Полный текст (544 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تذكرة
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦].
(تَذكِرَة) ما هي التذكرة؟
اختلف المفسرون فيها على قولين؛ وبناء عليه يختلف المعنى:
١ - أنَّ هَذه الوَصِيَّة بالمُسَاوَاةِ بين النَّاسِ في إِبلَاغِ العلمِ إلى شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ -وهي قصة الأعمى- تذكرة.
٢ - أن هذه الآيات والقرآن موعظة، فَمَنْ شاءَ الهداية للصواب والحقّ اتعظ بهذه الموعظة، وذَكَرَ القُرْآنَ وعَمِلَ بِهِ.
قال ابن عثيمين ﵀ -في تفسيره لقوله تعالى: (فمن شاء ذكره) -: «فالله جعل للإنسان الخيار: الخيار قدرًا، وأما شرعًا فلا؛ جعل له الخيار بين أن يؤمن ويكفر، أما شرعًا فإنه لا يرضى لعباده الكفر».
(فِي صُحُف مكَرَّمَة) أي: مكتوبة في صحف مُعظمة عالية الشأن؛ لأنها نزلت من الكريم سبحانه وبأيدي كرام بررة، ولما تحويه من العلم والحكمة.
(مَرْفُوعَةٍ) عالية القدر والمكانة، وعالية المكان لا يصل إليها إلا السَّفَرة البررة.
(مُطَهَّرَةٍ) مطهرة من التحريف والنقص، ومطهرة من وصول الشياطين واستراقهم.
التراث
قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمّا﴾ [الفجر: ١٩].
(التُّرَاثَ): مال الميراث.
فائدة:
يُطلق التُّرَاثُ في اللغة على ثلاثة أشياء:
١ - كل ما يخلِّفه الميت لورثته.
٢ - كل ما تملكه الأسرة يسمى: (تراث الأسرة).
٣ - كل ما خلَّفه السلف من آثار؛ سواء كان تراثًا علميا، أو أدبيًّا، أو ثقافيًّا، أو شعبيًّا …
ومعنى الآية الشريفة: يلوم الله تعالى مخاطبًا الناس: أن منكم الظلمة الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم لطبعهم الشحيح، فينهبون أموال الضعفاء ويأكلون الميراث بغير حق، ويضمُّون نصيب غيرهم إليهم من الذين لا حيلة لهم في الدفاع عن أنفسهم -كالنساء واليتامى-
стр. 72
(أَكْلًا لمًّا): من اللم والجمع، أي: يلتهمونه. و (لمّا) تعني: يلمّونه لمًّا، ويجمعونه كلّه فلا يتركون منه شيئًا.
تربّصتم
قال تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤].
(وَتَرَبَّصتُم) الخطاب للمنافقين، و (التربص) هو: الانتظار.
وقد وردت عدة آيات فيه، ولكن الآية هنا متعلقة بمحذوف: تربصتم بماذا؟
- هناك معنيان كلاهما يحتمله النَّص:
١ - تربصتم بالمؤمنين الدوائر؛ أي: كنتم تتمنون وتنتظرون نصر أعداء الله على المؤمنين.
٢ - تربصتم بإيمانكم؛ فكنتم تتثاقلون عنه ولا تفكرون بالرجوع والتوبة، وكنتم ترتابون وتشكون فيه، وغرتكم الأماني بأنَّ أمر المؤمنين سينتهي بنصر الأعداء والقضاء عليهم، حتى جاءكم الموت ووعيد الآخرة.
ترجون
قال تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارا﴾ [نوح: ١٣].
الرجاء عند العرب له معان بحسب السياق:
١ - الطمع والرغبة والأمل.
٢ - التوقّع والترقب.
٣ - الخوف والمبالاة؛ لأن الذي لا يخاف لا يبالي بالأمر.
- وفي الآية السابقة (لَا تَرجُونَ) الرجاء بمعنى: الخوف والمبالاة؛ أي: لا تخافون الله ولا تبالون عظمته، ولا تعرفون له حقًّا وتوقيرًا.
* ﴿قُل لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤].
(لَا يَرجُونَ) لا يخافون وقائعه ونقَمه، ولا يبالون بنعمِه أو بنقمِه.
- وبمعنى الخوف والمبالاة والتوقع:
* ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابا﴾ [النبأ: ٢٧] أي: لا يخافونه ولا يبالون به، ولا يتوقعون حدوثه.
* ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورا﴾ [الفرقان: ٤٠] لا يتوقعون النشور والبعث، ولا يبالون به ولا يخافونه؛ لأنهم ينكرونه.
- أما معنى الطمع والرغبة والتوقع: فقد جاءت الآيات التالية به:
стр. 73
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] أي: يطمعون ويرغبون فيها ويترقبونها.
* ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤] أي: تطمعون في النصر والثواب وترغبون فيه وتترقبونه.
* ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورا﴾ [الإسراء: ٥٧] أي: يطمعون ويرغبون فيها ويترقبونها.
* ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠] أي: لا يطمعن ولا يرغبن فيه. ويحتمل: لا يتوقعن النكاح ويستبعدنه لكبر السن.
* ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] أي: يطمعون ويرغبون ويترقبونها بصدق.
- ومنها ما جاء يحتمل جميع المعاني؛ وهي التي اقترنت بلقاء الله، ومصحوبة بالوعيد لمنكري البعث:
* ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] أي: لا يطمعون ولا يأملون فيه ولا يتوقعونه، ولا يبالون به ولا يخافونه؛ لذلك لم يستعدوا له لأنهم ينكرون البعث.
* ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ
لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١].
* ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥].
* ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرا﴾ [الفرقان: ٢١].
ترجي
قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥١].
стр. 74
(تُرجِي) من الإرجاء والتأخير، وهذه الآية خاصة بالنبي ﷺ ؛ تخفيفًا من الله تعالى وتوسعة عليه.
وتحتمل معنيين للإرجاء كلاهما صحيح:
١ - أي: تؤخّر من تشاء من نسائك، فلا حَرَج عليك في القَسْم لهن بما تراه، ولا يشترط العدل؛ فتؤوي من شئتَ فتقدمها على غيرها فتبيتَ عندها، وتؤخّر من شئتَ، ومع ذلك فقد كان ﷺ أشد مراعاة لهن.
٢ - أي: تؤخر قبول من شئتَ من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لك، فله ﷺ خاصة أن يقبل بالزواج ممن وهبتْ له نفسها بلا مهر ولا وليّ ولا شهود، وليس هذا لأحد غيره.
فإن شاء قبلها على الفور، وإن شاء أخر ذلك إلى الوقت الذي يريد، وليس لأحدٍ أن يتزوجها حتى يُخلي النبي سبيلها بعدم الرغبة فيها.
(وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ) تكون على المعنيين السابقين:
- فمن ابتغيتَ تقديمها والبيات عندها ممن أخّرت من أزواجك، فلا جناح عليك.
- فمن ابتغيتَ من الواهبات أنفسهن وكنت قد أخرت الأمر فبدا لك القبول بها، فلا جناح عليك.
تتمة الآية للفائدة:
وذلك التخيير الذي منحك الله أقرب إلى رضاهن؛ لأنه حكْمُ الله، فتقر بذلك أعينهن ويرضين به ولا يحزنّ.
والله عليم بما في القلوب وما يُصلحها، حليم؛ ومن حلمه أنه لا يعاقب من أخطأتْ منهن أو أضمرت شيئًا من عدم الرضا أو غيره.
* ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١].
(أَرْجِهْ) أي: أرجئ وأخِّر.
والمعنى: أخِّرْ أمرهما وأمهلهما حتى نستعد لهما بجلب السحرة.
* ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦].
(مُرْجَوْنَ) أي: مؤخَّرون حتى يحكم الله فيهم.
وهذه الآية عائدة على الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك، فقد أخَّرهم الله إلى أن يظهر أمره فيهم بالعقاب أو العفو.
وهي عامة بعد ذلك، يُستنبط منها أن من ظلم نفسه بالتفريط في الواجبات، فهو يوم القيامة مُرْجَؤٌ لمشيئة الله؛ إن شاء تاب عليه، وإن شاء عذبه.
стр. 75
تَرْدَى
قال تعالى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [طه: ١٦].
(فتَرْدَى) لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - الهلاك: ومنه جاء تسمية الموت ب (الرّدى)، و (المِرداة): نوع من الحجارة التي تستخدم لتفتيت الأشياء.
والمعنى: (فتردَى) أي: فتهلك.
٢ - السقوط: وهو التردّي؛ ومنه سميت الأنعام الساقطة من علو ب (المتردية).
والمعنى: (فتردى) أي: فتسقط في هاوية الضلال، ثم في النار.
* ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾ [الليل: ١١].
(ترَدَّى) أي: إذا مات وهلك فلن ينفعه ماله، وإذا هوى في جهنم فلن ينفعه كذلك.
* ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ [الصافات: ٥٦].
(لتُرْدِينِ) أي: كدت أن تهلكني وتسقطني معك في النار.
* ومنها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
(المتردية): التي سقطت من جبل، أو وقعت في بئر فهلكت.
