← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هو الدرب الذى كان يسلك فى قديم الزمان، وإنما ظهر هذا الدرب سنة خمسمائة من الهجرة، عند انقراض الدولة الفاطمية. وكان الدرب أولا من بلبيس إلى مدينة الغرما، من أرض الحوف، ويسلك من الفرما إلى قطيا، ومن قطيا إلى أمّ العرب، وهى بلد خراب على شاطئ البحر المالح؛ فلما أتوا الفرنج من القسطنطينية، صاروا يقطعون الطريق فى هذا الدرب على المسافرين، فصار الدرب مخوف، وقلّ منه السالك. فلما كانت دولة صلاح الدين يوسف بن أيوب، واستخلص بيت المقدس من أيدى الفرنج، وذلك سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فصار من ذلك الوقت يسلك هذا الدرب الآن من حينئذ. فلما كانت دولة الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، ورتب خيل البريد، وجعل لها مراكز ما بين مصر إلى دمشق، وذلك سنة تسع وخمسين وستمائة، فتحايا (١) هذا الدرب، وكثر السلوك به، فتلاشى أمر الدرب القديم، وصار العمل على هذا الدرب إلى الآن، انتهى.

стр. 37

ذكر من دخل مصر من الأنبياء ﵈ قال أبو عمر محمد بن يوسف الكندى فى كتاب «فضائل مصر»: دخل مصر من الأنبياء ثلاثين نبيّا، ﵈، منهم إدريس، ويقال له هرمس، وإبراهيم الخليل، وفى بعض الأخبار أنّ إسمعيل بن إبراهيم دخل مصر أيضا، نقل ذلك الشيخ جلال الدين السيوطى؛ ويعقوب ويوسف واثنا عشر من ولد يعقوب، ﵈، وهم الأسباط، ولوط، ﵇؛ وولد بها موسى، وهرون، ويوشع بن نون، ﵈؛ ودخلها دانيال، وأرميا، وعيسى بن مريم، ﵇، وسليمان ابن داود، ﵉، نقل ذلك الشيخ جلال الدين السيوطى، وذكر أنّ أيوب، ﵇، دخل مصر. قال ابن عساكر فى تاريخه: ويمكن أنّ أيوب دخل مصر، فإنّ رحمة، زوجة أيوب، كانت بنت منشا بن يوسف، ﵇، فيمكن أنه دخل مصر بسببها. ودخلها شعيب، ﵇، فى زمن فرعون؛ ودخلها لقمان الحكيم وفى نبوّته خلاف، وقال عكرمة والليث بن سعد إنّه نبى؛ ودخلها من الصدّيقين الخضر، ﵇، قال أبو حيّان فى التفسير إنّ الخضر، ﵇، كان نبيّا، وجزم به الثعلبى. ودخلها ذو القرنين أيضا، قال ابن عبّاس، ﵄،: كان ذو القرنين نبيّا، أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره، وقال ابن عبد الحكم إنّ ذا القرنين كان من أهل مصر، واسمه مرزبا، وكانت أمّه رومية من بنات الروم، وكان من ولد يونان بن يافث بن نوح، ﵇، وكان أسود اللون، من قرية من قرى مصر، يقال لها لوبية، من أعمال الغربية. قال صاحب «مرآة الزمان»: إنّ ذا القرنين مات بأرض بابل، وجعل فى تابوت من خشب، وطلى بالصبر والقار، وحمل من بابل إلى الإسكندرية، ودفن بالغار الذى أنشأه هناك.

стр. 38

قال ابن الجوزى فى كتاب «تنوير الغبش فى فضل السودان والحبش»: إنّ ذا القرنين كان أسود اللون، وإنّه عاش ألف وستمائة سنة، والله أعلم بذلك. وقيل إنّ شيث بن آدم، ﵇، دخل مصر أيضا؛ ومن أهلها مؤمن آل فرعون، الذى أثنى (١) عليه الله تعالى فى القرآن، ولم يكن من آل فرعون مؤمن غيره؛ ومن أهلها المؤمن الذى أنذر موسى، ﵇. ومن أهلها جلساء فرعون وفضلية عقولهم، فلما استشارهم فرعون فى أمر موسى، وهرون (٢)، قالوا: «ارجئه وأخاه وابعث فى المدائن حاشرين يأتوك بكل سحّار عليم»؛ وأين هذا من قول أصحاب النمرود، لما استشارهم فى أمر إبراهيم الخليل، فأشاروا بقتله، حيث قالوا: «حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين». ومن أهلها السحرة الذين (٣) آمنوا بموسى، ﵇، فى ساعة واحدة، مع كثرتهم، قال ابن عبد الحكم: كان عدّتهم، هم وعرفاؤهم، مائتى ألف وأربعين ألفا، وهذا من رقّة (٤) قلوب أهل مصر. وأما ما كان من أهلها من النساء، زليخا، ومحبّتها ليوسف، ﵇؛ وآسية، امرأة فرعون، التى مدحها الله تعالى فى القرآن العظيم؛ وأمّ موسى، ﵇، وكان اسمها يرحانة؛ ودخل مصر من النساء سارة، زوج إبراهيم، ﵇؛ ومريم أمّ عيسى، ﵇. ومن أهلها ماشطة بنت فرعون، حين آمنت بموسى، ﵇، فتمشّطها فرعون بأمشاط الحديد، كما يمشّط الكتّان، وهى ثابتة على إيمانها بالله تعالى؛ وابنها الذى شهد ليوسف وهو فى المهد؛ ومن أهلها جريج، صاحب الصومعة. روى ابن عبّاس، ﵄، قال: قال رسول الله، ﷺ :

стр. 39

«لما كانت ليلة أسرى بى، أتيت على رائحة طيّبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيّبة؟ قال: «هذه رائحة ماشطة بنت فرعون، وأولادها»، انتهى ذلك. ذكر من كان بمصر من الحكماء فى أول الدهر قال الكندى: كان بمصر من الحكماء هرمس، وهو إدريس، ﵇، وقد جمع بين النبوّة، والملك، والحكمة؛ وكان بها من الحكماء، أنمايتمون، وفيثاغورس، وهما تلاميذ هرمس، وإليهم يعزى علم الكيمياء والنجوم، وعلم السحر والروحانيات والطلسمات، وأسرار الطبيعة؛ ومنهم أرسلاوس، وبندقليس، أصحاب الكهانة والسحر؛ ومنهم سقراط، صاحب الكلام على الحكمة. ومنهم أفلاطون، صاحب السياسة، والكلام على المدن والأقاليم وغير ذلك؛ ومما وقع له من النكت اللطيفة، أنّه رأى امرأة مصلوبة على شجرة، فقال: ليت على كل شجرة مثل هذه الثمرة. ومنهم ارسطاليس، صاحب المنطق؛ ومنهم بطليموس، صاحب الرصد والحساب، وتركيب الأفلاك، وتسطيح الكرة؛ ومنهم أراطس، صاحب صور الفلك. ومنهم أفلطينوس، صاحب الفلاحة؛ ومنهم أبرجيس، صاحب المعرفة بذات الخلق؛ ومنهم تاول، صاحب الريح؛ ومنهم داماينوس، وواليس، واصطقر، أصحاب كتب أحكام النجوم. ومنهم أنذر به، صاحب الهندسة، والمقادير، والآلات لقياس الساعات؛ ومنهم قليور، صاحب عمل الدواليب والأرحية؛ ومنهم أرمسيس، صاحب المنجنيقات، التى يرمى بها على الحصون؛ ومنهم قليطر، وصاربه، أصحاب الطلسمات والبرابى.

стр. 40

ومنهم إيلونيوس، صاحب المخروطات؛ ومنهم تابوشيش، صاحب الأكرة؛ ومنهم قيطس، صاحب حساب الأفلاك؛ ومنهم أفطوقس، صاحب كتاب الأسطوانية. ودخلها، وأقام بها جالينوس، صاحب الطب، وإلينوس، وديسقوريدس، صاحب الحشائش؛ ومنهم روحاش، والأنماى، وأساسيوس، وقرهونوس، وهم (١) من حكماء اليونان؛ وسقراط، وبقراط، وقسّ بن ساعدة، حكيم العرب، الذى ضرب به الشاعر المثل، حيث قال: ولو أنّ قسّا واصف منك وجنة … لأعجزه نبت بها وهو باقل وأما حكماء الإسلام: الريّس أبو على بن سينا، صاحب القانون فى الطب، قيل لما مات كتب على قبره هذه الأبيات: قد قلت لما قال لى قائل … صار ابن سيناء إلى رمسه فأين ما يوصف من طبّه … وحدّثه بالماء مع جنسه هيهات لا يدفع عن غيره … فكيف أن يدفع عن نفسه ومنهم شرف الدين بن السديد، وفخر الدين الفارسى، والخونجى، وضياء الدين ابن البيطار، صاحب المفردات فى الطبّ، والتبريزى، وضياء الدين القرمى، والغازى. والشيخ علاء الدين بن نفيس، صاحب الموجز فى الطبّ، وكانت وفاة الريّس علاء الدين بن نفيس فى ذى القعدة، سنة سبع وثمانين وستمائة؛ وغير ذلك من الحكماء فى دولة الإسلام، انتهى ذلك.

