← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قاصرة، وإلا فمن كان عالمًا بالآثار، وما جاء عن الرسول، وعن الصحابة والتابعين، من غير حسن ظن بما يناقض ذلك، لم يدخل مع هؤلاء: إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعًا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث، أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم (١). * * * المبحث السابع: صفاته، وثناء العلماء عليه أولًا: صفاته: اختص الله القاضي أبا يعلى بكثير من النعم الدينية، والرتب السامية، فإمامة الفقه انتهت إليه، وكان عالم العراق في زمانه، وكان فريد دهره، وقريع عصره، لا يعرف من يتقدم عليه في علم مذهب (٢). فأخذ القاضي بالتقشف على نفسه، والاقتصاد في جميع أغراض حياته، فكان يترك الخبز النفيس، ويختار اليابس منه. يحكى أنه في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة لما وقع النهب في بغداد بالجانب الغربي منها، وانتقل القاضي من درب الدبرج إلى باب البصرة، وكان في داره بدرب الدبرج خبز يابس فنقله معه، وترك نقل رحله؛ لتعذر من يحمله، واختار حمل الخبز اليابس على الرحل النفيس، وكان يقتات منه ويبله بالماء، وقال: هذه الأطعمة اليوم نهوب وغصوب ولا أطعم من ذلك شيئًا. فبقى القاضي ما شاء الله أن يتقوت من ذلك الخبز اليابس المبلول، ويتقلل من طعامه إلى أن نفد، ولحق _________ (١) درء تعارض العقل والنقل (٣٤/ ٧ - ٣٥). (٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٨).

стр. 37

القاضي من ذلك الخبز اليابس المبلول مرض (١). ورزق الله القاضي أبا يعلى مع الزهد القناعة، فكان يقنع بما أعطاه الله (٢). وكان القاضي ﵀ لا يجزع من حوادث الدهر، فلقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التي استكان لها كثير من ذوى المروءات، وخرج بها عن مألوفات العادات، فلم يحفظ عليه أنه خرج عن جميل عاداته، ولا طرح المألوف من مروءاته (٣). يقول ابنه أبو الحسين: "ومن شاهد ما كان عليه من السكينة، والوقار، وما كسا الله وجهه من الأنوار مع السكون والسمت الصالح، والعقل الغزير الراجح، شهد له بالدين والفضل ضرورة، واستدل بذلك على محاسنه الخفية المستورة" (٤). كان القاضي ﵀ ذا عبادة وتهجد، فكان يقسم ليله كله أقسامًا: قسمًا للمنام، وقسمًا للقيام، وقسمًا لتصنيف الحلال والحرام (٥). وكان القاضي ﵀ مجتهدا، دائبًا على التصنيف والتدريس (٦)، امتدح بعض أهل العلم القاضي أبا يعلى بأبيات؛ منها: الحنبليون قوم لا شبيه لهم … أحكامهم بكتاب الله مذ خلقوا إن الإمام أبا يعلى فقيههم … صلى فاقتدر فلك المسطور إن فخروا في الدين والزهد والتقوى إذا ذكروا … وبالحديث وما جاءت به النذر حبر عروف بما يأتي وما يذر … ما نائم مثل يقظان به سهر (٧) _________ (١) المرجع السابق (٢/ ٢٢٢). (٢) المرجع السابق (٢/ ٢٠٠). (٣) المرجع السابق (٢/ ٢٠٢). (٤) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٢). (٥) المرجع السابق. (٦) المرجع السابق. (٧) المرجع السابق (٢/ ٢٠٠).

стр. 38

ثانيًا: ثناء العلماء عليه: قال فيه الذهبي: "كان متعففًا، نزيه النفس كبير، القدر، ثخين الورع" (١). وقال أيضًا: "شيخ الحنابلة، .... ، الحبر، … ، صاحب التصانيف، وفقيه العصر، كان إمامًا" (٢). ووصفه ابن العماد بأنه الحبر، وقال: "كان إمامًا لا يدرك قراره، ولا يشق غباره، … ، وجميع الطائفة معترفون بفضله، ومغترفون من بحره" (٣). وقال أبو الحسين بن المحاملي: ما تحاضرنا أحد من الحنابلة أعقل من أبي يعلى" (٤). وقال فيه الزركلي: "عالم عصره في الأصول، والفروع، وأنواع الفنون" (٥). هكذا وصفه العلماء بأنه إمام، وشيخ الحنابلة، وأن رياسة المذهب الحنبلي قد انتهت إليه، وأنه حبر، وفقيه، وأصولي، ومحدِّث، ومفسِّر، وأنه عالم زمانه، وفريد عصره، إلى غير ذلك من الصفات. * * * _________ (١) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٩١). (٢) العبر (٢/ ٣٠٩). (٣) شذرات الذهب (٣/ ٣٠٦، ٣٠٧). (٤) طبقات الحنابلة (٣/ ١٩٣). (٥) الأعلام (٦/ ٩٩).

