← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

مدلج بن نعير بن حيار بن مهنا، أمير آل فضل، قتل غدرا من ابن عمه؛ وقرّر فى أمرية آل فضل سليمان بن حيار بن مهنا. وفى شوال، نودى على النيل، وجاءت القاعدة ستة أذرع وثلاثة أصابع. - وفيه وقع الرخاء بالديار المصرية، فى سائر الغلال والفواكه والبطيخ واللحوم وغير ذلك. وفى ذى القعدة، قرّر فى الأستادارية الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخات، عوضا عن آقبغا الجمالى، وجمع كريم الدين بين الوزارة والأستادارية. - وفيه جاءت الأخبار بأن ملك الحبشة قد هلك، وكانت ولايته نيفا وعشرين سنة، وكان اسمه إسحق بن داود بن سيف أرعد الأمحرى. وفى أواخر هذا الشهر كان وفاء النيل المبارك، ووافق ذلك ثامن عشر مسرى؛ فلما أوفى نزل السلطان، وتوجّه إلى المقياس، [ثم نزل فى الحراقة] (١) وفتح السدّ، ولم يكسر السدّ فى أيام ولايته غير هذه المرّة، وقد استخفّ الناس عقله، كيف فقد ولده الذى كان يفتح السدّ، ثم لم يمض بعد موته إلاّ خمسة أشهر، فكيف طاب قلب السلطان لذلك، فعدّ ذلك من النوادر؛ وقيل كان مكتوبا على قبر عبد الله بن جعفر الصادق، رضى الله [عنه]، هذين البيتين، وهما غاية فى المعنى: تقيم إلى أن يبعث الله خلقه … لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلاء كل يوم وليلة … وتنسى كما تبلى وأنت حبيب وفيه خرج القاضى عبد الباسط، ناظر الجيش، إلى زيارة بيت المقدس، وعاد. وفى ذى الحجة، توفّى الشيخ محب الدين بن الجزرى، وكان علاّمة فى القراءات بالروايات السبع. - وفيه جاءت الأخبار من عند الحجّاج، بأن قد ظهر لهم فى الطريق وهم سائرون، كوكب من جهة البحر المالح، وصار يرتفع ويتطاير منه شرار، فلما أصبحوا اشتدّ عليهم الحرّ جدّا، ونشف القرب بالماء، ثم تزايد أمر الحرّ، حتى تساقطت الجمال موتى، وهلك من الناس ما لا يحصى عددهم من شدّة الحرّ والعطش.

стр. 1577

وقد وقع فى هذه السنة أهوال عظيمة، وأمور غريبة، ووقوع فتن فى سائر البلاد، وقتل ملوك، ولا سيما ما وقع بمصر من أمر الطاعون، الذى كان عامّا فى جميع البلاد، وكانت الناس تتساقط فى الطرقات موتى، حتى كان الرجل أو الامرأة يكتبون على رءوسهم أوراقا بأسمائهم وشهرتهم، واسم حاراتهم، وسكنهم، حتى إذا ماتوا فى الطرقات يعرف أمرهم. - وقد خرجت هذه السنة عن الناس وهم فى شدّة حال، بما وقع فى هذه السنة، ومات فيها من أهل مصر نحو الثلث. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين (١) وثمانمائة فيها فى المحرم، وصل الأمير أركماس الظاهرى الدوادار كبير، والأمير قرقماس الشعبانى حاجب الحجّاب، وبقيّة الأمراء الذين (٢) توجّهوا إلى التجريدة نحو الرّها. - وفيه جاءت الأخبار بحركة قرايلك (٣)، وأنه وصل إلى ملطية؛ فلما تحقّق السلطان ذلك، عيّن له تجريدة وبها من الأمراء: الأتابكى جار قطلوا، وأينال الجكمى أمير سلاح، وآقبغا التمرازى أمير مجلس، وتمراز القرمشى رأس نوبة كبير، ومراد خجا أحد المقدّمين، وعدّة أمراء طبلخانات وعشروات، وصحبتهم خمسمائة مملوك، فخرجوا على حميّة قاصدين البلاد الشامية. وفيه نزل السلطان إلى الرماية، فلما عاد دخل من باب الشعرية، وشقّ من بين الصورين، وطلع من البسطيّين إلى القلعة. - وفيه وصل الحاج وقد قاسى (٤) فى هذه السنة مشقّة زائدة من العطشة التى وقعت لهم. وفى صفر، أرسل نائب الشام ونائب حلب للسلطان، بأن لا حاجة بخروج تجريدة، فإن قرايلك رجع إلى بلاده، فرسم السلطان بعود الأمراء والعسكر، فعادوا من قطيا؛ فلما دخلوا إلى القاهرة، رسم السلطان لهم بإعادة

стр. 1578

ما أخذوه من النفقة، فحصل لهم بسبب ذلك غاية ما يكون من المشقّة، وتضررت الغلمان من ذلك، وقد تصرّفوا فى جوامكهم، فثقل عليهم بذلك. وفيه جاءت الأخبار بوفاة السلطان حسين بن أحمد بن أويس، صاحب بغداد والبصرة وواسط، مات قتيلا على يد ابن قرا يوسف لما تحارب معه؛ وبقتله انقرضت دولة بنى أويس، وصار جملة عراق العرب والعجم بيد إسكندر شاه محمد (١) من أولاد قرا يوسف، وقد تلاشى أمر تلك الممالك من يومئذ. وفيه نودى بأن يكون سعر الدينار الأشرفى مائتين وخمسة وثلاثين درهما، بعد مائتين وثمانين درهما. - وفيه توفّى بدر الدين محمد بن العصبانى الحمصى الشافعى، وكان فاضلا عارفا بالعلوم العقلية، وغير ذلك. وفى ربيع الأول، نزل السلطان، وتوجّه إلى الرماية نحو بركة الحاج. - وفيه عمل المولد الشريف على العادة. - وفيه أشيع سفر السلطان إلى محاربة قرايلك، وكثرت الأقوال فى ذلك. - وفيه توفّى الشيخ شمس الدين محمد بن أخى الشيخ تقى الدين الحصنى، وكان من أعيان الشافعية. وفى ربيع الآخر، سافر شاهين الطويل، أحد الأمراء العشروات، إلى جهة مكّة المشرّفة، بسبب حفر آبار المناهل، وكانت قد تعطّت، فسار ومعه جماعة من البنّائين والحجّارين. - وفيه توفّى مجد الدين البرماوى، وكان من أعيان الشافعية، فاضلا فى الفقه والحديث، وكان مولده سنة خمسين وسبعمائة، وكان لا بأس به. وفى جمادى الأولى، خرج سعد الدين بن المرة، المتحدّث على بندر جدّة، فلما خرج، خرج صحبته جماعة من الناس يرومون الحجّ (٢)، فكانوا نحوا من ألف وخمسمائة بغير، فحصل لهم عطشة فى الوجه، فمات منهم ما لا يحصى من الناس. - وفيه صرف قاضى قضاة الشافعية علم الدين صالح البلقينى؛ وأعيد إليها العلاّمة شهاب الدين بن حجر، وهذه ثالث ولاية وقعت له بمصر.

стр. 1579

[وفى] (١) جمادى الآخرة، توفّى الشهابى أحمد بن الأقطع، نائب الإسكندرية، وكان من المقرّبين عند الملك الأشرف برسباى، بحيث أنه جعله دوادارا، ثم جعله زردكاشا، ثم ولاّه نيابة الإسكندرية، وكان أصله فقيرا جدّا، وكان والده طرقيا يعرف بالأسود وبالأقطع، فحظى ولده عند الأشرف برسباى، وكان فى خدمته من حين كان أمير عشرة، فلما تسلطن رقى (٢) فى أيامه إلى هذه الوظائف السنية؛ ثم بعد موته، قرّر فى نيابة الإسكندرية جانى بك الناصرى المعروف بالثور. وفيه أخبر المنجّمون بوقوع كسوف الشمس، فلم يقع فى ذلك الشهر كسوف، فتعجّب الناس من ذلك؛ ثم بعد مدّة جاءت الأخبار من الأندلس بكسوف الشمس فى ذلك الشهر، فى ثامن عشرينه، فتعجّب الناس من ذلك، حيث لم يظهر بمصر كسوف، وظهر فى غيرها من البلاد. وفى رجب، أدير المحمل على العادة، وساقوا الرماحة الذين (٣) انتشوا [من] (٤) جديد من بعد الفصل، فساقوا أحسن ممن مضى قبلهم، والدنيا ما تفتقر لأحد من الناس. - وفيه توفّى الشيخ وحيد الدين عبد الرحمن بن جمال الدين اليمنى الشافعى، وكان من أعيان علماء الشافعية. وفى شعبان، جاءت الأخبار بوقوع زلزلة عظيمة بمدينة غرناطة، فوقع منها عدّة أماكن، وخسف منها ثلاث بلاد من أعمال غرناطة، وأقامت هذه الزلزلة تعاود الناس نحوا من أربعين يوما، فهلك منها من الناس ما لا يحصى. وفى رمضان، جاءت الأخبار بأن بعد وقوع الزلزلة بغرناطة، جاء إليها الإفرنج فى جمع كبير، نحو مائة وثمانين ألفا، فتحاربوا مع الشيخ يحيى شيخ الغزاة، فكان بينه وبين الإفرنج وقعة (٥) لم يسمع بمثلها فيما تقدّم، فقتل من الفريقين نحوا من ستين ألفا، وأسر من الفريقين نحوا من اثنى عشر ألفا، وكانت هذه الغزوة من الغزوات المشهورة،

стр. 1580

وكانت النصرة لصاحب غرناطة على الإفرنج. - وفيه توفّى الناصرى محمد بن أرغون الماردانى، المعروف بالمقيبسانى (١)، وكان عالما بارعا فى العلوم على مذهب الشافعى، وكان له شهرة زائدة عند أرباب الدولة. وفى شوال، وقع نادرة غريبة، وهو أن فى ضيعة يقال لها كوم النجار، من أعمال الغربية، حدث فيها من الفيران ما شاء الله أن يحدث، فتضرّر من ذلك أهل تلك النواحى، فلما كان بعد العصر، وقع بين الفيران مقتلة عظيمة فى بعضهم، فاستمرّت من بعد العصر إلى قريب العشاء (٢)، فلما طلع النهار، وجد من الفيران موتى زيادة عن عشرة آلاف فأر، فجمعوا وحرقوا، ولم يبق منهم شئ بعد ما أفسدوا ما نبت من الزرع. وفيه خرج الحاج من القاهرة فى تجمّل زائد، وكان أمير الركب قرا سنقر على العادة؛ وفى هذه السنة حجّت خوند جلبان زوجة السلطان، وهى أمّ ولده سيدى يوسف، وكان المتسفّر عليها القاضى عبد الباسط ناظر الجيش، فخرجت قبل العادة بثلاثة أيام، وكان لها يوم مشهود (٣). - وفيه توفّى الريس إسماعيل الرومى، وكان علاّمة فى الطب، وكان صوفيّا بخانقة بيبرس. وفى ذى القعدة، كان وفاء النيل المبارك، أوفى (٤) فى تاسع عشرين أبيب، فنزل الأمير قرقماس حاجب الحجّاب فى الذهبية [وتوجّه إلى المقياس، وخلّق العمود، ثم توجّه إلى السدّ] (٥)، وفتح السدّ، وكان له يوم مشهود (٣). - وفيه توفّى شرف الدين بن مفلح الدمشقى الحنبلى، وكان علاّمة فى مذهبه. - وفيه اهتمّ القاضى عبد الباسط ناظر