стр. 41

ذكر من دخل مصر من الصحابة (١) والتابعين ﵃ أجمعين قال الإمام محمد بن الربيع الجيزى: دخل مصر من الصحابة مائة ونيف وأربعين رجلا؛ قال الشيخ جلال الدين الأسيوطى، رحمة الله عليه: وقفت على كتاب محمد ابن الربيع، ورأيت ما أورد فيه ممن دخل مصر من الصحابة، فتتبّعت ذلك من تأليف المتقدّمين، فزدت فى العدد على كتاب ابن الربيع حتى بلغ العدد ثلاثمائة وكسور، ممن دخل مصر من الصحابة، وألفّت (٢) فى ذلك كتابا لطيفا وسمّيته «درّ السحابة فى من دخل مصر من الصحابة» وأوردت أسماءهم (٣) على حروف المعجم، وزدت فى تراجمهم اسم الأب والجدّ، والسنّ والوفاة. قلت (٤) أنا وقفت على كتاب الشيخ جلال الدين، رحمة الله عليه، فرأيته قد طال فى هذا المعنى، فأحببت أن أذكر فى هذا التاريخ، جماعة من أعيان الصحابة، ﵃، ممن دخل مصر، ومات بها، واقتصرت على ذلك خوف الإطالة، ولكن أوردت وفاة كل واحد منهم، فى السنة التى مات بها، على توالى السنين فى مواضعه، كما سيأتى ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 42

ذكر طرف يسيرة من فضائل مصر اعلم أنّ لمصر فضائل كثيرة، لا تحصى، فمن ذلك: قال ابن زولاق، عن عبد الله بن عمر، ﵁، إنّه قال: لما خلق الله تعالى آدم، ﵇، مثّل له الدنيا شرقها وغربها، وسهلها وجبلها، وبّرها وبحرها، ومن يسكنها من الأمم، ومن يملكها من الملوك، فلما رأى مصر، رأى أرضا سهلة، ذات نهر جار، تنحدر مادته من تحت سدرة المنتهى، وتمزجه الرحمة، ورأى جبلا من جبالها مكسوّا بالنور، لا يخلو (١) من نظر الربّ إليه بالرحمة، فأعجب آدم، ﵇، تلك الأرض، ودعا لها بالرحمة والرأفة، وبارك فى نيلها سبع مرّات، فكان آدم، ﵇، أول من دعا لمصر. ومن فضائلها أنّ نوحا، ﵇، دعا لها بالبركة والخصب، بعد الطوفان؛ ومن فضائلها ألقى (٢) موسى عصاه بها، وانفلق البحر له؛ وبها الوادى المقدّس، والطور، الذى كلّم الله تعالى عليه موسى، ﵇، ومرقب موسى مشهور فى ذيل المقطم. وبها الجمّيزة التى صلّى تحتها موسى، كانت بطرا؛ وبها النخلة، التى كانت تنضح الزيت لمريم، ﵇، وهى بمدينة أشمون؛ وأقام بها عيسى، والحواريون، سبع سنين، بالبهنسا. وبها بئر البلسان، التى بالمطرية، قيل إنّ المسيح اغتسل فيها، وقيل إنّ أمّه غسلت قميصه من تلك البئر، ورشّت الماء فى الأرض، فنبت هناك البلسان، وليس يوجد البلسان إلا بالمطرية فقط، وفى ذلك يقول الصاحب فخر الدين بن مكانس، من موشح: انظر إلى أنوار بئر البلسم … فهى سبيل صحّتى من سقم

стр. 43

لكونها فيما يقال تنتمى … إلى المسيح السيد ابن مريم يحيى بإذن الله ميّت اللحد وكانت ملوك الفرنج تتغالى فى ثمنه، ولهم فيه اعتقاد عظيم، ولا يتمّ التنصّر عندهم إلا بدهن البلسان، يضعون منه شيئا فى ماء المعمودية، وينغمسون فيه. وكان يشترى بثقله ذهبا، وكان من محاسن مصر، ولكن انقطع وجوده من مصر فى مبتدأ قرن التسعمائة، ثم بطل مع جملة ما بطل من مصر، ولكن نتج من بعد ذلك على يد السلطان الغورى، وعاد كما كان أولا، بعد مدّة طويلة. نكتة لطيفة: قال أبو شامة: إنّ الملك الكامل محمد، استأذن أباه الملك العادل أن يزرع فى بستانه شيئا من البلسان، فأذن له فى ذلك، فنقل منه فى بستانه، فلم ينتج عنده (١)، فقيل له: إنما [لا] (٢) ينتج إلا (٣) إذا سقى من ماء البئر التى هناك، فعمل مجراة من المطرية إلى بستانه بسواقى، حتى تسقى البلسان، فلم ينتج، وقد عيل صبره فى ذلك، فقيل له السرّ فى تلك البقعة لا ينتقل إلى غيرها، ولو كان البلسان ينتج فى غير أرض المطرية، لكان أول من نقله ملوك الفرنج إلى بلادها. ومن فضائل مصر أنّ بها سجن يوسف، ﵇، فى نواحى الجيزة، وكان الوحى ينزل عليه هناك، وصار الآن مسجدا، يعرف بمسجد موسى؛ وكان فى قديم الزمان، إلى أيام الحاكم بأمر الله، تخرج جماعة من أهل مصر بسبب زيارة هذا المكان، ويقيمون هناك ثلاثة أيام، فى وقت معلوم من السنة، وتنفق هناك أموال جزيلة فى المأكل والمشرب وغير ذلك. قيل إنّ كافور الإخشيدى سأل أهل مصر، عن موضع معروف بإجابة الدعاء فيه، فقالوا له: سطح سجن يوسف ﵇. قال القضاعى: هو فى بوصير، من أعمال الجيزة؛ وأجمع أهل مصر على صحّة هذا المكان، أنّه كان سجن يوسف، ﵇. وبها مسجد يعقوب، ﵇، فى مدينة الفيوم؛ ومسجد أيضا، قيل: هو

стр. 44

مكان باعوا فيه يوسف، ﵇. ومن فضائل مصر أنّ بها الأهراء، التى (١) كان يخزن فيها يوسف القمح، فلا يفسد؛ وبها الجدار الذى بناه يوسف، لردّ الماء عن مدينة الفيوم، وآثاره باقية إلى الآن، وكان طوله مائتى ذراع (٢). وقيل إنّ سفينة نوح، ﵇، طافت بأرض مصر، حتى زار سفح الجبل المقطم، ودعا هناك إلى الله تعالى، لما فيه من إجابة الدعاء. وقيل إنّ بمصر قبر زليخا، امرأة يوسف، ﵇؛ وأقام يوسف مدفونا بمدينة الفيوم ثلثماية سنة، حتى نقل عظامه موسى، ﵇، إلى بيت المقدس. ودفن بها آسية، امرأة فرعون، وزليخا زوجة يوسف، ﵇، ويرحانة أمّ موسى، ﵇؛ ودفن بها السيدة نفيسة، وناهيك بها فى البركة العميمة المشهورة بمصر، ﵂. ومن فضائل مصر أن دفن بها جماعة من أولاد يعقوب، ﵇؛ ودفن بها جماعة كثيرة من الصحابة، ﵃؛ ونقلت إليها رأس الحسين بن بنت رسول الله، ﷺ ، من عسقلان، سنة تسع وأربعين وخمسمائة. ودفن بها من العلماء، والصلحاء، مالا يحصى عددهم، منهم الإمام الشافعى محمد بن إدريس، ﵁، وناهيك به، ومصر كلها فى حمايته، وهو الإمام بمصر، وصاحب البلد. ومن فضائل مصر أنّ الرخامة الخضراء الفستقى، التى فى حجر إسمعيل عند الكعبة، أصلها من مصر، بعث بها محمد بن ظريف، مولى العبّاس بن محمد، إلى مكّة، سنة إحدى وأربعين ومائتين؛ وبعث معها رخامة أخرى فستقى، وضعت فوق سطح الكعبة، عند الميزاب، وطول كل رخامة ذراع بالعمل، وثلاثة أصابع.

стр. 45

ومن فضائل مصر أنّها توسّع على أهل الحرمين، بما يجلب منها إليهم من الغلال فى البحر، يحمل فى السفن دفعة واحدة، مالا يحمله خمسمائة بعير. ومن فضائل مصر، قال أبو بصرة الغفارى: سلطان مصر، سلطان الأرض كلها، وله ميزة على سائر ملوك الأرض، لكونه خادم الحرمين الشريفين، فتشرّف على الملوك بذلك؛ وقيل: هو القطب الظاهر فى تصرف الأحوال الدنيوية؛ وفيه يقول شمس الدين الدمشقى: إذا البلاد افتخرت لم تزل … مصر لها عزّ وتفضيل وكيف لا تفخر مصر وفى … أرجائها السلطان والنيل وأعظم من هذا كله، ما قاله الإمام أبو شامة، المؤرّخ: لما نقلت الخلافة إلى مصر، عظم أمرها، وتشرّف قدرها بين البلاد، وتميّز سلطانها على سائر الملوك، وذلك سرّ فى بنى العبّاس، حيثما كانوا بأرض تشرّفت بهم. وقال القضاعى: لم يكن فى الأرض أعظم من ملك مصر، ولو ضرب بينها وبين سائر البلاد سور لا ستغنى أهلها، بما فيها، عن سائر البلاد؛ وهى أكثر البلاد كنوزا، وعجائب، وآثارا، من البرابى، والطلسمات (١)، وذلك لما فيها من الحكم والعجائب وغير ذلك، انتهى ما أوردناه من فضائل مصر. ذكر ما خصّت به مصر من المحاسن دون غيرها من البلاد قال كعب الأحبار: من أراد أن ينظر إلى شبه الجنّة، فلينظر إلى أرض مصر فى زمن ربيعها، قبل طلوع الشمس؛ وسئل (٢) بعض الحكماء: متى تطيب أرض مصر؟ قال: إذا اعتدل هواؤها (٣)، وطاب مرعاها، وارتفع وباؤها (٤)، وأزهرت أشجارها،