стр. 39

المبحث الثامن: وفاته ورثاؤه أولًا: وفاته: توفي القاضي ﵀ ليلة الاثنين بين العشاءين، في التاسع عشر من شهر رمضان المبارك، من سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمائة، وكان عمره آنذاك ثمان وسبعين سنة (١). وكان من وصيته أن يكفن في ثلاثة أثواب، وأن لا يدفن معه في القبر غير ما غزله لنفسه من الأكفان، ولا يخرق عليه ثوب، ولا يقعد لعزاه (٢). وصلى عليه بجامع المنصور، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب (٣)، لم يُرَ في جنازة مثل هذا الجمع الذي لا يحصى، وعطلت الأسواق، ومشى مع جنازته، وجماعة الفقهاء والقضاة والشهود، وأفطر جماعة ممن تبعوه؛ وذلك لشدة الحر (٤). وقال تلميذه علي ابن أخي نصر يرثيه (٥): أسف دائم وحزن مقيم … لمصاب به الهدي مهدوم مات نجل الفراء أم رجت الأر … ض أم البدر كاسف والنجوم لهف نفسي على إمام حوى … الفضل بصير بالمشكلات عليم خلق طاهر ووجه منير … وطريق إلى الهدى مستقيم كان للدين عدة ولأهل الد … ين في النائبات خل حميم _________ (١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢١٤). (٢) المنتظم (٨/ ٢٤٤). (٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٢١٤). (٤) المنتظم (٨/ ٢٤٤). (٥) علي بن محمد بن الفرج بن إبراهيم البزاز المعروف بابن أخي نصر العكبري ذكره ابن الجوزي في الطبقات، وقال: سمع من أبي علي بن شاذان والحسن بن شهاب العكبري. وكان له تقدم في القرآن والحديث، والفقه والفرائض، وجمع إلى ذلك النسك والورع. وتوفي في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٨٢).

стр. 40

من يكن للدرس بعدك أم … من بجدال المخالفين يقوم؟ من لفهم الحديث والطرق يستو … ضح منه صحيحه وسقيم؟ من لفصل القضاء إن أشكل … الحكم وضجت بالنازلات الخصوم درست بعده المدارس فالعا … م طريد و حبله مصروم وهكذا يذهب الزمان ويفنى العـ … ـــلم فيه ويجهل المعلوم إن قبرًا حواك يا أيها الطو … د عجيب رحب الفناء عظيم إن يكن شخصه مَحَتْهُ يدُ الدهـ … رِ فذكراه في الدهور مقيم فنحيا بذكره كل وقت … وَمَحياه في التراب رميم آمري بالسلو مهلًا ففي القلـ … ـــبِ غرامٌ مبرح ما يريم غير أن القضاء جار على الخلـ … ق قضاء من ربهم محتوم كلما رُمت سلوةً هيج الحز … نَ صنيعٌ له وفعلٌ كريم فعلى الشامتين خزي مقيم … وعليه الصلاة والتسليم (١) * * * _________ (١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢١٧).

стр. 41

الفصل الثاني التعريف بالكتاب وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: اسم الكتاب اسم الكتاب: التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة. وكتب على نسخة فيض الله بتركيا المجلد الرابع "الرابع من التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف" (١). وكذا لك الذهبي عند ترجمته للقاضي أبي يعلى ذكر اسم هذا الكتاب قال: "صاحب التعليقة الكبيرة" (٢). وذكره ولده أبو الحسين ابن أبي يعلى، محمد بن محمد حيث قال: ومن مصنفاته الخلاف الكبير (٣). وذكر اسم الكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية عندما أرسل في سجنه يطلب أن يرسلوا تعليق القاضي أبي يعلى، الذي بخط القاضي أبي الحسين إن أمكن الجميع وهو أحد عشر مجلد. (٤) وذكره ابن بدران فقال: "الخلاف الكبير للقاضي أبي يعلى وهو في مجلدات لم أطلع منه إلا على المجلد الثالث وهو ضخم أوله كتاب الحج وآخره باب السلم، وقد سلك فيه مسلكًا واسعًا وتفنن في هدم كلام الخصم تفننًا _________ (١) حققه فضيلة الدكتور عواض هلال العمري في رسالة دكتوراه في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. (٢) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩). (٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٦). (٤) العقود الدرية (١/ ٣٠١).

стр. 42

لم أره في غيره واستدل بأحاديث كثيرة .... " (١). وكلا التسميات بمعنى واحد. * * * المبحث الثاني: نسبة الكتاب إلى مؤلفه (١) ثبتت نسبة الكتاب إلى القاضي أبي يعلى في الثلاث النسخ الخطية للكتاب. (٢) ما ثبت عن ولده أبو الحسين كتاب الخلاف الكبير" (٢). (٣) وما ذكره الإمام الذهبي عند ترجمته للقاضي أبي يعلى ذكر اسم هذا الكتاب فقال: "صاحب التعليقة الكبيرة" (٣). (٤) وذكر الكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية ونسبه للقاضي أبي يعلى عندما أرسل في سجنه يطلب أن يرسلوا تعليق القاضي أبي يعلى، الذي بخط القاضي أبي الحسين إن أمكن الجميع وهو أحد عشر مجلد (٤). (٥) وذكره ابن بدران فقال "الخلاف الكبير للقاضي أبي يعلى وهو في مجلدات لم أطلع منه إلا على المجلد الثالث وهو ضخم أوله كتاب الحج وآخره باب السلم، وقد سلك فيه مسلكًا واسعًا وتفنن في هدم كلام الخصم تفننا لم أره في غيره واستدل بأحاديث كثيرة .... " (٥). (٦) وذكره صاحب كتاب كشف الظنون لحاجي خليفة "التعليقة في الخلاف للقاضي أبي يعلى" (٦). * * * _________ (١) المدخل إلى مذهب الإمام احمد (١/ ٤٥٠). (٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٦). (٣) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩). (٤) العقود الدرية (١/ ٣٠١). (٥) المدخل إلى مذهب الإمام احمد (١/ ٤٥٠). (٦) كشف الظنون (١/ ٤٢٤).