*: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧]
(ليردوهم): من الردى وهو الهلاك: أي ليهلكوهم. انظر معنى الآية في قسم الجمل آية (الأنعام ١٣٧)
تستأنسوا
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧].
(تَسْتَأْنِسُوا) الاستئناس في كلام العرب: هو النظر، والاستعلام، والاستئذان.
والمعنى: حتى تستعلموا وتستأذنوا وتنظروا؛ هل يؤذن لكم، أم لا؟
وسمي استئناسًا: لأنه يُذهِب الوحشة والاستنكار.
стр. 76
* ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦].
(آنَسْتُمْ) أبصرتم وعلمتم.
* ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩].
(آنَسَ - آنَسْتُ) أبصرتُ ورأيتُ.
فائدة:
تقول العرب: (آنست كذا) أي: أبصرته، و (آنستُ منه رشدًا): علمتُه، و (آنستُ صوتًا): سمعتُه.
تُسْحَرون
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩].
(تُسحرون) عبر عنه بالسِّحر؛ لأنهم خُدعوا وصرفوا عن الحق.
والمعنى المُجمل: كيف سُحرت أعينكم عن رؤية الحق؟! أين ذهبت عقولكم وانطلت عليكم خدعة إبليس؛ فرأيتم الحق باطلًا، والصدق كذبًا، والفساد صلاحًا؟! صُرفتُم عن الحق كما يُصرف المسحور مع وضوح الأدلة!
(وهو يُجير ولا يجار عليه) سبق ذكرها في حرف الجيم (جار).
تسرحون
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦].
(وحين تسْرَحُونَ) أي: حين تطلقونها وتسرّحونها من الحظائر إلى المراعي صباحًا.
(حين تُرِيحُونَ) أي: حين تعودون بها إلى منازلها وقت الرّواح وهو المساء، أو وقت راحتها وسكونها بالعشي.
والجَمال في قوله: (ولكم فيها جمالٌ): أن العربيّ إذا خرجت إبلُه أو مرتْ به، ينظر إليها مسرورًا بجمالها؛ ويقال: هذه إبل فلان.
تُسِيمون
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠].
стр. 77
(تُسيمُون) أي: ترعون أنعامكم مما أنبتنا لكم من المطر من زروع وشجر. تقول العرب: (سام القطيع) أي: رعى، و (أسام فلان إبلَه) أي: رعاها؛ ولذلك سميت الماشية سائمة؛ لأنها ترعى في الفلاة.
تشخص
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
(تَشْخَصُ) شخص البصر؛ أي: اتسع دون أن يطرف.
* ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٧].
(شَاخِصَةٌ) أي: متسعة دون أن تطرف من هول ما ترى.
* وقريب منها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧].
(بَرِقَ) أي: شَخَصَ يوم القيامة؛ وهو التحديق بالعين فلا ترمش ولا تطرف من شدة الدهشة والفزع.
تصطلون
قال تعالى عن موسى ﵇: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧].
(تصطلون) أي: تستدفئون بها من البرد. أصلها من (صلَى اللحم) أي: شواه. و (صَلّى يده بالنار) أي: أدفأها بها. و (اصطلى): استدفأ بالنار.
(آتيكم منها بخبر) موسى ﵇ وزوجه أثناء سفرهم ضلوا الطريق لأمر أراده الله لموسى وأصابهم البرد، فلما رأى النار ذهب إليها ليبحث عمَّن يدله على الطريق؛ وهو قوله تعالى: (آتيكم منها بخبر) أو يحضر شعلة من النار. أراد موسى الهداية الحسية، وأراد الله له هدايةً قلبية ورسالة قدسية.
وقد وردت آيات فيها من مشتقات كلمة (صلى) مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّا﴾ [مريم: ٧٠].
(صِلِيًّا) أي: أولى بدخولها ومُقَاسَاة حرّها.
ومنها قوله تعالى:
* ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا﴾ [النساء: ١٠].
* ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٩].
стр. 78
* ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورا﴾ [الإسراء: ١٨].
* ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١٢].
* ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى: ١٥].
* ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَة﴾ [الغاشية: ٤]، وغيرها .. نسأل الله السلامة!
فائدة:
الفرق بين (صلى) و (اصطلى):
- (صلَى) أي: دخل النار، أو ذاق حرها.
- (اصطلى) أي: طلب النار ليستدفئ بها.
تصعدون
قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
(تُصْعِدون) من الإصعاد: وهو السير في الأرض بأوديتها وجبالها وشعابها -لأن الأرض تسمى: صَعِيدًا- فهو الإمعان في السير.
والمعنى: إذ تجدُّون في السير والفرار، وتَمضُون على وجوهكم مبتعدين هاربين من شدة الذعر الذي فاجأكم، وذلك في غزوة أحُد.
فائدة:
الصُّعود: هو الارتقاء على الجبال. وأما السطوح والسلالم والدَّرج، ولا يعبَّر عنها بقول: (تُصْعِدون)، بل (تَصعدون) بالفتح على الراجح.
فهناك فرق بين الصُّعود والإصعاد؛ تقول العرب: (صعدت الجبل) أي: ارتقيت. و (أصعدت إلى مكة) أي: أخذت في السير والسفر إليها.
أما قوله تعالى: (وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ) أي: لا تلتفتون إلى أحد من شدة الذعر؛ فقد كان الرسول ﷺ يناديهم فلم يلتفتوا من هول الأمر.
تصعّر
قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
стр. 79
(تُصَعِّرْ) الصَّعَر: ميل العنق والوجه إلى أحد الجانبين؛ تعبيرًا عن الإعراض، والنظر للناس بكِبْرٍ وعَظَمَة.
والمعنى: لا تتكبر وتتعاظم وتحتقر عباد الله!
فائدة:
الآية تبيّن تحريم الكبر، والإعجاب بالنفس، واحتقار الآخرين؛ وفي الحديث: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» السلسلة الصحيحة (١٨٠٢).
تعاطى
قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر: ٢٩].
(فَتَعَاطَى) أي تناول، من (المُعاطاة) وهي المناولة؛ تقول العرب: (تعاطى فلان الشيء بيده) أي: تناوله.
والمعنى: أن أشقى القوم تناول سهمًا فرمى به ناقة صالح ﵇، ثم قام إليها وشدّ عليها بالسيف فعقرها؛ قاتله الله!
تعزّروه
قال تعالى ﴿لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩].
(وتعزروه): أصل كلمة عزّرَ؛ أي: مَنَعَ، وقمع بالقوة. ومنها جاء تعزير المخطئ؛ فهي من ألفاظ الأضداد في اللغة:
فهي تعني: المنع بالتعظيم والنصرة؛ كتعزير النبي، وقمع ما يضره.
وتعني: المنع بما دون الحد بالإهانة والضرب؛ كتعزير المخطئ وقمعه مما يضر؛ فهي بحسب سياق الجملة.
فتعزير الرسول ﷺ : هو منع ما يضره من عدوه، ومن يؤذيه بالقوة؛ والمعنى: نصرته وإجلاله وحمايته.
* ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢].
(وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) أي: نصرتموهم بالقوة من عدوهم.
* ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
(وَعَزَّرُوهُ) أي: نصروه وردُّوا عنه من يؤذيه بالقوة والسيف.
стр. 80
تعضلوهن
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].
(تعضلوهن) العضل: هو الحبس. والخطاب للأزواج؛ أي: لا تحبسوا نساءكم وتمنعوهن من الطلاق مع كراهيتكم لهن؛ لتلجئوهن إلى الافتداء ببعض ما آتيتموهن من الصَّدَاق.
* ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
(تَعْضُلُوهُنَّ) العضل هنا: حبس أولياء الأمور للمطلقات أن يرجعن لأزواجهن إذا رغبن في ذلك.
فالعضل في الآية الأولى: عَضْل الأزواج، والثانية: عَضْل أولياء الأمور.
(ترثوا النساء كَرْهًا) أي: تجعلوا نساء آبائكم وأقربائكم من جملة تركتهم، تتصرفون فيهن بالزواج منهن أو منعهن من الزواج، أو تزويجهن للآخرين.
عن ابن عباس ﵁ قال: (كانوا - أي: في الجاهلية - إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته من أهلها؛ إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها؛ فنزلت الآية تحرم ذلك الفعل وتقبحه؛ لما فيه من امتهان لكرامة المرأة بتنزيلها منزلة المتاع الذي يورث) صحيح البخاري (٤٥٧٩).
تعولوا
قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].
(تعولوا) تقول العرب: (عال الميزان) أي: مال وجار. أما من قال: إن المعنى من (الإعالة) أي: ذلك أهون وأقدر على إعالتهم، فهو مستبعد؛ لأنهم قد يتخذون إماءً كُثُرًا، وتبقى مشكلة الإعالة.
المعنى: الاقتصار على واحدة أحق وأعْون على ألا تجوروا وتعتدوا، في حال عدم القدرة على العدل.
وقال أهل اللغة في الفرق بين اللفظين: (عال) أي: مال وجار. وجمعها: تعولوا؛ أي: تميلوا وتجوروا.
