← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ويوضح ما قاله أبو إسحاق (١) قول عمر: "الخمر ما خامر العقل" (٢)، وهذا كله يدل على أن اسم "الخمر" يقع على الجميع، وإذا ثبت أن اسم الخمر يتناولها حرمت بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فأمر باجتنابه (٣). واحتج المخالف على هذا الفصل بأن اسم الخمر يتناول ماء العنب - أعني: المشتد حقيقة - وغيرها من الأنبذة مجازا، ألا ترى أنه يجوز أن يقال: نبيذ التمر والزبيب ليس بخمر، فلو كان اسما لها حقيقة لما جاز أن ينتفي عنه بحال؛ لأن أسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال (٤). والجواب: أنا لا نسلم أنه يصح نفي الاسم عنه، ومن نفى اسم الخمر عن النبيذ كان بمنزلة من قال: ليس هذا بضرب، وإنما هو سفع (٥) أو نخس (٦) أو لكز أو لكم (٧)، وكل جواب للمخالف عنه فهو جوابنا عنه (٨). واحتج: بما روى أبو سعيد الخدري (٩) قال: أتي رسول الله ﷺ بنشوان فقال له: "أشربت خمرا؟ " فقال: والله ما شربتها منذ حرمها الله تعالى ورسوله، قال: "فماذا

стр. 72

شربت؟ " قال: الخليطين، قال: "فحرم رسول الله ﷺ الخليطين يومئذ" (١)، فنفى الشارب اسم الخمر عن الخليطين ولم ينكره النبي ﷺ ، ولو كان خمرا لأنكره وما أقره على نفي هذا الاسم عنه (٢). والجواب: أن هذا الخبر غير معروف، ولا هو في كتاب الأشربة، ولأنه لا يجوز أن تترك الأحاديث الصحيحة الثابتة لذلك (٣). وجواب آخر: وهو أنه ليس في هذا الخبر جواب النبي ﷺ له عما قاله، فيحتمل أن يكون قد قال له: "كل مسكر خمر" (٤)، كما رواه ابن عمر، ولم ينقله الراوي لشهرته (٥). واحتج: بما روي عن ابن عباس (٦) أنه قال: "حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب" (٧)، وروي مرفوعًا، فاقتضى هذا القول نفي اسم الخمر عما عدا ماء العنب -

стр. 73

أعني: المشتد - من الأشربة المسكرة (١). والجواب: أن أحمد روى هذا الحديث عن هشيم (٢) نا ابن شبرمة (٣). عن عبد الله بن شداد (٤) قال لي (٥): إن ابن شبرمة لم يسمع من عبد الله بن شداد شيئًا (٦)، وهذا يدل على أنه مرسل، وإذا كان مرسلًا لم يعارض قول الجماعة الذين روينا عنهم بالإسناد المتصل (٧). وجواب آخر، وهو أن أحمد روى في الأشربة عن [محبوب] (٨) (٩)

стр. 74

قال: نا خالد (١) عن عكرمة (٢) عن ابن عباس قال: "حرمت الخمر، وهي الفضيخ" (٣)، وروى أيضًا عن يحيى بن سعيد (٤) عن عثمان الشحام (٥) قال: نا عكرمة عن ابن عباس قال: "كانت خمرهم يومئذ، يعني: الفضيخ" (٦)، وهذا يعارض ما ذكروه، وإذا تعارضت الروايات عنه لم يجز الاحتجاج بقوله (٧). واحتج: بما روى نافع (٨) عن ابن عمر قال: "حرمت الخمر، وما بالمدينة منها

стр. 75

شيء" (١)، ومعلوم أن سائر الأنبذة من التمر والبسر قد كانت موجودة بالمدينة في حال تحريم الخمر، وقد نفى ابن عمر اسم الخمر عنها (٢). والجواب: أنه ذكر ذلك إنكارًا على من قال: لا يكون الخمر إلا من عصير العنب كما قال مخالفنا، فكأنه قال: حرمت الخمر وما بالمدينة من خمر العنب شيء (٣). والذي يبين صحة هذا: أنه لا يصح أن يأمرهم بالاجتناب والانتهاء إلا فيما يشربونه، فعلم أن الاسم يقع على ذلك الذي نهاهم عنه (٤)، والذي يدل على صحة هذا التأويل شيئان: أحدهما: أن ابن عمر روى الحديث عن النبي ﷺ ، قال: "كل مسكر خمر" (٥). والثاني: ما روى أحمد في الأشربة عن محمد بن جعفر (٦) نا شعبة (٧) عن عبد الله بن أبي السفر (٨) عن الشعبي عن ابن عمر قال: "الخمر من خمسة: من الزبيب، والتمر، والشعير، والبر والعسل" (٩). وروى أيضًا في الأشربة عن

