ألفات زمرّد قد علاها … همزات النضار واللازورد
وقال آخر فيه:
انظر لكتّاب روض … وزهره حين يبدو
زمرد ألفات … همزاتها لازورد
ما قيل فى اللبسان، لبدر الدين بن جمعة:
كأنّما اللبسان إذ … أخرج زهرا فى الشبه
أغصان نبت زبرجد … تيجانها مذهّبة
ما قيل فى الفول الأخضر، قال الصفى الحلّى:
انظر لزهر الباقلاء وقد غدا … فوق القضيب يميس فى أبراده
يحكى عيون الغيد فى تلويزها … بفتوره وبياضه وسواده
ما قيل فى زهر الخشخاش، لبعضهم فيه:
وزهر خشخاش بدا مشرقا … كعسكر للحرب قد بيرقا
وإن رمى أوراقه مثمرا … عاد دبابيس إلى الملتقا
وقال ابن النبيه:
طاب الربيع كأنما عجن الصبا … كافور مزنته بعنبر طيبه
وتفضّضت أزهاره وتذهّبت … فكأنها الطاووس فى تلوينه
انتهى ما أوردناه فى مفترجات مصر، على التمام والكمال.
стр. 72
ذكر من ملك الديار المصرية فى أول الزمان
من الجبابرة، والفراعنة، واليونان، والقبط، وغير ذلك، إلى مبتدأ دولة الإسلام، ومن ملكها فى الإسلام، إلى دولة الأتراك، ومن ملكها من الأتراك، إلى عامنا هذا، وهو عام إحدى وتسعمائة؛ وذلك على توالى السنين، وانتهاء كل دولة، وما وقع فيها من الحوادث من المبتدأ للمنتهى (١)، وذلك على الترتيب، كما سيأتى ذكر ذلك فى مواضعه، إن شاء الله (٢) تعالى، والمستعان بالله فى المبتدأ والختام، ومن هنا نشرع فى الكلام:
قال العلامة أحمد بن يوسف التيفاشى فى كتاب: «سجع الهديل فى أوصاف النيل»: إنّ شيث بن آدم، ﵇، دخل مصر، ونزل بها، هو وأولاد أخيه قابيل، وكانت مصر تدعى بايلون، فسكن شيث فوق الجبل، وسكن أولاد أخيه قابيل أسفل الوادى، وصاروا يتوارثونها إلى أيام أخنوخ، وهو إدريس، ﵇، وهو أول من تكلّم فى علم الهيئة، وعلم النجوم.
وأما ما ذكره محمد المسعودى، قال: أول من ملك أرض مصر قبل الطوفان، تبليل الألسن، وهو من أولاد قابيل بن آدم، ﵇، وكان عالما بعلم الطلسمات، والكيميات، وغير ذلك من العلوم الجليلة، واستمرّ على مصر إلى أن هلك؛ وتولّى من بعده ابنه نقراؤش الجبّار، وهو الذى بنى مدينة أمسوس، وهى أول مدينة بنيت بأرض مصر.
وكان جماعة من أولاد قابيل يسكنون فى مغائر فى الجبل المقطم، تجاه طرا، واستمرّوا على ذلك حتى بنى نقراؤش هذه المدينة، وصارت دار المملكة قبل الطوفان؛ ثم تزايدت العمائر، وبنيت المدن، حتى قيل: كان من مدينة أمسوس إلى الغرب أربعمائة مدينة محكمة البناء، يسكنها أمم من الجبابرة، وذلك قبل الطوفان.
стр. 73
قال العلامة إبراهيم بن وصيف شاه، فى أخبار مدينة أمسوس، وما كانت عليه من العجائب، قيل: كان بها طائر من نحاس، على أسطوانة من رخام أخضر، يصفّر كل يوم عند طلوع الشمس مرّتين، وعند غروبها مرّتين، فيستدلّون بتصفيره على ما يكون من الحوادث فى ذلك اليوم، فيتهيّئون لها؛ وعمل صنم من حجر أسود فى وسط المدينة، وتجاهه صنم مثله، إذا دخل المدينة سارق، لا يقدر أن يزول حتى يسلك بينهما، فإذا سلك بينهما أطبقا عليه، فيؤخذ باليد.
وعمل على جوانب هذه المدينة أصناما من نحاس أصفر، وهى مجوّفة، وملأها كبريتا، ووكّل بها روحانية النار، فكانت إذا قصدهم عدوّ أرسلت تلك الأصنام من أفواهها نارا أحرقته من وقته؛ وعمل فوق جبل بطرس منارا، يفور منها الماء، ويسقى ما حولها من المزارع؛ ولم تزل هذه الآثار باقية حتى أزالها الطوفان.
وقيل نقراؤش هو الذى أصلح مجرى (١) النيل، وكان قبل ذلك يتفرّق بين الجبلين، فوسّع طريقه، وقطع من الجبلين، وأجراه إلى بلاد النوبة، وشقّ منه نهرا عظيما، وبنى عليه المدن، وغرس فيها الأشجار، ثم سار إلى منبع النيل حتى بلغ خط الاستواء.
ونظر إلى البحر الأسود المسمّى بالزفتى، ورأى (٢) النيل يجرى عليه كالخيط الأبيض، حتى يدخل تحت جبل القمر؛ ثم رجع إلى مدينة أمسوس، وأقام بها مائة وثمانين سنة، حتى هلك؛ فلما مات لطّخ جسده بأدوية مفردة، حتى لا يبلى، وجعل فى تابوت من ذهب، ودفن فى مدينة أمسوس؛ ولم تزل مدينة أمسوس باقية حتى محاها الطوفان.
ولما مات نقراؤش خلف من الأولاد ثلاثة، وهم: نقراش، ومصريم، وعيقام؛ فتولّى بعده ابنه نقراش، وكان عالما بعلم الكهانة، والسحر، والطلسمات، وكانت
стр. 74
الشياطين تحمله بسريره على أعناقهم، وتطوف به سائر الأقاليم، حتى انتهى إلى البحر المحيط، وبنى هناك قلعة فى وسط البحر المحيط، ثم رجع إلى أمسوس، وأقام بها حتى هلك.
ثم تولّى بعده أخوه (١) مصريم، وهو الذى بنى مدينة مصر، وإليه تنسب، وجعل هذه المدينة على عشرين ميلا، وأجرى (٢) إليها ماء النيل، وغرس بها شجرة عظيمة، كانت تطعم سائر الفواكه، وعمل فى وسط المدينة قبّة من رخام أحمر، وعلى رأسها صنم من نحاس، ووكّل به الروحانية، فكان إذا خرج أحد من اللصوص فى الليل هلك مكانه، وجعل بهذه المدينة أشياء كثيرة من الطلسمات (٣)، والسحر.
واستمرّ على ذلك حتى هلك، وتولّى بعده أخوه (١) عيقام، وكان عالما بعلم الكهانة، والسحر، وإليه تعزى كتب القبط، التى (٤) فيها تواريخهم، وما يحدث فى الدنيا إلى آخر الزمان؛ وقيل إنّ إدريس، ﵇، رفع فى أيامه إلى السماء؛ والقبط تذكر عن عيقام (٥) هذا أشياء غريبة من السحر، لا تقبلها العقول لغرابتها.
وقيل إنّه توجّه إلى جبل القمر، وبنى (٦) هناك قلعة من نحاس أصفر، وجعل على منبع النيل هناك خمسة وثمانين تمثالا من نحاس، يخرج من حلوقها ماء النيل، بقانون وتدبير، بما يكون فيه لأهل مصر المنفعة، دون الفساد؛ وقدّر ذلك على ستة عشر ذراعا، بما تروى به أراضى مصر كلها، أعاليها وأسافلها، ويحصل لها الرىّ الكامل فى جميع جهاتها؛ واستمرّ عيقام ساكنا بالقصر الذى بناه على سفح جبل القمر، عند البطائح التى يصبّ فيها ماء النيل من تلك التماثيل، التى (٤) صنعها هناك، إلى أن هلك ودفن بقصره المذكور.
стр. 75
ولما مات تولّى بعده ابنه عرياق، وكان عالما بعلم الطلسمات، قيل إنّه عمل شجرة من نحاس أصفر، ولها فروع، إذا قرب منها الظالم اختطفته بتلك الفروع، فلا تفلته حتى يقرّ بظلمه، ويخرج من ظلامة خصمه؛ وقيل إنّ هاروت وماروت كانا فى زمانه؛ وقيل إنّ عرياق هذا بنى فى وسط مدينة أمسوس قبّة عظيمة، وفوقها كالسحابة التى فى السماء، تمطر مطرا خفيفا، شتاء وصيفا، وعمل تحت تلك القبّة مطهرة، فيها ماء أخضر، يتحصّل من ذلك المطر، فإذا استعمله من به عاهة برأ من وقته.
واستمرّ عرياق على ذلك حتى تغايرن عليه نساؤه (١)، فعمدت إحداهن إلى طعام، ووضعت فيه السمّ، وقدمته إليه، فأكل منه، فمات من وقته، فكان كما قيل فى المعنى:
كن (٢) ما استطعت عن النساء بمعزل … إنّ النساء حبائل الشيطان
ولما مات عرياق، تولّى بعده ابنه لوجيم، وكان عالما بعلم الطلسمات، والسحر، وكانت له أعمال عجيبة، منها أنّه عمل أربع منارات فى جوانب مدينة أمسوس، وجعل على كل منارة صورة غراب، وفى فمه حيّة قد التوت عليه، فلما عاينوا الغربان ذلك، نفروا من المدينة، وكانوا قد أفسدوا الزروع والبساتين، وأكلوا الثمار، فمن حينئذ لم يدخل المدينة غراب؛ واستمرّ لوجيم على ذلك حتى هلك.
وتولّى بعده خصليم، وكان عالما بعلوم الهندسة، وهو أول من عمل مقياسا لزيادة النيل، وبناه بالرخام، وجعل فى وسطه بركة صغيرة، فيها ماء موزون بالحكمة، وعليها عقابان من نحاس، أحدهما ذكر، والآخر أنثى، فإذا كان أوان الشهر الذى يزيد فيه النيل، جمع الكهّان على تلك البركة، وتكلّموا بكلام، فإن صفّر الذكر، كان النيل عاليا فى تلك السنة، وإن صفّرت الأنثى كان النيل ناقصا، فيستعدّون لذلك؛ وهو الذى بنى (٣) القنطرة الكبيرة ببلاد النوبة، على بحر النيل؛ واستمر
стр. 76
خصليم فى ملكه إلى أن هلك.
وتولّى بعده ابنه قفال، وكان عالما بعلوم الطلسمات، والسحر، وقيل إنّه عمل سربا تحت النيل، ينتهى إلى بلاد الصعيد، برسم نسائه، ينزلون به ويمشون فيه إلى بلاد الصيد، حتى يزرن البرابى التى فى أخميم؛ وقيل إن نوحا، ﵇، بعث فى زمانه؛ واستمرّ قفال على ذلك، حتى هلك.
وتولّى بعده ابنه تدرسان، وكان عالما بعلوم الطلسمات، والسحر، وكانت له أعمال عجيبة، منها أنّه عمل قصرا من خشب، ونقش فيه صور الكواكب، وفرشه بأحسن الفرش، وحمله على الماء، وصار يجلس فيه، هو وبنات عمّه، وكان يقتصر على حبّ النسا الحسان.
