مقدّمة (الطبعة الثانية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور، تأليف محمد بن أحمد بن اياس الحنفى، يبحث فى تاريخ مصر، من بدء التاريخ الى سنة ٩٢٨ هـ (١٥٢٢ م)، كما يتناول أخبار البلاد العربية الأخرى المجاورة، فيذكر أسماء من حكموها، وبعض الحوادث التى وقعت فيها، هذا الى جانب أنباء السفراء والقصّاد الذين أرسلوا من مصر أو جاءوا اليها من البلاد الأجنبية، كالهند وتركيا وأوروبا وشمال أفريقيا والحبشة وغير ذلك من البلاد.
والكتاب له أهمية خاصة فى تاريخ مصر، لا سيما فى الفترة الأخيرة من عصر المماليك الجراكسة، والسنوات الأولى من حكم العثمانيين، فيسرد الأخبار فى حوليات يوما بعد يوما. ويعتبر ابن اياس المؤرخ الوحيد تقريبا، الذى كتب عن هذا الفترة من تاريخ مصر، ويعتمد عليه فيما يذكره من تفاصيل عن الأحوال السياسية، والعسكرية، والادارية، والقانونية، والاقتصادية، والثقافية، والأدبية، والمعمارية، والفنية، وعن المواسم والأعياد والعادات، وغير ذلك من نواحى الحياة الاجتماعية والدينية.
وبتكليف من جمعية المستشرقين الألمانية، حقّقت الاجزاء الخمسة المعروفة من هذا الكتاب، ونشرتها فى ستة مجلدات، ضمن سلسلة «النشرات الإسلامية» التى تصدرها جمعية المستشرقين الألمانية، وعلى نفقتها، فظهرت الطبعة الأولى للمجلدات الثلاثة الأولى، والطبعة الثانية للمجلدات الثلاثة الأخيرة، وهى كالآتى:
• المجلد الأول وهو الجزء الأول - القسم الأول، ويشمل المتن من أول الكتاب الى ١٤ من شعبان سنة ٧٦٤ (٢٩ من مايو سنة ١٣٦٣)، ويقع فى ٥٩٦ + ٥٢ صفحة، القاهرة فى ١٣٩٥ - ١٩٧٥.
стр. 3
• المجلد الثانى وهو الجزء الأول - القسم الثانى، ويشمل المتن من سنة ٧٦٤ الى سنة ٨١٥ هـ (١٣٦٣ - ١٤١٢ م)، ويقع فى ٨٢٨ + ٢٧ صفحة، القاهرة فى ١٣٩٤ - ١٩٧٤.
• المجلد الثالث وهو الجزء الثانى، ويشمل المتن من سنة ٨١٥ الى سنة ٨٧٢ هـ (١٤١٢ - ١٤٦٨ م)، ويقع فى ٤٧٦ ٢٣ صفحة، القاهرة فى ١٣٩٢ - ١٩٧٢.
• المجلد الرابع وهو الجزء الثالث، ويشمل المتن من سنة ٨٧٢ الى سنة ٩٠٦ هـ (١٤٦٨ - ١٥٠١ م)، ويقع فى ٤٧٧ + ٢٠ صفحة، القاهرة فى ١٣٨٣ - ١٩٦٣.
• المجلد الخامس وهو الجزء الرابع، ويشمل المتن من سنة ٩٠٦ الى سنة ٩٢١ هـ (١٥٠١ - ١٥١٥ م)، ويقع فى ٤٩٢ + ٢٤ صفحة، القاهرة فى ١٣٧٩ - ١٩٦٠.
• المجلد السادس وهو الجزء الخامس، ويشمل المتن من سنة ٩٢٢ الى سنة ٩٢٨ هـ (١٥١٦ - ١٥٢٢ م)، ويقع فى ٤٩٤ + ٢٢ صفحة، القاهرة فى ١٣٨٠ - ١٩٦١.
ولما كانت النسخ التى طبعت من هذه المجلدات قد نفدت، وأصبح من العسير الحصول على نسخة من أىّ منها، فقد تفضلت الهيئة المصرية العامة للكتاب وتقدمت لإعادة طبع المجلدات الستة، كما هى، بطريقة التصوير، تقديرا للقيمة العلمية لهذا الكتاب بالنسبة لتاريخ مصر، وقررت الهيئة أن تهدى جمعية المستشرقين الألمانية ثلاثمائة نسخة من كل مجلد يصدر من المجلدات الستة، وكان أن وافقت جمعية المستشرقين الألمانية على قبول هذه الهدية وتسلمها من الهيئة فى القاهرة، للتصرف فيها بمعرفتها.
стр. 4
وقد عنى السيد الأستاذ صلاح عبد الصبور - رحمة الله عليه - بالعمل على تنفيذ قرار الهيئة وإعادة طبع المجلدات الستة لهذا الكتاب.
كما أنه يسعدنى أن أتقدم بالشكر للسيد الأستاذ الدكتور عز الدين اسماعيل رئيس مجلس إدارة الهيئة الذى تفضل واهتم وعمل على سرعة التنفيذ. ولا يفوتنى شكر العاملين بمركز تحقيق التراث بالهيئة على ما بذلوا من جهد فى ذلك.
هذا ويسرنى أن أقرر أننى قد انتهيت من إعداد فهارس وافية للمجلدات الستة، تشمل أربعة أنواع من الفهارس هى:
الاعلام، والبلدان والأماكن، وأسماء الوظائف والحرف وتطورها.
والمصطلحات الفنية. وسوف ينظر قريبا فى أمر طبع هذه الفهارس.
محمد مصطفى
٢٥ من شوال ١٤٠٢
القاهرة فى ١٤ من أغسطس ١٩٨٢
стр. 5
صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام ١٩٧٥ ضمن سلسلة النشرات الإسلامية التى تصدرها جمعية المستشرقين الألمانية وتصدر الطبعة الثانية ضمن مطبوعات مركز تحقيق التراث بالهيئة المصرية العامة للكتاب.
стр. 6
فى ذكر أستاذى الجليل المغفور له الأستاذ الدكتور
باول كاله
ورمزا للوفاء، والشكر، والعرفان بالجميل
أختتم بهذا القسم الأول، من الجزء الأول تحقيق ونشر جميع الأجزاء الخمسة من كتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة (الطبعة الأولى)
بهذه الطبعة الأولى، للقسم الأول، من الجزء الأول، من كتاب «بدائع الزهور فى وقائع الدهور»، تأليف أبى البركات الناصرى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى، أكون قد انتهيت من تحقيق ونشر جميع أجزاء هذا الكتاب، الذى يتألف من خمسة أجزاء، تم نشرها فى ستة مجلدات، وذلك بعد تقسيم الجزء الأول إلى قسمين، وقد ذكرت الأسباب التى دعت إلى هذا التقسيم، فى المقدمة التى كتبتها للقسم الثانى من الجزء الأول.
ويتضمن هذا القسم الأول أخبار مصر، وما ورد عنها فى القرآن الكريم، وفى الأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال العلماء والشعراء فى أخبارها، والتقسيم الجغرافى للبلاد، وغير ذلك من أخبار وقصص متنوعة؛ ثم يبدأ ابن إياس بعد ذلك فى ذكر أخبار الدول والأسرات التى حكمت مصر، من فراعنة وأقباط، والولاة من قبل الخلفاء الراشدين والأمويين، ثم العبّاسيين، والدولة الطولونية، والإخشيدية، والفاطمية، والأيوبية، ودولة المماليك الأولى، إلى أن ينتهى عند نهاية حكم السلطان المنصور محمد بن المظفر حاجى بن الناصر محمد بن قلاون، الذى خلع من السلطنة فى يوم الاثنين ١٤ من شعبان سنة ٧٦٤ (٢٩ من مايو سنة ١٣٦٣).
والمتن فى هذا القسم الأول، نقلته عن مخطوط فاتح رقم ٤١٩٧، بأكمله، وعن الثمانى والأربعين ورقة الأولى، من مخطوط فاتح رقم ٤٢٠٠؛ والمخطوطان كتبهما المؤلف ابن إياس بخطه، كما يذكر ذلك فى صفحة العنوان لكل مخطوط، وأيضا فى خاتمة كل منهما.
стр. 8
وفى صفحة العنوان للمخطوط الأول (فاتح رقم ٤١٩٧)، يكتب ابن إياس:
«الجزؤ الرابع من بدائع الزهور فى وقائع الدهور، تأليف كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى، عامله الله بلطفه الخفى، والمسلمين أجمعين، آمين»؛ كما يكتب فى خاتمة هذا المخطوط: «يتلوه الجزؤ الخامس» (انظر فيما يلى ص ٤٨٩)، وهو ما يكتبه فى صفحة العنوان للمخطوط الثانى (فاتح رقم ٤٢٠٠)، فيقول:
«الجزؤ الخامس من بدائع الزهور فى وقائع الدهور».
والواقع أننا لم نعثر حتى الآن على أىّ من الأجزاء الثلاثة الأولى، من تقسيم ابن إياس لكتابه، ويبدو أنه لم يكتبها على الإطلاق، فإننا لا نستطيع أن نتصور المادة التى كان يفكر فى كتابتها، ليملأ بها صفحات كل هذه الأجزاء الثلاثة؛ وقد ناقشت موضوع هذا التقسيم فى المقدمة التى كتبتها لكتاب «صفحات لم تنشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور»، ص ٢٤ وما بعدها (القاهرة ١٩٥١).
