بالقتال لهم، والمحاصرة؛ فلما حاصروهم لم يطيقوا القبط ذلك، وتسحّبوا فى السفن إلى الروضة، وحصّنوا برّها بالسفن من كل ناحية، وأحدقوا بهم المسلمون من كل جهة؛ فلما رأى المقوقس ذلك، قال للقبط: «ألم أعلمكم بهذه الأحوال قبل وقوعها، فما تروا (١) الآن»؟ قالوا: «نذعن للجزية، ونعقد الصلح بيننا وبينهم».
فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص، يقول له: «إنّى لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال، التى أرسلت إلىّ بها، فأبى ذلك علىّ من حضرنى من القبط، والآن عرفوا نصحى لهم، ورجعوا إلى قولى لهم بالنصح، فأعطنى منك أمانا، أجتمع أنا وأنت، فإن استقام الأمر بيننا، تمّ لنا ذلك، وإن وقع بيننا خلف، رجعنا إلى ما كنا عليه».
فلما سمع عمرو ذلك، استشار أصحابه فى ذلك، فقالوا: «لا تجبه إلى الصلح، ولا الجزية، ونحاربه حتى يفتح الله علينا بالنصر عليهم»؛ فقال لهم عمرو: «قد علمتم ما عهد إلىّ به أمير المؤمنين، بأن أجيب إلى خصلة من هذه الخصال الثلاث (٢)، وقد طال الأمر بيننا وبينهم».
فعند ذلك اجتمع رأى الصحابة، ﵃، على أن يفرضوا على كل رأس من القبط دينارين، وليس على الشيخ الفانى، ولا على الصغير الذى لم يبلغ الحلم، ولا على النساء شئ من الجزية، وعلى أنّ للمسلمين عليهم النزول والضيافة حيثما كانوا من القرى، مقدار ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى ذلك عقدنا بيننا وبينهم الصلح.
فأرسل عمرو يقول للمقوقس: «قد وقع الرأى بيننا على أن تزنوا الجزية، كما تقرّر الحال عليه».
قال ابن عبد الحكم: «كان عدد القبط يومئذ ثمانية آلاف ألف إنسان، غير الروم؛ ثم إنّ المقوقس قال للروم: «من أحبّ منكم أن يقيم بأرض مصر، فليزن الجزية، ومن أراد الخروج إلى أرض الروم، فليخرج، ولا جزية عليه».
стр. 107
ثم إنّ المقوقس كتب كتابا إلى ملك الروم، يعلمه بذلك، فكتب إليه ملك الروم:
«قد أتاك من العرب اثنا عشر ألف إنسان، فعجزت عن قتالهم، وبمصر ما لا يحصى عددهم من الروم، فلا سبيل إلى هذا أبدا»؛ فأرسل المقوقس يقول لعمرو بن العاص:
«إنّ ملك الروم لم يوافق على أمر الصلح، ولا الجزية، ولم يكن نقض الصلح منى».
ثم جاءت الأخبار بأنّ ملك الروم، أرسل عسكرا عظيما فى البرّ والبحر، فلما سمع ذلك عمرو، خرج إليهم بمن معه من العربان، فتلاقوا بالكربون.
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص على مقدّمة الجيش، وحامل اللواء يومئذ وردان، مولى عمرو، فعند ذلك صلّى عمرو صلاة الخوف، وبرز للقتال، وتلاقى (١) مع عساكر الروم هناك.
فلم تكن إلا ساعة وقد فتح الله تعالى على المسلمين بالنصر على عساكر الروم، فقتل فى ذلك اليوم من عساكر الروم ما لا يحصى عددهم، وقتل من الصحابة، فى ذلك اليوم، اثنان وعشرون رجلا.
فلما وقعت الكسرة على عسكر الروم، توجّهوا إلى ثغر الإسكندرية وحصّنوها، وكان عليها يومئذ سبعة أسوار؛ فلما تحصّنوا الروم بالإسكندرية، أرسل هرقل إلى سائر أعماله من البلاد، يستحثّهم فى جمع العساكر، وسرعة الحضور، وقصد قتال عمرو وأصحابه، فلما سمعوا الصحابة بذلك، تقلّقوا وضاق صدرهم.
ثم بعد أيام قلائل جاءت الأخبار بأنّ هرقل قد هلك، وكفى الله المؤمنين القتال، فكان كما قيل فى المعنى:
تذكّر صنع ربّك كيف يأتى … بما تهواه من فرج قريب
فلا تيأس إذا ما ناب خطب … فكم فى الغيب من عجب عجيب
قال الليث بن سعد، ﵁: مات هرقل سنة عشرين من الهجرة، وكسر الله تعالى بموته شوكة الروم.
قال ابن لهيعة: إنّ مصر فتحت قبل فتح الإسكندرية بتسعة أشهر، وقد اختلف
стр. 108
العلماء فى فتحها، عنوة أو صلحا.
قال ابن شهاب: فتحت مصر، بعضها عنوة، وبعضها صلحا.
وقال يزيد بن أبى حبيب: مصر كلها فتحت بالصلح، إلا الإسكندرية، فإنّها فتحت عنوة.
قال ابن عبد الحكم: لما أبطأ خبر الفتح على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، كتب إلى عمرو بن العاص كتابا يقول فيه: «أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن خبر الفتح، منذ سنتين، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ ، أنّ مصر ستفتح على أيديكم، وما ذاك إلا لما أحدثتم، وأحببتم من الدنيا فى قلوبكم، وأنّ الله تعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نيّاتهم؛ فإذا أتاك كتابى، فاخطب بالناس وحضّهم على القتال، ورغّبهم فى الصبر، وأن تكون لهم صدمة، كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال من يوم الجمعة، فإنّها ساعة تنزل فيها الرحمة، ووقت الإجابة».
فلما أتى كتاب عمر إلى عمرو، قرأه على المسلمين، ثم صلّى ركعتين، وسأل الله تعالى النصر على الأعداء.
وكان عمرو، لما أتاه كتاب أمير المؤمنين عمر، كان على الإسكندرية يحاصرها، فلما قرأ كتاب أمير المؤمنين، توجّه إلى القتال، وكان ذلك فى يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين من الهجرة، فبرزوا للقتال كصدمة رجل واحد، فانتصروا على الروم الذين (١) هناك من عساكر هرقل.
قال ابن لهيعة: استشهد فى فتح الإسكندرية برقا بن الأسود، وكان من مشاهير الصحابة.
فلما فتحت الإسكندرية، وكانت يومئذ دار المملكة، هرب الروم الذين (١) كانوا بها، وتسحّبوا فى المراكب الكبار، وحملوا ما قدروا عليه من الأموال، ومن الأمتعة، وتوجّهوا إلى نحو بلاد الروم، وتأخّر منهم جماعة بالإسكندرية.
قال ابن عبد الحكم: أحصى من بقى بالإسكندرية من عساكر الروم، غير
стр. 109
من تسحّب منهم، فكانوا نحو ستمائة ألف إنسان، غير الصبيان، وغير النساء، فأفرضت عليهم الجزية، على كل رأس دينارين؛ وكان بها أربعون ألف يهودى، فرضت عليهم الجزية.
قال ابن لهيعة: لما توجّه عمرو بن العاص إلى فتح الإسكندرية، بعد فتح مصر، فحاصر المدينة مدّة طويلة؛ فلما أعيى [١] من ذلك، جاء إليه رجل يقال له ابن بسامة، وكان بوّابا بالإسكندرية، فقال له: «أيها الأمير، أعطنى الأمان لى، وأولادى، وأهل بيتى، وأنا أفتح للعسكر بابا مخفيا [٢] عن الناس، من أبواب المدينة، فيملكونها من غير قتال»؛ فأجابه عمرو بن العاص إلى ذلك، ففتح له الباب، فما شعر أهل المدينة إلا وقد هجم عليهم العسكر، وملك المدينة، فتسحّب من كان بها كما تقدّم، وقد أخذل الله تعالى عساكر الروم، حتى فتحت هذه المدينة العظيمة، وكانت فى غاية التحصين، قيل كان عليها ثلاثة أسوار.
قال ابن عبد الحكم: لما فتحت مصر، والإسكندرية، فأرسل عمرو بن العاص يبشّر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، فتوجّه بهذه البشارة معاوية [٣] ابن خديج، فسار حتى دخل المدينة الشريفة، وقت الظهر، فلما أخبر أمير المؤمنين بذلك، فنادى بالصلاة جامعة، فتسامعت الصحابة [٤] بذلك، وأتوا أفواجا، فلما تكاملوا خرج أمير المؤمنين عمر، وصلّى بهم ركعتين، شكر الله تعالى على تلك، ثم صلّى بهم صلاة الغيبة، على من استشهد فى هذا الفتح من الصحابة، ﵃، وكان فتح [٥] مدينة الإسكندرية عنوة، بغير عهد ولا صلح.
وكان معنى كتاب عمرو بن العاص، إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁: أما بعد، فإنّى فتحت مدينة الإسكندرية، وهى مدينة لا أقدر أن أصف لك
стр. 110
ما فيها؛ وهى ثلاث مدائن، بعضها فوق بعض، تختطف بالأبصار من شدّة بياض حيطانها؛ وفيها من الأعمدة الرخام ما لا يحصى عددهم.
وبها منار فى وسط البحر، طوله نحو أربعمائة ذراع (١)، وفئ أعلاه مرآة مسلّطة على بلاد الفرنج، ينظر الرائى فيها ما يحدث فى بلاد الفرنج، ومن يقصد المدينة من العدو فى المراكب، فيخبر بذلك أهل المدينة، قبل وصول المراكب إليها بأيام، فيستعدوا (٢) لذلك، وهذا المنار من جملة عجائب الدنيا، ليس فى سائر الدنيا أعجوبة تشاكله.
وبها عمود، يقال له عمود السوارى، ارتفاعه سبعون ذراعا، وقطره خمسة أذرع، وله قاعدتان، طول كل واحدة اثنا عشر ذراعا؛ ووجدت بالمدينة أربعة آلاف دار محكمة البناء، مفروشة بالرخام الملوّن، وفى كل دار منها حمّام تختصّ بها؛ ووجدت بها أربعمائة ملهى برسم الملوك؛ ووجدت بها اثنى عشر ألف بقّال، يبيعون البقل الأخضر من بعد العصر إلى العشاء.
ووجدت بها مائة ألف مركب، من مراكب الروم، الكبار؛ ووجدت بها أربعين ألف يهودى وجبت عليهم الجزية؛ ومن الروم، والقبط، ستمائة ألف إنسان، سوى النساء والصبيان؛ ووجدت على هذه المدينة ثلاثة أسوار مانعة، فأعان الله تعالى، وفتحت هذه المدينة على أيدى المسلمين.