стр. 76

جرير (١) عن ليث (٢) عن حرب (٣) عن سعيد بن جبير (٤) قال: سئل ابن عمر عن نبيذ الزبيب الذي يعتق العشر والشهر، فقال: "الخمر اجتنبوها" (٥). وروى أيضًا في الأشربة: عن محمد بن فضيل (٦) عن يزيد [بن أبي زياد] (٧) عن

стр. 77

مجاهد (١) قال: سألت ابن عمر عن الفضيخ فقال: وما الفضيخ؟ [قال] (٢): ذاك الفضوخ، وقال ابن عمر: "حرمت الخمر وعامة شراب الناس هذا الذي يقولون" (٣)، وهذا يدل على تعارض الرواية عنه (٤). واحتج: بما قال أبو الأسود الديلي (٥): دع الخمر تشربها الغواة … فإنني رأيت أخاها مغنيا بمكانها فإلا يكنها، أو تكنه، فإنه … أخوها غذته أمه بلبانها (٦) فسمى النبيذ أخا الخمر وأخبر أنه ليس هي، ثم لم يقتصر على ذلك حتى نفى الاسم عنه بصريح القول، فقال: " [فإلا] (٧) يكنها أو تكنه" فصح بذلك جواز نفي اسم الخمر عن هذه الأشربة (٨).

стр. 78

والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن أبا إسحاق الزجاج قال في معاني القرآن: قيل لأبي الأسود: إن هذا المسكر الذي يسمونه بغير اسم الخمر حلال، فظن ذلك كما قيل له، فقال: هذا الشعر، ثم رده طبعه إلى أن حكم بأنهما واحد (١)، وكان هذا الشعر حجة على المخالف؛ لأنه حكم بأنهما واحد (٢). وجواب آخر، وهو: أن عبيد بن الأبرص (٣) قال مثل قولنا وهو أقدم من أبي الأسود وأحج في اللغة، فقال: هي الخمر يا قوم تكنى الطلا … كما الذيب يكنى أبا جعد (٤) والطلا هو: المطبوخ، فأخبر ابن الأبرص أن الطلا خمر. ولأنا قد حكينا قول الزجاج في اشتقاق الخمر، وأن الخمر في اللغة ما [ستر] (٥) على العقل (٦). وجواب آخر، وهو: أنا قد روينا عن النبي ﷺ وعن عمر، وأبي موسى (٧)، وسائر الأمصار الذين كانوا في بيت أبي طلحة (٨) تسمية الفضيخ خمرا، وقولهم في الاسم مقدم

стр. 79

على قول أبي الأسود (١). واحتج: بأن ما يتخذ من عصير العنب يسمى خل الخمر، وما يتخذ من التمر لا يسمى خل الخمر، فدل على أن ذلك يختص بعصير العنب (٢). والجواب: أنا نقول: لم إذا لم يسم خل الخمر؟ دل على أن المسكر من التمر لا يسمى خمرا، وعلى أنا اتفقنا على أن من شرب النبيذ وسكر يقال له: هو مخمور، ويقال: به خمار، ولا يقولون: هو منبوذ ولا نباذ، وهذا ذكره القتبي (٣) واحتج به على أن اسم الخمر يقع على النبيذ (٤). فصل (٥) والدلالة على تحريم النبيذ في الجملة ما تقدم من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" (٦) (٧). وروى أحمد في الأشربة عن أبي أحمد (٨) نا

стр. 80

سفيان (١) عن علي بن بذيمة (٢) حدثني قيس بن حبتر (٣) قال: قال ابن عباس، قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام" (٤). وروى أيضًا عن يزيد بن هارون (٥) [أخبرنا] (٦) محمد بن عمرو (٧) عن أبي سلمة (٨) عن أبي هريرة [قال] (٩): قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام" (١٠). وروى أيضًا عن

стр. 81

الضحاك (١) نا عبد الحميد بن جعفر (٢) نا يزيد بن أبي حبيب (٣) عن عمرو بن الوليد (٤) عن عبد الله بن عمرو (٥) [قال] (٦): قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام" (٧). وروى أيضًا عن وكيع (٨) عن شعبة عن سعيد بن أبي بردة (٩) عن أبيه (١٠) عن