***
ومهما يكن من أمر، فإننا نلاحظ أنّ المؤرّخ ابن إياس كان يحافظ على صحة ما يكتب، ويتوخى الأمانة العلمية فيما ينقله من أخبار وأحداث، عن المؤرّخين الذين سبقوه، كل هذا فى اختصار، وعزوف عن الإطالة والإطناب، ولكن بما يدل على دقة ملاحظته، وشدة استقصائه للحقائق، وتعليقه على الوقائع، مع مقارنتها بما يحدث فى عصره، أو متابعته لما تم فى أمرها فى العصور التالية، فقد كانت له شخصيته الحرة، وما هو معروف به من الروية والتبصر والاتزان فى أحكامه ونقده، مما يزيد من أهمية هذا القسم الأول، وإن كان غير معاصر لمؤلفه.
وعلى سبيل المثال فإنه يقول (ص ٣٤١) تعليقا على ما ذكره من أخبار الملك الظاهر بيبرس: «قلت: وأخبار الملك الظاهر بيبرس كثيرة، فى عدة مجلدات، والغالب فيها موضوع، ليس له حقيقة، والذى أوردناه هنا هى الأخبار الصحيحة، التى ذكرها العلماء من المؤرّخين».
стр. 9
ومثال آخر لما يدل على متابعة ابن إياس للأخبار، وتعليقه عليها، وإضافاته إلى ما كتبه المؤرّخون الذين نقل عنهم، أنه يذكر (ص ٤٦٧) أنّ أحد الأعاجم كتب للأتابكى بكتمر ربعة بالذهب، بقيت فى خانقاته، يذهب إليها الناس للتفرج عليها، حتى نقلها السلطان قانصوه الغورى فى سنة ٩٠٩ إلى مدرسته التى بالشرابشيين.
ولعل ابن إياس قد استهواه جمال ربعة الأتابكى بكتمر، فتابع أخبارها؛ والحق يقال إنّ ابن إياس كان يحب التحف الجميلة والمصاحف المنمقة وللزخرفة بالذهب، فيذكر (ص ٤١٨) أنّ الخطاط شرف الدين بن الوحيد كتب فى سنة ٧٠٥ للأتابكى بيبرس الجاشنكير، ختمة فى سبعة أجزاء، فى ورق قطع البغدادى، بقلم الشعر، وأنّ الأتابكى بيبرس قد أنفق على هذه الختمة ألفا وسبعمائة دينار، حتى كتبت بالذهب، ووضعها فى خانقاته، وكانت من محاسن الزمان.
كما يذكر (ص ٤٥٥) أنه فى سنة ٧٢٣، كتب أحد الأعاجم للسلطان الناصر محمد بن قلاون ربعة محلاة بالذهب، كان مصروفها ألف دينار، وضعها السلطان فى خانقاته.
***
وفى هذا القسم الأول، يذكر ابن إياس أسماء الكثيرين من المؤرّخين الذين نقل عنهم، فيقول فى المقدمة التى كتبها للجزء الرابع (فيما يلى ص ٣): «وقد طالعت على هذا التاريخ كتبا شتى، نحو سبعة وثلاثين تاريخا، حتى استقام لى ما أريد».
وفيما يلى هنا سوف تقرأ أسماء هؤلاء المؤرّخين، الذين نقل عنهم ابن إياس، وأسماء ما كتبوه من مؤلفات.
وكان نظم الشعر فى عصر ابن إياس، من مستلزمات الأدباء والمتأدبين، دليلا على مبلغ ثقافتهم وتأدبهم؛ وكان ابن إياس نفسه ينظم الشعر، وكان يورد أبيات الشعر من نظمه فى كثير من المناسبات.
стр. 10
كما أننا سوف نجد هنا فيما يلى أسماء عدد كبير من فحول الشعراء، يذكر أسماءهم، عند ما ينقل شيئا من نظمهم، أو فى مناسبات أخرى.
***
وإنه ليسرنى، أن أكرر أخلص الشكر للسيد الأستاذ الدكتور ألبرت ديتريش، الذى يصدر سلسلة «النشرات الإسلامية» لجمعية المستشرقين الألمانية، وللقائمين على شئون هذه الجمعية، لاهتمامهم ينشر كتاب «بدائع الزهور فى وقائع الدهور» لابن إياس، وضمّه ضمن ما تنشره الجمعية فى هذه السلسلة من كتب ودراسات عربية وإسلامية.
ويسعدنى، بمناسبة الانتهاء من نشر جميع أجزاء هذا الكتاب، أن أقدم عظيم التقدير للسيد الدكتور بيتر باخمان، مدير المعهد الألمانى للأبحاث الشرقية فى بيروت، لتعاونه الصادق معى فى تيسير نشر وإخراج القسمين الأخيرين من هذا الكتاب؛ كما يسرنى أن أنوّه، شاكرا، بالجهود المخلصة التى بذلها اثنان من أعضاء المعهد الألمانى للأبحاث الشرقية فى بيروت، وهما: السيد الدكتور جريجور شيلر، والسيدة الدكتورة روتراود فيلاندت، وذلك فى الإشراف على إخراج وطباعة المتن الألمانى لهذين القسمين من الكتاب.
محمد مصطفى
القاهرة فى ١٨ من شعبان ١٣٩٥
٢٥ من أغطس ١٩٧٥
стр. 11
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
ربّ يسّر وأعن
الحمد لله الذى فاوت بين العباد، وفضّل بعض خلق على بعض، حتى فى الأمكنة والبلاد، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد، أفصح من نطق بالضاد، وعلى آله وصحبه السادة الأمجاد، وفّقنا الله لما يحبّه ويرضاه، وجعلنا ممن يحمد قصده على دفع قضاه.
وبعد، فهذا جزء من كتابنا المؤلّف فى التاريخ، الموسوم ببدائع الزهور فى وقائع الدهور؛ وقد أوردت فيه فوائد سنيّة، وغرائب مستعذبة مرضيّة، تصلح لمسامرة الجليس، وتكون للمنفرد كالأنيس.
وقد طالعت على هذا التاريخ كتبا شتّى، نحو سبعة وثلاثين تاريخا، حتى استقام لى ما أريد، وجاء بحمد الله كالدّر النضيد، وفيه أقول:
طالع كتابى إن أردت مخبرا … عن مبتدا خبر الدهور بما جرى (٢)
فتراه كالمرآة تنظر فعل ما (٣) … أبدى (٤) الزمان عجائبا بين الورى
وقد توخّيت فيه أخبار مصر، وأوردت ذلك شيئا، فشيئا، على الترتيب، قاصدا فيه الاختصار، فجاء بحمد الله ليس بالطويل المملّ، ولا بالقصير المخلّ؛ وذكرت فيه ما وقع فى القرآن العظيم من الآيات المكرمة، فى أخبار مصر، كناية أو تصريحا،، وما ورد فيها من الأحاديث الشريفة النبوية، فى ذكرها.
وما خصّت به من الفضائل، وما فيها من المحاسن دون غيرها من البلاد، وما اشتملت عليه من عجائب، وغرائب، ووقائع، وغير ذلك؛ ومن نزلها من أولاد آدم، ونوح، ﵉، ومن دخلها من الأنبياء، ﵈.
стр. 12
ومن ملكها من مبتدأ الزمان، من الجبابرة، والعمالقة، واليونان، والفراعنة، والقبط، وغير ذلك؛ ومن وليها فى صدر الإسلام من الصحابة والتابعين، رضوان الله عليهم أجمعين؛ ومن وليها من طائفة الإخشيدية، والفاطميين العبيدية؛ ومن وليها من بنى أيوب، وهم الأكراد؛ ومن وليها من ملوك الترك والجراكة، إلى وقتنا هذا، وهو افتتاح عام إحدى وتسعمائة (١).
ومن كان بها من الحكماء والعلماء والفقهاء والمحدّثين والقرا، ومن كان بها من الصلحاء والزهاد؛ ومن كان بها من الشعراء، وغير ذلك من أعيان الناس.
وقد بيّنت (٢) ذلك فى تراجمهم من مبتدأ خبرهم، وذكر أنابهم، ومدّة حياتهم، إلى حين وفاتهم، على التوالى، حسبما يأتى ذكر ذلك فى مواضعه من الشهور والأعوام، ومن هنا نشرع فى الكلام.
ذكر ما وقع فى القرآن العظيم من الآيات الكريمة الشريفة فى أخبار مصر
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً، فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ وقوله تعالى:
﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ، أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾ وقوله تعالى، حكاية عن يوسف، ﵇: «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين»؛ وقال تعالى، حكاية عن فرعون: «أليس لى ملك مصر، وهذه الأنهار تجرى من تحتى، أفلا تبصرون»؟؛ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ يعنى مصر، وقال تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً، فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ الآية.
قال ابن زولاق: ذكر الله تعالى مصر فى القرآن العظيم فى ثمانية وعشرين موضعا، وقيل بل أكثر من ثلاثين موضعا، كناية أو تصريحا.
стр. 13
وقال تعالى، حكاية عن عيسى بن مريم، ﵉: ﴿وَآوَيْناهُما (١) إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ يعنى مصر، قال ابن أسامة: وليس الربى إلا بمصر، والماء حين يرسب، يكون الربى عليها القرى، ولولا الربى لغرقت القرى.
أخرج ابن عساكر فى «تاريخ دمشق» عن ابن عبّاس، ﵄، أنّ عيسى، ﵇، كان يرى العجائب من المعجزات فى صغره، ففشا ذلك فى اليهود، فنمّت به بنو (٢) إسرائيل، فخافت عليه أمّه من القتل، فأوحى الله تعالى إليها أن تنطلق به إلى أرض مصر.
وقال تعالى، حكاية عن يوسف، ﵇: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ يعنى أرض مصر؛ وقال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ، أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّء ا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾.
وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعنى مصر؛ وقال تعالى:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ يعنى أرض مصر؛ وقال تعالى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ، وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعنى أرض مصر؛ وقال تعالى:
﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ﴾ يعنى أرض مصر.
وقال ابن عبّاس، ﵄: سمّيت مصر بأرض فى عشرة مواضع من القرآن العظيم، وقيل ذكرت فى اثنى عشر موضعا من القرآن.
وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قال الكندى:
لا يعلم بلد فى أقطار الأرض، أثنى الله تعالى عليه فى القرآن العظيم، بالمقام الكريم، غير مصر؛ وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾
قال أبو رهمة: كانت الجنّات بحافتى النيل، من أوله إلى آخره، فى الجانبين جميعا، ما بين أسوان إلى رشيد، لا ينقطع منها شئ عن شئ؛ وكان جميع أراضى مصر تروى يومئذ من سنة عشر ذراعا، أعاليها وأسافلها، لما دبّروه من قناطر وجسور
стр. 14
بالحكمة، لا ينقطع الماء عن الخلجان صيفا ولا شتاء، وكان بها سبعة خلجان، متصلة بعضها ببعض.
وأما المقام الكريم، قال بعض علماء التفسير: المقام الكريم، هو القيوم؛ قيل كان بها ألف منبر من الذهب، برسم الوزراء، يجلسون عليها فى المواكب.
وقال تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ قال بعض علماء التفسير: المراد بالمكان المبارك فيه حول المسجد الأقصى «مصر»، ولكن الآية أعمّ من ذلك؛ وهذا القدر كاف هنا، من الآيات العظيمة، فى أخبار مصر.
وأما ما ورد فيها من الأحاديث الشريفة النبوية
فمن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم، فى صحيحه، عن أبى ذر، قال:
قال رسول الله، ﷺ : «ستفتحون مصر، وهى أرض يسمّى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإنّ لهم ذمّة ورحما، فإذا رأيتم رجلين يقتتلان على لبنة، فاخرج منها»؛ قال: فمرّ أبو ذرّ بربيعة وعبد الرحمن ابنى شرحبيل بن حسن، يتنازعان فى موضع لبنة، فخرج منها.
وأخرج عبد الله بن عبد الحكم، من طريق ابن ذاخر المعافرى، عن عمرو بن العاص (١)، عن عمر بن الخطاب، ﵁، أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: «إنّ الله سيفتح عليكم بعدى مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فإنّ لكم منهم صهرا وذمّة»، وفى رواية: «فإنّ لهم نسبا وصهرا».
قال مروان القصاص: صاهر القبط من الأنبياء ثلاثة، وهم: إبراهيم، ﵇، تسرّر بهاجر، أمّ ولده إسمعيل، وكانت من قرية أمام مدينة الفرما، من قرى مصر؛ ويوسف، ﵇، تزوّح ببنت صاحب عين شمس، وهى من قرى مصر.
стр. 15
ورسول الله، ﷺ ، تسرى بمارية، أمّ ولده إبراهيم، وكانت من قرية أنصنا، من قرى الصعيد، وكان اسمها مارية بنت شمعون، وكانت جميلة الصورة، شديدة بياض اللون، فأحبّها رسول الله، ﷺ ، حبّا شديدا؛ ولما دخل عليها حملت منه بإبراهيم، وعاش ثمانية عشر شهرا، ولما مات قال رسول الله، ﷺ : «لو بقى إبراهيم ما تركت قبطيّا إلا وضعت عنه الجزية»، أخرج هذا الحديث عبد الله بن عبد الحكم، عن راشد بن سعد، وقال: هذا حديث حسن غريب.
وأخرج ابن عبد الحكم، عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر، فاتّخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض»، فقال أبو بكر: «ولم يا رسول الله»؟ قال: «لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة»؛ أورد هذا الحديث ابن زولاق فى فضائل مصر بلفظ: «لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة».
وعن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، يرفعه: إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة لساكنى مصر، يعدّد عليهم: «ألم أسكنكم مصر، أفكنتم تشبعون من خيرها، وتروون من مائها»؟ وهذا من باب تعداد النعم، لا من باب التقريع ولا التوبيخ لهم.
وعن عبد الله بن عمر، ﵁، قال: «قسّمت البركة عشرة أجزاء، ففى مصر تسع، وفى الأرض كلها واحد، ولا تزال فى مصر بركة أضعاف ما فى جميع الأرضين».
وعن أبى موسى الأشعرى، قال: «أهل مصر، الجند الضعيف، ما كادهم أحد إلا كفاهم الله موتته»؛ قال محمد بن ربيع بن عامر الكلاعى: «فأخبرت بذلك معاذ ابن جبل، فأخبرنى أنّ بذلك أخبره رسول الله، ﷺ ».
وروى فى بعض الأخبار، أنّ يوسف، ﵇، لما دخل مصر وأقام بها، قال: «اللهم إنّى غريب فحبّبها إلىّ وإلى كل غريب»؛ فمضت دعوة يوسف، فليس
стр. 16
يدخل مصر غريب إلا أحبّ المقام بها؛ قال بعض الحكماء: «الشرب من ماء النيل، ينسى الغريب وطنه».
وروى عن دانيال، ﵇، أنّه قال لبنى إسرائيل: «اعملوا فإنّ الله تعالى يجازيكم فى الآخرة بمثل مصر»، أراد الجنّة.
وقال القرطبى فى التذكرة، من حديث حذيفة اليمانى، مرفوعا: «يبدو الخراب فى أطراف الأرض حتى تخرب، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب البصرة، وخراب مصر من جفاف النيل، وخراب البصرة من العراق، وخراب العراق من القحط، وخراب مكّة من الحبشة، وخراب المدينة من الجوع، وخراب اليمن من الجراد، وخراب الأيلة من الحصار، وخراب فارس من الصعاليك، وخراب الترك من الديلم، وخراب الديلم من الأرمن، وخراب الأرمن من الخزر، وخراب الخزر من الترك، وخراب الترك من الصواعق، وخراب السند من الهند، وخراب الهند من الصين، وخراب الصين من الرمل، وخراب الحبشة من الرجفة».
وقال ابن عبد الحكم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵁، قال:
«خلقت الدنيا على خمس صور من أعضاء الطير، الرأس والصدر والجناحين والذنب، فالرأس مكّة والمدينة واليمن، والصدر مصر والشام، والجناح الأيمن العراق، والجناح الأيسر السند والهند، والذنب ذات الحمام إلى مغرب الشمس، وشرّ ما فى الطير الذنب».
قال كعب الأحبار، ﵁: «لما خلق الله تعالى الأشياء، قال العقل:
أنا لا حق بالشام، فقالت الفتنة: وأنا معك، وقال الخصب: أنا لا حق بمصر، فقال الذلّ: وأنا معك، وقال الشقاء: أنا لا حق بالبادية، فقالت الصحّة: وأنا معك، وقال الكبر: أنا لا حق بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك».
قال الجاحظ: «خصّت القناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والتخبيش ببغداد، والغىّ بالرىّ، والجفاء بنيسابور، والحسن بهراة، والطرمدة بسمرقند، والمروءة ببلخ، والتجارة بمصر، والبخل بمرو».
стр. 17
قال كعب الأحبار: «لولا رغبتى فى بيت المقدس ما سكنت إلا مصر»، فقيل له: «ولم ذلك»؟ قال: «لأنّها بلد معافاة من الفتن، ومن أرادها بسوء أكبّه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه».
قال أبو بصرة الغفارى: «مصر خزائن الأرض كلها، ولو زرعت كلها لوفيت بخراج الدنيا بأسرها، ولو ضرب بينها وبين سائر بلاد الدنيا بسور، لاستغنى (١) أهلها بما فيها من الغلال وغير ذلك، عن سائر البلاد جميعها».
انتهى ما أوردناه من الآيات الشريفة، والأحاديث النبوية، فى أخبار مصر، ومعولى فى صحّة هذه الأحاديث والأخبار، بما أورده الشيخ جلال الدين الأسيوطى فى كتابه المسمّى بحسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة.
ذكر اشتقاق مصر ومعناها،
وتعدد أسمائها، والمعنى الذى من أجله سميت الأرض بمصر، وما السبب فى ذلك قال المسعودى: سمّيت مصر بمصر بن مركائيل بن دوائيل بن غرباب، وقيل عرناب، بن آدم، ﵇، وهو مصر الأول؛ وقيل بل سمّيت بمصر الثانى، وهو مصرام بن نقراؤش الجبار بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح، ﵇، وكان ذلك بعد الطوفان؛ وهو اسم أعجمى لا ينصرف؛ وقال آخرون: هو اسم عربى مشتقّ.
وأما من ذهب إلى أنّ مصر اسم أعجمى، فإنّه استند إلى ما رواه أهل العلم بالأخبار، من نزول مصريم بن بيصر بهذه الأرض، وقسمّها بين أولاده، فعرفت به.
وقال ابن عبّاس، ﵄: كان لنوح، ﵇، أربعة من الولد، وهم: سام، وحام، ويافث، وأرفخشد، ثم إن نوحا، ﵇، رغب إلى الله تعالى بأن يرزقه الإجابة فى ولده وذرّيته، فصعد إلى جبل عال، ونادى أولاده عند السحر،
стр. 18
وهم نيام، فلم يجبه أحد منهم، إلا ابنه سام، وابنه أرفخشد؛ فلما حضرا بين يديه، وضع يمينه على ابنه سام، وشماله على ابنه أرفخشد، وسأل الله تعالى أن يبارك فى ابنه سام، وأن يجعل من نسله الترك؛ وأن يبارك فى ابنه أرفخشد، وأن يجعل الملك والنبوّة فى أولاده؛ ثم نادى ابنه حام، فلم يجبه، ولا أحد من أولاده، فقال: «اللهم اجعل أولاده أذلّة وعبيدا لأخيه سام».