فلما جرى ذلك، أرسل أمير المؤمنين عمر، إلى عمرو بن العاص، تقليدا بولاية مصر، على يدى معاوية بن خديج، فكان عمرو بن العاص أول من تولّى على مصر فى مبتدأ الإسلام، وهو أول أمرائها. ثم إنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، كتب إلى عمرو بن العاص كتابا يقول له فيه: «من كان من القبط، والروم، فى أيديكم، فخيّروه بين الإسلام ودينه، فإن أسلم، فهو من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وإن اختار دينه، فأبقوه على دينه، وقرّروا عليه فى كل سنة دينارين».
стр. 111
ثم إنّ معاوية بن خديج أتى إلى عمرو بن العاص بكتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، وتقليد له بولاية مصر.
قال ابن عبد الحكم: لما فتح عمرو بن العاص الحصن، وهو المسمّى الآن قصر الشمع، فكان فسطاطه قبالة الحصن، فلما أراد التوجه إلى الإسكندرية، أمر بنزع الفسطاط من ذلك المكان، فلما أرادوا ذلك، وجدوا عليه عشّ يمامة قد باضت به وأفرخت، فقال عمرو: «اتركوا الفسطاط على حاله احتراما لليمامة التى عشّشت عليه»؛ فلما فتح الإسكندرية وأراد التوجّه إلى الحصن، فقالوا له: «أين ينزل العسكر»؟ قال: «مكان الفسطاط»، يعنى الخيمة التى تركها هناك، فلما بنى (١) هناك المدينة، فسمّيت بمدينة الفسطاط بسبب ذلك.
قال ابن عبد الحكم: لما رجع عمرو بن العاص من الإسكندرية، شرع فى بناء مدينة تجاه قصر الشمع، وكان هذا الموضع يعرف بدار الحصا، فأنشأ هناك دارا يحكم فيها بين الناس، وسمّاها مدينة الفسطاط، فصارت دار المملكة، وهى أول مدينة بنيت فى الإسلام، وكان أولها من كوم الجارح، وآخرها عند الرصد، وصارت تتزايد فى العمارة من مبتدأ الإسلام، إلى أن أنشأ المعزّ القاهرة، فتلاشى أمر مدينة الفسطاط.
قال الشيخ أثير الدين أبو حيّان: أول مدينة عرف اسمها بأرض مصر مدينة أمسوس، وكانت غربى الأهرام، يسكنها ملوك الجبابرة، فلما جاء الطوفان محارسمها، ونسى اسمها؛ ثم بعد الطوفان بنيت مدينة منف، وصارت دار المملكة، يسكنها الفراعنة، وآخر من سكنها من الفراعنة فرعون موسى، ﵇، إلى أن خربها بخت نصر؛ ثم صارت دار المملكة الإسكندرية، وسكن بها القبط، وآخر من سكنها من القبط جريج، المعروف بالمقوقس، وكان يصيّف بمصر، ويشتّى بالإسكندرية.
فلما جاءت دولة الإسلام، وفتحت مصر، فأنشأ عمرو بن العاص، رضى الله
стр. 112
عنه، مدينة الفسطاط، وصارت دار المملكة؛ إلى أن جاء الأمير أحمد بن طولون، فأنشأ مدينة من عند حدرة ابن قميحة إلى الجبل المقطّم، إلى قناطر السباع، وسمّاها القطائع، وصارت دار المملكة.
إلى أن جاء جوهر القائد من الغرب، وأنشأ للمعزّ، القاهرة، فصارت دار المملكة، وبنى (١) بها قصر الزمرد، وكان مكان دار الضرب.
فلما زالت دولة الفاطميين، وجاءت دولة الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فبنى قلعة الجبل، وبنى (١) سور القاهرة بالحجر الفصّ، فصارت قلعة الجبل دار المملكة بمصر إلى يومنا هذا؛ قال العقيلى فى مدينة الفسطاط:
أحنّ إلى الفسطاط شوقا وإنّنى … لأدعو لها أن لا يخلّ بها القطر
وهل فى الحيا من حاجة لجنابها … وفى كل قطر من جوانبها نهر
تبدّت عروسا والمقطّم تاجها … ومن نيلها عقد بها انتظم الدرّ
قال ابن عبد الحكم: لما استقرّ عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط، استقضى (٢) قاضيا يحكم بين الناس، فكان أول قاض قضى (٣) بمصر فى الإسلام، عثمان بن قيس بن أبى العاصى السهمى، تولّى بإذن عمر بن الخطاب، ﵁.
قال ابن عبد الحكم: لما استقرّ عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط، جمع الأقباط، وقال لهم: «من كان عنده كنز وكتمه عنى، ضربت عنقه»، فقيل له: «إنّ شخصا من الأقباط، يقال له بطرس، عنده كنز عظيم»، فأرسل خلفه، فلما حضر بين يديه، قال له: «بلغنى أنّ عندك كنزا فأحضره»، فأنكر بطرس ذلك، فأمر عمرو بسجنه، فسجن أياما.
ثم إنّ عمرو قال للموكّلين به: «هل تسمعون منه يذكر أحدا من أصحابه فى هذه المدّة»؟ قالوا: «نعم، سمعناه يسأل عن راهب فى الطور».
стр. 113
فأرسل عمرو إلى بطرس، وهو فى السجن، وأمره بأن ينزع خاتمه من أصبعه ويرسله إليه، فأرسل إليه بالخاتم الذى كان فى أصبعه، فأخذ عمرو الخاتم وأرسله إلى ذلك الراهب، الذى فى الطور، عن لسان بطرس، وهو يقول له: «أرسل لى الوديعة التى عندك صحبة حامل هذا الخاتم سرعة»، فلما رأى الراهب خاتم بطرس، عرفه، فلم يشكّ فى تلك (١) الأمارة بأنّها صحيحة، فأرسل على يد حامل الخاتم حقّة مختومة بالرصاص.
فلما أحضرت (٢) بين يدى عمرو فتحها، فوجد فيها صحيفة مكتوبا فيها: إنّ الأموال التى وجدت فى كنوز فرعون، تحت الفسقية الكبيرة، التى فى قصر الشمع.
فتوجّه عمرو إلى قصر الشمع، فوجد الفسقية المذكورة ملأى بالماء، فصرف عنها الماء، فوجد أرضها مرخمة بالرخام الأبيض، ففكّ ذلك الرخام، فوجد مخباة فيها ذهب دنانير مسبوكة (٣) كالعرمة القمح، فنقله بالقفاف إلى داره، ثم إنّه اكتاله بالربع، فإذا هو اثنان وخمسون أردبا؛ هكذا نقله إبراهيم بن وصيف شاه فى «أخبار مصر».
ثم إنّ عمرو أحضر بطرس بين يديه، وضرب عنقه بحضرة جماعة من الأقباط، فلما رأوا ذلك صار كل من كان عنده كنز، أحضره بين يدى عمرو، وإلا صار مثل بطرس، انتهى ذلك.
قال ابن نصر المصرى: كان على باب قصر الشمع صنم من نحاس أصفر، على خلقة الجمل، وعليه شخص راكب، وهو فى زىّ العرب، وعلى رأسه عمامة، وفى رجليه نعلان من جلد، فكانت القبط، والروم، إذا تظالوا، واعتدى بعضهم على بعض، يقفوا (٤) بين يدى ذلك الصنم، ويقول المظلوم للظالم: «إن لم تنصفنى قبل أن يجئ هذا الرجل الأعرابى، فيأخذ الحقّ لى منك إن رضيت، أو لم ترض (٥)»،
стр. 114
يعنون بالراكب على الجمل عن النبى، ﷺ ؛ فلما فتح عمرو بن العاص مصر، أخفت القبط ذلك الصنم، لئلا يكون حجّة عليهم.
قال ابن عبد الحكم: كان بالإسكندرية باب (١) لا يزال مغلقا دائما، وعليه أربعة وعشرون قفلا، فعزم المقوقس على فتحه، فنهوه عن ذلك القساوسة (٢) والرهبان، وقالوا له:
«لا تفتح هذا الباب، واجعل عليه قفلا، كما فعل من تقدّمك من ملوك القبظ»، فلم ينته (٣) عن فتحه، فقالوا له الرهبان: «نحن نعطيك من المال ما خطر ببالك أنّ فى هذا المكان منه (٤)، ولا تفتحه»، فلم يسمع لهم شيئا وفتحه.
فلما دخل فيه، فلم يجد به شيئا من المال، ورأى على صدر الحائط منقوشا، هيئة تصاوير العرب، وهم على خيولهم، بعمائمهم، وسيوفهم فى أوساطهم، وهم على الخيل، والإبل؛ ورأى تحت هذه الصور كتابة بالقلم القديم، فأحضر من قرأ ذلك الخطّ، فإذا معناه: «إذا فتح هذا المكان فى آخر الزمان، فتملك العرب المدينة فى السنة التى يفتح فيها».
وكان الأمر كذلك، وملكوا العرب المدينة فى تلك السنة، وكان كل من ملك الإسكندرية يجعل على ذلك الباب قفلا، وهذه الأقفال بعدد من ملك الإسكندرية من الملوك، انتهى.
قال ابن لهيعة: لما فتحت الإسكندرية، احتال جماعة من الروم المستعربة، وأتوا إلى عمرو بن العاص، ﵁، وأحضروا معهم كتابا بخطّ قديم، فإذا فيه مكتوب: أنّ أموال الإسكندر بن فلبش - وقيل فلبش (٥) كان جدّه لأمه ناهيل بنت ملك الروم - المجدونى (٦) الرومى، تحت النار، الذى بالمدينة، عند النصف
стр. 115
من بنائه، فحسّنوا لعمرو بن العاص أن يهدم المنار إلى نصفه، ويأخذ الأموال التى فيه، ثم يعيد بناء المنار إلى ما كان عليه.
فأمر عمرو بهدم المنار، وقلع المرآة التى كانت به، فلما هدموه إلى مقدار ثلثه، فلم يجدوا فيه شيئا من المال، فطلب الجماعة الذين (١) ذكروا له ذلك، فلم يجدهم، وقد هربوا تحت الليل، وتمّت حيلتهم على عمرو بن العاص، وعلم أنّها خديعة من الروم، ثم شرع عمرو فى بناء ما هدم من المنار، ووضع المرآة كما كانت أولا، فبطل فعلها من حينئذ.
وكان من شأن هذه المرآة، إذا دنا من المدينة عدو يقابلون (٢) بهذه المرآة عين الشمس، ويستقبلون بها سفن العدو، فيقع شعاع الشمس على المرآة، فتحترق السفن، وهى فى البحر، ويهلك من فيها من العدو.
