← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30058

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت الهزاني وإدريس

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (1 279 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

لحاجة (١). (والقرب منها أفضل) من البعد عنها (٢). ويكره المتقدم لموضع الصلاة عليها (٣). ويكره جلوس من تبعها قبل وضعها للدفن، إلَّا لمن بعد عنها (٤). (ويكره القيام لها (٥)، ورفع الصوت معها، ولو بالذكر والقرآن) (٦) للنهي عن ذلك (٧). والقراءة والذكر سرًّا، مستحب (٨). ويكره التبسم، والضحك أشد منه، والتحدث في أمر الدنيا (٩). ويكره مسحه بيديه، أو بشيء؛ تبركًا (١٠). وقول القائل: استغفروا له، بدعة (١١)، وحرمه أبو حفص (١٢) (١٣). وتحرم النياحة، واللطم، ورفع الصوت بصراخ، ويحرم أن يتبعها مع ذلك، وهو عاجز عن إزالته (١٤).

стр. 457

(و) اللَّحد هو … (١)، وهو أفضل من الشَّقِّ (٢) (٣)؛ لقوله ﷺ : "اللحد لنا، والشق لغيرنا" رواه أبو داود (٤). (سن أن يعمق القبر) بلا حد (و) أن (يوسع) القبر (بلا حد) لقوله ﷺ : "احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا" (٥). وقال الأكثر: "قامة وسطًا، وبسطة" (٦)، وهي بسطة يده قائمة (ويكفي) في التعميق (ما يمنع السباع والرائحة) (٧) وسن أن ينصب عليه اللَّبِن (٨) - بكسر الباء الموحدة - واحدة لبِنة؛ وهو ما يضرب من الطين للبناء، قبل أن يشوى (٩)، فإذا شوي سمي آجرًا (١٠).

стр. 458

(وكره إدخال القبر خشبًا) إلَّا لضرورة (و) يكره أيضًا إدخال ((١) ما مسته نار) (٢) تفاؤلًا (و) كره أيضًا (وضع فراش تحته، وجعل مخدة تحت رأسه) نصًّا (٣). (وسن) أن يدخل الميت القبر من عند رجليه، إن سهُل، وإلا من حيث سهُل (٤). ويسن أن يسجى القبر لامرأة (٥)؛ وهو أن يبسط ثوب على القبر (٦)؛ لأنَّها عورة، وكذا الخنثي، لا رجل، إلَّا لعذر، من نحو مطر (٧). وسن (قول مـ) ـــــــن يـ (ــدخله القبر) عند وضعه فيه: ("بسم الله، وعلى ملة رسول الله") (٨) ﷺ ؛ لما روي عن ابن عمر (٩). (ويجب أن يستقبل به) أي: بالميت (القبلة (١٠) للحديث (١١) (ويسن) أن يلحد (على جنبه الأيمن) لأنه سُنَّة النائم، ووضع لبِنة، أو حجر، أو شيء مرتفع تحت رأسه، ويلصق خده الأيمن بالأرض، ويسند الميت خلفه بتراب؛ لئلا

стр. 459

ينقلب، وأمامه؛ لئلا يسقط (١). ويستحب الدفن فيما فيه الصالحون (٢). (ويحرم دفن غيره عليه، أو معه) في قبر واحد (إلَّا لضرورة) ككثرة الموتى وقلة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم، فإن شاء سوَّى بين رؤوسهم، وإن شاء جعل رأس أحدهم عند رجل الآخر، ويسن أن يحجز بينهم بتراب (٣). ومتى علم أن الميت بلي وصار رميمًا، جاز نبش القبر، ودفن غيره فيه. فإن وجد عظامًا في القبر، دفنها، وحفر آخر. وإذا صار الميت رميمًا، جاز حرث الأرض، وزرعه (٤)، وإلا، فلا (٥) ويحرم أن يدفن مع الميت حلي، أو ثياب، غير كفنه. كما يحرم إحراق ثياب الميت، وكسر أوانيه، ونحوها (٦). ودفن أبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما مع النبي ﷺ ، إنما اختارا التشرف والتبرك به، وقد جاءت أخبار تدل على دفنهما معه كما وقع ذلك (٧). ذكره المجد، وغيره (٨). (وسن) لكل من حضر الدفن (حثو التراب عليه ثلاث) حثيـ (ــا) (٩) ت، يقول في الأولى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ)، وفي الثانية: (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ)، وفي الثالثة: (وَمِنْهَا

стр. 460

نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) [طه: ٥٥]. ذكره ابن المُنجَّى (١) (٢) (ثم يهال) عليه التراب (٣)؛ لحديث أبي هريرة (٤). (واستحب الأكثر) أي: أكثر الأصحاب (تلقينه) أي: تلقين الميت (بعد الدفن) (٥) فيقوم الملقن عند رأسه بعد تسوية التراب عليه، فيقول: يا فلان بن فلانة، ثلاث مرات، فإن لم يعرف اسم أمه، نسبه إلى حواء، اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا، وأن الجَنَّة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؛ لحديث أبي أمامة الباهلي (٦).