وكان مصريم بن بيصر بن حام نائما إلى جانب جدّه حام، فلما سمع دعاء نوح على جدّه حام، فقام مسرعا، وجاء إلى نوح، وقال: «يا جدّى، قد أجبتك، وإن لم يجبك جدّى، فاجعل لى دعوة من دعوتك»؛ فوضع نوح يده على رأس مصريم، وقال:
اللهم إنّه قد أجاب دعوتى، فبارك فيه وفى ذريّته، وأسكنه الأرض المباركة (١) التى هى أمّ البلاد، وغوث العباد، التى نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل منها أفضل البركة، وسخّر له ولولده؛ ثم دعا ولده يافث، فلم يجبه، ولا أحد من ولده، فدعا عليه، وقال: «اللهم اجعل نسله شرار الخلق»، فكان من نسله يأجوج ومأجوج.
قال ابن عبد الحكم: أول من سكن مصر بعد الطوفان، مصريم بن بيصر بن حام ابن نوح، ﵇، وبه سمّيت مصر، ومصريم هذا هو أبو القبط؛ وكان اسم مصر قبل الطوفان: جزلة، فلما جاء الطوفان ومحى رسمها، وعمرت بعد الطوفان، فسمّيت: درسان، أى باب الجنّة، لحسن ما كانت عليه من كثرة (٢) الثمار والفواكه، وخصب الأرض، وكثرة الزرع، وإفلاحه بأراضى مصر.
قال على بن محمد الحكيم الترمذى، وليس بأبى عيسى الترمذى، صاحب الجامع الصحيح: ذكر فى كتاب نوادر الأصول، عن ابن عبّاس، ﵄، أنّه قال: لما غرست الأشجار بمصر فى أيام مصريم بن بيصر بن حام بن نوح، ﵇، فكانت ثمارها عظيمة جدّا، بحيث أنّ الأترجة، تشقّ نصفين، ويحمل كل نصف منهما على بعير؛ وكانت القثاء، فى طول أربعة عشر شبرا؛ وكان طول الطرف القرع،
стр. 19
ثلاثين شبرا؛ وكان طول البلحة الواحدة، شبرا؛ وكان العرجون الموز، يحمل ثلثماية موزة، وكل موزة منها رطلا؛ وكان العنقود العنب، إذا قطف من كرمه، يحمل على بعير من عظمه؛ وكانت الكمثرى، زنة (١) كل واحدة سبعمائة درهم؛ وكانت الرمّانة الواحدة، إذا قشرت، يقعد فى قشرها ثلاثة أنفار؛ وكانت البطيخة الواحدة، زنتها ثمانون رطلا؛ وكانت الحبّة القمح، قدر كلية البقرة؛ وكانت الوردة الواحدة، تحمل ألف ورقة؛ وعلى هذا فقس بقيّة الأصناف من الفواكه، والحبوب، وغير ذلك؛ وكان هذا بدعوة آدم، ﵇، حيث دعا لها بالبركة، وكذلك نوح، ﵇، دعا لها بالبركة.
قال ابن عبّاس، ﵄: لا زالت الناس ينقصون فى الأرزاق والآجال فى كل عام، إلى وقتنا هذا، من حين مبتدأ الزمان وإلى الآن.
قلت (٢): ومصداق هذه الأخبار، ما قاله الشيخ حسام الدين بن زنكى الشهرزورى، قال: كان بالواحات الداخلة شجرة نارنج، يقطف منها فى كل سنة نحو أربع عشرة ألف نارنجة، ما سوى ما يتناثر من الريح، وما هو أخضر.
قال الشيخ تقىّ الدين المقريزى، صاحب «الخطط»: فلما سمعت بذلك أنكرته، ولم أصدّقه لغرابته، فقد رآنى سافرت إلى الواحات الداخلة، وشاهدت هذه الشجرة:
فإذا هى قدر جميزة كبيرة، فسألت مستوفى الناحية عما تطرح فى كل سنة، فأحضر لى قوائم تتضمّن لذلك، فتصفّحتها، فإذا فيها: قطف منها فى سنة إحدى وسبعمائة، أربع عشرة ألف نارنجة، صفراء مستوية، سوى ما بقى عليها من الأخضر، وما تناثر من الريح، فتعجبت من ذلك غاية العجب، انتهى ذلك، فهذا بقية ما كان بمصر من العجائب.
стр. 20
ذكر حدود أرض مصر وجهاتها وأقطارها
قال صاحب «مباهج الفكر، ومناهج العبر»: إنّ حدّ إقليم مصر، من ثغر أسوان إلى العريش، مسافة ذلك فى الطول، نحوا من ثلاثين مرحلة؛ وحدّها عرضا، من مدينة برقة، إلى ساحل البحر الرومى إلى إيلة، التى على ساحل بحر القلزم، مسافة ذلك عشرون مرحلة.
قال أبو الصلت أمية الأندلسى: إنّ حدّ إقليم مصر فى الطول، من مدينة برقة، إلى عقبة إيلة، وذلك نحو أربعين مرحلة؛ ومسافة حدّها فى العرض، من مدينة أسوان، من أعمال الصعيد، إلى العريش، عند الشجرتين، والحفائر التى هناك.
وقال ابن حوقل فى كتاب «الأقاليم»: إنّ حدّ إقليم مصر الشمالى، من برقة إلى منتهى الواحات السبع، ويمتدّ إلى بلاد النوبة، من حدّ أسوان إلى منتهى بحر الروم، عند ثغر دمياط، إلى ساحل رشيد، إلى الإسكندرية، آخذا جنوبا إلى ظهر الواحات، إلى حدود النوبة؛ والحدّ الشرقى من بحر القلزم قبالة أسوان، إلى عيذاب، إلى القصير، إلى تيه بنى إسرائيل؛ ثم يعطف شمالا، إلى بحر الروم، من عند الحفائر التى هناك، خلف العريش؛ وينتهى إلى ثغر دمياط، إلى رشيد، والإسكندرية؛ ثم ينعطف إلى برقة من الساحل حيث ابتدأ منه، انتهى ذلك.
قال أبو الصلت أمية الأندلسى: كان إقليم مصر متّصلا بالعمارة على شطّى النيل، كأنها مدينة واحدة، مشتبكة بالأشجار المثمرة، والفواكه اليانعة، والقرى العامرة، حتى كان المسافر يسير من ثغر الإسكندرية، إلى مدينة أسوان، بلا زاد، بل يسير فى ظلّ من الأشجار، وقرى عامرة، لا يحتاج فيها إلى زاد يحمله معه، انتهى ذلك.
стр. 21
ذكر عجائب مصر والتى كانت بها من الطلسمات والبرابى
وغير ذلك قال القضاعى: ذكر الجاحظ أنّ عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة، عشرة منها فى سائر الدنيا، والباقى منها بمصر؛ فالذى فى سائر البلاد، وهى: مسجد دمشق، وقصر غمدان، وكنيسة رومية، وصنم الزيتون، وإيوان كسرى (١) بالمدائن، وبيت الريح بتدمر، والحوزين، والسدّين بالجزيرة، والثلاثة أحجار ببعلبك، وهى بيت الكواكب السبعة، لكل كوكب منها بيت بها، وكنيسة الرها، وقنطرة طنجة.
وأما بقية الأعاجيب، العشرون أعجوبة بمصر، فمن ذلك: الهرمان، وهما بالجيزة، وطولهما أربعمائة ذراع، كأنهما جبلان قائمان فى الهواء؛ قال بعض الحكماء: ليس من شئ إلا وأنا أرحمه من الدهر، إلا الهرمين، فإنّى أرحم الدهر منهما، ومنها صنم الهرمين، الذى يقال له عند العوام: أبو الهول، يقال إنّه طلسم للرمل، لئلا يغلب الرمل على طين برّ الجيزة، وكان طوله نحوا من سبعين ذراعا، ولكن طمّ بالرمال، وكانت الصائبة نحجّ إلى أبى الهول، وتقرّب إليه الديوك البيض، ويبخّرون حوله بالحصى لبان الشرب.
وكان يقابل هذا الصنم، صنم آخر فى برّ مصر، عند قصر الشمع، وكان عظيم الخلقة، متناسب الأعضاء، وهو من الصوان المانع، على هيئة امرأة، وفى حجرها مولود من الصوان أيضا، وكان الناس يسمّونه سرية أبى الهول، ويقال لو وضع على رأس أبى الهول خيط، ومدّ إلى ذلك (٢) الصنم، الذى (٣) يقال له السرية، لكان على رأسهما مستقيما.
ويقال إنّ أبا الهول طلسم للرمل يمنعه عن الطين، وإنّ صنم السرية طلسم الماء يمنعه عن برّ مصر، لئلا يهدم أملاكها، وكان لهما حكمة؛ وقد كسر الصنم الذى (٣) يقال
стр. 22
له السرية، سنة إحدى عشرة وسبعمائة، كسره الملك الناصر محمد بن قلاون، وعمل منه قواعد وأعتاب للجامع الجديد لما بناه.
ومنها يريا سمنود، وهو من جملة الأعاجيب، ذكر عمر الكندى، قال: خزن بعض عمّال الناحية فيه قرطا، فرأيت الجمل إذا دنا من بابه، وهو يحمله، تساقط كل دبيب كان فى القرط، قبل أن يدخل من باب البربا، ولكن خرب عند سنة خمسين وثلثماية.
