Полный текст (1 057 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فالعلم أجل الفضائل، وأشرف المزايا، وأعز ما يتحلى به الإنسان، فهو أساس الحضارة، ومصدر أمجاد الأمم، وعنوان سموها وتفوقها في الحياة، ورائدها إلى السعادة الأبدية، وشرف الدارين.
والعلماء هم ورثة الأنبياء، ودعاة الحق، وأنصار الدين، يهدي بهم الله عبادة إلى معرفته وطاعته، ويوجهونهم إلى معرفة الحلال والحرام.
من أجل ذلك تضافرت الآيات والأخبار على تكريم العلم وأهله والإشادة بمقامهم الرفيع.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ٩].
стр. 2
وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].
ولا يخفى أن الأمم لا تنهض ولا ترتقي في حاضرها ومستقبلها إلا على أسس متينة، وقواعد ثابتة من تراثها المجيد، وما دوَّنه وكتبه علماء هذه الأمة هو نتاج علمهم، فكتبوا في كل فن من فنون العلم، ومهدوا الطريق لمن بعدهم، فقامت وازدهرت الحضارات التي بعدهم، على جهودهم وأفكارهم، التي بهرت العقول، ودان لها الأعداء معترفين بفضلهم على حضاراتهم (١).
ومما يؤكد ذلك ما وجد في مكتبات الشرق والغرب من كنوز حضارتنا التي فقدناها فحفظوها، وجعلوها تراثًا يباهون، به ويبالغون في حفظه.
فعلم الفقه وأصوله وجميع مذاهبه وقواعده من التراث الذي نفع الله به الأمة الإسلامية على مر العصور، فهو علم يشرف بشرف مقصده، وإنه أهم المقاصد بعد التوحيد معرفة ما شرعة الله تعالى من بيان الحلال والحرام، وغيرهما من أحكام الشريعة، ووسيلة هذا المقصد الشريف هو التفقه بأحكام الله، وقد تعددت مذاهب الأئمة ﵏ وتنوعت حسب اجتهادهم وفهمهم للأحكام الشرعية، فكان الأئمة الأربعة الذين خلدت مذاهبهم، فجاء أصحابهم من بعدهم فدوّنوا أقوالهم وخرّجوا عليها، فكان من هؤلاء العلماء الذين خدموا الفقه في إخراج الخلاف الذي بين الأئمة، وهو عالمًا في فن الخلاف الذي يعرف به كيفيةُ إيراد الحجج الشرعية، ودفع الشبهة وقوادح الأدلة الخفية، بإيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو من أقام المنطق، إلا انه خُصَّ بالمقاصد الدينية (٢).
_________
(١) المدخل الفقهي لمصطفى الزرقاء (١/ ٨).
(٢) أصول الفقه لابن مفلح (١/ ١٢).
стр. 3
ولقد كان الإمام الحبرُ، القاضي، شيخ الحنابلة، وعلامةُ الزمان القاضي أبو يعلى بن الفراء من أقعدِ الأئمة بهذا الفن، حتى قال عنه العلامة ابنُ بدران (١): وأجمع ما رأيتُه لأصحابنا في هذا النوع: [الخلاف] للقاضي أبي يعلى (٢).
فقد برع في علم من أشقِّ العلوم، وهو علم الخلاف؛ إذ يقتضي هذا العلم أن يتمكن العالمُ من مذهبه، والإحاطة بأصوله وفروعه، ثم يتمكن من مذهب غيره وأدلتهم، ثم يقوم بعد ذلك بهدم وإبطال حجة المخالفين، ونصر مذهبه، وهو من أقوى علماء الحنابلة في هذا الجانب (٣).
ومصنفاته رحمة الله مليئة بالاحتمالات والاختيارات والوجوه.
ومن أجود ما وقفت عليه، بعد منة اللهُ عليِّ من هذه المصنفات، جزء من كتابهُ، "التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة"، وهو كتاب ضخم في أحد عشر مجلد، كما أفاد شيخ الإسلام ابنُ تيمية رحم الله (٤) (٥).
والذي وجدتُه والله الحمد من هذه المجلدات، هو المجلد العاشر أو السفر العاشر، كما ذكره الناسخ على الغلاف ويتضمن تسعة من الكتب وهي: الأشربة، السير، الجزية، الصيد، الذبائح، الأطعمة، الأضحية، السبق والرمي، الأيمان.
فقمت بتحقيقه والحمد الله الذي يسر وأعان.
_________
(١) هو عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن بدران الدمشقي، الدوماني، من مصنفاته، نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، وغيرها توفي سنة ١٣٤٦ هـ، المذهب الحنبلي (٢/ ٥٦٦).
(٢) المدخل (ص: ٤٥٠).
(٣) (القاضي أبو يعلى وكتابة الأحكام السلطانية) للدكتور عبد القادر أبو فارس (ص: ١٧٨ - ١٧٩).
(٤) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، اجتمعت فيه شروط الاجتهاد كلها، من مؤلفاته: منهاج السنة، والاستقامة وغيرها، ولد سنة ٦٦١ هـ وتوفي رحمة الله سنة ٧٢٨ هـ.
ينظر: الذيل على الطبقات (٤/ ٤٩١)، المقصد الأرشد (١/ ١٣٥).
(٥) العقود الدرية (٣٠١).
стр. 4
ويمكن إجمال أهمية، وأسباب اختيار هذا الموضوع بما يلي:
(١) تبرز أهمية هذا التحقيق في المكانة العلمية، التي يختص بها المؤلف، فهو شيخ الحنابلة في عصره.
(٢) شهرة هذا الكتاب عند المتقدمين والمتأخرين.
(٣) اهتمام المؤلف بالاستدلال من الكتاب والسنة اهتمامًا ظاهرًا، مما جعل للكتاب قيمة علمية يبحث عنها.
(٤) اهتمام ابن الجوزي ﵀ (١) بتخريج أحاديث كتاب التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة، والحكم عليها في كتابه التحقيق في أحاديث التعليق، مما يدل على أهمية هذا الكتاب.
(٥) أهمية هذا المرجع، فهو من أكبر مما ألف في الخلاف في الفقه الإسلامي.
(١) مشاركة الباحثين في إخراج هذا المخطوط القيم إخراجًا علميًا ينتفع به.
(٧) قيمة الكتاب العلمية، حيث حوى كثيرًا من مسائل الخلاف بين المذاهب الأربعة، بأسلوب علمي رصين واضح.
(٨) البذل والاهتمام من طلاب العلم -في عصر أصبحت وسائل الطباعة فيه حديثة وميسورة- في تحقيق الكتب العلمية النادرة، وإخراجها من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات؛ لأن في تركها ضياعًا لتراث الأمة.
_________
(١) هو: عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج، له مصنفات كثيرة منها: زاد المسير، التحقيق، الموضوعات، مناقب الإمام أحمد، وغيرها، توفي سنة ٥٩٧ هـ.
ينظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٥)، والذيل على الطبقات (٢/ ٤٥٨).
стр. 5
هدف البحث:
دراسة وتحقيق هذا الجزء من المخطوط تحقيقًا علميًا خدمة للفقه الإسلامي، وأن يجعله الله لي ذخرًا يوم لا ينفع مال ولا بنون.
* * *
الدراسات السابقة:
بعد السؤال والاستفسار عمن يهتم بالمخطوطات، وتحقيقها، والبحث في المكتبات المركزية، كمكتبة الملك فهد الوطنية، وفهرس مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وفي الجامعات بالسعودية، تأكد لدي بأن هذا الجزء من المخطوط، ما زال في عالم المخطوطات، وقد تم تحقيق بعض الأجزاء من هذا الكتاب، وهي:
(١) كتاب الحج والعتق، حققه الدكتور عواض بن هلال العمري لنيل درجة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية، عام ١٤١٠ هـ.
(٢) كتاب الاعتكاف، طبع بتحقيق الدكتور عواض بن هلال العمري عام ١٤١٦ هـ.
(٣) جزء من كتاب البيوع، حققه الدكتور عبد الله بن علي الدخيل، لنيل درجة الدكتوراه من قسم الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء، عام ١٤١٥ هـ.
(٤) جزء من كتاب الصلاة من أول مسألة ترتيب الصلاة حتى نهاية مسألة وجوب الجمعة على العبد، رسالة علمية.
* * *
стр. 6
منهج التحقيق:
وهو على النحو التالي:
أولًا: تم إخراج نص الكتاب على أقرب صورة، وضعها عليه المؤلف، وذلك بإتباع ما يلي:
١ - المحافظة على نص هذه النسخة الفريدة، ما لم يتبين أن هناك خطأ واضحًا لا تستقيم العبارة معه، فأجتهد في تصويبها، بالرجوع إلى كتب السنة وكتب المذهب، وأشير على ذلك في الحاشية، وأثبتُ ما ورد في النسخة في الحاشية، وإذا لم يتضح لي فأشير في الهامش بعبارة (كذا في الأصل).
٢ - أُثبتُ ما قد يسقط من الحروف أو الكلمات من الأصل في الصلب بين معكوفتين هكذا []، وأوجه ذلك في الهامش، وأشير إلى ما يعزز ذلك من المصادر والمراجع.
٣ - تم رسم الكتاب بالرسم الإملائي الحديث.
٤ - أُعجمتُ ما أهمله المؤلف من الكلمات، دون الإشارة إلى ذلك.
٥ - أَضبط بالشكل ما يحتاج إلى ضبط من الألفاظ.