стр. 461

وهل يلقن غير المكلف؟ وجهان (١)، وهو مبني على نزول الملكين إليه. الوجه الأول: قال القاضي، وابن عقيل بعدم السؤال (٢)، وفاقًا للشافعي (٣). وقال أبي (٤) حكيم (٥) بإثبات السؤال (٦). ولكن المرجح من المذهب نزول الملكين، فيكون المرجح التلقين (٧)، وصححه الشيخ تقي الدين (٨)، واحتج بما رواه مالك، وغيره،

стр. 462

عن أبي هريرة مرفوعًا: "أنه ﷺ صلى على طفل لم يعمل خطيئة قط، فقال: اللَّهُمَّ قه عذاب القبر، وفثنة القبر" (١)، قال في "الفروع": "ولا حجة فيه؛ للجزم بنفي التعذيب، فقد يكون أبو هريرة يرى الوقف فيهم". انتهى (٢). وقال أيضًا ابن القيم في كتاب "الروح": "بأنه ليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل قطعًا؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحدًا بلا ذنب عمله، بل المراد الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره، وإن لم يكن عقوبة على عمله" (٣). وقال القائلون بعدم السؤال: إنما يكون السؤال لمن يعقل الرسول والمرسِل، فيسأل: هل آمن بالرسول وأطاعه، أم لا؟ فأما الطفل الذي لا تمييز له بوجه، فـ[ـكيف] (٤) يقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟!، ولو رد إليه عقله في القبر، فإنه لا يسأل عما لم يتمكن من معرفته والعلم به، فلا فائدة في هذا السؤال (٥). قال ابن عبدوس (٦): "يسأل الأطفال عن الإقرار الأول حين الذرية". انتهى (٧)، والكبار يسألون عن معتقدهم في الدنيا، وعن إقرارهم الأول حين الذرية.

стр. 463

فائدة: قال بعضهم: سؤال الأطفال سؤال تكريم، وسؤال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - إن ثبت - سؤال تشريف وتعظيم، كما أن التكاليف في دار الدنيا البعض تكريم، والبعض امتحان ونكال (١). (وسن رش القبر بالماء) ووضع حصى صغار عليه؛ لما روي عنه: "أنه رش على قبر ابنه إبراهيم ماءً، ووضع عليه حصباء" رواه الشافعي (٢). والحصباء: صغار الحصى (٣) (و) سن (رفعه قدر شبر) (٤). (ويكره تزويقه (٥)، وتجصيصه (٦)، وتبخيره، وتقبيله، والطواف به (٧)، والاتكاء إليه، والمبيت) عند القبر (والضحك عنده، والحديث في أمر الدنيا) عنده، (والكتابة عليه، والجلوس) عليه، وتخليقه (٨)، وكتابة الرقاع إليه، ودسها في الأنقاب - أي: شقوق القبر (٩) -، والاستشفاء بالتربة من الأسقام (١٠) (١١)؛ لأن ذلك كله بدعة.

стр. 464

ويحرم التخلي (١) على القبور، وبينها (٢)؛ لحديث عقبة بن عامر: "لأن أطأ على جمرة أو سيف، أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق" رواه الخلال (٣) (٤). (و) يكره (البناء) على القبر (٥)؛ "لنهيه ﷺ أن يجصَّص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه" رواه مسلم، والترمذي، وزاد: "أن يكتب عليه" (٦). تتمة: قال ابن القيم في كتاب "إغاثة اللهفان": "يجب هدم القباب التي على القبور؛ لأنَّها أسست على معصية الرسول". انتهى (٧). وكره الإمام أحمد الخيمة على القبر (٨). [قال الشيخ:] (٩) "وتغطية قبور الأنبياء والصالحين ليس مشروعًا" (١٠)، وقال أيضًا في موضع آخر: "إن هذا منكر إذا فعل بقبور الأنبياء والصالحين، فكيف بغيرهم؟! " (١١) [قلت: وما يفعل بمصر في ليلتي العيدين من نصب الخيام على القبور، وخروج النساء، والمبيت على التيوم (١٢)، فإنه يحرم إن تبعهم محرم، كإيقاد

стр. 465

السرج، والشموع على القبور، أو ظهر منهم محرم؛ كتخليهم على القبور (١)؛ للنهي عن ذلك، كما يأتي (٢)، وذلك من قبيح البدع المبتدعة] (٣). (و) يكره أيضًا (المشي) في المقبرة (بالنعل، إلَّا لـ) ـحاجة؛ كـ (ـخوف) ضرر من (شوك، ونحوه) كنجاسة، وتأذ بحرارة أرض. ويكره الوطء عليه، ولو بلا نعل (٤). قال بعضهم: إلَّا لحاجة (٥). (ويحرم إسراج المقابر) بالسرج، واتخاذ المساجد عليها (٦)؛ للنهي عن ذلك؛ الحديث: "لعن الله زُوَّارات (٧) [القبور] (٨)، والمتخذين عليها المساجد والسرج" رواه أبو داود (٩). (و) يحرم (الدفن بالمساجد) (١٠) لتعيين الواقف الجهة لغير ذلك (و) يحرم

