٩). ١ - لكونها مبدأ الكتاب ومقدمته، وأعظم سورة فيه. ٢ - لكونها جمعت في موضوعها جميع مقاصد القرآن الأساسية. * وكذلك سميت (الخمر) أُمّ الخبائث: ١ - لكونها مفتاح كل شر. ٢ - ولكونها جمعت الخبائث وأفضت إليها. الأميين قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]. (وَالْأُمِّيِّينَ) لها معنيان: ١ - جمع أمّي: وهو الذي لا يقرأ ولا يكتب، أو لا يفهم معنى المكتوب.

стр. 42

٢ - والأميون أيضًا: الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب وغيرهم. والمعنى العام: قل يا محمد للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى، وقل للأميين الذين لا كتاب لهم: أأسلمتم؟ أي: هل أفردتم الله بالألوهية والربوبية؟ فإن أسلموا وانقادوا لذلك: فقد اهتدوا وأصابوا الحق وسلكوا طريق الرُّشد، وإن تولّوا وأعرضوا عن دعوتك: فإنما عليك البلاغ، وأمرهم مُوكلٌ إلى الله؛ فهو العليم بمن يُقبِل ومن يُعرض، وهو البصير بأفعال عباده وما يستحقون من جزاء. * ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]. (أُمِّيُّونَ) جمع (أُمِيّ)، والأميّ: هو الذي لا يفهم القراءة، ولا يعرف المعنى. والمعنى: من اليهود أُمِّيُّونَ لا يعرفون القراءة ولا يفهمون المعنى، وإنما هي أماني؛ أي: قراءة بدون فهم. انظر المفردة الخاصة بها في حرف التاء، باب الجمل (سورة الحج، آية: ٥٢). * ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. (الْأُمِّيِّينَ): الأُميُّون: هم مَنْ لا كتاب لهم، ومنهم مشركو العرب، وهم بمعنى آخر كذلك لا يقرؤون ولا يكتبون. (ليس علينا في الأميين سبيل) أي: ليس علينا ملامة ولا إثم في استحلال دماء وأموال الأمِّيين. * ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]. (الْأُمِّيِّينَ) لها معنيان: ١ - لا يقرؤون ولا يكتبون. ٢ - لا كتاب لهم. * ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. (الْأُمِّيِّ) الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهو زيادة في مدْحِهِ، وزيادة تَأكيد أنه لم يأت بشيء من عنده، بل أتى به من عند الله.

стр. 43

إناثًا قال تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدا﴾ [النساء: ١١٧]. (إِنَاثًا) الآية تشير إلى الأوثان والأصنام التي يعبدها المشركون. ووصفت الأوثان بأنها إناث: - لأنها بمسميات إناث على الغالب: (مَنَاة - والعُزَّى - ونَائِلة - وإِسَاف … ). - ويزينونها بالحلي كما تتزين النساء. فيخبر القرآن على سبيل الاستهزاء ويعيب عليهم أنهم إنما يعبدون آلهة إناثًا، فبالإضافة إلى أنها جمادات لا تضر ولا تنفع، فهي بمسميات الإناث التي هم بأنفسهم -العرب- قديمًا كانوا يظلمون الأنثى ويعتبرونها ضعيفة، فكيف يتخذون آلهة إناثًا لتنصرهم وتغيثهم وهي فاقدة لذلك من كل وجه؟! (وإن يدعون إلا شيطانًا مريدًا) أي: إنما يعبدون ويتوسلون إلى الشيطان المَرِيد؛ فهو الذي دعاهم إلى عبادتها. (المَرِيد) أي: شديد العُتُوّ والضلال؛ فهم يعبدونه على الحقيقة وليس الآلهة. انبجست قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا﴾ [الأعراف: ١٦٠]. (فَانبَجَسَتْ) أي: خرج منها الماء. * ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا﴾ [البقرة: ٦٠]. (فَانفَجَرَتْ) أي: تدفق منها الماء. فكلٌّ من الآيتين تعطي وصفًا مختلفًا: - فالانفجار: يبيّن انصباب الماء بكثرة. - والانبجاس: خروج الماء من بين الحجارة. أنكالًا قال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيما﴾ [المزمل: ١٢].

стр. 44

(أَنكَالًا): جمع نِكل، وهو القيد. والمعنى: إن لدينا قيودًا وأغلالًا من النار وجحيمًا للعذاب .. نسأل الله السلامة! أما النّكال: كما في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. (نَكَالًا) أي: عقوبة من الله. * ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]. (فَجَعَلنَاهَا نَكَالًا) أي: عبرة وعظة مانعة لمن بعدهم. والضمير في (جعلناها) يحتمل أن يكون عائدًا على اثنين: ١ - على القرية؛ أي: جعلنا قرية أصحاب السّبْت الممسوخة نكالًا وعبرة لغيرهم. ٢ - على العقوبة؛ أي: جعلنا عقوبة المسخ عبرة لكل من تسوّل له نفسه أن يفعل فعلهم. * ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥]. (نَكَالَ) أي: أخَذَهُ أخذ عزيز مقتدر؛ ليكون عبرة في الدنيا في زمنه، وعبرة فيما بعد ذلك إلى يوم القيامة. * ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلا﴾ [النساء: ٨٤]. (تَنكِيلًا) أشد عذابًا وعقوبة. إذن: النكال تأتي بمعنى عبرة، وبمعنى عقوبة بحسب السياق، والأنكال: هي القيود. انكدرت قال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢]. (انْكَدَرَتْ) تجمع بين معنيين: ١ - انتثرت وحُلَّ نظامها. ٢ - وتساقطت وهَوَتْ، وذلك يوم القيامة. ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢]. * أما قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] فلها معان لا تتعارض: ١ - إذا سقط يوم القيامة. ٢ - إذا سقط منه شهاب على الشياطين. ٣ - إذا غاب في السماء مع طلوع الفجر؛ فكأنه يهوي لمستقرِّه.

стр. 45

آنية قال تعالى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٤ - ٥]. (عَيْنٍ آنِيَةٍ) آنى: بلغ نهايته أو نضجه. (آنية) أي: بلغت في الحرارة إناها؛ أي: منتهاها، فهذا من شراب أهل النار إذا عطشوا، نسأل الله السلامة! * ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]. (حَمِيمٍ آنٍ) (آن) هنا بصيغة المذكر، وتدل على ذات المعنى؛ أي: ماء بلغ نهايته في الحرارة والغليان. * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. (إِنَاه) أي: غير منتظرين نضجه. أهُشّ قال تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]. (وَأَهُشُّ بِهَا) تقول العرب: هش فلان الشجر: إذا اختبط ورقه وهزَّ أغصانه فتساقط، والهشُّ: هو الخبط على الشيء الهَشّ الذي يقبل الكسر بسهولة. والمعنى: أضربُ الشجر فيتساقط ورقه اليابس على غنمي فترعاه. أهوى قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٢ - ٥٣]. (أهوى) معنى أهوى؛ أي: أسقط. (والمؤتفكة): هم قوم لوط، سماهم المؤتفكة -أي: المنقلبة- لأن الله تعالى أمر المَلَك فاقتلعها وارتفع بها، ثم قلبها وأسقطها من ذلك الارتفاع، نسأل الله العافية! * وبمعنى السقوط كذلك: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] ولها معان، انظر: (ص ٤٩) في حرف الألف، مفردة: (انكدرت). فائدة: هناك فوارق لغوية في الآيتين التاليتين بناء على الفاعل والمفعول به:

стр. 46

- (والنجم إذا هَوَى) أي: سَقَطَ. - (والمؤتفكة أَهْوَى) أي: أسْقَطَ. * ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩] لها معنيان: ١ - أن الهاوية من أسماء النار، ومعنى (أمّه) أي: مسكنه الذي يأوي إليه، يعني أنَّ مآله إلى نار جهنَّم، والعياذ بالله! ٢ - أن المراد بالأُمِّ هُنا: أُمُّ الرأس؛ والمعنى: أن أَمَّ رأسه هاوية في جهنم، نسأل الله السلامة! ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١]. * (هَوَى) أي: خسر وسقط في جهنم. ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]. (استَهوَتهُ) لها معنيان كلاهما يحتمله النَّص المبارك: ١ - من الهويّ والسقوط؛ أي: كالذي هوت به الشياطين في مهاوي الضلال. ٢ - من الهوَى والغواية؛ أي: كالذي أغوته الشياطين وزيّنت له الهوى. أَوّبي قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]. (أَوِّبِي) أي: سبِّحي ورجِّعِي معه، وأصل الكلمة من (آب) أي: رجع. فالجبال مأمورة بترجيع التسبيح خلف داود ﵇، وتعود معه وتكرر حيث عاد. ولفظ (أوبي) يتشارك في أصل المعنى مع (الأَوّاب) لأن الأوبة هي العودة والرجوع؛ كما في قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧] ف (الأوّاب): هو الرَّجَّاع، أو كثير الرجوع إلى الله. * ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩]. (أَوَّاب) ترجّع وتتجاوب خلفه بالتسبيح. * ﴿لِلطَّاغِينَ مَئَابا﴾ [النبأ: ٢٢]. (مآبا) أي: مرجعًا ومنزلًا سيعودون إليه يوم القيامة.

стр. 47

* ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَئَابٍ﴾ [ص: ٤٩]. (مَآبٍ) أي: حسن مرجع وخير عاقبة في الدار الآخرة. أوجفتم قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]. (أَوْجَفْتُمْ): من إيجاف الخيل والإبل، وهو حملها على الإسراع في المشي؛ تقول العرب: (وَجَفَتِ الخيل) أي: أسرعت. (مَا أَفَاءَ): من الفيء، والفيء: هو ما أُخذ من أموال الكفار دون قتال. والمعنى: ما أفاء الله من غنائم منهم -أي: من أهل قرية بني النضير- فليس بسبب إسراع وإغارة خيلكم ولا ركابكم وجهادكم وتعبكم، فالله تعالى ساقه لكم دون قتال؛ فقذف في قلوبهم الرعب فأتتكم الغنائم صفوًا عفوًا. فليس لكم حق فيه -أي: للمجاهدين- بل هو لله ولرسوله، ثم ذكر بعدها آية تقسيم الفيء. أوسطهم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]. (أوسطهم) أي: أعدلهم وأفضلهم وأرجحهم عقلًا، وليس المراد أوسطهم في السنّ. * ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. (وسطًا) أي: خيارًا عدولًا من بين الأمم، وأهل توسط واعتدال؛ فلا هم أهل غلو ورهبانية كالنصارى، ولا أهل تقصير كاليهود الذين بدّلوا وحرّفوا. * ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. (أَوْسَطِ) أي: مما تأكلونه أو تلبسونه في حياتكم العادية بلا تكلف؛ فأوسطه هو أعدله من ناحيتين: - أوسطه في القدر: فهو على قدر الشبع؛ فلا يكون قليلًا لا يُشبع، ولا كثيرًا يَفيض. - أوسطه في القيمة: فلا يكون من خسيس المال، ولا يكون باهظ الثمن. أوضعوا

стр. 48

قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧]. (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ)؛ تقول العرب: (أوضع فلان ناقته) أي: أسرع بها. والمعنى: ولسارعوا ببث الفتن بينكم، ونشر الفرقة بين جماعتكم. أوعى قال تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨]. (فَأَوْعَى) من: جمْع المال ووضعه في وعاء يحفظه، وتكنيزه وتكديس بعضه على بعض؛ فلم ينفق منه للمحتاج والفقير. ومن المعنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٣]. (يُوعُونَ) من يوعِي؛ أي: يجمع في وعاء، والوعاء هنا: هو القلب. والمعنى: الله أعلم بما يُضمرون ويجمعون في قلوبهم من الفسق والنوايا الخبيثة. فكلمة: (أوعى)، و (يوعون) من الوعاء الذي يُجمع فيه، وليس من الوعي والإدراك، ومن ذلك جاء اسم الأوعية الدموية؛ لأنها تحمل في داخلها الدم. * ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] أي: رحالهم التي يحملون فيها أمتعتهم؛ يقال: (أوعيت المتاع) أي: جمَعته في حافظة. الأوليان هذه المُفْردة والآية -وهي آية الوصيَّة- استشكلت على كثير من المفسرين، ولا بد من ذكر الآية السابقة واللاحقة لمزيد التوضيح: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨].

стр. 49

(الْأَوْلَيَانِ) لا بُدَّ من شرح المعنى آية آية باختصار؛ للتوصّل إلى معنى المفردة: * (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) فيه أمرٌ للمؤمنين بالإشهاد، وهو أمرٌ للندب وليس للوجوب. وتجب الوصية لمن لديه حقوق لله؛ كالزكاة والكفارات، أو حقٌّ للغير؛ كدينٍ أو أمانة، ولا وصية لوارث. وتستحبُّ الوصية لمن لديه مال وعنده قرابة فقراء وليس لهم نصيب في الإرث. * (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ) في حالة الشعور باقتراب الموت وعنده ما يوصي به، وهو بعيد عن أهله في سفر. * (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) فإنه يقوم بإشهاد رجلين عدلين من المسلمين على هذه الوصية. * (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) إذا لم يوجد مسلمان للإشهاد، فرجلان من غير المسلمين (وهذه حالة اضطرار يُقبل فيها شهادة غير المسلم؛ وهي الوصية عند عدم وجود مسلم). * (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) تقدم الإشارة إليها؛ وهي وصية المسافر المُشْرف على الموت ولكنه بكامل وعيه؛ لأن المحتضر قد لا يعتبر كلامه. * (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) تُوقِفون سماع شهادتهما إلى ما بعد الصلاة، وجاء التعيين في السُّنَّة بصلاة العصر، والحكمة في اشتراط كون الشهادة من بعد الصلاة: - لما للصلاة من التأثير الإيماني، فقد تكون الشهادة أصدق. - ويكون الموقف أرهب وأخوف من الله. - وكذلك من خوف الفضيحة بين الناس، والله أعلم. * (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ) فيُقْسِم الشاهدان الأيْمانَ في حالة الشك في أمانتهما، ويَحلفان على صدقهما وأنهما لا يبتغيان الدنيا، وليس لهما أطماعٌ خاصة، ولا يُحابيان في الشهادة قريبًا؛ وإلا كانا من الآثمين. * (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) فإن تبيّن أن شهادتهما كانت زورًا وكذبًا. * (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا) فيقوم رجلان آخران بنقض شهادة الخائِنَيْن. * (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) لكلمة (أَوْلَيان) تفسيران: ١ - أنها مُثنى لكلمة «الأَوْلى» بالشيء والأحق به.