ثانيًا: أحاول ربط الكتاب بمصادره، التي استفاد منها استفادة مباشرة.
ثالثًا: وثّقت الآراء التي يذكرها المؤلف من مصادرها المعتبرة.
رابعًا: عزوت الروايات التي ينقلها المؤلف عن أئمة المذاهب من مصادرها المعتبرة، وأوثّق روايات المذهب بقدر الاستطاعة من مسائل أصحابه، فإن لم أجدها فمن كتب الأصحاب ﵏ فإن لم أجدها أشرت إلى ذلك في الحاشية، وأذكر بعض الكتب التي بحثت أصل المسألة.
خامسًا: أُنبه على الأخطاء العقدية التي وردت في الكتاب.
стр. 7
سادسًا: عزوت الآيات إلى سورها، وأشير إلى المعنى عند الحاجة إليه.
سابعًا: خرّجتُ الأحاديث الواردة في الكتاب، وبنقل حكم أهل الاختصاص عليها -ما لم تكن في الصحيحين أو أحدهما- فإن كانت في الصحيحين أو أحدهما اكتفيتُ حينئذ بالعزو إليهما أو لأحدهما، ولا أكتفي بما قاله ابن الجوزي في تحقيقه على الأحاديث، بل انظر في كلام أهل العلم، وأُثبت ما يظهر لي.
ثامنًا: خرّجتُ الآثار الواردة في الكتاب.
تاسعًا: عزوتُ الأبيات الشعرية إلى قائليها.
عاشرًا: شرحتُ المفردات اللغوية الغريبة.
الحادي عشر: شرحتُ المفردات الفقهية، والأصولية، والحديثية الغريبة، التي وردت.
الثاني عشر: ترجمت للأعلام ﵏، وذلك بإيراد ترجمة قصيرة، تتضمن اسم العلم، وكنيته ومذهبه، وبعض كتبه، ووفاته.
الثالث عشر: عرِّفتُ بالطوائف والفرق والمذاهب، إذا وردت.
الرابع عشر: عرّفتُ بالمدن والمواضع، والبلدان الوارد ذكرها في الكتاب.
الخامس عشر: نبهتُ على الأخطاء اللغوية والنحوية التي وجدت.
السادس عشر: وضعت الفهارس العامة، وأهمها:
(١) فهرس المراجع والمصادر.
(٢) فهرس الموضوعات.
* * *
стр. 8
شكر وتقدير
اللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، سبحانك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، فلك الحمد أولًا وأخرًا ظاهرًا وباطنًا على مننك وآلائك العظمى، ونعمك التي لا تُعد ولا تحصى أحمدك على ما امتننت به على عبدك من التوفيق والإعانة حتى أتممت هذا التحقيق المتواضع الذي أسالك بمنك وكرمك أن تجعله خالصًا صوابًا.
وأُثني بعد شكر الله بالشكر العاطر والثناء والدعاء الصادق والوفاء لوالديَّ اللَّذَين لهما الفضل بعد الله بالدعم والتوجيه والتسديد والتشجيع والدعاء.
والشكر موصول لأهل بيتي، على ما قدموا من وافر العناية، وجميل المعروف والمساندة فأجزل الله لهم المثوبة والأجر.
وختامًا أسال الله أن يبارك في الجهود والأوقات والأعمال.
* * *
стр. 9
الفصل الأول التعريف بالمؤلف
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: اسمه، ولقبه، وكنيته
أولًا: اسمه:
القاضي الكبير محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد. وهذه الترجمة اتفقت عليها معظم المصادر (١) إلا السمعاني في الأنساب (٢)، وابن كثير في البداية والنهاية (٣)، فقد ذكرا أن اسم والد القاضي "الحسن" بالتكبير لا بالتصغير، وهذا إن لم يكن تصحيفًا فهو خطأ؛ لأن أعرف الناس بترجمة القاضي هو ابنه، وقد ترجم له في طبقات الحنابلة باسم الحسين بالتصغير (٤).
ثانيا: لقبه:
لقب القاضي أبي يعلى بابن الفراء، وهو ابن الفَرَّاء -بفتح الفاء وتشديد الراء المفتوحة- فذلك نسبة إلى خياطة الفرو وبيعه وهذا اللقب قد اشتهر به القاضي أبو يعلى. قال السمعاني: "والمشهور بهذه النسبة، … ، أبو يعلى محمد بن الحسن بن خلف خلف بن أحمد الفراء" (٥).
_________
(١) تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦)، الأنساب للسمعاني (٤/ ٣٥١).
(٢) الأنساب (٤/ ٤١٥).
(٣) البداية والنهاية (١٢/ ١١٦).
(٤) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣).
(٥) الأنساب (٤/ ٣٥١).
стр. 10
وقد لازم هذا اللقب القاضي؛ فكل الكتب التي ترجمت له -تقريبًا- ذكرته بهذا اللقب.
ثالثا: كنيته:
اتفقت جميع المصادر التي ترجمت للقاضي على أنه قد كنى بأبي يعلى، وإن كانت هذه المصادر لم تذكر من أولاده من يعرف بهذا الاسم (١).
لم يكن من أولاد القاضي من يعرف بهذا الاسم، فهذه الكنية تدل على مكانة القاضي بين أهله وعشيرته، فالكنية اسم يطلق للتعظيم، والتوقير، وليس هذا بكثير على عالم مثل القاضي الذي قضى حياته في تحصيل العلم ونشره، والتأليف في المذهب الحنبلي؛ فقد ألف في هذا المذهب -أصولًا وفروعًا- الكتبَ الكثيرة، ولم يَأْلُ جهدًا في العلم على إعلاء شأن الدين.
* * *
_________
(١) تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦)، الأنساب (٤/ ٣٥١).
стр. 11
المبحث الثاني: مولده، ونشأته، وأسرته
أولًا: مولده:
اتفقت معظم المصادر فلم يشذ أحد من المؤرخين، والكتاب الذين ترجموا للقاضي على أن مولده كان في بغداد، وذلك في السابع والعشرين، أو الثامن والعشرين من المحرم سنة ثمانين وثلاثمائة، واعتمد المؤرخون -في ذلك- على ما نقله الخطيب البغدادي (١)؛ حيث قال: "حدثني أبو القاسم الأزهري (٢)، قال: كان أبو الحسين بن المحاملي (٣) يقول: ما تحاضرنا أحد من الحنابلة أعقل من أبي يعلى ابن الفراء، سألته عن مولده فقال: ولدتُ لسبع وعشرين، أو ثمان وعشرين ليلة خلت من المحرم سنة ثمانين وثلاثمائة" (٤).
ثانيًا: نشأته، وحياته العلمية:
لا شك أن للبيئة أثرًا في حياة الأفراد، سواء أكانت هذه البيئة صغيرة كالأسرة، أم كبيرة كالمدينة التي فيها المولد والمنشأ، وقد كان لهاتين البيئتين أثر في تكوين شخصية القاضي.
فإذا نظرنا إلى البيئة الكبيرة التي فيها نشأ وكان فيها المولد فهي بغداد، وبغداد -آنذاك- كانت حاضرة العالم الإسلامي، ومنارة العلم، وقد نبغ فيها كثير من
_________
(١) هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي له مصنفات كثيرة في جميع الفنون، منها تاريخ بغداد، الأمالي، وغيرها ولد سنة ٣٩٢ هـ، وتوفي سنه ٤٦٣ هـ.
ينظر: تاريخ بغداد (١/ ٤)، سير أعلام النبلاء (١/ ١٢١).
(٢) عبيد الله بن أبي الفتح أحمد بن عثمان بن الفرج أبو القاسم الأزهري، كان أحد المكثرين لرواية الحديث، والجامعين له، مع صدق، وأمانة، واستقامة، وسلامة معتقد، ولد سنة خمس وخمسين وثلاث مائة، ومات سنة خمس وثلاثين وأربع مائة، عن ثمانين سنة، ينظر: طبقات الشافعيين (١/ ٣٩٥).
(٣) هو محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل أبو الحسين المعروف بابن المحاملي كان ثقة صادقًا خيرًا فاضلا ولد سنه ٣٣٢ هـ وتوفي سنه ٤٠٧ هـ، ينظر: تاريخ بغداد (١/ ٣٥١)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٩).
(٤) تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦).
стр. 12
العلماء الذين صنفوا في الفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، والطب، والفلسفة، والتجارة، فأصبحت بغداد ذات نهضة علمية لم تكن هذه النهضة مختصة بعلمٍ دون آخر، وإنما كانت شاملة لجميع العلوم، ومن هنا صارت بغداد مركزًا للعلم، بل من أهم مراكز العلم، وملتقى للعلماء والدارسين. فهذه هي البيئة الكبيرة التي نشأ وترعرع فيها القاضي أبو يعلى وكان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيته العلمية.
وأما البيئة الصغرى التي نشأ فيها القاضي أبو يعلى، فهي أسرته، والقاضي من بيت علم، ودين، فوالده هو الحسين بن محمد بن أحمد الفقيه الحنفي، درس على الإمام أبي بكر الرازي (١) مذهب أبي حنيفة حتى برع فيه، وناظر، وتكلم (٢)، وكان لهذا الوالد الأثر الأكبر في توجيه ابنه نحو التعمق في تحصيل العلوم الإسلامية، وتكريس حياته لخدمة الدين، فوجه الوالد ابنه منذ نعومة أظفاره إلى التلقي والسماع، فكان أول سماعه للحديث سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، فإذا كان مولد القاضي سنة ثمانين وثلاثمائة، فيكون سماعه للحديث حينما كان عنده خمس سنين! سمع القاضي الحديث من أبي الحسن على بن معروف (٣)، وغيرهم. هكذا كان الوالد حريصًا على تنشئة ابنه تنشئة علمية صحيحة، لكن شاءت إرادة الله ﵎ أن يتوفى هذا الوالد في سنة تسعين وثلاثمائة، وكان سن الولد -إذ ذاك- عشر سنين إلا أيامًا (٤).