стр. 466

أيضًا الدفن (في ملك الغير) بلا إذنه؛ لعدم الجواز (وينبش) القبر، ويخرج الميت منه؛ لدفنه بمكان مباح (١). (والدفن بالصحراء أفضل) من الدفن بالعمران، سوى النبي ﷺ (٢)، فإنه قبر في بيته، قالت عائشة: "لئلا يتخذ قبره مسجدًا" رواه البخاري (٣)، وروي أيضًا: "تدفن الأنبياء حيث يموتون" (٤). (وإن ماتت الحامل) وفي بطنها من ترجى حياته (حرم شق بطنها) لإخراج الحمل (و) تقدم لـ (إخراج) (٥) الحمل (النساء) القوابل (٦)، وغيرهن، لا الرجال، ولو عدم النساء؛ لما فيه من هتك حرمتها، فيدخلن أيديهن في فرجها، ويخرجن (من ترجى حياته) وهو الذي له ستة أشهر، وكان يتحرك حركة قوية. (فإن تعذر) إخراجه (لم تدفن) الحامل (حتى يموت) الحمل، ولا يوضع عليه ما يموته (٧). (وإن خرج بعضه حيًا، شق) بطنها (لـ) إخراج ا (لباقي) حتى يخرج؛ لتيقن (٨) حياته بعد أن كانت موهومة. فلو مات قبل (٩) خروجه، أخرج، وغسل. وإن تعذر، ترك، وغسل ما خرج، وصلي عليه معها (١٠). [وصلي على مسلمة حامل،

стр. 467

وعلى حملها، بعد مضي زمن تصويره؛ وهو أربعة أشهر (١)، فينويهما بالصلاة، وإلا، صلي عليها دونه] (٢). وإن ماتت ذمية، أو كافرة حامل من مسلم، دفنها مسلم وحدها في مكان غير مقابر المسلمين، وجعل ظهرها إلى غير القبلة، على جنبها الأيسر، وإن لم يمكن دفنها وحدها، فتدفن مع المسلمين (٣). (فصل) (تسن تعزية المسلم) من أهل المصيبة، قبل الدفن، أو بعده، وكذا الصديق، وجار الميت (٤)؛ لما رواه الترمذي، عن عمرو بن حزم (٥)، عن أبيه، عن جده (٦)، عن رسول الله ﷺ قال: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلَّا كساه الله من حُلَلِ الكرامة يوم القيامة" (٧). ويبدأ بالتعزية بخيارهم، والمنظور إليه (٨)، وحتى

стр. 468

من فعل محرمًا (١)، ونهيه له حسن (٢). ويستمر ذلك (إلى) مضي (ثلاثة أيام) بلياليها (٣). وكرهها جماعة بعدها (٤). ويكره تكرارها. ويكره الجلوس لها، والمبيت عند أهل الميت (٥). ويكره [تعزية] الشابة الأجنبية (٦). ومعنى التعزية: التسلية، والحث على الصبر بوعد الأجر، والدعاء للميت المسلم، وللمصاب (٧). ولا يتعين (فـ) ـــــــيما يقوله (٨)، ومنه (يقال له) أي: للمصاب: (أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك) فقط، إن كان الميت كافرًا (و) إن كان مسلمًا قال: و (غفر لميتك) (٩) ويحرم تعزية الكافر (١٠) (ويقول هو" أي: المُعزَّى - بفتح الزاي المعجمة -: (استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك) (١١)، ويسن للمصاب أن يسترجع، فيقول: "إنا لله، وإنا إليه راجعون، اللَّهُمَّ أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها" (١٢)، ويصلي ركعتين. قاله الآجري (١٣).

стр. 469

ويسن للمصاب الصبر الكامل (١)، والصبر معناه: حبس النفس (٢)، وفي الصبر على موت الولد أجر كبير، وقد وردت الأخبار بذلك؛ فمنها ما روي في "الصحيحين" من قوله ﷺ : "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلَّا تحلة القسم" (٣)، يشير ﷺ لقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) [مريم: ٧١]، والصحيح من تفسير هذه الآية، أن المراد به: المرور على الصراط (٤). ومن رواية البخاري: أنه ﵊ قال: "يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلَّا الجَنَّة" (٥). قال صاحب "المنتهى" في "شرحه": "اعلم أن الثواب في المصائب على الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها، فإنها ليـ[ــــسـ]ــت (٦) من كسبه، وإنما يثاب على كسبه، والصبر من كسبه" (٧). والرضى بالقضاء فوق الصبر؛ فإنه يوجب رضى الله . وقد أوضحت أحكام الصبر، وذكر أقسامه، وفائدته، وأدلته وما ورد في ثوابه، في أكثر من كراسة، في باب يخصه، وكذلك أحكام المصيبة في الباب الثالث (٨)، [وكذلك المصيبة، وما يتعلق بها في الباب الثاني]، في كتابي: "حقائق العيون الباصرة" (٩) فراجعه إن أردت وقوفًا.