ومنها بريا أخميم، عجبا من العجائب، بما فيه من الصور والعجائب، وكان به صور الملوك الذين يملكون مصر، وكان ذو النون المصرى يقرأ ما على حيطان هذه البربا من الحكم والعجائب، فأفسد أكثرها، وسدّ بابها،
ومنها بربا دندرة، وهو بربا عجيب، فيه ثمانون كوّة، تدخل الشمس كل يوم من كوّة منها، حتى تنتهى إلى آخرها، ثم تكرّ راجعة إلى موضع بدأت منه.
ومنها حائط العجوز، من العريش إلى أسوان، تحيط بأرض مصر، شرقا وغربا.
ومنها المنار الذى كان بالإسكندرية، وما فيه من العجائب، وما كان بثغر الإسكندرية من الملعب، وعمود السوارى، وبناء المدينة، وما كانت عليه من العجائب من قديم الزمان.
ومنها السلسليان، وهما جبلان قائمان على سرطان من نحاس، فى كل ركن من أركانه سرطان، وكان له حكمة.
ومنها عمودا الأعياء، وهما عمودان ملقيان، ووراء كل عمود منهما جبل حصى، كحصنى الجمار، فإذا دنا منهما إنسان، ورمى سبع حصيات، ولا يلتفت خلفه، ويحمل أحدهما ويمضى به خطوات، فلا يحسّ بثقلة أبدا.
ومنها القبّة الخضراء، وهى من أعجب الأشياء، ملبّسة بنحاس أصفر، كأنّه الذهب الإبريز، لا تغيّره الليالى، ولا الأيام، وكانت تضئ فى الليل المظلم، حتى يهتدى المسافر إلى الطريق على ضوئها.
стр. 23
ومنها منية عقبة، وما كان بها من العجائب؛ وقصر فارس؛ وكنيسة أسفل الأرض، وهى مدينة على مدينة، ليس على وجه الأرض مدينة بهذه الصفة، حتى قيل إنّها إرم ذات العماد.
ومنها الثلاثة جبال المطلّة على بحر النيل، وهم: جبل الكهف، وجبل الطيلمون، وجبل الساحرة.
ومنها شعب البوقيرات، بناحية الأشمونين، وهو شعب فى جبل فيه صدع، تأتيه البوقيرات فى يوم معلوم من السنة، فتعرض نفسها على ذلك الصدع، فكلما أدخل بوقير منها منقاره فى الصدع، يمضى، فلا تزال تفعل ذلك حتى يستلقى الصدع على بوقير.
منها، فيحبسه، وتمضى عنه البوقيرات إلى حال سبيلها، فلا يزال معلقا بمنقاره فى الصدع، حتى يموت ويتساقط، وهذا من العجائب.
ومنها العمودان اللذان بمدينة عين شمس، المعروفة الآن بالمطرية، وكان طول كل عمود منهما نحو خمسين ذراعا، فإذا دخلت الشمس دقيقة فى برج الجدى، تطلع على قمّة رأس أحدهما، وهو منتهى قصر النهار؛ وإذا دخلت الشمس دقيقة فى برج السرطان، وهو منتهى طول النهار، تطلع على قمّة رأس الآخر؛ وهما اللذان يقال عنهما منتهى الميلين، وخط الاستواء؛ وقد سقط العمود الثانى سنة خمسين وستمائة، وبقى هذا الواحد منهما، ويقال له اليوم «مسلة فرعون».
ومنها مدينة منف، وما كان بها من العجائب والرخام، والدفائن والكنوز، وغير ذلك من آثار الملوك القدماء، من الجبابرة والفراعنة، وأمرها مشهور، وهى أول مدينة عمرت بأرض مصر بعد الطوفان.
ومنها مدينة الفرما، وهى أكثر عجائبا من غيرها، وكان منها طريق سالسكة إلى جزيرة قبرص، ولكن غلب عليها البحر المالح فطمّها؛ وكان بها مقطع الرخام الغرابى، والرخام الأبيض، فغلب عليهما الماء؛ وكان بها النخل الذى (١) يثمر حين ينقطع البسر والرطب من سائر الدنيا، وكان وزن كل بسرة منها نحو عشرين درهما، وطول
стр. 24
كل بسرة شبرا، وهى المدينة التى قال يعقوب، ﵇، لبنيه: لا تدخلوا من باب واحد، وادخلوا من أبواب متفرقّة؛ ولكن خربت فى دولة الفاطميين، عند ما هجم الفرنج على أخذ بيت المقدس، سنة تسع وخمسمائة.
ومنها مدينة الفيوم، التى قد دبرت بالوحى، على يد يوسف، ﵇، وأحكمها على ثلثماية وستين قرية، على عدد أيام السنة، لتغلّ كل قرية منها على أهل مصر يوما، وكان انتهاء العمل منها فى سبعين يوما، فتعجّب الناس من ذلك، وقالوا:
هذا كان يعمل فى ألف يوم، فسمّيت من حينئذ الفيوم؛ وكان بالبرك التى بها سمك يسمى الحيزوم، وهو البلطى، وقد ورد فيه حديث، أنّه يتبع أوراق الجنّة فى أوائل منبع النيل فيرعاها، وكان من محاسن مصر، ولكن انقطع من هناك لما دخل قرن التسعمائة.
ومنها النيل، وهو من أعظم عجائبها، فى نقصانه فى الشتاء، وزيادته فى الصيف، ومنافعه تعمّ سائر البلاد، لما يجلب إليها من الغلال؛ وبه أعجوبة، وهو البرزخ الذى عند ثغر دمياط، لأنّ البحر العذب ينصبّ فى البحر المالح، ولا يختلط أحدهما بالآخر، بل يشاهد كل مهما متميّزا عن الآخر بمسافة طويلة، ثم يغوص بحر النيل فى البحر المالح، ولا يختلط بل يجرى تحته متميّزا عنه، كالزيت مع الماء، وهو قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ، * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ أى لا يغلب الملح على العذب، فيفسد حلاوته، ولا يغلب العذب على الملح، فيفسد مرارته، فسبحان القادر على كل شئ؛ وقد قال الشاعر:
وبأمره البحران يلتقيان … لا يبغى على عذب مرور أجاج
ومنها كان بها الحجر، الذى إذا مسكه الإنسان بكلتى يديه، تقايا كل شئ كان فى بطنه. - وكان بها خرزة، إذا جعلتها للمرأة على حقوها، فلا تحبل أبدا. - وكان بالصعيد حجارة رخوة، إذا كسرت تقد فى الليل كالمصابيح.
ومنها كان فى بحر النيل حوض مدوّر، من رخام أخضر، وعليه كتابة بقلم الطير، يركب فيه الواحد من الناس، والأربعة، ويحرّكونه (١) يعدّى بهم من جانب إلى جانب،
стр. 25
فأخذه أمير مصر كافور الإخشيدى من الماء، وألقاه فى البرّ، فبطل فعله.
ومنها كان بقرية من قرى الصعيد، قرية يقال لها دشقا، سنطة، إذا تهدّدت بالقطع تذبل وتجمع أوراقها، فإذا قيل لها: قد عفونا عنك (١) من القطع، فتتراجع أوراقها كما كانت، وهذا من العجائب التى لم يسمع بمثلها.
ومنها، قال ابن نصر المصرى: كان على باب قصر الشمع، عند الكنيسة المعلّقة، صنم من نحاس أصفر، على خلقة الجمل، وعليه شخص راكب، وله عمامة مثل العرب، وفى رجليه نعلان من جلد، كانت القبط إذا تظالموا، واعتدى بعضهم على بعض، تحاكموا إليه، ويقفون (٢) بين يدى ذلك الصنم،، ويقول المظلوم للظالم: إن أنصفتنى قبل أن يخرج هذا الراكب الجمل، فيأخذ الحقّ لى منك، شئت أم أبيت؛ يعنون بالراكب النبى، ﷺ ؛ فلما فتح عمرو بن العاص مصر، أخفت القبط ذلك الصنم، لئلا يكون حجّة عليهم.
قال القضاعى: ولو بسطت عجائب مصر كلها، لجاء منها عدد كثير لا يحصى، وليس فى بلد شئ عجيب، إلا وفى مصر مثله، أو أعجب منه، انتهى ذلك.
стр. 26
ذكر أعمال الديار المصرية وكورها
قال عبد الله بن عبد الحكم: اعلم أنّ أرض مصر كانت فى الزمن الأول، تشتمل على مائة وخمسين كورة، وثلثماية وخمس وستين قرية، كل قرية تصلح أن تكون مدينة على انفرادها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فخرب منها قبل دخول بخت نصّر إليها، ثمان وستون كورة، فلما عمرت بعد تخريب بخت نصر لها، صارت تشتمل على خمس وثمانين كورة؛ ثم تناقصت حتى جاء الإسلام، وفيها أربعون كورة عامرة؛ ثم استقرّت أرض مصر كلها على قسمين، الوجه القبلى، والوجه البحرى، وقد قسّمت أرض مصر جميعها، قبليها وبحريها، على ستة وعشرين عملا، شرقيها، وغربيها، وقبليها، وبحريها.
قال الكندى: صوّرت للرشيد صورة الدنيا كلها فى درج، فلما تأمّلها فما أعجبه منها غير كورة أسيوط، من أعمال الصعيد، فرأى مساحتها نحو ثلاثين ألف فدان، فى ساحة واحدة، لو قطرت قطرة من السماء، فاضت على جميع جوانبها، فتزرع هذه الساحة فى زمن الربيع، القرط والكتان والقمح والفول وسائر الغلال، فتصير كأنّها بساط من سندس أخضر، ومن الجانب الغربى جبل أبيض على صورة الطيلسان، كأنّه قرون، ويحفّ بها من الجانب الشرقى النيل، كأنّه جدول من فضّة، لا يسمع فيها غير ترنّم الأطيار على الأشجار، وهى أحسن كورة من أعمال الصعيد، انتهى.