تبين مما سبق أن القاضي ﵀ بدأ حياته العلمية وهو في سن الخامسة، وهي سن مبكرة جدًّا، وقل ما نجد أي دارس بدأ حياته وهو في هذا السن المبكر، ولكن
_________
(١) أبو بكر أحمد بن على الرازي الحنفي المعروف بالجصاص: كان مولده في عام خمس وثلاثمائة، كان رحمة الله مع براعته في العلم ذا زُهدٍ وتعبد، وعرض عليه القضاء فامتنع. توفي يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة، تاريخ بغداد (٤/ ٣١٤).
(٢) طبقات الحنفية (١/ ٢١٨).
(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣) تاريخ الإسلام (٣٠/ ٤٥٦).
(٤) المراجع السابقة.
стр. 13
إن دل هذا فإنما يدل على مدى حرص والده على أن ينشأ ابنه هذه النشأة العلمية فور ما بدأ ابنه يعقل نطق الألفاظ، ويجيد السير على قدميه، ويستقل بأمور نفسه، ولم يكن حرص الوالد على تنشئة ابنه هذه التنشئة قاصرة على حياته فقط، بل إن والده -قبل وفاته- أوصى بتربيته إلى رجل صالح يعرف بالحربي (١)، وقد كان هذا الرجل يسكن بدار القز (٢)، فنقل القاضي من باب الطاق (٣) الذي كان يقيم فيه مع والده إلى شارع دار القز الذي يسكنه وصيه الذي يقوم على تربيته، وكان في هذا الشارع مسجد يصلى فيه شيخ صالح يعرف بابن مفرحة (٤) المقري، فلقن ابن مفرحة القاضي ما جرت العادة بتلقينه، لكن القاضي أراد المزيد، فقال له الشيخ: "إن أردت المزيد فعليك بالشيخ أبي عبد الله بن حامد (٥)؛ فإنه شيخ الطائفة، ومسجده بباب الشعير" (٦).
هذا كان الطور الأول من حياة القاضي أبي يعلى الذي حفظ فيه كتاب الله - تعالى- على يد ابن مفرحة، وتلقى وسمع أحاديث رسول الله ﷺ من أبي الحسن على بن معروف، وغيره، كما تلقى في هذا الطور من حياته عبارات من مختصر
الخرقي.
_________
(١) لم أجد له ترجمة في ما بين يدي من كتب.
(٢) دار القز: محلة كبيرة في الجانب الغربي من بغداد تقع في طرف الصحراء، بينها وبين البلد نحو فرسخ، الأنساب (٢/ ٤٧١)، معجم البلدان (٢/ ٤٢٢).
(٣) باب الطاق: محلة كبيرة في الجانب الشرقي ببغداد، تعرف بطاق أسماء.
معجم البلدان (١/ ٣٠٨).
(٤) ابن مفرحة: شيخ صالح كان يقيم بدار القز، وكان يقرئ القرآن، ويلقن من يقرأ عليه عبارات من مختصر الخرقي. طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣)، تاريخ الإسلام للذهبي (٣٠/ ٤٥٥).
(٥) هو الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله البغدادي، إمام الحنابلة، في زمانه ومدرسهم ومفتيهم له المصنفات في العلوم المختلفات له الجامع في المذهب نحوا من أربعمائة جزء وله شرح الخرقي وشرح أصول الدين وأصول الفقه. وتوفي راجعا من مكة بقرب واقصة سنة ثلاث وأربعمائة، طبقات الحنابلة (٢/ ١٧١)، المقصد الأرشد (١/ ٣١٩).
(٦) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣)، تاريخ الإسلام للذهبي (٣٠/ ٤٥٦).
стр. 14
الطور الثاني من حياة القاضي هو طور اتصاله وتلقيه على يد الشيخ أبي عبد الله بن حامد، ذاك الطور من حياته الذي كان قد رشحه للتدريس إلى جانب التحصيل، فما كاد يسافر شيخه لحج بيت الله حتى قعد مكان هذا الشيخ، ولم يعقه ذلك عن تحصيل العلم والاستمرار في الاستزادة منه، انتقل القاضي أبو يعلى من دار القز؛ حيث كان يقيم ابن مفرحة إلى باب الشعير؛ حيث كان مسجد أبي عبد الله بن بن حامد إمام الحنابلة، في زمانه، ومؤدبهم، ومدرسهم، ومفتيهم، ذاك الشيخ كانت له المصنفات المختلفة في سائر العلوم: في الفقه، والأصول، وكان من أكبر تلامذة أبي بكر غلام الخلال (١)، صحب القاضي أبو يعلى الشيخ أبا عبد الله بن حامد، ولازمه وتفقه عليه، وكان الشيخ كثير الحج إلى بيت الله، فلما أراد الخروج إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة سأل: على من ندرس؟ وإلى من نجلس؟ فقال: إلى هذا الفتى -وأشار إلى القاضي أبي يعلى.
انتقل القاضي أبو يعلى إلى الطور الثالث من أطوار حياته؛ وهو طور الإلقاء والتدريس، فالقدر الكبير من التحصيل مهد للقاضي الطريق إلى أن يجلس مكان أستاذه للتدريس وهو في هذه السن المبكرة. فالقاضي ﵀ أتقن العلوم الإسلامية إتقانًا كبيرًا، فكان متقدمًا على فقهاء عصره بقراءته للقرآن بالقراءات العشر، وكثرة سماعه للحديث، وعلو إسناده في المرويات (٢)، وهذا القدر من التحصيل والإلمام جعله يتولى التدريس عند غياب شيخه بأمر منه، ولكن لما توفي شيخه كان لا بد للقاضي من الجلوس مكانه للتدريس، والإفتاء، وذاعت شهرة القاضي في الآفاق؛ فقد كان لشيخه الذي خلفه القاضي في حلقته تلامذة كثيرون، وأخذ المئات من
_________
(١) أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد البغدادي: كان مولده سنة خمس وثمانين ومائتين، من مصنفاته: "المقنع"، و"الشافي"، "زاد المسافر". توفي لعشر بقين من شوال سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وله ثمان وسبعون سنة. تاريخ بغداد (١٠/ ٤٥٩)، طبقات الحنابلة (٢/ ١١٩).
(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٨)، تاريخ الإسلام (٣٠/ ٤٥٨).
стр. 15
العلماء والتلامذة إلى القاضي يتوافدون مهما نَاتْ بهمُ الأسفارُ، وبَعُدَت الأقطار، يحكى ذلك ابنه حسين قائلًا: "ولقد حضر الناس مجلسه، وهو يملى حديث رسول الله ﷺ بعد صلاة الجمعة بجامع المنصور على كرسي عبد الله ابن إمامنا أحمد ﵁، وكان المبلغون عنه في حلقته والمستملون ثلاثة وأخبر جماعة من الفقهاء ممن حضروا الإملاء: أنهم سجدوا في حلقة الإملاء على ظهور الناس؛ لكثرة الزحام في صلاة الجمعة في حلقة الإملاء" (١). مما سبق يتبين أن القاضي أبا يعلى جلس مكان شيخه أبي عبد الله بن حامد، وتخرَّج على يديه تلامذة كثيرون، أصبح كل واحد منهم منارة تهدى السائرين، وكان ذلك من لطف الله وإرادته حفظ المذهب الحنبلي على يد القاضي ﵀ فالقاضي امتاز بضبط العلوم بحسن بصيرة، وإتقان، وتدقيق في الكشف عن غوامض المذهب، والبيان عن معانيه، وبلغ القاضي انغماسه في تسطير المذهب الحنبلي، وبثه، ونشره، وإذاعته أنه كان يواصل ليله بنهاره في الانشغال بذلك، فكان نهاره للناس يفتيهم ويناقشهم، أما ليله فكان يقسمه أقسامًا: قسمًا للمنام، وقسمًا للقيام، وقسمًا لتصنيف الحلال والحرام (٢).
* * *
_________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٨).
(٢) المرجع السابق (٢/ ٢٠٢).
стр. 16
المبحث الثالث: شيوخه، وأبناؤه، وتلاميذه
أولًا: شيوخه:
تتلمذ القاضي أبو يعلى على كثير من الشيوخ الأفذاذ الذين كان لهم الأثر الأكبر في تكوين شخصيته العلمية والخلقية، وقد صرح بشيوخ القاضي أبي يعلى ابنه أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" (١)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٢)، وابن العماد في "شذرات الذهب" (٣)، وغيرهم من المترجمين، والمؤرخين.
ومن هؤلاء الشيوخ الذين نهل القاضي من علمهم:
(١) أبو القاسم بن جنيقا هو عبيد الله عثمان بن بن يحيى أبو القاسم الدقاق المعروف بابن جنيقا (٤)، توفي ابن جنيقا: يوم الخميس الثامن والعشرين من رجب سنة تسعين وثلاثمائة (٥).