стр. 82

أبي موسى قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا ومعاذ بن جبل (١) [إلى اليمن] (٢)، فقلت: يا رسول الله إن شرابًا يصنع بأرضنا يقال له: المزر من الشعير، وشراب من العسل يقال له: البتع. قال: "كل مسكر حرام" (٣). وروى أيضًا عن الضحاك حدثنا عبد الحميد بن جعفر نا يزيد بن أبي حبيب قال: نا مرثد بن عبد الله اليزني (٤) قال نا ديلم (٥) أنه سأل رسول الله ﷺ قال: إنا بأرض باردة نستعين بشراب يصنع لنا من القمح، فقال رسول الله ﷺ : "أيسكر؟ " قال: نعم، قال: "لا تشربوه"، ثم أعاد عليه، فقال رسول الله ﷺ : "أيسكر؟ " قال: نعم، قال: "لا تشربوه" قال: إنهم لا يصبرون عنه. قال: "إن لم يصبروا عنه فاقتلهم" (٦).

стр. 83

وروى أيضًا عن سليمان بن داود (١) نا إسماعيل بن جعفر (٢) حدثني داود بن بكر بن أبي الفرات (٣) عن محمد بن المنكدر (٤) عن جابر بن عبد الله (٥) عن النبي ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٦).

стр. 84

وروى أيضًا عن عفان (١) قال: نا مهدي بن ميمون (٢) نا أبو عثمان الأنصاري (٣) قال: سمعت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (٤) يحدث عن عائشة أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "كل مسكر حرام، وما أسكر [منه] (٥) الفرق [فملء] (٦) الكف منه حرام" (٧).

стр. 85

قال القتبي: هو الفرق بفتح الراء، وهو ثلاثة أصوع (١)، وهي ستة عشر رطلًا (٢)، والفرق بجزم الراء مائة وعشرون رطلًا (٣)، ولم يرده؛ لأن أحدًا لا يقدر على شربه (٤)، ورواه أبو حفص (٥) في تحريم النبيذ بإسناده عن الواقدي (٦) قال: الفرق عندنا مائة رطل بر طلكم أو نحوه أو قريبًا منه. وروى أحمد في الأشربة رواية عبد الله (٧): نا عبد الله بن إدريس (٨) عن ليث (٩) عن

стр. 86

أبي عثمان (١) عن القاسم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما أسكر الفرق فالأوقية (٢) منه حرام" (٣). وروى أيضًا في رواية عبد الله قال: نا الربيع بن صبيح (٤) عن أبي عثمان الأنصاري عن ابن سالم عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما أسكر الفرق فالحسوة (٥) منه حرام" (٦). وروى أيضًا عن عبد الرزاق نا محمد بن راشد (٧) سمعت عمرو بن شعيب (٨) يحدث أن أبا موسى حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن سأله فقال: إن قومي يصيبون من

стр. 87

شراب من الذرة، يقال له المزر (١) فقال النبي ﷺ : "أيسكر؟ " قال: نعم، قال: "انههم عنه" قال: قد نهيتهم فلم ينتهوا، قال: "فمن لم ينته فاقتله" (٢). وروى أيضًا في رواية عبد الله قال: نا عبد الله بن [الحارث] (٣) المخزومي (٤) قال: حدثني الضحاك بن عثمان (٥) عن بكير بن عبد الله بن الأشج (٦) عن عامر بن سعد (٧) يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره" (٨).

стр. 88

وهذه الأخبار نصوص (١). فإن قيل: هذه الأخبار لا يلزمنا قبولها؛ لأنها من أخبار الآحاد فيما يحتاج إليه الكافة (٢). قيل: عندنا تقبل أخبار الآحاد فيما يحتاج إليه الكافة (٣)، ولأن أبا حنيفة قد قبلها في وجوب الوتر (٤)، وفي نقض الطهارة بالقهقهة (٥)، وجواز الوضوء بنبيذ التمر (٦)، وغير ذلك. فإن قيل: لو كانت واردة من طريق التواتر لم يلزمنا؛ لأن قوله: "كل مسكر حرام" (٧) يتناول الشربة التي يحصل عقيبها السكر، وقد روي ذلك بعينه عن ابن عباس، وعطاء (٨)، وإبراهيم (٩) قالوا: هي الشربة التي تسكره، وقال ابن عباس: إن شربت تسعة أقداح ولم تسكرك كان حلالًا، فإن شربت العاشر فأسكرك كان العاشر حراما (١٠).