стр. 43

المبحث الثالث: إثبات أن هذا الكتاب هو التعليق الكبير الأدلة على ذلك كثيرة، تم الاقتصار على البعض منها: (١) أن الناسخ محمد هبة الله، جعل غلافًا على المخطوط وبين نسبة المخطوط، لأبي يعلى، كذلك العنوان، ورقم المجلد وهو السفر العاشر، وهذا يؤكد أن المخطوط لأبي يعلى؛ لأن الناسخ له منسوخات كثيرة منها: المحلى لابن حزم، يوجد صورة منه في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم (٤٨٢٤ ف)، وهذا يفيد أن المخطوط لأبي يعلى. (٢) المقارنة بين ما حُقق من المخطوط في الرسائل السابقة، للدكتور عواض بن هلال العمري، والدكتور عبد الله بن علي الدخيل، والدكتور محمد بن فهد الفريح، ولا يخفى على المطلع أن أسلوبهما واحد، لا يختلف، من حيث عرض المسألة، والمناقشة للأدلة. (٣) أن القاضي يذكر بعض الإحالات في هذا المخطوط، إلى شيخه ابن حامد أبا عبد الله كما في اللوح رقم ٣٤، واللوح رقم ١٣٣. وشيخه أبا عبد الله ابن حامد هو إمام الحنابلة في عصره. (٤) الأحاديث التي أوردها المؤلف في المخطوط، هي التي قام بتخريج أحاديثها ابن الجوزي في كتابه "التحقيق"، مما يدل على أن المخطوط هو كتاب التعليق الكبير لأبي يعلى، بل يذكر ابن الجوزي قبل تخريجه للأحاديث، يذكر أول المسألة، والتي هي رأس المسألة في المخطوط، ويذكر الأحاديث التي ذكرها القاضي أبي يعلى ويقوم بتخريجها وتحقيقها، مثال ذلك: • مسألة: كل شراب يسكر كثيره، هي في لوح (١) من المخطوط، ذكرها ابن الجوزي وخرج أحاديثها في كتابه التحقيق (٢/ ٣٧١). • مسألة: تحريم النبيذ في الجملة، ذكر ابن الجوزي أول المسألة الدليل على تحريم النبيذ، ثم أتبع ذلك بتخريج أحاديثها كما في كتابه التحقيق (٢/ ٣٧٢)،

стр. 44

وهي موجودة بنصها في التعليق في لوح (٥). • مسألة: لا يجوز شرب الخمر للعطش ولا للتداوي، ذكر ابن الجوزي رأس الخلاف في المسألة الموجود في المخطوط لوح (٢٠)، وخرج الأحاديث الواردة في كتابه (٢/ ٣٧٧). • مسألة: لا يقتل العميان ولا المقعد ولا أصحاب الصوامع، ذكر ابن الجوزي رأس الخلاف في المسألة الموجود في المخطوط لوح رقم (٣٤). وخرَّج الأحاديث الواردة في كتابه (٢/ ٣٤٢). • مسألة: إذا مر الحربي على عاشر المسلمين، ذكر ابن الجوزي رأس الخلاف في المسألة الموجودة في المخطوط لوح رقم (١٣٨). وخرَّج الأحاديث الواردة في كتابه (٢/ ٣٥٤). • مسألة: لا يجوز الاصطياد بالكلب الأسود ولا يباح أكل ما قتل، ذكر ابن الجوزي رأس الخلاف في المسألة الموجودة في المخطوط لوح رقم (١٤٤). وخرّج الأحاديث الواردة في كتابه (٢/ ٣٥٧). • أن كثيرًا من أقوال القاضي التي أودعها في التعليق، ينقلها علماء الحنابلة في كتبهم، ويشيرون إلى نقلها عن القاضي وكتابه التعليق عند ابن قدامة (١) وابن مفلح (٢). • العبارات الواردة في المخطوط التي تدل -بلا شك- على أنه التعليق الكبير. هذه بعض الأمور التي تثبت أن الكتاب المحقق هو التعليق الكبير، ومن قرأ فيه تبين له صحة هذا الكلام. _________ (١) هو أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي، أمام من أئمة الحنابلة في عصره، له كثير من المصنفات منها: الكافي، روضة الناظر، المغني، وغيرها، توفي سنة ٦٢٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥)، المقصد الأرشد (٢/ ١٥). (٢) هو: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي، شيخ الحنابلة في وقته، كان بارعًا في الفروع، عارفًا للخلاف، من مؤلفاته: الفروع، والآداب الشرعية، توفي ﵀ سنة ٧٦٣ هـ. ينظر: المقصد الأرشد (٢/ ٥١٧)، والسحب الوابلة (٣/ ١٠٨٩).