فلما جلس فى ذلك القصر الخشب، أحضر سفرة الشراب، وشرب، فبينما هو فى أرغد عيش، والكأس فى يده، إذ هبّت من الجوّ ريح شديد، وهو فى وسط البحر، فاضطرب الماء، فانقلب ذلك القصر الخشب به، وتكسّر، فغرق هو، ومن كان معه فى ذلك القصر، عن آخرهم، وعاد سروره كدرا، فكان كما قيل فى المعنى:
تمتّع من الدنيا بلذّتك التى … ظفرت بها ما لم تعقك العوائق
فما أمسك الماضى عليك بعائد … ولا يومك الآتى به أنت واثق
ولما غرق تدرسان، تولّى بعده ابنه سرقاق، وكان عالما بعلوم الطلسمات، والسحر، وكانت له من الأعمال العجيبة أشياء كثيرة، فمن ذلك أنّه عمل صورة بطّة من نحاس أصفر، قائمة على اسطوانة من رخام أخضر، على باب المدينة، فإذا دخل المدينة غريب، صفّقت تلك البطّة بجناحيها، وتصفّر، بحيث (١) يسمعها كل من فى المدينة، فيمسكون (٢) ذلك الغريب بيده، فكان فى أيامه لا يستطيع غريب أن يدخل المدينة؛ وهو الذى شقّ من النيل نهرا يمرّ إلى بلاد الغرب، وبنى (٣) عليه المدن، وملك أرض مصر مائة وستين سنة.
стр. 77
ولما هلك، تولّى بعده ابنه شهلوق، وكان عالما بعلوم الطلسمات، والسحر، فمن ذلك أنّه عمل شجرة من نحاس أصفر، ونصبها فوق الجبل المقطّم، فكان يقسّم بها الرياح إلى البلاد التى يريد الفساد إلى أهلها، فلا يستطيعون بها الإقامة، حتى يأتوا إليه ويدخلوا تحت طاعته.
وفى أيامه ظهر معدن الفضّة فى بلاد البجّة، من أعلا بلاد الصعيد، فأثار منه أشياء كثيرة، فكان جميع أوانيه فضّة، حتى أنعال خيله؛ وهو أول من أظهر عبادة النار، وظهر فى أيامه كنوز مصريم الأول، وأقام شهلوق على ذلك حتى هلك.
ولما مات تولّى بعده ابنه سورنيد، وقيل سورند، وكان عالما بعلوم الكهانة، والسحر، وكان أغنى (١) ملوك مصر، بما ظفر به أبوه (٢) شهلوق من كنوز مصريم؛ قيل إنّ سورنيد هذا عمل مرآة من معادن شتى، فكان ينظر فيها ما يحدث فى الأقاليم من الحوادث، ونصبها فى وسط مدينة أمسوس.
وعمل أيضا صورة امرأة جالسة، وهى من حجر، وفى حجرها صبىّ ترضعه، فكانت الامرأة من نساء مصر، إذا أصابها علّة اللبن، وقلّ لبنها، مسحت ثديها بثدى تلك الصورة، فيدرّ لبنها؛ وإن عسرت ولادة امرأة، مسحت رأس تلك الصورة، فتضع حملها سريعا؛ وإذا وضعت الزانية يدها على تلك الصورة، ارتعدت جميعها، فلا تقدر على الرجوع حتى تتوب من ذنبها؛ ولم تزل هذه الصورة باقية فى مدينة أمسوس، حتى أزالها الطوفان، وقيل إنّ هذه الصورة ظهرت بعد الطوفان، وعبدها أكثر الناس.
قال ابن وصيف شاه: إنّ سورنيد هذا هو الذى بنى (٣) الهرمين العظيمين بمصر، قبل الطوفان بثلثماية سنة، وكانت الكهنة تنذر الناس بأمر الطوفان، فبنى (٤) سورنيد هذه الأهرام، وأودع فيها أمواله وتحفه، وكتبه النفيسة فى العلوم الجليلة، وقال:
стр. 78
إن مضى الطوفان ونحن فى الدنيا، فترجع إلينا أموالنا وذخائرنا، وإن نحن متنا فى هذا الطوفان، فتكون هذه الأهرام قبورا لأجسادنا؛ وقد أوسعت (١) فى أخبار الأهرام فى أول التاريخ، عند قصّة نوح، ﵇.
قال ابن عبد الحكم: لم أجد عند أحد من أهل المعرفة، عن الأهرام، خبرا يثبت عن بانيها (٢)، وفى أى وقت بنيت، وما السبب فى ذلك؛ وقد قال القائل فى المعنى:
حسرت عقول أولى النهى … واستصغرت لعظيمها الأهرام
ملس ممنّعة البناء شواهق … قصرت لعال دونهن سهام
لم أدر حين كبا التفكّر دونها … واستوجبت لعجيبها الأوهام
أقبور أملاك الأعاجم هنّ أم … طلسم رمل كنّ أم أعلام
وقد بنيت هذه الأهرام فى طالع سعيد، ووكّلوا بها روحانية، تحفظ ما فيها من الأموال إلى آخر الزمان، وأخبار الأهرام لا تحصى؛ قال ابن عبد الحكم: وجد على الأهرام مكتوبا بالخطّ القديم، وهو قلم الطير، فكان معناه: أنا سورنيد ابن شهلوق، بنيت هذه الأهرام فى ستين سنة، فمن أتى بعدى، وزعم أنّه مثلى، فليهدمها فى ستمائة سنة، فإنّ الهدم أيسر من البناء، وإنى لما انتهى العمل منها جعلت (٣) لها عيدا، وكسوتها بالديباج الملوّن، فمن أتى بعدى، وزعم أنّه مثلى، فليكسها (٤) بالحصر إن استطاع لذلك سبيلا.
قال ابن عبد الحكم: لما دخل الأمير أحمد بن طولون إلى مصر، أراد أن يفتح أحد (٥) الهرمين، فحفر حولها على أن يجد شيئا من أبوابها، فبينما هو يغوص فى الرمال، فوجد قطعة كبيرة من مرجان أحمر، وعليها سطور مكتوبة بقلم الطير، فأحضر من له خبرة بهذا القلم، فقرأ ذلك الخطّ، فإذا معناه أبيات شعر، وهى:
стр. 79
أنا بانى الأهرام فى مصر كلها … ومالكها قدما بها والمقدم
تركت بها آثار علمى وحكمتى … على الدهر لا تبلى ولا تتثلم
وفيها كنوز جمّة وعجائب … وللدهر لين مرّة وتهجم
وفيها علومى كلها غير أننى … أرى قبل هذا أن أموت فتعلم
ستفتح أقفالى وتبدو عجائبى … وفى ليلة فى آخر الدهر تنجم
ثمان وتسع واثنتان وأربع … وسبعون بعد المائتين تسلم
ومن بعد هذا جرّ تسعين برهة … وتلقى البرابى سحرها وتهدم
ترون فعالى فى صخور صنعتها … ستبقى وأفنى ثم تبلى وتعدم
فجمع ابن طولون الحكماء، وأمرهم بأن يحسبوا هذه المدّة، فلم يقدروا على ذلك؛ ووجدوا تاريخ هذه الكتابة قبل أن تبنى (١) مصر بأربعة آلاف سنة، فلم يحصوا ذلك، فترك فتح الأهرام، ولم يظفر منه بغير تلك القطعة المرجان، انتهى؛ وقال بعض الشعراء:
ألست ترى (٢) الأهرام دام بناؤها … ويفنى لدينا العالم الإنس والجن
كأن رحى (٣) الأفلاك أكوارها على … قواعدها الأهرام والعالم الطحن
وقال آخر:
لله أى غريبة وعجيبة … فى صنعة الأهرام للألباب
تحكى الخيام مقامة فى نصبها … من غير أعمدة ولا أطناب
وقال السراج الورّاق:
هل شائد الهرمين ثبّت سفحها … خوف اهتزاز الأرض من خيلاء
أم خالها حسناء تجلى فابتنى … نهدين فوق ترائب الحسناء
وقال الشهاب المنصورى:
إن جزت بالهرمين قل كم فيهما … من عبرة للعاقل المتأمّل
стр. 80
يفنى الزمان وفى حشاه منهما … غيظ الحسود وضجرة المستثقل
وقوله أيضا:
واعجبا والعجاب من هرم … فى أرض مصر من حكمة القدما
قد أهرم الأرض ثقل وطأته … فهى إلى الله تشتكى الهرما
وقال آخر:
تحقّق إنّ صدر الأرض مصر … ونهداها من الهرمين شاهد
فواعجباه كم أفنت قرونا … على هرم وذاك الثدى ناهد
واستمرّ سورنيد فى ملكه حتى هلك، بعد أن عاش نحو مائتى سنة؛ ثم تولّى بعده ابنه هو جيب، وكان عالما بعلوم الكهانة، والسحر، وقيل هو الذى بنى أهرام دهشور، وحمل إليها أمواله وذخائره.
ومن أعماله العجيبة، أنّه عمل درهما من نحاس وعليه كتابة، ومن شأن هذا الدرهم، إذا ابتاع به صاحبه شيئا، اشترط على البائع أن يزن له ما يبتاعه منه من البضائع، بوزن هذا الدرهم، ولا يزد عليه شيئا، فيغرّ البائع ذلك، ويقبل منه الشرط، فإذا وقع به الوزن، يدخل قبالة هذا الدرهم جميع ما عند البائع من الأصناف، ولا تعد له فى الوزن.
وكان من شأن هذا الدرهم، إذا أراد صاحبه يبتاع به حاجة يقبّله، ويقول له:
«اذكر العهد القديم»، ثم يبتاع به ما أراد، فإذا مضى صاحبه إلى داره، يجد ذلك الدرهم قد سبقه إلى ميزانه، ويجد البائع به مكان الدرهم، ورقة من آس، أو ورقة بيضاء من قرطاس؛ فكان الناس يتعجّبون (١) من شأن هذا الدرهم، وقد وجد فى بعض الكنوز، وحمل إلى خزائن بنى أميّة، وأقام مدّة طويلة، ثم فقد من بعد ذلك بالكلّية.
واستمرّ هو جيب فى ملكه حتى هلك، وتولّى بعده منقاوس، ابنه، وكان جبّارا عنيدا، سفّا كاللدماء، وكان مولعا بحبّ النساء، إذا سمع بامرأة جميلة، أخذها من زوجها غصبا.
стр. 81
وكان يسمع بوصف الجنّة، فقال: «أنا أبنى لى فى الدنيا جنّة مثلها»؛ فبنى له قصرا على شاطئ النيل، وتناهى (١) فى زخرفه، وأجرى فيه الأنهار من النيل، وفرشه بالفرش الفاخرة، وكان يجلس فيه وحوله النساء الحسان، فبينما هو جالس فى بعض الأيام، والكأس فى يده، فشرق به، ومات من وقته، ودفن فى ذلك القصر الذى بناه.
وتولّى من بعده ابنه أفرؤس، فكان حسن السيرة، عادلا فى الرعية، ولما تولّى بعد أبيه ردّ النساء التى أخذت فى أيام أبيه إلى أزواجهن، وكذلك البنات التى أخذت من سائر البلاد.