ذكر وادى هبيب:
هذا الوادى بالجانب الغربى من أرض مصر، فيما بين مربوط والفيوم، وكان يجلب منه الملح والأطرون، وكان به مائة دير للنصارى؛ قيل لما فتح عمرو بن العاص مصر، خرج إليه من وادى هبيب سبعمائة راهب، يطلبون منه الأمان، فكتب لهم أمانا، وبقى عندهم يتوارثونه إلى الآن؛ وكان يجلب منه الملح الأندرانى، وهو
стр. 27
على هيئة ألواح الرخام؛ ويجلب منه حجر الكحل الأسود، وحجر الزجاج، ثم بطل ذلك.
ذكر مدينة مريوط:
اعلم أنّ هذه المدينة كورة من كور الإسكندرية، وكانت لشدّة بياض حيطانها، لا يدخل الليل إليها إلا بعد مضى عشر درجات (١) من الغروب، وكانت متّصلة بالعمرة إلى أرض برقة.
ذكر صعيد مصر:
قال جعفر بن ثعلب: مسافة إقليم الصعيد مسيرة اثنى عشر يوما، وعرضه مسيرة ثلاثة أيام، بحسب الأماكن العامرة؛ وكان بالصعيد نخلة تحمل كل سنة من الثمر عشرة أرادب، تباع منه كل ويبة بدينار، فجعل عليها بعض ولاة الناحية مكسا، فلم تحمل من بعد ذلك شيئا.
ذكر مدينة البجة:
هذه المدينة بينها وبين قوص ثلاث مراحل، وبها معدن التبر، كان قديما؛ ومن عجائبها أنّ بها معدن الزمرد الذبابى، الذى إذا نظرت إليه الحيات تفقّعت أعينها؛ ومن خواصّه إذا سحق منه وزن ثلاث شعيرات، وسقى منه المسموم، قبل أن يعمل فيه السمّ، برئ من وقته؛ ومن خواصّه أنّ من تختم به دفع عنه الصداع؛ ومن خواصّه أن من حمله لا يقربه عقرب، ولا حيّة، ولا ثعبان؛ ومن خواصّه أنّ من شرب من حكاكته ينفع من الجذام ويوقفه.
قال الجاحظ: ليس فى الدنيا معدن الزمرد إلا بمصر من نواحى الصعيد، ويوجد فى مغائر مظلمة، لا يدخل إليها الإنسان إلا بالمصابيح، ويحفر عليه بالمعاول، فيجده فى وسط حجارة خضر الألوان.
قيل إنّ فى سنة أربع وسبعمائة، ظفر بعض عمّال الناحية بقطعة من الزمرد، زنتها مائة وخمسة وسبعون مثقالا، فأخفى أمرها عن الناس، فجاءوه بعض التجّار، ودفع له
стр. 28
فيها مائة ألف درهم، فأبى أن يبيعها بهذا القدر، فشاع أمرها بين الناس، حتى بلغ الملك الناصر محمد بن قلاون، فبعث أخذها منه غصبا، فمات العامل من قهره بعد ثلاثة أيام.
ذكر مدينة أسوان:
اعلم أنّ أسوان ثغر من ثغور الأقاليم القبلية، تفصل بين النوبة وبين أرض مصر، وعلى خمسة عشر يوما منها يوجد معدن التبر؛ وكان بها أنواع البس، ومنه نوع من الرطب، أشدّ ما يكون من الخضرة، مثل لون السلق، وهو شديد الحلاوة، فكان الرشيد يطلبه من عمّال مصر، حتى يأكل منه، وليس فى الدنيا بسر يثمر قبل أن يصير رطبا إلا بأسوان؛ وبها معدن السنبادج، وحجر المغناطيس، وحجر القئ إذا مسكه الإنسان تقايا ما فى بطنه.
ذكر صحراء عيذاب:
اعلم أنّ الحجّاج أقاموا نحوا من مائتى سنة، لا يتوجّهون إلى مكّة إلا من صحراء عيذاب، يركبون النيل فى المراكب إلى قوص، ثم يركبون الإبل من قوص إلى عيذاب، وينزلون فى الجلبات إلى ساحل جدّة، ومن جدّة إلى مكّة؛ ولم تزل مسلكا للحجّاج ذهابا وإيابا، من سنة خمسين وأربعمائة، إلى سنة ستين وستمائة، وذلك عند ما انقطع الحاج من البرّ فى دولة الفاطميّين؛ وقيل كان بعيذاب مغاص اللؤلؤ فى جزائر هناك.
ذكر مدينة أرجنوس:
هذه المدينة من جملة أعمال البهنسا، وبها كنيسة فيها بئر، يقال لها بئر شوش، لها عيد يعمل فى الخامس والعشرين من بشنس، أحد الشهور القبطية، فيفور منها الماء عند مضى ست ساعات من النهار، حتى يطفو إلى فمها، ثم يعود إلى ما كان عليه، ويستدلّون النصارى بذلك على زيادة النيل فى كل سنة، بقدر ما يعلو (١) من الماء فى البئر.
стр. 29
ومن عجائب مصر ما ذكره ابن عبد الحكم، قال: إنّ فى بعض نواحى البهنسا، من أعمال الصعيد، ضيعة تسمّى منيل أبو شعرة، وبها بئر تسمّى بئر عيسى، ولتلك البئر سلالم بدرج، فإذا كان ليلة الخامس والعشرين من بشنص، فيها يطفّ ماء تلك البئر فى الليل، فمهما غطّى (١) من الدرج، فيكون [حال زيادة] (٢) النيل فى تلك السنة، ويعلم منه مقدار الزيادة، وهذا السرّ باق فى هذه البئر إلى يومنا هذا، لم يخرم قط، ولم يخلّ، انتهى ذلك؛ وقيل إنّ عيسى، ﵇، اغتسل من هذه البئر فى مثل تلك الليلة، فصار هذا السرّ باق فيها إلى الآن، انتهى.
ذكر أبويط:
هذه المدينة من أعمال البهنساوية، وكان بها منارة محكمة البناء، إذا هزّها الرجل تحرّكت يمينا وشمالا، ويرى ميلها رؤية ظاهرة.
ذكر أهناس:
هذه المدينة دخلت إليها مريم أمّ عيسى، ﵇، وبها النخلة التى كانت ننضح لهما الزيت، حتى يتقوّتون به.
ذكر مدينة أنصنا:
اعلم أنّ هذه المدينة من أجلّ مدائن الصعيد، وكان بها عدّة أعاجيب، منها المقياس الذى بنته دلّوكة الساحرة، وكان بهذا المقياس ثلثماية وستون عمودا من الصوّان الأحمر، ومسافة كل عمودين مقدار خطوة إنسان؛ وكان ماء النيل يدخل إلى هذا المقياس من فوهة، عند الزيادة.
فإذا بلغ ماء النيل الحدّ الذى كان إذ ذاك، يحصل منه رىّ أرض مصر كلها، جلس الملك عند ذلك فى مشرف له على ذلك المقياس، وتصعد جماعة من خواصّه إلى رءوس تلك الأعمدة، فيتعادون عليها ما بين ذاهب وآت، ويتساقطون من الأعمدة إلى الماء، وهو ممتلئ فى الفسقية الكبيرة، ويكون ذلك اليوم عندهم عيدا
стр. 30
بوفاء النيل، ويقال إنّ سحرة فرعون الذين (١) آمنوا فى ساعة واحدة، كانوا من أنصفا.
ذكر القيس:
قال ابن عبد الحكم: لما بعث عمرو بن العاص، ﵁، قيس بن الحارث إلى الصعيد، نزل بهذه القرية، فسمّيت به، وكان يعمل بها الأكسية العسلية، من صوف المعز، تغلى فى الشتاء عن لبس الفراء
ذكر مدينة البهنسا:
هذه المدينة من أجلّ مدائن القبط، قيل إن مريم وابنها عيسى، ﵉، أقاما بها سبع سنين، وقيل هى الربوة التى آوى إليها المسيح، ودعوته لأهل البهنسا مشهورة؛ وكان بها العجائب من الطلسمات، والصور، وأشياء غريبة.
ونقل ابن وصيف شاه، أن كان ببعض ضياع البهنسا نخلة بلح، تطرح مائة وواحد وعشرين (٢) عرجونا، بلح فاخر، فى كل سنة، فيتحصّل منها اثنى عشر أردب بلح فى كل سنة.
ذكر مدينة الأشمونين:
هذه المدينة بناها أشمون بن مصريم بن يبصر بن حام بن نوح، ﵇؛ وقيل إنّه بنى (٣) من الأشمونين إلى أنصنا، سرب تحت النيل، وكان مبلّطا بالرخام، ومعقودا بالزجاج الملوّن، قيل عمله لبناته إذا زرن هيكل الشمس، الذى كان بأنصنا؛ وكان ينزل بالأشمونين هذه جماعة من بنى أميّة.
ذكر مدينة إخميم:
قال ابن وصيف شاه: هذه المدينة كانت من أجلّ مدن الصعيد، وكان بها البرابى العجيبة، وما كان فيها من الحكم؛ قيل إنّ رجلا دخل إلى بعض البرابى التى بها، فرأى صورة عقرب على الحائط، فألصق عليه شمعا ومضى به إلى بيته، فلما أصبح
стр. 31
وجد العقارب التى كانت فى بيته، قد انحاشت (١) كلها عند تلك الصورة، ولم تبرخ عنها حتى قتلها عن آخرها.