стр. 89

وروى جماعة عن إبراهيم (١) عن علقمة (٢) قال: سألت ابن مسعود (٣) عن قول رسول الله ﷺ في المسكر فقال: "هي الشربة الأخيرة" (٤)، وهكذا يقتضي ظاهر اللفظ؛ لأنك لا تقول للقمة من الطعام هذا طعام مشبع ولا للجرعة من الماء هذا شراب مروي إنما يطلق ذلك على ما يقع به الشبع (٥). قيل: لا يصح هذا من وجوه: أحدها: أن في حديث ديلم أنه سأله عن القدر الذي يتقوون به على أعمالهم من البرد فلم يرخص لهم، وهذا يدل على أن المراد بالمسكر هو الجنس دون القدر، وكذلك في حديث أبي موسى ومعاذ لما سأله عن المزر والبتع فلم يرخص في شيء منه وكان سؤالهم عن الجنس (٦).

стр. 90

الثاني: أن الشراب جميعه موصوف بالمسكر، وإن كان الإسكار يظهر في قدر مخصوص منه كما يقولون: الخبز مشبع، والماء مروي، والماء طهور، ونحو ذلك (١). الثالث: أن كل قدر منه مسكر وإن اختلف ظهور الإسكار منه لاختلاف شاربه، فيسكر الصغير ما لا يسكر الكبير، ويسكر العصفور الصغير اليسير الذي لا يسكر غيره، فما من جزء منه إلا وهو مسكر، فإذا كان كذلك وجب تحريم جميعه (٢). وقد ذكر ابن قتيبة هذا السؤال في كتاب الشراب وأجاب عنه: بأن القدح الأخير إنما أسكر بالأول، وكذلك اللقمة الأخيرة أشبعت بالأولى، والجرعة الأخيرة إنما أروت بالأولى، وحكى عن كسرى (٣) أنه قال: امتحنوا الرجل إذا مج من عقله مجة أو مجتين يريد إذا شرب كأسا أو كأسين، فأخبر أنه شرب واحدا مج من عقله (٤). الرابع: أن القدر الذي يسكر لا يجيزه مخالفنا، ولا يرى أن هذا يسكر (٥). الخامس: أن في حديث عائشة ما يسقط هذا، وهو قوله: "ما أسكر كثيره فقليله حرام (٦)، وما أسكر الفرق [فملء] (٧) الكف منه حرام (٨) "، و "الحسوة منه حرام" (٩)، و "الأوقية منه حرام" (١٠) وهذا صريح في بطلان السؤال؛ لأنه أخبر أن ما كان كثيره مسكرا، فاليسير الذي لا يسكر منه حرام (١١).

стр. 91

فإن قيل: قوله "ما أسكر كثيره فقليله حرام" يقتضي أن يكون المحرم هو القليل وعندكم أن قليله وكثيره حرام، وهذا خلاف ما يقتضيه الخبر (١). قيل: إذا حرم اليسير الذي ليس بمسكر كان تحريم الكثير المسكر أولى من طريق التنبيه، وعلى أن الخبر اقتضى أن السكر يقع بالكثير؛ لأنه نسب السكر إليه، وعند مخالفنا أن المسكر إنما هو القليل الذي يقع السكر عقيبه، وهو الجزء الأخير الذي يقع السكر عقيبه (٢). فإن قيل: لا يقع السكر عقيب القليل إلا بشرب ما تقدم من كثيره، فأبان أن السكر وإن كان جاريا من الجميع، فالمحرم منه هو القليل الذي حصل السكر عنده دون الكثير الذي لم يحصل عقيبه (٣). قيل: ما تقدم القليل ليس بمسكر عند مخالفنا ولا محرم، وإنما المسكر المحرم هو اليسير الذي يعقبه السكر، فلا يصح هذا التأويل، وعلى أن معنى هذا الكلام أن الشراب الذي يسكر كثيره، فالقليل الذي لا يسكر حرام؛ لأنه يسبب السكر إلى الكثير، فيجب أن يكون اليسير غير مسكر (٤). فإن قيل: فإن صح أنه أراد به تحريم الكثير لكان معناه: إذا قصد عند ابتداء شربه إلى بلوغ حد السكر أن جميعه عليه حرام؛ لأنه قصد بالشرب معصية، وأرادها بالشرب كله وهو السكر، وروي هذا التأويل عن أبي يوسف (٥). قيل: النبي ﷺ أطلق التحريم، ولم يعتبر قصده ونيته في ذلك، ولأن النبي ﷺ جعل العلة في تحريمه قصده ونيته وهذا خلاف في تعليل الخبر (٦).