стр. 50

فيكون المعنى: فيقوم شاهدان بَديلان يكونان الأَوْلى بالميت؛ أي: لهما الأولوية والأحقية به وبإرثه والشهادة له. ٢ - أنها مثنى لكلمة «الأَوّل» على قراءة (الأوّلِين) وهي قراءة صحيحة، وتعني: الشاهدين السابقَيْن. فيكون المعنى: فيقوم شاهدان مقام الأَوَّلَيْن، وهما اللذان استحق عليهما الإثمُ بخيانتهما. * (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) فيقسم الشاهدان البديلان على خيانة وكذب الشاهدين الأولين، وعلى أن الميت له كذا وكذا، وأننا صادقان ولم نَفْتَرِ عليهما؛ وإلا كنا من الظالمين. * (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) يبين الله الحكمة من شهادة الشاهدين البديلين؛ ليظهر الحق الذي ينبغي أن يكون. * (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) وليكون الشهود على الوصية على خوف من افتضاح أمرهم حال الخيانة، وأنّ أيْمَانهم لن تُقبل، وسَتُردّ على قرابة الميت. * (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ثم يأمر الله تعالى بتقواه والسمع والطاعة؛ فمن خرج وفسق عن طاعته؛ فالله تعالى يخذله ولا يهديه إلى سبيل الخير. - وسبب نزول الآية: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ، فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، «فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »، ثُمَّ وُجِدَ الجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦]، صحيح البخاري (٢٧٨٠). - والجام: كأس من فضة، مُخوَّصًا من ذهب؛ أي: منقوشًا بالذهب. - تميم وعَدي: من النصارى، ثم أسلم تميم بعد ذلك. الأيد قال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧].

стр. 51

(ذَا الْأَيْدِ) الأيد: ليست من اليد، بل من الفعل «آد» ومضارعه «يئيد» وتعني: القوة والقدرة؛ تقول العرب: (فلان ذو أيدٍ) أي: عنده ما يتقوى به. فمعنى «آد» أي: قوِيَ. و «بأيد» أي: بقوة. فداود ﵇ وهبه الله القوة في كل أموره وأمدّه بأسبابها؛ سواء كانت قوة على أعدائه، أو قوة في قلبه على العبادة؛ فكان يصوم يومًا ويفطر يومًا. وسخر له الجبال تسبح مع تسبيحه، والقوة في ملكه للقيام بشؤونه، وألان له الحديد. * ومثلها في المعنى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]. (أُولِي الْأَيْدِي) أي: القوة على العبادة. (والأبْصَار) أي: البصيرة في العلم ومعرفة الحق. فجمعوا بين العلم الصحيح والعمل الصواب. * ومثلها: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. (بِأَيْدٍ) أي: بقوة وقدرة عظيمة؛ فقوة داود والأنبياء ﵈ تليق بهم، وقوة الله جل وعلا تليق به، لكن معنى اللفظ في أصل اللغة واحد. * ومنه كذلك: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]. * ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]؛ أي: قوّاك وشد من أزرك. * ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. (وَلَا يَؤودُهُ) أيضًا من الفعل (آد)؛ تقول العرب: (آدني الأمر) أي: أجهدني واشتد وشق عليّ. فالمعنى: لا يثقل عليه ولا يشق عليه حفظهما. فائدة: الفرق بين: الأيد والأود: (آد) أي: نصر واشتد وقوّى. ومضارعه: (يئيد) أي: يقوّي؛ من الأيد، وهو: القوة.

стр. 52

(آد) أي: أثقل وأجهَد، ومضارعه: (يؤود) أي: يثقُل؛ من الأوْد، وهو: الثقَل. ائْذَنُوا قال تعالى: ﴿فَإِن لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. (فَأْذَنُوا) من الأذُن -بضم الذال- لأن الأذُن هي طريق الاستماع المؤدي إلى العلم. والمعنى: فاعلموا، وهذا اللفظ غالبًا ما يأتي على وجه الإنذار والتحذير؛ أي: فاعلموا واحذروا أنكم على حرب مع الله ورسوله، وقيل من الإذْن -بكسر الألف- بمعنى القرار؛ أي: قرّرنا عليكم الحرب فأيقنوا بوقوعها، وهو كذلك أسلوب تحذيري، والمعنيان لا يتعارضان. * ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧]. (آذَنَّاكَ) الخطاب هنا موجه لله تعالى. والمعنى: أعلمناك يا ربنا. وهي إجابة يائسة تبيّن ما هم فيه من كَرْب؛ فالله تعالى هو العليم سبحانه لا يحتاج إلى إعلامهم، ولكنها شهادة منهم على أنفسهم ببطلان عبادة الشركاء بعد معاينة الحق يوم القيامة. * ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]. (آذَنتُكُمْ) أي: أعلمتُكم وأنذرتُكم. وسيأتي بيان الآية الأخيرة لاحقًا بإذن الله في مفردة (على سواء). * ومثلها في المعنى -ولكن على صيغة المبالغة-: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. (تَأَذَّنَ) أي: أعلمَهُم إعلامًا صريحًا قويًّا، وهم بنو إسرائيل. وتأذَّن هنا في سياقها تحمل معنى الإعلام المشتمل على التهديد والوعيد: أنه سيبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب؛ فلا يرون إلا المَذَلَّة والهوان إلى يوم القيامة. * ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. (تَأَذَّنَ) إيذانٌ وإعلامٌ بليغ صريح، وقسَمٌ من ربكم مشتملٌ على الوعد الحق الذي لا يحتمل الشك. (لئن شكرتم) والشكر مشتمل على: ١ - شكر النعمة: فإن شكرتم فلم تسرفوا وتجحدوا، ليزيدنكم من فضله. ٢ - شكره بالتزام طاعته: ليزيدنكم من ثوابه.

стр. 53

والشكر لا يقتصر على اللسان، بل يكون بالقلب واللسان والجوارح. فالآية: تشتمل على إعلام بأمرين: الأول: إعلامٌ فيه ترغيب ووعد في شطرها الأول: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ). الثاني: إعلامٌ فيه تهديد ووعيد في شطرها الثاني: (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ). إيمانكم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. (إِيمَانَكُمْ) أي: صلاتكم التي صليتموها إلى قِبْلَة بيت المقدس. وسَمَّى الصلاة إيمانًا: لأن فيها تصديقًا وطاعة للرسول ﷺ .