стр. 46

وغرّدت أطيارها، يعنى فى فصل الربيع، وقال القائل فى المعنى: إنّ فصل الربيع فصل مليح … نحن فى السعد منه كالأغنياء ذهب حيثما ذهبنا، ودرّ … حيث درنا، وفضة فى الفضاء وقال بعض الحكماء: مصر نيلها عجب، وأرضها ذهب، وهى لمن غلب، ونساؤها (١) لعب، وملكها سلب، ومالها رغب، وخيرها جلب، وفى أهلها صخب، وطاعتهم رهب، وحربهم حرب. قال الكندى: نيل مصر سيّد أنهار الدنيا، لأنه يخرج من الجنّة. من تحت سدرة المنتهى، كما ورد به خبر الشريعة؛ وقال كعب الأحبار: النيل يصير يوم القيامة نهر العسل فى الجنّة، وقيل نهر الخمر، والله أعلم. قال المسعودى، فى مروج الذهب: وصف بعض الحكماء أرض مصر، فقال: ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمردة خضراء، وثلاثة أشهر كهربة صفراء. فأما اللؤلؤة البيضاء، فإنّ أرض مصر تصير فى شهر أبيب، ومسرى، وتوت، بيضاء، لما يركبها ماء النيل، ويفترش على أرضها، وتصير الضياع مثل الكواكب فى السماء، فلا يصل إليها أهلها إلا فى الزوارق. وأما المسكة السوداء، فإنّ أرض مصر فى شهر بابة، وهاتور، وكيهك، ينصرف عنها الماء، فتصير مثل المسكة السوداء، ولها روائح طيّبة تشبه روائح المسك. وأما الزمردة الخضراء، فإنّ أرض مصر فى شهر طوبة، وأمشير، وبرمهات، تصير بالزرع مثل الزمردة الخضراء. وأما الكهربة الصفراء، فإنّ أرض مصر فى شهر برمودة، وبشنس، وبؤونة (٢)، يدرك الزرع ويحصد، فيصير مثل السبيكة الذهب الصفراء، فهذه صفة أرض مصر فى الأربعة فصول من السنة، انتهى.

стр. 47

وقال فى مصر القائل من أبيات: ففى صيفها قارورة، وخريفها … فعنبرة، سوداء طيّبة النشر وأما شتاها فالزروع زمرد … ويرجع فى فصل الربيع إلى التبر وقال المعوج الشامى فى المعنى: إن كان فى الصيف ريحان وفاكهة … فالأرض مستوقد والجوّتنّور وإن يكن فى الخريف الدوح مذهبة … فإنّ أوراقها بالريح منثور وإن يكن فى الشتاء الغيم متّصلا … فالأرض عريانة والجوّ مقرور ما العيش إلا الربيع المستنير إذا … جاء الربيع أتاك النور والنور فالأرض ياقوتة، والجوّ لؤلؤة … والنبت فيروزج، والماء بلّور قال الكندى: مصر أعلاها حجازية، وأسفلها شامية، إنّ أهلها لا يحتاجون فى الشتاء إلى التدفّى بالنار، كعادة (١) أهل الشام، ولا فى الحرّ التظلّل (٢) تحت الخيش من حرّ الشمس، كعادة (١) أهل الحجاز، وهى فى الإقليم الثالث والرابع، فسلمت من حرّ الإقليم الأول والثانى، ومن برد الإقليم السادس والسابع، فضعف حرّها، وخفّ بردها. قال صاحب «مباهج الفكر ومناهج العبر»: ليس فى الدنيا شجرة إلا وبمصر عرفها؛ ويوجد بمصر فى كل وقت من الزمان من المأكول والمشموم، وسائر أصناف البقولات والخضر، فى الصيف والشتاء، لا ينقطع لبرد ولا لحرّ. قال بعض الحكماء: لولا ماء طوبة، ورميس أمشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، ورمّان بابة، وموز هاتور، وسمك كيهك، لما سكنت مصر. وقال جالينوس الحكيم: لولا قصب السكّر بمصر، ما برئت العلل عن أهلها سريعا؛ وقيل: يعمل من قصب السكر ألف نوع من الحلوى والأطعمة وغير ذلك،

стр. 48

وقد قال القائل فى المعنى: أمسى بمصر حلاوة تثنى على ال … قصب الذى فيها لطيب جنائه والله إن منّت عليه فمالها … فضل عليه لأنّها من مائه وقال آخر: سبحان من أنبت فى أرضنا … ما بين شوك وحلا فيها أنبوبة فى حشوها سكّر … قد كان ماء وحلا فيها ومن محاسن مصر، وهى السبع زهرات، التى تجتمع فى وقت واحد بمصر، وذلك فى أوائل فصل الربيع، وهى النرجس، وهو أول ما يقدم، ثم البنفسج، ثم البان، ثم الورد النصيبى، ثم الزهر، وهو زهر النارنج، ثم الياسمين، ثم الورد الجورى، ويعرف أيضا بالقحابى، ويأتى أواخر هذه الأزهار؛ فهذه السبع زهرات التى تجتمع فى صعيد واحد، وتلهج المصريون بذكرها. وأما زهر النسرين، وإن كان من أعظم الزهور رائحة، فإنّه غير معدود فى جملة هذه السبع زهرات، لأنّه يأتى فى آخر أيام الورد الجورى، فلا يلحق النرجس، ولا البنفسج، فلم يكن معدودا فى جملة هذه السبع زهرات، لأجل تأخّره عنهم، وقد قلت (١) فى المعنى: يا طيب وقت بمصر فيه قد جمعت … سبع من الزهر تحويها البساتين بنفسج نرجس زهر وبان لنا … ورد نصيب وجورىّ وياسمين (٢) وأما الأزهار التى تأتى فى الصيف، وهى الياسمين، والنسرين، والتمرحنّا، والريحان المدنر، وشقائق النعمان، والأقحوان، والآس، والريحان النوبى الحماحمى، والتمام، والنيلوفر (٣)، والياسمين الأصفر؛ وأكثر أزهار الصيف: الياسمين، والتمرحنّا، والآس.

стр. 49

ومن محاسن مصر، بها من الفواكه: الخوخ الزهرى، وهو لا يوجد إلا بها، والعنب البحيرى، وهو أصدق حلاوة من العنب الشامى، وبها التفّاح السكّرى، والكمثرى البلدى، والرمّان النزلاوى، والخوخ المشعر الفوى، وهو غاية فى الحسن. ومن مأكولها الرطب، وهو يغنى عن أكل الحلوى معه؛ وبها التين البرشومى، وهو صادق الحلاوة؛ وبها الجميز، وهو نوع شهى لا يوجد إلا بها؛ وبها نوع يسمّى الشقير، وهو مثل البرقوق، لا يوجد إلا بها؛ وبها النبق، واللوز الأخضر، وكان بها نوع يسمّى السنج، وهو مثل اللوز الأخضر، ولكن انقطع من مصر سنة سبعمائة؛ وبها الموز الدمياطى، لا يوجد إلا بها. ومن محاسن مصر: الأترج، والكباد، والنارنج، والحماص الشعيرى، وله منافع مفيدة، والليمون، وله منافع مفيدة لإقماع الصفراء؛ وبها الليمون الأحمر الفرنسيسى، قيل نقل إلى مصر سنة ثلثماية من الهجرة، وهو نوع غريب. ويجلب إليها بطول السنة الفواكه الشامية، مثل الكمثرى، والتفّاح، والسفرجل، وغير ذلك من الأنواع. وليس فى الدنيا بلد فيها نخيل بلح، مثل إقليم مصر، يأكلون (١) من ثمره: البسر، والرطب، والتمز على أنواع، والعجوة، وينتفعون (٢) بخشبها، وجريدها، وخوصها، وليفها، ويعمل منه جملة أنواع مفيدة، لا يستغنى عنها أحد من الناس، وهى عمارة مصر، وقال القائل فى المعنى: أرى أهل الشام يفاخرونا … وتلك وقاحة فيهم وخصلة وكيف يفاخرون (٣) بالشام مصرا … وشهوة كل من فى الشام نخلة ومن محاسن مصر: العسل النحل المصرى، روى عن رسول الله، صلّى الله

стр. 50

عليه وسلّم، أنّه أهدى إليه المقوقس، صاحب مصر، هديّة، ومن جملتها عسل نحل من بنها، فلما أكل منه أعجبه، فقال: من أين هذا العسل؟ فقيل له: من قرية من قرى مصر، يقال لها بنها، فقال: بارك الله فى بنها، وفى عسلها، فعمّت هذه الدعوة سائر قرى مصر. وبها نوع يسمّى النيدة، يعمل من بقول القمح، روى عن مريم، ﵍، لما دخلت مصر، ومعها ابنها عيسى، ﵇، وهو رضيع، فشكت إلى الله تعالى قلّة اللبن منها، فألهمها الله تعالى أن غلت النيدة، وأطعمت منها عيسى، ﵇، فاغتذى بها عن اللبن. ومن محاسن مصر: البطيخ الصيفى، قيل إنه نقل من الهند إلى مصر؛ وبها البطيخ الفيتاوى، والبطيخ السلطانى، والبطيخ العبدلاوى، قيل إنّ عبد الله ابن طاهر نقل زريعته إلى مصر، سنة مائتين من الهجرة، فنسب إليه، وقيل العبدلى؛ وأما البطيخ الضميرى، فقد نقلت زريعته من ضمير إلى مصر، فى أوائل قرن الثمانمائة - أورد المقريزى ذلك. ومن محاسن مصر: الخيار البلدى، وله منافع مفيدة، والقثاء، والخس؛ وكان بها نوع يسمّى الفقوس، ولكن له مدّة من حين انقطع عن مصر؛ وبها نوع يسمّى الفجل، وله منافع مفيدة لهضم الأكل. وبها من الخضر: اللفت، والجزر، والإسفاناخ، والكرنب، والقرع، والباذنجان، والقلقاس، والفول الأخضر، والحمّص، والسلق، والبامية، والملوخية، والرجلة، وهذه الأنواع منها أشياء تخصّ بها دون غيرها من البلاد. وبها الأفيون، وهو عصارة الخشخاش، وله منافع، يجلب منه إلى سائر البلاد، ولا سيما بلاد الهند. ويجلب من مصر إلى البلاد الشامية: الحناء، والسمك القديد، والجبن الحالوم، والجبن الإقفهسى، والنيدة، والكتّان، والزيت الحار، والعصفر، والبسلّة،