وكانت هذه المرآة يرى فيها ما يحدث فى القسطنطينية من الحوادث، حتى يرى فيها المرأة وهى تحلب البقرة، وغير ذلك. فبطل فعلها من يومئذ، وكانت من جملة عجائب الدنيا، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين من الهجرة
فيها أرسل عمرو بن العاص المقداد بن الأسود، ﵁، إلى مدينة دمياط، فحاصر أهلها بمن معه من العساكر حتى فتحها، وكان بها شخص (٣) من القبط، يقال له الهاموك، وكان خال المقوقس، وكان للهاموك ولد يسمّى شطا، فأسلم وأتى إلى المقداد بن الأسود، ودلّه على مكان دخل منه إلى المدينة حتى ملكها، ومات شطا فى المعركة، ليلة النصف من شعبان، سنة إحدى وعشرين، ودفن خارج دمياط، وقبره يزار إلى الآن، رحمة الله عليه، وقد تقدّمت أخباره عند ذكر (٤) مدينة دمياط، انتهى ذلك.
стр. 116
ذكر ما كان من أخبار المقوقس بعد فتح الإسكندرية:
قال ابن لهيعة: لما فتحت الإسكندرية، كان المقوقس بها، فأرسل يطلب الأمان من عمرو، فأرسل له أمانا (١)، وصار المقوقس يزن الجزية عنه، وعن أولاده، وعياله، ويحضر مجالس عمرو بن العاص، فقال له عمرو يوما: «يا مقوقس، لقد ولّيت على مصر إحدى وثلاثين سنة، فأخبرنى بما يكون فيه عمارة أراضى مصر»، فقال له المقوقس: «إنى رأيت الذى يقوم بعمارة أراضى مصر، حفر خلجانها، وإصلاح جسورها، وسدّ ترعها، ولا يؤخذ خراجها إلا من غلالها ويحجر على عمّالها من المطل، ويمنعهم من أخذ الرشاء، وترفع عن أهلها المعاون والهدايا، ليكون ذلك قوّة للمزارعين على وزن الخراج».
وكان بها على زمن فرعون أربعمائة ألف ألف وثمانين ألف ألف حرّاث، يلزمون العمل بها دائما؛ وكان بها مائة ألف ألف وعشرين ألف مزارع (٢)، يتفرّقون فى البلاد، قبلى وبحرى، وقد ضبطت مساحتها فى زمن القبط، عند تلاشى أمرها، بالنسبة إلى ما كانت عليه فى زمن الفراعنة، فكانت مائة ألف ألف وثمانين ألف ألف فدان تزرع، غير البور؛ وكان جملة خراجها فى زمن الفراعنة ألف ألف دينار، بالدينار الفرعونى، وهو ثلاثة مثاقيل من مثقالنا الآن، انتهى.
قال ابن عساكر، فى تاريخه، عن سفيان (٣) بن وهب الخولانى، قال: بينما نحن نسير فى فضاء مصر مع عمرو بن العاص، وكان المقوقس راكبا معه، فالتفت إليه عمرو، وقال له: «يا مقوقس، ما بال جبلكم أقرع، ليس به نبات، ولا شجر، كجبال الشام»؟ فقال المقوقس: «ما أدرى، ولكن أغنى الله تعالى أهل مصر بهذا النيل بما يزرعون عليه، ولكنا نجد فى كتبنا ما هو خير من ذلك»، قال:
«ما هو»؟ قال: «ليدفن تحته قوم يبعثهم الله تعالى يوم القيامة، لا حساب عليهم»،
стр. 117
فقال عمرو: «اللهم اجعلنى منهم»، فقبّر فيه.
قال ابن لهيعة: قبّر تحت الجبل المقطّم من أعيان الصحابة خمسة، وهم: عقبة بن عامر الجهنى، وعبد الله بن حذافة السهمى، وعبد الله بن الحارث الزبيدى، وأبو بصرة الغفارى، وعمرو بن العاص، ﵃ أجمعين.
قال ابن عبد الحكم: واستمرّ المقوقس مقيما بالكنيسة المعلّقة، حتى هلك فى أيام عمرو بن العاص، وكان عمرو يكرمه، ويقبل شفاعته فى الأقباط، وكان المقوقس يحضر إلى عمرو إذا كانت له حاجة، فيقضيها له.
قيل إنّ عمرو بن العاص، هو أوّل من أدخل علم الشطرنج إلى مصر، وإلى بلاد العرب، وكان قبل ذلك ببلاد العجم فقط، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين من الهجرة
فيها شرع عمرو بن العاص فى بناء جامعة الكبير، الذى بالقرب من قصر الشمع، بمصر العتيقة؛ قال الليث بن سعد، ﵁: لما فرغ عمرو بن العاص من بناء مدينة الفسطاط، شرع فى بناء الجامع المعروف به، وهو أول جامع بنى فى الإسلام بمصر، وكان مكان أرضه أشجار وبساتين، فمحا ذلك، وبنى هذا الجامع؛ وكان طوله أولا نحو خمسين ذراعا، فى عرض ثلاثين ذراعا.
قال ابن فضل الله فى «المسالك»: لما وضع عمرو قبلة هذا الجامع، كان واقفا عليه نحو ثمانين رجلا من الصحابة، فلما اتّخذ المنبر جعله عاليا، فكتب إليه عمر ابن الخطاب، ﵁: «بلغنى أنّك قد اتّخذت منبرا عاليا، ترقى به على رقاب المسلمين، فعزمت عليك، ألا ما كسرته»؟
قال ابن عبد الحكم: لما بنى عمرو هذا الجامع، جعل إلى جانبه دارا، وسمّاها دار أمير المؤمنين؛ فلما بلغ أمير المؤمنين ذلك، كتب إلى عمرو، وهو يقول له: «بلغنى أنّك بنيت لى دارا، وإنى لرجل بالحجاز، أفيكون لى دار بمصر، فعزمت عليك بالله، ألا ما جعلتها سوقا للمسلمين»؟ فامتثل عمرو ذلك، وجعلها سوقا يباع فيه الرقيق، وهى تسمّى إلى اليوم دار البركة.
стр. 118
قال ابن عبد الحكم: لما ولى مسلمة بن مخلد الأنصارى على مصر، زاد فى بناء هذا الجامع، وبنى (١) به المنار؛ فلما ولى عبد العزيز بن مروان، هدم هذا الجامع، ووسّعه؛ فلما ولى قرّة بن شريك العبسى، هدمه، وبناه، وزخرفه، وذهّب رءوس العمد التى (٢) به، وجعل فيه محرابا مجوّفا (٣)، وهو أول من أحدث المحراب المجوّف؛ فلما ولى عبد الله بن طاهر، زاد فى عرضه بإذن المأمون، وأدخل فيه الدور التى حوله.
فلما كان أيام خمارويه بن أحمد بن طولون، احترق هذا الجامع كله، وذلك سنة خمس وسبعين ومائتين، فاستمرّ على ذلك إلى أيام الفاطميين، فبناه الحاكم بأمر الله، وزخرفه وجعل فيه تنّور فضّة، زنته مائة ألف درهم (٤)، وجعل لعمودى المحراب أطواق فضة. وكان به ألف ومائتين (٥) مصحف، وجعل طوله اثنتين وأربعين ألف ذراع (٦)، وعرضه ثمانية وعشرين ألف ذراع (٦) بالعمل، وجعل له ثلاثة عشر بابا؛ وكان له راتب من الزيت فى كل شهر أحد عشر قنطارا، ويقد فيه فى كل ليلة عشرة آلاف فتيلة؛ وكان به أربعون حلقة لإقراء العلم والتدريس.
ولما قدم الإمام الشافعى إلى مصر، جلس فيه لتدريس العلم؛ وكان فى صحن هذا الجامع فوّارة، تقلب فى فسقية، يصل إليها الماء من بحر النيل، فأمر القاضى تاج الدين بن بنت الأعز، بإبطالها، لما فيها من الضرر على جيران الجامع، فبطلت من سنة ثمان وستين وخمسمائة؛ وفى الجملة، إنّه جامع مبارك، لا يخلو من ولى صالح قط، انتهى.
стр. 119
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين
فيها جاءت جماعة من الأقباط إلى عمرو بن العاص، وقالوا له: «أيها الأمير، إنّ لنيلنا سنّة فى كل سنة، لا يجرى إلا بها»، فقال لهم: «وما هى»؟ قالوا: «إذا كان اثنتا عشرة ليلة يخلو من بؤونة، من الشهور القبطية، عمدنا إلى جارية بكر، وأخذناها من أبويها غصبا، وجعلنا عليها الحلّى والحلل، ثم نلقيها فى بحر النيل، فى مكان معلوم عندنا»؛ فلما سمع عمرو بذلك، قال: «هذا لا يكون فى الإسلام أبدا».
فأقاموا أهل مصر بؤونة وأبيب ومسرى وتوت، لم يجر (١) فيها النيل، لا كثيرا ولا قليلا، فلما عايموا أهل مصر ذلك، همّوا بالخلاء منها؛ فلما رأى عمرو بن العاص ذلك، كتب كتابا وأرسله إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، فلما وصل إليه، وعلم ما فيه، كتب بطاقة وأرسلها إلى عمرو بن العاص، وأمره أن يلقيها (٢) فى بحر النيل.
فلما وصلت إليه البطاقة، فتحها وقرأ ما فيها، فإذا فيها مكتوب: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن الخطاب، إلى نيل مصر، أما بعد، فإن كنت تجرى من قبلك، فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهّار هو الذى يجريك، فنسأل الله الواحد القهّار أن يجريك».
فلما وقف عمرو على البطاقة، ألقاها فى النيل قبل عيد الصليب بيوم واحد، وعيد الصليب سابع عشر توت، فأجرى الله تعالى النيل فى تلك الليلة، ستة عشر ذراعا فى دفعة واحدة، وقد تهيّأ أهل مصر للخلاء منها، لأنّ النيل هو عمارة مصر؛ فلما عاينوا أهل مصر ذلك، فرحوا بإبطال تلك السنّة السيّئة عنهم، وذلك ببركة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، وقد وقع له من الكرامة ما وقع لموسى، ﵇، بمثل هذه الواقعة بعينها.
قال ابن وصيف شاه: إنّ حاجك الصدفى، هو الذى قرأ بطاقة عمر ابن الخطاب على النيل، فزاد بإذن الله تعالى ستة عشر ذراعا فى تلك الليلة.
стр. 120
وفيها، أعنى سنة ثلاث وعشرين، توفّى أبو مالك الأشعرى، واسمه كعب ابن عاصم، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، ﵁.
وفيها توجّه عمرو بن العاص إلى المدينة الشريفة، ليزور أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب، فزاره ورجع إلى مدينة الفسطاط.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين
فيها جاءت الأخبار بوفاة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رحمة الله عليه، فحزن عليه عمرو بن العاص، حزنا شديدا، وجلس للعزاء؛ قال ابن عبد الحكم: عاش أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعد فتح مصر، ثلاث سنين.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين
فيها عزل الإمام عثمان بن عفان، ﵁، عمرو بن العاص، عن ولاية مصر، وولّى عبد الله بن أبى سرج على مصر؛ فكانت مدّة ولاية عمرو بن العاص على مصر هذه المرّة، نحو ست سنين إلا أشهرا، وسيعود إلى ولايته بمصر ثانيا، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه؛ وهو أول من جبى (١) خراج مصر فى الإسلام، وقد بلغ حراج مصر فى أيامه اثنى عشر ألف ألف دينار، انتهى.