стр. 92

فأما ما رووه عن ابن عباس أنه قال: "القدح العاشر حرام" (١)، وعن ابن مسعود أنه قال: "هي الشربة الأخيرة" (٢)، فغير معروف ولا مذكور في كتاب الأشربة، وإنما رواه الكلبي (٣) عن أبي صالح (٤) عن ابن عباس، والكلبي كذاب عند أصحاب الحديث (٥)، وأبو صالح قد اعترف بأن ما رواه عن ابن عباس لم يسمع منه (٦)، وعلى أن أحمد روى في الأشربة عن عبد الأعلى (٧) عن خالد الحذاء (٨) عن عكرمة عن ابن عباس قال: "نبيذ

стр. 93

الجر حرام" (١). وروى أيضًا عن هاشم عن عبد الله بن المبارك (٢) نا سليمان التيمي (٣) عن قيس بن هبار (٤) قال: قلت لابن عباس: إن لي جريرة (٥) أنتبذ فيها، فإذا غلى وسكن شربته. قال: منذ كم هذا شرابك؟ قلت: [منذ] (٦) كذا وكذا سنة، فقال: " [طال ما] (٧) تروت عروقك

стр. 94

من الخبث" (١)، وروي من الخمر (٢). وروى أيضًا [عن] (٣) محمد بن جعفر (٤) نا شعبة (٥) سمعت أبا الجويرية (٦) قال: سمعت ابن عباس يقول: "كل مسكر حرام" (٧). وروى أيضا عن سفيان نا منصور (٨) عن أبي وائل (٩) قال: اشتكى رجل منا [- ابن العداء - داء] (١٠) في بطنه يقال له: الصفر (١١)، فنعت له السكر، فأرسل إلى ابن مسعود،

стр. 95

فسأله، فقال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (١). وروى أيضًا عن محمد بن فضيل (٢) عن العلاء (٣) عن أبيه (٤) عن ابن مسعود قال: "إن أولادكم ولدوا على الفطرة فلا تسقوهم السكر، فإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (٥). وأما قولهم: إنك لا تقول للقمة من الطعام هذا طعام مشبع، ولا للجرعة من الماء هذا شراب مروي، وإنما يطلق ذلك على ما يقع به الشبع، فثبت بذلك أن قوله: "كل مسكر حرام" (٦). المراد به: ما يقع السكر به، وهو الآخر، وهذا لا يصح؛ لأنا قد بينا أن القدر اليسير مما يقع به السكر للصغير والعصفور، ولأن قوله: "كل مسكر حرام" اسم لجنس ما يسكر وإن لم يقع السكر باليسير منه؛ كما نقول: "خبز مشبع" اسم لجنس ما يشبع وإن لم يقع الاسم على اللقمة (٧).

стр. 96

وأيضًا فإن عندهم أن نقيع التمر والزبيب حرام، وإذا طبخ حل (١)، فنقول: ما حرم إذا كان نيئا كان مطبوخا (٢). يدل على ذلك كل محرم مثل الخمر والخنزير والميتة والدم وغير ذلك، وهذا طريق صحيح من جهة النظر؛ لأن الطبخ لا تأثير له في تحليل المحرم في جميع الأصول، وأيضا فإنه شراب فيه شدة مطربة فوجب أن يكون محرما أصله الخمر (٣). يبين صحة هذا: أن العلة ما ذكرنا من وجود الشدة المطربة أن العصير مباح قبل حدوث الشدة فيه، فإذا حدثت الشدة زال التحريم، فعلم أن العلة هي الشدة المطربة، ولا يلزم عليه الرائب أنه يسكر كثيره ولا يحرم (٤). قال الشاعر (٥): فأما تميم تميم بن مر … فألفاهم القوم روبى نياما (٦) قال أهل اللغة: "روبى" معناه: سكارى من شرب الرائب (٧)، وكذلك القناع يسكر كثيره ولا يحرم؛ لقولنا شراب فيه شدة مطربة، وليس في ذلك شدة مطربة (٨). فإن قيل: لو كانت العلة الشدة المطربة لم يحرم اليسير؛ لأنه لا شدة فيه (٩). قيل: الشدة المطربة - أعني: في كثيرها - هي علة لتحريم جنسها، وهذا لا يمتنع في