стр. 45

مختصرات الكتاب: (١) رؤوس المسائل لأبي الخطاب، تحقيق: د. ناصر بن سعود بن عبد الله السلامة، دار النشر: دار أطلس الخضراء، عدد الأجزاء: ٢. (٢) رؤوس المسائل الخلافية بين الفقهاء للعكبري، تحقيق: د. خالد بن سعد الخشلان، والذي قال في ثناياه: إن الكتاب منتخب من الخلاف الكبير للقاضي أبي يعلى على ما ذَكَره الحافظ ابن رجب (١). (٣) تنقيح التحقيق لأحاديث التعليق لابن عبد الهادي، وهو تخريج لأحاديث كتاب القاضي أبي يعلى التعليق الكبير، تحقيق: سامي بن محمد بن جاد الله - عبد العزيز بن ناصر الخباني، دار النشر: أضواء السلف عدد المجلدات: ٥ (٢). * * * المبحث الرابع: وصف النسخة المخطوطة للكتاب حصلت على نسخة واحدة لهذا الكتاب، إذ لم أجد غيرها، وقد بذلت جهدًا للحصول على نسخة أخرى وإلى الآن لم يتيسر ذلك، وهذه النسخة التي وُجدت تغني عما سواها؛ وذلك لوضوحها، وقلة أخطائها، ولتحقق المراد منها، ووجودها بعد اعتبارها في عالم المفقودات -لا شك- أنه فضل من الله ومنته. وهذه النسخة الفريدة كانت في إحدى المكتبات التركية، وهي المكتبة الوطنية بمدينة طرابزون، وهي محفوظة في المكتبة وتقع في ست وخمسين ومائتي لوحة (٢٥٦) لوحة، في كل لوحة صفحتان، تحوي كل صفحة خمسة وعشرين سطرًا في _________ (١) علمًا بأن بعض المحققين لم يرجع إلى هذه الكتب، والتي أصلها الكتاب المحقق الذي معنا. (٢) مع ما تشير إليه تعدد المختصرات وكثرتها من أهمية الكتاب وعناية أهل العلم به، إلا أنه يُستفاد منها في فَهْم ما خفي من نص الكتاب المحقق وتكميل ما سقط منه وتقريب ما ند عنه، فلربما كان سَقْط أو بياض أو خطأ يُستدرك مع الإشارة إليه في الهامش؛ مما يدل على أن الدراسة النظامية غير كافية، وأنه لا بد من أخذ العلم عن أهله والسير على طريقهم.

стр. 46

الغالب، والسطر يحوي نحوًا من خمس عشرة كلمة إلى ست عشرة كلمة، والجزء الذي سأتناوله هو المجلد العاشر كاملًا تحقيقا ودراسة، يبدأ من أول كتاب الأشربة، حتى نهاية كتاب الأيمان، ومجموع الكلمات في هذا المجلد الذي تم تحقيقه مائتين ألف كلمة تقريبًا (٢٠٠٠٠٠) ألف كلمة تقريبًا. كُتب بخط الناسخ محمد بن هبة الله بن عبد الرحمن بن محمد بن هبة الله البكري المالكي المغربي، كما هو موضح في نهاية المخطوط، عاش في دمشق وله مخطوطات نسخت بيده، ومن المخطوطات التي توجد بخطه: المحلى لابن حزم نسخة شستربيتي المصورة؛ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، برقم ٤٨٢٤ ف، كتبها بدمشق سنة ٧١٤ هـ (١)، وهذه النسخة التي تم تحقيقها والله الحمد منطبقة عليها شروط التحقيق، حيث أن الكتاب من الكتب المعتمدة المتقدمة، وأهميته سبق إيضاحها، كما أنها سالمة من الخروم، والإسقاط، والطمس. * * * المبحث الخامس: منهج المؤلف في الكتاب قام المؤلف بعرض المسائل الخلافية بين المذاهب الفقهية كل مسألة يبحثها على انفراد، فيورد الحكم عليها، ثم يورد ما لديه لتقوية حكمه من الروايات، التي ذكرها طلاب الإمام أحمد، ويورد بعض أقوال الأئمة التي توافق قوله، ويستدل لما يرجحه بالتفصيل، كذلك يورد الروايات عن الإمام أحمد ويوضح دلالتها، نصًا أو إيماءً، أو مفهومًا، أو قياسًا، ويذكر أدلة المخالفين ويناقشها ويفترض عليها اعتراضات للمخالف ويرد عليها برد علمي رصين يحاول إبطال قول المخالف، بما لديه من أدلة. * * * _________ (١) فهرست مخطوطات مكتبة شستربيتي (٢/ ٩٨٣ - ٩٨٤).

стр. 47

المبحث السادس: أهمية الكتاب وأثره فيمن بعده لو كان هذا الكتاب كاملًا، لكان مرجع من أهم المراجع لدى الحنابلة وغيرهم من المذاهب الأخرى، فمؤلفه إمام متقدم، وهو شيخ الحنابلة وإمامهم في عصره، إليه يُرجع في الرواية، والتصحيح، والترجيح على مذهب الإمام أحمد، والكتاب نفسه استفاد منه علماء الحنابلة على مر الزمان، وقد أكثر فقهاء الحنابلة من النقل عن كتاب التعليقة هذا، فانظر إلى شيخَ الإسلام ابن تيمية، وهو في معتقله في مصر يطلب كتاب: "التعليقة" هذا (١). وتأمل قول الذهبي عن الإمام القاضي أبي يعلى: صاحب "التعليقة الكبرى"، والتصانيف المفيدة في المذهب. فإذا تأمَّلته، ورأيت كيف عَّرف إمامًا بكتاب، عرفت قيمة هذا الكتاب، وعرفت أنه كتاب له قيمته العلمية (٢). ولقد فقد أغلبُ هذا التراث القيم، ومن منة الله عليَّ أن وفقني لهذا المجلد العاشر، الذي يشتمل على تسعة من الكتب، والذي يحوي بين دفتيه من الفوائد لاسيما ما ذكره من روايات عن الإمام أحمد لم أجد بعضها فيما بين يدي من الكتب، كما أن مطالعهُ يستطيع أن يجمع منه الفوائد الكثيرة، وهذا مما يحثُّ طلبة العلم على البحث فيما تبقى من المجلدات التي ما زالت في عداد المفقودات. فإن العمل في المخطوطات ليس عملًا هينًا كما يبدو لبعض الناس، إنما هو علم يحتاج إلى دربة طويلة، ودراسة عميقة، وثقافة واسعة، بالإضافة الى ضرورة أن يكون المحقق صبورًا وأمينًا وهذا ما فقد في هذا الزمن إلا من ﵀ نسأل الله العافية، ملتزمًا بالأدب مع العلماء والباحثين. كما أود لفت نظر القارئ الكريم إلى أن ضعف المستوى العلمي في تحقيق وإخراج بعض أجزاء هذا الكتاب من بعض الباحثين … ينبغى أن لا يصرف نظر القارئ عن هذا الكنز العظيم إذْ لا يشوب هذا السفر أي شائبة ولا ينقص قدره أو يخل بمستواه أي ضعف علمي أو عدم تمكن في إخراجه وتحقيقه … فالكتاب قد جاوز القنطرة وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. _________ (١) العقود الدرية (١/ ٣٠١). (٢) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩).