ولاية عبد الله بن سعد بن أبى سرح بن الحارث القرشى العامرى، ﵁:
وقيل كان اسمه حسام، وقيل عويف، قال الكندى: كان عبد الله هذا أخا الإمام عثمان بن عفان من الرضاع، وكان من جملة كتبة الوحى.
نقل الشيخ جلال الدين الأسيوطى: أنّ عبد الله هذا أسلم قديما، ثم افتتن وخرج من المدينة إلى مكّة، فارتدّ إلى دينه، فلما فتح رسول الله، ﷺ ، مكّة، فأهدر دمه، فجاء عثمان بن عفان إلى النبى، ﷺ ، وقال:
стр. 121
«إنّه أخى من الرضاع»، فاستأمن له، فأمّنه رسول الله، ﷺ ، وسأل له المبايعة ثانيا، فبايعه رسول الله، ﷺ ثانيا، وقال: «الإسلام يهدم ما كان قبله»؛ فلما ولى الإمام عثمان الخلافة، ولّى عبد الله بن أبى سرح، على مصر.
فلما ولى أظهر له نتيجة فى خراج مصر، وأورد أربعة عشر ألف ألف دينار، فقال عثمان بن عفان، ﵁، لعمرو بن العاص: «درّت اللقحة بعدك يا أبا عبد الله، بأكثر من درّها الأول»، فقال عمرو: «نعم، ولكن أجاعت أولادها»؟ وإنّ هذه الزيادة التى أخذها عبد الله بن أبى سرح، إنما هى على الجماجم، فإنّه أخذ على كل رأس دينارا، خارجا عن الخراج، فحصل لأهل مصر بسبب ذلك الضرر الشامل، وكانت هذه أول شدّة وقعت لأهل مصر فى مبتدأ الإسلام.
وفى أيامه توفّى قاضى مصر عثمان بن قيس بن أبى العاصى؛ فولى بعده بمصر القاضى أبو خزيمة، واستمرّ قاضيا بمصر حتى توفّى سنة أربع وخمسين من الهجرة.
وفى أيامه توفّى المقداد بن الأسود، ﵁، وليس الأسود أباه، وإنما تبنّاه الأسود بن عبد يغوث، وهو صغير، فعرف به؛ واسم أبيه عمرو بن ثعلبة الكندى؛ وكان المقداد ممن شهد فتح مصر، وفتح دمياط، ثم توجّه إلى المدينة الشريفة فمات بها سنة ثلاث وثلاثين، رحمة الله عليه.
وفى أيامه، سنة ثلاثين، توفّى حاطب بن أبى بلتعة، دخل مصر رسولا إلى المقوقس، وعاش خمس وستين سنة، وكان من مشاهير الصحابة. - وتوفّى فى أيامه، من الصحابة أيضا، شرحبيل بن حبيب، شهد فتح مصر، ومات سنة ثمان وعشرين، وكان اسم أبيه مطاع الكندى، وتوفّى بالشام.
ومن الحوادث فى أيام عبد الله بن أبى سرح، قال ابن لهيعة: لما كانت سنة خمس وثلاثين، مشت الروم إلى قسطنطين بن هرقل، وقالوا له: «أتترك الإسكندرية فى أيدى العرب، وهى مدينتنا الكبرى»؟ فجمع قسطنطين العساكر
стр. 122
وأشحن منهم ألف مركب، وقصد التوجّه إلى الإسكندرية، فبينما هو فى وسط البحر، بعث الله تعالى عليهم ريحا عاصفا، فغرّق تلك المراكب عن آخرهم.
وأما قسطنطين بن هرقل، فإنّ الريح ألقته بصقلبة، فسألوه أهلها عن أمره، فأخبرهم بأمر الريح وتغريق المراكب بالجيوش، فقالوا له أهل صقلبة: «أفنيت النصرانية، وأغرقت رجالها، فلو أنّ العرب دخلت علينا لم نجد من يردّهم. ثم إنّهم قتلوا قسطنطين، وكفى الله المؤمنين القتال، كما قيل فى المعنى:
إنّ عقل الفرنج عقل خفيف … حيث راموا قتالنا والنزالا
أخذوا بغتة بغير قتال … وكفى الله المؤمنين القتالا
ثم دخلت سنة ست وثلاثين
فيها توفّى عبد الله بن أبى سرح، أمير مصر، قيل مات بفلسطين، ودفن بها، رحمة الله عليه، فكانت مدّة ولايته على مصر نحو اثنتى عشرة سنة.
ثم تولّى بعده الأمير قيس بن سعد بن عبادة الخزرجى الأنصارى، ﵁، وكان من أعيان الصحابة، فأقام على ولايته بمصر نحو سنة ومات.
ثم تولّى بعده الأمير مالك بن الحرث بن الأشتر النخعى، من مشاهير الصحابة، تولّى (١) مصر فى أيام الإمام على، ﵁، فأقام مدّة يسيرة ومات، وقيل إنّه مات مسموما من عبده، فلما بلغ الإمام على موته، حزن عليه حزنا شديدا، وقال: لقد كان لى، كما كنت لرسول الله، ﷺ .
وفى هذه السنة، أعنى سنة ست وثلاثين، فيها توفّى عبد الله بن عديس، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، توفّى بالشام. - وتوفّى عبد الله بن حذافة ابن قيس بن عدى القرشى.
стр. 123
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين
فيها، فى نصف شهر رمضان، تولّى على مصر الأمير محمد بن الإمام أبى بكر، ﵁؛ قال ابن وصيف شاه: لما تولّى الأمير محمد على مصر، ثارت عليه الشيعة بسبب ثأر الإمام عثمان بن عفان، ﵁، فإنّهم نسبوا الأمير من جملة من تعصّب على الإمام عثمان، ﵁.
فلما دخل مصر ثار عليه معاوية (١) بن خديج، ومسلمة بن مخلد، وبشر بن أرطاة، وغير ذلك من الشيعة، أتوا من الشام، ودخلوا مصر، وحاربوا الأمير محمد، وكان مع صغر سنّه شجاعا بطلا، فقاتلهم هو وأخوه عبد الرحمن قتالا شديدا.
فلما قووا عليهما (٢) الشيعة، تفرّق عنهما الساكر الذين (٣) كانوا معهما، فانكسر الأمير محمد وأخوه (٤) عبد الرحمن، وهرب الأمير محمد واختفى فى بعض الخربات.
فلما حثّوا الشيعة فى طلبه، قالت لهم عجوز من عجائز الفسطاط: «أتريدون الأمير محمد بن أبى بكر»؟ قالوا: «نعم»، قالت: «أتعطونى الأمان لأخى، وأنا أدلّكم على مكانه»؟ قالوا: «نعم قد أعطينا الأمان لأخيك»، وكان أخوها يبيع الفجل بمدينة الفسطاط، فدلّتهم على مكانه.
فلما دخلوا عليه وجدوه قد كدّه العطش، فقال لهم: «بالله اسقونى شربة من الماء»، فقال له معاوية (٥) بن خديج: «لا سقانى الله إن سقيتك، أنسيت منعك الماء لعثمان وهو فى الدار»؟ فقال: «أكرمونى لأجل أبى بكر»، فقال له معاوية (٥) ابن خديج: «لا أكرمنى الله إن أكرمتك».
ثم تقدّم إليه معاوية (٥) بن خديج، وضرب عنقه بالسيف، ثم أدخل جثّته فى جوف حمار وأحرقه، كما زعموا، وأنا أستغفر الله العظيم من ذلك؛ وكانت قتلته فى رابع عشر صفر من سنة ثمان وثلاثين، وكانت مدّة ولايته على مصر خمسة أشهر،
стр. 124
وكان مولد الأمير محمد عام حجّة الوداع، وكان له من العمر لما قتل ثمانية وعشرون سنة، ومات أبوه أبو بكر وله من العمر نحو سنتين ونصف.
قال ابن عبد الحكم: لما قتل محمد بن الإمام أبى بكر، ﵁، أرسل معاوية (١) بن خديج قميصه، الذى قتل فيه، بدمه إلى المدينة، فأدخلوه دار الإمام عثمان ابن عفان، ﵁، واجتمع رجال عثمان ونساؤه، وأظهروا الفرح والسرور فى ذلك اليوم، ولبست نائلة بنت القرامصة، زوجة الإمام عثمان، القميص، ورقصت فيه بين الملأ من الحاضرين، انتهى ذلك.
قيل دخلوا على أسما بنت عيس أمّ محمد بن أبى بكر، فقيل لها: «قد قتل ابنك محمد بمصر، وأحرق فى جوف حمار»، وكانت قائمة تصلّى، فعضّت على شفتها حتى سحّت ثديا دما، ولم تتكلم، تمت.
قال ابن وصيف شاه: لما قتل الأمير محمد، أخذ رأسه وجثّته زمام الخادم، ودفنه خارج مدينة الفسطاط، وبنى هناك مسجدا، وهو إلى الآن يعرف بمسجد زمام، ويزوره الناس.
قال الكندى: لما قتل الأمير محمد، أرسلت أخت معاوية (١) بن خديج إلى عائشة بنت أبى بكر، ﵁، بخروف مشوى، وقالت لها: «هكذا شوى أخوك محمد بمصر»، فخلفت عائشة يمينا أنّها لا تأكل الشوى قط حتى تلقى (٢) الله تعالى، فما أكلته بعد ذلك أبدا، انتهى.
فلما قتل الأمير محمد، أعيد بعده الأمير عمرو بن العاص، ﵁، وذلك فى خلافة معاوية بن أبى سفيان، سنة ثمان وثلاثين، واستمرّ فى هذه الولاية حتى مات، ودفن بمصر.
وفى أيامه، توفّى عبادة بن الصامت، ﵁، وعاش عبادة اثنتين وسبعين سنة، وكان من مشاهير الصحابة.
стр. 125
وفى أيامه، سنة تسع وثلاثين، تولّى أبو سلمة الناسك، قاضيا بمصر، وكان من المجتهدين، وهو أول من أسجل سجلاّ بمصر فى مواريث، وهو أول من قصّ بمصر، وكان يختم فى كل ليلة ثلاث ختمات؛ فأقام قاضيا بمصر حتى توفّى بدمياط، سنة خمس وسبعين من الهجرة، وكان من التابعين.