стр. 51

والعدس، وخيار الشنبر، وغير ذلك من الأنواع، التى (١) لا توجد إلا بمصر. ومن محاسن مصر: أن يوجد بها من العقاقير المفيدة فى الطبّ، وهو: بذر الهندبة؛ وبذر الرجلة؛ والشمار العريض؛ والعرق سوس البوقى؛ وخيار الشنبر؛ والحبّة السوداء، ولها منافع مفيدة؛ والشاهنزاج، وله جملة منافع مفيدة للسوداء والإهليلج، وله منافع مفيدة؛ والماسكة، وهو طين أصفر داخل حجر أسود، يحل فى الماء ويشرب منه لوجع المعدة، وكان نافعا، ولكن انقطع من مصر، وكان يجلب من وادى هبيب، من أراضى الصعيد؛ والعوسج؛ وبها المومينة، ولها منافع؛ وبها الناسول البرّى، وله منافع مفيدة. ومن محاسن مصر، بها السمك الرعاد، وله منافع مفيدة، قال جالينوس لحكيم: إذا علّق على رأس من به صداع برئ، وبها الأسقنقور، وله منافع مفيدة لوجع الظهر. وبها السمك الذى يقال له الأبرميس، الذى هو سلطان الأسماك، وله منافع مفيده؛ وكان بها البلطى الفيومى، وكان من محاسن مصر، ولكن انقطع من الفيوم، فى أوائل قرن التسعمائة؛ وبها السمك، المعروف بالبورى، قال الكندى. ليس فى الدنيا بلد يأكل أهله صيد البحرين طريّا غير مصر. وبها النمس، والعرس، ولهما فائدة جليلة فى أكل الثعابين، حتى قيل لولا العرس والنمس، لما سكنت مصر من كثرة (٢) الثعابين، فإنّها تأتى مع ماء النيل من أعلا البلاد المحرّة؛ وبها الحيّات (٣)، التى يعمل منها الدرياق، ولا توجد إلا بمصر فقط، تصاد فى فصل الربيع من الجبال. ويجلب إليها من بلاد الصعيد، العسل الأسود الشقنقيرى، وله منافع مفيدة؛ ويجلب إليها من الواحات الأنطاع الإلواحية، ولها ميزة على غيرها من الأنطاع،

стр. 52

ويجلب إليها من الفيوم الزيتون الفيومى، وهو نهاية فى الكبر، والطعم؛ ويجلب إليها الملح والأطرون والشبّ، ولهم منافع لا تحصى. ويجلب إليها الخشب الأبنوس الأسود، وخشب السنط، الذى يوقد يوما وليلة لا يوجد له رماد، وهو بطئ الخمود، سريع الوقود؛ ويجلب إليها الحمام النوبى، والقمرى، والنعام، والأرنب، وبقر الوحش، وغير ذلك. قال الكندى: إنّ العصفور الدرورى لا يفرخ إلا بمصر، دون غيرها من البلاد، ويكون ذلك فى كانون الأول؛ وبها طير الحواصل، وهو البجع، الذى يعمل من جلده خفاف، ومن حواصله فراء، تقوم مقام الفراء الفنك، وهو غاية فى الدفء (١). وبها القراطيس، وهى الورق البلدى، قال الكندى: إنّ أول من اتّخذ القراطيس، وكتب بها، يوسف، ﵇، وهى يكتب فيها مراسيم السلطان، وتسير إلى سائر الآفاق، وتجلب بها الأرزاق؛ قال الكندى: قراطيس مصر لأهل المغرب، وقراطيس سمرقند، لأهل المشرق، تجلب بها الأرزاق. ومن محاسن مصر: أنّ بها معامل البيض، وهى كالتنانير، يوقد عليه بالنار، فتحاكى بها نار الطبيعة، كحضانة الدجاجة للبيض، فيخرج منها الفراريج دفعة واحدة؛ وهى من أعظم مأكول أهل مصر، ولا تعمل هذه التنانير إلا بمصر. ومن أطيب مأكولها الأوز البلدى، قيل لما قدم المأمون إلى مصر، فأكل منه، واستطيبه على غيره من الطير. وبها لحوم الغنم العنأن، وهى أطيب من لحوم أغنام سائر البلاد؛ وبها القمح اليوسفى، وهو أطيب من حبّ غيرها من البلاد. ومن محاسن مصر: أنّ بها الخيول العربية، وهى أجود من سائر خيول البلاد؛ ويقال: مصر تفتخر بالخيول العربية، والبنال السندية، والحمير البرلسية، والأبقار الخبسية؟؟؟، والبخانى البجاوية، والأغنام النوبية، والمعز الصعيدية.

стр. 53

وبها المراكب الحربية، والمضارب السلطانية، والسلال الرهانية؛ وبها يعمل صنعة السكفت، لا يعمل فى بلد غيرها؛ وكذلك صنعة (١) الرماح، لا تعمل إلا بها. ويجلب إليها الرقيق من بلاد الزنج، وليس فى الدنيا بلد فيها رقيق زنج، أكثر من مصر. وبها كان قديما علم النجوم، وعلم السحر، والطلسمات القديمة، وقلم الطير، الذى مكتوب به على البرابى وغيرها، ولم يكن هذا ببلد غيرها. وبها ظهر علم الطبّ اليونانى، وعلم الساحة، وعلم الحساب القبطى، والديوانى، والقراريط، ولم يكن هذا ببلد غيرها. وبها مقطع الرخام المرمر، وله منافع مفيدة؛ ومقطع الرخام الآبيض الصعيدى، والأسود السويسى، والرخام السماقى، والزرزورى، والفستقى، لا يوجد إلا بها. وبها حجر الصوّان المانع، الذى يعمل منه الأعمدة والأعتاب؛ وحجر الطواحين، والمعاصر، ولا يوجد هذا فى بلد غير مصر؛ وبها حجر الكدان، الذى يبلّط به الدور، ويعقد به الدرج من السلالم العالية؛ وبها معمل الزجاج. ومعمل الشمع. ومن محاسن مصر فى ملابسها، وهى التفاصيل السكندرية؛ والأمراد؛ والظهور المنزلاوية؛ والمقاطع الشرب الدبيقية؛ والثياب التنيسية، التى كانت تجلب إلى بغداد، برسم الخلفاء، وكانت تنسج بالذهب، تبلغ البدنة منها خمسمائة دينار؛ والطرز البهنساوية، يباع الطراز منها بمائة دينار، وهو بغير دهب؛ والأكسية الصوف العسلية، التى كانت تعمل من صوف المعز، قيل إنّ معاوية لما كبر سنه، كان فى الشتاء لا يدفأ، فأرسل طلب من عامل مصر كساء منها، يلتف بها حتى يدفأ. وبها أجلال الخيل، بحلب منها الى سائر البلاد؛ والبراقع، والستور الفيومية، تجلب منها إلى سائر البلاد؛ والطنافس، والبسط العمل الشريف، التى (٢) لا تعمل

стр. 54

إلا بها؛ والوشى، الذى كان يعمل بالإسكندرية، يقوم مقام وشى الكوفة؛ وبها معمل الحصر العبدانى، لا يعمل إلا بها، ويجلب إلى سائر البلاد منها. قال صاحب «مباهج الفكر». إنّ بمصر سبعمائة وخمسين نوعا من المعادن، والأصناف، والملابس، والفواكه، لا توجد إلا بها فقط. ومن محاسن مصر، وهو القرط، الذى يزرع فى أراضيها زمن الربيع، وتربط عليه الخيول والبهائم، وتكثر فى تلك الأيام المرعى، ويطيب اللبن، وتصير أرض مصر ما بين إملاق ماء وخضرة، وليس يوجد هذه الأوصاف فى بلد من البلاد غيرها، وقد قال القائل فى المعنى: ولما جلى وجه الربيع محاسنا … وصفق ماء النهر إذ غرّد القمرى أتاه النسيم الرطب رقّص دوحه … فنقط وجه الأرض بالذهب المصرى ومن محاسن مصر نيلها، وهو من أجلّ محاسنها فى حلاوته وسرعة هضمه للأكل، قال ابن وحشية: إنّ ماء النيل حلو (١) جدّا، والشرب منه يعفن الأبدان، ويؤثر البثر والدمامل (٢)، لكثرة الفضلات الردّية، إذا خالط الطعام فيحدث منه ذلك، ولكن يدفع عن أهل مصر ذلك الضرر، إدمان شرب ماء الليمون، والنارنج، وكثرة (٣) استعمال الخلّ، وهذا رأس طبّهم الأكبر. قال المسعودى فى «مروج الذهب»: إذا بلغ النيل ثمانية عشر ذراعا وانهبط، كانت العاقبة لأهل مصر فى انصرافه، حدوث وباء بالديار المصرية. وقال ابن عبد الحكم: نيل مصر مخالف لبقيّة الأنهار، إذا زاد تنقص جميع الأنهار، والنيل عمارة مصر فى الزراعة، وأقوات أهلها، وفرحة أهل مصر بيوم وفاء النيل لا يعدلها عندهم شئ، وقد خصّوا بذلك دون غيرهم من البلاد الشامية وغيرها، وقد قال القائل فى المعنى:

стр. 55

نادى منادى الوفا بمصر … إذ علّقوا ستره علامة من الغلا قد سلمت حقّا … وبتّ فى الستر والسلامة وما قيل فى المعنى: النيل أصبح خمرا … مشعشعا قد تورّد وقد حلا حين أضحى … بطينه قد تقنّد وقال القائل: تهتك الخلق بالتخليق قلت لهم … ما أحسن الستر قالوا العفو مأمول ستر الإله علينا لا يزال فما … أحلى تهتكنا والستر مسبول قال الكندى: مصر تشتمل على ثلاث مدن، وهى: مدينة الفسطاط، التى أنشأها عمرو بن العاص، ﵁؛ والقاهرة، التى عمرها جوهر القائد؟؟؟ الفاطمى؛ وقلعة الجبل التى بناها قراقوش للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. ومن محاسن مصر أيضا، وهو البيمارستان المنصورى، الذى هو من محاسن الزمان، لا يستغنى عنه الغنى، ولا الصعلوك، وليس فى الدنيا آثار حسنة، وخيز مثله، وقد عدّ من محاسن مصر أيضا، انتهى ذلك. ذكر أخلاق أهل مصر وطبائعهم وأمزجتهم وما أشبه ذلك اعلم أنّ طبائع أهل مصر، وأمزجتهم، وأخلاقهم، بعضها شبهها ببعض، فإن أبدانهم سخيفة، سريعة التغيير، قليلة الصبر والجلد؛ وكذلك أخلاقهم تغلب عليها الاستحالة، والانتقال من شئ إلى شئ؛ وعندهم الجبن والقنوط والشحّ، وقلّة الصبر على الشدائد، وسرعة الخوف من السلطان؛ وعندهم قلّة الغيرة على عيالهم؛ وعندهم التحاسد فى بعضهم، وكثرة (١) الكذب، وذمّ الناس، ومنهم من خصّه الله

стр. 56

بالعقل، وحسن الخلق؛ حتى قيل إن كلاب مصر، أقلّ جرأة من كلاب غيرها من البلدان، وقيل إنّ الأسد إذا دخلت مصر ذلّت، وقلّ أذاها (١) عما كانت فى القفار. قال بعض الحكماء: أجساد أهل مصر سخيفة، لا تقبل الأدوية المفرطة، التى (٢) فى كتب أطباء اليونانيين (٣) والفرس، فإنّها كانت على قدر أبدانهم القويّة، فيجب على الطبيب أن لا يعطى المريض أدوية قويّة، ويبذل كثيرا منها بما يقوم مقامها. قال أبو الصلت: أهل مصر الغالب عليها اتباع الشهوات، والانهماك فى اللذّات، والاشتغال بالترهات، والتصديق بالمحالات، وفى أخلاقهم رقّة، وعندهم بشاشة وملق، وعندهم مكر وخداع، ولهم كيد وحيل، وخصّوا بالأفراح دون غيرهم من الأمم. قال بعض الحكماء: أهل مصر يتحدّثون بالأشياء قبل وقوعها، ويخبرون بالأمور المستقبلة قبل كونها، وسبب ذلك أنّ منطقة الجوزاء تسامت رءوسهم، فلذلك يتحدّثون بالأشياء قبل كونها بمدّة. قال المسعودى: لما فتح عمر بن الخطاب، ﵁، العراق والشام ومصر، كتب إلى بعض الحكماء: إنّا أناس عرب، وقد فتح الله علينا البلاد، ونريد أن نتبوّأ من الأرض مسكنا فصف لنا الأقاليم. فكتب إليه عدّة أقاليم، فلما وصل إلى وصف مصر، قال: وأما مصر فهى أرض غبراء، كالمرأة العارك، أى الحائض، تطهر بالنيل كل عام، وهى مسكن الجبابرة، وديار الفراعنه، هواها راكد، وحرّها زائد، وشرّها بائد، وهى معدن الذهب، ومغارس الغلال، تسمن الأبدان، وتسود الأبشار، وتنمو فيها الأعمار، نساؤها شرّ نساء الأرض، وعندهم خث ودهاء ومكر ورياء، وهى بلد مكسب لا مسكن، أهلها أهل شرّ، فكن منهم على حذر. وقال معاوية بن أبى سفيان، ﵁: وحدت أهل مصر ثلاثة أصناف:

стр. 57

فثلث أناس، وثلث أشبه بالناس، وثلث لا أناس ولا شبه بالناس، وقد قال القائل فى المعنى: وقد دفعنا إلى زمان لئيم … لم ننل منه غير غلّ الصدور وبلينا من الورى بأناس … تركتهم أعجازهم فى الصدور انتهى ما أوردناه من فضائل مصر ومحاسنها، وقد أطلقت عنان القلم فى ميدان استطراد هذا المعنى، حسبما التزمته من ذلك. ذكر ما قاله الشعراء فى وصف مصر، ونيلها، ومفترجاتها وأوان ربيعها، وأملاقها فمن ذلك قول الشيخ شرف الدين بن الفارض، ﵁: وطنى مصر وفيها وطرى … ولعينى مشتهاها مشتهاها ولنفسى غيرها إن سكنت … يا خليلىّ سلاها ما سلاها مواليا فى أوصاف النيل: أصبحت مفرد … ونيل الدمع قد غلق حتى لمقياس خدّى … بالهنا خلق واصفرّ جسمى … وستر السقم قد علق وسدّ دمعى انكسر … والأرض قد ملّق نقل بعض المؤرّخين، أنّ بالقاهرة، وما حولها، سبع عشرة بركة، يعمّها ماء النيل، غير الخلجان والأملاق. وقال الصلاح الصفدى: من شاهد الأرض وأقطارها … والناس أنواعا وأجناسا ولا رأى مصرا ولا أهلها … فما رأى الدنيا ولا الناسا

стр. 58

وقوله: لم لا أهيم بمصر … وأرتضيها وأعشق وما ترى العين أحلى … من مائها إن تملّق وقوله أيضا: رأيت فى أرض مصر مذ حللت بها … عجائب ما رآها الناس فى جيل تسودّ فى عينى الدنيا فلم أرها … تبيضّ إلا إذا ما كنت فى النيل وقال الشهاب المنصورى: أيها النيل إنما أنت غوث … لأناس يرون كسرك جبرا فاسع فى أرض مصر واجر (١) … زادك الله منه خيرا وأجرا وقال الشيخ زين الدين بن الوردى، رحمة الله عليه: وكان بمصر السحر قدما فأصبحت … وأسحارها أشعارها تترقرق وبعجبى منها نملّق أهلها … وقد زاد حتى ماؤها يتملّق وقوله: ديار مصر هى الدنيا وساكنها … وهم الأنام فقابلها بتفضيل يا من يباهى ببغداد ودجلتها … مصر مقدّمة والشرح للنيل أخذ هذا المعنى الضلاح الصفدى وقال: ركبت فى النيل يوما مع أخى أدب … فقال دعنى من قال ومن قيل شرحت يا نيل صدرى اليوم قلت له … لا تنكر الشرح يا نحوىّ للنيل وقال الشيخ علاء الدين الوداعى، ﵀: روّ بمصر وسكّانها … شوقى وجدّد عهدى الحالى وصف لنا القرط وشنّف به … سمعى وما العاطل كالحالى وارو لنا يا سعد عن نيلها … حديث صفوان ابن عسّال وقال المعمار: ما مصر إلا منزل مستحسن … فاستوطنوه مشرقا أو معربا

стр. 59

هذا وإن كنتم على سفر به … فتيمّموا منه صعيدا طيّبا وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب: زادت فراعن مصر … فظلمها قد تكثّر ونيلها بعد كسر … طغا بها وتجبّر وقوله: النيل احمرّ يوم كسر … فقلت إذ ستره معلّق لا تلمسوه بزعفران … فهو بإشراقه مخلّق وقال بد الدين بن الصاحب: كانت لمصر ميزه … بالنيل مد ولّى خلت كأنه؟؟؟ لها … من بعده ترمّلت وقال الشهاب المنصورى: اعملوا أهل مصر لله شكرا … وقليل من العباد الشكور إنّ مصرا سقى الإله ثراها … بلد طيب وربّ غفور وقال ابن الصايغ الحنفى: ارض بمصر فتلك أرض … من كل فن لها فنون ونيلها العذب ذاك بحر … ما نظرت مثله العيون وقال ناصر الدين العيزراوى: لعمرك ما مصر بمصر وإنما … هى جنة الدنيا لمن يتبصّر فأولادها الولدان والحور عينها … وروضتها المقياس والنيل كوثر وقال الشيخ صدر الدين بن عبد الحقّ: لا تعجبوا من أهل مصر إن وفوا … بعهودهم ما فى الوفا (١) منهم خفا وفّى لهم فى كل عام نيلهم … فتعلّموا من نيلهم ذاك الوفا وقال الصاحب بهاء الدين زهير: يا رعى الله أرض مصر وحيّا … ما مضى لى بمصر من أوقات