стр. 1581

الجيش، بحفر بئرين فى عيون القصب من طريق مكّة المشرّفة، فكان ماؤهما جيّدا عذبا، فحصل للحاج بهما غاية النفع. وفى ذى الحجة، توفّى الصاحب تاج الدين عبد الوهاب بن الهيصم القبطى، ثم بعد وفاته، وكان متكلّما فى الديوان المفرد، فقرّر عوضه تاج الدين عبد الوهاب بن الخطيرى القبطى. - وفيه قرّر ناصر الدين التاج، والى القاهرة، فى نظر الأوقاف الجكمية، وكان فيه الضرر والنفع فى أيام ولايته. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين (١) وثمانمائة فيها فى المحرم، قدمت خوند جلبان زوجة السلطان الأشرف برسباى، صحبة القاضى عبد الباسط، وقد أثنى عليها الحاج خيرا، فيما فعلته فى طريق الحجّاج، من البرّ والمعروف. - وفيه قدم طراباى نائب طرابلس إلى القاهرة، فأكرمه السلطان، وأخلع عليه، وقرّره على عادته، فأقام أياما ثم عاد إلى طرابلس، وطراباى هذا كان أتابك العسكر بمصر فى أيام ابن ططر. وفى صفر، نزلوا المماليك من الأطباق، وتوجّهوا إلى بيت الصاحب كريم الدين [ابن كاتب المناخ، وكان متولّى الأستادارية، فنهبوا بيته عن آخره، ثم إنه بعد أيام استعفى من الأستادارية؛ فأخلع السلطان على الصاحب بدر الدين] (٢) ابن نصر الله واستقرّ فى الأستادارية، عوضا عن كريم الدين. وفى ربيع الأول، عمل السلطان المولد على العادة؛ ثم إن السلطان رسم بخلاص من سجن على دين. - وفيه ابتدأ السلطان بهدم قصر بيسرى الذى كان بين القصرين. وفى ربيع الآخر، أعيد آقبغا الجمالى إلى كشف الوجه القبلى، وصرف عنه دولات خجا، وكان من الظلمة الكبار؛ ثم إن آقبغا الجمالى سعى فى الأستادارية، وقرّر بها، وصرف ابن نصر الله.

стр. 1582

وفى جمادى الأولى، أعيد القاضى بدر الدين محمود [العينى] (١) إلى قضاء الحنفية، وصرف عنها زين الدين التفهنى، وكان قد بدأ (٢) فى المرض، فجمع العينى بين القضاء والحسبة ونظر الأحباس فى وقت واحد. وفى جمادى الآخرة، جاءت الأخبار بوفاة صاحب الحبشة، وكان مسلما، من أجلّ ملوك الحبشة قدرا. - وفيه قرّر صلاح الدين بن نصر الله فى الحسبة، عوضا عن العينى. وفى رجب، أدير المحمل على العادة، [وساقوا الرماحة على جارى العادة، وكانت بهجة زائدة فى هذه السنة، وزيّنت القاهرة زينة حافلة] (٣)، وكان الأمر ساكنا من تشويش المماليك. - وفيه وصل نائب الشام سودون من عبد الرحمن، وكان السلطان أرسل خلفه، فلما حضر قرّر أتابك العساكر بمصر، عوضا عن جار قطلوا؛ وقرّر جار قطلوا فى نيابة الشام. - وفيه جاءت الأخبار بأن قرايلك يوسف، قد استولى على ماردين، وقتل متملّكها، وبعث مفاتيح قلعتها إلى السلطان، فلما ثقل أمر قرايلك، أخذ السلطان حذره منه، وشرع فى أمر السفر إليه. وفى شعبان، أخلع السلطان على القاضى كمال الدين بن البارزى، وقرّر فى قضاء الشافعية بدمشق، مضافا إلى كتابة السرّ بدمشق، ولم يقع مثل ذلك لأحد قبله، فخرج وتوجّه إلى دمشق، وكان حضر صحبة نائب الشام سودون من عبد الرحمن، وقد وقع لوالده القاضى ناصر الدين ما يقرب من ذلك، وقد جمع بين قضاء حماة وكتابة سرّها. وفى رمضان، توفّى الشيخ قطب الدين البهنسى الشافعى، وكان عالما فاضلا ناظما ناثرا. - وفيه تولّى القاضى شهاب الدين بن السفاح كاتب السرّ، وكان من أعيان الرؤساء، وتولّى عدّة وظائف جليلة بمصر والشام، وكان مولده سنة

стр. 1583

ست وسبعين وسبعمائة. - وفيه قرّر دولات خجا فى ولاية القاهرة، عوضا عن ناصر الدين التاج. وفيه توفّى الصاحب علم الدين بن أبوكم القبطى، وكان تولّى عدّة وظائف جليلة، وناف عن السبعين (١) سنة من العمر. - وفيه منع الوالى، دولات خجا، النساء من الخروج إلى الترب فى يوم الجمعة، ورسم بكنس الشوارع ورشّها بالماء فى كل يوم. - وفيه جاء الخبر بأن الخواجا شمس الدين محمد بن المزلق الدمشقى، أجرى عين ماء فى مكّة المشرّفة، فحصل بها غاية النفع لأهل مكّة المشرّفة. وفى شوال، أخلع السلطان على الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ، واستقرّ به كاتب السرّ، مضافا للوزارة، وهذا شئ لم يتّفق قطّ فى الدولة التركية، ولكن عابوا على السلطان كون أن قبطيا ولى كتابة السرّ، وهذه الوظيفة ما كان يليها إلاّ من يكون عالما فاضلا، وكان ابن كاتب المناخ عاريا عن صنعة الإنشاء، وكان يتوقّف فى قراءة القصص بين يدى السلطان، ولما مات ابن السفاح سعى فى كتابة السرّ جماعة كثيرة، فما قرّر فيها إلا ابن كاتب المناخ، فعدّ ذلك من النوادر. وفيه توفّى قاضى قضاة الحنفية زين الدين عبد الرحمن بن على التفهنى الحنفى، وكان علاّمة عصره، ووحيد دهره، وكان عالما فاضلا، حسن الخطّ، عارفا بصنعة وظيفة القضاء، وقيل إنه مات مسموما من بعض جواريه، وكان مولده سنة أربع وستين وسبعمائة، وكان من خيار الحنفية، ومات وهو منفصل عن القضاء. - وتوفّى الشيخ شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الأمشيطى الحنفى، وهو والد قاضى القضاة شمس الدين [محمد] (٢) الأمشيطى، وكان لا بأس به. وفى ذى القعدة، طلع القضاة الأربعة إلى القلعة لتهنئة السلطان بالشهر، فوبّخهم السلطان لأجل كثرة نوّابهم، ثم رسم للقاضى الشافعى أن يقتصر على خمسة عشر نائبا، والقاضى الحنفى على عشرة من النوّاب، والمالكى على سبعة

стр. 1584

من النوّاب، والحنبلى على خمسة من النوّاب لا غير، فنزلوا من القلعة على ذلك. - وفيه أعيد ناصر الدين التاج إلى الولاية بالقاهرة، وصرف عنها دولات خجا. وفيه رسم السلطان بعقد مجلس بسبب هدم دار ابن النقاش، التى بناها بزيادة جامع ابن طولون، فتكلّموا فى ذلك، ثم آل الأمر إلى إبقائها، بحكم أن الأرض كانت مؤجرة على ابن النقاش، واستمرّ الأمر ساكنا إلى أن كانت دولة الظاهر جقمق، فهدمت كما سيأتى الكلام على ذلك. - وفيه قرّر القاضى عزّ الدين البغدادى، فى قضاء الحنابلة بدمشق. - وفيه جاءت الأخبار بأن جينوس صاحب قبرص (١) قد هلك، وهو الذى كان قد أسره [العسكر لما توجّه إلى قبرص (١)، ثم أطلق كما تقدّم ذكر ذلك] (٢). وفى ذى الحجة، كان وفاء النيل المبارك، أوفى (٣) فى خامس مسرى، فنزل الأمير جقمق العلاى، أمير آخور كبير، وفتح السدّ على العادة، وكان له يوم مشهود (٤). - وفيه عين السلطان بعض الأمراء العشروات، ومعه ستون مملوكا، وكان على يدهم خلعة وتقليدا لجوان بن صاحب قبرص (١)، الذى هلك، بأن يكون متولّيا على قبرص عوضا عن أبيه، وقرّر عليه من المال فى كل سنة أربعة وعشرين ألف دينار، زيادة عما (٥) كان يرد من أبيه. وفيه تحوّلت السنة القبطية إلى السنة العربية. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب تونس، وكان تولّى بعهد [من] (٦) أبيه، وكان شابا عاقلا حشما ريسا، عارفا بأحوال مملكة الغرب، وكان كفوا للولاية بعد أبيه.

стр. 1585

ثم دخلت سنة ست وثلاثين (١) وثمانمائة فيها فى المحرم، تغيّر خاطر السلطان على آقبغا الجمالى الأستادار، فضربه بين يديه، ثم سلّمه للوالى ليعاقبه على المال؛ ثم إن السلطان أخلع على الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ، واستقرّ أستادارا مضافا للوزارة، وعزله عن كتابة السرّ. - وفيه أرسل السلطان يطلب القاضى كمال الدين بن البارزى من دمشق، ليلى كتابة السرّ بمصر. وفى صفر، توفّى الخواجا نور الدين على الطنبدى، وكان من أعيان التجّار، وترك ما لا جمّا، وهو الذى أنشأ البيت الذى ببولاق، وقد عرف به. - وفيه [توفّى] (٢) الشيخ شمس الدين محمد المغربى المالكى المعروف بالسبتى، وكان عالما فاضلا، وله شرح على البردة الشريفة. وفيه عاد رسل السلطان الذين (٣) توجّهوا إلى قبرص (٤)، وقد أكرمهم جوان، ولبس خلعة السلطان، ووضع التقليد على رأسه، ودخل تحت الطاعة للسلطان. - وفيه أخلع السلطان على حسن بك بن سالم التركمانى، ابن أخت قرايلك، واستقرّ كاشف البحيرة، عوضا عن الأمير على. - وفيه توفّى الريس الميقاتى شهاب الدين أحمد بن غلام الله ابن محمد الكوم الريشى (٥)، وكان غاية فى صنعة الميقات. وفى ربيع الأول، توجّه السلطان إلى الرماية، نحو شيبين، فأقام بها يوما وليلة، ثم عاد. - وفيه وصل القاضى كمال الدين بن البارزى إلى القاهرة، فأخلع عليه السلطان واستقرّ كاتب السرّ، فنزل من القلعة فى موكب حافل، وكان له يوم مشهود (٦). وفى ربيع الآخر، توفّى الشيخ برهان الدين بن حجّاج الأبناسى، وكان من أعيان العلماء.