وفى أيامه توفّى معيقيب، ﵁، وذلك سنة أربعين من الهجرة، وهو معيقيب بن أبى فاطمة الدوسى، وكان خازن بيت المال لرسول الله، ﷺ ، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين
فيها مرض الأمير عمرو بن العاص، وسلسل فى المرض، فلما أشرف على الموت، أحضر ما كان جمعه من أموال القبط، لما فتح مصر، وقال لولده عبد الله، وكان يقاربه فى السنّ، حتى قيل كان بين مولد عمرو بن العاص، وبين مولد ولده عبد الله، نحو ثلاث عشرة سنة، فقال له: «إذا أنا متّ فاردد هذه الأموال، التى جمعتها، إلى أصحابها».
فلما مات الأمير عمرو، سمع بها معاوية (١)، فأرسل أخذها، وقال: «نحن أحقّ بهذه الأموال لدفع العدو»، فأخذها وأدخلها فى بيت المال؛ قيل لعبد الله بن عمرو:
«ما كان قدر ذلك المال»؟ قال: «كان سبعين جرابا من جلد ثور كاملة».
وفى أيامه توفّى تميم بن أوس بن حارثة الرازى، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، مات سنة أربعين من الهجرة، وكان قبل موته وقع به جذام (٢) واستمرّ به حتى مات بالجذام.
وكانت وفاة الأمير عمرو بن العاص، فى ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين، فلما كان يوم العيد، أخرج نعشه إلى الجامع، ووضع فى المحراب حتى تكامل الناس، فصلّوا صلاة العيد، ثم صلّوا عليه، وحمل إلى مقابر الفسطاط، ودفن على طريق
стр. 126
الحاج، وقيل بل دفن فى سفح الجبل المقطّم، رحمة الله عليه.
وكانت مدّة حياته خمس وتسعين سنة، وكانت مدّة ولايته على مصر، أولا وثانيا، إحدى عشرة سنة وأشهر، انتهى.
قيل لما بلغ عبد الله بن الزبير، وفاة الأمير عمرو بن العاص، أنشأ يقول:
ألم تر أنّ الدهر أحنت ريوبه … على عمرو السهمى تجبى له مصر
فأضحى نبيذا بالعراء وضلّلت … مكائده عنه وأمواله الدثر
ثم إنّ معاوية أرسل تقليدا إلى عبد الله بن عمرو، بولايته على مصر، عوضا عن أبيه؛ قال الواقدى: أقام عبد الله على ولاية مصر، بعد أبيه، دون السنة، وعزل عنها.
ثم تولّى بعده الأمير عقبة بن أبى سفيان، أخو أمير المؤمنين معاوية، فلما ولى على مصر، أقام بها دون السنة، ومات بها.
ثم تولّى بعده الأمير عقبة بن عامر الجهنى، صاحب رسول الله، ﷺ ، ورديفه، وهو الذى تسند إليه الأحاديث عن رسول الله، ﷺ ؛ تولّى على مصر سنة أربع وأربعين من الهجرة، وأقام بها إلى أن استشهد يوم النهروان، رحمة الله عليه، ودفن بالقرافة الكبرى، فكانت مدّة ولايته على مصر سنتين وثلاثة أشهر، انتهى ذلك.
ثم تولّى بعده الأمير معاوية (١) بن خديج السكونى النجيبى، ﵁، فأقام بها إلى سنة خمسين من الهجرة، وعزل عنها.
وفى أيام معاوية (١) بن خديج، توفّى عبد الله بن قيس العبقى، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، مات سنة تسع وأربعين من الهجرة.
وفى أيامه توفّى المنيرة بن شعبة (٢) بن أبى عامر، دخل مصر فى الجاهلية، واجتمع بالمقوقس، صاحب مصر، ثم رجع، فأسلم عام الخندق، وعاش نحو سبعين سنة،
стр. 127
ثم توفّى فى أيام معاوية (١) هذا، فى رمضان سنة خمسين من الهجرة.
ومعاوية (١) هذا ممن شهد فتح مصر، وعاش إلى سنة اثنتين وخمسين، ومات بمصر.
ثم تولّى بعده الأمير مسلمة بن مخلد الأنصارى، ﵁، وهو الذى جدّد بناء جامع عمرو بن العاص، وأوسع فيه، وبنى (٢) به المنار.
وفى أيامه توفّى أبو موسى مالك بن عبادة الغافقى، خادم رسول الله، ﷺ ، شهد فتح مصر، ومات سنة ثمان وخمسين، فى أيام مسلمة هذا، رحمة الله عليه.
وفى سنة ثمان وخمسين، توفّى أيضا عبد الله بن حوالة الأزدى، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، وعاش اثنتين وسبعين سنة، رحمة الله عليه.
وفى أيامه قدم أبو هريرة إلى مصر، وأقام بها، وكان اسمه عبد الرحمن بن صخر، وقيل مات بمصر، ودفن بالجيزة، وفيه اختلاف، توفّى سنة تسع وخمسين من الهجرة.
وفى أيامه توفّى عائد بن ثعلبة بن دبرة الكلبى، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، استشهد بالبرلس سنة ثلاث وخمسين.
وفى أيامه توفّى ثوبان بن جحدم، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة؛ قال ابن كثير: توفّى بمصر، سنة أربع وخمسين.
وفى هذه السنة، أعنى سنة أربع وخمسين، توفّى خالد بن ثابت بن طاعن، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، ومات بأفريقية سنة أربع وخمسين.
ومن النكت اللطيفة، قال ابن لهيعة: خرج وردان بن عبد الأمير مسلمة بن مخلد فمرّ على عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له: «إلى أين تقصد يا وردان»؟ قال: «أرسلنى الأمير مسلمة إلى منف، لأفحص له عن كنوز فرعون»،
стр. 128
فقال له عبد الله بن عمرو: «ارجع إليه، وقل له: إنّ كنوز فرعون ليست لك، ولا لأصحابك، وإنما هى تظهر فى آخر الزمان للحبشة، يأتون فى السفن يريدون مدينة الفسطاط، فيسيرون إلى منف، وينزلون بها، فتظهر لهم كنوز فرعون، فيأخذون منها ما يقدرون على حمله، ويسيرون إلى بلادهم، ثم يرجعون لأخذ ما بقى من الكنوز، فتخرج عليهم المسلمون ويقتتلون معهم، فتظهر عليهم المسلمون، ويأسرونهم عن آخرهم، حتى إنّ الحبشى منهم ليباع بالكساء الذى عليه، ولا يجد من يشتريه من الناس لكثرتهم»، انتهى.
واستمرّ مسلمة بن مخلد فى ولايته على مصر، إلى أن مات فى خلافة يزيد ابن معاوية (١)، فى ذى القعدة سنة اثنتين وستين؛ فكانت مدّة ولايته على مصر ثمان سنين وأشهر.
وفى سنة ستين توفّى بلال بن الحارث بن عقبة بن سعد بن قرّة، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، وعاش نحو ثمانين سنة، رحمة الله عليه.
وفى أيامه توفّى جرهل بن خويلد، شهد فتح مصر، ومات بها سنة إحدى وستين، وكان من مشاهير الصحابة؛ روى الطبرانى أنّه أكل بيده الشمال، بحضرة رسول الله، ﷺ ، فقال له: «كلّ باليمين»، فقال: «إنّها مصابة يا رسول الله»؛ فتفل عليها رسول الله، ﷺ ، فما شكابها بعد ذلك.
وفى سنة إحدى وستين توفّى جرمة بن خويلد، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، انتهى.
ثم دخلت سنة اثنتين (٢) وستين
فيها تولّى على مصر الأمير سعيد بن يزيد بن علقة الأزدى، فلم تطل أيامه، فكانت مدّة ولايته بمصر دون السنتين، وعزل عنها.
стр. 129
فلما ولى عبد الله بن الزبير الخلافة بمكّة، بعد موت يزيد بن معاوية، فاستناب على مصر عبد الرحمن بن جحدم القرشى، ﵁، فأقام بها مدّة سنتين ووثب عليه مروان بن الحكم الأموى، فقاتل عبد الرحمن، فانهزم وهرب نحو الصعيد، وملك مروان مصر، وولّى بها ابنه عبد العزيز.
ذكر ولاية عبد العزيز بن مروان بن الحكم على مصر:
قال ابن عبد الحكم: تولّى عبد العزيز بن مروان على مصر، سنة خمس وستين من الهجرة؛ فلما تولّى على مصر، جاءت الأخبار من دمشق، بوفاة والده مروان، وولاية عبد الملك، أخى الأمير عبد العزيز؛ وكانت وفاته فى شهر رمضان سنة خمس وستين.
وفى أيام عبد العزيز، سنة ثلاث وسبعين، توفّى عوف بن مالك الأشجعى، ﵁، وكان من مشاهير الصحابة.
وفى أيامه، سنة ثمان وسبعين، توفّى كثير بن أبى كثير الأزدى، كان من مشاهير الصحابة، توفّى بمصر، ودفن بها. - وفى سنة ثمان وسبعين، توفّى أيضا جابر ابن عبد الله الأنصارى، وكان قد كفّ بصره، وعاش من العمر أربع وتسعين سنة، وكان من مشاهير الصحابة.
وفى أيامه، سنة ست وسبعين، توفّى زهير بن قيس البلوى أبو شدّاد، ﵁، شهد فتح مصر، ثم قتل فى بعض الغزوات فى السنة المذكورة، وكان من مشاهير الصحابة.
وفى أيامه، سنة ثلاث وسبعين، استشهد عبد الله بن الزبير بن العوام، ﵁، بمكة. - وفى أيامه، سنة ثمانين، توفّى جنادة بن أميّة، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة.
وفى أيامه، سنة أربع وثمانين، توفّى عتبة بن النذر السلمى، ﵁، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة.
وفى أيامه، سنة خمس وثمانين، توفّى عبد الله بن الحارث الزبيدى، رضى الله
стр. 130
عنه، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة. - وفيها توفّى بشر بن أبى أرطاة، ﵁، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، ﵀.
وفى أيامه، سنة اثنتين (١) وثمانين، توفّى جميل بن عبد الله بن معمر العذرى، صاحب بثينة، أحد عشّاق العرب، شاعر الإسلام، مات بمصر، ودفن بها.
ثم دخلت سنة ست وثمانين
فيها وقع الطاعون بمدينة الفسطاط، وهو أول طاعون وقع فى الإسلام بمصر، فى زمن الصحابة؛ فلما تزايد أمر الطاعون، خرج عبد العزيز بن مروان من الفسطاط، وتوجّه إلى حلوان، وهى من قرى مصر، فأقام بها مدّة، وقيل ولد بها ابنه عمر العبد الصالح، الذى ولى الخلافة فى زمن الأموية.
فلما أقام بحلوان، فكانت الأخبار تأتى إليه فى كل يوم من الفسطاط إلى حلوان، بما يحدث فى البلد من أمر الموت، وعدّة من يموت بها، وغير ذلك.