وكان بها بربا آخر، فيها صنم قائم، وله إحليل كبير، فمن ذلك إحليله بذلك الإحليل، فإنّه لا يزال إحليله قائما ولو جامع ما شاء، لم يرقد له إحليل، فإذا أراد إبطال ذلك ذلك إحليله فى ظهر ذلك الصنم، فينام عليه إحليله.
قال ابن عقير: رأيت آثار سليمان بن داود، ﵇، وما بنته له الشياطين، فلم أر مثل برابى إخميم، ولا مثل حكمتها، ولا مثل الأبنية التى بها، ولا مثل الصور التى بها.
ذكر الواحات الداخلة:
هذه المدينة بناها قفطريم، وكان بها بركة، إذا مرّ بها الطير سقط فيها، لا يبرح منها حتى يؤخذ باليد؛ وكان لها أربعة أبواب، على كل باب منها صنم من نحاس أصفر، إذا دخل من أحد (٢) أبوابها غريب، ألقى عليه النوم، فينام عند الباب، ولا يبرح حتى يأتيه أحد من أهل المدينة وينفخ فى وجهه، فيقوم، وإنّ لم يفعلوا ذلك، لا يزال قائما عند الباب حتى يموت.
ذكر مدينة قفط:
كانت من أجلّ المدائن، وقد خربت من سنة أربعمائة، وكان بها قباب عالية، إشارة لمن يملك عشرة آلاف دينار، فيجعل على داره قبّة؛ وكان بها معدن الزمرد الذبابى أيضا، يوجد فى مكان يسمّى الخربة، على مسيرة ثمانية أيام منها.
ذكر العبّاسة:
هذه القرية عمرت فى الإسلام، قيل ولد بها العبّاس بن أحمد بن طولون فسمّاها به، ولم تزل متنزها للملوك بمصر، حتى بنى (٣) الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، على
стр. 32
فم الوادى، قرية وسمّاها الظاهرية، وأنشأ بها جامعا بخطبة، وذلك سنة ست وستين وستمائة، فمن حينئذ تلاشى أمر العبّاسة.
قال بعض المؤرّخين: إنّما سمّيت العبّاسة باسم عبّاسة بنت الأمير خمارويه بن أحمد ابن طولون، عند ما توجّهت إلى بغداد، لما تزوّج بها الخليفة المعتضد بالله، ضربت خيامها هناك، فسمّيت بها يعنى بالعبّاسة.
ذكر مدينة المنصورة:
هذه المدينة على بحر أشموم، تجاه طلخا، بناها الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب، سنة عشرين وستمائة، عند استيلاء الفرنج على ثغر دمياط، وبنى (١) بها الأسواق، وبنى (١) بها الحمامات والفنادق، ولما انتصر على الفرنج سمّاها من حينئذ المنصورة؛ وبنى (١) بها قصرا (٢) على البحر، كان يجلس فيه عند توجّهه إلى دمياط.
ذكر قرية دبيق:
هذه القرية من قرى دمياط، وإليها ينسب الثياب الدبيقية، المنسوجة بالذهب، يبلغ الثوب منها مائة دينار (٣)، وكانت الخلفاء يتغالون فيها؛ وكان عمل بها العمائم الشرب الذهبة، وكان طول كل عمامة منها مائة ذراع (٤)، وفيها رقمات بالذهب تبلغ العمامة منها مائة دينار ذهب؛ واستمرّت على ذلك إلى سنة خمس وستين وثلثماية (٥).
ذكر النحريرية:
هذه القرية من أعمال الغربية، أنشأها الأمير سنقر السعدى، نقيب الجيوش المنصورة، وهو صاحب المدرسة السعدية، التى بجوار بيت الأمير يشبك من مهدى، الدوادار الكبير، عمرت هذه القرية فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
стр. 33
ذكر مدينة دمياط:
اعلم أنّ هذه المدينة كورة من كور مصر، قال ابن وصيف شاه: دمياط بلد قديم، بناها دمياط بن أشمون بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح، ﵇، فسمّيت به، وقد فتحت هذه المدينة على يد المقداد بن الأسود، ﵁، بعد فتح مصر سنة اثنتين وعشرين من الهجرة، وكان بها ملك يقال له الهاموك، وهو خال المقوقس، صاحب مصر، وكان للهاموك ولد يسمّى شطا، فرأى النبى ﷺ فى المنام.
فلما أصبح نزل إلى المقداد بن الأسود، وأسلم على يديه، وحسن إسلامه، وصار عونا للمسلمين، وقاتل أهل دمياط، وتنيس، أشدّ القتال، حتى قتل فى المعركة، ودفن بمكانه المعروف به الآن، وهو خارج دمياط، وكان قتلته فى ليلة الجمعة نصف شعبان، سنة اثنتين (١) وعشرين من الهجرة، ولذلك صار له فى كل ليلة نصف شعبان موسم، تجتمع إليه الناس من سائر النواحى، ويقصدون زيارة شطا، رحمة الله عليه، إلى يومنا هذا.
ذكر مدينة تنيس:
قال محمد بن أحمد بن بسام: كانت مدينة تنيس من الإقليم الرابع، بنتها امرأة تسمّى تنيس بنت صابن تدارس، أحد ملوك القبط بمصر، وكانت صحيحة الهواء، قليلة الوباء؛ وكان طول هذه المدينة من الجنوب إلى الشمال ثلاثة آلاف ومائتى ذراع (٢)، وعرضها من الشرق إلى الغرب ثلاثة آلاف وخمسة وثمانون ذراعا؛ وكان عليها سور من الحجر، وعدّة أبوابها تسعة عشر بابا، وكان بها سبعة وستون مسجدا، وسبعون كنيسة، وكان بها ثلاثون حمّاما، ومائة معصرة، وستون طاحونا، وألغان وخمسمائة حانوت (٣) للبضائع، ومن المناسج خمسة آلاف منسج.
стр. 34
وكان يصنع بها ثوب يقال له البدنة، ينسج من الذهب، صناعة محكمة (١)، تباع كل بدنة منها بألف دينار، تحمل من مصر إلى بغداد برسم الخلفاء؛ وكان يعمل بها طرز من الكتان بغير ذهب، يباع كل طراز منها بمائة دينار، وهو بغير ذهب.
ولم تزل على ما ذكرناه إلى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، حتى هجم عليها الفرنج وملكوها، ونهبوا كل ما فيها، وهرب أهلها إلى دمياط، فألقوا فيها الفرنج النار، وأحرقوها، واستمرّت خرابا إلى الآن، ولم يبق منها غير الرسوم.
وكانت من أجلّ مدائن مصر، وأعظمها؛ وكان بها طريقا مسلوكة إلى جزيرة قبرص، تغلب عليها الماء فغرقت، قبل أن تفتح مصر بمائة سنة وكسور، انتهى.
وكان فيما بين تنيس ودمياط، قرية تسمى بورا، يصاد منها السمك الذى يقال له البورى، وإليها ينسب جماعة من الناس يلقّبون (٢) بالبورى، وكان بمصر أمير (٣) يسمّى بورى، خربت هذه القرية سنة عشرة وستمائة.
ذكر رمل الغرابى:
وهو متصل من حدّ العريش إلى أرض العبّاسة، اعلم أنّ هذا الرمل حادث، وسبب ذلك أنّ شداد بن عاد، أحد ملوك العادية، لما قدم إلى مصر نزل فى هذه الأرض، وكانت ذات أشجار مثمرة، وعيون جارية، فأقام بها دهرا طويلا، حتى عتوا قومه وتجبّروا، فسلّط الله تعالى عليهم الريح، فنسفت ديارهم حتى صارت رمالا، فجميع ماتراه من الرمال آثار ديار قوم عاد؛ قال الله تعالى: ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾
ذكر مدينة بلبيس:
وسمّيت فى التوراة أرض حاشان، قيل إنّ يعقوب، ﵇، لما قدم إلى مصر، نزل بها؛ وكانت عامرة فى غاية العمارة، إلى سنة ست وثمانمائة، فتلاشى أمرها من بعد ذلك.
стр. 35
ذكر مدينة الصالحية:
هذه المدينة عمرت فى الإسلام، عمرها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد، سنة أربع وأربعين وستمائة، واستمرّت تتزايد فى العمارة إلى يومنا هذا.
ذكر مدينة إيلة:
اعلم أنّ هذه المدينة كانت بين مصر والينبع، وكانت على شاطئ البحر المالح، وهى أول حدّ الحجاز، وكانت مدينة عامرة محكمة البناء، وكان بها قصر عال هناك، يجلسون فيه القبّاض، عند أخذ المكس من التجّار؛ وكان بينها وبين بيت المقدس ستّ مراحل، وما يتّصل إليها إلا من هناك.
وكانت العقبة صعبة السلوك، إلى أن أصلحها الأمير أحمد بن طولون، وسوّى طريقها التى كانت محجرا، فمن يومئذ سلك طريقها؛ ولم تزل مدينة إيلة عامرة إلى سنة خمس عشرة وأربعمائة، فتلاشى أمرها من بعد ذلك.
ذكر مدينة القلزم:
قال ابن الطوير: إنّ مدينة القلزم كانت ساحلا لمصر من الحجاز، وكانت عامرة محكمة البناء، وكان يؤخذ منه المكوس من التجّار فى المراكب هناك؛ وقيل إنّ فرعون غرق بالقرب من ذلك المكان، فى مكان يقال له «تاران»، وهناك معظم هيجان البحر المالح.
ذكر التيه:
اعلم أنّ التيه على مقدار أربعين فرسخا فى مثلها، والفرسخ اثنى عشر ألف ذراع، والذراع أربعة وعشرون قيراطا، والقيراط ستّ شعيرات بطولهن، والشعيرة ستّ شعرات من ذنب بغل؛ وقيل إنّ بنى إسرائيل تاهوا فيه نحو أربعين سنة، لم يدخلوا مصر؛ وقيل إنّ موسى، ﵇، مات به، ونقل إلى بيت المقدس من هناك.