стр. 1586

وفى جمادى الأولى، قرّر السلطان أسنبغا الطيارى، أحد الأمراء العشروات، فى نيابة جدّة، عوضا عن سعد الدين بن المرة. - وفيه خسف جرم القمر جميعه، وأقام فى الخسوف نحوا من خمسين درجة. - وفيه قدم رسل شاه روخ بن تمر لنك، وعلى أيديهم كتاب من عند شاه روخ، فذكر فيه أنه قصده أن يكسو الكعبة المشرّفة، وخاطب السلطان فى كتابه بالأمير برسباى، وغلظ به من الألفاظ اليابسة، والعبارة الخشنة. وفى جمادى الآخرة، عرض السلطان العسكر، وأشيع خروجه إلى البلاد الشامية بنفسه، فاضطربت أحوال الجند، فلما انتهى العرض، أمر بتعليق الجاليش على الطبلخاناة السلطانية، وثبّت سفره بنفسه، وبعث نفقة السفر إلى الأمراء، فبعث للأتابكى سودون من عبد الرحمن ثلاثة آلاف دينار، وإلى بقية الأمراء المقدّمين كل واحد منهم ألف دينار، وللأمراء الطبلخانات كل واحد خمسمائة دينار، وللأمراء العشروات كل منهم مائتى دينار - ذكر ذلك الشيخ تقى الدين المقريزى كما فصّل. [وفيه] (١) ماتت خوند قنقباى، وكانت زوجة الظاهر برقوق، وهى أمّ سيدى عبد العزيز ولده الذى تسلطن، فخلفت من الأموال والتحف ما لا يحصى. - وفيه نفق السلطان على الجند، لكل واحد من الفضّة، عن الذهب، مائة دينار. وفى رجب، أدير المحمل على العادة، ولم يكن له بهجة، [ولا ساقوا الرماحة على جرى العادة، ولا رمى النفط بالرملة، ولم تزيّن القاهرة زينة] (٢) على العادة، وسبب ذلك اشتغال الناس بالسفر السلطانى؛ ثم إن السلطان أرسل جماعة من الأمراء يتقدّمونه جاليشا، فخرج أتابك العساكر سودون من عبد الرحمن، وأينال الجكمى أمير سلاح، وقرقماس الشعبانى حاجب الحجّاب، وقانى باى الحمزاوى أحد المقدّمين،

стр. 1587

وسودون ميق، وعدّة أمراء عشروات، وغير ذلك من العسكر. - وفيه أعيد دولات خجا إلى الولاية، وصرف عنها التاج لكون أنه يتوجّه مع السلطان. وفيه، فى تاسع عشره، خرج السلطان من القاهرة، يروم السفر إلى مدينة آمد، وأوكب السلطان فى ذلك اليوم، هو والأمراء والعسكر، بالشاش والقماش، والخليفة بالعمامة البغدادية، [وقدّامه القضاة الأربعة والجنائب، وعلى رأسه الصنجق الخليفتى قائما، وهذه التجريدة] (١) التى شهرت إلى الآن، ووافق سفره نزول الشمس برج الحمل، فكان لخروجه يوم مشهود (٢)، وكان له طلب حافل (٣)، جرّ فيه مائتى فرس، ملبّسة من البركستوانات الفولاذ، والمخمل الملوّن، وكان به نحو من خمسين فرسا بكنابيش وسروج ذهب، وكان به كجاوتين زركش. وكان الخليفة المعتضد بالله داود، والعلاّمة شهاب الدين بن حجر قاضى قضاة الشافعية، والبدر العينى الحنفى، والشمس البساطى المالكى، ومحب الدين البغدادى الحنبلى، والقاضى كمال الدين بن البارزى كاتب السرّ، والقاضى زين الدين عبد الباسط ناظر الجيش، وسائر المباشرين، وسائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، وسائر العسكر، فتوجّهوا جميعا إلى الريدانية، ونزلوا بها فى الوطّاق. ثم إن السلطان قرّر فى نيابة الغيبة تغرى برمش التركمانى، أحد المقدّمين، وأمره أن يسكن بباب السلسلة؛ وترك ولده المقر الجمالى يوسف بالقلعة، ووكّل به الطواشى خشقدم الزمام؛ وترك بالقلعة الأمير تانى بك البردبكى، وكان يومئذ نائب القلعة؛ وجعل الأمير آقبغا التمرازى (٤) أمير مجلس بالقاهرة، يحكم بين الناس فى غيبة السلطان؛ وقرّر فى أمرية الحاج الأمير أينال الششمانى؛ وترك الصاحب كريم الدين كاتب المناخ بالقاهرة، لأجل أمور السلطنة؛ ثم إن السلطان

стр. 1588

أقام بالريدانية يوما وليلة، ورحل إلى خانقاة سرياقوس، وهو آخر من خرج بنفسه إلى التجاريد من السلاطين إلى البلاد الشامية. وفى شعبان، جاءت الأخبار بأن السلطان وصل إلى غزّة، فلاقاه نائبها الأمير أينال العلاى الأجرود، الذى ولى السلطنة فيما بعد، فكان للسلطان بغزّة موكبا حافلا، وهو أوّل مواكبه، فأقام بها ثلاثة أيام، ثم رحل عنها، فلما وصل النجاب إلى القاهرة بهذه البشارة، فنودى للناس بالأمان والاطمان، ورفع المظالم. وفى رمضان، فى غيبة السلطان جرت واقعة غريبة، وهو أن رجلا غريبا دخل إلى سوق الحاجب، فوقف على بعض التجّار، فقال له التاجر: «يفتح الله عليك»، فلحّ فى الطلب، فقال له التاجر: «يفتح الله»، فخطف من يد التاجر دفتر حساب وفرّ به، فتبعه التاجر حتى أتى إلى زقاق، فأخرج سكينا، فضرب التاجر، فسقط ميتا فى الحال، وأظهر ذلك السائل أنه مجنون، فحمل إلى البيمارستان، وراح القتل فى كيس التاجر. وفيه جاءت الأخبار بأن السلطان [دخل إلى دمشق، وكان له يوم مشهود، وحملت على رأسه القبّة والطير، وكان موكبا حافلا جدا. - وفيه جاءت الأخبار بأن السلطان] (١) رحل عن دمشق، وتوجّه إلى حمص، وزار سيدى خالد بن الوليد، ﵁ ورحمه، ودخل حماة فى موكب حافل؛ فلما جاءت هذه الأخبار إلى القاهرة، دقّت البشائر بالقلعة. - ثم جاءت الأخبار بأن السلطان دخل إلى حلب، وكان له موكب حافل (٢)، وخرج إليه النائب، والقضاة الأربعة، وأرباب الوظائف الذين (٣) بحلب، وكان له يوم مشهود؛ فلما أقام السلطان بحلب، أخلع على القاضى محب الدين بن الشحنة، واستقرّ فى قضاء حلب وكانت شاغرة؛ ثم إن السلطان رحل من حلب، وتوجّه إلى البيرة.

стр. 1589

وفى شوال، خرج المحمل من القاهرة، وكان أمير الركب أينال الششمانى، فساروا ركبا واحدا. - وفيه وقع بالقاهرة حرق [فى] (١) أماكن عديدة، حتى ضجّ الناس من ذلك، واحترق لبرهان الدين المحلى التاجر دار بشاطئ النيل، قيل إن مصروفها نحو من خمسين ألف دينار. - وفيه كسفت الشمس بعد العصر، حتى ظهرت النجوم فى السماء، وأظلم الجو. وفيه جاءت الأخبار بأن السلطان دخل إلى آمد ونزل عليها، فوقع بينه وبين قرايلك وقعة (٢) عظيمة، وقتل بها جماعة من المماليك السلطانية، وقتل بها شخص من الأمراء العشروات، يقال له تانى بك المصارع، أحد رءوس النوب، وقتل الأمير سودون ميق الظاهرى أحد المقدّمين، وكان جرح فى الوقعة (٢) فقعد أياما ومات. ثم بلغ السلطان أن قرايلك أشغل العسكر بنهب بعض (٣) ضياع آمد، وطلب التوجّه إلى حلب، فيطرقها على حين غفلة، فجهّز له السلطان جماعة من العسكر، فأدركوه بالقرب من الفرات، فحصل بينهما وقعة (٢) على شاطئ الفرات (٤)، فقتل من العسكر جماعة كثيرة، وغرق فى الفرات (٤) الأكثر، فرجع قرايلك. ثم إن السلطان أخذ فى حصار قلعة آمد، ونصب عليها المناجيق، فطال الحصار عليها حتى تقلّق العسكر، ووقع بسبب ذلك أمور يطول شرحها، وتقلّب العسكر على السلطان هناك، وقصد الوثوب عليه، فلما تحقّق السلطان ذلك، عزم على الرحيل من آمد والتوجّه إلى حلب، وكان وقع الغلاء بآمد حتى عزّت الأقوات (٥)، حتى علف البهائم والخيل، فضجّ العسكر من ذلك، فصنّفوا هناك غنوة، وهم يقولون من أبيات: فى آمد رأينا العونة … فى كل خيمة مرجونة الغلام نهاروا يطحن … والجندى يجيب المونة

стр. 1590

فأقاموا على آمد نحوا من أربعين يوما، وقرايلك لم يحضر إلى آمد، وإنما كان يقاتل [عنه] ولده مراد بك، وصهره محمود، مع نائب آمد، فعملوا فى عسكر مصر البطيط، وقتل من الفريقين ما لا يحصى عددهم؛ ثم بلغ السلطان بأن قرايلك نازلا بالقرب (١) من آمد، فعيّن له السلطان جار قطلوا، نائب الشام، ومعه عسكر، وجرت بينهما أمور يطول شرحها. ثم إن قرايلك بعث قاصدا للسلطان، وهو أحمد بن عمّه، وبعث معه بشخص آخر قاضى من علمائه، وعلى يدهما مطالعة مضمونها، أنه أرسل يسأل فى الصلح، فما صدّق السلطان بذلك، وكان فى وجل بسبب تقلّب العسكر عليه، وقد اشتدّ الغلاء، فأجاب إلى الصلح، وبعث القاضى محب الدين بن الأشقر، نائب كاتب السرّ، فحلف قرايلك بالدخول تحت طاعة السلطان، وبعث إليه خلعة، وفرسا بسرج ذهب وكنبوش، وسيف مسقّط ذهب (٢)، وغير ذلك، ثم انعقد بينهما الصلح. وفى أثناء الطريق حضر قاصد إسكندر بن قرا يوسف، صاحب مدينة آذربيجان، فأرسل يسأل السلطان فى الحضور، ليكون هو والسلطان عونة على قرايلك، فشكره السلطان على ذلك وأثنى عليه؛ ثم قدم على السلطان الملك الأشرف يحيى بن صاحب حصن كيفا [من عند أخيه الملك الكامل خليل، وأرسل للسلطان تقدمة حافلة، وأرسل يسأله فى الحضور ليكون عونة للسلطان على قرايلك، فشكره لذلك، وأثنى عليه، وأرسل إليه خلعة وتقليدا بولاية حصن كيفا] (٣) عوضا عن أبيه؛ وهذا ملخص ما وقع للسلطان بآمد فى هذه التجريدة، وذلك على سبيل الاختصار. وفى ذى القعدة، خسف جرم القمر، فكان بينه وبين كسوف الشمس خمسة عشر يوما، فعدّ ذلك من النوادر. - وفيه جاءت الأخبار بأن السلطان رحل من آمد،