стр. 470

ويجب من الصبر ما يمنع المصاب عن المحرم (١). ويكره للمصاب تغير حاله، من خلع ردائه، ونحوه (٢). (ولا بأس بالبكاء على الميت) (٣) روي في "الصحيحين" عن النبي ﷺ : "أنه لما رفع إليه ابن بنته (٤) فاضت عيناه، ونفسه تقعقع، كأنها في شنَّة - أي: لها صوت، وحشرجة؛ كصوت ما ألقي في قربة بالية (٥) - قال له سعد (٦): ما هذا يا رسول الله؟! قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" (٧). والحشرجة - بحاء مهملة، وشين معجمة، وراءٍ مهملة، وجيم معجمة -: الغرغرة عند الموت، وتردد النفس (٨). (ويحرم الندب؛ وهو البكاء مع تعداد محاسن الميت) (٩) كقوله: واسيداه، واجبلاه، ونحوه (و) يحرم (١٠) (النياحة (١١)، وهي رفع الصوت بذلك برنة) (١٢)

стр. 471

للنهي عنهما (١) (ويحرم شق الثوب، ولطم الخد، و) ما أشبهه؛ من (الصراخ) وخمش الوجه، وتسويده، (ونتف الشعر، ونشره، وحلقه) (٢) لما ورد من النهي عن ذلك، من حديث "الصحيحين" (٣)، ولما في ذلك من إظهار الجزع، وعدم الرضا بقضاء الله تعالى، والسخط من فعله، وفي شق الجيوب إفساد للمال لغير حاجة. وفي "الفصول": "يحرم النحيب، وتعداد المحاسن" (٤)؛ لأن ذلك يشبه التظلم من الظالم، وهو عدل من الله تعالى. تتمة: جاءت الأخبار الصحيحة أن الميت يعذب بالنياحة، وبالبكاء عليه (٥). فحمله ابن حامد (٦) على من أوصى به، وقال في "التلخيص": "يتأذى بذلك إن لم

стр. 472

يوص بتركه"، واختار صاحب"المحرر" أن مَنْ هو عادة أهله، ولم يوص بتركه عذب؛ لأنه من لم يوص به (١) فقد رضي به (٢). وأنكرت عائشة حمل ذلك على ظاهره، ووافقها ابن عباس (٣)، وقالت: "والله ما حدث رسول الله ﷺ إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" (٤)، وقالت لما بلغها رواية عمر، وابنه في ذلك: "إنكم لتحدثون غير كاذبين، ولا متهمين، ولكن السمع يخطئ" (٥)، وقالت: "حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٦) [االأنعام: ١٦٤ - الإسراء: ١٥ - فاطر: ١٨]. وقد بسطت الكلام، وبينت ما ورد من الأقوال أحسن بيان في كتابي "حقائق العيون الباصرة" (٧)، فراجعه إن أردت إيضاحًا. (وتسن زيارة القبور) من المسلمين (للرجال) نص عليه (٨)، وحكاه النووي

стр. 473

[إجماعًا] (١)؛ لقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها" رواه مسلم (٢). وتكون الزيارة بلا سفر (٣)؛ لحديث: "لا تشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد" (٤). (وتكره) الزيارة (للنساء) للنهي عن ذلك (٥)، ما لم يقع منهن محرم، فتحرم (٦). وتسن زيارة قبر النبي ﷺ ، وصاحبيه رضي الله تعالى عنهما للرجال، والنساء (٧)؛ لعموم الأدلة (٨) (وإن اجتازت) أي: مرت (المرأة بقبر في

стр. 474

طريقها، فسلمت عليه، ودعت له، فحسن) (١). ولا بأس بلمسه باليد (٢)، لا التمسح به (٣)، ولا (٤) يقصده (٥)؛ لأجل الدعاء، معتقدًا أن الدعاء [عنده] (٦) أفضل من الدعاء في غيره، أو النذر له، ونحو ذلك (٧). قال الشيخ: "فليس هذا من دين المسلمين، بل هو مما أحدث من البدع القبيحة، التي هي من شعب الشرك" (٨). (وسن لمن زار القبور، أو مر بها، أن يقول) معرفًا بالألف واللام: ("السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللَّهُمَّ لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم") (٩) للأخبار الواردة بذلك (١٠)، وله أن يقول غير

стр. 475

ذلك مما ورد (١). (وابتداء السلام على الحي، سُنَّة) ومن جماعة، سُنَّة كفاية، والأفضل السلام من جميعهم (٢). ويخير بين تعريفه بالألف واللام، فيقول: "السلام عليكم، أو عليك"، وبين تنكيره من غير ألف ولا لام؛ فيقول: "سلام عليكم، أو عليك" (٣)؛ لورود الأخبار بالأمرين (٤). ورفع الصوت بابتداء السلام سُنَّة (٥). ويسن تكرار السلام على من سلم عليه، ثم لقيه (٦). ولا يترك السلام إذا كان يغلب على ظنِّه أنّ المسلَّم

стр. 476

عليه لا يرد السلام (١)؛ لعموم: "أفشوا السلام" (٢). وإن دخل على (٣) جماعة فيهم علماء، سلم على الكل، ثم سلم على العلماء ثانيًا (٤). ويكره الانحناء في السلام (٥). (ورده) فورًا على المنفرد المسلَّم عليه، فرض عين، وعلى الجماعة (فرض كفاية) (٦) ورفع الصوت قدر الإبلاغ، واجب (٧). وتزاد الواو في رد السلام وجوبًا، قدمه صاحب "الإقناع" في "شرح منظومة الآداب"، وعزاه للشيخ وجيه الدين (٨) في "شرح الهداية" (٩). وقيل: لا يجب، وقدمه في "شرح المنتهى" (١٠). قال في "الآداب": "وهو أشهر، وأصح" (١١). تتمة: يكره أن يسلم على غير زوجة، ومحرم، إلَّا أن تكون عجوزًا (١٢). ويكره السلام في الحمام، وعلى من يأكل، أو يقاتل، وعلى قال القرآن، وذاكر، ومحدث، وخطيب، وواعظ، وعلى من يسمع لهم، وعلى مدرس، ومن يبحث في العلم، وعلى من هو على حاجة (١٣). ويكره رده نصًّا (١٤). وفي "الرعاية الكبرى": "لا يكره"، ذكره في "الآداب" (١٥). ويكره أن يخص بعض طائفة بالسلام (١٦).

