صاحب تونس، وكان مشكور السيرة، يتظاهر بالعدل فى الرعيّة. - ومات بمكّة المشرّفة الشيخ المعتقد أبو طاهر المراكشى المغربى، نزيل مكّة المشرّفة.
وفى ذى القعدة، قرّر فى قضاء الحنفية بدمشق، شمس الدين محمد الصفدى، عوضا عن بدر الدين الجعفرى. - وفيه أمر السلطان بمنع الناس [من ضرب] (١) الأوانى الفضّة، وأن تحمل الفضّة إلى دار الضرب، لتضرب دراهم. - وفيه اشتدّ البرد على الناس، وأفرط جدّا، بعد أن قلعوا الصوف، ودخل بشنس، فعادوا إلى لبس الصوف ثانيا، وأقاموا به أياما.
وفى ذى الحجة، توفّى قرا سنقر أمير الحاج، وكان قد حجّ بالناس عدّة سنين، وهو صاحب المسجد الذى بالناصرية، وكان أمير عشرة، وله شقادف تخرج إلى العقبة، برسم الحجّاج المنقطعين. - وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة محمد بك بن ذلغادر، أمير المرعش، فوبّخه السلطان بالكلام، ثم سجنه بالبرج الذى بالقلعة. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة سلطان الهند، شهاب الدين أحمد شاه، الملقّب بالمظفر خان، وكان من خيار ملوك الهند.
ثم دخلت سنة أربعين وثمانمائة
فيها، فى مستهلّ المحرم، كانت وفاة الأديب البارع الفاضل زين الدين عبد الرحمن ابن محمد بن سلمان بن عبد الله المروزى الشافعى، المعروف بابن الخراط، وكان تولّى توقيع الدست (٢) بالقاهرة، ومولده سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله وأجاد:
دبّ العذار بخّده ثم انثنى … فكأنه من وجنتيه مروّع
نمل يحاول نقل حبّة خاله … فتمسّه نار الخدود فيرجع
وفيه جاءت الأخبار بأن العسكر الذى خرج من القاهرة، دخل إلى حلب وأقام بها. - وفيه جاءت الأخبار من حلب أن خجا سودون قبض على قرمش الأعور،
стр. 1612
وكمشبغا الظاهرى، وقتلهما، وحزّ رءوسهما (١)، وبعث بهما إلى القاهرة، وكانا ممن خامر مع جانى بك الصوفى، وكانا من أعوانه.
وفيه بدأ التوعّك فى بدن السلطان، وكان هذا ابتداء ضعف الموت، فرسم بإعادة ما كان أخذه من أجناد الحلقة على العبرة على إقطاعهم، وحصل لهم بذلك الضرر الشامل، وكان الأشرف يشدّد عليهم بسبب التجريدة، وألزمهم بأن يسافروا أو يقيموا لهم بديلا كاملا من سلاح وفرس وغير ذلك، فجار عليهم أركماس الظاهرى أمير دوادار كبير، حتى أن أكثرهم نزل عن إقطاعه وهرب من مصر، فجمعت هذه الأموال بمشقّة زائدة من أجناد الحلقة، فألهم الله تعالى الأشرف برسباى بأن يعاد لهم ما أخذ منهم، وسطّر أجر ذلك فى صحيفته إلى يوم القيامة، وكتب فى تاريخه، وعدّ من محاسنه.