стр. 1591

ووصل إلى الرّها، فلما أقام بها، قرّر فى نيابتها أينال الأجرود [نائب غزّة] (١)، فحنق لذلك، وتغيّظ ورمى سيفه قدّام السلطان بين يديه، فغضب منه السلطان ثم كفّ عنه، وقرّر فيها بعض مماليكه، ثم إن بعض الأمراء أرضى خاطر السلطان على أينال الأجرود [وأقرّه فى نيابة الرّها، وقرّر فى نيابة غزّة جانى بك الحمزاوى، عوضا عن أينال الأجرود] (٢)؛ ثم إن السلطان خرج من الرّها، وقصد التوجّه إلى حلب وفى ذى الحجة، جاءت الأخبار بأن السلطان دخل إلى حلب، وكان له يوم مشهود. - وفيه جاءت الأخبار بأن السلطان دخل إلى دمشق، وكان له يوم مشهود، فلما أقام بها، أخلع على قانى باى الفهلوان، واستقرّ أتابك العساكر بدمشق، عوضا عن تغرى بردى المحمودى (٣)، الذى قتل بالرّها. - وفيه حضر كمشيغا الأحمدى (٤)، أحد الأمراء الطبلخانات، وأخبر أن السلطان خرج من دمشق، وهو قاصد نحو الديار المصرية، فخرج الصاحب كريم [الدين] (٥) بن كاتب المناخ إلى لقائه. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة جانى بك الحمزاوى، الذى قرّر فى نيابة غزّة، [عوضا عن أينال الأجرود] (٦)، مات بدمشق ولم يدخل غزّة. وفيه جاءت الأخبار بأن قرايلك، لما رجع السلطان، عاد إلى أفعاله الشنيعة، من نهب الضياع، وقطع الأشجار، حتى أشيع أن السلطان يعود إلى آمد. - وفيه توفّى الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن محمد القزوينى الشافعى، وكان عالما فاضلا، علاّمة عصره فى الفقه والتفسير، وغير ذلك من العلوم. وفيه جاءت الأخبار بأن مراد بك بن عثمان، ملك الروم، قبض على أخيه أردخان

стр. 1592

وسجنه. - وفيه جاءت الأخبار أيضا بأن إسكندر بن قرا يوسف، وثب على أخيه محمد شاه، وملك منه بغداد، ففرّ منه محمد شاه إلى الموصل. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب طبار من بلاد اليمن، وكان من ذوى العقول. - وفيه توفّى القاضى تاج الدين عبد الوهاب بن أفتكين، كاتب سرّ دمشق، فلما مات قرّر عوضه فى كتابة سرّ دمشق نجم الدين يحيى بن الزينى، ناظر الجيش بحلب. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين (١) وثمانمائة فيها فى المحرم، كان وفاء النيل المبارك، أوفى (٢) سادس عشرين مسرى، وكان نقص قبل الوفاء ستة أصابع، ثم ردّ النقص وأوفى، ففرح الناس بذلك، وكان يوم فتح السدّ يوما مشهودا. - وفيه جاءت الأخبار بأن السلطان وصل إلى قطيا، فنودى فى القاهرة بالزينة؛ ثم وصل أيتمش الخضرى، وصحبته أشياء من أثقال السلطان؛ ثم خرج المقر الجمالى يوسف بن السلطان إلى ملتقى والده. - وفيه أمطرت السماء مطرا غزيرا، وكان ذلك فى توت، والنيل زائد، فلما أمطرت هذه المطرة، انهبط النيل بسرعة، وشرق غالب البلاد. وفيه، فى عشرينه، كان دخول السلطان إلى القاهرة، [وقد زيّنت له زينة حافلة جدّا] (٣)، فدخل من باب النصر، وشقّ القاهرة فى موكب حافل، وقدّامه الخليفة، والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء، والمباشرين، وحمل على رأسه القبّة والطير، [ولعبوا قدّامه بالغواشى الذهب، ومشت قدّامه الجنائب، التى بالرقاب الزركش، وانجرّ الطلب بالخيول، التى بالسروج الذهب والكنابيش والكجاوتين الزركش، فمشوا جفتاه، وحمل السنجق السلطانى على رأسه، ولاقاه الأوزان والشعراء والشبابة السلطانية والشاويشية، وفرشت تحت حافر فرسه الشقق الحرير، من التبانة إلى القلعة] (٤)، وكان له يوم مشهود (٥) كما تقدّم، واستمرّ فى هذا الموكب

стр. 1593

إلى أن وصل إلى مدرسته [التى فى العنبرانيين، فنزل عن فرسه ودخل المدرسة] (١) وصلّى بها ركعتين، ثم ركب وسار إلى أن طلع إلى القلعة، وكان له يوم مشهود (٢) إلى الغاية؛ فلما طلع إلى القلعة، أخلع على جماعة من أرباب الدولة ونزلوا إلى بيوتهم، وانقضى ذلك اليوم. فكانت مدّة غيبة السلطان فى هذه السفرة ستة أشهر ونصف، وهو آخر من جرد وخرج فى التجريدة إلى البلاد الشامية من السلاطين، وقيل إنه أصرف على هذه التجريدة ما يزيد على خمسمائة ألف دينار، ورجع من غير طائل، ولم يبلغ القصد، ولو أقام بمصر وأرسل تجريدة ثقيلة من الأمراء والعسكر، لكان عين الصواب، ولكن رهج وظن أن الأمر سهل (٣)، فتزايدت الفتن عما (٤) كانت أضعافا، وتمرّد (٥) قرايلك وغيره من التركمان، ولله الأمر. - وفيه أعيد التاج إلى الولاية، وصرف عنها دولات خجا. - وفيه وصل الحاج إلى مصر بعد ما قاسى (٦) مشقّة زائدة من العطش وموت الجمال، ومات من الناس ما لا يحصى وفى صفر، ظهر فى السماء كوكب من جهة المغرب، وله ذؤابة نحو رمحين، وله شعاع يضئ. -[وفيه] (٧) تشحّطت الغلال، ووقع الغلاء، وشرق غالب البلاد من سرعة هبوط النيل. وفى ربيع الأول، عمل السلطان المولد الشريف المبارك على العادة، واجتمع القاضى الشافعى والحنفى والمالكى والحنبلى وأعيان الناس. - وفيه تغيّر خاطر السلطان على الأتابكى سودون من عبد الرحمن، ورسم بإخراجه إلى القدس بطّالا، فاستعفى من السفر إلى القدس، وسأل الإقامة فى داره بطّالا، فأجيب إلى ذلك، ورتّب له ما يكفيه.

стр. 1594

وفيه جاءت الأخبار بوفاة قاضى مكّة المشرّفة جمال الدين محمد بن [على] (١) العبدرى الشافعى، وكان عالما فاضلا، ناظما (٢) ناثرا، ومن شعره فى واقعة حال، لما أعيد جلال الدين البلقينى إلى القضاء وعزل عنها الهروى، فقال: عود الإمام لذى الأنام كعيدهم … لا عيد عاد إلى الأنام مثاله أجلى (٣) جلال الدين عنا غمّة … زالت بعون الله ﷻ وفى ربيع الآخر، قرّر أينال الششمانى فى نيابة صفد، عوضا عن مقبل الرومى، بحكم وفاته. - وفيه أخلع السلطان على الغرسى خليل بن شاهين الصفوى، وقرّر فى نيابة الإسكندية، والغرسى خليل هذا هو والد الشيخ عبد الباسط الحنفى، صاحب التاريخ المسمى بالروض الباسم. وفيه، فى يوم الجمعة، نزل السلطان من القلعة، وصحبته القاضى عبد الباسط ناظر الجيش، والكمال بن البارزى كاتب السرّ، والتاج والى القاهرة، وتوجّه إلى البيمارستان لتفقّد أحواله، فإن من حين عزل سودون من عبد الرحمن والأتابكية شاغرة، فلما نزل السلطان إلى البيمارستان، رسم للأمير جوهر الخازندار أن يتكلّم على البيمارستان، إلى أن يولّى السلطان أمير كبير. - وفيه قرّر فى كشف البحيرة بالوجه البحرى آقبغا الجمالى، عوضا عن حسن بك بن سلقسيز التركمانى. وفى جمادى الأولى، جاءت الأخبار من مكّة المشرّفة بوقوع سيل عظيم، حتى جاوز نحوا من أربعة أذرع من حيطان الحرم، وكاد أن يدخل البيت الشريف، وخرب من مكّة المشرّفة نحو من ألف بيت، وكانت حادثة صعبة مهولة. - وفيه توفّى الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن الأمانة الشافعى، وكان يعمل المواعيد بالجامع الأزهر. وفى جمادى الآخرة، بعث السلطان إلى القاضى جلال الدين أبو السعادات محمد ابن ظهيرة، بأن يلى قضاء الشافعية بمكّة المشرّفة، عوضا عن جمال الدين (٤) العبدرى

стр. 1595

بحكم وفاته. - وفيه توفّى الشيخ شمس الدين محمد الكماجى بن حسن بن قطلوا بك (١) الحنفى، وكان من أعيان الحنفية. وفى رجب، جلس السلطان فى قاعة البيسرية، وأقيمت الخدمة هناك، وسبب ذلك أن السلطان حصل له توعّك فى جسده، ولزم الفراش مدّة، ثم عوفى قليلا، وسكن الاضطراب بين الناس. - وفيه جاءت الأخبار بأن الشريف رميثه بن محمد ابن حسن بن عجلان أمير مكّة المشرّفة، قد قتل فى وقعة (٢) كانت بينه وبين بنى إبراهيم، وكان الشريف رميثه صرف عن أمرية مكّة المشرّفة. وفيه توجّه السلطان إلى خليج الزعفران، فلما رجع شقّ من القاهرة، وكان له يوم مشهود (٣). - وفيه أدبر المحمل على العادة. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة جار قطلوا نائب الشام، وكان أميرا حشما ريسا، وتولّى عدّة وظائف ونيابات وأتابكية مصر، وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق. فلما مات قرّر عوضه فى نيابة الشام قصروه نائب حلب؛ وعيّن إلى نيابة حلب قرقماس الشعبانى حاجب الحجّاب؛ وقرّر فى حجوبية الحجّاب يشبك المشدّ، الذى تولّى الأتابكية فيما بعد، وأخلع على أينال الجكمى، وقرّر أتابك العساكر بمصر، عوضا عن سودون من عبد الرحمن، وكانت شاغرة من يومئذ؛ وقرّر آقبغا التمرازى فى أمرية سلاح عوضا عن أينال الجكمى؛ وقرّر جقمق العلاى فى أمرية مجلس، عوضا عن آقبغا التمرازى؛ وقرّر تغرى برمش فى أمرية الآخورية الكبرى، عوضا عن جقمق العلاى، ثم إن جقمق العلاى تضرّر من أمرية مجلس، فبعث السلطان إليه بأن يكون أمير سلاح؛ وبعث إلى آقبغا التمرازى بأن يكون أمير مجلس، على عادته كما كان أولا، فتمّ ذلك. - وفيه رسم السلطان للأتابكى سودون من عبد الرحمن، بأن يخرج إلى دمياط ويقيم بها، فخرج من يومه.