стр. 97

علل الشرع إذا دل الدليل على صحته، وقد دل الدليل على ما ذكرنا من الوجه الذي بينا، وهو أن العصير حرم قليله وكثيره بوجود الشدة، فإذا زالت حل قليله وكثيره، ونظير هذا: الرخص أبيحت في السفر للمشقة، والمشقة لا توجد في كل جزء منه (١). فإن قيل: [أليس] (٢) إذا كان هذا علة في الكثير [فيجب] (٣) أن يكون علة في القليل والكثير؟ ألا ترى أن السقمونيا (٤) حرم كثيره؛ لوجود ما فيه من الضرر، ولم يحرم يسيره الذي لا ضرر فيه (٥). قيل: وجود الضرر في [كثير] (٦) السقمونيا يوجب تحريم كثيره، ولا يوجب تحريم يسيره، وليس كذلك ههنا، فإن وجود الشدة المطربة يوجب تحريم يسيره وكثيره، وزوال ذلك يوجب زوال تحريم كثيره ويسيره (٧). وفرق آخر، وهو: أن يسير الخمر يدعو إلى كثيرها، فجعل المحرم لكثيرها محرما ليسيرها، وليس كذلك يسير السقمونيا، فإنه لا يدعو إلى كثرة المضرة المضر به به، فلم يجعل المحرم لكثيره محرمًا ليسيره (٨). فإن قيل: فما تنكر أن يكون تحريم الخمر تابعا لاسم الخمر؛ لأنه إذا كان عصيرا حلوا لا يسمى خمرا، فإذا حدثت الشدة المطربة يكون خمرا، فإذا زالت الشدة المطربة لا يسمى خمرا، فيزول التحريم ويكون التحريم تابعا لاسم الخمر دون العلة (٩).

стр. 98

قيل: لا يجوز أن يكون تحريم الخمر لوجود اسم الخمر بدليل أن العصير المطبوخ إذا حدثت الشدة المطربة فيه فهو حرام، واسم الخمر لا يقع عليه، وكذلك إذا وجدت الشدة المطربة في نقيع التمر والزبيب حرم شربه، واسم الخمر لا يقع عليه، فبان بهذا أن التحريم تابع للعلة التي ذكرنا (١). واحتج: بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] روي عن ابن عباس أنه قال: السكر: المسكر، والرزق الحسن: التمر والزبيب (٢)، فامتن علينا بأن خلق لنا السكر، والامتنان لا يكون إلا بالمباح (٣). والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن السكر هو الطعم. ذكره الزجاج (٤) في المعاني وأنشد: جعلت أعراض الكرام سكرا أي: طعما، ومعناه: جعلت دم الكرام طعما لنفسك (٥). وأنشد غير الزجاج: جعلت [عيب] (٦) الأكرمين سكرا (٧) فإذا كان المراد به ذلك لم يكن فيها حجة (٨).

стр. 99

والثاني: أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية (١). ويدل على صحة ذلك: أنها في النحل، وهذه السورة مكية، والخمر كانت حلالا بمكة، وإنما حرمت بالمدينة (٢). قال الزجاج: شرب قوم من أصحاب النبي ﷺ الخمر، وقدموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (٣)؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية (٤) (٥). واحتج: بما روى أبو مسعود الأنصاري (٦) قال: عطش النبي ﷺ وهو يطوف،

стр. 100

فاستسقى، فأتي بنبيذ من السقاية، فقطب (١)، ودعا بذنوب من زمزم فصب عليه وشرب، فقال له رجل: "أحرام هو يا رسول الله؟ "، قال: "لا" (٢). والجواب: أنه حديث ضعيف رواه يحيى بن يمان (٣) عن سفيان، قال أحمد في رواية أبي داود: وقد سئل عن يحيى بن يمان فقال: [كان] يغلط ثم ذكر حديث سفيان عن منصور عن خالد بن سعد (٤) عن أبي مسعود أن النبي ﷺ استسقى ماء. قيل له: رواه غيره؟ قال: لا، إلا من هو أضعف منه، وجعل يذكر ضعف يحيى بن يمان وخلطه عن سفيان (٥).