(٢) ابن حامد الحسن بن حامد بن على بن مروان أبو عبد الله، الوراق، الحنبلي، البغدادي، شيخ الحنابلة في زمانه، ومُدَرِّسُهُم، ومفتيهم (٦). كان لابن حامد المصنفات العظيمة منها: "كتاب الجامع" أربعمائة جزء، تشتمل هذه الأجزاء على اختلاف الفقهاء، وله "شرح الخرقي"، و "شرح أصول الدين"، و "أصول الفقه" (٧). وفاته: توفي ابن حامد في عام ثلاث وأربعمائة، وكان راجعًا من مكة بقرب واقصة (٨) (٩).
_________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣).
(٢) تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦).
(٣) شذرات الذهب (٣/ ٣٠٥، ٣٠٦).
(٤) تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧٧)، المنتظم (٧/ ٢١٠)، الأنساب (٢/ ١٠٠).
(٥) تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧٧).
(٦) تاريخ بغداد (٧/ ٣٠٣)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٦٩).
(٧) طبقات الحنابلة (٢/ ١٦٩).
(٨) واقصة: منزل بطريق مكة بعد الفزعاء نحو مكة وقبل العقبة لبنى شهاب من طئ، ويقال لها: واقصة الحزون وهي دون زبالة بمرحلتين. معجم البلدان (٥/ ٣٥٤).
(٩) تاريخ بغداد (٧/ ٣٠٣).
стр. 17
(٣) ابن البغدادي الحسين بن أحمد بن جعفر أبو عبد الله المعروف بابن البغدادي (١). وفاته: توفي أبو عبد الله يوم الثلاثاء الثالث عشر من شعبان سنة أربع وأربعمائة، ودفن في مقبرة باب الحرب (٢).
(٤) ابن الحمامي هو أبو الحسن على بن أحمد بن عمر بن حفص، المقرئ، المعروف بابن الحمامي البغدادي (٣) وفاته: توفي ابن الحمامي عشية يوم الأحد الرابع والعشرين من شعبان سنة سبع عشرة وأربعمائة، ودفن في الغد في مقبرة باب الحرب (٤).
(٥) ابن الصيدلاني عبيد الله بن أحمد بن على بن الحسين بن عبد الرحمن أبو القاسم المقرئ (٥)، المعروف بابن الصيدلاني (٦). وفاته: توفي ابن الصيدلاني ليلة الأحد لستٍّ بقين من رجب سنة ثمانٍ وتسعين وثلاثمائة، ودفن في مقبرة أحمد بن حنبل، وقيل: توفي يوم السبت لسبع بقين من رجب سنة تسع وتسعين وثلاثمائة (٧).
(٦) أبو القاسم السراج موسى بن عيسى بن عبد الله بن طانجور أبو القاسم السراج (٨). مولده في عام خمس وتسعين ومائتين (٩). وفاته: قال التنوخي يوم السبت لستٍّ بقين من المحرم سنة سبع وثمانين وثلاثمائة (١٠).
_________
(١) تاريخ بغداد (٨/ ١٥)
(٢) تاريخ بغداد (٨/ ١٥).
(٣) تاريخ بغداد (١١/ ٣٣٩)، المنتظم (٨/ ٢٨).
(٤) تاريخ بغداد (١١/ ٣٢٩).
(٥) تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧٨).
(٦) الصَّيْدَلاني: بفتح الصاد المهملة، وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين، وفتح الدال المهملة، وهذه النسبة لمن يبيع الأدوية والعقاقير. الأنساب للسمعاني (٣/ ٥٧٣)، شذرات الذهب (٣/ ١٥٣).
(٧) تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧٨) شذرات الذهب (٣/ ١٥٣).
(٨) تاريخ بغداد (١٣/ ٦٤).
(٩) تاريخ بغداد (١٣/ ٦٤).
(١٠) تاريخ بغداد (١٣/ ٦٤).
стр. 18
(٧) أبو الحسن السكرى على بن عمر بن محمد بن الحسن بن شاذان بن إبراهيم بن إسحاق بن على بن إسحاق أبو الحسن الحميري (١)، ويعرف بالسكري، وبالصيرفي، وبالكيال، وبالحربي (٢)، ولد في سنة ست وتسعين ومائتين، وأول سماعي الحديث في سنة ثلاث وثلاثمائة (٣). وفاته: في سنة ثمانين وثلاثمائة (٤).
(٨) الحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي الطهماني، المعروف بالحاكم النيسابوري، ويعرف بابن البيع (٥) مولده: وُلد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وكان مولده بنيسابور (٦).
وفاته: اختلف في وفاة الحاكم النيسابوري، فذهب أكثر المؤرخين إلى أن وفاته كانت يوم الثلاثاء، الثالث من صفر سنة خمس وأربعمائة (٧).
(٩) ابن أبي الفوارس أبو الفتح محمد بن أحمد بن محمد بن فارس بن سهل بن أبي الفوارس (٨). مولده: وُلد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة (٩). وفاته: سنة اثنتي عشرة وأربعمائة (١٠).
_________
(١) تاريخ بغداد (١٢/ ٤٠)، المنتظم (٧/ ١٨٨، ١٨٩)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٣٨).
(٢) المراجع السابقة.
(٣) تاريخ بغداد (١٢/ ٤٠).
(٤) تاريخ بغداد (١٢/ ٤٠).
(٥) تاريخ بغداد (٥/ ٤٧٣)، المنتظم (٧/ ٢٧٤).
(٦) المراجع السابقة.
(٧) تاريخ بغداد (٥/ ٤٧٣).
(٨) تاريخ بغداد (١/ ٣٥٢)، المنتظم (٨/ ٥، ٦).
(٩) المرجعين السابقين.
(١٠) تاريخ بغداد (١/ ٣٥٣).
стр. 19
ثانيًا: أولاد القاضي أبي يعلى:
(١) أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن الحسين الفراء (١). مولده: وُلد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة (٢). وفاته: توفي ﵀ في أواخر ذي القعدة سنة تسع وستين وأربعمائة (٣).
(٣) أبو الحسين الفراء: محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء الحنبلي البغدادي، ويعرف بأبي الحسين (٤). مولده: ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة (٥).
(٣) أبو حازم محمد توفي والده وهو في الرضاع له مصنفات عده منها: شرح مختصر الخرقي والتبصرة ورؤؤس المسائل وغيرها توفي ﵀ سنة ٥٢٧ هـ.
ثالثًا: تلاميذ القاضي أبي يعلى:
كان للقاضي أبي يعلى عددٌ كثيرٌ، وجمٌ غفيرٌ من التلاميذ الذين تخرجوا على يديه. قال ابنه أبو الحسين: "حضر الناس مجلسه وهو يملئ حديث رسول الله ﷺ بعد صلاة الجمعة على كرسي عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل، وكان المبلغون في حلقته والمستملون ثلاثة".
وقال أيضًا: أخبرني جماعة من الفقهاء الذين حضروا الإملاء أنهم سجدوا في حلقة الإملاء على ظهور الناس؛ لكثرة الزحام في صلاة الجمعة في حلقة الإملاء.
وقال: وما رأى الناس في زمانهم مجلسًا للحديث اجتمع فيه ذلك الجم الغفير والعدد الكثير" (٦).
_________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٤).
(٢) المراجع السابقة.
(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٤).
(٤) المنتظم (١٠/ ٢٩)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٦٠١).
(٥) المراجع السابقة.
(٦) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٨).
стр. 20
ومن هؤلاء التلاميذ الذين تفقهوا على القاضي أبي يعلى:
(١) ابن البناء أبو على الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادي الحنبلي (١).
(٢) أبو الحسن النهري أبو الحسن على بن محمد بن المبارك الكرخي (٢).
(٣) المُخَرِّمي أبو سعد المبارك بن على بن الحسن بن بندار البغدادي (٣).
(٤) البَرداني أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن الحسين بن على بن هارون (٤).
(٥) أبو الغنائم أبو الفضل محمد بن على بن طالب بن محمد الخرقي الحنبلي الزببيي (٥).
(٦) أبو الوفاء على بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي، الظفري، الحنبلي (٦).
(٧) أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد، الكلوذاني، البغدادي، الأزجي (٧).
تلاميذ القاضي أبي يعلى في الحديث:
(١) الخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن على بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي المعروف بالخطيب (٨).
_________
(١) المنتظم (٨/ ٣١٩)، المقصد الأرشد (١/ ٣٠٩).
(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٥١) ذيل تاريخ بغداد (٤/ ٤٤).
(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٥٧)، المنتظم (٩/ ٢١٥).
(٤) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٤).
(٥) الزِّبِبْي: بكسر الزاي والباء الموحدة الأولى، وسكون الباء الثانية وفي آخرها الياء المثناة من تحتها، وهذه النسبة لأبي الفضل؛ لأنه كان يعرف بابن زببيا، فنسب إلى ذلك. الأنساب (٣/ ١٣١)، اللباب في تهذيب الأنساب (٢/ ٥٧).
(٦) المنتظم (٩/ ٢١٢)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣).
(٧) المنتظم (٩/ ١٩٠)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٤٨).
(٨) المنتظم (٨/ ٢٦٥)، وفيات الأعيان (١/ ٩٢).
стр. 21
(٢) ابن كادش أبو ياسر محمد بن عبيد الله بن محمد بن أحمد بن كادش، العكبري، الحنبلي (١).