стр. 60

حبذا النيل والمراكب فيه … مصعدات بنا ومنحدرات هات زدنى من الحديث عن … النيل ودعنى من دجلة والفرات وقال ابن فضل الله: يحقّ لمصر أن تتيه إذا جرى … بها النيل وامتدّت إليه عيون فما مثله من زائر لقدومه … تقرّ عيون إذ تقرّ عيون وقوله أيضا: تكرم مصر النيل إن زارها … وتغرش الخدّ له فى سراه لو لم يكن أكرم ضيف أتى … ما قدّمت كل قراها قراه وقال الصلاح الصفدى: قالوا علا نيل مصر فى زيادته … حتى لقد بلغ الأهرام حين طما فقلت هذا عجيب فى بلادكم … أنّ ابن ستة عشر يبلغ الهرما ولابن الصاحب: أصابع النيل وفّت … وبالغت فى الملاحة أصابع بالعطايا … أبدت لنا ألف راحة وقال ابن الصاحب: إقليم مصر له افتخار … بتربة عذبة المنافع وحسبه النيل إذ إليه … يشار فى الفضل بالأصابع وقال بعضهم: مصر لها الأفضال إذ لم تزل … على العدا منصورة ظاهرة ما غولبت كلا ولا قوهرت … إلا وكانت مصر والقاهرة قال بعضهم مطلع زجل: أصبحت مصر نزهة الناظرين … هى أمّ القرى (١) وزين الملاح خطبتها منّا التتر بالنفوس … وعلى مصر راحت الأرواح

стр. 61

ذكر ما قيل فى أسماء مفترجات الديار المصرية فمن ذلك ما قيل فى بركة الحبش، وهى من المفترجات القديمة، قال أبو الصلت أميّة الأندلسى: لله يوم ببركة الحبش … والأفق بين الضياء والغبش والماء تحت الرياح مضطرب … كصارم فى يمين مرتعش ونحن فى روضة مفوّفة … دبّج بالنور عطفها ووشى قد نسجتها يد الغمام لنا … فنحن من بسطها على فرش فأثقل الناس كلهم رجل … دعاه داعى الصبا فلم يطش وقوله فى البريم: لله يوم بالبريم قطعته … بمسرة دارت به أفلاكه خرّت به أمواهه فتراقصت … طربا لحسن غنائه أسماكه وقال الشيخ شمس الدين النواجى فيه أيضا وأجاد: ألا ربّ يوم بالبريم قطعته … بريم يحاكى البدر قبل غيومه ولله ما أحلا بديع جناسه … فقد سرّنى ذاك البريم بريمه وقال آخر: يا نفس إن لم تذهبى لطيبة … وترى أنوار الحبيب وداره ها أنت فى مصر وفيها أثره … فاسعى إليه وانظرى آثاره ما قيل فى الرصد، وهو من المفترجات القديمة: وليلة عاش سرورى بها … ومات من يحسدنا بالكمد بتّ مع المحبوب فى روضة … وبات من يرقبنا بالرصد ما قيل فى الآثار النبوى، قال ابن خطيب داريا: يا عين إنّ بعد الحبيب وداره … وناءت مرابعه وشطّ مزاره فلقد ظفرت من الزمان بطائل … إن لم تريه فهذه آثاره

стр. 62

ما قيل فى افتراق النيل عند المقياس، لظافر الحدّاد: انظر إلى الروضة الغنّاء والنيل … واسمع بدائع تشبيهى وتمثيلى وانظر إلى البحر مجموعا ومفترقا … تراه أشبه شئ بالسراويل ما قيل فى المقياس، وهو من المفترجات القديمة، قال الشهاب المنصورى: تقول لنا مصر أنا خير موطن … ولأناس فى الأمصار أظرف من ناس فإن تك أوقات السرور قصيرة … فلا تقطعوها فىّ إلا بمقياس وللبدر البشتكى: انظر إلى مقياس مصر وغنّ لى … فى روضة المعشوق فى عشّاق وانظر إلى الأغصان كيف تمايلت … لسماع نوح الورق فى الأوراق وقال آخر: تقول مصر حين قاسوا القرى … بها أيا من ضيّعوا حرمتى بأى شئ قستمونى به … وبسطة المقياس فى قبضتى وقال آخر: إنّ مصرا لأطيب الأرض عندى … ليس فى حسنها البديع التباس ولئن قستها بأرض سواها … كان بينى وبينك المقياس ولابن الفارض، ﵁: لقد بسطت فى بحر جسمك بسطة … أشارت إليها بالوفاء الأصابع فيا مشتهاها أنت مقياس نيلها … وأنت بها فى روضة الحسن يانع ما قيل فى الروضة والمشتهى، قال ابن الصايغ الحنفى: وليلة مرّت لنا حلوة … إن رمت تشبيها بها عبتها لا يبلغ الواصف فى وصفها … حدّا ولا يلقى لها منتهى (١) بتّ مع المعشوق فى روضة … ونلت من خرطومه المشتهى (٢)

стр. 63

وقال الشيخ برهان الدين القيراطى فى المعنى: رشق القلب بالسهام رشيق … مشتهى حسنه هو المعشوق هو فى مصر روضة ومحيّا … ووسيم يصبو (١) إليه المشوق وقوله فيها أيضا: وروضة أضحى لها المنتهى … وحسنها المعشوق والمشتهى وهى لمن قد حلّها روضة … وجنّة فيها الذى يشتهى وقال الشهاب المنصورى: كأنما الروضة الغنّاء غانية … بحبّها قلب هذا النيل مشغول أعطافها من غصون الدوح مائسة … وريقها من زلال الماء معسول وللمنصورى: أسفر وجها ورنا مقلة … يا خجلة البدر وظبى الصريم فى مشتهى وجنته روضة … تزهو بوجه قمرى وسيم وقال المعمار: حلّت لمعشوق مصر … فى روضة الخدّ نقطة ومشتهى النفس منه … ردف به زاد غبطة والقدّ مقياس حسن … وزاد فى الخلق بسطة وللشهاب بن صالح: إن جئت بحر النيل عدّى روضة … يا مشتهاى وقاتلى من صدّه ولئن أتتك من العذول ملامة … فاضرب على قول العذول وعدّه ما قيل فى القوس الذى كان بالروضة من المفترجات القديمة، قال فيه شمس الدين النواجى: مصر قالت دمشق لا … تفتخر قطّ باسمها لو رأت قوس روضتى … منه راحت بسهمها

стр. 64

ما قيل فى الكوادى التى تجاه المنشية: مررت بشطّ النيل يوما فخلته … مراتع غزلان كوين فؤادى وناحت على غصن هناك حمامة … سقاها الهوى من لوعتى وبعادى فإن أنكروا العذال حالى وحالها … أقول هوى قد ضرّنى وكوادى ولابن نباتة فى دار النحاس: لقد أسعد الله رأى الذى … بنى مسجدا وصفه قد وجب لدار النحاس به بهجة … فدار النحاس كدار الذهب ما قيل فى منشيّة المهرانى، لبعضهم فيها: منشيّة الحسن أقمنا بها … مع رغد فى جنّة عالية أطيارها صاحت بأغصانها … ولم تزل أنهارها جارية ما قيل فى موردة الحلفا، لبعضهم فيها: بدا الشعرفى الخدّ الذى كان يشتهى … يبيّن للمحبوب حالى وما يخفى وقد كانت الوجنات بالأمس روضة … من الورد وهى الآن موردة الحلفا ما قيل فى الجزيرة المسمّاة (١) بالطمية، لابن مكانس: بأبى الطمية جنّة قد زخرفت … حور وولدان بها ورحيق لى فى ربى قيناتها الرتب العلى … ولها بقلبى هزّة وعلوق ما قيل فى الجزيرة التى ظهرت قبالة المقياس، وقد سمّيت حليمة، وفيها يقول الشيخ إبراهيم المعمار: جزيرة البحر هامت … بها عقول سليمة لما حوت حسن معنى … وبسطة مستقيمة فكم يخوضون فيها … وكم مشوا بنميمة ولم تزل ذى احتمال … ما تلك إلا حليمة ما قيل فى قناطر أمّ الخمس التى فى الجيزة، قال برهان (٢) الدين القيراطى

стр. 65

فيها: قناطر الجيزة كم قادم … عليك يلقى فيك أقصى مناه أتاك قوم لاطة فانحنى … ظهرك للوطئ وصبّ المياه وقال ابن أبى حجلة: سقيا لقنطرة بجيزة مصركم … بسطت بسيط الماء مثل لحاف فكأنها قوس ورغوة مائها … قطن تقلّبه يد الندّاف ما قيل فى وسيم التى بالجيزة، وفيها يقول ابن فضل الله: ما مثل مصر فى زمان ربيعها … لصفاء ماء واعتدال نسيم أقسمت ما تحوى البلاد نظيرها … لما نظرت إلى جمال وسيم ما قيل فى الأهرام، لابن عبد الظاهر دوبيت: لله ليال أقبلت بالنعم … فى ظلّ بناء شاهق كالعلم بالجيزة والنيل بدا أوّله … فى مقتبل الشباب عند الهرم ما قيل فى الجانكى الذى كان فيه شجر الورد، وهو بالجيزة، وكان من مفترجات مصر القديمة، إلى سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، ثم انقطع الورد من هناك وبطل أمره، كما بطل أمر البلسان من المطرّية؛ وكان البلسان أشبه شئ بورق الملوخية، وكان ذكىّ الرائحة، وله رائحة غريبة، وكان أيضا من مفترجات مصر بالمطريّة، يسمّونه عند القبط عيد المشمشة، ويتوجّهون هناك أعيان الناس على سبيل الفرجة، ثم بطل ذلك مع جملة ما بطل من مفترجات مصر، وفى الجانكى يقول بعض الشعراء فى الورد الذى كان به: انظر إلى الورد إذ ماست معاطفه … فوق الغصون سحيرا والندى نزلا عرب عذارى بوجنات موردة … وثيّبات نشاوى من ورود طلا رقصن ملتحفات سندسا خضرا … فنقّطت بنضار فاكتست خجلا وقال الصاحب فخر الدين بن مكانس فى بئر البلسان من موشح: بئر لها التعظيم والجلاله … بدرا أنارت واستدارت هاله