ومن أعماله العجيبة، أنّه عمل قبّة على شاطئ النيل، من نحاس أصفر، وجعل حولها أطيارا من ذهب وفضّة، إذا دخل فيها الريح فتصفّر بأصوات مطربة فى لغات شتى.
وكان عنده مدهن من ياقوت أحمر، قطره خمسة أشبار، فكان يشرب فيه الخمر؛ وقد وجد هذا المدهن بعد الطوفان فى بعض البرابى، وصار يتوارثونه الملوك، حتى خفى أمره.
واستمرّ أفروس فى ملكه حتى هلك؛ وتولّى بعده ابنه أفالينوس، فلما ولى بعد أبيه، أظهر العدل فى الرعيّة.
ومن أعماله العجيبة، أنّه عمل منارة، وعلى رأسها قبّة من نحاس أصفر، وطلاها بأدوية مفردة، فكانت إذا دخل الليل، أضاءت تلك القبّة على أهل المدينة، حتى تصير مثل النهار، يمشون الناس فى ضوئها إلى حوائجهم لا يحتاجون إلى السرج، فإذا طلع النهار، وأشرقت الشمس، خمد ضوءها، فلا يفسدها كثرة (٢) الأمطار، ولا اختلاف الرياح؛ وعاش أفالينوس مدّة طويلة، وتزوّج ثلثماية امرأة، ولم يولد له ولد.
فلما هلك، لم يكن له ولد، فتولّى بعده ابن عمّه فرعان، فكان جبّارا عنيدا،
стр. 82
مغرما بحبّ النساء، وكان شجاعا بطلا، يحبّ الحرب، ويقمع الجبابرة.
وفى أيامه وقع الطوفان العميم بالدنيا، وكانت الكهنة تخبر بذلك من أيام سورنيد، حتى إنّه بنى (١) الأهرام، وقد تقدّم ذكر ذلك عند قصّة نوح، ﵇.
قيل لما أقبل الطوفان، ونبع الماء، كان فرعان سكرانا لا يعى، فقام ليهرب فى الأسراب من الماء، فتخلخلت به الأرض، ونبع الماء من تحت قوائم فرسه، فسقط فى الماء، وغرق؛ وهلك من دخل فى الأسراب بالغم، وقد طغى الماء وعمّ الدنيا، مشرقا ومغربا، وهلك كل من على وجه الأرض، من آدمى ووحش وطير، ولم ينج (٢) من هذا الأمر إلا من دخل السفينة، وقد تقدّم ذكر ذلك.
فهذه أخبار من ملك أرض مصر قبل الطوفان، ومن هنا نشرع فيمن ملكها بعد الطوفان، وهم أمم غير هؤلاء الذين تقدّم ذكرهم.
قال ابن عبّاس، ﵄: إنّ نوحا لما خرج من السفينة، كان معه أربعة أولاد، وهم: سام، وحام، ويافث، وأرفخشذ؛ وقيل كان له ولد آخر يسمّى يحطون، فلما خرج من السفينة، قسّم الأرض بين أولاده، وأولاد أولاده، فأعطى بيصر ابن ولده حام، أرض مصر.
قال ابن عبد الحكم: إنّ بيصر بن حام بن نوح هو الذى بنى (١) مدينة منف بعد الطوفان، وهى أول مدينة بنيت، بعد مدينة أمسوس، بأرض مصر، وصارت منف دار المملكة بعد أمسوس. وكان بيصر بن حام له ثلاثون ولدا، فبذلك سمّيت مدينة منف «مافة»، وهى بلسان القبط ثلاثون.
فسكن بيصر بن حام بمنف، هو وأولاده، وأنشأ بها العجائب، وكانت فى غربى النيل، على مسافة اثنى عشر ميلا، فى مثلها؛ وكان لها من الأبواب سبعين بابا، مصفّحة بالنحاس الأصفر؛ وكان بها سبعة بيوت من رخام أخضر، باسم الكواكب السبعة، وقد بقى من هذه البيوت بيت (٣)، كان بمنف إلى سنة خمسين وسبعمائة،
стр. 83
فنقله الأتابكى شيخو العمرى، وجعله على باب خانقته التى فى الصليبة.
وهو باق إلى الآن.
وكان بمنف أنهار تجرى من أعلا سورها، محكمة من ماء النيل فى درج، كلما وصل الماء إلى درجة امتلأت الأخرى، حتى يصعد الماء إلى أعلا السور، ويدخل بيوت المدينة عن آخرهم، ثم يخرج من مواضع، ويسقى البساتين والقرى، ثم يرجع إلى البحر.
وقد سكنها من بعد ذلك فرعون موسى، ﵇، وهو القائل: «أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون».
ولم تزل منف محكمة البناء، كثيرة الآثار والكنوز والعجائب، على ما ذكرناه، حتى قدم بخت نصر إلى مصر، وأخربها عن آخرها، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
واستمرّ بيصر بن حام بمنف حتى كبر سنّه، وقيل إنّه عاش سبعمائة سنة، وبيصر هذا هو أبو القبط، وإليه تنتسب؛ وكان له خمسة من الأولاد، وهم: مصريم، وقفط، وأشمون، وأتريب، وصا؛ فلما مات بيصر بن حام اقتسمت أولاده أرض مصر، وعمر كل واحد منهم مدينة، فسمّيت به.
ولما مات بيصر بن حام، فاستخلف ابنه مصريم، وكان أكبر أولاده، وهو الذى بنى مدينة مصر، وبه سمّيت، وهو مصريم الثانى، فبنى مصر، واختطّ سورها، وأظهر بها العجائب والحكم.
وأقام بها إلى أن هلك، فاستخلف أخاه قفط، وإليه تنتسب مدينة قفط؛ وقيل هو الذى بنى أهرام دهشور؛ وقيل إنّ هودا، ﵇، بعث فى أيامه؛ وهو أول من اتّخذ النيروز بمصر فى أيامه.
وقيل إنّ قفط هذا عاش أربعمائة سنة، ثم هلك، فاستخلف أخاه أشمون، وإليه تنتسب مدينة أشمون؛ وهو الذى شقّ بمصر الأنهار، وغرس بها الأشجار، وعقد بها القناطر، وصنع بها الجسور.
واستمرّ أشمون على ذلك حتى هلك، فاستخلف أخاه أتريب؛ وهو الذى
стр. 84
بنى (١) مدينة أتريب، وإليه تنتسب؛ وهو أول من اتّخذ الكيل والميزان، واستخرج المعادن من الأرض، وسار فى الناس سيرة حسنة.
واستمرّ على ذلك حتى هلك، فاستخلف أخاه صا، وهو الذى بنى (١) مدينة صا، وإليه تنتسب، وهى مدينة كانت على شاطئ بحر النيل، وآثارها باقية (٢) إلى الآن؛ قيل كان بها اسطوانة من رخام أبيض، وعليها مرآة من معادن شتّى، فكان ينظر فيها ما يحدث من الحوادث فى سائر الأقاليم السبعة، من خير أو شرّ.
واستمرّ صافى ملكه حتى هلك، فاستخلف ابنه تدراس، وكان عالما بعلوم السحر، والكهانة، وقيل إنّ صالحا، ﵇، بعث فى أيامه إلى قوم ثمود.
وهو أول من جبى (٣) خراج مصر، وقد بلغ الخراج فى أيامه ألف ألف وخمسين ألف ألف دينار.
وهو أول من أظهر الصيد، واتّخذ الكلاب السلوقية، والجوارح، وكان مولعا بالصيد، وعمل شجرة من حديد ذات أغصان، فكانت تجلب كل صنف من أصناف الطير والوحش إليها، حتى تصاد باليد، فشبع الناس فى أيامه من لحوم الطير والوحش؛ وكان إذا غضب على أهل قرية، سلّط عليهم السباع يقتلونهم (٤) فى بيوتهم.
واستمرّ تدراس فى ملكه حتى هلك، ثم تولّى بعده ابنه ماليق، وكان عالما بعلوم السحر، والكهانة، وهو الذى غزا مدائن البربر، وأسر أهلها، وكان بالبربر مدينة عظيمة، يقال لها قرميدة، وكان بها امرأة ساحرة، فلما حاصرهم ماليق، أظهرت لهم أشياء من سحرها، فطمست عن العسكر مكان المياه، فلم يعرفوها (٥)، فهلكوا بالعطش، حتى مات منهم نحو الثلث، فلما عاين ماليق ذلك، ترك حصار تلك المدينة ومضى.
стр. 85
قيل لما غزا ماليق بلاد البربر، رأى بها مدينة، وبها جماعة من أهلها، وجوههم كوجوه الإنسان، وأرجلهم مثل حوافر البقر، وعلى أبدانهم شعر كشعر المعز، ولهم أنياب بارزة، كأنياب السباع، فلما حاصرهم لم يقدر عليهم، وأظهروا أشياء عظيمة من سحرهم، فتركهم ومضى.
فلما رجع إلى مصر، حاق سحر أهل قرميدة بمصر، فكثر بها الثعابين والعقارب والضفادع، وفاض النيل فى غير أوانه، حتى غرّق القرى، ودخل الدور، فلما عاين ماليق ذلك، لبس المسوح، وافترش الرماد، وسجد عليه، ودعا إلى الله تعالى بكشف هذه النازلة، حتى أنّها انكشفت عن أهل مصر.
واستمرّ ماليق فى ملكه حتى هلك، ثم تولّى بعده ابنه خرثناه، وكان عالما بعلوم السحر، والكهانة؛ وكان يجلس فى السحاب، ويقيم به ستة أشهر، ثم ظهر من بعد ذلك عند طلوع الشمس، وهى فى برج الحمل، وأشار إلى قومه بأنّه ما بقى يرجع إليهم، وأن يولّوا غيره.
فلما أيسوا منه ولّوا ابنه عديم، وكان من الجبابرة؛ وهو أول من صلب أصحاب الجرائم؛ وكانت له أعمال عجيبة، منها: أنّه عمل قدحا من زجاج أخضر، إذا صبّ فيه ماء، أو غيره، وشرب منه جميع من فى المدينة، لا ينقص منه شئ، ولو أقام دهرا طويلا.
واستمرّ عديم فى ملكه حتى هلك، ثم تولّى بعده منقاش، وكان عالما بعلوم السحر، والكهانة؛ وهو الذى توجّه إلى بلاد (١) المغرب، وانتهى إلى الجبل الأسود الذى ليس له مصعد، فنقب فيه مغائر، ونقل أمواله وتحفه فيها، حتى قيل إنّه نقل من مصر إلى هذه المنائر، اثنتى عشرة ألف عجلة، موسوقة من الجواهر، وستمائة ألف عجلة، موسوقة من الذهب والفضّة؛ ولما هلك دفن فى ذلك الجبل، عند أمواله.
ثم تولّى بعده ابنه قرسون؛ وكان عالما بعلوم الكهانة، والسحر، فمنها أنّه عمل منارة على بحر القلزم، ووضع فوقها مرآة من معادن شتّى، فكان من شأن هذه
стр. 86
المرآة أنّها تجلب المراكب إلى البرّ، فلا تبرح عند البرّ حتى يؤخذ منها العشر من أصناف البضائع.