стр. 54

حرف الباء بحيرة قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. الآية ضمت أسماء لمجموعة من الأنعام، كانوا في الجاهلية يسمّون كل منها باسم لسبب معين؛ حتى يُحرِّموها على أنفسهم ولا ينتفعوا بها، فأبطل الإسلام هذه العادة الجاهلية. وقد اختُلف في معانيها على أقوال لا تهمنا، ولكن المهم هو معرفة المعنى من اشتقاقه. (بَحِيرَةٍ) من بَحَرَ؛ أي: شقَّ شقًّا واسعًا؛ وهي الناقة إذا ولدت خمسًا، وقيل: عشر إناث متتابعات؛ بَحروا أذنها؛ أي: شقوها شقًّا واسعًا علامة لها؛ لتُعرف بذلك فلا تُركب، ولا ينتفع بظهرها ولبنها. فمعنى بحيرة؛ أي: الناقة المشقوقة الأذن. (سَا ئبَة) السائبة هي الناقة التي تُسيّب لنذر بسبب قدوم من سفر أو شفاء من مرض أو نحوه، تسمى سائبة فتترك ولا تمنع من ماء ولا مرعى، ولا يُنتفع بها. فالسائبة: هي الناقة المُسيَّبة والمتروكة. (وَصِيلَة) الوصيلة -من الشاء، وقيل: من النُّوق-: إذا ولدتْ ذكرًا وأنثى في بطن واحد قالوا: وصلتْ أخاها؛ فلم يذبحوا الذكر وتركوه، فيسمى الوصيلة فلا يذبح ولا يُنتفع به، فأما إذا وُلد وحده ذبحوه. (حَامٍ) من الحماية، وهو: البعير الذي له حفيد، فإذا وَلد البعير وولدَ ولدُه حَرّموه على أنفسهم. وقيل: الذي وُلد من صلبه عشرةُ أبطن، قالوا: هذا حمى ظهره؛ فحرّموه عليهم ولم ينتفعوا به. بَسَر قال تعالى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢]. (بسر) اكْلحّ وجهُه وتغير لونه وأظلم، ونظر بكراهة؛ وهو الوليد بن المغيرة لمّا سمع آيات القرآن وعلم أنه الحق واحتار ما يقول فيه ليرضي قومه. * ومثلها: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤]. (بَاسِرَةٌ) أي: كالحة عابسة؛ كما قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] فكما كانوا عابسين كَالِحي الوجوه عند سماعهم للحق والقرآن، فيوم القيامة يحشرهم كُلْحًا سُود الوجوه؛ جزاءً وفاقًا، كما قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، فأهل الجنة وجوههم ناضرة؛ أي: بيضاء مشرقة، وهؤلاء بعكسهم، سوداء كالحة، عافانا الله وإياكم!

стр. 55

بَسَط مفردة (بسط) تأتي بمعان مختلفة بحسب السياق: * ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]. (بسط): بسط الرزق: نشره للعباد. * ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. (يبسط): ينشر ويوسّع. ومنها اسم الله (الباسط): من السعة ونشر الخير. * ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]. (بسطة) أي: زادكم سعة في قوة الجسم والعقل. * ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. (بسطة) أي: زادكم سعة في العلم وقوة الجسم والعقل. * ﴿لَئِن بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]. (بسطتَ) أي: مددت يدك لتقتلني. * ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. (تبسطها): تتوسع في الإنفاق والعطاء بإسراف. * ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤٨]. (يبسطه): ينشره فيملأ به أرجاء السماء. * ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢]. (ويبسطوا) أي: يمدوا أيديهم بالأذى والقتل، ويمدوا ألسنتهم بالسّباب وقول السوء. * ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطا﴾ [نوح: ١٩] أي: جعلها منبسطة ممهدة صالحة للحياة.

стр. 56

فائدة: - بَسْط اليد: مدها بالضرب أو بالعطاء. - بَسْط الرزق: نشره بين الناس. - بَسْط الأرض: مدها ومهدها. - بَسْط العلم: غزارته واتساعه. - بَسْط اللسان: الاستطالة بالسباب والشتائم. بصر ت قال تعالى: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦]. (بَصُرْتُ) بضمِّ الصاد تزيد في المعنى على مجرّد الرؤية، فتعطي معنى العلم؛ فتجمع بين البصر والعلم. والمعنى: قال السامري: (بَصُرت) أي: أبصرتُ وتفطّنت إلى ما لم يتفطّنه غيري. وهو أنه قبض من أثر حافر فرس جبريل ﵇ وقت خروجهم من البحر وغرق فرعون وجنوده، فنبذها على العجل؛ فسُمِع له صوت خوار، فافتتن به بنو إسرائيل وعبدوه. * ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] (فَبَصُرَتْ) يحتمل أنها أبصرته من بُعد وعلمت كذلك أخباره. فائدة (١): - (أبصَر يُبصِر) أي: نظَر. - (بصُرَ يبصُر) أي: أبصَر وعلم. * ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١٠ - ١١]. (يُبَصَّرُونَهُمْ) يُبصّر: من العلم؛ فهي تزيد على مجرد النظر فتفيد معنى المعرفة؛ تقول العرب: (بصَّرني فلان بكذا) أي: عرّفني به. والمعنى: يرونهم فيعرفونهم؛ لأن الله يبصّرهم بهم فيعرف كل حميم ومحب قريبه وحميمه الذي كان يحبه في الدنيا، ويراه دون أن يكلم بعضهم بعضًا. فيبصر الرجل أخاه ويرى أباه ولا يسأله ولا يكلمه؛ لانشغال كل منهم بنفسه، فيودّ المجرم لو يفتدي وينقذ نفسه من هول جهنم ببنيه وزوجته وأخيه وقرابته وقبيلته كلها .. نسأل الله السلامة!

стр. 57

فائدة (٢): قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيما﴾ [المعارج: ١٠]. أي: لا يتكلم أحدٌ مع أحدٍ في هذا الموقف الرهيب رغم المعرفة والمودة التي كانت في الدنيا. وهناك آيات أُخْرى تبين أن الناس يُكلم بعضهم بعضًا؛ فيوم القيامة مواقف: في بعضها يتكلم الناس ويلعن أهل الضلال بعضهم بعضًا، ويطلب آخرون الشفاعة وغير ذلك، وفي بعضها يسود الذهول والخوف والذعر فلا همس ولا كلام. * ومن مشتقات المفردة كذلك: ﴿وَعَادا وَثَمُودَا وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]. (مُسْتَبْصِرِينَ) الاستبصار: من الفعل بصُرَ، وهو استبيان الشيء بالنظر والاستدلال، فمعنى استَبصَر فِي أمره؛ أي: كَانَ ذَا بَصِيرَة. ولها معنيان لا يتعارضان: المعنى الأول: أنهم كانوا مستبصرين في الضلالة، زين لهم الشيطان أعمالهم وصدهم عن طريق الحق؛ فكانوا يرون أنفسهم على حق، ويحسبون أنهم على هدى وصواب، وهو عين الضلال. المعنى الثاني: كانوا مستبصرين في أمور الدنيا؛ فكانت لهم عقول للنظر الصحيح والاستدلال، ولكن سخروها للعمل للدنيا، فلديهم علم وبصيرة في أمور دنياهم؛ كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] أي: وهم بالآخرة جهلاء غافلون، وهو أعظم الذنب؛ ولذلك عاقبهم بأشنع العقوبة. بغيًا قال تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]. (بغيًا) البغي أصله: التجاوز عن المعقول؛ فيسمى الظلم والفساد والحسد بغيًا. والمعنى في الآية الكريمة: بئسما باعوا به أنفسهم وحُسْنَ مآلهم بالكفر وشرّ المآل؛ حسدًا وكراهة أن ينزل الوحي على من فضّله من بينهم، وهو النبي ﷺ . وحسدًا وحبًّا للرئاسة والمصلحة؛ فاستحقوا على ذلك الغضبَ من الله بغضب على غضب -وهم اليهود- فاستحقوا بكفرهم غضب الله على تضييع أوامر التوراة، وعلى الكفر برسالة محمد ﷺ .