стр. 66

أنموذج الفردوس لا محاله … لها على الجنّة أى دلاله تذكّر الناس نعيم الخلد ما قيل فى جزيرة أروى والزربيّة، قال المنصورى: قم سيدى نسعى إلى فرج زهت … ما بين أملاق وبين جسور ونرى زرابيا بها مبثوثة … تسبيك بالولدان أو بالحور وقال آخر: إذا رحت الجزيرة كى أعدّى … أرى خلقا كخيل للطراد فأذكر يوم حشر الخلق طرا … وأدعو بالسلامة فى المعاد وقال ابن أبى حجلة: أمسيت فى قصب الجزيرة مغرما … وبقدّه العسّال كالولهان عيدانه لولا حلاوة ذوقها … شبّهتها فى الشكل بالمران ولابن قادوس فى الجزيرة: أرى سرح الجزيرة من بعيد … كأحداق تنازل والمغازل كأن مجرة الجوزاء حطّت … وأنبتت المنازل فى المنازل ما قيل فى بولاق، لبعضهم مطلع زجل: فى جزيرة بولاق رأينا عجب … أسد ساروا معهم ظبا شاردين حين رأينا ذيك الوجوه الصباح … أذهلونا خضنا مع الخائضين وقال بعض الموّالة فى جمع أسماء المفترجات: بريم جيزة حلاوى صنعة الخلاّق … خلّى دموعى خطيرى بحرفى إطلاق لو لفظ مقياس منية طيّب الأخلاق … وخدّ روضة وخالوا المشتهى بولاق وكان من مفترجات مصر مكان يعرف بالسبع همايل، وكان بالقرب من شبرا على بحر النيل وكان يقصد للفرجة، وفيه يقول سيدى أبو الفضل بن أبى الوفا: هلّ طربا دارت دواليبنا … بضوع نشر الزهر الشائع أمّ فقدت فى الروض إلفا لها … فلم تدر إلا على ضائع

стр. 67

ما قيل فى المنية، قال شمس الدين النواجى: أركب النيل ما استطعت ففيه … راحة لفتى وغاية بغيه كم تفرّجت حين سافرت فيه … في بلاد وكم ظفرت بمنيه وكان من مفترجات مصر قديما مكان يعرف بالتكة، وكان مكان الأزبكية الآن، وفيه يقول المعمار: يا طالب التكة نلت المنى (١) … وفرت منها ببلوغ الوطر قنطرة من فوقها تكة … وتحتها تلقى ومن المفترجات الحادثة، وهى بركة الأزبكية، التى أنشاها الاتابكى أزبك، سنة إحدى وثمانين وثمانمائة، وفيها يقول الشيخ شمس الدين القادرى، ﵀: يا حسنها بركة بالحسن ما برحت … تزهو على سائر الحلجان والبرك تجمّع الحسن فيها من معادنه … فأصبح الحسن فيها عبر مشترك حفّت بدارتها الأقمار فهى بهم … تضئ فى حندس الديجور والحلك مرآة حسن فربّات الجمال بها … مثل الشموس ترى فى دارة الفلك وعند ما نصبت أشراك بهجتها … صادت طيور قلوب الناس بالشرك وقال على بن سعيد المغربى فى بركة الفيل: انظر إلى بركة الفيل التى اكتنفت … بها المناظر كالأهداب المبصر كأنما هى والأبصار ترمقها … كواكب قد أداروها على القمر ما قيل فى الخليج زمن النيل، قال الشهاب المنصورى: جل بعينك تلق فوق الخليج … زبدا رابيا كقطن حليج أو شذورا من أبيض الغيم زانت … زرقة فى السماء ذات البروج ولابن (٢) مماتى: خليج كالحسام له صقال … ولكن فيه للرأى مسرّة

стр. 68

رأيت به الصغار تجيد عوما … كأنهم نجوم فى مجرّة ولابن الصاحب: لله حسن خليج تحت قنطرة … بيضاء قد أحكمت عقدا على الطرق كأنّه وهو سار تحتها فرس … يوم الرهان له سرج من الورق ما قيل فى بركة الرطلى، وهى من أحسن مفترجات مصر، فى زمن النيل والربيع، وكان منشؤها سنة خمس وعشرين وسبعمائة، فى دولة الناصر محمد بن قلاون، وكانت تعرف بأرض الطبالة قديما، وفيها يقول الشيخ شمس الدين بن الصايغ الحنفى: فى أرض طبالتنا بركة … مدهشة للعين والعقل ترجح فى ميزان عقلى على … كل بحار الأرض بالرطل وقيل فيها: انظر إلى بركة الرطلى مبتهجا … واشرح محاسنها يا أيها الحاكى الماء والنبت والحور الحسان بها … كأنّها جنّة حفّت بأملاك وقال آخر: قد قلت فى بركة الرطلى إذ جمعت … من البدور وأصناف اللاح زمر إن كان فى الفلك الأعلا يرى قمر … فهذه فلك دارت بألف قمر وقال الشهاب المنصورى: دعوتك فانهض مسرعا يا أخا الفضل … لنشرب أرطالا على بركة الرطلى فقد سلّ كفّ الخصب سيف خليجه … ليضرب عنق الجدب أوهامة المحلى وقد مدّت الأدواح أيدى غصونها … إلى النيل تستحلى لماه وتستجلى وقال على ابن سودون مواليا: يا بركة الرطلى ليس روحى لكى ترتاح … لأن ما فيك لا غولة ولا تمساح كم من فتى استحى لما إليكى راح … خلع عذارو وصار فيكى خليع مشكاح ما قيل فى الجسر الذى بالبركة، للمنصورى: وبى ليلة بالجسر فيها تجاسرت … يداى على شرب المدامة بالرطلى

стр. 69

وقد سنح الأرام فى ضوء بدرها … فإن خفن من واش تسترن بالظلّ فقم نجتليها من غزال مسلط … بكسرة أجفان على صحّة العقل ما قيل فى الجنينة التى بجوار بركة الرطلى، للشهاب المنصورى أيضا: كم بالجنينة من قتيل حشيشة … لا يستفيق ولا بنفخ الصور وهبت له الخضراء من أفعالها … آذان أطروش وعين ضرير وقوله فيها أيضا: كم بالجنينة من أصمّ أبكم … ورجلاه فى قيد وعيناه فى قفل أشبهه فى خلقه بابن آدم … مجازا وفى أكل الحشيشة بالعجل يحاول منه الناس ردّ جوابهم … وكيف يردّ القول من مات بالقتل أيصغى بلا سمع، أيومى بلا يد … أيرنو (١) بلا عين، أيمشى بلا رجل ما قيل فى كوم الريش، وهو من المفترجات القديمة: انظر إلى كوم ريش قد غدا نزها … للبّ كل سليم الطبع يجتلب به بحار لآلى قد حوت قضبا … من الزبرجد منها يحصل العجب ولا تقل كوم ريش ماله ثمن … فإنّ بالريش حقا يحسن الذهب ما قيل فى قناطر الأوز، وبرك البشنين، قال القائل: فى مصر تعزى للأوز قناطر … يصبو النديم بها لخمرة كأسه وحكى بها البشنين شخصا خائضا … فى الماء لفّ ثيابه فى رأسه ما قيل فى التاج، والسبع وجوه، وكان من مفترجات مصر قديما، وقد هدم سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة، فى دولة الظاهر جقمق، ولم يبق (٢) له أثر يعرف، قال ابن حجة فيه: سبع وجوه لتاج مصر … تقول ما فى الوجود شبهى وعندنا ذو الوجوه يهجى … وأنت تاج بفرد وجه

стр. 70

وفيه بقول الصاحب فخر الدين بن مكانس، من موشح: والتاج يعلو فوق هام الزهر … والسبعة الأوجه ذات البشر وكل وجهه حولها كقصرى … مثل بروج حلّ فيها بدر وقد أتى فى كل برج سعد ولبعضهم: محاسن مصر تبدو حين تجلى … بتاج زانه درر وقرط وقد كتب الربيع بها سطورا … وأتقن خطّها شكل ونقط وللعقيلى: الروض من أنهاره وبهاره … فى المصمت الفضّى والديباج تعلو رعيته ملوك غصونه … هذا بإكليل وذاك بتاج ما قيل فى برك النيلوفر (١) التى بالأميرية، لبعضهم: رأيت فى بركة نيلوفرا … نسيمه يشبه نشر الحبيب مفتّح الأحفان من نومه … حتى إذا الشمس دنت للمنيب أطبق جفينه على عينه … وغاص فى البركة خوف الرقيب وفيه يقول التنوخى: ألف المياه تشاكلا بلطافة … فمتى يفارق إلفه لم يصبر فكأنه والماء صاحب مذهب … اغراه وسواس بأن لم يطهر ما قيل فيما يزرع بمصر زمن الربيع، من القوط، والكتّان، والعول؟؟؟ الأحضر، والخشخاش، وغير ذلك؛ ما قيل فى القرط: وزهر قوط قد بدا … ينفى هموم المكمد تخاله جواهرا … فى قصب الزبرجد ما قيل فى الكتّان، فمن ذلك لعلى بن برديك: وكأن الكتان والأرض تحكى … صفحة العنبر المشوب بورد

стр. 71

ألفات زمرّد قد علاها … همزات النضار واللازورد وقال آخر فيه: انظر لكتّاب روض … وزهره حين يبدو زمرد ألفات … همزاتها لازورد ما قيل فى اللبسان، لبدر الدين بن جمعة: كأنّما اللبسان إذ … أخرج زهرا فى الشبه أغصان نبت زبرجد … تيجانها مذهّبة ما قيل فى الفول الأخضر، قال الصفى الحلّى: انظر لزهر الباقلاء وقد غدا … فوق القضيب يميس فى أبراده يحكى عيون الغيد فى تلويزها … بفتوره وبياضه وسواده ما قيل فى زهر الخشخاش، لبعضهم فيه: وزهر خشخاش بدا مشرقا … كعسكر للحرب قد بيرقا وإن رمى أوراقه مثمرا … عاد دبابيس إلى الملتقا وقال ابن النبيه: طاب الربيع كأنما عجن الصبا … كافور مزنته بعنبر طيبه وتفضّضت أزهاره وتذهّبت … فكأنها الطاووس فى تلوينه انتهى ما أوردناه فى مفترجات مصر، على التمام والكمال.