стр. 48

المبحث السابع: موارد المؤلف في الكتاب من أهم مصادر الكتاب: القرآن الكريم، السنة النبوية، آثار الصحابة، أقوال التابعين، الأئمة الأربعة. وقد أكثر من النقل عن كتب الحنابلة المتقدمة؛ خصوصًا الروايات والمسائل المنقولة عن الإمام أحمد ﵀، ولعل أهمها: (١) رواية عبد الله بن الإمام أحمد (٢) رواية صالح (٣) رواية حنبل (٤) رواية ابن منصور (٥) رواية إسحاق بن إبراهيم (٦) رواية أبي جعفر (٧) رواية الأثرم (٨) رواية المروذي (٩) رواية إبراهيم بن الحارث (١٠) رواية إبراهيم بن إسحاق (١١) رواية المشكاني (١٢) رواية الدينوري (١٣) رواية أحمد بن القاسم (١٤) رواية أحمد بن الحسين (١٥) رواية أحمد الصائغ (١٦) رواية مهنا الشامي (١٧) رواية النيسابوري (١٨) رواية الجرجرائي (١٩) رواية القطان (٢٠) رواية النسوي (٢١) رواية الميموني (٢٢) رواية أبي داود (٢٣) رواية الوراق (٢٤) رواية الحسن بن ثواب (٢٥) رواية البغدادي (٢٦) رواية الكرماني (٢٧) رواية جعفر النسائي (٢٨) رواية الشالنجي (٢٩) رواية الكوسج (٣٠) رواية الترمذي

стр. 49

(٣١) رواية الفرات (٣٢) رواية الخفاف (٣٣) رواية بكر بن محمد (٣٤) رواية حبيش بن سندي (٣٥) رواية العجلي (٣٦) رواية حرب الكرماني (٣٧) رواية يعقوب بن بختان (٣٨) رواية محمد بن الحكم (٣٩) رواية بكر بن محمد الكتب التي صرح بها: زاد المسافر لأبي بكر الأفراد للدارقطني الخلاف لأبي بكر غلام الخلال تعاليق العكبري التفسير لأبي بكر الخلال مسند الإمام أحمد اللباس للخلال غريب الحديث لأبي عبيد صحيح مسلم الشافي لغلام الخلال سنن أبي بكر النجاد الأم للشافعي الأوسط لابن المنذر تعاليق كتاب العلل لأبي إسحاق أحكام أهل الملل للخلال سنن أبي داود معاني القرآن للزجاج مختصر الخرقي صحيح البخاري صحيح ابن خزيمة أم المعارف لابن قتيبة كتب الحسن بن حامد

стр. 50

المبحث الثامن: نقد الكتاب (تقويمه، ذكر مزاياه والمآخذ عليه). أولًا: ذكر مزايا الكتاب: المحاسن التي تميز بها هذا الكتاب إن مؤلفه إمام عصره عالمًا بالمذهب الحنبلي، وأقوال العلماء في المذاهب الأخرى، فمحاسن الكتاب كثيرة وسوف أذكر شيئًا منها: توسعه ﵀ في الاستدلال بالسنة، والآثار عن الصحابة، والتابعين. ذكر الأقوال من المذاهب الأربعة، والرد عليها بردًا علميًّا واضح. كثرة سرده سرده للروايات في المذهب الحنبلي تأييدًا لقوله. مناقشة أدلة المخالف والرد عليه. تبيين سبب الخلاف في بعض المسائل المطروحة والرد عليه. ثانيًا: المأخذ على الكتاب: مما يؤخذ على الكتاب، ولست والله ممن يبين ويوضح ملاحظات إمام من الأئمة، ولكن هذا من مستلزمات البحث، ومن أبرز الملاحظات هي: إيراد بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة. ذكر بعض الأسماء في الكتاب مجردًا يعرفه من هو في وقته، إما في العصور التي بعده فلا يعرف. هذا ما تبين إيراده وأسأل الله أن يجزي القاضي أبو يعلى خير الجزاء على ما قدم للأمة الإسلامية، من علمًا ودعوة وخدمة لهذا المذهب.

стр. 51

نماذج من صور المخطوط الصفحة الأولى من المخطوطة

стр. 52

الصفحة الأخيرة من المخطوطة

стр. 53

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) اللهم صل على سيدنا محمد، وآله وصحبه، وأجمل عونك (٢). كتاب (٣) الأشربة (٤) كل شراب يسكر كثيره فقليل حرام، وفيه الحد (٥)،

стр. 54

ويسمى: خمرًا (١) (٢). نص عليه في مواضع، فقال في رواية حنبل (٣): المسكر عندي خمر من كل شيء من التمر والزبيب والعسل (٤)، وقال في رواية المروذي (٥)، وأحمد بن هاشم الأنطاكي (٦)، ومحمد بن حمدون الدهقان (٧)، وحرب بن إسماعيل (٨)،

стр. 55

وأبي [داود] (١) (٢)، وأبي بكر المطوعي (٣)، ومثنى الأنباري (٤)، ومهنا (٥)، وصالح (٦)، والفضل بن زياد (٧): كل مسكر خمر (٨).