стр. 1596

وفى شعبان، خرج قرقماس الشعبانى إلى محل ولايته بحلب، وكان طلبا حافلا جدّا. - وفيه كان ختان المقر الجمالى يوسف بن السلطان، وكان له مهمّ حافل بالقلعة، وختن معه جماعة كثيرة من أولاد الأمراء والجند، وكانوا نحوا من أربعين صبيّا، فأنعم عليهم السلطان بالكسوة لكل واحد على قدر مقام أبيه. - وفيه اختفى الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ، فلما طال اختفاؤه، طلب السلطان القاضى أمين الدين إبراهيم بن عبد الغنى بن الهيصم، فأخلع عليه وقرّره فى الوزارة، عوضا عن ابن كاتب المناخ، وكان أمين الدين يومئذ ناظر الدولة الشريفة. وفيه كانت وفاة الأديب البارع الفاضل تقى الدين بن حجّة، وهو أبو بكر بن على الحموى الحنفى، نزيل القاهرة، ثم عاد إلى بلده حماة، فمات بها ودفن هناك، وكان مولده سنة سبع وستين وسبعمائة، وكان عالما فاضلا، فى فنون الأدب وصنعة الإنشاء، وله عدّة مصنّفات فى الأدبيات والإنشاء، فمن ذلك شرح البديعية الذى هو من أعلا الشروحات، لم يعمل مثله، وقهوة الإنشاء فى الإنشاء، ومن مصنّفاته: كشف اللثام عن التورية والاستخدام، ومن مصنّفاته: ثمار الأوراق وشرح لامية العجم، وله ديوان لطيف من الأدبيات، وله غير ذلك مصنّفات كثيرة فى الإنشاء والبديع، وكان القاضى كمال الدين بن البارزى، كاتب السرّ، جعله شيخ الأدباء بمصر، وكان له نظم جيّد فى صنعة البديع، فمن ذلك قوله: ناحت مطوّقة الرياض وقد رأت … تلوين دمعى يوم فرقة حبّه لكن به لما سمحت تباخلت … فغدت مطوقة بما بخلت به وقوله: قاسوك بالغصن فى التثنّى … قياس جهل بلا انتصاف هذاك غصن الخلاف يدعى … وأنت غصن بلا خلاف وقوله: ديوان نظمى جاء وهو محرّر … برقيق نظم لفظه يستعذب فإذا بدا لا تستقلّوا حجمه … وحياتكم فيه الكثير الطيّب

стр. 1597

ومن تضامينه قوله أيضا: ولما تخلع منه العذار … تكنى طويق الخجل لبسنا ثياب العناق … مزررة بالقبل لكنه كان ظنينا بنفسه يحطّ على الشعراء، ويظهر سرقاتهم، فتعصّبوا عليه شعراء مصر، وصاروا يهجونه الهجو الفاحش، وألّفوا فى ذلك عدّة تآليف، وكان يحنّى ذقنه بالحنّاء، فسمّوه الحمار المحنّى، وكان يقع لهم فى هجوه العجائب والغرائب، فمن جملة ذلك قول الشيخ زين الدين بن الخراط، وهو قوله: نسب الأفاضل لابن حجّة سرقه … فأجبت كفّوا عن ملامة شاعر هذا حمار فاره فى فنّه … ولكم له فى النظم وقعة حافر وأيضا قوله: وشاعر أنشدنى … شعر القطيمى لا القطامى قلت لمن؟ فقال لى … شعر ابن حجّة الحرام وفيه أمر السلطان القاضى عبد الباسط ناظر الجيش، بالتكلّم على الأستادارية، وكان هذا الديوان فى غاية الانشحات والتعطيل، فلما بلغ القاضى عبد الباسط ذلك تشوّش، فأشار عليه بعض أصحابه أن لا يخالف أمر السلطان فى ذلك، فلما طلع إلى القلعة، قال له السلطان: «البس أستادارا»، فأحضر مملوكه جانى بك، فلم يوافق السلطان على ذلك، وانفضّ المجلس مانعا؛ ثم ظهر عقيب ذلك ابن كاتب المناخ، فأعيد إلى (١) الأستادارية كما كان. - وفيه جاءت الأخبار بأن الإفرنج كثر عبثهم بساحل البحر المالح، فلما تحقّق السلطان ذلك عيّن لهم تجريدة. وفى رمضان، قطع [السلطان] (٢) رواتب جماعة كثيرة، وكانت على ديوان المفرد والدولة؛ ما بين لحم وقمح وجوامك للفقهاء والمتعمّمين، فكثر الدعاء على السلطان بسبب ذلك، وكان فى أواخر دولته كثر ظلمه جدّا.

стр. 1598

وفى شوال، أشيع بين الناس سفر السلطان إلى آمد ثانيا، وكتب لسائر النوّاب بتعبئة الإقامات لسفر السلطان. - وفيه خرج الحاج من القاهرة، وكان أمير الركب قرا سنقر على العادة. - وفيه توجّه ابن شاهين الصفوى، وهو خليل والد الشيخ عبد الباسط، إلى ثغر الإسكندرية، وقد قرّر فى نيابتها، عوضا عن جانى بك الثور. - وبعد خروج الحجّاج بأيام، خرج الأمير جقمق العلاى، أمير سلاح، يروم الحجّ، وخرج صحبته ركب المغاربة. وفى ذى القعدة، جاءت الأخبار بوفاة ملك الغرب، صاحب تونس وأفريقية وتلمسان، وكان يسمّى أبو فارس عبد العزيز، وكان ملكا جليلا عارفا، عادلا فى الرعّبة، سبوسا، حسن السيرة، وكانت مدّة مملكته ببلاد الغرب نحوا من اثنتين (١) وأربعين سنة، ومات وله من العمر نحو ست وسبعين (٢) سنة، وقد شاع ذكره فى الأقطار، وعظم قدره جدّا. وفى ذى الحجة، رابع عشرينه، كان الوفاء، وقد وافق ذلك سابع مسرى، فأوفى (٣) وزاد عن الوفاء عشرة أصابع؛ وقد وقع فى هذه السنة اتّفاق غريب، وهو أن النيل أوفى (٤) فى هذه السنة فى ثانى المحرم، ثم أوفى رابع عشرين ذى الحجة من أواخر هذه السنة، وهذا اتّفاق غريب قطّ ما وقع أن فى السنة العربية بفى النيل فيها مرتين، فعدّ ذلك من النوادر؛ ثم بعد الوفاء بيوم زاد النيل المبارك ثمانية أصابع، ثم فى ثالث يوم، من بعد الوفاء، زاد النيل خمسة عشر أصبعا، فكانت هذه الزيادة أيضا من النوادر، وقد قال القائل: أرى نيل مصر قد غدا يوم كسره … إذا رام جريا فى الخليج تقنطرا ولكن بعد الكسر زاد تجبّرا … وأفرط هجما فى القرى وتجسّرا وفيه توفّى الشيخ الصالح المعتقد سيدى عمر بن على بن حجّى البسطامى الحنفى،

стр. 1599

وقد جاوز السبعين (١) سنة من العمر. - وفيه جاءت الأخبار بأن محمد شاه بن قرا يوسف، مات مقتولا، وهو صاحب بغداد، وكان قتله بعض أعدائه، وكان غير مشكور فى ملوك الشرق، وكان يميل إلى مذهب الرفض. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين (٢) وثمانمائة فيها فى المحرم، وصل الأمير جقمق العلاى، أمير سلاح، من الحجاز، وقد سبق الحجّاج بسبعة أيام. - وفيه قد وصل (٣) قاصد قرايلك بهديّة للسلطان، ومكاتبة من عند قرايلك. - وفيه دخل الحجّاج إلى القاهرة، وأخبر أمير الحاج أن سقف الكعبة الشريفة قد انخرق من الأمطار، فعيّن السلطان سودون المحمدى لعمارة ذلك، فخرج فى أثناء الشهر. وفيه عمل السلطان الموكب بالإيوان لأجل قاصد شاه روخ ملك العجم، وكان موكبا حافلا، فطلع القاصد وصحبته هديّة للسلطان، منها نحوا من ثمانين شقّة أطلس مقصّب، وألف قطعة من الفيروزج والبلخش، فقوّم ذلك بثلاثة آلاف دينار، وحضر صحبة القاصد كسوة للكعبة، وسأل الإذن فى قبول ذلك. وفى صفر، عيّن الشيخ سراج الدين الحمصى الشافعى إلى قضاء دمشق، عوضا عن بهاء الدين بن حجى؛ وقرّر القاضى شمس الدين محمد الصفدى الحنفى إلى قضاء دمشق. وفيه رسم السلطان بعقد مجلس فى القصر، فاجتمع به القضاة الأربعة، وسبب ذلك أن قاصد شاه روخ أحضر كسوة للكعبة المشرّفة، وذكر أنه نذر بذلك، فاستفتى (٤) السلطان فى هذا الأمر القضاة الأربعة، فلما طال بينهم الجدال، أجاب قاضى

стр. 1600

القضاة بدر الدين العينى بأن نذره لا ينعقد، وأجاب العلاّمة ابن حجر بأن ذلك لا يجوز إلاّ لمن يكون ناظرا على الحرمين الشريفين، وطال الكلام فى ذلك، وانفضّ المجلس على جواب البدر العينى. وفيه عيّن نوكار الناصرى إلى نيابة جدّة، عوضا عن سعد الدين بن المرة، فخرج من بعد أيام، وسافر من البحر الملح. - وفيه جاءت الأخبار بأن سودون المحمدى، الذى توجّه إلى مكّة المشرّفة، بسبب عمارة سقف الكعبة المشرّفة، أنه نقض السقف القديم وجدّد غيره. وفيه ثارت المماليك ونزلوا من الأطباق، قاصدين بيوت المباشرين لينهبوها، فتوجّهوا إلى بيت ابن البارزى ففرّ منهم، ثم توجّهوا إلى بيت القاضى عبد الباسط ناظر الجيش فنهبوه، ثم توجّهوا إلى دار الوزير أمين الدين بن الهيصم فنهبوها، ثم توجّهوا إلى دار ابن كاتب المناخ الأستادار فنهبوها، وسبب ذلك أن الجوامك كانت مشحوتة، والديوان المفرد كان معطّلا إلى الغاية، ثم إن المماليك نهبوا عدّة دكاكين من الأسواق، وكادت أن تكون فتنة كبيرة. ثم بعد أيام أخلع السلطان على جانى بك، مملوك القاضى عبد الباسط، وقرّر فى الأستادارية، عوضا عن كريم الدين بن كاتب المناخ؛ وعيّن للوزارة سعد الدين إبراهيم بن كاتب جكم، فامتنع من ذلك، فحنق السلطان منه وضربه ضربا مبرحا، وكان إذ ذاك ناظر الخاص، فنزل إلى داره محمولا، فما وسع القاضى عبد الباسط إلا قدّم مملوكه جانى بك، وقرّر فى الأستادارية، عوضا عن نفسه، وكان القائم فى ذلك الطواشى جوهر الخازندار، وكان يكره عبد الباسط فى الباطن. وفى هذه الأيام عزّ وجود اللحم الضانى من الأسواق جدّا، وكذلك اللحم البقرى، وكذلك الأجبان، مع أن النيل كان زائدا فى ثبات، والغلال كثيرة جدّا. - ثم بعد أيام قبض السلطان على الوزير كريم الدين بن كاتب المناخ، وضربه بالمقارع نحوا من مائة شيب، ثم عرّاه من ثيابه وضربه على أكتافه ضربا مؤلما حتى كاد أن يموت، ثم أسلمه للتاج الوالى وهو فى الجنزير وقيّد، وكان قد حوسب وظهر