وأين هذه الفعلة مما فعله الأشرف قايتباى، فإنه ظلم الناس، وأخذ من أجرة الأماكن (٢) جميعها، والأوقاف، أجرة خمسة أشهر، وقبل ذلك شهرين، حتى أخذ من أوقاف البيمارستان، وانقطع معلوم الضعفاء والأيتام، وجمع هذا المال بمشقّة زائدة من الناس، على أن العسكر يتوجّه إلى ابن عثمان، فبطل أمر التجريدة، واستمرّ هذا المال مودعا عند تغرى بردى الأستادار، فما ألهمه الله تعالى أن يردّ المال إلى أربابه، بعد ما بطل أمر التجريدة، وسطّر ذلك فى صحيفته إلى يوم القيامة (٣)، بل ضيّع ذلك المال إلى غير أهله، ونفقه على المماليك والطواشية نفقة من غير سبب، ولا موجب لذلك، وصار إثمه عليه، وكتبت هذه السنّة السيئة فى صحيفته، ومات عقيب ذلك بمدّة يسيرة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلى العظيم، ظلم نفسه لغيره، وقد قيل:
ولو إنّا إذا متنا استرحنا … لكان الموت راحة كل حىّ
ولكنا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعد ذا عن كل شىّ
стр. 1613
وفيه كان وفاء النيل المبارك، ونزل المقر الجمالى يوسف بن السلطان، وكسر السدّ على العادة، وكان يوما مشهودا. - وفيه جاءت الأخبار بأن العسكر، الذى خرج من القاهرة، قد وصل إلى سيواس فى طلب جانى بك الصوفى، فوجدوا محمد بن ذلغادر قد توجّه [به] (١) إلى بلاد ابن عثمان ملك الروم.
وفى صفر، توفّى الشيخ شمس الدين محمد من أولاد سيدى عبد القادر الكيلانى، ﵁، وكان من أهل الصلاح والخير. - وفيه قدم الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ من مكّة المشرّفة، وكان توجّه بسبب بندر جدّة، فلما حضر قرّر فى الوزارة، وصرف عنها خليل بن شاهين الصفوى، والد الشيخ عبد الباسط.
وفى ربيع الأول، بعث السلطان خاصكى إلى تمراز المؤيدى، نائب صفد، بأن ينتقل إلى نيابة غزّة؛ وينتقل يونس الأعور من نيابة غزّة، إلى نيابة صفد. - وفيه وقعت حادثة، وهو أن سليمان بك بن أرخان بن محمد بن كرشجى بن عثمان ملك الروم، كان مقيما بالقلعة عند السلطان هو وأخته شاه زاده، فتسحّبا ونزلا من القلعة، على أنهما يتوجّها (٢) إلى بلادهما من البحر، وكان معهما مملوك أبيهما المسمّى طوغان، فقبض عليهم فى أثناء الطريق، وهم فى مركب نحو دمياط، فأحضروا الجميع بين يدى السلطان، فضرب سليمان بك علقة (٣) على رجليه، وكذلك أخته، وأمر بتوسيط مملوكهما طوغان، ووسّط معه ثمانية ممن كانوا صحبتهم فى المركب، وكانت حادثة صعبة، جاء شرّها على الناس بعد ذلك؛ واستمرّت شاه زادة فى القلعة، حتى مات الأشرف وتسلطن جقمق، فتزوّج [بها] (٤)، وكانت تسمّى خوند التركمانية، ثم تزوّجت بعده بالأمير برسباى البجاسى، وماتت معه.
وفيه أشهر السلطان المناداة (٥) فى القاهرة، بأن لا فلاّح ولا غلام يلبس
стр. 1614
زنط (١) أحمر، فامتثلوا ذلك؛ ثم نادى بأن الغريب لأهلوا (٢)، ولا يقيم بالمدينة غريب، وسبب ذلك أنهم [وجدوا] (٣) مع شخص جاسوس كتبا من عند جانى بك الصوفى، إلى بعض الأمراء الذين (٤) بمصر؛ ثم نادى بأن الجنود (٥) الحلبية لا يقيمون بمصر، وكان لذلك سبب أوجب ذلك. - وفيه صرف سعد الدين بن المرة عن نيابة جدّة، وقرّر فيها جانى بك الثور، عوضا عنه.