стр. 56

والمسكر هو الخمر (١). وبهذا قال مالك (٢) والشافعي (٣). وقال أبو حنيفة: الخمر حرام قليلها وكثيرها، وفيها الحد، وهو عصير العنب التي إذا اشتد وقذف بزبده (٤). وما عمل من التمر والزبيب فإن كان مطبوخا أدنى طبخ فهو حلال، وإن كان نيئًا فهو محرم إلا أنه لا يسمى خمرا، وإنما يسمى نبيدًا (٥). وما عمل من الحنطة والشعير والذرة والأرز والعسل ونحوها فهو حلال طبخ أو لم يطبخ، وإنما يحرم منه السكر، ويجب بالسكر منه الحد (٦). والكلام في هذه المسألة في فصول: أحدها: أن اسم الخمر يقع على كل مسكر (٧). والثاني: يدل على تحريم النبيذ (٨). وهذان الفصلان نص عليهما أحمد فيما تقدم.

стр. 57

والثالث: يدل على أن الخمر معللة (١)، وأن علة تحريمها الشدة المطربة (٢)، وهي موجودة في كل شراب مسكر (٣)، وعند أبي حنيفة تحريم الخمر غير معلل، وإنما ثبت بالنص (٤) (٥). وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية الأثرم (٦) - وذكر له حديث عمر: "الخمر ما خامر العقل" (٧) - أي شيء يعني به؟ قال: ما غير العقل. قيل له: فكل نبيذ (٨) غير العقل فهو خمر؟ قال: نعم (٩).

стр. 58

وكذلك نقل محمد بن حبيب (١) قال: سمعت أبا عبد الله سئل عن المسكر، وقيل له: الخمر ما خامر العقل؟ فقال: "هذا منه" (٢). فصل فالدلالة على الفصل الأول - أن اسم الخمر يقع على كل مسكر -: ما روى أحمد في كتاب الأشربة رواية البغوي (٣) عن ابن عمر (٤) قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" (٥).

стр. 59

وهذا نص في تسمية كل مسكر خمرًا (١). روى أبو بكر الرازي (٢) عن أبي الحسن الكرخي (٣) عن أبي عون الفرائضي (٤) قال: سمعت عباس الدوري (٥) قال: سمعت يحيى بن معين (٦) يقول: ثلاثة أحاديث لا تصح عن النبي ﷺ : "كل مسكر حرام" (٧)، و "لا نكاح إلا بولي" (٨)، و "من مس ذكره فليتوضأ" (٩)، قال العباس فذكرته لأحمد، فقال: يصح في مس الذكر حديث

стр. 60

مكحول (١) عن عنبسة (٢). قال: فجئت إلى يحيى فذكرت ذلك له فقال: مكحول لم ير عنبسة (٣). قيل: قوله: "لا يصح هذا الحديث" لا يقبل منه حتى يبين الوجه الذي لا يصح لأجله، وعلى أنه إن لم يصححه يحيى فقد رواه وصححه من هو أجل منه وأحفظ وهو أحمد، وصدره في أول كتاب الأشربة، فرواه في أثناء الكتاب من طرق (٤). فإن قيل: فيروى ذلك موقوفا على ابن عمر (٥). قيل: روايته مسندًا وموقوفًا تدل على قوته وتؤكد صحته؛ لأن من عنده توقيف عن النبي ﷺ يرويه مرة مسندا ومرة يفتي به (٦). فإن قيل: قوله: "كل مسكر خمر"، المراد به (٧): الشدة التي يحدث عقيبها السكر فسماها خمرا على طريق التشبيه بها؛ لأنها تعمل عملها في توليد السكر وإيجاب الحد

стр. 61

على شاربيها، وقد تحذف العرب المثل في كلامها كثيرا (١)، قال ﵎: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ومعناه: مثل السماوات وقال الشاعر (٢): فعيناك عيناها وجيدك (٣) جيدها … سوى أن عظم الساق منك دقيق ومعناه: مثل عيناها، وجيدك مثل جيدها. قيل: الأصل في كلامهم الحقيقة (٤)، فيجب حمله عليه، ولا يحمل على المجاز (٥) إلا بدليل، وليس ههنا دليل يدل على ما قاله المخالف، ويخالف هذه المواضع التي استشهدوا بها؛ لأنا نعلم أن أحدهما غير الآخر، فحملنا اللفظ على المجاز (٦). وجواب آخر: وهو أنه لا يصح إضمار المثل ههنا؛ لأنه قال في الخبر: " … وكل مسكر خمر حرام"، فأفاد أنه مثل الخمر في التحريم، فلو حملنا قوله: "كل مسكر خمر" على أنه مثله في التحريم أدى إلى أن يكون اللفظ مكررًا فعلم أن الأول بيان الاسم والثاني بيان الحكم (٧). فإن قيل: لا يجوز أن يقصد بهذا بيان الاسم؛ لأن جميع العرب في معرفة الاسم

стр. 62

سواء؛ لأنه كلامهم ولغتهم فعلم أن المراد به ما ذكرنا (١). قيل: يجوز تعليم الاسم منه، ويكون المقصود به: الناس فيهم الذي لم يكثر سماعه للكلام واستعماله للغة العرب أو لم يخالطهم من الفرس والعجم، ولأن الاستعمال قد يغلب على اسم النوع دون الاسم العام، فيخفى على قوم فهم الاسم العام، كما يكون للشيء الواحد أسماء كثيرة ويكون الاستعمال لبعضها، فيخفى الباقي على قوم فيهم. وعلى أنا نرى أهل مكة في هذا الوقت يحتاجون إلى تعليم أشياء كثيرة من الأعراب وهم لا يعرفون الصواب منها وإن كان لغة العرب هو الصواب، وتراهم لا يحيطون بجميع اللغة ويحتاجون إلى تعليم كثير منها (٢). ويدل على صحة هذا: ما روى أبو داود بإسناده عن أبي موسى الأشعري (٣) أنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن شراب من العسل؛ قال: "ذاك البتع (٤) ". قلت: [وينتبذ] (٥) من الشعير والذرة. قال: "ذلك المزر (٦) "، ثم قال: "أخبر قومك أن كل مسكر حرام" (٧)، وهذا إعلام من الرسول ﷺ أنه يسمى بتعًا ومزرًا (٨).