стр. 1601

فى جهته خمسون ألف دينار، فسلّم للوالى ليستخرج منه ذلك، وكان ابن كاتب المناخ عند الأشرف برسباى من المقرّبين، ثم استحال عليه، فكان كما قيل: إذا رأيت ثنايا الليث كاشرة … فلا تظنّ بأن الليث بسّام وفيه عاد قصّاد شاه روخ إليه، وكتب له الجواب عن كسوة الكعبة المشرّفة التى أرسلها، بأن العادة القديمة جرت بأن الكعبة المشرّفة لا تكسى إلاّ ممن يكون ناظرا على الحرمين الشريفين، وردّ عليه الجواب بذلك، والهديّة التى أرسلها، وكسوة الكعبة المشرّفة، ورجع من غير طائل. وفيه جرت حادثة غريبة وهو أن جارية أرمت ابن ستّها من الطاق [إلى الخليج الناصرى] (١)، فغرق ومات، وكان سنّه نحوا من ست سنين، فعرضت الجارية على السلطان، فدفعهم إلى قاضى قضاة المالكية، فحكم بتغريقها فى الخليج من المكان الذى أرمت منه ذلك الصبى الصغير، فكان لها يوم مشهود لما غرّقت فى الخليج. وفيه رضى السلطان على القاضى سعد الدين [إبراهيم] (٢) بن كاتب جكم، وأخلع عليه خلعة سنية، وأعاده إلى نظارة الخاص كما كان؛ ثم أخلع على أخيه الجمالى يوسف، وقرّره فى الوزارة عوضا عن ابن كاتب المناخ، وقرّر فى نظر الجيش (٣) شخص يقال له مجد الدين بن قطارة. وفى ربيع الأول، عمل السلطان المولد الشريف على جارى العادة، وكان يوما مشهودا (٤). - وفيه توفّى الشيخ بدر الدين الأبوصيرى حسين بن على بن سبع المالكى، وكان من أعيان المالكية. - وفيه جاءت الأخبار من مكّة المشرّفة، بأن السقف الذى جدّده السلطان على الكعبة الشريفة، قد دلف من المطر، والذى كان أولا كان أصلح.

стр. 1602

وفى ربيع الآخر، وقعت زلزلة بالقاهرة، وكانت خفيفة لم يحصل بها ضرر. - وفيه توفّى الشيخ زين الدين أبو زيد عبد الرحمن التبيانى المقدسى الحنبلى، وكان علاّمة. - وفيه عزّ وجود الدجاج والأوز من القاهرة جدّا. - وفيه توفّى شيخ القرّاء محمد بن عبد الله الواسطى ثم السكاسكى، وكان ماهرا فى القراءات. وفى جمادى الأولى، أخلع السلطان على علاء الذين بن الطبلاوى، وقرّره فى ولاية القاهرة، عوضا عن دولات خجا؛ وقرّر دولات خجا لولاية منفلوط. وفى جمادى الآخرة، جاءت الأخبار بأن قرايلك جمع العساكر، ونزل على الرّها، وقد وصل أوائل عسكره إلى ملطية، فتنكّد السلطان لذلك. - وفيه قبض السلطان على القاضى سعد الدين إبراهيم ناظر الخاص، وعلى أخيه الجمالى يوسف الوزير، فأقاما فى الترسيم حتى (١) أوردا ثلاثين ألف دينار، ثم استعفى الجمالى يوسف بن كاتب جكم من الوزارة، فأعفى منها، وأبقى أخاه إبراهيم فى نظر الخاص؛ ثم أخلع على شخص يسمى تاج الدين الخطيرى، واستقرّ فى الوزارة، عوضا عن الجمالى يوسف، وكان الخطيرى هذا ناظر الاصطبل قبل ذلك. - وفيه أخلع السلطان على ناصر الدين التاج، وقرّره فى المهمندارية، عوضا عن آقطوه. - وفيه عيّن السلطان تجريدة إلى الصعيد، وبها ثلاثة أمراء (٢) مقدّمين، وجماعة من المماليك السلطانية، فخرجوا على حمية. وفى رجب، أدير المحمل على العادة، وساقوا الرماحة أحسن سوق. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة طراباى نائب طرابلس، وكان من مماليك الظاهر برقوق، وتولّى أتابكية مصر فى دولة ابن ططر، وكان لا بأس به. وفى شعبان، أخلع السلطان على قانى باى الحمزاوى، وقرّر فى نيابة حماة، عوضا عن جلبان، ونقل جلبان إلى نيابة طرابلس، عوضا عن طراباى. - وأنعم السلطان على خجا سودون بتقدمة ألف، وهى تقدمة قانى باى الحمزاوى.

стр. 1603

وفى رمضان، أعيد محمد الصغير إلى كشف الوجه القبلى، وصرف عنه الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ، وكان قرّر فى الوجه القبلى بعد ما جرى عليه ما جرى كما تقدّم ذكره. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب شيراج السلطان إبراهيم بن أمير زاه بن شاه روخ بن تمر لنك، وكان من أجلّ ملوك الشرق قدرا. وفى شوال، وصل قاصد شاه روخ، وعلى يده كتاب للسلطان، يذكر فيه أنه عزم على زيارة بيت المقدس، وأرسل ينكر على السلطان فى أخذ المكوس من التجّار، وكل ذلك تحريش لطلب الشرّ. - وفيه أخلع السلطان على عمر أخى التاج وقرّر فى الولاية، عوضا عن ابن الطبلاوى. - وفيه حرج الحاج من القاهرة، وكان أمير المحمل صلاح الدين بن نصر الله، وكان صلاح الدين بن نصر الله يومئذ أمير طبلخاناة، وهو فى زىّ الأتراك، وأمير ركب الأول تمرباى الدوادار الثانى؛ وخوند بنت ططر حجّت فى هذه السنة، وهى زوجة السلطان. وفى هذا الشهر كان ظهور جانى بك الصوفى، الماضى ذكر تسحّبه (١) من السجن بثغر الإسكندرية، فى سنة ست وعشرين وثمانمائة، ولم يعلم له خبر، فظهر أنه عند بعض أمراء التركمان، فلما سمع السلطان هذا الخبر تنكّد جدّا، ثم كان من أمر جانى بك الصوفى ما سنذكره فى موضعه. - وفيه توفّى الشيخ تقى الدين محمد بن محمد ابن عمر بن رسلان البلقينى الشافعى، وكان ذكيّا فاضلا، وهو والد الشهابى أحمد البلقينى، الذى تولّى قضاء الشافعية بدمشق. وفى ذى القعدة، جاءت الأخبار بأن جانى بك الصوفى التجأ إلى أسلماس بن كبك التركمانى، ومحمد بن قطلبك، وهما من أكابر أمراء تلك البلاد، فنزلوا على ملطية، والتفّوا على سليمان بك بن ذلغادر. فلما سمع السلطان هذا الخبر، حار فكره فى هذا الأمر؛ ثم جاءت الأخبار بأن جانى بك الصوفى قبض على بلبان نائب دريدة؟؟؟ وسجنه، فاضطربت أحوال السلطان لذلك غاية الاضطراب. وفيه أخذ قاع النيل المبارك، فجاءت القاعدة أحد عشر ذراعا وعشرة أصابع،

стр. 1604

فعدّ ذلك من النوادر، ولكنه أتلف الأمقتة والبطيخ والخيار، فلما ضجّ الناس من ذلك نقص الماء ستة عشر أصبعا، فخاف الناس من ذلك، وتشحّطت الغلال وصار الوالى يكسر جرار الخمر، وحجر على الحشيش، ومنع الخواطئ من عمل الفواحش. وفى ذى الحجة، حضر مبشّر الحاج، وهو مسلوب من الثياب، وقد عرّوه عرب بنى لام فى الوجه، وأخذوا ما معه من الكتب وغير ذلك. - وفيه جاءت الأخبار بأن شاه روخ جهّز ولده أحمد بك، ومعه عساكر جمّة، فأتوا إلى ديار بكر ولم يشوّشوا على أهلها، ونادى لهم بالأمان والاطمان وإظهار العدل فى الرعيّة. وفيه رسم السلطان بقطع أصابع عبد القدوس بن الجيعان، وكان قد أفشى عنه أشياء كثيرة يخطّها، يزوّرها عن خطوط المباشرين والقضاة، فاشتهر بذلك بين الناس، وكان نادرة عصره فى محاكاة (١) خطوط الناس. - وفيه توفّى المسند مجد الدين إسماعيل بن على بن محمد بن داود بن محسن بن عبد الله بن رستم البيضاوى الشافعى، وكان من العلماء الفضلاء، ماهرا فى كل فنّ، علاّمة عصره. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين (٢) وثمانمائة فيها فى المحرم، ثانى يوم من مسرى، كان وفاء النيل المبارك، فلما أوفى (٣) نزل المقر الجمالى يوسف بن السلطان، [وتوجّه إلى المقياس وخلّق العمود] (٤) وفتح السدّ، وكان له يوم مشهود. - وفيه دخل الحاج إلى القاهرة مع السلامة، وأخبر بوفاة الشيخ علاء الدين على بن طيبغا بن حاجى بك القبيباتى الحنفى، شيخ تربة السلطان التى فى الصحراء، وكان عالما فاضلا من أعيان الحنفية؛ ثم بعد وفاته قرّر السلطان فى مشيخة تربته الشيخ محيى الدين الكافيجى، عوضا (٥) عن ابن القبيباتى بحكم وفاته.

стр. 1605

وفيه جاءت الأخبار بأن جانى بك الصوفى التفّ على قرايلك، وقد أمدّه بخيول ورجال، وصار يعطعط فى البلاد وينهبها، ويأخذ منها الأموال بقائم سيفه، فتنكّد السلطان لذلك. وفى صفر، جاءت الأخبار بأن إسكندر بن قرا يوسف، زحف على قرايلك فى الجمّ الخفير من العساكر، ففرّ منه قرايلك، فتبعه، فأرمى نفسه قرايلك فى نهر هناك، خوفا أن يؤخذ باليد، فغرق فى النهر بنفسه، فمات، ودفنوه أولاده تحت الليل حتى لا يشعر به أحد، فلا زال إسكندر بك يفحص عن قبره حتى أخرجه بعد أيام، وحزّ رأسه وبعثها للسلطان فى علبة، وكفى الله الناس شرّه، كما قيل: وفى أضيق الوقت … يأتى الله بالفرج ثم فى أثناء ذلك، بعث شاه روخ ولده أحمد جوكى، مع جماعة من العسكر، نجدة إلى قرايلك، فوجده قد مات، فتحارب مع إسكندر بن قرا يوسف، فانكسر إسكندر وولّى هاربا إلى بلاد الروم، وملك أحمد بن شاه روخ بلاد الإسكندر بن قرا يوسف، وفرض على أهلها أموالا جزيلة، وتزوّج بابنة (١) قرايلك، وجرى على إسكندر هذا أمور بطول شرحها، واستمرّ فى هجاج وشتات، كما سيأتى ذكر ذلك. وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب أفريقية وتونس من بلاد الغرب، وكان يلقّب بالملك المنتصر بالله، وكان منذ ولى الملك لم يتهنّى (٢) به من كثرة الفتن والشرور؛ ثم بعد وفاته تولّى بعده أخوه شقيقه عثمان، وتلقّب بالمتوكل على الله، فأقام فى الملك مدّة طويلة، ثم وثب عليه عمّه أبو الحسن وحاربه، فقتل عثمان هذا على يد القائد محمد الهلالى، وهذا ملخّص أمره. وفى ربيع الأول، بعث السلطان خلف قرقماس الشعبانى، نائب حلب، وكان بلغه أنه متواطئ مع جانى بك الصوفى، فلما حضر إلى مصر أخلع عليه وقرّره فى أمرية سلاح، عوضا عن جقمق العلاى؛ وقرّر جقمق فى الأتابكية بمصر، عوضا عن