وفى ربيع الآخر (٦)، نزل السلطان من القلعة، وتوجّه إلى الرماية، ودخل من باب الشعرية، وطلع [من] (٧) البسطيين إلى القلعة، وكان له يوم مشهود. - وفيه توفّى الشيخ شرف الدين أحمد بن محمد بن صلاح، المعروف بابن السمسار، القاهرى الشافعى، وكان مولده سنة سبع وستين وسبعمائة، وكان من أعيان الشافعية، فاضلا فى العلم بالفقه والحديث، وتولّى عدّة وظائف جليلة، منها: قضاء الشافعية بدمشق، ومشيخة الصالحية (٨) بالقدس.
وفى جمادى الأولى، وصل العسكر الذين توجّهوا إلى حلب صحبة الأتابكى جقمق العلاى، وبقيّة الأمراء، وقد توجّهوا إلى الأبلستين، ولم يظفروا بجانى بك الصوفى، وراح تعبهم فى البطّال. - وفيه صار السلطان يجلس بالإيوان الكبير، الذى بالقلعة، للحكم بين الناس، فى يوم السبت والثلاثاء، وأمر القضاة الأربعة أن يحضروا
стр. 1615
عنده فى ذلك اليومين (١)، ونادى فى القاهرة: «من له ظلامة فليحضر بين يدى السلطان فى الإيوان يوم السبت والثلاثاء»، واستمرّ ذلك مدّة ثم بطل.
وفى جمادى الآخرة، أمر السلطان بحفر خليج الإسكندرية، فندب إلى ذلك عظيم الدولة الزينى عبد الباسط ناظر الجيش، والأمير يشبك المشدّ حاجب الحجّاب، والأمير أينال الأجرود نائب الرّها، أحد المقدّمين، وصحبتهم الوزير ابن كاتب المناخ، فتوجّهوا لحفر الخليج، وكان قد طمّ بالرمال. - وفيه قرّر كمال الدين (٢) بن البارزى فى قضاء الشافعية بدمشق، فخرج إليها من غير سعى منه، وصرف عنها السراج الحمصى.
وفى رجب، أدير المحمل على العادة، وساقوا الرماحة على جارى العادة، ولكن حصل من المماليك الأجلاب غاية الأذى فى حقّ الناس، [وصاروا يخطفون النساء والشباب، وخطفوا أشياء من الزينة] (٣)، وحصل منهم الضرر الشامل. - وفيه تزايدت ضخامة الأمير جوهر الخازندار اللالا، حتى صار صاحب الحلّ والعقد فى أمور المملكة، ووقع له أشياء لم تتّفق لغيره من الخدّام، منها: أن السلطان قرّره فى قضاء دمياط، عوضا عن الكمال بن البارزى، ومنها أنه فوّض إليه السلطان التكلّم على وقف الطرحاء، ورفعت عنه يد قاضى القضاة بدر الدين العينى، ووقع له أشياء غريبة حتى عدّت (٤) من النوادر؛ وهو الذى أنشأ فى المصنع تلك المدرسة، وجاءت غاية فى الحسن، وفيه يقول الشهاب المنصورى شعرا:
أمير قد بنى (٥) لله بيتا … فأسّسه على التقوى وعمّر
وفصّله عقودا محكمات … فأشهد أنهن عقود جوهر
وفيه أخلع السلطان على الصاحب خليل والد الشيخ عبد الباسط، واستقرّ فى أمرية الحاج. - وفيه أخلع السلطان على الأمير أبنال [الأجرود] (٦)، وقرّره فى
стр. 1616
نيابة صفد، عوضا عن يونس الأعور؛ وأنعم بتقدمة أينال على قراجا شاد الشراب خاناه؛ وقرّر أينال الخازندار الأشرفى فى شادية الشراب خاناه، وقرّر على باى الأشرفى فى الخازندارية، عوضا عن أينال.