و (أعال) أي: أنفق على من يعولهم. وجمعها: تُعِيلُوا: من العَيْلة؛ وهي خوف الفقر.
ومجمل الآية للفائدة:
يرشد الله تعالى المؤمن إذا أراد الزواج من اليتيمة التي هو وليّ لها، وخاف أن يبخسها في الصداق لقرابتها منه: أن يعدل عن نكاحها إلى أخرى غريبة عنه، وله أن ينكح من واحدة إلى أربع؛ فالحكم عام لكل مسلم بشرط العدل، فإن خاف الجور فواحدة.
стр. 81
وأما ما جاء بالمعنى الثاني -وهو الفقر- فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨].
(عيلة) أي: خفتم على أنفسكم الفقر.
* ومنها: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨].
(عَائِلًا) أي: فقيرًا فأغناك.
التغابن
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩].
(التَّغَابُنِ) أصل الكلمة من الغبن: وهو إخفاء الشيء.
والمراد هنا: خفاء قيمة الشيء لغفلة صاحبه وتقصيره؛ فلا يتفطن لذلك إلا بعد فوات الأوان، فيوم القيامة هو يوم التغابن؛ فيه يشعر الجميع بالغبن وفوات الحظ؛ لتقصيرهم في حق مولاهم ﵎، وفي حق أنفسهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم!
فالمسلم بتقصيره في الإحسان، والكافر بتركه الإيمان وفوات نصيبه في أجمل الجنان، والظالم بتعديه على حق المظلوم وتعريض نفسه لعذاب السموم .. فنسأل الله أن يلهمنا تدارك الأيام، واستثمار الأوقات في رفعة الدرجات!
فائدة:
من مشتقات الكلمة: (الغبن في البيع): كأن يُخفي البائعُ على المشتري شيئًا من مواصفات السلعة؛ فيشعر بالغبن ونقصان الحق.
ومن مشتقاتها كذلك ما جاء في الحديث: «فغسل مغابنه وتوضأ» صحيح أبي داود (٣٣٥).
مغابنه: هي ما خفي من أعضائه وطوايا جسده التي قد يجتمع فيها القَذَر.
تغيض
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].
(تَغِيضُ) أي: تنقُص. ومنها قولهم: (غيضٌ من فَيض) أي: قليل من كثير.
стр. 82
والنقص في الأرحام والزيادة فيها له عدة معان كلها صحيحة:
- ما تنقص من مدة حملها، وما تزيد عليه.
- ما تنقص من الأجنة؛ فمنهم من يولد ناقص الخلقة، ومنهم من به زيادة.
- ما تنقص الأرحام وما ينمو فيها من الأجنة، وهي مراحل نمو الجنين، ومنهم من يموت قبل ولادته.
* ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤].
(وَغِيضَ) أي: قلَّ الماء واضمحل، وغار في الأرض، وذلك بعد أن أدى الماء ما أمِر به، وهو هلاك الكفار من قوم نوح.
تفتأ
قال تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥].
(تفتأ) أي: ما تفتأ ولا تزال تذكره من شدة حبك له.
(حَرَضًا) الحَرَضُ هنا: هو الشخص الذي هدّه الحُزن وأمرضه؛ فأشرف على الهلاك.
فائدة:
تقول العرب: (رجلٌ حَرَضٌ، وامرأةٌ حَرَضٌ، وقومٌ حَرَضٌ) فيجوز فيها توحيد اللفظ في جميع الأحوال.
تفثهم
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
(تَفَثَهُم) التفث: هو الشَّعَث، والدَّرَن، والوسخ.
والمعنى: ثم ليقضوا حوائجهم بإزالة الشَّعث والوسخ الذي لازمهم طيلة مدة الإحرام، وذلك بقص الشارب، ونتف الإِبْط، وقص الأظافر، والحلق والتقصير، والتطيُّب … إلخ.
(وَليُوفُوا نُذُورَهُم) لها معنيان:
١ - سمّى الله تعالى جميع أفعال الحج في الآية نذورًا؛ لأن الحاج إذا أحرم فقد ألزم نفسه بجميع أعمال الحج؛ فعليه الخروج منها والوفاء بها وإتمامها على أكمل وجه.
٢ - النذور الزائدة على فريضة الحج.
ومنها هدي النذر: وهو ما ينذره الحاج تقربًا إلى الله عند البيت الحرام.
стр. 83
أو نذرَ طواف زائدٍ، أو اعتكافٍ.
ويدخل فيها كل قربة أوجبها العبد على نفسه وهي ليست مما أوجب الله، فعليه الوفاء إلا نذر المعصية.
تفكّهون
قال تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥].
(تَفَكَّهُونَ) أصل التَّفَكُّه: الالتهاء بما يشد الانتباه؛ سواء كان ممتعًا أو ضده.
والفكاهة: هي المزاح أو الحديث بما يُلهي.
فالتَّفَكُّه هنا: هو الانشغال والالتهاء بالحديث عن المصيبة، والتعجب من الحدَث.
والمعنى: لانشغلتم بالحديث عن سوء حاله متعجبين محزونين.
* أما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] أي: منشغلون وملتهون بما يُدخل عليهم المتعة والسرور من كل لون.
* ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] أي: كانوا في متعة منشغلين.
* ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] أي: في متعة وسرور بما آتاهم من النعيم.
* ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] لها معنيان:
١ - أي: يتفكّهون بالحديث عن المؤمنين، ويتندّرون مستمتعين شامتين.
٢ - أي: يتفكّهون مغتبطين بما هم عليه من الضلالة.
تفيضون
قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
(تُفِيضُونَ فِيهِ) أصل الإفاضة: هو الاندفاع والإكثار من الشيء حتى ينتشر.
وتستخدم المفردة في اللغة لعدة أغراض:
- أفاضَ الإناءَ: ملأه حتى فاض.
- أفاضتْ دموعُه: امتلأت بها عينُه حتى انسكبت.
стр. 84
- أفاض الناسُ من عرفات: دفعوا وأسرعوا للخروج.
- أفاض القومُ في الحديث: خاضوا وأكثروا فيه.
ومعنى الآية: إذ تخوضون وتكثرون من العمل.
والآية الكريمة تبيّن مراقبة الله لكل حركات الإنسان وسكناته، في كل لحظة لا يغيب عنه شيء.
ومعنى الآية بإجمال: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأن) يخبر الله تعالى عن عموم مشاهدته ومراقبته لنبيه ﷺ وجميع العباد؛ فما تكون يا محمد في أي أمر وشأن من الشؤون، وفي أي حال من أحوالك (وَمَا تَتلُوا مِنهُ مِنْ قُرآن): ومن تلك الشؤون ما تتلوه من قرآن (وَلَا تَعمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ): وأنتم جميعًا -أيها الناس- لا تعملون من عمل بألسنتكم وجوارحكم من خير وشر (إِلَّا كُنَّا عَلَيكُم شُهُودًا): إلا كنا مطلعين عليها باطنها وظاهرها، صغيرها وكبيرها (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ): إذ تخوضون في العمل من خير أو شر، وتنهمكون فيه وتكثرون، وقيل: الخطاب لكفار قريش؛ أي: إذ تخوضون في القرآن وتشيعون التكذيب والطعن فيه.
ولا يتعارض مع المعنى الأول؛ فالخوض في القرآن من ضمن الأعمال.
* ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: ٨].
(تُفِيضُونَ فِيهِ): تخوضون في القرآن، وتشيعون التكذيب والطعن فيه.
* ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩].
(أَفِيضُوا) أي: ادفعوا للخروج وانصرفوا.
* ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠].
(أَفِيضُوا) أي: أهيلوا وصُبُّوا علينا من الماء.
* ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤].
(أَفَضتُم) أي: خضتُم في حادثة الإفك.
* ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨].
стр. 85
(أَفَضتُم) أي: دفعتم للخروج من عرفات.
* ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣].
(تَفِيضُ) أي: تمتلئ وتسيل.
* ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣].
(يُوفِضُونَ) أي: يُسرعون إليها. انظر: مفردة (نصب) في حرف النون.
تقرضهم
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدا﴾ [الكهف: ١٧].
(تَقْرِضُهُمْ) لها معنيان:
١ - القرض من القطع؛ تقول العرب: (قرضت الثوب) أي: قطعته.
فيكون المعنى: تصيب منهم لأجل أن تمنع أجسامهم من التغيُّر؛ لما في ذلك من صحة وفائدة لهم، بدون الأشعة المباشرة التي تؤذيهم؛ كرامة لهم من الله.
٢ - القرض من المجاوزة؛ تقول العرب: (قرضتُ موضع كذا ليلًا) أي: تجاوزته أثناء السير.
فيكون المعنى: إذا مرّتِ الشمس بالكهف، فإنها تميل عنه وتتركه فلا تتسلط أشعتها عليهم؛ لئلا تؤذيهم، فهي مأمورة مسخرة.
ودليل ذلك قوله تعالى: (ذلك من آيات الله)؛ كرامة وحفظًا لهم، والله أعلم بمراده.