стр. 1606

أينال الجكمى؛ وقرّر أينال الجكمى فى نيابة حلب، عوضا عن قرقماس الشعبانى. وفيه قرّر معين الدين عبد اللطيف فى نيابة كاتب السرّ، عوضا عن أبيه شرف الدين بحكم أنه قرّر فى كتابة السرّ بحلب. - وفيه جاءت الأخبار بأن سليمان بن ذلغادر، احتال على جانى بك الصوفى حتى قبض عليه، وقيّده وأرسله من ملطية إلى الأبلستين، فسجن بها، وبعث سليمان يخبر السلطان بذلك. وفيه كانت وفاة الناصرى ناصر الدين محمد التاج، والى القاهرة، وكان أصله من الشوبك يعرف بابن الفازانى، ومولده بعد الخمسين وسبعمائة، فالتفّ على شيخ المحمودى ودخل معه إلى القاهرة، فلما تسلطن شيخ، حظى عنده وجعله والى القاهرة؛ وكان التاج هذا رقيق الحاشية، مضحك مزّاح، فلما مات المؤيد شيخ، وتسلطن الأشرف برسباى، قرّبه وصار من ندمائه، ينشرح به، ورقى (١) فى أيامه، وتولّى عدّة وظائف جليلة، منها: ولاية الشرطة، وأستادارية الصحبة، والمهمندارية، وغير ذلك من الوظائف، وسافر أمير حاج أول، وصار من أعيان الرؤساء بالديار المصرية، وفيه يقول الشيخ تقى الدين بن حجّة فى واقعة حال، شعر: سبع وجوه لتاج مصر … تقول ما فى الوجود شبهى وعندنا ذو الوجوه يهجى (٢) … وأنت تاج بفرد وجه وفى ربيع الآخر، جاءت الأخبار بوفاة قصروه نائب الشام، وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق، وتولّى عدّة نيابات، وكان أمير آخور كبير بالديار المصرية؛ فلما مات خلف من الأموال، من صامت وناطق، نحو ستمائة ألف دينار، وجمع ذلك من وجوه الظلم والحرام. - وفيه قرّر ولى الدين محمد بن قاسم، نديم السلطان، فى مشيخة الحرم النبوى، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، وكان عادة هذه الوظيفة للطواشية من أيام الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فتغيّرت العوائد حتى فى الوظائف الدينية.

стр. 1607

وفيه نادى السلطان بعرض جميع أجناد الحلقة، بسبب التجريدة، ورسم بأن يتوجّهوا إلى بيت الأمير أركماس الظاهرى الدوادار الكبير، وشدّد عليهم فى خروجهم إلى التجريدة بسبب شاه روخ. - ثم أمر بعقد مجلس، فلما حضر القضاة الأربعة، استفتاهم فى جواز أخذ أموال الناس لنفقة العسكر، فطال الكلام فى ذلك، وانفضّ المجلس على مانع، بعد جدال كبير. وفيه وصل رأس قرايلك، ومعها نحو من ثلاثين رأسا من أولاده وأمرائه، فأشهروهم على رماح، وزيّنت لهم القاهرة، ثم علّقت رأس قرايلك وأولاده على باب زويلة ثلاثة أيام، ثم دفنت. - وفيه أخلع السلطان على تغرى برمش التركمانى، أمير آخور كبير، وقرّره فى نيابة حلب، عوضا عن أينال الجكمى؛ وكتب بانتقال أينال الجكمى إلى دمشق، عوضا عن قصروه بحكم وفاته. وفيه وصل قاصد من عند إسكندر بن قرا يوسف، وعلى يده مكاتبة بأنه مع السلطان عونة على شاه روخ بن تمر لنك، فشكره على ذلك، وجهّز له هديّة بنحو عشرة آلاف دينار، وهو الذى كان سببا لقتل قرايلك كما تقدّم. - وفيه عرض السلطان سنيحه، وأخذ فى أسباب تعلّق السفر، وأشيع بعرض العسكر. - وفيه خرج شاد بك، أحد رءوس النوب، ومعه خلعة إلى محمد بك بن ذلغادر، وهو والد سليمان بك، ومعه مكاتبة من عند السلطان، بأن يسلّما جانى بك الصوفى إلى شاد بك ليحضره إلى السلطان. وفى جمادى الأولى، قرّر الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ فى نظر بندر جدّة، فخرج إليها مبادرا. - وفيه توفّى الطواشى خشقدم الزمام الظاهرى، وكان رومى الجنس، فترك له موجودا بنحو من مائة ألف دينار؛ ثم بعد موت خشقدم قرّر جوهر اللالا فى الزمامية، عوضا عنه. - وفيه رسم السلطان بإخراج من فى الثغور من تجّار الإفرنج. وفى جمادى الآخرة، عرض السلطان سائر الحبوس، وأفرج عمن بها قاطبة، فإن الغلاء كان موجودا، وضجّ من فى الحبوس من الجوع، ورسم السلطان للقضاة

стр. 1608

والحكّام، أن لا يسجنوا أحدا من أرباب الديون، وأن أصحاب الديون [يقسّطوا على المديون ويفرجوا عنه، وأصحاب الجرائم يقتلوا ولا يسجنوا، والسرّاق تقطع أيديهم ولا يسجنوا] (١)، فأطلقوا من كان فى الحبوس جميعا، وأغلقت سائر الحبوس قاطبة، فاستمرّ الحال على هذا مدّة يسيرة، ثم عاد إلى ما كان عليه الأمر. وفيه اشتدّ البرد بالقاهرة وضواحيها، حتى جمدت المياه فى البرك، وصار الناس يخرجون بالحمير والمزابل، ويأخذون الجليد ويبيعونه فى الأسواق بالرطل، فعدّ ذلك من النوادر؛ فلما دخل فصل الصيف اشتدّ الحرّ كما اشتدّ البرد. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة السيد الشريف مانع بن عطية بن منصور بن جماز، أمير المدينة المشرّفة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وقد مات قتيلا خارج المدينة المشرّفة من بعض أعدائه. وفيه حضر قاصد من عند شاه روخ، وعلى يده مكاتبة للسلطان، تتضمّن بأنه يخطب له بمصر، وأن يضرب السكّة باسمه، وأرسل للسلطان خلعة، وأنه النائب عن شاه روخ فى مملكته بمصر؛ فلما وقف السلطان على ذلك، كتم ذلك الأمر عن الأمراء والعسكر، ثم عزم على القاصد فى البحرة، وكان القاصد يسمّى الشيخ صفا، وهو من أبناء العجم. فلما استقرّ السلطان مع القاصد فى المجلس، وطلب السلطان الخلعة والتاج الذى بعثهم (٢) شاه روخ، وأمر السلطان بعض الفرّاشين أن يلبس الخلعة والتاج، فلبسهما ورقص بحضرة السلطان والقاصد، فضحك عليه السلطان، ثم طلب جفنة فيها نار، وأحرق الخلعة [بحضرة] (٣) القاصد، ثم قال للقاصد: «أيش أعظم ما تبهدلوا به الناس عندكم؟»، قال: «نرميهم بثيابهم فى الماء»، فسكت السلطان ساعة، ثم أمر بعض الخاصكية أن يرمى القاصد ومن معه فى البحرة، وهى معمّرة بالماء، فألقوهم فيها

стр. 1609

بأخفافهم وثيابهم، وصاروا كلما يطلعوا من الماء يغمسونهم، حتى أغمى عليهم، وكادوا أن يموتوا غمّا فى الماء، وكان القاصد، ويسمى الشيخ صفا، أغلظ على السلطان فى المجلس بالكلام اليابس؛ ثم إن السلطان أمر بنفى القاصد وجماعته إلى مكّة المشرّفة، فتوجّهوا إليها من البحر الملح، واختفى أمرهم عن شاه روخ، حتى أوقفه عن سرعة المجئ إلى البلاد السلطانية، فعدّ ذلك من حسن رأى الملك الأشرف برسباى، حتى يستقيم أمره فى خروج التجريدة. وفيه عاد شاد بك، الذى كان توجّه إلى ابن ذلغادر بسبب إحضار جانى بك الصوفى، وقد بلغ السلطان أنه قبض عليه وسجنه بالأبلستين، فلما وصل شاد بك إلى ذلغادر، وجده قد أطلق جانى بك الصوفى من السجن وأزوجه ابنته، وهو عنده فى أرغد عيش، فلما رجع شاد بك إلى السلطان بهذا الخبر، اضطربت أحواله من سائر الجهات، فكان كما قيل: ما بين طرفة عين وانتباهتها … يغيّر الله (١) من حال إلى حال فلما تحقّق السلطان إطلاق جانى بك الصوفى من السجن، وصهارته لابن ذلغادر، وتحرّك شاه روخ عليه، اشتدّ به القهر، وكان ذلك سببا لموته، كما سيأتى ذكر ذلك. وفى رجب، أخلع السلطان على القاضى محب الدين محمد بن عثمان بن سليمان الكردى التركمانى الحنفى، المعروف بابن الأشقر، واستقرّ كاتب السرّ بمصر، عوضا عن جمال الدين بن البارزى، بحكم توجّهه إلى دمشق؛ وقرّر الشهابى أحمد بن الأشقر فى مشيخة خانقة سرياقوس، عوضا عن أبيه محب الدين. وفيه جمع السلطان الأمراء وحلّفهم لنفسه، وكانوا يومئذ أربعة عشر أميرا، مقدّمين ألوف (٢)، فحلفوا الجميع أن لا يخرجوا عن طاعته، ثم عيّن منهم سبعة يسيرون قبله، ويقيمون بحلب، وسبعة يخرجون معه إذا سافر؛ وعيّن من المماليك السلطانية،

стр. 1610

وأجناد الحلقة، نحوا من ألفى مقاتل، ثم نفق عليهم، وأخذوا فى أسباب السفر إلى حلب، وقد بلغت النفقة على الأمراء سبعة آلاف (١) دينار. وفيه أدير المحمل على العادة، ولم يسوقوا الرماحة على العادة، ولا حرق نفطا بالرملة، فلم يكن لهم بهجة مثل العادة. - وفيه توفّى الشيخ مجد [الدين] (٢) أبو محمد الزواوى المغربى المالكى، وكان من الصالحين المعتقدين. - وفيه فتح سجن الرحبة، وسجن المقشرة، وتركوا الباقون. وفى شعبان، توفّى الشيخ بدر الدين محمد بن أحمد بن الأمانة (٣) الشافعى، وهو والد الشيخ جلال الدين بن الأمانة. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة فيروز شاه بن رستم، صاحب هرمز. - وفيه جاءت الأخبار بوقوع الطاعون ببلاد الصعيد، وقد جاء من بلاد اليمن. وفى رمضان، أخلع السلطان على خليل بن شاهين الصفوى، والد الشيخ عبد الباسط الحنفى، صاحب التاريخ، وقرّر فى الوزارة، عوضا عن التاج الخطيرى، وكان قد عكس حتى رجموه المماليك. - وفيه أنعم السلطان على قانصوه النوروزى، بتقدمة ألف بالشام. وفى شوال، توفّيت خوند جلبان الجركسية، زوجة السلطان، وهى أمّ ولده الجمالى يوسف، فكانت لها جنازة حافلة جدّا، ومشت الأمراء قدّامها إلى التربة. - وفيه أخلع السلطان على الأمير شاد بك، وقرّره فى نيابة الرّها، عوضا عن أينال الأجرود، ورسم بحضور أينال الأجرود إلى القاهرة، وقرّر فى نيابة صفد تمراز المؤيدى، عوضا عن الششمانى، وتوجّه الششمانى إلى القدس بطّالا. وفيه توفّى الشيخ الصالح الزاهد سعد الدين محمد العجلونى الشافعى، وكان عالما من أهل الخير والصلاح. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة المتوكل على الله أبو العباس أحمد