* * *
المبحث الرابع: عصر المؤلف الذي كان فيه
لقد عاش القاضي أبو يعلى في ظل خلافة القادر بالله (٢)، الذي تعتبر مدته في الخلافة أطول المدد، فقد أنافت على أربعين سنة، وكان من الفقهاء المشتغلين بالعلم حتى عده ابن الصلاح في طبقات فقهاء الشافعية. وكان القادر بالله يميل إلى القاضي أبي يعلى ويقربه. فلما توفي سنة ٤٢٢ هـ، وخلفه ولده القائم بأمر الله (٣)، ولاه على قضاء الحريم، وكان يُشترط لهذا المنصب الجمع بين العلم والزهد، وكان القاضي أبو يعلى على جانب عظيم من الزهد والورع والعبادة والعفة والنظافة. وأما العلم فهو المفسر الأصولي الفقيه المحدث المناظر. فكان هو المرشح الوحيد لهذا المنصب في رأي القائم بأمر الله، فوافق أبو يعلى على ذلك بعد إلحاح شديد وتمنع متكرر، واشترط على الخليفة شرائط، منها: أن لا يحضر أيام المواكب الشريفة، ولا يخرج في الاستقبالات، ولا يقصد دار السلطان، وفي كل شهر يقصد نهر المعلًّى يومًا وباب الأزج يومًا، ويستخلف من ينوب عنه في الحريم. فأستجاب الخليفة لشروطه، وولاه القضاء في الدماء والفروج والأموال، وأسند إليه قضاء حرّان وحلوان العراق (٤) فسار في القضاء سيرة الأبرار النزهاء،
_________
(١) المنتظم (٩/ ١٣٦)، المقصد الأرشد (٢/ ٣٤٣).
(٢) هو أحمد أمير المؤمنين القادر بالله بن إسحاق بن جعفر المقتدر بالله بن أحمد ولد سنة ٣٣٦ هـ، وتوفي سنة ٤٢٣ هـ. تاريخ بغداد (٤/ ٢٥٧)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ١٢٧).
(٣) هو القائم بأمر الله عبد الله ابن القادر بالله بن أسحاق الخليفة، ولد سنة ٣٩١ هـ، وتوفي سنة ٤٦٧ هـ، سير أعلام النبلاء (١٥/ ١٣٨)، تاريخ بغداد (٢٠/ ١٤٣).
(٤) الطبقات (٢ (١٩٩)، والسير (١٨/ ٩٠).
стр. 22
فأصلح الفساد، وأنصف المظلوم، وأوصل الحقوق، وفصل الخصومات، وكان في ذلك كله يعرض المذهب الحنبلي على ميدان الواقع، ولا يخفى ما في ذلك من إعطاء هذا المذهب قوته وحيويته في الجانب القضائي، وكان القاضي أبو يعلى من السابقين الأولين في الكتابة في موضوع الأحكام السلطانية من وجهة نظر الاجتهاد الحنبلي، ولعل عمله في القضاء وعلاقته الطيبة مع الخليفة هي التي حفزت همته لذلك.
* * *
المبحث الخامس: مؤلفاته وأعماله
أولًا: مؤلفاته:
الإمام ﵀ يعد من العلماء الذي حوى علمهم كثيرًا من العلوم، فخلف ثروة زاخرة بشتى العلوم، ولكن إلى الآن لم يطبع ولم تخرج إلى عالم المطبوعات إلَّا القليل منها، وأبين مصنفاته المطبوع منها، والمخطوط التي وردت في الكتب.
أولًا: المؤلفات المطبوعة:
(١) العدة في أصول الفقه (١)
(٢) الأحكام السلطانية (٢)
(٣) إيجاب الصيام ليلة الإغمام (٣)
(٤) مسائل الإيمان (٤)
_________
(١) حققه معالي الدكتور أحمد سير المباركي، ط ٣، عام ١٤١٤ هـ.
(٢) حققه الشيخ محمد حامد الفقي، طبع دار الكتب العلمية، ١٤٢١ هـ.، وطبع أكثر من طبعة.
(٣) رسالة مطبوعة في ثنايا المجموع للنووي حيث صنف الخطيب البغدادي جزء في الرد على هذه الرسالة فأوردهما النووي في المجموع (٦/ ٤٠٨ - ٤١٨).
(٤) حققه سعود الخلف وطبعته الطبعة الأولى، دار العاصمة بالرياض عام ١٤١٠ هـ.
стр. 23
(٥) الروايتين والوجهين (١)
(٦) المعتمد في أصول الدين (٢)
(٧) الجامع الصغير (٣)
(٨) إبطال التأويلات لأخبار الصفات (٤)
(٩) كتاب الاعتكاف من التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة (٥)
ثانيًا: مؤلفات القاضي المخطوطة:
(١) التحذير من الغيبة (٦)
(٢) تبرئة معاوية (٧)
(٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٨)
(٤) التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة (٩)
(٥) شرح الخرقي (١٠)
_________
(١) حققه الدكتور عبد الكريم اللاحم وطبعته الطبعة الأولى مكتبة دار المعارف بالرياض في عام ١٤٠٥ هـ.
(٢) حققه الدكتور وديع زيدان حداد وطبع بدار المشرق، بيروت، ط ١، عام ١٣٩٤ هـ، وهو مختصر لكتاب كبير في نفس العنوان، كما ذكره المؤلف في خطبة الكتاب.
(٣) حققه الدكتور ناصر السلامة، وطبع بدار أطلس للنشر والتوزيع، ط ١ عام ١٤٢١ هـ.
(٤) حققه محمد بن حمد النجدي في مكتبة دار الإمام الذهبي عام ١٤١٠ هـ، وفي دار إيلاف الدولية عام ١٤١٦ هـ.
(٥) حققه الدكتور عواض العمري عام ١٤١٦ هـ.
(٦) ذكره الدكتور عبد الله الدخيل في مقدمة رسالته الدكتوراه في تحقيق جزء من البيوع لكتاب التعليق الكبير في مسائل الخلاف ص ٤٢، وبين أن هذا الكتاب يوجد له نسخة بمكتبة جستربتي -دبلن- رقم ٣٣٧٣، ويوجد لها نسخة مصورة في مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت وهي تسع ورقات (٨١ - ٨٩) ق. انظر: فهرس المخطوطات والتراث (١١، ١٥، ١٦).
(٧) يوجد نسخة نسخه مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم ٢٤٠١، وهي اثنتا عشرة ورقة.
(٨) تحقيق دار البخاري للنشر والتوزيع المدينة المنورة، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الشنقيطي.
(٩) وهو الكتاب الذي قمت بتحقيق جزء منه ولله الحمد وسوف يأتي الكلام عنه في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
(١٠) لم يكتمل الكتاب إلى الآن، وحقق الموجود، الدكتور سعود الروقي من أول كتاب النكاح إلى نهاية كتاب الأضاحي، وحقق الدكتور عبد العزيز الجوعي من كتاب السبق والرمي إلى نهاية كتاب عتق أمهات الأولاد.
стр. 24
(٦) العمدة في أصول الفقه (١)
(٧) رؤوس المسائل (٢)
(٨) الفوائد الصحاح العوالي والأفراد والحكايات (٣)
(٩) مختصر إبطال التأويلات (٤)
(١٠) التوكل (٥)
ثالثًا: المؤلفات التي لم يعثر عليها:
(١) إبطال الحيل.
(٢) إثبات إمامة الخلفاء الأربعة.
(٣) أحكام القرآن.
(٤) الاختلاف في الذبيح.
(٥) أربع مقدمات في أصول الديانات.
(٦) الانتصار.
(٧) إيضاح البيان في مسائل القرآن.
_________
(١) جزم به معالي الشيخ أحمد المباركي، في مقدمة تحقيقه لكتاب العدة لأبي يعلى (١/ ١٠) وقال: (كتاب العمدة في أصول الفقه ...... بعد الاطلاع عليه ثبت أنه للقاضي أبي يعلى)، وذكر الدكتور عبد الله الدخيل في رسالته ص ٤٣، أنه يوجد منه نسخة بمكتبة ببغداد، برقم (٧٤٠٦)، وهي مخرومة من أولها، ولم يكتب عليها اسم المؤلف، وتقع في ٣٣ ورقة.
(٢) مطبوع لدى دار البخاري للنشر والتوزيع تحقيق د. محمد مصطفى الشنقيطي.
(٣) يوجد منها نسخة في دار الكتب الظاهرية بدمشق، مجموع ١١٦ (ق ٣٥ - ٤٩). ينظر: فهرس المخطوطات دار الكتب الظاهرية للألباني ﵀ ص ٢٩٥.
(٤) توجد نسخة في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري بالمدينة النبوية، وتقع في ٦٢ صفحة. ذكره الدكتور عواض العمري في مقدمة تحقيقه لكتاب الاعتكاف من التعليق الكبير ص ٨.
(٥) له نسخه في دار الكتب الظاهرية ضمن مجموع برقم (٣٢٤٩)، في ثماني ورقات منسوخ في القرن السادس الهجري، ينظر: معجم مصنفات الحنابلة (٢/ ٤٣).
стр. 25
(٨) تكذيب الخيابرة فيما يدعونه من إسقاط الجزية.
(٩) تفضيل الفقر على الغنى.
(١٠) الجامع الكبير جزء منه في الطهارة، وبعض الصلاة، والنكاح، والصداق، والخلع، والوليمة، والطلاق.