فائدة:
(تزاور) أي: تميل.
* ومثل المعنى الأول ما تكرر في آيات كثيرة؛ منها: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥].
(يُقرِضُ) أصل القرض: هو القطع؛ لأن المرء يقتطع من ماله فيقرض غيره ويسلفه بنية إرجاع مثله.
وهو أسلوب تلطُّف وتودد من الله في النداء للصدقة، والإنفاق في وجوه البر؛ فشبّهَهُ بالقرض المُسترجَع، ولكن الله تعالى يردّه أضعافًا كثيرة في الدنيا والآخرة.
стр. 86
تَقْفُ
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦].
(تَقْفُ): لها ثلاثة معان كلها يحتملها النص المبارك:
١ - من القفو، وهو الرمي؛ أي: لا تقل ما ليس لك به علم .. فتنهى عن رمي الكلام بلا تثبت.
٢ - من القفو، وهو الرمي؛ أي: لا ترم أحدًا بما ليس لك به علم.
٣ - من القيافة وتتبع الأثر؛ أي: لا تتبع ما ليس لك به علم، ويدخل في ذلك الشائعات وغيرها.
قال المفسرون: فالآية بذلك تنهى عن أشياء كثيرة؛ منها: قول الزور، والقذف، وسوء الظن، والسباب والشتائم، والكذب والافتراء …
تمنن
قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦].
(المنُّ) له ثلاثة معان يحتملها اللفظ:
١ - بمعنى: الاعتداد بالنعمة، أي: لا تُعطِ الناس مستكثرًا فِعلك، ومعتدًّا بفضلك وإحسانك عليهم.
٢ - بمعنى: العطية أو الهدية، أي: لا تعطِ عطاءً تلتمس بذلك الاستكثار منهم بأفضل مما أعطيتهم، أي: تريد التكثُّر بذلك.
٣ - بمعنى: القطع للجماد، وبمعنى: الضَّعْف والإعياء للأحياء؛ تقول العرب: (فلان مَنّن ناقته) أي: تسبّب في هزالها وضَعفها بكثرة السفر. و (مَننْت الحبل) أي: قطعته.
والمعنى: لا تضعُف ولا تفتُر مستكثرًا الطاعة والعبادة على ربك.
- ومن معنى (الاعتداد):
* ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
(لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم) أي: لا تتفضلوا عليّ بإسلامكم، فلمَ تُنعِمون به عليّ وتقولون: نحن آمنَّا بك، ولم نقاتلْك كما قاتلك الناس؟
(بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) به؛ لينقذكم من عذاب الآخرة.
стр. 87
* ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢].
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
- ومن معنى (العطاء والتفضّل):
* ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ [ص: ٣٩].
* ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾ [الصافات: ١١٤].
* ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾ [طه: ٣٧].
* ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].
- وبمعنى (القطع والنقص):
* ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ [القلم: ٣].
(مَمْنُون): تكررت هذه اللفظة في كتاب الله، وهي بمعنى: غير مقطوع ولا منقوص، بل مستمر دائم.
* ومنها: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ [الطور: ٣٠].
(المَنُون): سمي الموت بالمنون؛ لأنه يقطع الحياة الدنيا ويُنقص العمر.
ومنها اسم الله تعالى: (المنان) ويصح فيه المعنيان الأول والثاني؛ فهو المعطي والمتفضل بصنوف النِّعَم على عباده، وهو المنّان بها عليهم، الذي يُذَكّر عباده بنعمه وإحسانِه؛ فالمَنّ والاعتداد في حقه محمدة، ومن العبد مذمة!
تَميّز
قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨].
(تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ): التميّز من الفعل (ماز) أي: انفصل وانقطع.
والمعنى: تكاد تتقطع عن بعضها البعض، وتتفطر من شدة الغيظ على الكفرة الفجرة.
ولعل من تقطعها وغيظها: ما ترميه من شرر كالقَصْر على أهل المحشر.
وفي الآية وغيرها من الآيات إثبات أن نار جهنم لها حس وإدراك وإرادة؛ فهي تغتاظ وتبصر وتتكلم، وتتنفس وتزفر، وتشتكي لربها وتطلب المزيد؛ وفي الحديث: «يخرج يوم القيامة عنق من النار لها عينان
стр. 88
تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق تقول: إني وُكّلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين» صحيح الترمذي (٢٥٧٤).
* ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩].
(وَامْتَازُوا) أي: انفصلوا وتنحّوا.
والمعنى: هو نداء للكفار يوم الحشر أن ينفصلوا ويتنحوا عن المؤمنين يوم القيامة؛ ليلاقوا التقريع والمذلة والمهانة قبل دخولهم النار.
* ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧].
(لِيَمِيزَ) أي: ليخلّص هذا من ذاك، ويفصل المؤمن عن الكافر؛ ليلقى كلٌّ جزاءَه الذي يستحقه.
التناوش
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢].
(التناوش) التناوش؛ أي: التناول من قرب؛ تقول العرب: (تناوشوا في الحرب) أي: نال بعضهم من بعض.
والمعنى: كيف لهم تناول الإيمان والوصول له وإدراك التوبة مما كانوا فيه، وقد رحلوا إلى الدار الآخرة؛ فلا قدرة لهم الآن على الوصول إليه.
فالآية الكريمة تحث على سرعة الرجوع إلى الله قبل أن تحول عن ذلك الحوائلُ؛ ومنها الموت.
التَّنّور
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].
(وَفَارَ التَّنُّورُ) تحتمل معنيين:
١ - التَّنُّور: هو الفرن المعدّ للطبخ.
قيل: إنه كان علامةً جعَلهَا الله لنوح ﵇، فإذا فارَ الماءُ مِنْ تَنُّورِهِ عَلِمَ أنَّ ذلك مَبْدَأ الطُّوفان؛ فَرَكِبَ الفُلْكَ وأرْكَبَ مَنْ مَعَه.
٢ - التَّنُّور: هو وجه الأرض، وفورانها: هو أنها تصبح عيونًا تفور بالماء الغزير، والله أعلم.
تَنِيَا
قال تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ [طه: ٤٢].
(تَنِيَا): من الونى، وهو: الفترة والكسل.
стр. 89
تقول العرب: (لا يَني ولا يتوانى) أي: لا يكسل ولا يُقصّر، و (فلان لا يَني يفعل كذا) أي: لا يزال ولا يتعب من فعل كذا.
فالمعنى: لا تفتُرا ولا تقصّرا ولا تضعُفا واستمرّا.
(في ذكري): لها معنيان لا يتعارضان:
١ - أي: في دعوة فرعون وقومه إلى عبادتي وتوحيدي.
٢ - أي: الْزَمَا ذكري عند مواجهة فرعون؛ ليكون الذكر عونًا لكما في أداء رسالتكما.
فائدة:
ذِكر الله والدعوة إليه هو رسالة المؤمن، ولزوم ذكر الله عون للعبد في أداء جميع شؤونه في هذه الحياة.
تواصوا
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].
(أَتَوَاصَوْا بِهِ) سؤال استنكاري من الله تعالى، وفيه توبيخ وتعجيب من حال هذه الأمم: كلما جاءهم رسول كذّبوا به، وقالوا: ساحر أو مجنون، فهل أوصى بعضهم بعضًا بذلك؟! وهل تواطئوا على التكذيب والعناد، وتوافقوا عليه؟!
ثم يخبر الله تعالى بالإجابة: أنهم لم يتواصوا بذلك، ولكن تشابهت أحوال المستكبرين، وجمعهم الطغيان والعناد في كل زمان.
توبوا
التوبة في القرآن الكريم على ثلاثة معان باعتبار المخاطب:
إذا جاء الخطاب للكفار، وهو على نوعين:
١ - أن يقترن الاستغفار مع التوبة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣].
فالمراد بالاستغفار: الرجوع من الشرك بتحقيق الإيمان بالله ، والمراد بالتوبة: طاعة الأنبياء بما جاءوا به.
٢ - أن تأتي التوبة مستقلة، فهي التوبة من الكفر والشرك؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠].
إذا جاء الخطاب للمؤمنين فلها معنيان:
стр. 90
١ - التوبة من المعاصي والتقصير عمومًا، والرجوع إلى الله؛ ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
٢ - التخفيف من الحرج والتجاوز عن التكليف، وليس التوبة من ذنب: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦].
* ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٣] أي: خفّف عنهم حكم الصدقة عند مناجاة النبي ﵊.
توعِدون
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجا﴾ [الأعراف: ٨٦].
(تُوعِدُونَ) من الوعيد؛ أي: تتوعدون الناس وتهددونهم بالتخويف والقتل.
وهؤلاء هم قوم شعيب ﵇ كانوا يهددون من يأتي إلى شعيب بالقتل، وينفرونهم عن اتباع الحق، ويصدون عن سبيل الله، ويتهمونه بالكذب.
стр. 91
حرف الثاء
ثاويًا
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥].
(ثَاويًا) من مثوى: وهو المأوى ومكان الإقامة؛ تقول العرب: (ثَوى بالمكان) أي: أقام به.