стр. 63

وجواب آخر: وهو أنه لم يكن بالمدينة جميع أنواع الخمر، وإنما كان الفضيخ (١)، وهو كان خمرهم، فأخبرهم رسول الله ﷺ أن ما يسمونه خمرا من شرابهم الذي هو الفضيخ وسائر ما يصنع في البلاد غيرها من البتع والمزر والجعة (٢) والسكركة (٣) فإنها أيضا خمر وإن لم يشاهدوها ولا عادة لهم بشربها (٤). ويدل أيضا على أن اسم "الخمر" عام في كل مسكر: ما روى أحمد في الأشربة عن عبد الرزاق (٥) ثنا معمر (٦) عن يحيى بن أبي كثير (٧) قال: حدثني [أبو] (٨) (٧) كثير (٩) أنه سمع

стр. 64

أبا هريرة (١) يقول: قال رسول الله ﷺ : "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة" (٢)، وهذا نص، ولا يصح أن يحمل قوله على المجاز فيما يعمل من النخلة؛ لأنه ذكر معه العنبة. وقد أجمعوا على أن ما يعمل من العنبة خمرا حقيقة، فيجب أن يكون ما يعمل من النخلة كذلك (٣)، وهذا على قولهم ظاهر، فإنهم يقولون: لا يجوز أن يريد باللفظة الواحدة حقيقة ومجازًا، وذكروا هذا في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وفي غيره [النساء: ٤٣]، فسقط السؤال (٤). ويدل على أن الاسم عام أيضًا: ما روى أحمد في الأشربة: حدثنا أسود بن عامر (٥) قال: ثنا إسرائيل (٦) عن إبراهيم بن

стр. 65

مهاجر (١) عن عامر (٢) عن النعمان بن بشير (٣) يرفعه [أنه] (٤) قال: "من الزبيب خمر، ومن التمر خمر، ومن الحنطة خمر، ومن الشعير خمر، ومن العسل خمر" (٥). ورواه أحمد في الأشربة لعبد الله ثنا يونس (٦) ثنا ليث (٧) عن يزيد بن أبي حبيب (٨) عن

стр. 66

خالد بن كثير الهمداني (١) أنه حدثه أن السري بن إسماعيل الكوفي (٢) حدثه أن الشعبي حدثه أنه سمع النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن من الحنطة خمرا، ومن الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن التمر خمرا، ومن العسل خمرا" (٣)، وهذا نص (٤). فإن قيل: معناه مثل الخمر (٥). قيل: قد سوى بين العنب وبين غيره، وقد ثبت أن ما عمل من العنب خمر حقيقة وجب أن يكون الباقي مثله؛ لأن اللفظ في الجميع واحد، وعلى أن اللفظ إذا أمكن حمله حقيقة لم يجز حمله على المجاز (٦). ويدل على عموم الاسم: ما روى أحمد في الأشربة: نا إسماعيل (٧) قال: نا

стр. 67

أبو حيان (١) قال: نا الشعبي عن ابن عمر قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب على منبر المدينة فقال: "يا أيها الناس [ألا] (٢) إنه نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" (٣). فإن قيل: إنما سمى ذلك خمرا على طريق التشبيه في حال إيجابه للسكر؛ يدل عليه قول عمر: "الخمر ما خامر العقل" (٤)، ومعلوم أن القليل من النبيذ وإن كان فيه قوة الإسكار - أعني: من جنس ما يسكر كثيره - لا يخامر العقل (٥). قيل: حمله على طريق التشبيه عدول من الحقيقة إلى المجاز، ولأنه قد نص على التحريم، والاسم في هذه الخمسة، فامتنع أن يكون المراد به التشبيه في التحريم (٦)، وروى أحمد في الأشربة: نا وكيع (٧) عن سفيان (٨) عن

стр. 68

أبي إسحاق (١) عن أبي فروة (٢) قال: قال عمر بن الخطاب: "ما عتقت وخمرت فهو خمر" (٣). وروى أيضًا في الأشربة: نا روح (٤) نا حماد (٥) نا علي بن زيد (٦) عن صفوان بن محرز (٧) قال: سمعت أبا موسى الأشعري وهو يخطب ههنا على منبر البصرة يقول:

стр. 69

"ألا إن خمر المدينة: البسر والتمر، وخمر أهل فارس: العنب، وخمر أهل اليمن: البتع، وخمر الحبشة: السكركة، وهو الأرز" (١). وروى أيضًا في الأشربة: نا روح ومحمد بن [أبي] (٢) بكر (٣) قالا: نا سعيد (٤) عن قتادة (٥) عن أنس (٦) قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا دجانة في رهط من الأنصار فدخل علينا داخل فقال: حدث خبر: نزل تحريم الخمر [قال] (٧): "فأكفأتها، وما هي يومئذ إلا الفضيخ: خليط البسر والتمر"، قال أنس: " [وقد] (٨) حرمت الخمر وإن عامة خمورهم يومئذ [الفضيخ] (٩) البسر والتمر" (١٠).