стр. 1611

صاحب تونس، وكان مشكور السيرة، يتظاهر بالعدل فى الرعيّة. - ومات بمكّة المشرّفة الشيخ المعتقد أبو طاهر المراكشى المغربى، نزيل مكّة المشرّفة. وفى ذى القعدة، قرّر فى قضاء الحنفية بدمشق، شمس الدين محمد الصفدى، عوضا عن بدر الدين الجعفرى. - وفيه أمر السلطان بمنع الناس [من ضرب] (١) الأوانى الفضّة، وأن تحمل الفضّة إلى دار الضرب، لتضرب دراهم. - وفيه اشتدّ البرد على الناس، وأفرط جدّا، بعد أن قلعوا الصوف، ودخل بشنس، فعادوا إلى لبس الصوف ثانيا، وأقاموا به أياما. وفى ذى الحجة، توفّى قرا سنقر أمير الحاج، وكان قد حجّ بالناس عدّة سنين، وهو صاحب المسجد الذى بالناصرية، وكان أمير عشرة، وله شقادف تخرج إلى العقبة، برسم الحجّاج المنقطعين. - وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة محمد بك بن ذلغادر، أمير المرعش، فوبّخه السلطان بالكلام، ثم سجنه بالبرج الذى بالقلعة. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة سلطان الهند، شهاب الدين أحمد شاه، الملقّب بالمظفر خان، وكان من خيار ملوك الهند. ثم دخلت سنة أربعين وثمانمائة فيها، فى مستهلّ المحرم، كانت وفاة الأديب البارع الفاضل زين الدين عبد الرحمن ابن محمد بن سلمان بن عبد الله المروزى الشافعى، المعروف بابن الخراط، وكان تولّى توقيع الدست (٢) بالقاهرة، ومولده سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله وأجاد: دبّ العذار بخّده ثم انثنى … فكأنه من وجنتيه مروّع نمل يحاول نقل حبّة خاله … فتمسّه نار الخدود فيرجع وفيه جاءت الأخبار بأن العسكر الذى خرج من القاهرة، دخل إلى حلب وأقام بها. - وفيه جاءت الأخبار من حلب أن خجا سودون قبض على قرمش الأعور،

стр. 1612

وكمشبغا الظاهرى، وقتلهما، وحزّ رءوسهما (١)، وبعث بهما إلى القاهرة، وكانا ممن خامر مع جانى بك الصوفى، وكانا من أعوانه. وفيه بدأ التوعّك فى بدن السلطان، وكان هذا ابتداء ضعف الموت، فرسم بإعادة ما كان أخذه من أجناد الحلقة على العبرة على إقطاعهم، وحصل لهم بذلك الضرر الشامل، وكان الأشرف يشدّد عليهم بسبب التجريدة، وألزمهم بأن يسافروا أو يقيموا لهم بديلا كاملا من سلاح وفرس وغير ذلك، فجار عليهم أركماس الظاهرى أمير دوادار كبير، حتى أن أكثرهم نزل عن إقطاعه وهرب من مصر، فجمعت هذه الأموال بمشقّة زائدة من أجناد الحلقة، فألهم الله تعالى الأشرف برسباى بأن يعاد لهم ما أخذ منهم، وسطّر أجر ذلك فى صحيفته إلى يوم القيامة، وكتب فى تاريخه، وعدّ من محاسنه. وأين هذه الفعلة مما فعله الأشرف قايتباى، فإنه ظلم الناس، وأخذ من أجرة الأماكن (٢) جميعها، والأوقاف، أجرة خمسة أشهر، وقبل ذلك شهرين، حتى أخذ من أوقاف البيمارستان، وانقطع معلوم الضعفاء والأيتام، وجمع هذا المال بمشقّة زائدة من الناس، على أن العسكر يتوجّه إلى ابن عثمان، فبطل أمر التجريدة، واستمرّ هذا المال مودعا عند تغرى بردى الأستادار، فما ألهمه الله تعالى أن يردّ المال إلى أربابه، بعد ما بطل أمر التجريدة، وسطّر ذلك فى صحيفته إلى يوم القيامة (٣)، بل ضيّع ذلك المال إلى غير أهله، ونفقه على المماليك والطواشية نفقة من غير سبب، ولا موجب لذلك، وصار إثمه عليه، وكتبت هذه السنّة السيئة فى صحيفته، ومات عقيب ذلك بمدّة يسيرة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلى العظيم، ظلم نفسه لغيره، وقد قيل: ولو إنّا إذا متنا استرحنا … لكان الموت راحة كل حىّ ولكنا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعد ذا عن كل شىّ

стр. 1613

وفيه كان وفاء النيل المبارك، ونزل المقر الجمالى يوسف بن السلطان، وكسر السدّ على العادة، وكان يوما مشهودا. - وفيه جاءت الأخبار بأن العسكر، الذى خرج من القاهرة، قد وصل إلى سيواس فى طلب جانى بك الصوفى، فوجدوا محمد بن ذلغادر قد توجّه [به] (١) إلى بلاد ابن عثمان ملك الروم. وفى صفر، توفّى الشيخ شمس الدين محمد من أولاد سيدى عبد القادر الكيلانى، ﵁، وكان من أهل الصلاح والخير. - وفيه قدم الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ من مكّة المشرّفة، وكان توجّه بسبب بندر جدّة، فلما حضر قرّر فى الوزارة، وصرف عنها خليل بن شاهين الصفوى، والد الشيخ عبد الباسط. وفى ربيع الأول، بعث السلطان خاصكى إلى تمراز المؤيدى، نائب صفد، بأن ينتقل إلى نيابة غزّة؛ وينتقل يونس الأعور من نيابة غزّة، إلى نيابة صفد. - وفيه وقعت حادثة، وهو أن سليمان بك بن أرخان بن محمد بن كرشجى بن عثمان ملك الروم، كان مقيما بالقلعة عند السلطان هو وأخته شاه زاده، فتسحّبا ونزلا من القلعة، على أنهما يتوجّها (٢) إلى بلادهما من البحر، وكان معهما مملوك أبيهما المسمّى طوغان، فقبض عليهم فى أثناء الطريق، وهم فى مركب نحو دمياط، فأحضروا الجميع بين يدى السلطان، فضرب سليمان بك علقة (٣) على رجليه، وكذلك أخته، وأمر بتوسيط مملوكهما طوغان، ووسّط معه ثمانية ممن كانوا صحبتهم فى المركب، وكانت حادثة صعبة، جاء شرّها على الناس بعد ذلك؛ واستمرّت شاه زادة فى القلعة، حتى مات الأشرف وتسلطن جقمق، فتزوّج [بها] (٤)، وكانت تسمّى خوند التركمانية، ثم تزوّجت بعده بالأمير برسباى البجاسى، وماتت معه. وفيه أشهر السلطان المناداة (٥) فى القاهرة، بأن لا فلاّح ولا غلام يلبس

стр. 1614

زنط (١) أحمر، فامتثلوا ذلك؛ ثم نادى بأن الغريب لأهلوا (٢)، ولا يقيم بالمدينة غريب، وسبب ذلك أنهم [وجدوا] (٣) مع شخص جاسوس كتبا من عند جانى بك الصوفى، إلى بعض الأمراء الذين (٤) بمصر؛ ثم نادى بأن الجنود (٥) الحلبية لا يقيمون بمصر، وكان لذلك سبب أوجب ذلك. - وفيه صرف سعد الدين بن المرة عن نيابة جدّة، وقرّر فيها جانى بك الثور، عوضا عنه. وفى ربيع الآخر (٦)، نزل السلطان من القلعة، وتوجّه إلى الرماية، ودخل من باب الشعرية، وطلع [من] (٧) البسطيين إلى القلعة، وكان له يوم مشهود. - وفيه توفّى الشيخ شرف الدين أحمد بن محمد بن صلاح، المعروف بابن السمسار، القاهرى الشافعى، وكان مولده سنة سبع وستين وسبعمائة، وكان من أعيان الشافعية، فاضلا فى العلم بالفقه والحديث، وتولّى عدّة وظائف جليلة، منها: قضاء الشافعية بدمشق، ومشيخة الصالحية (٨) بالقدس. وفى جمادى الأولى، وصل العسكر الذين توجّهوا إلى حلب صحبة الأتابكى جقمق العلاى، وبقيّة الأمراء، وقد توجّهوا إلى الأبلستين، ولم يظفروا بجانى بك الصوفى، وراح تعبهم فى البطّال. - وفيه صار السلطان يجلس بالإيوان الكبير، الذى بالقلعة، للحكم بين الناس، فى يوم السبت والثلاثاء، وأمر القضاة الأربعة أن يحضروا

стр. 1615

عنده فى ذلك اليومين (١)، ونادى فى القاهرة: «من له ظلامة فليحضر بين يدى السلطان فى الإيوان يوم السبت والثلاثاء»، واستمرّ ذلك مدّة ثم بطل. وفى جمادى الآخرة، أمر السلطان بحفر خليج الإسكندرية، فندب إلى ذلك عظيم الدولة الزينى عبد الباسط ناظر الجيش، والأمير يشبك المشدّ حاجب الحجّاب، والأمير أينال الأجرود نائب الرّها، أحد المقدّمين، وصحبتهم الوزير ابن كاتب المناخ، فتوجّهوا لحفر الخليج، وكان قد طمّ بالرمال. - وفيه قرّر كمال الدين (٢) بن البارزى فى قضاء الشافعية بدمشق، فخرج إليها من غير سعى منه، وصرف عنها السراج الحمصى. وفى رجب، أدير المحمل على العادة، وساقوا الرماحة على جارى العادة، ولكن حصل من المماليك الأجلاب غاية الأذى فى حقّ الناس، [وصاروا يخطفون النساء والشباب، وخطفوا أشياء من الزينة] (٣)، وحصل منهم الضرر الشامل. - وفيه تزايدت ضخامة الأمير جوهر الخازندار اللالا، حتى صار صاحب الحلّ والعقد فى أمور المملكة، ووقع له أشياء لم تتّفق لغيره من الخدّام، منها: أن السلطان قرّره فى قضاء دمياط، عوضا عن الكمال بن البارزى، ومنها أنه فوّض إليه السلطان التكلّم على وقف الطرحاء، ورفعت عنه يد قاضى القضاة بدر الدين العينى، ووقع له أشياء غريبة حتى عدّت (٤) من النوادر؛ وهو الذى أنشأ فى المصنع تلك المدرسة، وجاءت غاية فى الحسن، وفيه يقول الشهاب المنصورى شعرا: أمير قد بنى (٥) لله بيتا … فأسّسه على التقوى وعمّر وفصّله عقودا محكمات … فأشهد أنهن عقود جوهر وفيه أخلع السلطان على الصاحب خليل والد الشيخ عبد الباسط، واستقرّ فى أمرية الحاج. - وفيه أخلع السلطان على الأمير أبنال [الأجرود] (٦)، وقرّره فى
следующие страницы →