стр. 477

والهجر المنهي عنه فيمن هجر أخاه ثلاثة أيام (١)، يزول بالسلام (٢). ويسن السلام عند الانصراف، وعند الدخول إلى أهله. فإن دخل بيتًا خاليًا، قال: "السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين" (٣)؛ للخبر (٤). وإذا دخل بيته، قدَّم رجله اليمني، ثم قال: "اللَّهُمَّ إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا"، ثم يسلم على أهله (٥). ويجزئ في الرد: "وعليكم السلام" (٦). وتسن مصافحة الرجل الرجل، والمرأة المرأة (٧)؛ للخبر (٨). وللرجل مصافحة الزوجه، والمحرم، والعجوز (٩). وإن سلمت شابة على رجل، ردَّه، لا عكسه (١٠). ولا بأس بالمعانقة (١١). قال في "الآداب": "وتباح المعانقة، وتقبيل اليد

стр. 478

والرأس (١)؛ تدينًا، وإكرامًا، واحترامًا، مع أمن الشهوة" (٢). قال: "وقال أبو المعالي في "شرح الهداية": تستحب زيارة القادم، ومعانقته والسلام عليه. قال: وإكرام العلماء، وأشراف القوم بالقيام، سُنَّة مستحبة. قال: ويكره أن يطمع في قيام الناس له". انتهى (٣). ويكره القيام لغير سلطان، وعالم، ووالد. ذكره السامري (٤)، وزاد في "الرعاية الكبرى" ولغير ذي دين، وورع، وكريم قوم، وكبير سن في الإسلام (٥). وقال ابن تميم: "لا يستحب القيام إلَّا للإمام العادل، والوالدين، وأهل العلم، والدين، والورع، والكرم، والنسب" (٦)، وهو معنى كلامه في "المحرر"، و"الفصول" (٧)، وكذا ذكره الشيخ عبد القادر (٨)، وقاسه على المهاداة لهم (٩). ويكره لأهل المعاصي

стр. 479

والفجور (١). والذي يقام له لا ينبغي أن تستكبر (٢) نفسه إليه، ولا تطلبه. والنهي قد وقع على السرور بذلك الحال (٣)، فإذا لم يسر بالقيام إليه، وقاموا إليه، فغير ممنوع منه (٤). فائدة: مما للمسلم على المسلم: أن يستر عورته، ويغفر زلته، ويرحم عبرته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلته، ويرعى ذمته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويشمت عطسته، ويرد ضالته، ويواليه، ولا يعاديه، وينصره على ظالمه، ويكفه عن ظلم غيره، ولا يشتمه، ولا يخذله، ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه. ذكره في "الرعاية" (٥). قال حنبل (٦): "وليس على المسلم نصح الذمي" (٧). ويسن أن يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي، هذا عند ملاقاتهم لبعضهم، وأما إذا مروا بقاعد أو قعود، فالصغير والكبير والقليل والكثير والراكب والماشي يبدأ مطلقًا (٨).

стр. 480

وإن سلم الغائب برسالة، أو كتابة، وجبت الإجابة عند البلاغ، ويستحب أن يسلم على الرسول؛ فيقول: "عليك، وعليه السلام" (١)؛ للخبر (٢). ويجب على من تحمل سلامًا، تبليغه للمسلم عليه إن تحمله، وإلا، فلا (٣). ويستحب لكل من المتلاقيين، أن يحرص على الابتداء بالسلام، فإن بدأ كلّ منهما صاحبه معًا، فعلى كلّ منهما الإجابة (٤). ولا بأس بالمعانقة، ولا بأس بتقبيل الرأس (٥). وإذا تثاءب، كظم ندبًا، فإن غلبه، غطى فمه بيده، أو كمه، أو غيره (٦). وإذا عطس، غطى وجهه بثوب أو يد؛ لئلا يتأذى من عنده ببصاقه، وخفَض صوته؛ للخبر (٧)، وحمد الله تعالى جهرًا، بحيث يسمع جليسه (٨). روى البخاري: "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب" (٩)؛ لأن العطاس يدلُّ على خفة بدن ونشاط، والتثاؤب غالبًا؛ لثقل البدن وامتلائه واسترخائه، فيميل إلى الكسل.