ذكر الطريق فيما بين مصر ودمشق:
اعلم أنّ هذا الدرب الذى تسلكه العساكر والتجّار من القاهرة إلى غزّة، ليس
стр. 36
هو الدرب الذى كان يسلك فى قديم الزمان، وإنما ظهر هذا الدرب سنة خمسمائة من الهجرة، عند انقراض الدولة الفاطمية.
وكان الدرب أولا من بلبيس إلى مدينة الغرما، من أرض الحوف، ويسلك من الفرما إلى قطيا، ومن قطيا إلى أمّ العرب، وهى بلد خراب على شاطئ البحر المالح؛ فلما أتوا الفرنج من القسطنطينية، صاروا يقطعون الطريق فى هذا الدرب على المسافرين، فصار الدرب مخوف، وقلّ منه السالك.
فلما كانت دولة صلاح الدين يوسف بن أيوب، واستخلص بيت المقدس من أيدى الفرنج، وذلك سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فصار من ذلك الوقت يسلك هذا الدرب الآن من حينئذ.
فلما كانت دولة الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، ورتب خيل البريد، وجعل لها مراكز ما بين مصر إلى دمشق، وذلك سنة تسع وخمسين وستمائة، فتحايا (١) هذا الدرب، وكثر السلوك به، فتلاشى أمر الدرب القديم، وصار العمل على هذا الدرب إلى الآن، انتهى.
стр. 37
ذكر من دخل مصر من الأنبياء ﵈
قال أبو عمر محمد بن يوسف الكندى فى كتاب «فضائل مصر»: دخل مصر من الأنبياء ثلاثين نبيّا، ﵈، منهم إدريس، ويقال له هرمس، وإبراهيم الخليل، وفى بعض الأخبار أنّ إسمعيل بن إبراهيم دخل مصر أيضا، نقل ذلك الشيخ جلال الدين السيوطى؛ ويعقوب ويوسف واثنا عشر من ولد يعقوب، ﵈، وهم الأسباط، ولوط، ﵇؛ وولد بها موسى، وهرون، ويوشع بن نون، ﵈؛ ودخلها دانيال، وأرميا، وعيسى بن مريم، ﵇، وسليمان ابن داود، ﵉، نقل ذلك الشيخ جلال الدين السيوطى، وذكر أنّ أيوب، ﵇، دخل مصر.
قال ابن عساكر فى تاريخه: ويمكن أنّ أيوب دخل مصر، فإنّ رحمة، زوجة أيوب، كانت بنت منشا بن يوسف، ﵇، فيمكن أنه دخل مصر بسببها.
ودخلها شعيب، ﵇، فى زمن فرعون؛ ودخلها لقمان الحكيم وفى نبوّته خلاف، وقال عكرمة والليث بن سعد إنّه نبى؛ ودخلها من الصدّيقين الخضر، ﵇، قال أبو حيّان فى التفسير إنّ الخضر، ﵇، كان نبيّا، وجزم به الثعلبى.
ودخلها ذو القرنين أيضا، قال ابن عبّاس، ﵄،:
كان ذو القرنين نبيّا، أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره، وقال ابن عبد الحكم إنّ ذا القرنين كان من أهل مصر، واسمه مرزبا، وكانت أمّه رومية من بنات الروم، وكان من ولد يونان بن يافث بن نوح، ﵇، وكان أسود اللون، من قرية من قرى مصر، يقال لها لوبية، من أعمال الغربية.
قال صاحب «مرآة الزمان»: إنّ ذا القرنين مات بأرض بابل، وجعل فى تابوت من خشب، وطلى بالصبر والقار، وحمل من بابل إلى الإسكندرية، ودفن بالغار الذى أنشأه هناك.
стр. 38
قال ابن الجوزى فى كتاب «تنوير الغبش فى فضل السودان والحبش»: إنّ ذا القرنين كان أسود اللون، وإنّه عاش ألف وستمائة سنة، والله أعلم بذلك.
وقيل إنّ شيث بن آدم، ﵇، دخل مصر أيضا؛ ومن أهلها مؤمن آل فرعون، الذى أثنى (١) عليه الله تعالى فى القرآن، ولم يكن من آل فرعون مؤمن غيره؛ ومن أهلها المؤمن الذى أنذر موسى، ﵇.
ومن أهلها جلساء فرعون وفضلية عقولهم، فلما استشارهم فرعون فى أمر موسى، وهرون (٢)، قالوا: «ارجئه وأخاه وابعث فى المدائن حاشرين يأتوك بكل سحّار عليم»؛ وأين هذا من قول أصحاب النمرود، لما استشارهم فى أمر إبراهيم الخليل، فأشاروا بقتله، حيث قالوا: «حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين».
ومن أهلها السحرة الذين (٣) آمنوا بموسى، ﵇، فى ساعة واحدة، مع كثرتهم، قال ابن عبد الحكم: كان عدّتهم، هم وعرفاؤهم، مائتى ألف وأربعين ألفا، وهذا من رقّة (٤) قلوب أهل مصر.
وأما ما كان من أهلها من النساء، زليخا، ومحبّتها ليوسف، ﵇؛ وآسية، امرأة فرعون، التى مدحها الله تعالى فى القرآن العظيم؛ وأمّ موسى، ﵇، وكان اسمها يرحانة؛ ودخل مصر من النساء سارة، زوج إبراهيم، ﵇؛ ومريم أمّ عيسى، ﵇.
ومن أهلها ماشطة بنت فرعون، حين آمنت بموسى، ﵇، فتمشّطها فرعون بأمشاط الحديد، كما يمشّط الكتّان، وهى ثابتة على إيمانها بالله تعالى؛ وابنها الذى شهد ليوسف وهو فى المهد؛ ومن أهلها جريج، صاحب الصومعة.
روى ابن عبّاس، ﵄، قال: قال رسول الله، ﷺ :
стр. 39
«لما كانت ليلة أسرى بى، أتيت على رائحة طيّبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيّبة؟ قال: «هذه رائحة ماشطة بنت فرعون، وأولادها»، انتهى ذلك.
ذكر من كان بمصر من الحكماء فى أول الدهر
قال الكندى: كان بمصر من الحكماء هرمس، وهو إدريس، ﵇، وقد جمع بين النبوّة، والملك، والحكمة؛ وكان بها من الحكماء، أنمايتمون، وفيثاغورس، وهما تلاميذ هرمس، وإليهم يعزى علم الكيمياء والنجوم، وعلم السحر والروحانيات والطلسمات، وأسرار الطبيعة؛ ومنهم أرسلاوس، وبندقليس، أصحاب الكهانة والسحر؛ ومنهم سقراط، صاحب الكلام على الحكمة.
ومنهم أفلاطون، صاحب السياسة، والكلام على المدن والأقاليم وغير ذلك؛ ومما وقع له من النكت اللطيفة، أنّه رأى امرأة مصلوبة على شجرة، فقال: ليت على كل شجرة مثل هذه الثمرة.
ومنهم ارسطاليس، صاحب المنطق؛ ومنهم بطليموس، صاحب الرصد والحساب، وتركيب الأفلاك، وتسطيح الكرة؛ ومنهم أراطس، صاحب صور الفلك.
ومنهم أفلطينوس، صاحب الفلاحة؛ ومنهم أبرجيس، صاحب المعرفة بذات الخلق؛ ومنهم تاول، صاحب الريح؛ ومنهم داماينوس، وواليس، واصطقر، أصحاب كتب أحكام النجوم.
ومنهم أنذر به، صاحب الهندسة، والمقادير، والآلات لقياس الساعات؛ ومنهم قليور، صاحب عمل الدواليب والأرحية؛ ومنهم أرمسيس، صاحب المنجنيقات، التى يرمى بها على الحصون؛ ومنهم قليطر، وصاربه، أصحاب الطلسمات والبرابى.
стр. 40
ومنهم إيلونيوس، صاحب المخروطات؛ ومنهم تابوشيش، صاحب الأكرة؛ ومنهم قيطس، صاحب حساب الأفلاك؛ ومنهم أفطوقس، صاحب كتاب الأسطوانية.
ودخلها، وأقام بها جالينوس، صاحب الطب، وإلينوس، وديسقوريدس، صاحب الحشائش؛ ومنهم روحاش، والأنماى، وأساسيوس، وقرهونوس، وهم (١) من حكماء اليونان؛ وسقراط، وبقراط، وقسّ بن ساعدة، حكيم العرب، الذى ضرب به الشاعر المثل، حيث قال:
ولو أنّ قسّا واصف منك وجنة … لأعجزه نبت بها وهو باقل
وأما حكماء الإسلام:
الريّس أبو على بن سينا، صاحب القانون فى الطب، قيل لما مات كتب على قبره هذه الأبيات:
قد قلت لما قال لى قائل … صار ابن سيناء إلى رمسه
فأين ما يوصف من طبّه … وحدّثه بالماء مع جنسه
هيهات لا يدفع عن غيره … فكيف أن يدفع عن نفسه
ومنهم شرف الدين بن السديد، وفخر الدين الفارسى، والخونجى، وضياء الدين ابن البيطار، صاحب المفردات فى الطبّ، والتبريزى، وضياء الدين القرمى، والغازى.
والشيخ علاء الدين بن نفيس، صاحب الموجز فى الطبّ، وكانت وفاة الريّس علاء الدين بن نفيس فى ذى القعدة، سنة سبع وثمانين وستمائة؛ وغير ذلك من الحكماء فى دولة الإسلام، انتهى ذلك.