стр. 58

أي: على كفرهم بعيسى، وكفرهم بمحمد عليهما الصلاة والسلام. * ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي: حسدًا. والمعنى: لم يكن اختلاف أهل الكتب السابقة في أوْلَى الكتب بالاتباع اختلافًا عن جهل؛ فقد ظهرت لهم الحُجج، ولكن اختلافهم عن حسد وطلب للدنيا، فهدى الله هذه الأمة للحق وللإسلام. * ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]. * ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤]. * ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية: ١٧]. * وفي قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ [يونس: ٩٠]. (بَغْيًا وَعَدْوًا) أي: ظلمًا وطغيانًا ورغبة في العُلُوّ. بقيّة قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦]. (أُولُو بَقِيَّةٍ) أي: بقايا من أهل الخير يدعون إلى الهدى. و (بَقِيَّةُ النّاسِ): سادَتُهم وأهْلُ الفَضْلِ مِنهم، ويقال: (في الرِّجالِ بَقايا) أي: منهم رجال لا تزال فيهم خصال الخير. * ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٦]. (بَقِيَّتُ اللَّه) وتشمل البقاء الدنيوي والأخروي: ١ - أي: مَا أَبْقَى اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْحَلَالِ بَعْدَ إِيفَاءِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ خَيْرٌ مما حرمه عليكم. ٢ - وثَوابُهُ الباقِي على ما أحله لكم خير مما تأثمون عليه. انظر تفسير العثيمين للآية.

стр. 59

بلاغًا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦]. (لبلاغًا) فيها ثلاثة معان لا تتعارض كلها محتملة، ويمكن الجمع بينها: ١ - فالبلاغ: من البلوغ والوصول؛ والمعنى: وصولًا إلى المراد والغاية التي يريدها الله من العباد. ٢ - والبلاغ: من البُلْغَة والكفاية؛ والمعنى: كفاية ومنفعة وثوابًا. ٣ - والبلاغ: من التبليغ؛ والمعنى: تبليغًا وبيانًا وحجة. ومثلها: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. (بلاغٌ): - أي: فيه الكفاية، ونعم الزاد لكم وهو القرآن الكريم. - وفيه البيان التام والوصول للمراد منه. - وفيه تبليغ وبيان وحجة عليكم. أما قوله تعالى -وقد تكرر في القرآن الكريم-: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]. (البلاغُ) من التبليغ والبيان والإرشاد والدلالة على الخير، وهو المعنى الثالث فيما سبق. بلغ قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩]. (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ) أي: لأنذركم بهذا القرآن المعجز يا أهل مكة. (ومن بلغ) أي: وأنذر به كذلك كل من بلغه القرآن في كل زمان ومكان من الإنس والجن والعرب والعجم على السواء. فكل من بلغه القرآن فقد بلغته دعوته، فرسول الله ﷺ نذيره؛ فلا يُعذر بتفريطه وعدم اتباعه؛ ففيه أساس كل ما هو مطلوب منه.

стр. 60

بناتي قال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨]. (بَنَاتِي) للمفسرين فيها قولان: ١ - أنه قصد عَرْض بناته للزواج منهم -وكان الزواج بالكفار جائزًا- درءًا للمعصية الشنيعة التي يطلبونها. ٢ - أنه يقصد ببناته: بنات قريته هن أطهر لكم؛ فتزوجوهن. وليس المقصود تقديمهن للزنا عِوَضًا عن فاحشة اللواط. بُهِت قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨]. (فَبُهِتَ) البهت: من الدهشة والمفاجأة بما يُحيِّر. ومثلها قوله تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾ [الأنبياء: ٤٠] أي: تباغتهم وتدهشهم وتحيِّرهم. * ومثلها في أصل المعنى كلمة (بهتان) كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]؛ البهتان: هو الافتراء بباطل يتحيَّر الشخص ويُدهش من بطلانه. وفي الحديث الشريف: «إنْ كانَ فيه ما تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيه فقَدْ بَهَتَّهُ» صحيح مسلم (٢٥٨٩). (بهتَّه) أي: قذفته بافتراء يتحيَّر ويدهش مَنْ سَمعه من بطلانه وكذبه. بوّأنا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]. تقول العرب: (بوّأت له منزلًا)، و (بوأته منزلًا) أي: هيأته له وأسكنته فيه. والتبوُّء: هو اتخاذ المنزل. والمَبَاءة: هي السكن أو المنزل. (بَوَّأْنَا. مُبَوَّأَ) أي: أنزلناهم منازل ومساكن حسنة ومُرضِيةً لهم، وهي مساكن آل فرعون بمصر، وأورثهم أرضهم وديارهم.

стр. 61

* ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]. (يتبوأ) أي: ينزل منها مكانًا مُهيَّأً للعيش والسكن. * ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]. (نتبوأ) أي: نتخذها منزلًا وسكنًا. * ومثلها قوله ﵎ لموسى وهارون ﵉: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتا﴾ [يونس: ٧٨]. (تبوّءا) أي: اتّخذا منها بيوتًا لقومكما. * ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]. (بَوَّأْنَا) أي: هيأنا له، ودللناه عليه، وأنزلناه فيه. * ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]. (تَبَوَّءُوا) أي: الأنصار -أهل المدينة- الذين سكنوا ونزلوا دار الإيمان قبل المهاجرين. * ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل: عمران: ١٢١]. (تُبَوِّئُ) أي: تهيئ وتوطئ لهم مكانًا ومعسكرًا، وتنْزِل كل واحد منهم مكانه. بورًا قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورا﴾ [الفتح: ١٢]. (بُورًا) جمع بائر، ولها معنيان: ١ - البائر: هو الفاسد. ٢ - والبائر: هو الهالك. ولا تعارض بينها: فالبوار: هو الهلاك. والأرض البور: الأرض الخراب، والتي لا تنبت ولا خير فيها. والبضاعة البور: الكاسدة. والرجل البور: الفاسد الذي لا خير فيه.

стр. 62

وبجمع المعنى: كنتم قومًا فاسدين ليس فيكم ذرة من خير لفساد عقيدتكم وقلوبكم، وكنتم قومًا خاسرين هَلْكَى يوم القيامة لذات السبب. * ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]. (دَارَ الْبَوَارِ) دار الهلاك والخبث لا خير فيها، جزاء لمن لا خير فيهم، وهي نار جهنم والعياذ بالله!!

стр. 63

حرف التاء تأفكنا قال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢]. (لِتَأْفِكَنَا) الإفك: هو الكذب والباطل، وهو الصَّرْف وقلب الحقائق. والمعنى: لتصرفنا عنها؛ فهم يتهمون نبيهم بصرفهم عن الحق للباطل وهو العكس، وهذا حال أهل الضلال يظنون أنهم على الحق. * ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦]. (أَئِفْكًا) أي: أكذبًا وباطلًا من دون الله تعبدون؟! * ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أي: يُصرف عن الحق إلى الباطل من صرف. * ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]. (وَالْمُؤْتَفِكَة) ومعناها: المقلوبة، وهم قوم لوط، سمّوا بذلك؛ لكونهم انقلبت بهم قريتهم؛ فكما صُرِفوا عن الحق إلى الباطل صرف الله وضعهم عن الوضع الصحيح؛ فكان عقابهم الانقلاب، والعياذ بالله. * ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] أي: تلتهم حبالَهم التي سحروا أعين الناس بها فصرفوهم عن الحقيقة. تأويله قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]. (تأويله) التأويل له معان، وقد ورد في (١٥) آية في القرآن الكريم، فمن معانيه: - وقوعه على حقيقة أمره. - من الموئل والعاقبة. - من تفسير معناه وتعبيره. فمعنى الآية: ماذا ينتظرون بعد شركهم؟ هل ينتظرون إلا (تأويله) -أي: تحقيقه ووقوع ما وُعدوا به في القرآن-؟ وقوله: (يوم يأتي تأويله) أي: يوم القيامة، يوم تأتي عاقبة فعلهم، ويقع ما أنذرهم به على الحقيقة ويرونه عَيَانًا؛ عندئذٍ يلومون أنفسهم ويندمون حيث لا ينفع الندم.