стр. 481

وتشميته فرض كفاية، فيقول له سامعه: "يرحمك الله، أو يرحمكم الله" (١)، ويرد عليه العاطس وجوبًا (٢)، فيقول: "يهديكم الله، ويصلح بالكم" (٣)؛ للخبر (٤)، قال في "شرح المنتهى": ""يغفر الله لنا ولكم"" (٥). ويكره أن يشمت من لم يحمد الله تعالى (٦)؛ لما في الحديث من النهي (٧). وتشميت الذمي فيه أقوال: بالإباحة، والكراهة، والحرمة. قاله صاحب "شرح المنظومة" (٨). ويقال للصغير: "بورك فيك، وجبرك الله" (٩). وحكم المرأة، كما تقدم في السلام (١٠). ويشمت العاطس إلى ثلاث، وفي الرابعة، دعا له بالعافية؛ لأنه مزكوم، ويعتبر الثلاث من عند تشميته (١١).

стр. 482

ويجب الاستئذان على كلّ من يدخل عليه (١). قال في "الرعاية الكبرى": "صفة الاستئذان: "سلام عليكم، أأدخل؟ "" (٢). ففي هذا تقديم السلام على الاستئذان، خلافًا لبعضهم (٣). ويستحب أن يجلس حيث انتهى به المجلس (٤)؛ للأخبار (٥). خاتمة: مذهب السلف وأئمتها: أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأيضًا تتصل بالبدن أحيانًا، فيحصل له معها النعيم أو العذاب. ولأهل السُّنَّة قول آخر: أن النعيم والعذاب يكون للبدن، دون الروح. وأهل الكلام لهم أقوال شاذة، فلا عبرة بها (٦).

стр. 483

وروح الآدمي مخلوقة (١). وقال في "الآداب": "وتجتمع أرواح الموتى، فينزل الأعلى إلى الأدنى، لا العكس" (٢). تنبيه: تستحب القراءة على القبر، وفي المقبرة (٣)؛ لما روى أنس مرفوعًا قال:

стр. 484

"من دخل المقابر، فقرأ فيها (يس) خفف عنهم يومئذ، وكان له بعددهم حسنات" (١). قال السامري: "يستحب أن يقرأ عند رأس القبر بفاتحة البقرة، وعند رجليه بخاتمتها" (٢). وكل قربة فعلها المسلم، وجعل ثوابها أو بعضه لمسلم حي أو ميت، جاز ونفعه ذلك بحصول الثواب له، حتى لرسول الله ﷺ إذا أهدي له. ذكره المجد (٣)، من تطوع، وواجب، ممن (٤) تدخله النيابة؛ كحج، وصوم نذر، أو لا تدخله النيابة؛ كصلاة، وصوم، ودعاء، واستغفار، وصدقة، وعتق، وأضحية، وأداء دين، وقراءة، وغيرها (٥). قال الإمام أحمد: "الميت يصل إليه كلّ شيء من الخير" (٦)؛ للنصوص الواردة فيه (٧)، ولأن المسلمين يجتمعون في كلّ مصر من الأمصار، ويقرؤون،

стр. 485

ويهدون لموتاهم، من غير نكير في ذلك، فكان إجماعًا (١). وقال الأكثر: لا يصل إلى الميت ثواب القراءة، وأن ذلك لفاعله (٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم]، وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، وبقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله" الحديث (٣). والجواب عن الآية الأولى: بأن ذلك في صحف إبراهيم وموسى. وقال عكرمة: "هذا في حقهم خاصة، بخلاف شرعنا" (٤)، بدليل حديث الخثعمية (٥). أو بأنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١]. أو أنَّها مختصة بالكافر، أي: ليس له من الخير إلَّا جزاء سعيه يوفاه في الدنيا، وما له في الآخرة من نصيب. أو أن معناها: ليس للإنسان [إلَّا] (٦) ما سعى عدلًا، وله ما

стр. 486

سعى غيره فضلًا، وأن اللام بمعنى على (١)؛ كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥]. وعن الآية الثانية: بأنها تدل بالمفهوم (٢)، ومنطوق (٣) السُّنَّة بخلافه (٤). وعن الحديث: بأن الكلام في عمل غيره، لا عمله (٥). ولا يضر جهل الفاعل بالثواب (٦)؛ لأن الله تعالى يعلمه. قد أطلت الكلام في هذا المعني، وذكرت أقوال العلماء والمذاهب، وما استدلوا به، في كتابي: "حقائق العيون الباصرة" (٧) في الباب الثالث والعشرين، فإن أردت إحاطة فراجعه. تتمة: يسن أن يفعل لأهل الميت طعام يبعث إليهم ثلاثة أيام (٨)؛ للحديث (٩). ويكره لأهل الميت أن يجعلوا طعامًا ليأكل منه من يجتمع عندهم من الناس (١٠)؛

стр. 487

لأن في اجتماع الناس عند أهل الميت معونة على حصول المكروه، ويكره الأكل منه (١). قال الموفق، وغيره: "إلَّا من حاجة تدعو لذلك، لمن يجيء من أهل القرى البعيدة، ويبيت عندهم" (٢). فإن كان من التركة، وفي الورثة محجور عليه؛ كقاصر، أو مجنون، حرم فعله، والأكل منه، ولزم المتصرف، وكذا لو كان مكلفًا، وفعل بغير إذنه (٣). ويكره الذبح عند القبر، والأكل منه (٤)؛ للخبر (٥). قال الشيخ: "يحرم التضحية عند القبر، ولو نذر، ولا يلزم الوفاء به، فلو شرطه واقف، فالشرط فاسد" (٦). ويكره وضع الطعام والشراب على القبر ليأخذه الناس إن كان من مال غير المحجور عليه بإذنه، وإلا، حرم، ولزم المتصرف فيه (٧). وكذا إخراج الصدقة مع الجنازة؛ التي يسمونها أهل مصر: الكفارة، بدعة مكروهة إن لم يكن من مال المحجور عليه وبإذن المكلف، وإلا، فحرام (٨). (ويعرف الميت زائره يوم الجمعة، قبل طلوع الشمس) قاله الإمام (٩). وفي "الغنية" للشيخ المحقق، صاحب الطريقة والحقيقة (١٠)؛ الشيخ عبد القادر الجيلي