واستمرّ قرسون فى ملكه حتى هلك، ولم يكن له ولد ذكر، وكانت له بنت (١) تسمّى نونية الكاهنة، فتولّت بعده، وهى أول امرأة ملكت أرض مصر، فلما ملكت مصر، أظهرت من سحرها العجائب.
ثم هلكت، وتولّى بعدها ابنة عمّها زلقا ابنة مأموم بن ماليا، فعمرت فى مصر دهرا طويلا.
ثم وثب عليها مرقونس، ونزعها من الملك، وتولّى عوضها؛ وكان عالما بعلوم السحر، والكهانة، فمنها أنّه عمل شربة من زجاج أخضر، إذا ملئت بالماء يصير خمرا، وقد وجدت هذه الشربة فى بعض الكنوز بمدينة أطفيح.
واستمرّ مرقونس فى ملكه حتى هلك، فأتى إلى مصر العمالقة، وغزوا أهلها وملكوها، فحاربهم الوليد بن رومع، وكان شجاعا بطلا، فقاتل العماليق أشدّ القتال، حتى كسرهم، ورحلوا عن مصر.
فلما رأوا أهل مصر شجاعة الوليد، فملكوه عليهم، فأقام على مصر نحو مائة سنة؛ ثم إنّه طغى وتجبّر، وأظهر الفاحشة، فسلّط الله عليه سبعا فافترسه، وأكل لحمه؛ قيل كان له خلقة عظيمة، وقد وجد بعد موته ضرس (٢) من أضراسه، فكان وزنه ثمانية عشر منّا، وعلى هذا فقس بقية (٣) جسده.
стр. 87
ذكر من ملك مصر من الفراعنة
قال ابن عبد الحكم: الفراعنة الذين (١) ملكوا مصر خمسة، وهم: طوطيس ابن ماليا، فرعون إبراهيم، ﵇، والريان بن الوليد، فرعون يوسف، ﵇، والوليد بن مصعب، فرعون موسى، ﵇، ودارم بن الريان، وآخر ما يحضرنى اسمه الآن.
فأما طوطيس، فرعون إبراهيم، ﵇، فإنّه كان مغرما بحبّ النساء الحسان، وكان يأخذ نساء الناس، وبناتهم، غصبا، وكان له فى الطرقات حرّاس بسبب ذلك.
فاتّفق أنّ إبراهيم، ﵇، دخل إلى مصر فى تجارة، وكان معه زوجته سارة، فلما دخل مصر، وسمع بأخبار ملكها، فخاف منه على سارة، فعمد إلى صندوق من الخشب، وأدخل فيه سارة؛ فلما مرّ من تحت قصر الملك، فرآه من أعلا القصر، فقال لمن حوله: «امضوا واكشفوا لى عن خبر ما فى هذا الصندوق»، فجاءوا أعوان الملك إلى إبراهيم، فسألوه عما فى الصندوق، فقال: «فيه بضاعة».
ثم إنّهم أخذوا منه الصندوق، وأحضروه بين يدى الملك، فلما فتحه، فوجد فيه امرأة، كأنّها الشمس المضيئة، فقال لإبراهيم: «ما تكون هذه المرأة منك»؟ قال: «هى أختى»، فقال له الملك: «زوّجنى بها»، فقال إبراهيم: «إنّها متزوّجة»، فاغتاظ منه الملك، وأمر بسجنه، فسجن.
ثم إنّ الملك أدخل سارة إلى قصره، وزيّنها بأحسن الزينة، وأجلسها إلى جانبه على السرير، ثم مدّ يده إليها، فيبست يده فى الحال، فقال لها: «إنّك لساحرة عظيمة»، ثم همّ بها ثانيا، فابتلعته الأرض إلى نصفه، فقال لها: «أيتها المرأة، كفّى عنىّ سحرك»، فقالت له سارة: «ليس هذا من فعلى، إنما هو من إبراهيم، خليل الله»؛ فأرسل خلفه، فلما دخل عليه قام إليه وعظّمه، وأجلسه معه على السرير،
стр. 88
واستغفر له، فمسكه إبراهيم من يده، وخلّصه من الأرض، بعد ما كادت تبتلعه.
ثم إنّ الملك ردّ سارة على إبراهيم، ووهب له جارية جميلة، تسمّى هاجر، وكان لها من العمر أربع عشرة سنة، وكان أصلها من مدينة عين شمس، التى فى المطرية، فأحبّ إبراهيم هاجر، وتسرّى بها، فجاءه منها ولده إسمعيل، ﵇؛ وقيل إن الملك طوطيس أسلم على يد إبراهيم، ﵇، انتهى ذلك.
وأما فرعون يوسف، ﵇، فكان اسمه الريان بن الوليد بن أرسلادس، وكان حسن السيرة، عادلا فى الرعية، وكان خراج مصر فى أيامه ألف ألف دينار؛ قيل وقع الغلاء فى أيامه، فأسقط عن المزارعين بمصر خراج ثلاث سنين.
وهو الذى بنى (١) مدينة العريش، وكانت من أجلّ المدائن؛ وهو الذى غزا بلاد السودان، وكان منهم طائفة يأكلون الناس جهارا.
روى فى بعض الأخبار عن الإمام على بن أبى طالب، كرّم الله وجهه، أنّه قال:
«بعث الله تعالى إلى قوم من السودان نبيّا، فذبحوه، وطبخوه، وأكلوا من لحمه، فهم أقسى الأمم قلبا، ونساؤهم أصلح من رجالهم.
وهو الذى غزا بلاد الجنوب، فرأى بها أقواما كخلقة القرود، ولهم أجنحة يلتفّون بها؛ وغزا أقواما عند البحر المظلم، فرأى هناك واديا شديد الظلمة، فكانوا يسمعون فيه صياحا عظيما، ولا يرون فيه أشخاصا لشدّة ظلمته؛ ورأى هناك سباعا سودا، مخرومة الأنوف.
وسار حتى انتهى إلى البحر الأسود، المسمّى بالزفتى، فرأى هناك عقارب طيّارة، فخرجت على عسكره، فهلك منه جماعة كثيرة؛ ثم سار حتى وصل إلى مدينة سلوقة، فرأى بها حيّة عظيمة الخلقة، طولها نحو ميل، إذا قرب منها الفيل ابتلعته؛ فلما عاين الريان ذلك رجع إلى مصر، وقد فقد من عسكره نحو النصف، وكان مدّة غيبته فى هذه السياحة إحدى وثلاثين سنة.
قال الواقدى: إنّ الملك الريان هذا، هو الذى بنى (١) قصر الشمع القديم، وكان
стр. 89
مطّلا على بحر النيل، وإنما سمّى قصر الشمع، لأنّه كان يقد فيه الشمع عند نقل الشمس، من برج إلى برج، من الشهور القبطية، فتعلم أهل مصر أنّ الشمس نقلت فى تلك الليلة، ولم يزل هذا القصر عامرا، إلى أن أخربه بخت نصر لما قدم إلى مصر، وأقام خرابا نحو خمسمائة سنة، فلما قويت شوكة الروم على اليونان، واستولوا على مصر، جدّدوا بناءه، وجعله بيتا لعبادة النيران، وسمّى قصر الجمع.
قال وهب بن منبه: إنّ يوسف، ﵇، لما دخل مصر، واشتراه وزير الريان المسمّى قطفير، كان فى زمن الريان هذا، وهو الذى رأى تلك الرؤيا المشهورة، وقصّها على يوسف وهو فى السجن، وهو الذى قال له يوسف، ﵇: «اجعلنى على خزائن الأرض».
وقيل إنّ يوسف بنى (١) مدينة الفيوم فى أيامه، وكان أرضها مغائص للماء، فدبّرها بالوحى من جبريل، ﵇، حتى خرج عنها الماء، فلما انتهى منها العمل، ركب الريان لينظر ما صنعه يوسف، فلما رأى ذلك تعجّب منه، وقال: «هذا كان يعمل فى ألف يوم»، فسمّيت من يومئذ الفيوم؛ وكانت محكمة على ثلثماية وستين قرية، على عدد أيام السنة، لتغلّ كل قرية منها على أهل مصر يوما.
واستمرّ الريان على ملكه بمصر، حتى مات فى أيام يوسف، ﵇، وقيل إنّه أسلم على يد يعقوب، ﵇، لما دخل مصر. انتهى ذلك.
ولما مات الريان، استخلف بعده ابنه دارم، وهو الفرعون الثالث؛ وكان جبّارا عنيدا، فأظهر عبادة (٢) الأصنام، وعمل صنما من الرخام الأخضر، وألبسه الثياب الحرير الأحمر، واتّخذ له عيدا، كلما دخل القمر برج السرطان.
ومن أعماله العجيبة، أنّه عمل تنّورا، يشوى فيه من غير نار، وعمل قدرا، يطبخ فيه من غير نار؛ وعمل سكينا منصوبة فى وسط مدينة منف، ومن شأنها تأتى
стр. 90
البهائم إليها، فتذبح نفسها بها من غير يد؛ وعمل ماء يستحيل نارا، ونارا تستحيل ماء؛ وعمل أشياء غريبة من هذه الأنواع.
ولم يزل على ذلك حتى نزل ذات يوم فى مركب، ومرّ إلى نحو حلوان، فقام عليه ريح عاصف، فغرق فى البحر عند حلوان، فطلعوا به وحمل إلى منف، فدفن بها.
وهو الذى توفّى يوسف، ﵇، فى أيامه، ودفن بالفيوم؛ قال ابن لهيعة:
«أقام يوسف مدفونا فى بحر الفيوم، وهو فى صندوق رخام مرمر، فى وسط البحر، نحو ثلثماية سنة، حتى نقله موسى، ﵇، إلى بيت المقدس».
ولما هلك دارم بن الريان، تولّى بعده دريموس، وقيل اسمه عند القبط ميلاطيس، وهو الفرعون الرابع؛ وكان عالما بعلوم السحر، والكهانة، ومن أعماله العجيبة، أنّه عمل ميزانا بكفّتين من ذهب، وعلّقها (١) فى هيكل الشمس، وكتب على إحدى كفّتيها «حقّ» والأخرى «باطل»، وجعل تحتها فصوصا، ونقش عليها اسم الكواكب؛ فإذا دخل الظالم والمظلوم، وأخذ من تلك (٢) الفصوص فصّا، وجعله فى كفّة الميزان، فتثقل كفّة الظالم، وتخفّ كفّة المظلوم؛ وقيل إنّ بخت نصر، لما دخل مصر، أخذ هذه الميزان، ونقلها إلى بابل، مع جملة ما أخذه من مصر.
واستمرّ دريموس فى ملكه بمدينة منف حتى هلك، وتولّى بعده الوليد بن مصعب، وهو الفرعون الخامس، فرعون موسى، ﵇.
قال وهب بن منبه: كان أصل فرعون من مدينة بلخ، وقيل من أرض حوران، من نواحى الشام؛ وكان عطّارا، فتجمّد عليه دين، فخرج هاربا من أصحاب الديون، حتى دخل مدينة منف، وكانت يومئذ دار المملكة، وكان فرعون بشع المنظر، أعور بعينه اليسرى، وكان طول لحيته سبعة أشبار، بحيث إنّه كان يعثر فيها؛ وكان قصير القامة، يعرج برجليه عرجا فاحشا، وكان بجبهته شامة سوداء كبيرة.