والمعنى: ما كنتَ يا محمد، مقيمًا وحاضرًا في مَدْيَن، ولم تكن بين أهلها فتعلم أخبارهم، وإنما أخبرك الوحيُ عنهم.
- ومثلها في المعنى آيات كثيرة جاءت بمعنى (الإقامة والمسكن) منها:
* ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
* ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩].
ثُبات
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعا﴾ [النساء: ٧١].
(ثُبَات) أي: انفروا سرايا متفرقين فِرقة بعد فرقة. مفردها: (ثُبَة) وهي الجماعة. أي: اخرجوا جماعة بعد جماعة بأن تنفر سريةٌ أو جيشٌ ويقيم غيرُهم.
(أو انفروا جميعًا) أي: كلكم جميعًا متعاضدين.
ثَجَّاجًا
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجا﴾ [النبأ: ١٤].
(ثَجَّاجًا) من (ثَجّ الماء) أي: أراقه وصبّه صبًّا كثيرًا.
(الْمُعْصِرَاتِ) السحاب المثقَل بالماء، تعصرها الرياح فينزل منها المطر. وقد ذكرناها سابقًا في (عصر) في حرف العين.
والمعنى: يَعْرِضُ الله تعالى بعض الأدلة والبراهين الشاهدة على قدرته ليؤمنوا بالبعث؛ فقدّمها بصيغة الاستفهام التقريري بدايته: (ألم نجعل الأرض مهادًا؟)، ثم عطف عليه عددًا من الآيات -ومنها هذه الآية الكريمة- فكأنه يقررهم: ألم نُنعم عليكم بإنزال الماء السّيّال الغزير المتتابع لإنبات الحَبّ والزرع والبساتين الملتفة الشجر؛ ففيها دليل على الإحياء والبعث.
стр. 92
ومن هذا المعنى ما جاء في الحديث الشريف: «أفضل الحج: العَجّ والثَّجّ» الصحيحة (١٥٠٠).
فالعَجّ: رفع الصوت بالتلبية.
والثَّجّ: إراقة الدماء وسيلانها، وهي دماء الأضاحي.
стр. 93
حرف الجيم
جابوا
قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩].
(جَابُوا) الجَوْب: هو قطع الشيء؛ تقول العرب: (جِبت القميص) أي: جعلت له فتحة، و (جِبت النعل) أي: قطعته، و (جاب الصحراء) أي: قطعها سيرًا.
والمعنى: قطعوا الصخر ونحتوه وخرقوه، وليس جابوه بمعنى أحضروه.
* ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [القصص: ٣٢].
* ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢].
(جَيبِكَ) الجَيْب: هو الشق، أو الفتحة أعلى القميص.
* ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
(جُيُوبِهِنَّ) الجيب: فتحة الصدر.
أُمرن بأن يجعلن الخمار يتسع بحيث يغطي فتحة الصدر؛ حتى لا تبدو الصدور والأعناق والقلائد؛ لأن نساء الجاهلية كنّ يلقين خُمُرهن -زينة وليس سترًا- على رؤوسهن فلا يشدّونها، ثم يلقينها إلى الخلف على ظهورهن، فتبدو صدورهن وأعناقهن.
جارٌ
قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨].
(جَارٌ لكُمْ) أصل الكلمة من الجوار؛ لأن فيه معنى القُرب.
و الجيران في الحقيقة كان يدافع بعضهم عن بعض، وليس كما هو الآن لا يدري الجار مَنْ جاوَرَه إلا من رحم الله!
والمعنى: أنا مجيركم وسوف أحميكم وأدافع عنكم.
قيل: إن ذلك كان يوم بدر؛ جاء الشيطانُ المشركين في صورة سُرَاقَة بن مالك -وهو من أشراف بني كنانة- ووعدهم بأنه سيجيرهم من قومه؛ فلن يتعرضوا لهم، وسيكونون معكم بالنصر والمؤازرة، فلما التحم الجيشان ورأى الشيطان جيوش الملائكة خاف وتراجع وتقهقر.
وفي الآية الشريفة كذلك تحذير من حيل الشيطان وألاعيبه ببني آدم؛ يعدهم ويمنيهم ثم يأتي خائفًا متقهقرًا يوم القيامة قائلًا: إني أخاف الله!
стр. 94
* ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].
(استجارك فأجره) أي: طلب جوارك وحمايتك ونصرتك ليكون في مأمن، فأَجره وامنحه الأمان.
* ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٢].
(يُجِيرَنِي من الله أَحَدٌ) يؤمنني من عذاب الله وعقوبته أحد.
(وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) ولن أجد ملجأً يحميني أو ينصرني إن عصيته.
* ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨].
(يجير ولا يجار عليه): يجير: يحمي ويُؤمِّن ويمنع السوء.
ولا يُجار عليه: لا يمتنع منه أحدٌ؛ فلا مجير ولا مُؤمّن لمن توعده الله ورفع عنه جواره.
جانٌّ
قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْأمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١].
(كَأَنَّهَا جَانّ):
المعروف عند العرب: أن الجان جنسٌ من الحيّات الصغيرة خفيفة وسريعة الحركة. بخلاف الثعابين الضخمة الكبيرة فإنها تكون ثقيلة نوعًا ما، ولكن حيَّة موسى ﵇ جمعت الوصفين:
- سرعة الاهتزاز والحركة.
- والحجم الكبير المخيف.
وذلك لقوله: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧]، فكانت العصا في خفتها واهتزازها كاهتزاز الحية الصغيرة السريعة الحركة مع عظَم حجمها؛ مما يزيد الخوف منها ومن سرعة انطلاقها وهجومها.
الجبلة
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤].
(وَالْجِبِلَّةَ) الجبلة: هم الخلق، أو الأُمّة من الناس.
وتأتي بمعنى: الفطرة والخِلقة، وليس هو المعنى المراد في الآية.
стр. 95
والمعنى: أيها القوم، اتقوا عقاب ربكم الذي خلقكم جميعًا، وخلق الأمم السابقة والخلق الأوَّل
من قبلكم.
* ومثلها: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٢].
(جِبِلًّا) أي: خلقًا كثيرًا.
جَدُّ
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدا﴾ [الجن: ٣].
(جَدُّ رَبِّنَا) الجد تعني: الحظ والجاه والعظمة وعلو الشأن، ويقال: (فلَان ذُو جَدّ) أي: ذو حظ وغنى وجاه؛ قال أنس ﵁: «كَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ جَدَّ فِينَا - يَعْنِي: عَظُمَ» مسند الإمام أحمد (١٢٢١٥).
فمعنى (جَدّ ربنا) أي: تعالت عظمته وقدره وسلطانه وجلاله مما نُسب إليه، وَمِنْه ما جاء في صحيح الدعاءالمأثور: «وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الجد» أي: لا ينفع ذا الجاه والغنى جاهُه عند الله، وإنما ينفعه عمله الصالح.
جُدَدٌ
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧].
(جُدَدٌ) الجُدَد: جمع جُدّة، وهي: الخط الظاهر، والطريق.
والمعنى: ذات خطوط وعروق مختلفة الألوان.
ومن أصل المعنى كذلك: (جادة الطريق) وهو: أصل الطريق وما ظهر منه.
(وَغَرَابِيبُ سُودٌ) اللفظ مشتق من الغُراب؛ لشدة سواده، فالغِرْبيبُ: هو الأسود الذي يشبه لون الغراب في شدة سواده.
والمعنى: من الجبال ما له ألوان متعددة؛ فمنها: ذوات الخطوط البيضاء والحمراء … ، ومنها الأسود الشديد السواد.
جُذَاذًا
قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٨].
(جُذَاذًا) أي: قِطعًا وكِسَرًا.
стр. 96
* ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨].
(مَجذُوذ) أي: مقطوع.
والمعنى: دائم غير مقطوع.
* ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩].
(جَذوَة) قطعة من الخشب في طرفها شعلة من نار.
الجُرز
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧].
(الْجُرُزِ) الجُرُز من القطع والاستئصال. والأرض الجرز: هي الأرض اليابسة الجرداء التي انقطع نباتها، وانقطع ماؤها.
* ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨].
(صَعِيدًا جُرُزًا) أي: أرضًا لا نبات ولا شيء فيها، كل ما عليها مستأصلٌ، قاعًا صفصفًا؛ وذلك يوم القيامة.
جَرَم
قال تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢]. ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢].
(لَا جَرَمَ) أي: إنما هو حقٌّ أن تصيبهم النار، أو لا بد -أو لا محالة- أنها سوف تصيبهم؛ تقول العرب:
(لا جرم لأفعلنَّ كذا) أي: حقًّا سأفعله. ومثلها جميع الآيات التي وردت فيها المفردة.
* ويشترك في أصل المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢].
(ولا يجرمنكم) ولا يَحُقَّن لكم أن تفعلوا ذلك، ولا يدخلنَّكم في الجُرْم والإثم.
والمعنى: ولا يحملكم بغضُهم على الاعتداء عليهم بغير حق؛ فتتحملوا جُرْم ذلك وإثمه.