стр. 64

* وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧]. (بِتَأْوِيلِهِ) أي: بحقيقته وماهيته. والمعنى: أن يوسف ﵇ علَّمه الله شيئًا من الغيب؛ فيعلم ما يأتيهما من طعام: نوعه، واسمه، وصفاته، وغير ذلك قبل أن يأتي إليهما. * وكذلك: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩]. (تَأْوِيلَهُ) أي: ما علموا حقيقته. والمعنى: بل لقد سارعوا بالتكذيب بالقرآن من قبل أن يتأملوا ويعلموا حقيقته وصدق ما وعدهم به، ولكنه آت كما أَتى مَنْ قبلهم من المكذبين. * وفي قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. (تَأْوِيلًا) من الموئل: وهو العاقبة، أي: ذلك خير لكم وأحسن عاقبة. * ومثلها: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [الإسراء: ٣٥]. (تأويلًا) أحسن عاقبة. وجاءت بمعنى التفسير في الآيات التالية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) أي: تفسيره. (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) أي: ما يعلم حقيقته إلا الله. فالمعنى: الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه من القرآن -وهو الذي يحتمل أكثر من وجه في تفسيره- يريدون بذلك إثارة الفتن، وما يعلمه على الحقيقة إلا الله ﵎. * ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. (تأويل رؤياي) أي: تفسير رؤياي. ويجوز كذلك: وقوع رؤياي على حقيقتها.

стр. 65

ومثلها الآيات التالية: * ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]. * ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٢١]. * ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]. (تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) أي: تعبيرها وتفسيرها. * ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]. (بِتَأْوِيلِهِ) أي: بتعبيره وتفسيره. * ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤]. (بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ) أي: بتفسيرها وتعبيرها. * ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥]. (بِتَأْوِيلِهِ) أي: بتفسير الرؤيا. * ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]. * ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا﴾ [الكهف: ٨٢]. (تَأْوِيلُ) أي: تفسيره وبيانه. تباب قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧]. (تَبَاب) من التَّبِّ: وهو الخسارة والهلاك؛ فالتَّباب يحمل معاني: الخيبة، والخسارة، والهلاك، والدمار. * ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]. (تَبَّتْ) أي: هلكت وخسرت. * ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]. (تَتْبِيبٍ) أي: غير خسارة وهلاك. والمعنى: ما نفعتهم آلهتهم التي لجأوا إليها عند نزول الشدائد، بل على العكس جلبوا بذلك نِقمة الله عليهم، وزادتهم عبادتُهم لها هلاكًا وخسارة إلى خسارة، بضد ما ظنوا وخطر ببالهم.

стр. 66

تبديل قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. (لا تبديل لخلق الله) (لا تبديل): لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - على وجه النهي؛ أي: لا تبدّلوا خلقة الله وفطرته. ٢ - على وجه الخبر؛ أي: لن يحصل تبديل لخلق الله من أحد إلا بإذنه تعالى. (خلق الله) لها كذلك معنيان كلاهما صحيح؛ فالمعنى الثاني معنًى عام يدخل فيه الأول: ١ - أي: لا تبدلوا دين الله وفطرته التي خلقها وفطر الناس عليها بالكفر والشرك، ولا تغيروا قابليتهم للتوحيد. ٢ - والمعنى العام: لا تبدلوا خِلقة الله وحكمه في خلقه بجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه الله، فقد خلق الله الخلق لعبادته وطاعته؛ فيدخل في ذلك النهيُ عن تبديل وتغيير كل ما أمر الله به من شرعه وأحكامه. تُبْسل قال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠]. (تُبْسَلَ) من البَسْل وهو: المنع والحبس. والمعنى: أن تُحبس عن الخير وتُمْنع عن الثواب؛ فهي مرهونة ومحبوسة بسبب ما كسبت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. ومعنى: ﴿أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [الأنعام: ٧٠] أي: حُرِموا ومُنِعوا من الثواب بما عملوا. تبلو قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]. (تَبْلُو) تبلو هنا من (البلاء)، بمعنى التحقق والإظهار والكشف؛ فهو اختبار فحص.

стр. 67

وليس المعنى من (الابتلاء والامتحان) على أكثر أقوال المفسرين. فمعنى الآية: هنالك -وهو يوم الحساب- يظهر لها معاينة نتيجة ما أقدمت عليه من عمل. وقد صحّت قراءة: (هنالك تتلو كل نفس … ) أي: تقرأ بنفسها ما فعلت؛ لذلك قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبا﴾ [الإسراء: ١٤]. * ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أي: تُعَايَنُ السرائر ويُكشَف عنها يوم القيامة علانية، ويُظهر ما خبأت من خير وشر. * ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. (وَلِيَبْتَلِيَ) تشمل المعنيين: - للمؤمنين: تختبر ما في قلوبهم من إخلاص وصدق. - وللمنافقين: تُبدي وتكشف ما تنطوي عليه قلوبهم من كذب ونفاق، وتكشف قولهم وتكذيبهم بالقدر ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فيبديه ويكشفه بعد أن كان أمرًا مستورًا لا يعلمه أحد. وفي الآية التالية يتضح كذلك المعنيان: معنى الابتلاء والتمحيص، ومعنى الإظهار والكشف: قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]. (لنبلونكم) تعني: الابتلاء والامتحان بالجهاد. (نبلوَ أخباركم): بالكشف عنها وإظهار المؤمن من المنافق. تبيعًا قال تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعا﴾ [الإسراء: ٦٩]. (تَبِيعًا) من التّبِعة والإنكار، والمطالبة بالثأر أو الحق. وتسمي العربُ كلَّ من طالب بالثأر أو الحق: تَبِيعًا؛ لأنه يتابع القضية ويطالب بها ويدافع عن صاحبها ولا يتهاون.