стр. 70

وروى أيضًا في الأشربة: نا ابن إدريس (١) قال: سمعت مختار بن فلفل (٢) [قال] (٣) قال أنس: "الخمر من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذرة، وما خمرت فهو [الخمر] (٤) " (٥)، وهذا كله يدل على عموم الاسم (٦). ويدل عليه أيضًا: ما روى أبو إسحاق الزجاج (٧) في كتابه: الخمر في اللغة ما ستر على العقل، ويقال: لكل ما ستر الإنسان خمر، ويقال: دخل فلان في خمار الناس. أي: في [الكثير] (٨) الذي يستتر فيهم، وخمار المرأة قناعها، وإنما قيل له: خمار؛ لأنه يغطي، والخمرة التي يسجد عليها؛ إنما سميت بذلك لأنها تستر الوجه عن الأرض، وقيل: للعجين قد اختمر؛ [لأن] (٩) فطرته قد غطاها الاختمار (١٠).

стр. 71

ويوضح ما قاله أبو إسحاق (١) قول عمر: "الخمر ما خامر العقل" (٢)، وهذا كله يدل على أن اسم "الخمر" يقع على الجميع، وإذا ثبت أن اسم الخمر يتناولها حرمت بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فأمر باجتنابه (٣). واحتج المخالف على هذا الفصل بأن اسم الخمر يتناول ماء العنب - أعني: المشتد حقيقة - وغيرها من الأنبذة مجازا، ألا ترى أنه يجوز أن يقال: نبيذ التمر والزبيب ليس بخمر، فلو كان اسما لها حقيقة لما جاز أن ينتفي عنه بحال؛ لأن أسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال (٤). والجواب: أنا لا نسلم أنه يصح نفي الاسم عنه، ومن نفى اسم الخمر عن النبيذ كان بمنزلة من قال: ليس هذا بضرب، وإنما هو سفع (٥) أو نخس (٦) أو لكز أو لكم (٧)، وكل جواب للمخالف عنه فهو جوابنا عنه (٨). واحتج: بما روى أبو سعيد الخدري (٩) قال: أتي رسول الله ﷺ بنشوان فقال له: "أشربت خمرا؟ " فقال: والله ما شربتها منذ حرمها الله تعالى ورسوله، قال: "فماذا

стр. 72

شربت؟ " قال: الخليطين، قال: "فحرم رسول الله ﷺ الخليطين يومئذ" (١)، فنفى الشارب اسم الخمر عن الخليطين ولم ينكره النبي ﷺ ، ولو كان خمرا لأنكره وما أقره على نفي هذا الاسم عنه (٢). والجواب: أن هذا الخبر غير معروف، ولا هو في كتاب الأشربة، ولأنه لا يجوز أن تترك الأحاديث الصحيحة الثابتة لذلك (٣). وجواب آخر: وهو أنه ليس في هذا الخبر جواب النبي ﷺ له عما قاله، فيحتمل أن يكون قد قال له: "كل مسكر خمر" (٤)، كما رواه ابن عمر، ولم ينقله الراوي لشهرته (٥). واحتج: بما روي عن ابن عباس (٦) أنه قال: "حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب" (٧)، وروي مرفوعًا، فاقتضى هذا القول نفي اسم الخمر عما عدا ماء العنب -

стр. 73

أعني: المشتد - من الأشربة المسكرة (١). والجواب: أن أحمد روى هذا الحديث عن هشيم (٢) نا ابن شبرمة (٣). عن عبد الله بن شداد (٤) قال لي (٥): إن ابن شبرمة لم يسمع من عبد الله بن شداد شيئًا (٦)، وهذا يدل على أنه مرسل، وإذا كان مرسلًا لم يعارض قول الجماعة الذين روينا عنهم بالإسناد المتصل (٧). وجواب آخر، وهو أن أحمد روى في الأشربة عن [محبوب] (٨) (٩)

стр. 74

قال: نا خالد (١) عن عكرمة (٢) عن ابن عباس قال: "حرمت الخمر، وهي الفضيخ" (٣)، وروى أيضًا عن يحيى بن سعيد (٤) عن عثمان الشحام (٥) قال: نا عكرمة عن ابن عباس قال: "كانت خمرهم يومئذ، يعني: الفضيخ" (٦)، وهذا يعارض ما ذكروه، وإذا تعارضت الروايات عنه لم يجز الاحتجاج بقوله (٧). واحتج: بما روى نافع (٨) عن ابن عمر قال: "حرمت الخمر، وما بالمدينة منها

стр. 75

شيء" (١)، ومعلوم أن سائر الأنبذة من التمر والبسر قد كانت موجودة بالمدينة في حال تحريم الخمر، وقد نفى ابن عمر اسم الخمر عنها (٢). والجواب: أنه ذكر ذلك إنكارًا على من قال: لا يكون الخمر إلا من عصير العنب كما قال مخالفنا، فكأنه قال: حرمت الخمر وما بالمدينة من خمر العنب شيء (٣). والذي يبين صحة هذا: أنه لا يصح أن يأمرهم بالاجتناب والانتهاء إلا فيما يشربونه، فعلم أن الاسم يقع على ذلك الذي نهاهم عنه (٤)، والذي يدل على صحة هذا التأويل شيئان: أحدهما: أن ابن عمر روى الحديث عن النبي ﷺ ، قال: "كل مسكر خمر" (٥). والثاني: ما روى أحمد في الأشربة عن محمد بن جعفر (٦) نا شعبة (٧) عن عبد الله بن أبي السفر (٨) عن الشعبي عن ابن عمر قال: "الخمر من خمسة: من الزبيب، والتمر، والشعير، والبر والعسل" (٩). وروى أيضًا في الأشربة عن
следующие страницы →