ومثلها: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨].
أي: ولا يحملكم ولا يحق لكم بسبب بغضهم على عدم العدل معهم، فتأثموا وتتحملوا جُرْمَه.
стр. 97
* ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩].
(لا يجرمنكم) أي: احذروا .. لا تحملكم مخالفتي على أن يصيبكم العذاب كالذي أصاب الأقوام السابقة.
- الرابط بين المفردتين:
(لا جرم): حقًّا.
(لا يجرمنكم): لا يَحُقّن لكم.
جزءًا
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف: ١٥ - ١٦].
(جُزءًا) لها معانٍ لا تتعارض:
١ - أي: بعضًا منه.
٢ - أي: ولدًا؛ لأن الولد جزء من والده.
٣ - أي: نصيبًا وحظًّا.
يخبر الله تعالى عن كفار قريش أنهم جعلوا له من مخلوقاته التي تعبده جزءًا منه -وهم الملائكة- ادَّعوا أنهم بنات الله!! تعالى الله علوًّا كبيرًا.
فالله تعالى بائن عن خلقه منفصل عنهم، وكيف يكون العابد جزءًا من المعبود.
وبالمعنى الثاني: أنهم جعلوا للعباد نصيبًا وجزءًا من العبادة التي لا يستحقها غير الله تعالى؛ فجعلوهم شركاء وأندادًا من دونه.
جُفَاء
قال تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].
(جُفَاءً) تقول العرب: (أجْفَأتِ القِدْرُ): إذا رمتْ بزَبَدِها فلم يبق منه شيء.
و (أجْفَأتِ الأرض): إذا ذهب خيرُها.
стр. 98
فمعنى قوله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أي: يتلاشى الزَّبد، ويتبدد ما معه من ورق الشجر وغيره فلا يُنتَفَعُ به.
فائدة:
الآية الكريمة تضمنت مَثَلَين ذكرهما ابن كثير في تفسيره:
- المثل الأول مَثَلٌ مائي: شبّه الله الوحي الذي أنزله من السماء لحياة القلوب بماء المطر الذي أنزله لحياة الأرض، وشبّه القلوب بالأودية؛ فقلب كبير يسع علمًا عظيمًا كواد كبيرٍ يسع ماءً كثيرًا، وقلب صغير لا يسع إلا القليل كواد صغير.
فسالتِ الأودية بقَدْر ما فيها من ماء؛ فكل قلبٍ حمل من الهدى بقدر ما فيه من العلم.
وكما أن السيل إذا جرى حمل معه زَبَدًا وشوائب وورق الشجر وغيره، فإن القلوب إذا سالت بالعلم أثارت معها الشبهات والشهوات.
وهكذا يضرب الله الحق والباطل: فالشبهات والشهوات تتبدَّد أمام الحق، ويبقى صريح العلم كالماء الصافي يمكث في قعر الوادي وينتفع الناس به، كذلك يستقر الإيمانُ في قلب المؤمن.
- المثل الثاني مَثَلٌ ناري: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مثْلُهُ):
شبّه الحق والباطل بالخبث والشوائب التي تخرج عند سَبْك الذهب والفضة والنحاس في صناعة الحلي وغير ذلك، فتميزه النار وتفصله عن الجوهر وتطرح منه الشوائب، فتذهب جفاءً.
وكذلك الشبهات والشهوات يرميها العلم الذي في قلب المؤمن، كما تطرح النار شوائبَ المعدن، ويبقى الذهب الخالص والفضة فينتفع الناس بهما.
جِفان
قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
(وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) الجِفَان: جمع جَفْنَة، وهي: وعاء متّسع للطعام.
كالجواب: جمع جابِيَة، وهي: الحوض الواسع الذي يُجمع فيه الماء لسقي الأنعام وغيرها.
والمعنى: أنها أوعية كبيرة وواسعة باتساع الحوض الكبير.
(وَقُدُورٍ راسِيَاتٍ) قدور عظيمة الحجم، ثابتة راسية لا تتحرك من كِبَر حجمها.
стр. 99
الجمل
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠].
(الجَمَلُ) بفتح الجيم، وهو: البعير المعروف، ذَكَرُ الناقة.
أما من قال من المفسرين بضم الجيم -الجُمل- وهو: الحبل الغليظ المضفور كحبل السفينة، فهي قراءة شاذة لا يُعتد بها؛ لأنها ليست من القراءات العشر المتواترة المقبولة.
(سَمِّ الخِيَاطِ) أي: ثقب الإبرة.
(السَّمّ): هو الخرق، أو الثقب؛ تقول العرب: (سِمام الإنسان) أي: فتحات أنفه وفمه وأذنيه.
(والخياط): هو المخيط؛ حيث تسمي العرب الإبرة مَخِيطًا.
والمعنى: أن الذين كذّبوا بآيات الله واستكبروا عنها فلم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات، وعاشوا على الشرك والفساد؛ فهؤلاء إذا مات أحدُهم وعَرجَت الملائكة بروحه إلى السماء لا تُفتح له أبوابها؛ فتهوي روحُه إلى النار، ثم يكون مآله فيها يوم القيامة؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فعلّق دخولهم الجنة على مستحيل، وهو دخول الجَمل في ثقب الإبرة، والمعلق على المستحيل مستحيل، نسأل الله السلامة!
الجنب
قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].
(وَالجَارِ الجُنُبِ) الجار الجنب: هو الجار الذي لا قرابة بينه وبين من يجاوره، وكلما كان الجار أقرب بابًا كان حقه آكد.
وقد وردت الوصية بالجار في السنة؛ فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مازال جِبْرِيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» صحيح البخاري (٦٠١٥).
(وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ) قيل: هو الرفيق مطلقًا؛ سواء في السفر أو الحضر. ويدخل فيها كل من لازمك؛ كالزوجة والصديق.
стр. 100
فعلى الصاحب لصاحبه حق زائد على حق أُخُوّة الدِّين: من مساعدته على أمور دينه ودنياه، والنصح له … وكلما زادت الصحبة تأكد الحق.
جَنَفًا
قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢].
(موصٍ): هو الشخص الموصِي.
(جَنَفًا) الجَنَف: أصله الميل والاعتداء في جميع الأمور؛ تقول العرب: (أَجْنَف فلان عليه) أي: جار عليه في الحكم أو الخصومة.
والمقصود هنا: الجَور في الوصية.
المعنى العام: من خاف من الموصِي أن يحيف ويجور في الوصية -سواء عن طريق الخطأ أو العمد- فينبغي لمن حضر مجلس الموصِي وقت الوصية أن ينصحه بالعدل وينهاه عن الجَور إن علم نيته في ذلك.
وإن لم يحضره عند الموت وعلم جور الوصية، فله الحقّ في رد هذه الوصية ولو بعد موت الموصِي إن علم أنها غير عادلة، فلا حرج عليه ولا إثم في ردها؛ فهي وصية جائرة.
قال أهل الفقه: إلا أن يرضى بها جميع المعنيّين بها من الورثة ويتراضون على ذلك.
* ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
(مُتَجَانِف) أي: غير مائل للإثم والمعصية بتجاوزه حد الضرورة وحد الكفاية؛ وذلك من أكل الميْتة المحرمة شرعًا.
كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
(غير باغ) من البغي؛ أي: غير متجاوز حد الضرورة.
(ولا عاد) من الاعتداء؛ أي: غير متعدٍّ في ذلك حدودَ الله.
جَهْد
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣].
(جهد أيمانهم): مبالغة في القسَم والتوكيد؛ أي: أتوا بجميع ألفاظ القسَم.
والمعنى: أن هؤلاء المنافقين أقسموا أشدّ القسم أنهم مع المؤمنين، ولكنهم تظاهروا بالإسلام فأحبط الله أعمالهم.
стр. 101
وقد تكررت (جهد أيمانهم) وكلها بنفس المعنى.
الجوار
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: ٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن: ٢٤].
(الجَوَارِ) من الجريان في البحر، وهي: السفن.
(المنشئات) وصف للسفن، ولها معنيان لا يتعارضان:
١ - من ناشئ: وهو الشيء المرتفع.
والمعنى: السفن المرتفعات كالجبال والقلاع فوق البحر.
٢ - من أنشأ، أي: صنع.
والمعنى: المصنوعات التي أنشأها البشر بقدرته تعالى.
(كالأعلام) الأعلام؛ أي: كالجبال، أو القِلاع العالية.
ومعنى الآية الكريمة: من نعمه سبحانه وآلائه أنه يُسَيّر السفن في البحار كالجبال العظيمة، تَمْخَر البحار والمحيطات، حاملة البضائع والعباد ومسخرة لمنافعهم.
والعرب تسمي كل شيء بارز مرتفع: علمًا؛ كالقلاع، والأبراج، والجبال؛ ومنه قول الخَنْساء ﵂ في قصيدتها التي رثت فيها أخاها صخرًا: (كأنه عَلَمٌ في رأسه نار) أي: كأنه جبل مرتفع على قمته نار.
* ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١].