стр. 68

والمعنى: لن تجدوا من يطالب بنصرتكم ويتولى الثأر لكم، أو ينكر علينا تعذيبكم ويحمل التّبعة علينا بشيء، والله تعالى لا يظلم أحدًا مثقال ذرة. * ومثلها في أصل المعنى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. (اتباع) أي: مطالبة بالدية بالمعروف كما شرع الله من غير مبالغة ولا اعتداء. ومعنى الآية للفائدة: فإن عفا أهل المقتول عن القصاص، فليطالبوا بالدية بالمعروف. وهناك آيات مشابهة لمعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعا﴾ [الإسراء: ٦٩]: * ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] أي: لا تجدوا من يدافع عنكم ويحميكم من عذابه. * ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٦] أي: لا تجد وكيلًا يطالبنا به، ولا رادًّا يرده إليك وهو القرآن. * ﴿إِذا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرا﴾ [الإسراء: ٧٥] أي: ثم لن تجد من ينصرك ويدافع عنك. تتبيرًا قال تعالى عن الأقوام السابقة: ﴿وَكُلّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرا﴾ [الفرقان: ٣٩] أي: دمرنا وأهلكنا. * ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩] أي: مُهلَك ومُدمَّر ما يعكفون عليه من عبادة الأصنام. * وعن بني إسرائيل وعلوهم: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]. (يتبّروا) أي: يُخربوا ويدمروا؛ يقال: (فلان تبّر الشيء) أي: كسّره ودمّره. * ومثلها في المعنى عن نوح ﵇: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارَا﴾ [نوح: ٢٨] أي: دمارًا وهلاكًا. تجأرون قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]. * ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْئَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾ [المؤمنون: ٦٤ - ٦٥]. الجُؤار: رفع الصوت بالاستغاثة. و (تجأرون) أي: ترفعون أصواتكم بالدعاء والاستغاثة.

стр. 69

تحسُّونهم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْأخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. (تَحُسُّونَهُمْ) الحَسّ: من الاستئصال بالقتل. فالمعنى: (تحسونهم) أي: تقتلونهم قتلًا ذريعًا بإذنه، وكان ذلك في بداية غزوة أحد قبل أن يستعجل الرّماة ويتركوا أماكنهم وينزلوا إلى الغنائم. تحصوه قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. (تُحْصُوهُ) من الإحصاء: وهو العد والحساب. والمعنى: لن تستطيعوا ضبط وتقدير ثلث الليل ونصفه على مدار السنة لعامة الناس، ولن تطيقوا الالتزام بذلك. وقد كان قيام الليل فريضة في أول الأمر، واستمر عامين ثم نُسخ؛ لأن ذلك يشق على عامة الناس. (فتاب عليكم) هم لم يفعلوا ذنبًا ليتوب عليهم، لكن معنى «تاب» أي: رجع عن هذا الحكم عنكم، ونسخه تخفيفًا ورحمة بكم؛ لأنه لو فرضه عليهم وقصّروا لأثموا. (فاقرءوا) أي: فصلوا قيام الليل تطوعًا ونافلة بقدر استطاعتكم. وعبر عن الصلاة بالقراءة؛ لأنها أحد أجزائها، ويدخل فيه قراءة القرآن كذلك. تدّعون قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]. (مَا تَدَّعُونَ) من (الادّعاء) والادّعاء له معان منها: ١ - الزعم والتقول والدعوى. ٢ - من الاستدعاء والطلب. ويدخل في هذا المعنى الدعاء.

стр. 70

والمراد في هذه الآية المعنى الثاني، وهو الطلب والاستدعاء. فمعنى الآية الكريمة: لكم فيها ما تستدعونه وتطلبونه وتتمنونه. قال العلماء: هذه الآية اشتملت على غاية الترغيب؛ فلكم في الجنة كل ما تشتهي النفس وكل ما تطلب، والطلب أعم وأوسع مما تشتهيه النفس. * أما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧]. (تَدَّعُونَ) فالادعاء هنا يحتمل كلا المعنيين: - فبالمعنى الأول؛ أي: الذي كنتم تَزعمون وتفترون باطلًا أنه لا جنة ولا نار ولا عذاب. - وبالمعنى الثاني؛ أي: الذي كنتم به تطلبون من ربكم في الدنيا أن يعجله لكم وهو العذاب. وكلاهما صحيح لا يتعارض. تُدلوا قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. (تُدْلُوا) الإدلاء في الأصل: إرسال الدلو في البئر للوصول للماء، ثم استعير للتوصّل إلى الشيء. وبهذا المعنى الأساس جاء قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ [يوسف: ١٩] (فَأَدْلَى دَلْوَهُ) أي: أرسلَ دَلوهُ وأنزله في البئر. - والمعنى لقوله تعالى: (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) له احتمالان كلاهما صحيح: ١ - لا تُدلوا؛ أي: تُصانعوا وترسلوا بأموالكم إلى الحكام -وهم القضاة- فتُرشوهم ليقضوا لكم بِالْباطِل. ويدخل في ذلك تقديم الهدايا لهم والضيافة والخدمات؛ ليحكموا لصالحكم. ٢ - لا تُدلوا وتمدّوا القضاة بالحجج الباطلة، أو تلبِّسوا عليهم ليحكموا كذلك لصالحكم زورًا وبهتانًا. كما قال النبي ﷺ : «إنما أنا بشرٌ، وإنكم تختصِمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ ألْحنَ بحُجَّتِه من بعضٍ؛ فأقضي له على نحوِ ما أسمع، فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار» صحيح البخاري (٦٩٦٨)، ومسلم (١٧١٣). وقد بينت الآية الكريمة بعض صور أكل أموال الناس بالباطل عند التقاضي، وهما صورتان: ١ - الإدلاء بالمال ليستميلوهم. ٢ - الإدلاء بالحجج الواهية والباطلة ليحكموا لصالحهم.

стр. 71

تذكرة قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦]. (تَذكِرَة) ما هي التذكرة؟ اختلف المفسرون فيها على قولين؛ وبناء عليه يختلف المعنى: ١ - أنَّ هَذه الوَصِيَّة بالمُسَاوَاةِ بين النَّاسِ في إِبلَاغِ العلمِ إلى شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ -وهي قصة الأعمى- تذكرة. ٢ - أن هذه الآيات والقرآن موعظة، فَمَنْ شاءَ الهداية للصواب والحقّ اتعظ بهذه الموعظة، وذَكَرَ القُرْآنَ وعَمِلَ بِهِ. قال ابن عثيمين ﵀ -في تفسيره لقوله تعالى: (فمن شاء ذكره) -: «فالله جعل للإنسان الخيار: الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا؛ جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر». (فِي صُحُف مكَرَّمَة) أي: مكتوبة في صحف مُعظمة عالية الشأن؛ لأنها نزلت من الكريم سبحانه وبأيدي كرام بررة، ولما تحويه من العلم والحكمة. (مَرْفُوعَةٍ) عالية القدر والمكانة، وعالية المكان لا يصل إليها إلا السَّفَرة البررة. (مُطَهَّرَةٍ) مطهرة من التحريف والنقص، ومطهرة من وصول الشياطين واستراقهم. التراث قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمّا﴾ [الفجر: ١٩]. (التُّرَاثَ): مال الميراث. فائدة: يُطلق التُّرَاثُ في اللغة على ثلاثة أشياء: ١ - كل ما يخلِّفه الميت لورثته. ٢ - كل ما تملكه الأسرة يسمى: (تراث الأسرة). ٣ - كل ما خلَّفه السلف من آثار؛ سواء كان تراثًا علميا، أو أدبيًّا، أو ثقافيًّا، أو شعبيًّا … ومعنى الآية الشريفة: يلوم الله تعالى مخاطبًا الناس: أن منكم الظلمة الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم لطبعهم الشحيح، فينهبون أموال الضعفاء ويأكلون الميراث بغير حق، ويضمُّون نصيب غيرهم إليهم من الذين لا حيلة لهم في الدفاع عن أنفسهم -كالنساء واليتامى-