стр. 488

-تغمده الله تعالى برحمته-: "يعرف الميت زائره كل وقت، وهذا الوقت آكد" (١). روى البيهقي، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "إذا مر الرجل بقبر يعرفه، فسلم عليه، رد عليه¬ السلام، وعرفه. وإذا مر بقبر لا يعرفه، فسلم عليه، رد عليه¬ السلام" (٢)، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "آنس ما يكون الميت في قبره إذا زاره من كان يحبه في دار الدنيا" (٣). وقد ذكرت جملة أحاديث واردة في هذا المقام، في الباب الثامن عشر، في كتابي: "حقائق العيون الباصرة" (٤)، وذكرت ما ورد في معرفة الميت من يغسله، ويكفنه، ويصلي عليه، وغير ذلك. * * *

стр. 489

(كتاب الزكاة) هي أحد أركان الإسلام ومبانيه، المشار إليها بقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس" الحديث (١). واشتقاقها من زكا يزكو: إذا نما، أو تطَّهر، يقال: زكا الزرع: إذا نما وزاد (٢)، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٩] أي: طهَّرها عن الأدناس (٣). وتطلق على المدح (٤)، قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]. وعلى الصلاح، يقال: زكَّى القاضي الشهود، إذا بيَّن زيادتهم في الخير (٥). وسمي المال المخرج زكاةً؛ لأنه يزيد في المُخرَج منه، ويقيه الآفات (٦). وأصل التسمية قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] (٧). وقيل: لأنه تطهر (٨) مؤديها من الإثم، وتنمي (٩) أجره (١٠). ويسمى صدقة؛ لأنه دليل لصحة [إيمان] (١١) مُخرِجه، وتصديقه (١٢).

стр. 490

وهي شرعًا: حق واجب، في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص (١). [شرط وجوبها خمسة أشياء]: (أحدها: الإسلام، فلا تجب على الكافر) حال كفره (ولو) كان (مرتدًا) سواء كان الملك باقيًا مع الردة، أو زال (٢). [الثاني: الحرية، فلا تجب على الرقيق] لأنه لا ملك له (ولو) كان (مكاتبًا) أو مدبرًا، أو أم ولد. وزكاة ما بيد الرقيق -لا المكاتب- على سيده [لكن تجب على المبعض، بقدر ملكه] الذي يملكه (٣). [الثالث: ملك النصاب، تقريبًا] لا تحديدًا (في الأثمان) والعروض (وتحديدًا في غيرها) أي: غير الأثمان والعروض، فلا يضر نقص حبتين؛ لأنه لا ينضبط غالبًا (٤). [الرابع: الملك التام، فلا زكاة على السيد في دين الكتابة، ولا في حصة المضارب قبل القسمة] فلا ينعقد عليها الحول قبل القسمة (٥). وتجب الزكاة على المالك، عند قبضه ممن هو جهته، بعد تمام الحول في دين، ولو كان المديون معسرًا، وفي دين مؤجل، وفي دين ناكره المديون، وفي مال مغصوب بيد الغاصب، لكن يرجع رب المال على الغاصب زمن غصبه؛ لنقصه المال بيده (٦). وتجب الزكاة في لقطة؛ فزكاة حول التعريف على ربها، وما بعد حول التعريف على ملتقط؛ لدخوله (٧) في ملكه، فإن أخرج الملتقط ما لزمه من الزكاة بعد حول التعريف، ثم أخذها ربها، رجع بما أخرجه عليه (٨).

стр. 491

وتجب في مسروق، ومدفون منسي في داره، أو غيرها، أو مجهول عند من هو، وفي موروث، ومرهون، وفي مودوع، وفي مال غائب مع عبد، أو وكيل، يجب كل ذلك عند قبضه (١). (الخامس: تمام الحول) ويعفى (ولا يضر لو نقص نصف يوم) فيزكي كل مال إذا تم حوله (٢). فمتى نقص النصاب في بعض الحول؛ انقطع، أو باعه، أو أبدله بغير جنسه؛ كبهيمة الأنعام، لو غير غنمًا ببقر، فينقطع الحول، غير الذهب، والفضة، وعروض التجارة (٣). ومتى باع شيئًا بقصد الفرار من الزكاة، حرم، ولم تسقط (٤). (وتجب) الزكاة (في مال الصغير، والمجنون) (٥). (وهي) أي: الزكاة تجب (في خمسة أشياء:) أحدها: (في سائمة بهيمة الأنعام. و) الثاني: (في الخارج من الأرض) من كل مكيل، كما يأتي بيانه (٦) (و) الثالث: (في العسل. و) الرابع: (في الأثمان) وهي الذهب، والفضة (و) الخامس: (في عروض التجارة) (٧) كما يأتي (٨). (ويمنع وجوبها) أي: وجوب الزكاة (دين ينقص النصاب) أو يستغرقه، لا دين ضمان. وحكم دين الله تعالى؛ من كفارة، وزكاة، وحج، ونحوه، كدين آدمي (٩). (ومن مات وعليه زكاة، أخذت من تركته) لترتبها في ذمته، فيلزم الورثة دفعها (١٠).