(١١) جوابات مسائل وردت من أصفهان.
(١٢) جوابات مسائل وردت من تنيس.
(١٣) جوابات مسائل وردت من الحرم.
(١٤) جوابات مسائل وردت من ميا فارقين.
(١٥) الخصال والأقسام.
(١٦) ذم الغناء.
(١٧) الرد على الأشعرية.
(١٨) الرد على الباطنية.
(١٩) الرد على الكرامية.
(٢٠) الرد على ابن اللبان.
(٢١) الرد على المجسمة.
(٤٤) الرسالة إلى إمام الوقت.
(٢٣) الروح.
(٢٤) شرح المذهب.
(٢٥) شروط أهل الذمة.
(٢٦) الطب.
(٢٧) الفرق بين الآل والأهل.
(٢٨) فضائل أحمد.
(٢٩) فضل ليلة الجمعة على ليلة القدر.
стр. 26
(٣٠) الكفاية في أصول الفقه.
(٣١) الكلام في الاستواء.
(٣٢) الكلام في حروف المعجم.
(٣٣) اللباس.
(٣٤) المجرد في المذهب.
(٣٥) مختصر الصيام.
(٣٦) مختصر العدة.
(٣٧) مختصر الكفاية.
(٣٨) مختصر المقتبس.
(٣٩) المعتمد.
(٤٠) المقتبس.
(٤١) مقدمة في الأدب.
(٤٢) نقل القرآن. (١)
ثانيًا: أعماله:
ولقد سُئل أبا عبد الله ابن حامد (٢) إمام الحنابلة في وقته، عند خروجه إلى الحج في سنة ٤٠٢ هـ. فقالوا: على من ندرس؟ وإلى من نجلس؟ فقال: إلى هذا الفتى، وأشار إلى القاضي الإمام أبي يعلى (٣)، وهذا يدل على أنه تصدر للتدريس والتعليم في سن الثانية والعشرين. ومعنى ذلك أنه بقي في هذا الشأن بالإضافة إلى القضاء،
_________
(١) المؤلفات السابقة انظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٥٠٥ - ٥٠٦)، والمنهج الأحمد (٢/ ١٣٥ - ١٣٦)، ومعجم مصنفات الحنابلة (٣٨٢ - ٥٥).
(٢) الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله البغدادي، إمام الحنابلة في زمانه، له مصنفات في علوم مختلفة، منها: كتاب الجامع في اختلاف العلماء في أربعمائة جزء، وشرح أصول الدين، وأصول الفقه، وتهذيب الأجوبة، وغيرها، توفي رحمة الله سنة ٤٠٣ هـ. الطبقات (٣/ ٣٠٩).
(٣) الطبقات (٢/ ١٧٧).
стр. 27
والتأليف، مدة ست وخمسين سنة، وقد بدأ بالتصنيف في هذه السنة أيضًا، أي: سنة ٤٠٢ هـ، على ما ذكر عنه ولده، لذلك كثرت مصنفاته وتنوعت، ويمكن القول بأن القاضي أبا يعلى خدم المذهب الحنبلي، من خلال ثلاث قنوات رئيسة: التأليف، والتعليم، والقضاء.
فأما التأليف:
فقد حاز فيه قصب السبق، إذ كانت كتبه كثيرة، ومتنوعة ومفيدة في نفس الوقت. قال الذهبي (١) في وصفها: "صاحب التعليقة الكبرى، والتصانيف المفيدة في المذهب" (٢). وقد تجاوزت مصنفاته الخمسين في عدتها، أحصاها ولده (٣).
وكانت هذه التصانيف موزعة على علوم التفسير، وأصول الدين، وأصول الفقه، والفقه بكافة فروعه، والأدب، والطب، وغير ذلك. وقد كانت عمدة الطالبين، وبغية الباحثين، عول عليها الشيوخ وبنوا في قالبها، ونسجوا على منوالها. قال ولده أبو الحسين (٤) في وصفها:
"ومن نظر في تصانيفه حقيقة النظر، علم أن ما وراءه مرامًا ولا مقالًا، إلا ما يدخل على البشر من التقصير عن الكمال، ويخرج به العالم عن منازل الأنبياء،
_________
(١) هو: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، قال عنه ابن كثير: "الشيخ الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين"، له مصنفات كثيرة منها: تاريخ الإسلام، والميزان في الضعفاء وطبقات القراء وغيرها، توفي سنة ٧٤٨ هـ.
ينظر: البداية والنهاية (١٤/ ٢٢٥).
(٢) السير (١٨/ ٨٩).
(٣) الطبقات (٢/ ٢٠٥)، واستقرأ الدكتور عبد القادر أبو فارس أسماء الكتب التي لا تزال موجودة إلى اليوم من مؤلفات المترجم، وأشار إلى أماكن وجودها في مكتبات العالم، ثم سرد بعد ذلك بقية أسماء الكتب المفقودة مع التعليق المفيد عليها. القاضي أبو يعلى وكتابه الأحكام السلطانية، ط. مؤسسة الرسالة ص ١٨٤ و ٢٤٥. المذهب الحنبلي (٢/ ٢٣٩).
(٤) أبو الحسين محمد، صاحب طبقات الحنابلة، توفي والده وهو صغير، له مصنفات عديدة، قتله اللصوص في بيته رحمة الله سنة ٥٢٦ هـ.
ينظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٦٠١).
стр. 28
ويتميز به المتأخر عن مراتب أهل التقدم من العلماء، فلقد حمل الناس عنه علمًا واسعًا من حديث رسول الله ﷺ ومن الأصول والفروع" (١). ولم تكن مصنفاته نقولًا لكلام من تقدم عليه فحسب، بل هي مليئة التحقيقات، والاجتهادات، والاختيارات، والوجوه، والاحتمالات التي لأبي يعلى، تشكل نسبة عالية من الاحتمالات الواردة في الفقه الحنبلي كله.
قال البعلي (٢): وكثير من الاحتمالات في المذهب، بل أكثرها للقاضي أبي يعلى محمد بن الفراء في كتابه "المجرد" وغيره (٣).
لا شك أن هذه الاحتمالات فعلت فعلها الإيجابي، البنّاء في إثراء المذهب وتنميته، والدليل على ذلك أن فقهاء الحنابلة عدّوا القاضي أبا يعلى في زمرة المجتهدين، في المذهب في الدرجة العالية.
وأما التعليم:
فقد كان القاضي أبو يعلى شيخ الحنابلة في وقته بلا منازع، يدرس ويعلم، لم يفتر عن ذلك حتى مع تقدم السن به، فبرز على يديه تلامذة نجباء، وعلماء أعلام.
وأما القضاء:
فقد عاش القاضي أبو يعلى في ظل خلافة القادر بالله (٤)، الذي تعتبر مدته في الخلافة أطول المدد، فقد أنافت على أربعين سنة، وكان من الفقهاء المشتغلين بالعلم، حتى عده بعض علماء الشافعية في طبقات فقهاء الشافعية، ومع ما كان لديه
_________
(١) الطبقات (٢/ ٢٠٦).
(٢) هو محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل، أبو عبد الله، شمس الدين، من مؤلفاته المطلع على أبواب المقنع، شرح الرعاية وغيرها توفي سنة ٧٠٩ هـ، الذيل (٢/ ٣٥٦).
(٣) المطلع على أبواب المقنع، للبعلي، ص ٤٦١، المكتب الإسلامي، ١٩٨١، و"الإنصاف" المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، (١/ ٩).
(٤) القادر بالله الخليفة أبو العباس أحمد ابن الأمير إسحاق بن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي البغدادي، وأمه اسمها يمنى وهي أم ولد ولد سنة ٣٣٦ هـ وتوفي سنة ٤٢٢ هـ.
البداية والنهاية (١٢/ ٣٤).
стр. 29
من الحظوة عند الخلفاء العباسيين، فإنه لم يكن مداهنًا لهم، بل بالعكس كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فرحمه الله وجزاه خيرًا على ما قدم وأبلى (١).
* * *
المبحث السادس: مذهبه وعقيدته.
أولًا: مذهبه:
كان عالم زمانه، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقريع دهره، وكان له في الأصول والفروع القدم العالي، وفي شرف الدين والدنيا المحل السامي،
ولازم ابن حامد إلى أن توفي في سنة ثلاث وأربعمائة، وتفقه عليه وبرع في ذلك وكان ذلك من لطف الله تعالى به وإرادته تعالى حفظ هذا المذهب. (٢)
فهو مجتهد في معرفة فتاويه، وأقواله، ومأخذه وأصوله، عارفًا بها، منصوصه من غير أن يكون مقلدًا لإمامه، لا في الحكم ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتبه، وقرّره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا، وقد أدعى هذه المرتبة من الحنابلة القاضي أبو يعلى وغيرهم من بعض العلماء في المذاهب الأخرى (٣).
ثانيًا: عقيدته:
بين عقيدته ابنه أبو الحسين، حيث قال: الآن البيان عن اعتقاد الوالد السعيد ومن قبله من السلف الحميد في أخبار الصفات. فاعلم زادنا الله وإياك علما ينفعنا الله به، وجعلنا ممن آثر الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة، على آراء
_________
(١) السير (١٨/ ٩٠). الطبقات (٢/ ١٩٩).
(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٥).
(٣) إعلام الموقعين (٤/ ١٦٣).