قال ابن عفير: لما كان الأمير عبد العزيز بحلوان، كان له فى كل ليلة ألف جفنة، تصفّ حول داره، وهى ملآنة بالطعام، تفرّق على الفقراء والمساكين، ومعها الخبز، وكان له فى كل ليلة مائة حلّة كبيرة، تحمل على عجل، وفيها الطعام، تفرّق على قبائل العرب التى حوله.
واستمرّ على ذلك حتى طعن تحت إبطه، فلما كان ليلة الاثنين ثانى عشر جمادى الأولى، سنة ست وثمانين، توفّى الأمير عبد العزيز بن مروان، أمير مصر، توفّى بحلوان.
فلما أصبح الصباح، حمل فى نعش من حلوان إلى مدينة الفسطاط، وقد تغيّرت رائحته، فكان حول نعشه مجامر النار، وهى مطلوقة بالبخور، حتى دخل إلى الفسطاط، فدفن بها، رحمة الله عليه؛ وفيه يقول نصير الشاعر:
أين ربّ القصر النظير الذى شيّد … وأين العبيد والأجناد
أين تلك الجموع والأمر والنهى … وأعوانهم وأين السواد
стр. 131
فكانت مدّة ولاية الأمير عبد العزيز بن مروان على مصر عشرين سنة، حتى مات، انتهى.
وفى أيامه توفّى عبد الرحمن بن حجيرة الخولانى، قاضى مصر، مات سنة ثمانين. - وتوفّى مالك بن شراحيل الخوانى، قاضى مصر، سنة خمس وثمانين من الهجرة.
قال ابن كثير: وفى أيام الأمير عبد العزيز بن مروان، توفّيت عزّة بنت جميل ابن عمرو الضمرى، ماتت فى هذا الطاعون سنة ست وثمانين، ودفنت بمصر، وكان أصلها من الجيزة، كما قيل؛ وكانت من أحسن النساء وجها، [وأفصحهم لسانا، وأحفظهم] (١) لكلام العرب؛ وهى معشوقة كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر، شاعر الإسلام، وقد افتتن بحبّ عزّة حتى ضرب به المثل، وله فيها القصائد السنيّة، فمن ذلك قوله فيها:
وسعى إلىّ بهجر عزّة نسوة … جعل الإله وجوههن نعالها
الله يعلم لو جمعن وعزّة … لاخترت قبل تأمّلى تمثالها
ولو أنّ عزّة حاكمت شمس الضحى … فى الحسن عند مؤمّر لقضى لها
قيل كان لكثير غلام، خرج فى تجارة له، فلما دخل مصر، أتت إليه امرأة تطلب منه ثيابا، فوقفت عليه وهى لا تعرف أنّه غلام (٢) كثير، فابتاعت منه لعزّة ثيابا، ولم تدفع له الثمن، فكان الغلام يتردّد إلى بيت عزّة بسبب المطالبة، وقد مطلته، فأنشد ذات يوم قول مولاه كثير:
قضى كل ذى دين ووفّى غريمه … وعزّة ممطول معنى غريمها
فقالت له المرأة التى ابتاعت منه الثياب: «أتعرف عزّة التى قيل فيها ذلك»؟ قال: «لا»، قالت: «هى صاحبة هذه الدار التى ابتاعت منك الثياب»، فقال الغلام: «وأنا غلام كثير، وأنا أشهد الله أنّ الثياب التى [ابتاعتهم منى، لا آخذ لهم] (٣) ثمنا».
стр. 132
فلما مضى الغلام إلى كثير، وأخبره بما جرى له مع عزّة، فقال له كثير: «وأنا أشهد أنّك حرّ لوجه الله تعالى، وما بقى معك من المال فهو لك، جزاء لما صنعت من ذلك».
قال ابن كثير: إنّ أخت عمر بن عبد العزيز، ﵁، قالت لعزّة:
ما معنى قول كثير فيك:
قضى كل ذى دين ووفّى غريمه … وعزّة ممطول معنى غريمها
«فما كان هذا الدين»؟ قالت عزّة: «لقد وعدته بقبلة ولم أنجزها (١) له»، فقالت أخت عمر بن عبد العزيز، وكانت من النساء العابدات الصالحات: «انجزيها له، وعلىّ إثمها»، ثم إنّها أعتقت أربعين جارية لأجل قولها «وعلىّ إثمها»، انتهى.
فلما بلغ كثير موت عزّة، أتى إلى مصر، وزار قبر عزّة، وبكى عنده ورثاها بقصائد سنية.
قيل لما ماتت عزّة، تغيّر شعر كثير بعدها، فقال له قائل: «ما بال شعرك قد قصّرت فيه»؟ فقال: «ماتت عزّة، فلا أطرب، وذهب الشباب، فلا أعجب، ومات عبد العزيز بن مروان، فلا أرغب».
واستمرّ كثير بعد عزّة فى ذهول، حتى مات سنة سبع ومائة، ودفن بمصر، وقيل مات سنة خمس ومائة (٢)، انتهى ذلك.
[وتوفّى فى أيامه عقبة بن مسلم النجيبى المصرى التابعى، كان إمام جامع عمرو ابن العاص، مات عن إحدى وتسعين سنة.
وفى سنة ثمان وستين من الهجرة، توفّى القاضى غوث، قاضى مصر، وهو أول قاض ركب مع الشهود لرؤية (٣) هلال شهر رمضان، وسمع البيّنة، وثبت عليه] (٤).
стр. 133
وفى أيامه توفّى يرفس بن عطية الحضرمى، قاضى مصر، وكان على الشرط أيضا، مات سنة ست وثمانين.
وفى سنة سبعين تولّى قضاء مصر الفضل بن فضالة، أقام مدّة يسيرة وعزل نفسه عن القضاء.
ثم تولّى بعد الأمير عبد العزيز، الأمير عبد الله بن عبد الملك بن مروان؛ قال الليث بن سعد، ﵁: كان الأمير عبد الله حديث السنّ، فكان أهل مصر يسمّونه: «مكنس»؛ وهو أول من نقل الدواوين إلى العربية، وكانت بالعجمية؛ وهو أول من نهى الناس عن لباس البرانس السود. - ثم إنّ عبد الله أقام على ولاية مصر، نحو خمس سنين وأشهر.
وفى أيامه توفّى سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصارى الساعدى، ﵁، قدم مصر فى أيام مسلمة بن مخلد، وكان من مشاهير الصحابة؛ مات سنة إحدى وتسعين، وعاش من العمر نحو مائة سنة.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين
فيها عزل الأمير عبد الله، وولى قرّة بن شريك العبسى، فى أيام الوليد بن عبد الملك؛ وقد عزل الوليد أخاه (١) عبد الله، وولّى قرّة؛ وكان قرّة ظالما غشوما جهولا، قيل كان يصعد بالخمر والملاهى على سطح جامع عمرو بن العاص؛ وقد قال فيه القائل:
عجب ما عجبت كيف دهانا … وتولّى بمصر قرّة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنا … ثم خيلت فيه رأى أبيك
فأقام قرّة على ولايته بمصر نحو ست سنين، ومات ودفن بمصر.
ثم تولّى بعده عبد الملك بن رفاعة الفهمى؛ فلما تولّى على مصر نظر فى مصالح قرى مصر، وخرج بنفسه وطاف البلاد، قبلى وبحرى، فأحصى من القرى نحو عشرة آلاف قرية، فى كل قرية خمسمائة من الرجال الأقباط، الذين تفرض عليهم الجزية؛
стр. 134
فكان مدّة غيبته فى هذه السرحة ستة أشهر، حتى رجع إلى الفسطاط.
وفى أيامه توفّى سليم بن النجيبى، من التابعين. - وتوفّى عبد الله بن زرير الغافقى المصرى؛ قال العجلى: «تابعى ثقة».
وتوفّى زياد بن ربيعة بن نعيم الحضرمى المصرى، قال العجلى: «تابعى ثقة»، مات سنة ست وتسعين. - وفيها توفّى كثير بن قليب الصدفى المصرى الأعرج، تابعى، شهد فتح مصر.
واستمرّ عبد الملك بن رفاعة فى ولايته على مصر، إلى سنة تسع وتسعين، ثم عزل، فكانت مدّة ولايته على مصر نحو أربع سنين؛ وعبد الملك بن رفاعة تولّى على مصر مرتين.
ثم تولّى بعده الأمير أيوب بن شرحبيل الأصبحى، أقام إلى سنة إحدى ومائة.
وفى هذه السنة توفّى تميم بن إياس البكير الليثى، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، مات بالإسكندرية فى تلك السنة. - وفى سنة مائة توفّى إسحق ابن الفران أبو نعيم النجيبى، قاضى مصر.
ثم إنّ الأمير أيوب أقام على ولايته بمصر نحو سنة، وعزل عنها، وكانت ولايته فى خلافة عمر بن عبد العزيز، ﵁.
ثم تولّى بعده الأمير بشر بن صفوان الكلبى، فأقام على ولايته بمصر إلى سنة ثلاث ومائة؛ وقيل تولّى على مصر ثلاث مرّات، وآخر ولايته سنة ثمان وعشرين ومائة، فى خلافة مروان الحمار.
وفى أيام بشر بن صفوان، توفّى الأعرج، من حفّاظ الحديث، مات بالإسكندرية، سنة سبع عشرة ومائة.
وفى أيامه توفّى صالح بن حيوان المصرى، تابعى ثقة، مات سنة مائة. - وتوفّى العقبى (١)، تابعى ثقة، مات بأفريقية سنة مائة أيضا.
وتوفّى عبد الرحمن بن خبير المصرى، تابعى ثقة. - وتوفّى عبيد بن ثمامة المرادى
стр. 135
المصرى، تابعى ثقة، شهد فتح مصر، ومات سنة خمس ومائة.
وتوفّى عمرو بن مالك الهمذانى المصرى، تابعى، شهد فتح مصر. - وتوفّى قيصر النجيبى المصرى، تابعى ثقة.
واستمرّ الأمير بشر بن صفوان على ولايته بمصر حتى عزل.
ثم تولّى بعده أخوه حنظلة بن صفوان. - وفى أيامه نقلت قبائل بنى قيس إلى مصر، ولم يكن قبل ذلك بمصر من بنى قيس أحد. - وأقام حنظلة على ولايته بمصر إلى سنة خمس ومائة.
ثم تولّى بعده الأمير محمد بن عبد الملك، أخو هشام، فأقام على ولايته بمصر نحو سبعة أشهر وخمسة أيام، ثم عزل عنها.
ثم تولّى بعده الحرّ بن يوسف، فلم تطل أيامه بها، وعزل عنها.
ثم تولّى بعده الأمير حفص بن الوليد العامرى، فأقام إلى آخر سنة ثمان ومائة، وعزل عنها.
ثم أعيد عبد الملك بن رفاعة ثانيا، ثم صرف فى سنته.