فلما دخل منف، وقف على خبّاز يقال له هامان، وكان هامان كثيرا للقراءة
стр. 91
فى الملاحم، فلما وقف عليه فرعون رأى به علامات، تدلّ على ما عنده فى الملاحم، بأنّ من يكون به هذه الصفة لا بدّ أن يملك مصر. فقال له هامان: «من أى أرض أقبلت»؟ فقال فرعون: «من بلخ»، فقال هامان: «هل لك فى صحبتى»؟ فقال فرعون: «إن شئت، كنت كذلك»، فأضافه هامان تلك الليلة.
ثم إنّ فرعون اشترى حمل بطيخ، وجاء به إلى باب المدينة، فلما أراد أن يدخل من باب المدينة، نهبوه منه جماعة من البوّابين، فلم يبق (١) معه غير بطيخة واحدة، فباعها بقدر ما اشترى الحمل؛ ثم قال للناس: «أما فى هذه المدينة من ينظر فى مصالح الرعيّة»؟ فقيل له: إنّ ملك هذه المدينة مشغول (٢) بلذّته، وفوّض أمر مملكته لوزيره، فهو لا ينظر فى مصالح الناس؛ فقال فرعون فى نفسه: هذا وقت انتهاز الفرصة.
ثم خرج إلى المقابر، وصار لا يمكّن الناس أن يدفنوا موتاهم إلا بخمسة (٣) دنانير على كل رأس؛ فقدّر أنّ بنت الملك ماتت، فلما أرادوا دفنها، فقال: «هاتوا خمسة دنانير، العادة»، فقالوا له: «ويحك هذه بنت الملك»، فقال: «ما آخذ عليها إلا عشرة دنانير»، فما مكّنهم من دفنها حتى أخذ عليها عشرة دنانير.
فلما بلغ الملك خبره، فقال: «من يكون هذا الرجل»؟ فقالوا له: «الذى عملته عامل الأموات»، فأنكر الملك ذلك، وأرسل خلف فرعون، فلما حضر بين يديه، قال له: «ومن عملك عامل الأموات»؟ فأخبره بما جرى له فى الحمل البطيخ، ثم قال له: «وإنما عملت عامل الأموات حتى يصل إليك خبرى، وتستيقظ لنفسك، وتنظر فى مصالح رعيّتك، وقد حفظت لك فى هذه المدّة مالا لا يحصى».
فلما سمع الملك كلامه، أفصل وزيره الذى كان يغشّه، واستقرّ به وزيرا، فلما تولّى سار فى الناس سيرة حسنة، وعدل فى الناس، وكان يقضى بالحق، ولو على نفسه، فأحبّته الرعيّة.
стр. 92
فلما مات الملك، فاختاروه الرعيّة أن يكون ملكا عليهم، فولّوه الملك بمدينة منف، فأظهر العدل، ونظر فى أحوال المملكة، فأقام جسورها، وبنى (١) قناطرها، وقطع جزائرها، وحفر خلجانها، وكان بها سبعة خلجان جارية، شتاء وصيفا، لا ينقطع عنها الماء، وهم: خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج المنتهى، وخليج الفيوم.
وكان يرسل مائة ألف وعشرون ألف رجل، ومعهم الطوارى والمساحى، بسبب قلع القضاب والحلفاء، وكل نبات يضرّ بالأرض، فيسيرون قبلى وبحرى، ولهم رواتب معلومة بسبب ذلك.
وكان يرسل فى أيام التخضير قائدين من قوّاده، ومع كل واحد منهما أردب من القمح، فيذهب أحدهما إلى أعلا بلاد الصعيد، والآخر إلى أسفل البلاد البحرية، فإن وجدا مكانا من الأرض بائرا بغير زرع، فيكاتبا فرعون بذلك، فيرسل بصلب عامل ذلك المكان بسبب بوره، وربما عاد القائدان ومعهما القمح ولم يجدا مكانا بائرا بأراضى مصر.
وكان أهل النواحى يكرون القرى من أهلها، بكراء معلوم، لا يزيد (٢) ولا ينقص، فإذا مضى أربع سنين ينقص ذلك، ويعدّل تعديلا جديدا، فيرفق بمن يستحقّ الرفق، ويزاد على من يحمل الزيادة.
فلما دبّر أراضى مصر هذا التدبير، استقامت أحوال الديار المصرية، وصار خراجها يومئذ مائة ألف ألف دينار، بالدينار الفرعونى، وكان يومئذ ثلاثة مثاقيل بالمثاقيل الآن، فيكون ذلك ثلثماية ألف ألف دينار وسبعين ألف ألف دينار.
فإذا تكامل جى الخراج، فيأخذ فرعون من ذلك الربع لنفسه، والربع الثانى لجنده، والربع الثالث لمصالح القرى، وما تحتاج إليه من حفر الخلجان، وبناء القناطر، وإصلاح ما فسد من الجسور، وغير ذلك، والربع الرابع يدفن فى الأرض بسبب
стр. 93
السنين المجدبة، وهى كنوز فرعون التى تتحدّث الناس بها إلى الآن.
ولم يزل فرعون على ما ذكرناه، قائما على ملكه بمدينة منف، حتى انقرض فى أيامه ثلاثة قرون من العالم، وهو باق على حاله.
قال وهب بن منبه: عاش فرعون أربعمائة سنة، وهو مخول فى النعمة، لا يرى ما يكره من نفسه، ولا حمّ فى جسده، ولا دخل عليه سوء، فعند ذلك كلّل لحيته باللؤلؤ والجواهر، وطغى وتجبّر، وادّعى الربوبية من دون الله تعالى، فأرسل الله إليه موسى، ﵇، يدعوه إلى الإيمان، فلم يؤمن، فأوحى الله تعالى لموسى أن يخرج ببنى إسرائيل إلى بحر القلزم.
فلما بلغ فرعون ذلك خرج فى أثر موسى، وهو فى عساكر لا تحصى، فلما انفلق البحر لموسى، وعدّى ببنى إسرائيل، تبعه فرعون ومن معه من العساكر، فانطبق عليهم البحر، فغرق فرعون هو وعساكره فى بركة الغرندل، وقد تقدّمت أخباره فى أول التاريخ عند قصة موسى، ﵇.
نكتة لطيفة: قال وهب بن منبه: لما طغى فرعون أتاه جبريل، ﵇، فى صفة رجل مستفتى، فقال لفرعون: «ما تقول فى رجل اشترى عبدا، وربّاه صغيرا، فلما كبر عصى على مولاه، وقال لست بعبد لك، وادّعى؟؟؟، فما يكون جزاء ذلك العبد»؟ فقال فرعون: «جزاؤه التغريق فى البحرمة، فقال له جبريل:
«أعطنى خطّك بذلك»، فكتب له فرعون خطّه بذلك؟؟؟ لجم فرعون الغرق، أتاه جبريل بخطّه فعرفه، وقضى على نفسه، فأراد أن يقول آمنت بربّ موسى وهرون، فأخذ جبريل خطّه وحشاه فى فمه حتى غرق. انتهى ذلك.
قال القضاعى: لما غرق فرعون وقومه، صارت مصر ليس بها أحد من أشراف أهلها، سوى العبيد والأجراء فقط، فكانت أعيان النساء من القبط تعتق عبدها وتتزوّج به، أو تتزوّج بأجيرها، وكانوا يشرطون عليهم أن لا يفعلوا شيئا إلا بإذنهن، وقد صار ذلك سنّة عند القبط إلى اليوم، لا يفعلون شيئا من الأشياء حتى يستأذن نساؤهم (١).
стр. 94
ثم إنّ النساء أجمعن رأيهن على أن يولّين عليهن امرأة، يقال لها دلوكة، ابنة ريا، وكانت ذات عقل ومعرفة، وكان لها من العمر نحو مائة سنة، فملّكوها عليهم، فبنت على أرض مصر حائطا من أسوان إلى العريش، وحاشت بها قرى مصر وضياعها، وجعلت على تلك الحائط أجراسا من نحاس، فإذا أتاهم من يخافونه، حرّك الأجراس الموكلون بها من كل جانب، فيسمعها من بالمدينة فيستعدّون لذلك؛ وآثار هذا الحائط باق إلى الآن ببلاد الصعيد، وتسمّى حائط العجوز.
قال ابن عبد الحكم: لما ملكت دلوكة مصر، أرسلت خلف امرأة ساحرة من أنصنا، يقال لها تدورة، وكانت مشهورة بالسحر، فقالت لها دلوكة: «إنا قد احتجنا إلى شئ من سحرك، يمنع عنا من يقصد بلادنا بسوء»؛ فعملت تلك المرأة بربا من الحجر الصوان، فى وسط مدينة منف، وجعلت لها أربعة أبواب، إلى الجهات الأربع، ونقشت على كل باب منها صور الرجال، والخيل، والإبل، والحمير، والسفن، وقالت لدلوكة: «قد عملت لكم عملا تهلكون به من أراد لكم بسوء، من برّ أو بحر»؛ فكانوا إذا قصد إليهم أحد من الملوك، وعجزوا عن قتاله، دخلوا إلى تلك الصور التى فى البربا، وقطعوا رءوس تلك الصور أو فقأوا أعينها، فمهما فعلوه فى تلك الصور فيؤثر مثل ذلك فى عسكر العدو الذى يقصدهم، فامتنعت عنهم الملوك لأجل ذلك.
فأقامت دلوكة على ملك مصر نحو مائة وثلاثين سنة، ولم تزل مصر ممتنعة من العدوّ فى مدّة حياتها؛ وأقامت البربا على ما ذكرناه بعد هلاك الساحرة التى صنعتها، فكان كلما فسد منها شئ لا يقدر على إصلاحه إلا من يكون من نسل تلك العجوز الساحرة، فلما انقطع نسلها خربت تلك البربا، فلم يقدر أحد على إصلاحها من بعد ذلك.
ولما هلكت دلوكة بنت ريا، تولّى على مصر بعدها شخص من أولاد القبط، يقال له دركون بن بلطوس.
стр. 95
ذكر ابتداء دولة الأقباط بمصر
قال المسعودى: لما هلكت دلوكة بنت ريا، ملكوا القبط بعدها مصر ستمائة وست وعشرين سنة، وكان عدّة من ملك مصر من الأقباط سبعة وعشرين ملكا، أولهم دركون وآخرهم المقوقس؛ ونحن نذكر من أخبارهم ما تيسّر، على سبيل الاختصار.
قيل كان دركون هذا فى يوم النيروز، وهو أول السنة القبطية، فإذا أصبح الصباح، يدخل عليه شخص من غير إذن، ويكون ذلك الشخص، حسن الوجه، طيّب الرائحة، عليه أثواب فاخرة، ويكون فصيح اللسان، فيقف بين يديه، فيقول له: «من أنت، ومن أين أقبلت، وما اسمك، وما معك، وإلى أين تريد، ولأى شئ وردت»؟ فيقول الرجل: «أنا المنصور، واسمى المبارك، وإلى الملك السعيد أردت، وبالهنا والسلامة وردت، وبالعام الجديد أقبلت»، ثم يجلس بين يديه؛ وكان يصنع ذلك من نوع التفاؤل فى ذلك اليوم.