стр. 101

وكذلك نقل عبد الله: قال سألت أبي عن حديث أبي مسعود: أتي النبي ﷺ بنبيذ صلب ثم صب عليه ماء فشرب، قال: ما رواه غير يحيى بن يمان ليس كما قال ابن يمان (١). وجواب آخر: وهو أن الحديث إن صح لم يكن فيه حجة من وجهين: أحدهما: أن نبيذ السقاية كان نقيع الزبيب غير مطبوخ، وليس من عادتهم طبخ النبيذ، وهو حرام باتفاقنا جميعا، فلم يصح المتعلق به (٢). والثاني: أنه يحتمل أن يكون تقطيبه كان من حموضته ورائحته لا من مرارته وغليانه، فلذلك قطب وصب عليه الماء (٣). فإن قيل: لا تخلو تلك الحموضة من أن تكون هي الغالبة على طعمه فتكون خلا، فيستحيل حينئذ قول القائل: "أتي بنبيذ"؛ لأن الخل ليس بنبيذ أو يكون قد ابتدأ فيه اليسير من طعم الحموضة، فهذا لا يكون إلا بعد بلوغ نهايته في الشدة والغليان والمرارة؛ لأن المرارة والشدة تنتقل إلى الحموضة، فكيف تصرفت الحال؟ فقد حصل منه شرب النبيذ الشديد (٤). ويدل عليه: قوله في الخبر: "إذا اغتلمت (٥) عليكم هذه الأشربة، فاكسروا متونها بالماء" (٦)، وهذا لا يكون من الحموضة، وإنما يكون من الغليان والشدة (٧). قيل: الخبر محمول على أن الحموضة هي الغالبة على طعمه، وتسميته نبيذا على طريق المجاز، ومعناه: كان نبيذا.

стр. 102

وقوله: "إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة"، يعني بالحموضة، فاسكروا حدة حموضتها بالماء (١). واحتج: بما روى جابر بن زيد (٢) عن مسروق (٣) عن عبد الله (٤) عن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن الأوعية، وإن الأوعية لا تحرم شيئا، فاشربوا ولا تسكروا" (٥). وفي لفظ آخر "اشربوا في الظروف ولا تسكروا" (٦)، فنص على إباحة شرب الجميع

стр. 103

إلا ما يوجب السكر منه (١). والجواب: أن هذا حديث ضعيف. قال يوسف بن موسى (٢) وأبو حامد بن حسان (٣) سئل أبو عبد الله عن حديث أبي بردة بن نيار (٤): "اشربوا في الظروف ولا تسكروا"، قال: "هذا باطل ليس بشيء" (٥) وكذلك نقل مهنا (٦) قال: قلت لأحمد: حدثني أبو بكر (٧) قال (٨) عن سماك بن

стр. 104

حرب (١) عن القاسم بن عبد الرحمن (٢) عن أبيه (٣) عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله ﷺ : "اشربوا في الظروف كلها، ولا تسكروا"، فقال أحمد: "ليس بصحيح" (٤). وكذلك نقل أبو داود (٥) قال: سمعت أبا عبد الله يقول: روى أبو الأحوص عن سماك عن القاسم عن [ابن بريدة (٦) عن أبيه (٧)] (٨) عن النبي ﷺ : "نهيتكم عن ثلاث عن نبيذ الأوعية، وزيارة القبور، وعن لحوم الأضاحي بعد ثلاث" (٩)، فقال: "يخطئ فيه"،

стр. 105

يعني: أبا الأحوص. قال أبو داود (١): حديث سماك فهو خلاف لفظ أصحابه، روي محارب بن دثار (٢)، ومعرف بن واصل (٣)، وعلقمة بن مرثد (٤)، وأبو حباب كلهم قالوا: "لا تشربوا مسكرا"، فقد نص أحمد على تضعيف الحديث، وبين أبو داود أن الصحيح من ذلك: اشربوا ولا تشربوا مسكرًا" (٥)، فيكون الخبر حجة على المخالف؛ لأنه نهى عن شرب المسكر (٦). وروى أيضًا أبو بكر الخلال (٧) في كتاب "العلل": أخبرنا عبد الله بن محمد بن

стр. 106

عبد العزيز (١) قال: نا أحمد قال: نا يزيد (٢) قال: أنا حماد بن زيد (٣) قال: نا فرقدالسبخي (٤) قال: نا جابر بن زيد (٥) أنه سمع مسروقا يحدث عن عبد الله عن النبي ﷺ : "إني كنت