ثم تولّى بعده أخوه الوليد، فأقام بها إلى أن توفّى سنة تسع عشرة ومائة. - وفى أيامه توفّى ثمامة الهمذانى، تابعى ثقة، مات سنة عشرين ومائة.
وفيها توفّى أبو محجن، قاضى مصر، قد جمع بين القضاء والقصّ. - وتوفّى ربيعة ابن سيف المعافرى، تابعى، مات سنة عشرين ومائة. - وسليم بن جبير المصرى، تابعى، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة. - والحارث بن يعقوب الأنصارى المصرى، تابعى، مات بأفريقية سنة اثنتين (١) وعشرين ومائة.
ومات على بن رياح اللخمى المصرى، كان من علماء زمانه، مات سنة أربع عشرة ومائة. - ومات أبو عبد الله مكحول، أحد الأئمة، ولد بمصر، ثم رحل إلى الشام، مات سنة اثنتى عشرة ومائة.
وتوفّى الحكم بن عبد الله البلوى المصرى، تابعى ثقة، مات سنة ثمان عشرة
стр. 136
ومائة. - وفيها توفّى حكيم بن عبد الله بن قيس المصرى، تابعى.
وتوفّى دراج بن سمعان أبو السمح المصرى، مولى عبد الله بن عمرو بن العاص، تابعى، مات سنة ست وعشرين ومائة. - وتوفّى حجاج بن سداد الصنعانى المصرى، تابعى، مات سنة تسع وعشرين ومائة.
وفيها توفّى صالح بن قليب بن حرمل الحضرمى، من الطبقة الثانية، مات سنة تسع وعشرين ومائة. - وعبد الله بن هبيرة السبئى الحضرمى، مات سنة ست وعشرين ومائة. - وفيها توفّى عثمان بن نعيم الرعينى المصرى، تابعى.
ثم تولّى بعده الأمير عبد الرحمن بن خالد الفهمى، فأقام بها نحو سبعة أشهر، وصرف عنها.
وأعيد حنظلة بن صفوان، ثم صرف.
وأعيد حفص بن الوليد، ثم صرف.
وتولّى الأمير حسان بن عتاهية النجيبى، ثم صرف عنها. - وفى أيامه توفّى عبد الكريم بن الحارث الحضرمى المصرى، كان من التابعين. - وتوفّى عمران بن أبى أنس العامرى المصرى، تابعى.
وتوفّى مشرح بن هامان المعافرى. - وتوفّى موسى بن وردان المصرى، تابعى.
وفى سنة ست وتسعين من الهجرة، توفّى القاضى قاسم بن أبى بكر، قاضى مصر، وكان على مذهب أبى حنيفة؛ وتولّى بعده القاضى لهيعة بن عيسى الحضرمى، واستمرّ حتى توفّى سنة أربع ومائة (١)، ودفن بمصر؛ وتولّى القاضى أبو طاهر الأعرج، أقام مدّة يسيرة، واستعفى، فعفى من القضاء، سنة أربع وسبعين ومائة (٢).
ثم تولّى بعده الأمير حوثرة بن سهل الباهلى، وكان رجلا حليما، قليل الغضب؛
стр. 137
قيل إنّ رجلا من العرب دخل إليه، وهو يريد الدخول إلى داره، فحدّثه فى حاجة له، فوضع الأعرابى نعل سيفه على رجل الأمير حوثرة، وطال معه الحديث، وجعل يغوص بالسيف فى رجله حتى أدماها، وهو صابر حتى فرغ الأعرابى من كلامه، وخرج.
فطلب حوثرة خرقة ومسح بها الدم عن رجله، فقيل له: «لم لا أمرته أن ينحّ سيفه عن رجلك أيها الأمير»؟ قال: «خشيت أن أقطع عليه كلامه، وهو فى حاجته».
وأين هذا الحلم من تكبّر أهل زماننا هذا، ولا سيما ملوك الجراكسة وأمرائها، فلو وقع لهم مثل ذلك، لشنقوا الأعرابى، أو ضربوه بالمقارع، وقال القائل:
فرضت على زكاة ما ملكت يدى … وزكاة جاهى أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد وإن لم تستطع … فاجهد بوسعك كله أن تنفعا
وفى أيامه توفّى الحرث بن يزيد الحضرمى المصرى، تابعى من الطبقة الثانية؛ قال الليث بن سعد: «كان يصلّى كل يوم وليلة ستمائة ركعة»؛ مات ببرقة سنة ثلاثين ومائة، وعاش نحو مائة سنة.
وتوفّى فى تلك السنة كعب بن علقمة بن كعب التنوخى المصرى، تابعى.
وفى سنة إحدى وثلاثين ومائة، توفّى عبد الرحيم بن ميمون المدنى نزيل مصر، تابعى. - وتوفّى عبيد الله بن المغيرة السبئى، تابعى، توفّى سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
واستمرّ الأمير حوثرة على ولايته بمصر، حتى عزل.
ثم تولّى بعده الأمير عبد الحميد بن المغيرة بن عبيد الفزارى، تولّى على مصر سنة إحدى وثلاثين ومائة.
قال ابن وصيف شاه: وقع الغلاء بمصر فى زمن الأمير عبد الحميد، فرهن حلىّ نسائه عند التجّار، واشترى قمحا، وفرّقه على الفقراء بمصر، فلما عزل عقيب ذلك عن مصر، جاء إليه التجّار بسبب الرهن، الذى اشترى به قمحا وفرّقه، فباع تلك
стр. 138
الحلىّ بأبخس الأثمان، حتى دفع للتجّار ما كان اقترضه منهم، وكان القرض نحو عشرة آلاف دينار، ثم رحل عن مصر والناس داعية له، وخلف له الثناء الجميل، فكان كما قيل فى المعنى:
كل الأمور تزول عنك وتنقضى … إلا الثناء فإنّه لك باق
ولو أنّنى خيّرت كل فضيلة … ما اخترت غير مكارم الأخلاق
ثم تولّى بعده الأمير عبيد الله بن مروان الحمار، وهو آخر من تولّى بمصر من الأمراء الأموية، وبه زالت دولتهم؛ وكانت ولايته سنة اثنتين (١) وثلاثين ومائة، فأقام بها نحو سنة.
فلما قويت شوكة العباسية على الأموية، وانكسر الأمير مروان الحمار، وهرب وتوجّه إلى مصر، وولى الخلافة عبد الله السفاح، وهو أول خلفاء بنى العبّاس.
فلما تولّى عبد الله السفاح، أرسل عبد الله بن على بن عبد الله بن عبّاس، ﵄، فى طلب مروان الحمار، فدخل مصر سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فأقام بها لضبط أمورها، وأنشأ بها جامعا شمالى مدينة الفسطاط، وسمّاه جامع العسكر - وفى أيامه توفّى أبيض، وكان من مشاهير الصحابة، وقيل توفّى قبل ذلك.
ثم بلغه أنّ مروان الحمار توجّه إلى نحو الصعيد، فتبعه عبد الله بن على، بمن معه من العساكر، حتى ظفر به فى قرية من قرى الصعيد يقال لها: «بوصير»، فقطع رأسه هناك، وأخذ ما كان معه من الأموال والتحف، ودفن جثّته هناك فى بعض الشطوط من البحر، بغير غسل ولا تكفين.
وكانت قتلة مروان الحمار أواخر سنة اثنتين (١) وثلاثين ومائة، وهو آخر خلفاء بنى أمية، وبه انقرضت دولتهم.
قال الصولى: لما قطعت رأس مروان الحمار، تركها عبد الله بن علىّ، على صفّة، وتغافل عنها ساعة، فجاءت الهرّة أكلت لسانه، وجعلت تمضغه بفيها، فقال عبد الله ابن على: «لو لم يرينا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان الحمار، وهو فى فم الهرّة
стр. 139
تمضنه، وكفى بذلك موعظة»، وقال القائل:
وما أبقت لك الأيام عذرا … وبالأيام يتعظ اللبيب
قال ابن وصيف شاه: لما بلغ الأمير عبيد الله بن مروان، أنّ أباه مروان قد انكسر وهرب، قام إلى خزائن المال وأخذ منها عشرة آلاف دينار، وأخذ شيئا من التحف والقماش والفرش، وحمل ذلك على اثنى عشر بغلا، وأخذ معه جماعة من عبيده، وشدّ على وسطه خريطة فيها جواهر فاخرة، وخرج من مصر هاربا على وجهه، فتوجّه إلى بلاد النوبة.
فلما وصل إلى هناك، وجد مدائن خرابا، وبها قصور محكمة البناء، فنزل فى بعض تلك القصور، وأمر عبيده بكنسها، فكنست وفرشت من تلك الفرش التى معه، ثم قال لبعض عبيده ممن كان يثق بعقله: «امض (١) إلى ملك النوبة، وخذ لى منه أمانا على نفسى من القتل».
فخرج الغلام، وتوجّه إلى ملك النوبة، فغاب ساعة، ثم عاد ومعه قاصد من عند ملك النوبة، فلما دخل عليه، قال له: «إنّ الملك يقرأ عليك السّلام، ويقول لك، أجئت إليه محاربا أم مستجيرا»؟ فقال له الأمير عبيد الله: «ردّ عليه منى السّلام، وقل له قد جاء إليك ليستجير بك من عدوّ يريد قتله».
فمضى ذلك الرسول بالجواب، فغاب ساعة ورجع، وقال: «إنّ الملك قادم عليك فى هذه الساعة»، فقال الأمير عبيد الله لغلمانه وعبيده: «افرشوا ما معنا من الفرش»، وجعل فى صدر المكان مرتبة برسم ملك النوبة يجلس عليها، ثم صار يرتقب مجيئه.
فبينما هو على ذلك إذ دخل عليه غلامه، وقال له: «إنّ ملك النوبة قد أقبل»، فقام الأمير عبيد الله، وصعد إلى سطح القصر، فنظر إلى ملك النوبة، فإذا هو رجل أسود اللون، طويل القامة، نحيف الجسد، وعليه بردتان قد اتّزر بأحدهما وارتدى بالآخر، ومعه عشرة من السودان حوله، ومعهم حراب بأسنّة؛ فلما رآه الأمير
стр. 140
عبيد الله استصغر أمره، واستحقره فى عينه؛ فلما قرب من المكان الذى فيه عبيد الله، احتاط به من العساكر نحو عشرة آلاف رجل من السودان، وفى أيديهم الحراب.
فلما دخل ملك النوبة على الأمير عبيد الله، أحاط ذلك العسكر بالمكان، فلما وقعت عين ملك النوبة على الأمير عبيد الله، بادر إليه وقبّل يده، فأشار إليه عبيد الله بأن يجلس على تلك المرتبة التى صنعها له، فأبى ملك النوبة أن يجلس عليها، فقال عبيد الله للترجمان: «لم لا يقعد الملك على تلك المرتبة التى صنعتها له»؟ فقال له الترجمان ذلك، فقال ملك النوبة: «قل له، كل ملك لا يكون متواضعا لله، فهو جبّار عنيد».