стр. 72

(أَكْلًا لمًّا): من اللم والجمع، أي: يلتهمونه. و (لمّا) تعني: يلمّونه لمًّا، ويجمعونه كلّه فلا يتركون منه شيئًا. تربّصتم قال تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]. (وَتَرَبَّصتُم) الخطاب للمنافقين، و (التربص) هو: الانتظار. وقد وردت عدة آيات فيه، ولكن الآية هنا متعلقة بمحذوف: تربصتم بماذا؟ - هناك معنيان كلاهما يحتمله النَّص: ١ - تربصتم بالمؤمنين الدوائر؛ أي: كنتم تتمنون وتنتظرون نصر أعداء الله على المؤمنين. ٢ - تربصتم بإيمانكم؛ فكنتم تتثاقلون عنه ولا تفكرون بالرجوع والتوبة، وكنتم ترتابون وتشكون فيه، وغرتكم الأماني بأنَّ أمر المؤمنين سينتهي بنصر الأعداء والقضاء عليهم، حتى جاءكم الموت ووعيد الآخرة. ترجون قال تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارا﴾ [نوح: ١٣]. الرجاء عند العرب له معان بحسب السياق: ١ - الطمع والرغبة والأمل. ٢ - التوقّع والترقب. ٣ - الخوف والمبالاة؛ لأن الذي لا يخاف لا يبالي بالأمر. - وفي الآية السابقة (لَا تَرجُونَ) الرجاء بمعنى: الخوف والمبالاة؛ أي: لا تخافون الله ولا تبالون عظمته، ولا تعرفون له حقًّا وتوقيرًا. * ﴿قُل لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤]. (لَا يَرجُونَ) لا يخافون وقائعه ونقَمه، ولا يبالون بنعمِه أو بنقمِه. - وبمعنى الخوف والمبالاة والتوقع: * ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابا﴾ [النبأ: ٢٧] أي: لا يخافونه ولا يبالون به، ولا يتوقعون حدوثه. * ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورا﴾ [الفرقان: ٤٠] لا يتوقعون النشور والبعث، ولا يبالون به ولا يخافونه؛ لأنهم ينكرونه. - أما معنى الطمع والرغبة والتوقع: فقد جاءت الآيات التالية به:

стр. 73

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] أي: يطمعون ويرغبون فيها ويترقبونها. * ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤] أي: تطمعون في النصر والثواب وترغبون فيه وتترقبونه. * ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورا﴾ [الإسراء: ٥٧] أي: يطمعون ويرغبون فيها ويترقبونها. * ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠] أي: لا يطمعن ولا يرغبن فيه. ويحتمل: لا يتوقعن النكاح ويستبعدنه لكبر السن. * ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] أي: يطمعون ويرغبون ويترقبونها بصدق. - ومنها ما جاء يحتمل جميع المعاني؛ وهي التي اقترنت بلقاء الله، ومصحوبة بالوعيد لمنكري البعث: * ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] أي: لا يطمعون ولا يأملون فيه ولا يتوقعونه، ولا يبالون به ولا يخافونه؛ لذلك لم يستعدوا له لأنهم ينكرون البعث. * ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١]. * ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥]. * ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرا﴾ [الفرقان: ٢١]. ترجي قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥١].

стр. 74

(تُرجِي) من الإرجاء والتأخير، وهذه الآية خاصة بالنبي ﷺ ؛ تخفيفًا من الله تعالى وتوسعة عليه. وتحتمل معنيين للإرجاء كلاهما صحيح: ١ - أي: تؤخّر من تشاء من نسائك، فلا حَرَج عليك في القَسْم لهن بما تراه، ولا يشترط العدل؛ فتؤوي من شئتَ فتقدمها على غيرها فتبيتَ عندها، وتؤخّر من شئتَ، ومع ذلك فقد كان ﷺ أشد مراعاة لهن. ٢ - أي: تؤخر قبول من شئتَ من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لك، فله ﷺ خاصة أن يقبل بالزواج ممن وهبتْ له نفسها بلا مهر ولا وليّ ولا شهود، وليس هذا لأحد غيره. فإن شاء قبلها على الفور، وإن شاء أخر ذلك إلى الوقت الذي يريد، وليس لأحدٍ أن يتزوجها حتى يُخلي النبي سبيلها بعدم الرغبة فيها. (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ) تكون على المعنيين السابقين: - فمن ابتغيتَ تقديمها والبيات عندها ممن أخّرت من أزواجك، فلا جناح عليك. - فمن ابتغيتَ من الواهبات أنفسهن وكنت قد أخرت الأمر فبدا لك القبول بها، فلا جناح عليك. تتمة الآية للفائدة: وذلك التخيير الذي منحك الله أقرب إلى رضاهن؛ لأنه حكْمُ الله، فتقر بذلك أعينهن ويرضين به ولا يحزنّ. والله عليم بما في القلوب وما يُصلحها، حليم؛ ومن حلمه أنه لا يعاقب من أخطأتْ منهن أو أضمرت شيئًا من عدم الرضا أو غيره. * ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١]. (أَرْجِهْ) أي: أرجئ وأخِّر. والمعنى: أخِّرْ أمرهما وأمهلهما حتى نستعد لهما بجلب السحرة. * ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦]. (مُرْجَوْنَ) أي: مؤخَّرون حتى يحكم الله فيهم. وهذه الآية عائدة على الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك، فقد أخَّرهم الله إلى أن يظهر أمره فيهم بالعقاب أو العفو. وهي عامة بعد ذلك، يُستنبط منها أن من ظلم نفسه بالتفريط في الواجبات، فهو يوم القيامة مُرْجَؤٌ لمشيئة الله؛ إن شاء تاب عليه، وإن شاء عذبه.

стр. 75

تَرْدَى قال تعالى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [طه: ١٦]. (فتَرْدَى) لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - الهلاك: ومنه جاء تسمية الموت ب (الرّدى)، و (المِرداة): نوع من الحجارة التي تستخدم لتفتيت الأشياء. والمعنى: (فتردَى) أي: فتهلك. ٢ - السقوط: وهو التردّي؛ ومنه سميت الأنعام الساقطة من علو ب (المتردية). والمعنى: (فتردى) أي: فتسقط في هاوية الضلال، ثم في النار. * ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾ [الليل: ١١]. (ترَدَّى) أي: إذا مات وهلك فلن ينفعه ماله، وإذا هوى في جهنم فلن ينفعه كذلك. * ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ [الصافات: ٥٦]. (لتُرْدِينِ) أي: كدت أن تهلكني وتسقطني معك في النار. * ومنها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. (المتردية): التي سقطت من جبل، أو وقعت في بئر فهلكت. *: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧] (ليردوهم): من الردى وهو الهلاك: أي ليهلكوهم. انظر معنى الآية في قسم الجمل آية (الأنعام ١٣٧) تستأنسوا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧]. (تَسْتَأْنِسُوا) الاستئناس في كلام العرب: هو النظر، والاستعلام، والاستئذان. والمعنى: حتى تستعلموا وتستأذنوا وتنظروا؛ هل يؤذن لكم، أم لا؟ وسمي استئناسًا: لأنه يُذهِب الوحشة والاستنكار.
следующие страницы →