ثم يأتى بعده شخص (؟؟؟ ب) آخر، ومعه طبق من الفضّة، وفيه شئ من القمح، والشعير، والفول، والحمّص، والعدس، والبسلّة، والجلبان، وفيه قطعة سكّر، ودينار ذهب، ودراهم فضّة، ضرب ذلك العام الجديد، وفوق الطبق باقات الآس، فيضع الطبق بين يديه، ثم يقدّم إليه رغيفا قد صنع من هذه الحبوب السبعة، فيأكل الملك من ذلك الرغيف، ويطعم من حوله من الوزراء، وأرباب الدولة؛ ثم يفرّق الملك ما فى حواصله من الثياب والفرش، ويجدّد غيرها فى ذلك العام، وكانت هذه عادة القبط فى يوم النيروز.
واستمرّ دركون فى ملك مصر حتى هلك؛ واستخلف من بعده ابنه توتوس، فاستمرّ فى ملك مصر حتى هلك؛ واستخلف بعده أخاه لقاس، فلم يمكث غير ثلاث سنين وهلك، ولم يترك ولدا؛ فتولّى من بعده أخوه (١) مرينا، فاستمرّ إلى أن هلك.
стр. 96
وتولّى بعده ابنه استمارس، فكان جبّارا عنيدا، سفّا كاللدماء، عسوفا فى حقّ الرعيّة، فلم تطقه القبط، فقتلوه؛ وولّوا عليهم شخصا يقال له بلوطس، فاستمرّ عليهم نحو أربعين سنة؛ فلما هلك، تولّى بعده ابنه مالوس؛ فلما هلك، تولّى بعده أخوه (١) مناكيل، فاستمرّ فى ملك مصر نحو أربعين سنة.
فلما هلك، تولّى بعده ابنه يوله، وهو المعروف عند القبط بالأعرج، وكان جبّارا عنيدا، وهو الذى سبى (٢) أهل بيت المقدس، وأتى بهم إلى مصر، واستمرّ متولّيا على ملك مصر نحو مائة وعشرين سنة؛ فلما هلك، تولّى بعده أخوه (١) مرينوس، واستمرّ فى ملك مصر دهرا طويلا.
فلما هلك، تولّى بعده ابنه قرقوره فأقام بملك مصر نحو سنتين، وهلك؛ فتولّى بعده أخوه (١) قومس، وفى أيامه خربت (٣) تلك البربا، التى صنعتها تدورة الساحرة، وزال ما كانوا القبط يقهرون به الملوك، واستمرّ قومس فى ملك مصر حتى هلك؛ وتولّى بعده أخوه (١) مريتوس.
وفى أيامه زحف بخت نصّر المائلى على البلاد، وأخرب بيت المقدس، وسبى (٥) بنى إسرائيل، ثم دخل إلى مصر، وقتل مرينوس (٤)، صاحب مصر، وسبى (٥) أهل مصر، وأسر دانيال وأرميا، ﵉، وتوجّه بهما إلى أرض بابل، وقتل من أهل مصر نحو سبعين ألفا من بنى إسرائيل وغيرها؛ وأخرب ما كان بمصر من البرابى والحكم التى (٦) كانت بها، والطلسمات، ونهب الأموال التى كانت بمصر، وحمل ذلك جميعا إلى أرض بابل، ثم رحل عن مصر، بعد ما أخربها، وقتل أهلها.
فأقامت مصر بعد ذلك أربعين سنة خرابا، ليس بها ساكن ولا متحرّك، فكان
стр. 97
النيل إذا زاد ينفرش على الأرض، ثم ينهبط ولا ينتفع به فى أمر الزرع؛ وهذه أول شدّة نزلت بأرض مصر، ولم تزل مصر من بعد ذلك مقهورة من العدو.
قال ابن لهيعة: لم تزل مصر ممتنعة من العدو، ومن بعد غرق فرعون، ستمائة سنة، بما دبّرته دلوكة من السحر العظيم، الذى كان بالبربا، فلما خربت البربا طمع فيها العدو.
ثم بعد ذلك تراجع إلى مصر جماعة من القبط وعمروا ما أخربه بخت نصّر منها، وتراجعت أحوالها قليلا، قليلا؛ وآخر من حكم بها من القبط: المقوقس، وكان اسمه جريج بن منباهى، وقد أقام فى ملكه بمصر إحدى وثلاثين سنة.
وفى أيامه جاءت الروم، وفارس، إلى مصر، وحاربوا أهلها نحو ثلاث سنين من البرّ والبحر، فلما رأى المقوقس ذلك، صالح الروم، على أن يدفع إليهم قدرا معلوما فى كل سنة، ويقرّوهم بمصر على عادتهم، ويكونوا القبط فى ذمّة الروم.
ثم إنّ الفرس ظهرت على الروم، فغلبوهم، فصالحوا القبط الفرس، كما صالحوا الروم، وأقامت مصر بين الروم والفرس، نصفين، نحو سبع سنين، ثم تحاربت الروم مع الفرس، فتظاهرت عليهم الروم، وكسروا الفرس أشدّ كسرة، وكان ذلك على عهد رسول الله، ﷺ ، وقد نزلت هذه الآية: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾
قال الليث بن سعد، ﵁: لما ملكت الفرس مصر، أسّست بناء الحصن، وهو المسمّى الآن قصر الشمع، فلما بلغ هرقل ذلك، أمدّ المقوقس، صاحب مصر، بعساكر عظيمة وحارب الفرس أشدّ المحاربة، فطردهم عن مصر، وأقام بنصرة صاحب مصر، المقوقس. واستمرّ المقوقس على مصر إحدى وثلاثين سنة، حتى فتحت على يد عمرو بن العاص (١)، ﵁، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
стр. 98
قال عبد الله بن عبد الحكم: لما كانت سنة ست من الهجرة، ورجع رسول الله، ﷺ ، من غزوة الحديبة، بعث قصّاده إلى الملوك، يدعوهم إلى الإسلام، فبعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس، عظيم القبط بمصر، فلما دخل حاطب إلى مصر، وجد المقوقس بالإسكندرية، فتوجّه حاطب إلى الإسكندرية، فوجد المقوقس فى قصر يشرف على البحر، فأشار إليه بكتاب رسول الله، ﷺ ، بين أصبعيه، فلما رآه أشار لمن حوله بأخذ الكتاب منه، فلما وصل إليه وجده مختوما (١) بخاتم رسول الله، ﷺ ، فقبّله ووضعه على عينيه.
فلما فضّه وقرأه، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد، رسول الله، إلى المقوقس، عظيم القبط، السّلام على من اتّبع الهدى، أما بعد، فإنّى أدعوك بدعوة الإسلام فأسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرّتين «يا أهل الكتاب، تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولّوا فقولوا، اشهدوا بأنّا مسلمون».
فلما فهم ما فى كتاب رسول الله، ﷺ ، أخذه ووضعه فى حقّ من عاج، وختم عليه بالرصاص، وتركه عنده.
قال أبان بن صالح: إنّ المقوقس أرسل إلى حاطب ذات ليلة، وخلا به، وليس عنده أحد إلا ترجمانه، فقال لحاطب: «ألا تخبرنى عن أمور إذا سألتك عنها، فإنّى أعلم أنّ صاحبك قد تخيّرك حين بعثك»؟ فقال حاطب: «لا تسألنى عن شئ إلا صدقتك عليه»، فقال له المقوقس: «ما منع نبيّكم أن يدعو علىّ فأسلب من ملكى»؟ فقال حاطب: «ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى (٢) عليه».
فسكت عنه المقوقس ساعة، ثم قال له حاطب: «إنّه قد كان قبلك رجل، زعم أنّه الربّ الأعلى، فانتقم الله منه، فاعتبر أنت بغيرك، ولا يعتبر بك، وما بشارة موسى بعيسى بن مريم، إلا كبشارة عيسى بمحمد، صلّى الله عليه».
стр. 99
ثم قال له المقوقس: «ماذا يدعو محمد إليه»؟ قال له حاطب: «أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئا، ويأمرك أن تصلّى، فى كل يوم وليلة، خمس صلوات، وتصوم فى السنة شهرا، وتحجّ البيت، وتعطى زكاة مالك، وينهاك عن الخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير».
ثم قال المقوقس لحاطب: «أفى عينيه عروق حمر، وبين كتفيه خاتم النبوّة، ويركب الحمار، ويجتزى بالثمرات والكسر»؟ قال حاطب: «هذه صفته».
قال المقوقس: «قد كنت أعلم أنّ نبيّا قد بقى، وكنت أظنّ أنّ مخرجه من الشام، ومن هناك كانت تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج من العرب، فى أرض جهد وبؤس، وإنّ القبط لا تطاوعنى فى اتّباعه، وأنا أعلم أنّ صاحبك سيظهر على البلاد، وتنزل أصحابه بساحتنا هذه، حتى يظهروا على البلاد، وأنا لا أذكر للقبط شيئا من ذلك».
ثم إنّ المقوقس دعا كاتبا يكتب بالعربية، فكتب كتابا وهو يقول فيه:
«من المقوقس، عظيم القبط، إلى محمد بن عبد الله، السّلام، أما بعد، فإنّى قد قرأت كتابك، وفهمت ما فيه، مما تدعوننا إليه من الإسلام، وقد علمت أنّك نبىّ مرسل، وأنت خاتم الأنبياء، وقد أكرمت رسولك غاية الإكرام، وبعثت إليك على يده هديّة».
ذكر الهدّية التى بعث بها المقوقس إلى رسول الله، ﷺ .
قال الواقدى: كانت هديّة المقوقس ألف مثقال من الذهب، وجاريتين (١)، وهما مارية، وشيرين، أختها؛ قال الواقدى: وجارية أخرى يقال لها حسنة؛ وغلام خصىّ، يقال له نابور؛ وبغلة، يقال لها الدلدل؛ وحمار يقال له عفير، وقيل يعفور؛ وكسوة من بياضات مصر؛ وعسل نحل من عسل بنها؛ فلما وصلت هذه الهديّة إلى رسول الله، ﷺ ، قبلها، ونظر إلى مارية، وأختها شيرين، فأعجبتاه، وكره الجمع
стр. 100
بينهما، ثم عرض الإسلام عليهما، فأسلمت مارية، قبل شيرين، فاختار النبىّ، ﷺ ، مارية على شيرين، وتسرّى بها، فجاءه منها إبراهيم، فعاش ثمانية عشر شهرا ومات، فقال رسول الله، ﷺ : «لو بقى إبراهيم ما تركت قبطيّا إلا وضعت عنه الجزية»؛ وعاشت مارية إلى سنة خمس عشرة من الهجرة، وماتت بالمدينة.
وأما شيرين، وهبها رسول الله، ﷺ ، لحسان بن ثابت، فهى أمّ ولده عبد الرحمن؛ وقيل بل وهبها لمحمد بن مسلمة الأنصارى؛ وأما حسنة، وهبها رسول الله، ﷺ ، لأبى جهم بن حذيفة العبدى.
وأما نابور، فإنّه كان قرابة لمارية، وكان كثيرا ما يدخل عليها، فوقع فى نفس النبىّ، ﷺ ، منه شئ، فرجع، فلقيه عمر بن الخطاب، فأخبره بذلك، فأخذ عمر السيف ودخل على مارية، فأهوى ليضرب نابور به، فكشف عن ثيابه، فإذا هو خصىّ، فأخبر بذلك رسول الله، ﷺ ، بذلك، فطابت نفسه.