(الْجَارِيَةِ) السفينة، سميت كذلك؛ لجريانها على الماء، والمقصود: سفينة نوح ﵇، فلما طغا الماء بالطوفان حملنا آباءكم الذين جئتم من أصلابهم ونجيناكم جميعًا.
* ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٦].
(الجوار):
- الكواكب والنجوم السَّيّارة حال جريانها في أفلاكها.
- وقيل: الظباء وما شابهها التي تجري في البرّية.
وانظر: مفردة (الخنس) و (الكنس).
стр. 102
حرف الحاء
الحافرة
قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠].
(الْحَافِرَةِ) تقول العرب: (رجع في حافرته) أي: عاد إلى حالته الأولى وإلى أول أمره.
والمعنى: أئنا لعائدون إلى الحياة مرة أخرى؟! سؤال استبعاد واستنكار من الكفار.
حاق
قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [النحل: ٣٤].
(وَحَاقَ) لها معنيان:
١ - من الاستحقاق؛ فحاق أصلها: (فحَقَّ) أي: حلَّ بهم ووجب عليهم واستحقوه بأعمالهم.
٢ - من الحُوق، وهو: الكمرة وما استدار بالشيء. ومن الحَيق، وهو: الإحاطة والاشتمال؛ أي: أحاط بهم.
ولفظ (أحاط) يكون مع الخير والشر، أما لفظ (حاق) فيدل على إحاطة السوء والهلكة.
فالمعنى الشامل للمعنيين: حاق وأحاط بهم، وهو حقٌّ عليهم.
* ومنها لفظ (يحيق): ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
(يَحِيقُ):
١ - من الإحاطة؛ أي: يحيط به ويرجع عليه.
٢ - من الحق؛ أي: لزم ووجب على أهله.
* وأما قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢] فسميت بذلك لأنها تدل على عدة أمور:
١ - أنها الساعة الصادقة والواجبة.
٢ - أنها تَحق وتجب على جميع الخلق وتحيط بهم.
٣ - أنها تظهر فيها حواقّ وحقائق الأمور.
٤ - أنها تبيّن ماذا حاق وأحاط بالمكذبين.
٥ - وأنها تُحاق كل مبطل وتغلبه.
٦ - أنها تُحِقُّ كلَّ إنسان بعمله من خير وشر.
٧ - ولاستحقاق ما كان من وعد ووعيد؛ فكل يجد حقيقة عمله ويستحق جزاءه عليه.
стр. 103
الحُبك
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧].
(الْحُبُكِ) الحَبْك: هو الشدّ والإحكام والإتقان.
يُقْسم الله تعالى بالسماء المتشابكة بالطُرق والمنسوجة بالمجرات والأفلاك، ولكل فلك فيها طريقه ومساره؛ فترى السماء في الظلماء كأنها محبوكة ومنسوجة كنسيج الثوب، مطرزة بالكواكب والنجوم، فسبحان الخالق العظيم!
وفي العصر الحديث قد صُوّرت السماءُ بصور مقرَّبة أظهرت الطرق والأفلاك بشكل أوضح وكأنها نسيج كوني؛ مما يستثير في النفس عظمة الخالق، ولكنّ المعنى الذي خاطب اللهُ به العرب في كتابه يتضح من رؤية السماء بالعين المجردة.
حجابًا
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورا﴾ [الإسراء: ٤٥].
(حِجَابًا مسْتُورًا) أي: حجاب من خصائصه أنه مستور عن أنظارهم، فلا يرونه ولا يشعرون به؛ فهو مستور عن أعين الناس ومستورٌ به.
وهذا الحجاب نوعان:
١ - حجاب من الجهل وعمى البصيرة ساتر لقلوب الكفار عن فهمه وتدبره، فلا يصلهم شيء من نوره؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرا﴾ [الإسراء: ٤٦].
٢ - حجاب ساتر للنبي ﷺ عن رؤيتهم له والإضرار به والتعرض له من قِبَلهم.
ومن ذلك لمَّا نزلت تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ، جَاءَتِ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا امْرَأَةٌ بَذِيئَةٌ، وَأَخَافُ أَنْ تُؤْذِيَكَ؛ فَلَوْ قُمْتَ! قَالَ: «إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي» فَجَاءَتْ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْر، إِنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي. قَالَ: لَا؛ وَمَا يَقُولُ الشِّعْرَ. قَالَتْ: أَنْتَ عِنْدِي مُصَدَّقٌ. وَانْصَرَفَتْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ تَرَكَ! قَالَ: «لَا؛ لَمْ يَزَلْ مَلَكٌ يَسْتُرُنِي عَنْهَا بِجَنَاحِهِ» حسنه الألباني في صحيح ابن حبان (٥٦١١).
حِجرًا
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورا﴾ [الفرقان: ٢٢].
(حِجْرًا محْجُورًا) الحَجر: هو المنع والتحريم.
стр. 104
وهي هنا لها معنيان:
المعنى الأول: أن الملائكة تقول لهم: حرام عليكم الجنة.
المعنى الثاني: هي كلمة تعَوّذ دارجة عند العرب قبل الإسلام؛ فكان الرجل إذا أراد شرًّا بغيره في الأشهر الحُرُم قيل له: (حجر محجور) أي: حرام محرم عليك الإيذاء في هذا الشهر، فهم يستعيذون بها من الملائكة، كأنهم يقولون: حرام عليكم أن تُدْخِلُونا النارَ؛ وذلك لأنهم ينكرون سوء فعلهم، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءِ﴾ [النحل: ٢٨] فمعنى (حِجْرًا مَّحْجُورًا) هنا: حرامًا مُحرّمًا للتأكيد.
* ومثلها: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورا﴾ [الفرقان: ٥٣].
(حِجْرًا محْجُورًا) أي: مانعًا وحاجزًا عن الاختلاط.
ومعنى (حِجْرًا مَّحْجُورًا) هنا: مانعًا ممتنعًا من الاختلاط للتأكيد.
* ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨].
(وحرثٌ) الحرث: الزرع.
(حِجْر) أي: محجورة وممنوعة إلا لمن يخصونهم بها.
والمعنى: أن المشركين كانوا يحرِّمون ويحللون لأنفسهم؛ فجعلوا أنعامًا وزروعًا محتَكَرة وخاصة لآلهتهم، فحرموها على أنفسهم؛ فلا يركبونها ولا يشربون ألبانها ولا يأكلون لحومها ولا ينتفعون بها البتة، بل يجعلونها قربانًا للأوثان يذبحونها عند الوثن، ويذكرون اسم الوثن عليها افتراءً على الله.
* ومنها في أصل المعنى قوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥].
و (الحجر) هنا: هو العقل.
ولكن أصل المعنى مأخوذ من المنع؛ لأن العقل يمنع صاحبه ويحجزه عن قبيح الأقوال والأفعال، والسؤال هنا استنكاري.
ومعنى الآية: بعد أن أقسم تعالى بالفجر والليالي العشر والشفع والوتر والليل إذا يسر، فهل القَسَم بهذه كلها كافٍ ومقنع لكل ذي عقل، يمنعه من المكابرة، والعناد ويردّه إلى النظر في آيات الله والانصياع للحق؟!
حديد
قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
(حَدِيد) من الحِدّة.
стр. 105
(فبصرك اليوم) أي: عند الموت يُكشف للعبد غطاء الغيب، وتظهر له حقائق الأمور، ويرى عيانًا كل ما كان غائبًا عنه من وعد ووعيد؛ فيكون بصره أكثر حدّة ووضوحًا.
فالمراد بالحديد: حدّة البصر ودقته، وليس من عنصر الحديد.
والعرب تعبّر في وصف قوة الجوارح بالحديد؛ فتقول: (فلان حديد البصر) أي: قوي أكثر من غيره، و (لسان حديد) أي: حادٌّ صارم.
الخطاب للإنسان في الدنيا، وقيل: هو خطاب للكافر.
ومعنى الآية الكريمة: لقد كنت في غفلة عن الموت وأحداث الآخرة، فلما جاءك الموت كُشفت لك أمور الغيب، وأصبح بصرك نافذًا وأكثر حدّة؛ فيتجلى لك كل ما كان غائبًا عنك:
- فترى عالم الملائكة والشياطين.
- وتظهر لك أعمالك وتقصيرك فيها.
- وترى الجنة والنار وأحوال القبر وفتنته … إلخ.
﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرا﴾ [الأحزاب: ١٩].
(سلقوكم بِأَلسِنَةٍ حِدَادٍ) أي: حادّة سليطة.
وعبّر بالسّلق: لبيان مدى سلاطة ألسنتهم وبذاءتها، وأصل السّلق: هو مد اللسان وبسطه بالأذى. وقيل: من الصّلق، وهو: الصوت الشديد.
والآية الكريمة تبين حال أهل النفاق: ففي حال الأمن والطمأنينة فإنهم يتكلمون معكم كالشجعان بكلام حديد ودعاوى غير صحيحة، فإذا جاء القتال والخوف كانوا أجبن الناس.
حرد
قال تعالى: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾ [القلم: ٢٣ - ٢٥].