стр. 30
المتكلمين وأهواء المتكلفين. أن الذي درج عليه صالحو السلف وانتهجه بعدهم خيار الخلف: هو التمسك بكتاب الله ، واتباع نبيه محمد ﷺ ، ثم ما روي عن الصحابة رضوان الله عليهم، ثم عن التابعين والخالفين لهم من علماء المسلمين. والإيمان والتصديق بما وصف الله تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله، مع ترك البحث، والتنفير، والتسليم لذلك من غير تعطيل، ولا تشبيه، ولا تفسير، ولا تأويل، وهي الفرقة الناجية، والجماعة العادلة، والطائفة المنصورة، إلى يوم القيامة، فهم أصحاب الحديث والأثر، والوالد السعيد تابعهم هم خلفاء الرسول، وورثة علمه، وسفرته بينه وبين أمته بهم يلحق التالي، وإليهم يرجع العالي، وهم الذين نبذهم أهل البدع والضلال، وقائلو الزور والمحال: أنهم مشبهة جهال، ونسبوهم إلى الحشو، والطغام، وأساءوا فيهم الكلام. فاعتقد الوالد السعيد وسلفه قدس الله أرواحهم، وجعل ذكرنا لهم بركة، تعود علينا في جميع ما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسول ﷺ : أن جميع ذلك صفات الله ، تمر كما جاءت من غير زيادة ولا نقصان، وأقروا بالعجز عن إدراك معرفة حقيقة هذا الشأن.
اعتقد الوالد السعيد، ومن قبله ممن سبقه من الأئمة: أن إثبات صفات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد لها، حقيقة في علمه، لم يطلع الباري سبحانه على كنه معرفتها أحدا من إنس ولا جان. واعتقدوا أن الكلام في الصفات، فرع الكلام في الذات، ويحتذي حذوه، ومثاله وكما جاء. وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات الباري سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد، وكيفية هكذا، اعتقد الوالد السعيد، ومن قبله ممن سلفه من الأئمة: أن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد، وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية، والأصل الذي اعتمدوه في هذا الباب، اتباع قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
стр. 31
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١٠، ١١١].
فاعتقدوا أن الباري : فرد الذات متعدد الصفات، لا شبيه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا نظير، ولا ثاني، وسمعوا قوله : ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١ - ٣]، فآمنوا بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، تسليما للقدرة، وتصديقًا للرسل، وإيمانا بالغيب. واعتقدوا أن صفات الباري سبحانه معلومة، من حيث أعلم هو غيب من حيث انفرد، واستأثر كما أن الباري سبحانه معلوم من حيث هو مجهول ما هو.
واعتقدوا أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته، ومعانيها عن العالمين، وفارق بها سائر الموصوفين، فهم بها مؤمنون، وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون، لا يجوز عندهم ردها كرد الجهمية، ولا حملها على التشبيه كما حملته المشبهة، الذي أثبتوا الكيفية، ولا تأولوها على اللغات والمجازات؛ كما تأولتها الأشعرية. فالحنبلية لا يقولون في أخبار الصفات بتعطيل المعطلين، ولا بتشبيه المشبهين، ولا تأويل المتأولين مذهبهم: حق بين باطلين، وهدى بين ضلالتين: إثبات الأسماء والصفات، مع نفي التشبيه، والأدوات، إذ لا مثل للخالق سبحانه، مشبه ولا نظير له، فيجنس منه، فنقول كما سمعنا، ونشهد بما علمنا، من غير تشبيه ولا تجنيس، على أنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وفي رد أخبار الصفات، وتكذيب النقلة: إبطال شرائع الدين، من قبل أن الناقلين إلينا، علم الصلاة والزكاة، والحج، وسائر أحكام الشريعة: هم ناقلوا هذه الأخبار، والعدل مقبول القول فيما قاله، ولو تطرق إليهم والعياذ بالله التخرص بشيء منها؛ لأدى ذلك إلى إبطال جميع ما نقلوه، وقد حفظ الله سبحانه الشرع عن مثل هذا، وقد أجمع علماء أهل الحديث، والأشعرية منهم على قبول هذه الأحاديث، فمنهم من أقرها على ما جاءت، وهم
стр. 32
أصحاب الحديث، ومنهم من تأولها وهم الأشعرية، وتأويلهم إياها قبول منهم لها؛ إذ لو كانت عندهم باطلة؛ لاطرحوها كما أطرحوا سائر الأخبار الباطلة. وما ذكرناه من الإيمان بأخبار الصفات من غير تعطيل ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل، هو قول السلف بدءا وعودا.
وقد قال الوالد السعيد ﵁ في أخبار الصفات، المذهب في ذلك، قبول هذه الأحاديث، على ما جاءت به من غير عدول عنه إلى تأويل، يخالف ظاهرها، مع الاعتقاد بأن الله سبحانه بخلاف كل شيء سواه، وكل ما يقع في الخواطر، من حد أو تشبيه أو تكييف، فالله عن ذلك والله ليس كمثله شيء، ولا يوصف بصفات المخلوقين، الدالة على حدثهم، ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم، من التغير من حال إلى حال ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض وأنه لم يزل ولا يزال، وأنه الذي لا يتصور، في الأوهام، وصفاته لا تشبه صفات المخلوقين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأما كتابه قدس الله روحه، في إبطال التأويلات لأخبار الصفات، فمبني على هذه المقدمات، وأن إطلاق ما ورد به السمع من الصفات، لا يقتضي تشبيه الباري سبحانه بالمخلوقات. وذكر رحمة الله عليه كلاما معناه، أن التشبيه إنما يلزم الحنبلية أن لو وجد منهم أحد أمرين، إما أن يكونوا هم الذين ابتدءوا الصفة لله واخترعوها، أو يكونوا قد صرحوا باعتقاد التشبيه في الأحاديث التي هم ناقلوها.
فإما أن يكون صاحب الشريعة ﷺ وهو المبتدئ بهذه الأحاديث وقوله ﷺ حجة يسقط بها ما يعارضها، وهم تبع له، ثم يكون الحنبلية قد صرحوا بأنهم يعتقدون إثبات الصفات، ونفي التشبيه فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟.
وعلى أنه قد ثبت أن الحنبلية، إنما يعتمدون في أصول الدين، على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ونحن نجد في كتاب الله وسنة رسوله ذكر الصفات، ولا نجد فيهما ذكر التشبيه؛ فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟.
стр. 33
ومما يدل على أن تسليم الحنبلية، لأخبار الصفات من غير تأويل ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم في ذلك التشبيه، إجماع الطوائف من بين موافق للسنة، ومخالف، أن الباري سبحانه ذات وشيء وموجود، ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم، ولا جوهر، ولا عرض، وإن كانت الذات في الشاهد لا تنفك هذه السمات، وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف، في الشاهد في أخبار الصفات.
يبين صحة هذا: أن البارئ سبحانه موصوف بأنه: حي عالم قادر مريد، والخلق موصوفون بهذه الصفات، ولم يدل الاتفاق في هذه التسمية، على الاتفاق في حقائقها، ومعانيها، هكذا القول في أخبار الصفات، ولا يلزم عند تسليمها من غير تأويل إثبات، ما يقتضيه الحد، والشاهد في معانيها.
وبهذا ونظيره استدل الوالد السعيد رحمة الله عليه في كتابه "إبطال التأويلات لأخبار الصفات". فأما الرد على المجسمة الله: فيرده الوالد السعيد بكتاب، وذكره أيضا في أثناء كتبه، فقال: لا يجوز أن يسمى الله جسما.
قال الوالد السعيد: فمن اعتقد أن الله سبحانه جسم من الأجسام، وأعطاه حقيقة الجسم من التأليف، والانتقال: فهو كافر؛ لأنه غير عارف بالله ؛ لأن الله سبحانه يستحيل وصفه بهذه الصفات، وإذا لم يعرف الله سبحانه: وجب أن يكون كافرا. وهذا الكتاب عدة أوراق. واعلم أن الله سبحانه اصطفى رسلا من خلقه؛ فبعثهم بالدعاء إليه، والصبر على ما نالهم من جهلة خلقه، وامتحنهم من المحن بصنوف من البلاء، وضروب من المحن واللأواء، وكل ذلك تكريما لهم غير تذليل، وتشريفا غير تخسير، ولا تقليل، وكان أرفع رسله عنده منزلة؛ أشدهم اجتهادا، وأخذا في إمضاء أمره، مع البلية بأهل دهره، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ [ص: ١٧].
стр. 34
وقال له ﷺ ولأتباعه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
وقال : ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
فلم يخل جل ثناؤه أحدًا من مكرمي رسله، وأنبيائه ومقربي أصفيائه وأوليائه، من محنة في عاجلته دون آجلته، يستوجب بصبره عليها ما أعد له من الدرجات، التي قسم مصيره إليها، وجعل سبحانه علماء الأمم، الماضين خلفاء أنبيائهم المرسلين، والقوام بما جاءوا به من الدين، يرخصون عن أحكامه، ويحامون عن حدوده، وأعلامه يدفعون عنه كيد الشيطان، ويحرسونه من الترك والنسيان، لا يصدهم عن التمسك بالحق، ولا يثنيهم عن التعطف على الخلق، سوء ما به ينالون توخيا لثواب الله الذي له يطلبون، وفيه يرغبون. ثم جعل سبحانه علماء هذه الأمة، أفضل علماء الأمم قسما، وأوفرهم من الخيرات حظا، أعد لهم الكرامات، وقسم لهم المنازل والدرجات، مع ابتلائه سبحانه لمؤمنيهم بالمنافقين، ولصادقيهم بالمكذبين، ولخيارهم بالأشرار، ولصالحيهم بالفجار، وللأماثل الرفعاء بأوضع السفهاء، فلم يكن يثني العلماء ما يلقونه من الأذى، عن القيام بحقوق الله تعالى في عباده، وإظهار الحق في بلاده.