ثم إنّه جلس بين يدى الأمير عبيد الله، وجعل ينكث بأصبعه فى الأرض طويلا، ثم إنّه رفع رأسه إلى الأمير عبيد الله، وقال للترجمان: «قل له كيف سلبتم من ملككم، وأخذ منكم، وأنتم أقرب الناس إلى نبيّكم»؟ فقال الأمير عبيد الله للترجمان: «قل له إنّ الذى سلب منا ملكنا أقرب إلى نبيّنا منا».
ثم سكت ملك النوبة ساعة، وقال للترجمان: «قل له فكيف أنتم تلوذون إلى نبيّكم بقرابة، وأنتم تشربون ما حرّم عليكم من الخمر، وتلبسون الديباج، وهو محرّم عليكم، وتركبون فى السروج الذهب والفضّة، وهى محرّمة عليكم، ولم يفعل نبيّكم شيئا من هذا؟ وبلغنا عنك لما ولّيت مصر، كنت تخرج إلى الصيد، وتكلّف أهل القرى ما لا يطيقون، وتفسدون الزروع على الناس، وتروم الهدايا والتقادم من أهل القرى، وكل هذا لأجل كركى تصيده، قيمته سبعة أنصاف، وهذه بدع اخترعتموها من أنفسكم».
وصار ملك النوبة يعدّد على الأمير عبيد الله جملة من الذنوب، وهو ساكت لا يتكلّم، ثم قال ملك النوبة: «ولما استحللتم ما حرّم الله عليكم، سلبتم ملككم، وأخذ منكم، وأوقع الله بكم نقمة لم تبلغ غايتها عنكم، وأنا أخاف على نفسى، إن أنزلتك عندى، فتحلّ بى تلك النقمة التى حلّت بكم، ولكن ارحل عن أرضى بعد
стр. 141
ثلاثة أيام، وإلا أخذت ما معك من الأموال وقتلتك»؛ ثم قام ملك النوبة، وانصرف من عند الأمير عبيد الله.
فلما سمع عبيد الله ما قاله ملك النوبة، خرج من أرض النوبة فى يومه، ورجع إلى الفسطاط، فقبض عليه عبد الله بن على العبّاسى، وأرسله إلى السفاح، فكانت مدّة ولايته على مصر نحو سنة وأشهر، وبه زالت دولة الأموية.
стр. 142
ذكر من تولّى على مصر من الأمراء العباسية
قال ابن وصيف شاه: أول من تولّى بمصر من الأمراء العباسية، الأمير صالح ابن على بن عبد الله بن العبّاس (١)، ﵄، تولّى على مصر فى ذى الحجّة سنة اثنتين (٢) وثلاثين ومائة، فأقام بها دون السنة، وعزل عنها؛ ثم تولّى بها ثانيا، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
ثم تولّى بعده الأمير أبو عون (٣) عبد الملك بن أبى يزيد الأزدى، فأقام بها إلى سنة ست وثلاثين ومائة. - وفى أيامه توفّى أبو شرحبيل المصرى، تابعى من الطبقة الثانية، مات فى تلك السنة.
وتوفّى أيضا فيها، زهرة بن معبد بن عبد الله بن هشام، تابعى، مات بالإسكندرية فى تلك السنة. - وفى سنة خمس وثلاثين ومائة، توفّى عبيد بن سوية الأنصارى، تابعى من الطبقة الثانية.
ثم عزل أبو عون، وأعيد الأمير صالح ثانيا.
ثم صرف، وأعيد أبو عون، وذلك سنة سبع وثلاثين ومائة. - وفى أيامه توفّى واهب بن عبد الله المعافرى المصرى، تابعى، مات فى تلك السنة ببرقة.
وأقام أبو عون على ولايته بمصر إلى سنة إحدى وأربعين ومائة، ثم عزل.
وتولّى بعده الأمير موسى بن كعب المعروف بأبى عيينة التميمى، فأقام على ولايته بمصر سبعة أشهر، ومات ودفن بمصر.
ثم تولّى بعده الأمير محمد بن الأشعث الخزاعى، فلم تطل أيامه بها، وعزل عنها سنة اثنتين (٢) وأربعين ومائة. - وفى أيامه توفّى فى هذه السنة الحسن بن ثوبان الهوزنى المصرى، تابعى. - وفيها توفّى حميد بن هانى، تابعى.
стр. 143
ثم تولّى بعده نوفل بن الفرات، فلم تطل أيامه بها.
ثم تولّى بعده حميد بن قحطبة الطائى، فلم تطل أيامه بها، وصرف عنها سنة أربع وأربعين ومائة. - وفى سنة أربع وأربعين ومائة، توفّى العلا بن كثير الإسكندرانى، مولى قريش. - وفى أيامه اهتزّت الكواكب فى السماء من أول الليل إلى الصباح، فخاف الناس من ذلك.
ثم تولّى بعده الأمير يزيد بن حاتم المهلبى، تولّى سنة سبع وأربعين ومائة. - وفى أيامه، سنة ثمان وأربعين ومائة، توفّى عمرو بن الحارث بن يعقوب ابن عبد الله الأنصارى، كان من المجتهدين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة.
وتوفّى سعيد بن أبى هلال الليثى أبو العلا المصرى، تابعى، مات سنة تسع وأربعين ومائة. - وتوفّى خالد بن مسافر الفهمى، تابعى.
وتوفّى عبد الجليل بن حميد اليحصبى أبو مالك المصرى، تابعى، مات سنة ثمان وأربعين ومائة. - وفى سنة إحدى وأربعين ومائة، توفّى عقيل بن خالد الأيلى، مولى عثمان، وكان من حفّاظ الحديث.
ثم إنّ يزيد بن حاتم أقام على ولايته بمصر إلى سنة اثنتين (١) وخمسين ومائة، ثم عزل.
وتولّى بعده الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج النجيبى، فلم تطل أيامه، وعزل.
وتولّى بعده أخوه عبد الرحمن عمّ عبد الله، فأقام بها سنة وشهرين. - وفى أيامه وقع الغلاء بمصر، وأخذ قاع النيل، فجاء الماء القديم ذراعا وعشرين أصبعا، ولم يعهد بمثل ذلك فى السنين الماضية، وكان منتهى الزيادة فى تلك السنة اثنى عشر ذراعا، وستة عشر أصبعا، فشرّقت البلاد فى تلك السنة، وحصل للناس الضرر الشامل بسبب الغلاء.
وفى أيامه توفّى سعيد بن يزيد الحميرى الفتيانى أبو شجاع الإسكندرانى، تابعى
стр. 144
من الطبقة الثانية، مات سنة أربع وخمسين ومائة. - وتوفّى ربان بن فايد المصرى، تابعى، مات سنة خمس وخمسين ومائة.
وتوفّى حيوة بن شريح بن صفوان النجيبى أبو زرعة المصرى، كان من العلماء الزهّاد، مات سنة ثمان وخمسين ومائة. - وفى سنة تسع وخمسين ومائة، توفّى يونس ابن يزيد الأيلى الرقاشى، من حفّاظ الحديث، مات بالصعيد.
ثم تولّى بعده الأمير موسى بن على اللخمى، فأقام على ولايته بمصر إلى سنة اثنتين (١) وستين ومائة. - وفى أيامه توفّى سعيد بن أبى أيوب مقلاص الخزاعى، مات سنة إحدى وستين ومائة، وعاش نحو ستين سنة.
وفيها توفّى بشير بن أبى عمرو الخولانى المصرى، تابعى من الطبقة الثانية، مات فى تلك السنة؛ قال الذهبى فى «العبر»: غزا إلى بلاد القسطنطينية زمن سليمان بن جعفر بن ربيعة الكندى.
ثم تولّى بعده الأمير موسى بن عيسى الخصيب، سنة اثنتين (١) وستين ومائة، فلم تطل أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده واضح المنصورى، ثم صرف من عامه.
وتولّى بعده الأمير منصور بن يزيد الحميرى، فلم تطل أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده (٢) الأمير يحيى بن ممدود أبو صالح الحريبى، تولّى على مصر أيام الرشيد، فلم تطل أيامه، وعزل. - وفى سنة ثلاث وستين ومائة، توفّى حرملة بن يحيى بن عبد الله، كان من أصحاب الإمام الشافعى، ﵁، وكان له اختيار فى المذهب.
ثم تولّى بعده الأمير سالم بن سوادة التميمى، تولّى على مصر سنة أربع وستين ومائة، فكانت مدّة ولايته على مصر نحو سنة.
ثم تولّى بعده الأمير إبراهيم بن عبد الملك بن صالح العبّاسى، تولى على مصر
стр. 145
سنة خمس وستين ومائة، وكان الرشيد أزوجه بابنته غالية، فلم تطل أيامه بها، وعزل.
ثم تولّى بعده الأمير موسى بن مصعب، مولى خثعم، تولّى على مصر سنة سبع وستين ومائة، فلم تطل أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده أسامة بن عمرو المعافرى، تولّى على مصر سنة ثمان وستين ومائة. - وفى هذه السنة توفّى نافع بن يزيد الكلاعى المصرى، تابعى.
ثم تولّى بعده الأمير فضل بن صالح العبّاسى، تولّى على مصر سنة تسع وستين ومائة. - وفى هذه السنة توفّى روج بن صلاح المصرى، تابعى، مات بالإسكندرية.
ثم تولّى بعده الأمير على بن سليمان العبّاسى، فلم تطل أيامه، فكانت مدّة ولايته على مصر دون السنة.
ثم تولّى بعده الأمير موسى بن عيسى العبّاسى، فكانت ولايته سنة اثنتين (١) وسبعين ومائة. - وفى هذه السنة توفّى الوليد بن المغيرة المسافرى ثم المصرى، كان تابعيا (٢)، توفّى فى ذى القعدة سنة اثنتين وسبعين ومائة.
ثمّ تولّى بعده الأمير مسلمة بن يحيى الأخمشى، فلم تطل بها أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده الأمير محمد بن زهير الأزدى، فلم تطل أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده الأمير داود بن يزيد المهلبى، تولّى على مصر سنة أربع وسبعين ومائه، فلم تطل أيامه، وصرف هو والأمير محمد بن زهير فى سنة واحدة.
ثم تولّى بعده الأمير إبراهيم بن عبد الملك بن صالح العبّاسى، وهى الولاية الثانية، أقام بها حتى مات سنة خمس وسبعين ومائة.
وفى هذه السنة، أعنى سنة خمس وسبعين ومائة، كانت وفاة الإمام الليث بن سعد، ﵁، مات يوم الجمعة رابع عشر شعبان من تلك السنة، ودفن بالقرافة