وأما البغلة، والحمار، فكانا أحبّ دوابّه إليه، وأما العسل، أكل منه فاستطيبه، فسأل: «من أين هذا العسل»؟ فقيل له: «من قرية من قرى مصر، يقال لها بنها»، فقال: «بارك الله فى بنها، وفى عسلها»؛ وأما الثياب البيض فإن بقى عنده منهم بقيّة، حتى إنّه كفّن ﷺ ، فى بعضها.
قال الواقدى: إنّ المقوقس بعث رسوله مع الهديّة، حتى نظر إلى خاتم النبوّة بين كتفى رسول الله، وأخبر المقوقس بذلك، انتهى ذلك.
ذكر دخول عمرو بن العاص إلى مدينة الإسكندرية، فى زمن الجاهلية، قبل الإسلام.
قال ابن عبد الحكم: كان القبط يجتمعون فى الملعب، الذى كان بالإسكندرية، فى يوم معلوم من السنة، ويرمون بأكرة، فلا تقع فى حجر أحد من الحاضرين،
стр. 101
إلا ملك مصر؛ وكانت هذه الأكرة من الذهب، مكلّلة باللؤلؤ والياقوت، وكانوا يلتقفونها بأكمامهم، فمن وقعت الأكرة فى كمّه، واستقرّت فيه؛ لم يمت حتى يملك مضر؛ وكان يحضر هذا الملعب ألف ألف إنسان من القبط وغيرها، فلا يكون فيهم أحد إلا وهو ينظر فى وجه صاحبه عند وقع الأكرة.
فاتّفق أنّ عمرو بن العاص، حضر ذلك الملعب فى بعض السنين، فى زمن الجاهلية، فأقبلت الأكرة تهوى حتى دخلت فى كمّ عمرو بن العاص، واستقرّت به ساعة، فتعجّبوا القبط من ذلك، وقالوا: «ما كذّبنا هذه الأكرة قط، إلا فى هذه المرّة، أترى هذا الأعرابى يملكنا؟ هذا لا يكون أبدا»، فلم يزل عمرو حتى ملك مصر فى الإسلام، انتهى ذلك.
стр. 102
ذكر ابتداء دولة الإسلام، وفتح مصر على يد عمرو بن العاص، ﵁
قال ابن عبد الحكم: لما كانت سنة ثمان عشرة من الهجرة، وفتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، مدينة دمشق، قام إليه عمرو بن العاص وقال له:
«يا أمير المؤمنين، أتأذن لى أن أسير إلى مصر»؟ قال عمر: «إن فتحتها كانت قوّة للمسلمين».
فلم يزل عمرو يهوّن فتحها عند أمير المؤمنين عمر، حتى عقد له على أربعة آلاف رجل، أو دون ذلك، ثم قال عمر لعمرو بن العاص: «سر وأنا مستخير الله فى أمرك»، فسار عمرو فى جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس.
فسار حتى نزل فيما بين رفح والعريش، فلما نزل بها أخرج كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقرأه على المسلمين، وقال لهم: «ألستم تعلمون أنّ هذه القرية من قرى مصر»؟ قالوا: «بلى»، قال: «فإنّ أمير المؤمنين عهد إلىّ، وأمرنى إن لحقنى كتابه، ولم أدخل مصر، بأن أرجع، وقد خلف على المسلمين، وإن لحقنى كتابه، حتى أدخل أرض مصر، فإنّنى أدخلها، فامضوا على بركة الله تعالى»، فسار عمرو حتى دخل مصر.
فلما بلغ المقوقس دخول العرب إلى مصر، فأرسل جيشا إلى عمرو بن العاص فتلاقى مع جيشه على الفرما، وهى من قرى مصر، فوقع هناك قتال شديد (١)، وهو أول قتال وقع فى قرى مصر. ثم إنّ عمرو أقام يحاصر أهل الفرما نحو شهر، ففتح الله على يده الفرما، وهى أول قرية فتحت على يد عمرو بن العاص.
فقال المقوقس: «ألا تعجبون من هؤلاء (٢) العرب، يقدمون على جيوش
стр. 103
الروم، مع كثرتهم، وهم فى قلّة من الناس»؟ فأجابه بعض القبط، وقال: «إنّ هؤلاء (١) القوم لا يتوجّهون إلى جيش إلا استظهروا عليه، وغلبوه»؛ ثم إنّ عمرو وصل إلى بلبيس، فتقاتل مع أهلها نحو شهر، فغلبهم وملكها.
ثم إن عمرو أرسل إلى أمير المؤمنين عمر بأن يستمدّه بالعساكر، فأمدّه بأربعة آلاف أخرى، فبقى معه ثمانية آلاف؛ فسار عمرو بمن معه من العساكر، حتى نزل على الحصن، وهو مكان قصر الشمع، فصار من بالمدينة قائما يحاصرهم مدّة طويلة.
فلما أبطأ خبر الفتح على أمير المؤمنين عمر، فأمدّ عمرو بأربعة آلاف أخرى، وفيهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، ﵃ أجمعين، فنصب عمرو بن العاص منجنيقا، ورمى به على أهل الحصن.
وكان فى الحصن علج من علوج الروم، يقال له الأعرج، فقال لمن حوله: «إذا مرّ عليكم عمرو، أمير القوم، فألقوا عليه صخرة فتقتله»؛ فمرّ عليهم عمرو، فحالوا بينه وبين أصحابه، فقال لهم عمرو: «أنا أصغر من فى (٢) القوم، ولا يضرّ هم قتلى، إن قتلتمونى»، فقال الأعرج فى نفسه: «وإيش يفيد من قتل واحد من جماعة كثيرة»؟ فأمر بإطلاقه، فخرج إلى أصحابه سالما، ولم يعلم الأعرج أنّه أمير القوم، وكانت هذه الحيلة التى دبّرها عمرو أول المكائد منه.
ثم إنّ الزبير بن العوام، ﵁، وضع سلّما إلى جانب السور، من ناحية سوق الحمام، وصعد عليه، وأمر أصحابه إذا سمعوه يكبّر، فيزحف العسكر جميعا؛ فلما صعد الزبير على السلّم، وكبّر، والسيف فى يده، فزحف الجيش جميعا، وكبّروا، فما شك من بالحصن أنّ العرب قد اقتحموا الحصن، فهربوا من وجه العرب، فعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن وفتحوه.
فلما بلغ المقوقس ذلك، خاف على نفسه من القتل، فتوجّه إلى الجزيرة، يعنى الروضة، وأرسل إلى عمرو يسأله فى الصلح، وأن يفرض للعرب، على القبط،
стр. 104
دينارين على كل رأس، فأرسل عمرو يقول للمقوقس: «ليس بينى وبينك إلا ثلاث خصال: إما تدخل فى الإسلام، وإما تعطى الجزية، وتكون آمنا على نفسك من القتل، وإما تقاتلنا ونقاتلك».
قال الليث بن سعد: أقام عمرو بن العاص يحاصر الحصن ستة أشهر، فلما جاءت رسل عمرو إلى المقوقس بهذا الجواب، قال لمن حوله من القبط: «كيف رأيتم (١) فى هذا الأمر»؟ قالوا: «إنّ هؤلاء (٢) القوم لا طاقة (٣) لنا بهم، فإنّ الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحبّ إليهم من الرفعة، وليس لأحدهم فى الدنيا رغبة، يجلسون على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، لا يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا يعرف السيّد من العبد، فإن لم تغتنموا صلحهم، وهم محصورون، فلم يجيبونا بعد ذلك إلى الصلح».
ثم إنّ المقوقس أرسل إلى عمرو يقول له: «أرسل إلينا أحدا من عقلائكم، حتى نتكلّم معه، ما يكون فيه أمر الصلح بيننا وبينكم»؛ وكان المقوقس فى الجزيرة، وهى الروضة، وكان بها قصر مطلّ على البحر، يسمّى الهودج، تتنزه فيه ملوك مصر من القبط، فبعث إليه عمرو بن العاص عشرة من الصحابة، وكبيرهم عبادة بن الصامت، ﵁، وكان أسود اللون، وقيل المقداد بن الأسود.
فلما دخلوا على المقوقس استصغر قدر عبادة بن الصامت لسواده، فقال المقوقس: «نحّوا عنى هذا الأسود، وقدّموا غيره يكلّمنى»، فقالوا: «هذا الأسود أفضلنا، وهو سيّدنا»، فقال المقوقس لعبادة: «تقدّم يا أسود، وكلّمنى برفق، فإنّى أهاب سوادك»؛ فتقدّم عبادة إليه، وقال: «قد بعثنا الأمير عمرو على إحدى الثلاث خصال المقدّم ذكرها، ولا تمّ لها وجه رابع».
فقال المقوقس: «إنّ عساكر الروم ما لا يحصى عددهم، وأنا أخشى أن يقع بينكم القتال، فيقتلونكم (٤) عن آخركم، وقد طابت أنفسنا أن نصالحكم، صونا لنا ولكم
стр. 105
من القتل، على أن نفترض أن يكون لكم على كل رأس من القبط ديناران، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وترحلوا عنا إلى بلادكم، قبل أن تحاط بكم عساكر الروم».
فقال له عبادة بن الصامت: «يا هذا أما تخويفك لنا بعساكر الروم من القتال، فنحن أرغب ما يكون فى قتالهم، فإن ظفرنا بكم، فلله الحمد، وإن ظفرتم بنا، فنحن أشوق إلى لقاء الله تعالى، والمسير إلى الجنّة، وأما ما ذكرته من المال، فنحن قوم لا نبالى بالمال، إن كثر، ولا إن قلّ».
فقال المقوقس: «أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الثلاث خصال»؟ فقال عبادة:
«لا وربّ السماء والأرض، فاختاروا لأنفسكم منهم خصلة».
فالتفت المقوقس لمن حوله من الأقباط، وقال لهم: «قد فرغ القول منهم، فماذا ترون فى ذلك»؟ فقالوا: «أما الدخول فى دينهم، فهذا لا يكون أبدا، وأما أنّهم يسبوننا، ويجعلوننا لهم عبيدا، فالموت أهون علينا من ذلك».
فقال المقوقس لعبادة: «قد أبى القوم من ذلك، فما ترى»؟ فقام عبادة وهمّ بالانصراف.
فقال المقوقس لمن حوله: «أطيعونى وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث (١)، وإن لم تجيبوا إليها وأنتم طائعين، فيجيبون إليها وأنتم كارهين»، فقالوا: «وأى خصلة نجيبهم إليها»؟ قال المقوقس: «أما دخولكم فى دينهم، فلا آمركم به، وأما قتالهم، فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولا تصبروا صبرهم، ولكن افعلوا الثالثة»، قالوا: «أفنكون لهم عبيدا»؟ قال: «نعم تكونوا (٢) عبيدا أنتم وأولادكم، إلى أن تموتوا عن آخركم».