ولقد كان الوالد السعيد -نضر الله وجهه- ممن سلك به هذه الطريق، عندما ابتلي به من أذيه هذا الفريق، ومن تظاهر بإنكار البدع؛ فسبيله أن يصبر على أذية المخالفين، محتسبا عند الله (١).
_________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٧ - ٢١٢).
стр. 35
وقد ذكر شيخ الإسلام عقيدة القاضي فقال: ونوع ثالث سمعوا الأحاديث، والآثار، وعظموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار، ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة، والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.
وهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم.
ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار. وتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك. وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله. وهؤلاء قد يدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع، ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الإشكال، مثل أن يكون رؤيا منام، فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج. ومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم، وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة، كمسألة القرآن والرؤية، فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف، وأهل السنة والحديث: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية، التي ظنها صحيحة، ولم يكن لهم من الخبرة المفصلة بالقرآن ومعانيه، والحديث وأقوال الصحابة، ما لأئمة السنة والحديث، فذهب مذهبًا مركبًا من هذا وهذا، وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض. وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم، ومعرفة فساد أقولهم. وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون، فمعرفتهم بذلك
стр. 36
قاصرة، وإلا فمن كان عالمًا بالآثار، وما جاء عن الرسول، وعن الصحابة والتابعين، من غير حسن ظن بما يناقض ذلك، لم يدخل مع هؤلاء: إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعًا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث، أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم (١).
* * *
المبحث السابع: صفاته، وثناء العلماء عليه
أولًا: صفاته:
اختص الله القاضي أبا يعلى بكثير من النعم الدينية، والرتب السامية، فإمامة الفقه انتهت إليه، وكان عالم العراق في زمانه، وكان فريد دهره، وقريع عصره، لا يعرف من يتقدم عليه في علم مذهب (٢).
فأخذ القاضي بالتقشف على نفسه، والاقتصاد في جميع أغراض حياته، فكان يترك الخبز النفيس، ويختار اليابس منه.
يحكى أنه في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة لما وقع النهب في بغداد بالجانب الغربي منها، وانتقل القاضي من درب الدبرج إلى باب البصرة، وكان في داره بدرب الدبرج خبز يابس فنقله معه، وترك نقل رحله؛ لتعذر من يحمله، واختار حمل الخبز اليابس على الرحل النفيس، وكان يقتات منه ويبله بالماء، وقال: هذه الأطعمة اليوم نهوب وغصوب ولا أطعم من ذلك شيئًا. فبقى القاضي ما شاء الله أن يتقوت من ذلك الخبز اليابس المبلول، ويتقلل من طعامه إلى أن نفد، ولحق
_________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٣٤/ ٧ - ٣٥).
(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٨).
стр. 37
القاضي من ذلك الخبز اليابس المبلول مرض (١). ورزق الله القاضي أبا يعلى مع الزهد القناعة، فكان يقنع بما أعطاه الله (٢). وكان القاضي ﵀ لا يجزع من حوادث الدهر، فلقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التي استكان لها كثير من ذوى المروءات، وخرج بها عن مألوفات العادات، فلم يحفظ عليه أنه خرج عن جميل عاداته، ولا طرح المألوف من مروءاته (٣). يقول ابنه أبو الحسين: "ومن شاهد ما كان عليه من السكينة، والوقار، وما كسا الله وجهه من الأنوار مع السكون والسمت الصالح، والعقل الغزير الراجح، شهد له بالدين والفضل ضرورة، واستدل بذلك على محاسنه الخفية المستورة" (٤). كان القاضي ﵀ ذا عبادة وتهجد، فكان يقسم ليله كله أقسامًا: قسمًا للمنام، وقسمًا للقيام، وقسمًا لتصنيف الحلال والحرام (٥).
وكان القاضي ﵀ مجتهدا، دائبًا على التصنيف والتدريس (٦)، امتدح بعض أهل العلم القاضي أبا يعلى بأبيات؛ منها:
الحنبليون قوم لا شبيه لهم … أحكامهم بكتاب الله مذ خلقوا
إن الإمام أبا يعلى فقيههم … صلى فاقتدر فلك المسطور إن فخروا
في الدين والزهد والتقوى إذا ذكروا … وبالحديث وما جاءت به النذر
حبر عروف بما يأتي وما يذر … ما نائم مثل يقظان به سهر (٧)
_________
(١) المرجع السابق (٢/ ٢٢٢).
(٢) المرجع السابق (٢/ ٢٠٠).
(٣) المرجع السابق (٢/ ٢٠٢).
(٤) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٢).
(٥) المرجع السابق.
(٦) المرجع السابق.
(٧) المرجع السابق (٢/ ٢٠٠).
стр. 38
ثانيًا: ثناء العلماء عليه:
قال فيه الذهبي: "كان متعففًا، نزيه النفس كبير، القدر، ثخين الورع" (١).
وقال أيضًا: "شيخ الحنابلة، .... ، الحبر، … ، صاحب التصانيف، وفقيه العصر، كان إمامًا" (٢).
ووصفه ابن العماد بأنه الحبر، وقال: "كان إمامًا لا يدرك قراره، ولا يشق غباره، … ، وجميع الطائفة معترفون بفضله، ومغترفون من بحره" (٣).
وقال أبو الحسين بن المحاملي: ما تحاضرنا أحد من الحنابلة أعقل من أبي يعلى" (٤).
وقال فيه الزركلي: "عالم عصره في الأصول، والفروع، وأنواع الفنون" (٥). هكذا وصفه العلماء بأنه إمام، وشيخ الحنابلة، وأن رياسة المذهب الحنبلي قد انتهت إليه، وأنه حبر، وفقيه، وأصولي، ومحدِّث، ومفسِّر، وأنه عالم زمانه، وفريد عصره، إلى غير ذلك من الصفات.
* * *
_________
(١) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٩١).
(٢) العبر (٢/ ٣٠٩).
(٣) شذرات الذهب (٣/ ٣٠٦، ٣٠٧).
(٤) طبقات الحنابلة (٣/ ١٩٣).
(٥) الأعلام (٦/ ٩٩).
стр. 39
المبحث الثامن: وفاته ورثاؤه
أولًا: وفاته:
توفي القاضي ﵀ ليلة الاثنين بين العشاءين، في التاسع عشر من شهر رمضان المبارك، من سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمائة، وكان عمره آنذاك ثمان وسبعين سنة (١). وكان من وصيته أن يكفن في ثلاثة أثواب، وأن لا يدفن معه في القبر غير ما غزله لنفسه من الأكفان، ولا يخرق عليه ثوب، ولا يقعد لعزاه (٢). وصلى عليه بجامع المنصور، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب (٣)، لم يُرَ في جنازة مثل هذا الجمع الذي لا يحصى، وعطلت الأسواق، ومشى مع جنازته، وجماعة الفقهاء والقضاة والشهود، وأفطر جماعة ممن تبعوه؛ وذلك لشدة الحر (٤).
وقال تلميذه علي ابن أخي نصر يرثيه (٥):
أسف دائم وحزن مقيم … لمصاب به الهدي مهدوم
مات نجل الفراء أم رجت الأر … ض أم البدر كاسف والنجوم
لهف نفسي على إمام حوى … الفضل بصير بالمشكلات عليم
خلق طاهر ووجه منير … وطريق إلى الهدى مستقيم
كان للدين عدة ولأهل الد … ين في النائبات خل حميم
_________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢١٤).
(٢) المنتظم (٨/ ٢٤٤).
(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٢١٤).
(٤) المنتظم (٨/ ٢٤٤).
(٥) علي بن محمد بن الفرج بن إبراهيم البزاز المعروف بابن أخي نصر العكبري ذكره ابن الجوزي في الطبقات، وقال: سمع من أبي علي بن شاذان والحسن بن شهاب العكبري. وكان له تقدم في القرآن والحديث، والفقه والفرائض، وجمع إلى ذلك النسك والورع. وتوفي في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٨٢).
стр. 40
من يكن للدرس بعدك أم … من بجدال المخالفين يقوم؟
من لفهم الحديث والطرق يستو … ضح منه صحيحه وسقيم؟
من لفصل القضاء إن أشكل … الحكم وضجت بالنازلات الخصوم
درست بعده المدارس فالعا … م طريد و حبله مصروم
وهكذا يذهب الزمان ويفنى العـ … ـــلم فيه ويجهل المعلوم
إن قبرًا حواك يا أيها الطو … د عجيب رحب الفناء عظيم
إن يكن شخصه مَحَتْهُ يدُ الدهـ … رِ فذكراه في الدهور مقيم
فنحيا بذكره كل وقت … وَمَحياه في التراب رميم
آمري بالسلو مهلًا ففي القلـ … ـــبِ غرامٌ مبرح ما يريم
غير أن القضاء جار على الخلـ … ق قضاء من ربهم محتوم
كلما رُمت سلوةً هيج الحز … نَ صنيعٌ له وفعلٌ كريم
فعلى الشامتين خزي مقيم … وعليه الصلاة والتسليم (١)
* * *
_________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢١٧).
следующие страницы →