стр. 492

(باب زكاة السائمة) من بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر الأهلية والوحشية، والغنم سميت سائمة؛ لرعيها (١)، وبهيمة الأنعام؛ لأنها لا تتكلم (٢). (تجب) أي: الزكاة (فيها) أي: في السائمة؛ للنص: "في كل إبل سائمة" الحديث (٣) (بثلاثة شروط): (أحدها: أن تتخذ) السائمة (للدر، والنسل) زاد بعضهم: (والتسمين (٤)، لا) أن تتخذ (للعمل) (٥) لحديث: "ليس في العوامل (٦) صدقة" (٧). (الثاني: أن تسوم) بهيمة الأنعام (أي) أن (ترعى) الرعي (المباح أكثر

стр. 493

(الحول) أي: السنة (١)، فلا يضر الخلل القليل. فلو اشترى لها ما ترعاه، أو جمع لها ما ترعاه، أو علفها غاصب، أو ربها، ولو حرامًا، فلا زكاة فيها (٢). (الثالث: أن تبلغ) السائمة (نصابًا) (٣). وهي ثلاثة أنواع: النوع الأول: الإبل. والأصل في وجوبها، حديث أبي ذر مرفوعًا: "ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت" (٤). (فأقل نصاب الإبل) فيما يجب من الزكاة (خمس، وفيها) أي: في الخمسة (شاة) إجماعًا (٥)؛ لحديث: "إذا بلغت خمسًا ففيها شاة" رواه البخاري (٦). وتكون الشاة من صفة الإبل؛ من الجودة، والرداءة. فإن كان بالإبل مرض ينقص قيمتها، فتقوَّم، ويؤخذ بقيمة خمسها شاة (٧). ولا يجزئ في الزكاة معيب، ولا من سنه دون ما يجزئ في الأضحية (٨). (ثم في كل خمس) من الإبل (شاة) ففي عشرة من الإبل شاتان، وهكذا (إلى) أن تبلغ (خمسة (٩) وعشرين، فتجب) فيها (بنت مخاض) من الإبل؛ لحديث: "فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض" (١٠)

стр. 494

(وهي) أي: بنت مخاض (ما تم لها سنة) ودخلت في الثانية (١) (وفي ست وثلاثين) بعيرًا (بنت لبون) لحديث: "فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى" (٢)، وهي ما تم (لها سنتان) ودخلت في الثالثة (٣) (وفي ست وأربعين) بعيرًا (حقة) لحديث: "فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين، ففيها حقة طروقة (٤) " (٥)، وهي ما تم (لها ثلاث سنين) ودخلت في الرابعة (٦) (وفي إحدى وستين) بعيرًا (جذعة) لحديث: "فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة" (٧)، وهي ما تم (لها أربع سنين) ودخلت في الخامسة (٨) (وفي ست وسبعين) بعيرًا (بنتا لبون) لحديث: "فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين، ففيها بنتا لبون" (٩) (وفي إحدى وتسعين) بعيرًا (حقَّتان) للحديث (١٠) (وفي مائة وإحدى وعشرين) بعيرًا (ثلاث بنات لبون) لظاهر خبر الصديق رضي الله تعالى عنه (١١)، فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وبالواحد حصلت الزيادة (إلى مائة وثلاثين) بعيرًا (فيستقر) الفريضة (١٢) (في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) ففي المائة والثلاثين، حقة وبنتا لبون؛ لأن في الخمسين حقة، وفي الثمانين بنتا لبون. وفي مائة وأربعين، حقتان

стр. 495

وبنت لبون. وفي مائة وخمسين، ثلاث حقاق، وهكذا (١). فإذا بلغت الإبل مائتين، اتفق الفرضان، فإن شاء أخرج أربع حقاق، وإن شاء أخرج خمس بنات لبون (٢). فصل في النوع الثاني: البقر (وأقل نصاب البقر - أهلية كانت، أو وحشية - ثلاثون، وفيها تبيع) من البقر (وهو ما له سنة) وهو جذع البقر (٣) (وفي أربعين) من البقر (مسنه) ما (لها سنتان) وهي ثنية البقر (٤)، والجاموس نوع منه (٥) (وفي ستين تبيعان) من البقر (ثم في كل ثلاثين، تبيع) من البقر (وفي كل أربعين، سنة) من البقر (٦)؛ لحديث معاذ بن جبل قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيع (٧) أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة" رواه الخمسة (٨). فإذا بلغت البقر مائة وعشرين، اتفق الفرضان، فيخير بين ثلاث مسنات، وأربعة أتبعة (٩)؛ للخبر (١٠).
следующие страницы →