فلما رجع عبادة إلى عمرو بن العاص، وأخبره بما قالوه القبط، فأمر جيوشه
стр. 106
بالقتال لهم، والمحاصرة؛ فلما حاصروهم لم يطيقوا القبط ذلك، وتسحّبوا فى السفن إلى الروضة، وحصّنوا برّها بالسفن من كل ناحية، وأحدقوا بهم المسلمون من كل جهة؛ فلما رأى المقوقس ذلك، قال للقبط: «ألم أعلمكم بهذه الأحوال قبل وقوعها، فما تروا (١) الآن»؟ قالوا: «نذعن للجزية، ونعقد الصلح بيننا وبينهم».
فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص، يقول له: «إنّى لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال، التى أرسلت إلىّ بها، فأبى ذلك علىّ من حضرنى من القبط، والآن عرفوا نصحى لهم، ورجعوا إلى قولى لهم بالنصح، فأعطنى منك أمانا، أجتمع أنا وأنت، فإن استقام الأمر بيننا، تمّ لنا ذلك، وإن وقع بيننا خلف، رجعنا إلى ما كنا عليه».
فلما سمع عمرو ذلك، استشار أصحابه فى ذلك، فقالوا: «لا تجبه إلى الصلح، ولا الجزية، ونحاربه حتى يفتح الله علينا بالنصر عليهم»؛ فقال لهم عمرو: «قد علمتم ما عهد إلىّ به أمير المؤمنين، بأن أجيب إلى خصلة من هذه الخصال الثلاث (٢)، وقد طال الأمر بيننا وبينهم».
فعند ذلك اجتمع رأى الصحابة، ﵃، على أن يفرضوا على كل رأس من القبط دينارين، وليس على الشيخ الفانى، ولا على الصغير الذى لم يبلغ الحلم، ولا على النساء شئ من الجزية، وعلى أنّ للمسلمين عليهم النزول والضيافة حيثما كانوا من القرى، مقدار ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى ذلك عقدنا بيننا وبينهم الصلح.
فأرسل عمرو يقول للمقوقس: «قد وقع الرأى بيننا على أن تزنوا الجزية، كما تقرّر الحال عليه».
قال ابن عبد الحكم: «كان عدد القبط يومئذ ثمانية آلاف ألف إنسان، غير الروم؛ ثم إنّ المقوقس قال للروم: «من أحبّ منكم أن يقيم بأرض مصر، فليزن الجزية، ومن أراد الخروج إلى أرض الروم، فليخرج، ولا جزية عليه».
стр. 107
ثم إنّ المقوقس كتب كتابا إلى ملك الروم، يعلمه بذلك، فكتب إليه ملك الروم:
«قد أتاك من العرب اثنا عشر ألف إنسان، فعجزت عن قتالهم، وبمصر ما لا يحصى عددهم من الروم، فلا سبيل إلى هذا أبدا»؛ فأرسل المقوقس يقول لعمرو بن العاص:
«إنّ ملك الروم لم يوافق على أمر الصلح، ولا الجزية، ولم يكن نقض الصلح منى».
ثم جاءت الأخبار بأنّ ملك الروم، أرسل عسكرا عظيما فى البرّ والبحر، فلما سمع ذلك عمرو، خرج إليهم بمن معه من العربان، فتلاقوا بالكربون.
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص على مقدّمة الجيش، وحامل اللواء يومئذ وردان، مولى عمرو، فعند ذلك صلّى عمرو صلاة الخوف، وبرز للقتال، وتلاقى (١) مع عساكر الروم هناك.
فلم تكن إلا ساعة وقد فتح الله تعالى على المسلمين بالنصر على عساكر الروم، فقتل فى ذلك اليوم من عساكر الروم ما لا يحصى عددهم، وقتل من الصحابة، فى ذلك اليوم، اثنان وعشرون رجلا.
فلما وقعت الكسرة على عسكر الروم، توجّهوا إلى ثغر الإسكندرية وحصّنوها، وكان عليها يومئذ سبعة أسوار؛ فلما تحصّنوا الروم بالإسكندرية، أرسل هرقل إلى سائر أعماله من البلاد، يستحثّهم فى جمع العساكر، وسرعة الحضور، وقصد قتال عمرو وأصحابه، فلما سمعوا الصحابة بذلك، تقلّقوا وضاق صدرهم.
ثم بعد أيام قلائل جاءت الأخبار بأنّ هرقل قد هلك، وكفى الله المؤمنين القتال، فكان كما قيل فى المعنى:
تذكّر صنع ربّك كيف يأتى … بما تهواه من فرج قريب
فلا تيأس إذا ما ناب خطب … فكم فى الغيب من عجب عجيب
قال الليث بن سعد، ﵁: مات هرقل سنة عشرين من الهجرة، وكسر الله تعالى بموته شوكة الروم.
قال ابن لهيعة: إنّ مصر فتحت قبل فتح الإسكندرية بتسعة أشهر، وقد اختلف
стр. 108
العلماء فى فتحها، عنوة أو صلحا.
قال ابن شهاب: فتحت مصر، بعضها عنوة، وبعضها صلحا.
وقال يزيد بن أبى حبيب: مصر كلها فتحت بالصلح، إلا الإسكندرية، فإنّها فتحت عنوة.
قال ابن عبد الحكم: لما أبطأ خبر الفتح على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، كتب إلى عمرو بن العاص كتابا يقول فيه: «أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن خبر الفتح، منذ سنتين، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ ، أنّ مصر ستفتح على أيديكم، وما ذاك إلا لما أحدثتم، وأحببتم من الدنيا فى قلوبكم، وأنّ الله تعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نيّاتهم؛ فإذا أتاك كتابى، فاخطب بالناس وحضّهم على القتال، ورغّبهم فى الصبر، وأن تكون لهم صدمة، كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال من يوم الجمعة، فإنّها ساعة تنزل فيها الرحمة، ووقت الإجابة».
فلما أتى كتاب عمر إلى عمرو، قرأه على المسلمين، ثم صلّى ركعتين، وسأل الله تعالى النصر على الأعداء.
وكان عمرو، لما أتاه كتاب أمير المؤمنين عمر، كان على الإسكندرية يحاصرها، فلما قرأ كتاب أمير المؤمنين، توجّه إلى القتال، وكان ذلك فى يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين من الهجرة، فبرزوا للقتال كصدمة رجل واحد، فانتصروا على الروم الذين (١) هناك من عساكر هرقل.
قال ابن لهيعة: استشهد فى فتح الإسكندرية برقا بن الأسود، وكان من مشاهير الصحابة.
فلما فتحت الإسكندرية، وكانت يومئذ دار المملكة، هرب الروم الذين (١) كانوا بها، وتسحّبوا فى المراكب الكبار، وحملوا ما قدروا عليه من الأموال، ومن الأمتعة، وتوجّهوا إلى نحو بلاد الروم، وتأخّر منهم جماعة بالإسكندرية.
قال ابن عبد الحكم: أحصى من بقى بالإسكندرية من عساكر الروم، غير
стр. 109
من تسحّب منهم، فكانوا نحو ستمائة ألف إنسان، غير الصبيان، وغير النساء، فأفرضت عليهم الجزية، على كل رأس دينارين؛ وكان بها أربعون ألف يهودى، فرضت عليهم الجزية.
قال ابن لهيعة: لما توجّه عمرو بن العاص إلى فتح الإسكندرية، بعد فتح مصر، فحاصر المدينة مدّة طويلة؛ فلما أعيى [١] من ذلك، جاء إليه رجل يقال له ابن بسامة، وكان بوّابا بالإسكندرية، فقال له: «أيها الأمير، أعطنى الأمان لى، وأولادى، وأهل بيتى، وأنا أفتح للعسكر بابا مخفيا [٢] عن الناس، من أبواب المدينة، فيملكونها من غير قتال»؛ فأجابه عمرو بن العاص إلى ذلك، ففتح له الباب، فما شعر أهل المدينة إلا وقد هجم عليهم العسكر، وملك المدينة، فتسحّب من كان بها كما تقدّم، وقد أخذل الله تعالى عساكر الروم، حتى فتحت هذه المدينة العظيمة، وكانت فى غاية التحصين، قيل كان عليها ثلاثة أسوار.
قال ابن عبد الحكم: لما فتحت مصر، والإسكندرية، فأرسل عمرو بن العاص يبشّر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، فتوجّه بهذه البشارة معاوية [٣] ابن خديج، فسار حتى دخل المدينة الشريفة، وقت الظهر، فلما أخبر أمير المؤمنين بذلك، فنادى بالصلاة جامعة، فتسامعت الصحابة [٤] بذلك، وأتوا أفواجا، فلما تكاملوا خرج أمير المؤمنين عمر، وصلّى بهم ركعتين، شكر الله تعالى على تلك، ثم صلّى بهم صلاة الغيبة، على من استشهد فى هذا الفتح من الصحابة، ﵃، وكان فتح [٥] مدينة الإسكندرية عنوة، بغير عهد ولا صلح.
وكان معنى كتاب عمرو بن العاص، إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁: أما بعد، فإنّى فتحت مدينة الإسكندرية، وهى مدينة لا أقدر أن أصف لك
стр. 110
ما فيها؛ وهى ثلاث مدائن، بعضها فوق بعض، تختطف بالأبصار من شدّة بياض حيطانها؛ وفيها من الأعمدة الرخام ما لا يحصى عددهم.
وبها منار فى وسط البحر، طوله نحو أربعمائة ذراع (١)، وفئ أعلاه مرآة مسلّطة على بلاد الفرنج، ينظر الرائى فيها ما يحدث فى بلاد الفرنج، ومن يقصد المدينة من العدو فى المراكب، فيخبر بذلك أهل المدينة، قبل وصول المراكب إليها بأيام، فيستعدوا (٢) لذلك، وهذا المنار من جملة عجائب الدنيا، ليس فى سائر الدنيا أعجوبة تشاكله.
وبها عمود، يقال له عمود السوارى، ارتفاعه سبعون ذراعا، وقطره خمسة أذرع، وله قاعدتان، طول كل واحدة اثنا عشر ذراعا؛ ووجدت بالمدينة أربعة آلاف دار محكمة البناء، مفروشة بالرخام الملوّن، وفى كل دار منها حمّام تختصّ بها؛ ووجدت بها أربعمائة ملهى برسم الملوك؛ ووجدت بها اثنى عشر ألف بقّال، يبيعون البقل الأخضر من بعد العصر إلى العشاء.
ووجدت بها مائة ألف مركب، من مراكب الروم، الكبار؛ ووجدت بها أربعين ألف يهودى وجبت عليهم الجزية؛ ومن الروم، والقبط، ستمائة ألف إنسان، سوى النساء والصبيان؛ ووجدت على هذه المدينة ثلاثة أسوار مانعة، فأعان الله تعالى، وفتحت هذه المدينة على أيدى المسلمين.
فلما جرى ذلك، أرسل أمير المؤمنين عمر، إلى عمرو بن العاص، تقليدا بولاية مصر، على يدى معاوية بن خديج، فكان عمرو بن العاص أول من تولّى على مصر فى مبتدأ الإسلام، وهو أول أمرائها. ثم إنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، كتب إلى عمرو بن العاص كتابا يقول له فيه: «من كان من القبط، والروم، فى أيديكم، فخيّروه بين الإسلام ودينه، فإن أسلم، فهو من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وإن اختار دينه، فأبقوه على دينه، وقرّروا عليه فى كل سنة دينارين».