стр. 72

ذكر من ملك الديار المصرية فى أول الزمان من الجبابرة، والفراعنة، واليونان، والقبط، وغير ذلك، إلى مبتدأ دولة الإسلام، ومن ملكها فى الإسلام، إلى دولة الأتراك، ومن ملكها من الأتراك، إلى عامنا هذا، وهو عام إحدى وتسعمائة؛ وذلك على توالى السنين، وانتهاء كل دولة، وما وقع فيها من الحوادث من المبتدأ للمنتهى (١)، وذلك على الترتيب، كما سيأتى ذكر ذلك فى مواضعه، إن شاء الله (٢) تعالى، والمستعان بالله فى المبتدأ والختام، ومن هنا نشرع فى الكلام: قال العلامة أحمد بن يوسف التيفاشى فى كتاب: «سجع الهديل فى أوصاف النيل»: إنّ شيث بن آدم، ﵇، دخل مصر، ونزل بها، هو وأولاد أخيه قابيل، وكانت مصر تدعى بايلون، فسكن شيث فوق الجبل، وسكن أولاد أخيه قابيل أسفل الوادى، وصاروا يتوارثونها إلى أيام أخنوخ، وهو إدريس، ﵇، وهو أول من تكلّم فى علم الهيئة، وعلم النجوم. وأما ما ذكره محمد المسعودى، قال: أول من ملك أرض مصر قبل الطوفان، تبليل الألسن، وهو من أولاد قابيل بن آدم، ﵇، وكان عالما بعلم الطلسمات، والكيميات، وغير ذلك من العلوم الجليلة، واستمرّ على مصر إلى أن هلك؛ وتولّى من بعده ابنه نقراؤش الجبّار، وهو الذى بنى مدينة أمسوس، وهى أول مدينة بنيت بأرض مصر. وكان جماعة من أولاد قابيل يسكنون فى مغائر فى الجبل المقطم، تجاه طرا، واستمرّوا على ذلك حتى بنى نقراؤش هذه المدينة، وصارت دار المملكة قبل الطوفان؛ ثم تزايدت العمائر، وبنيت المدن، حتى قيل: كان من مدينة أمسوس إلى الغرب أربعمائة مدينة محكمة البناء، يسكنها أمم من الجبابرة، وذلك قبل الطوفان.

стр. 73

قال العلامة إبراهيم بن وصيف شاه، فى أخبار مدينة أمسوس، وما كانت عليه من العجائب، قيل: كان بها طائر من نحاس، على أسطوانة من رخام أخضر، يصفّر كل يوم عند طلوع الشمس مرّتين، وعند غروبها مرّتين، فيستدلّون بتصفيره على ما يكون من الحوادث فى ذلك اليوم، فيتهيّئون لها؛ وعمل صنم من حجر أسود فى وسط المدينة، وتجاهه صنم مثله، إذا دخل المدينة سارق، لا يقدر أن يزول حتى يسلك بينهما، فإذا سلك بينهما أطبقا عليه، فيؤخذ باليد. وعمل على جوانب هذه المدينة أصناما من نحاس أصفر، وهى مجوّفة، وملأها كبريتا، ووكّل بها روحانية النار، فكانت إذا قصدهم عدوّ أرسلت تلك الأصنام من أفواهها نارا أحرقته من وقته؛ وعمل فوق جبل بطرس منارا، يفور منها الماء، ويسقى ما حولها من المزارع؛ ولم تزل هذه الآثار باقية حتى أزالها الطوفان. وقيل نقراؤش هو الذى أصلح مجرى (١) النيل، وكان قبل ذلك يتفرّق بين الجبلين، فوسّع طريقه، وقطع من الجبلين، وأجراه إلى بلاد النوبة، وشقّ منه نهرا عظيما، وبنى عليه المدن، وغرس فيها الأشجار، ثم سار إلى منبع النيل حتى بلغ خط الاستواء. ونظر إلى البحر الأسود المسمّى بالزفتى، ورأى (٢) النيل يجرى عليه كالخيط الأبيض، حتى يدخل تحت جبل القمر؛ ثم رجع إلى مدينة أمسوس، وأقام بها مائة وثمانين سنة، حتى هلك؛ فلما مات لطّخ جسده بأدوية مفردة، حتى لا يبلى، وجعل فى تابوت من ذهب، ودفن فى مدينة أمسوس؛ ولم تزل مدينة أمسوس باقية حتى محاها الطوفان. ولما مات نقراؤش خلف من الأولاد ثلاثة، وهم: نقراش، ومصريم، وعيقام؛ فتولّى بعده ابنه نقراش، وكان عالما بعلم الكهانة، والسحر، والطلسمات، وكانت

стр. 74

الشياطين تحمله بسريره على أعناقهم، وتطوف به سائر الأقاليم، حتى انتهى إلى البحر المحيط، وبنى هناك قلعة فى وسط البحر المحيط، ثم رجع إلى أمسوس، وأقام بها حتى هلك. ثم تولّى بعده أخوه (١) مصريم، وهو الذى بنى مدينة مصر، وإليه تنسب، وجعل هذه المدينة على عشرين ميلا، وأجرى (٢) إليها ماء النيل، وغرس بها شجرة عظيمة، كانت تطعم سائر الفواكه، وعمل فى وسط المدينة قبّة من رخام أحمر، وعلى رأسها صنم من نحاس، ووكّل به الروحانية، فكان إذا خرج أحد من اللصوص فى الليل هلك مكانه، وجعل بهذه المدينة أشياء كثيرة من الطلسمات (٣)، والسحر. واستمرّ على ذلك حتى هلك، وتولّى بعده أخوه (١) عيقام، وكان عالما بعلم الكهانة، والسحر، وإليه تعزى كتب القبط، التى (٤) فيها تواريخهم، وما يحدث فى الدنيا إلى آخر الزمان؛ وقيل إنّ إدريس، ﵇، رفع فى أيامه إلى السماء؛ والقبط تذكر عن عيقام (٥) هذا أشياء غريبة من السحر، لا تقبلها العقول لغرابتها. وقيل إنّه توجّه إلى جبل القمر، وبنى (٦) هناك قلعة من نحاس أصفر، وجعل على منبع النيل هناك خمسة وثمانين تمثالا من نحاس، يخرج من حلوقها ماء النيل، بقانون وتدبير، بما يكون فيه لأهل مصر المنفعة، دون الفساد؛ وقدّر ذلك على ستة عشر ذراعا، بما تروى به أراضى مصر كلها، أعاليها وأسافلها، ويحصل لها الرىّ الكامل فى جميع جهاتها؛ واستمرّ عيقام ساكنا بالقصر الذى بناه على سفح جبل القمر، عند البطائح التى يصبّ فيها ماء النيل من تلك التماثيل، التى (٤) صنعها هناك، إلى أن هلك ودفن بقصره المذكور.

стр. 75

ولما مات تولّى بعده ابنه عرياق، وكان عالما بعلم الطلسمات، قيل إنّه عمل شجرة من نحاس أصفر، ولها فروع، إذا قرب منها الظالم اختطفته بتلك الفروع، فلا تفلته حتى يقرّ بظلمه، ويخرج من ظلامة خصمه؛ وقيل إنّ هاروت وماروت كانا فى زمانه؛ وقيل إنّ عرياق هذا بنى فى وسط مدينة أمسوس قبّة عظيمة، وفوقها كالسحابة التى فى السماء، تمطر مطرا خفيفا، شتاء وصيفا، وعمل تحت تلك القبّة مطهرة، فيها ماء أخضر، يتحصّل من ذلك المطر، فإذا استعمله من به عاهة برأ من وقته. واستمرّ عرياق على ذلك حتى تغايرن عليه نساؤه (١)، فعمدت إحداهن إلى طعام، ووضعت فيه السمّ، وقدمته إليه، فأكل منه، فمات من وقته، فكان كما قيل فى المعنى: كن (٢) ما استطعت عن النساء بمعزل … إنّ النساء حبائل الشيطان ولما مات عرياق، تولّى بعده ابنه لوجيم، وكان عالما بعلم الطلسمات، والسحر، وكانت له أعمال عجيبة، منها أنّه عمل أربع منارات فى جوانب مدينة أمسوس، وجعل على كل منارة صورة غراب، وفى فمه حيّة قد التوت عليه، فلما عاينوا الغربان ذلك، نفروا من المدينة، وكانوا قد أفسدوا الزروع والبساتين، وأكلوا الثمار، فمن حينئذ لم يدخل المدينة غراب؛ واستمرّ لوجيم على ذلك حتى هلك. وتولّى بعده خصليم، وكان عالما بعلوم الهندسة، وهو أول من عمل مقياسا لزيادة النيل، وبناه بالرخام، وجعل فى وسطه بركة صغيرة، فيها ماء موزون بالحكمة، وعليها عقابان من نحاس، أحدهما ذكر، والآخر أنثى، فإذا كان أوان الشهر الذى يزيد فيه النيل، جمع الكهّان على تلك البركة، وتكلّموا بكلام، فإن صفّر الذكر، كان النيل عاليا فى تلك السنة، وإن صفّرت الأنثى كان النيل ناقصا، فيستعدّون لذلك؛ وهو الذى بنى (٣) القنطرة الكبيرة ببلاد النوبة، على بحر النيل؛ واستمر
следующие страницы →