(على حَرْدٍ) على منع وحرمان المساكين، و (الحرد): هو المنع بشدة وعزم وإصرار على تنفيذ فكرتهم.
والآية تصور الخطة التي تخافتوا عليها بالليل أن يمنعوا أي مسكين من دخول جنتهم، فلما وصلوا إليها عازمين على تنفيذ ما فكروا فيه؛ تفاجئوا وتحطمت نواياهم وآمالهم حينما رأوا جنتهم حطامًا؛ فظنوا أنها ليست هي، فقالوا: (إنا لضالون) أي: أنهم أخطأوا الطريق إليها.
ثم اتضح لهم الأمر، وفاقوا من هول الصدمة؛ ليجدوا أنهم هم الذين حُرموا وليس المساكين.
والآية فيها درس عظيم في الحض على الإنفاق وبيان عاقبة الشح والإمساك.
стр. 106
حسبانًا
قال تعالى: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠].
(حُسبَانًا) الحسبان لها معنيان لا يتعارضان:
١ - بِمَعْنى الحِسابِ؛ أي: مِقْدارًا من العذاب للإحاطة بها وتدميرها.
٢ - جمع حُسْبانَةٌ، وهي: الصَّاعقة. فهو دعاء بصواعق ترسل عليها فتهلكها.
* ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، (حُسبَانا) لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - أي: حسابًا تُعرف بهما الأوقات: الأيام والليالي، والشهور والسنون.
٢ - أي: يجريان في أفلاكهما بحساب مقدَّر من الله تعالى.
* ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥].
(بِحُسبَان) بحسابٍ دقيق يجريان كما أمرهما الله ، منذ خلقهما الله إلى أن يفنيهما.
الحسنة
الحسنة والسيئة في القرآن الكريم لها معنيان بحسب السياق؛ فإما أن يكون المعنى:
١ - الحسنة: الرخاء والسعة وسائر النعَم. والسيئة: هي الشدة والكَرْب والنِّقم.
٢ - الحسنة: الإيمان والعمل الصالح. والسيئة: معصية الشرك.
ومن المعنى الأول قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥].
(بَدَّلنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ) أي: أبدلناهم مكان الضراء والبأساء الرخاءَ والسعةَ.
(حتى عَفَوا) أي: تكاثروا وكثرت أموالهم وأولادهم.
* ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١].
(الحَسَنَةُ) الغنى والسعة والنعمة …
(سَيِّئَة) البلاء والجدب وغيره مما يسوء …
стр. 107
* ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
(بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) بالنِّعم والنِّقم.
* ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦].
(بِالسَّيِّئَةِ قَبلَ الحَسَنَةِ) بحصول العذاب قبل الرحمة.
- أما ما جاء بالمعنى الثاني فقوله تعالى: ﴿وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠].
* ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
* ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤].
الحسنة: الإيمان والعمل الصالح.
والسيئة: معصية الشرك.
* ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢].
الحسنة: العمل الصالح؛ كالعفو، والحلم.
والسيئة: المعاصي.
- ومنها ما يحتمل المعنيين بلا تعارض؛ مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦].
(بِالسَّيِّئَةِ قَبلَ الحَسَنَةِ):
١ - لِمَ تبادرون بفعل السيئات وتحرصون عليها قبل فِعْل الحسنات؟!
٢ - لِمَ تبادرون بطلب العذاب قبل الرحمة؟!
стр. 108
فائدة:
- سميت النعمة حسنة؛ لأن الناس يستحسنونها، وسمّيت الحسنة الأُخروية التي تحصل بالعمل الصالح حسنة: لأن لها حُسن أثر، وحُسن عاقبة.
وسميت النِّقمة سيئة: لأنها تسوء الناس، وسميت السيئة التي تحصل بالعمل السيئ سيئة؛ لأن لها سوء أثر، وسوء عاقبة.
حسومًا
قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧].
(حُسُومًا) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - أي: تباعًا متتالية لا تتوقف حتى تُنهِي ما أمرت به.
تقول العرب: (حسمت الدابة) إذا تابع كيّها من المرض مرة بعد مرة حتى ينحسم مرضها وتشفى.
٢ - من الحسم والقطع؛ تقول العرب: (حَسَمَت الريح كل شيء مرت به) أي: قطعته.
والمعنى: سلط الله تعالى الريح العاصفة الشديدة البرودة أيامًا متتالية على عاد قوم هود حتى لم تترك لهم فرصة للحياة، فحسمتهم واستأصلتهم عن آخرهم، وحسمت كل شيء لهم مرت به؛ فلم تبق لهم باقية، نسأل الله السلامة، ونعوذ به من غضبه وعقابه!
حَصَبُ
قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
(حصَب) أي: حجارة تشعلها.
فالحصب: أصلها من الحَصْباء والحصى؛ فهي الحجارة. والحطب من الشجر، ومن خصائص الحجارة أنها تبقى في النار ولا تتآكل كالحطب.
فجهنم والعياذ بالله وقودها الناس والحجارة، فكذلك البشر فيها كالحجارة دائمة الاشتعال لا تفنى، وليست كالحطب تفنى وتذوب؛ ليذوقوا العذاب.
والحكمة من حرق الآلهة مع الكفار في جهنم - وهي جمادات لا تعقل- ليراها مَنْ عبدها واستغاث بها؛ فتزداد حسرته، بل ويصيبه من لهيب اشتعالها فيزداد عذابه، نسأل الله العافية!
стр. 109
حصرت
قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠].
(حَصِرَتْ) الإحصار: من المنع والحبس.
فمعنى (حصرت) أي: ضاقت صدورهم، وضمائرهم تمنعهم أن يقاتلوكم؛ للعهد الذي بينهم وبينكم.
* ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
(أحصروا) أي: حبسهم ومنعهم الجهادُ والمرابطة في سبيل الله عن التّكسب.
* ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
(أُحْصِرْتُمْ) أي: فإن حبسكم حابسٌ ومنعكم من إتمام الحج.
* ومن أصل المعنى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩].
(وَحَصُورًا) الحصور: هو الذي يُحجم عن الشيء ويمتنع عنه، أو يُحبس عنه. ويسمى الذي لا يشتهي النساء حصورًا.
وقيل في يحيى ﵇ أقوال:
١ - أنه ليس له شهوة في النساء، واستبعده بعض المفسرين؛ لأن المقام هنا مقام مدح وثناء عليه، والمدح لا يكون إلا على أمر مُكتسب يقدر على خلافه.
٢ - أنه حصر نفسه ومنعها عن الشهوات -ومنها النساء- فهو متفرغ للعبادة.
٣ - أنه منع نفسه عن مساوئ الأخلاق.
(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ):
أي: مصدقًا بعيسى ابن مريم ﵇.
* ومثلها في أصل المعنى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨].
(حَصِيرًا) لها معنيان:
١ - من الحصر والحبس؛ أي: محبسًا وسجنًا لهم.
ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورا﴾ [الفرقان: ١٣]، ونَحْوُ ذَلِكَ من الآيات.
стр. 110
٢ - من الْحَصِيرِ الَّذِي يُبْسَطُ وَيُفْرَشُ؛ والمعنى: فراشًا يجلسون عليها، فهي من فوقهم ومن تحتهم، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَهُم مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٤١]، ونحو ذلك من الآيات؛ فاللفظ يشتمل على المعنيين بلا تعارض.
حصيد
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠].
(قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) أي: القرى التي أهلكت منها ما هو قائم؛ أي: بقيت حيطانها قائمة يراها الناظر إليها، ومنها ما هو حصيد؛ أي: كالزرع المحصود إذا صار هشيمًا وحُطامًا.
أي: مُحِي أثرُها وصارت أنقاضًا، وتفرّقت فلم يبق منها شيء.
* ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ [ق: ٩ - ١١].
(وَحَبَّ الْحَصِيدِ) أي: حبوب الزرع الذي يحصد؛ كالبُرّ والشعير، وما شابه ذلك.
ففي الآيات يُعدّد الله ﵎ نعمه على العباد، ومنها إنزال الماء؛ فينبت به جنات من الأشجار المختلفة التي تثمر ويؤكل ثمرها من خضرة وفاكهة، وينبت به الزروع المختلفة التي تُحصَد ويؤكل حصيدها، والنخل الطوال التي يتدلى ثمرُها المتراكب؛ كل هذه الأصناف طعامًا طيبًا، ورزقًا منه ﵎ لعباده؛ فله الحمد وافيًا!
حِطَّة
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨].
(حِطَّةٌ) أي: احطط عنا ذنوبنا.
والمعنى: ادخلوا الباب -وهو باب المسجد- وأنتم راكعون، أو منحنون انحناء الخشوع، وقولوا: (حِطّة) أي: رب حط عنا خطايانا.
ولكن اليهود دخلوا الباب يزحفون على أدبارهم وهم يقولون: حنطة في شعير. وقيل باللغة العبرية: (حِطَّا سمقاتا) أي: حنطة حمراء؛ استهزاء ومخالفة؛ فأنزل الله ﵎ عليهم الرجز والعذاب المذكور في الآية التالية لها.
следующие страницы →