стр. 107

نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم أن تحبسوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث فاحبسوا، ونهيتكم عن الظروف فانتبذوا فيها، واجتبنوا كل مسكر" (١). وجواب آخر: وهو أنه لو كان الخبر صحيحا فلا حجة فيه؛ لأن قوله "اشربوا في الظروف كلها" يقتضى إباحة الشرب في الظروف التي كان قد نهى عنها ولم يرد به إباحة المسكر (٢). وقوله: "ولا تسكروا "يعني: ولا تشربوا مسكرا، [وكأن] (٣) علة النهي عن الشرب في هذه الظروف أنه إذا انتبذ فيها أسرع الفساد إليها والاشتداد، فربما يظن أن الشراب لم يشتد ويكون قد اشتد، وفي هذا المعنى نهيه عن شراب الخليطين، وهو الشراب الذي يتخذ من البسر والتمر؛ لأنه يسرع الفساد والاشتداد إلى ذلك أكثر من غيره (٤). والذي يبين صحة هذا، وأن الإباحة رجعت إلى الظروف ما روى أحمد بإسناده عن علي: "أن النبي ﷺ نهى عن الدباء (٥) والمزفت (٦) " (٧). وروى أبو بكر الخلال بإسناده عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ نهى عن الشراب في الدباء، والحنتم (٨)،

стр. 108

والمقير (١)، والجر (٢) " (٣). وروى أحمد في الأشربة: أن وفد عبد القيس قدموا على النبي ﷺ ، فقال: "لا تنتبذوا في الدباء، والحنتم، والنقير (٤)، والمزفت، وانتبذوا في السقاء والأدم (٥)، فإنها توكأ وتعلق" (٦) فعلم أن الإباحة انصرفت إلى ذلك (٧). فإن قيل: فعندكم أن الأوعية منهي عنها أيضا، فلا معنى لحمل الإباحة على ذلك، وقد قال أحمد في رواية محمد بن موسى (٨) قال: سألت أحمد قلت: أباح النبي ﷺ الأوعية بعدما نهى عنها فقال: يروى فيه أحاديث إلا أن الحديث في نهيه عن الأوعية أكثر، فقلت: تكره الأوعية؟ قال: نعم (٩).

стр. 109

قيل: المشهور عنه إباحتها بعد أن كانت [منهيا] (١) عنها، قال في رواية حنبل قد أذن النبي ﷺ أن ينتبذ في الظروف بعد ما كان نهى، ولا بأس أن ينتبذ الرجل في الأوعية كلها إذا لم يكن مسكرا، والسقاء أحب إلي؛ لأنه لا اختلاف فيه ولم يجئ فيه نهي (٢). واحتج: بما روي عن أبي موسى قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا ومعاذا إلى اليمن فقلنا: يا رسول الله إن بها شرابين يصنعان من البر والشعير: أحدهما، يقال له المزر، والآخر: البتع، فما نشرب؟، فقال: "اشربوا ولا تسكروا" (٣). فنص على إباحة ما دون السكر وكانت بعثتهما إلى اليمن في آخر أيامه لأنه توفي ﷺ ومعاذ باليمن، فدل على تأخر الإباحة عن الحظر (٤). والجواب: أن هذا الحديث غير معروف، والمعروف من ذلك ما رواه أحمد، وقد ذكرناه فيما تقدم، و أن النبي ﷺ قال له: "أيسكر؟ " قال: نعم، قال: "انههم، فمن لم ينته فاقتله" (٥)، وقد قال أحمد رواية أبي جعفر أحمد بن عبد السلام (٦): "ليس في الرخصة في المسكر حديث صحيح" (٧)، ولو صح حمل على أنه أراد به اشربوا ولا تشربوا مسكرا؛ لأن السكر من فعل الله فلا يتناوله التحريم، وإنما يتناوله أفعالنا في شرب المسكر (٨).

стр. 110

واحتج: بما روى أبو سعيد الخدري (١) عن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب" (٢)، فعلق تحريم الخمر بعينها قبل حدوث السكر فيها، وعلق تحريم ما عداها بما يحدث عند السكر عنه (٣)، وروي عن ابن عباس: "حرمت الخمرة بعينها، والسكر من كل شراب" (٤) (٥). والجواب: أن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وإنما هو موقوف على ابن عباس، وليس بمتصل أيضا عنده؛ لأنه يرويه ابن شبرمة (٦) عن عبد الله بن شداد (٧) عن ابن عباس، وقد قال أحمد في رواية عبد الله: "ابن شبرمة لم يسمع من عبد الله بن شداد شيئا (٨)، وإذا ثبت
следующие страницы →