وفيه رسم السلطان بهدم الدير الذى كان بالوجه البحرى، وكان قد زاد اعتقاد النصارى فيه، حتى [كانوا] (١) يحجّون إليه فى يوم معلوم من السنة، فكتب شخص، يقال له الشيخ ناصر الدين الطنتتاوى، محضرا بما قاله النصارى فى ذلك (٢) الدير، فرسم السلطان لقاضى القضاة المالكى شمس الدين البساطى بأن ينظر فى هذه الواقعة، فقامت عنده البيّنة بما كتب فى المحضر، فحكم بهدمه، فرسم السلطان لجانى بك الأستادار بأن يتوجّه لهدمه، فخرج وصحبته جماعة من البنائين، وهدم ذلك الدير، وأحرق عظام من كان به مدفونا من عباد النصارى، وبطل الاعتقاد الفاسد؛ وهذه الواقعة تقرب من واقعة عقدة أصبع الشهيد، التى أحرقت فى دولة ابن قلاوون على يد الأمير صرغتمش رأس نوبة كبير. - وفيه توفّى أرغون شاه النوروزى، الذى كان تولّى الوزارة والأستادارية، وكان من الظلمة الكبار، ظهر منه أمور فاحشة فى أيام ولايته.
وفى شعبان، كثر الإشاعات بسفر السلطان إلى حلب، وقد بلغه أن ابن عثمان ملك الروم قائم (٣) مع جانى بك الصوفى، وأمدّه بالعساكر. - وفيه خرج كمال الدين بن البارزى إلى الشام، وقد تولّى كاتب سرّ دمشق، وقضاء الشافعية بها، وخرج معه الأمير جكم خال المقر الجمالى يوسف بن السلطان، ليكون متسفّرا له.
وفى رمضان، كان ختم البخارى بالقصر الكبير، وأخلع على قضاة القضاة، ومشايخ العلم، وكان مجلسا حافلا، وختم البخارى على أحسن وجه.
وفى شوال، صرف العلاّمة شهاب الدين بن حجر عن القضاء، وأعيد إليها
стр. 1617
علم الدين صالح البلقينى. - وفيه توفّى القاضى شمس الدين بن الحلاوى، وكيل بيت المال، وقرّر فى الوكالة نور الدين بن مفلح. - وفيه خرج [الحاج] (١) من القاهرة، وكان أمير الركب الغرسى خليل والد الشيخ عبد الباسط الحنفى. - وفيه قرّر فى نيابة الإسكندرية عبد الرحمن بن الكويز، وكان من جملة الدوادارية الصغار.
وفى ذى القعدة، جاءت الأخبار بأن عيسى بك بن قرمان مات قتيلا، فى حرب كان بينه وبين أخيه إبراهيم بك؛ ومات قرقماس أمير آل فضل من أولاد نعير بن حيار بن مهنا.
وفى ذى الحجة، صرف محب الدين بن الأشقر عن كتابة السرّ، وقرّر بها الأمير صلاح الدين محمد بن نصر الله، وكان فى زىّ الأتراك [يشدّ السيف فى وسطه ويلبس الكلفتاه] (٢)، ويقف مع الأمراء، فلما قرّر فى كتابه السرّ، لبس العمامة وعاد إلى زىّ الفقهاء، فعدّ ذلك من النوادر. - وفيه توفّى الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الهيثمى الشافعى، وكان من أعيان الشافعية، مولده سنة ثمانين وسبعمائة، وكان من طلبة الشيخ زين الدين العراقى.
وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب صنعاء اليمن، وكان من خيار ملوك اليمن، وقد أقام فى مملكته باليمن نحوا من ست وأربعين (٣) سنة، وكان يلقّب بالمنصور؛ ثم بعد موته تولّى بعده ابنه صلاح الدين محمد ويلقّب بالناصر لدين الله، فأقام فى الملك بعد أبيه ثمانية وعشرين يوما؛ فلما مات تولّى بعده ابن عم أبيه، ويلقّب بالمهدى، وكان أيامه كلها فتن وشرور قائمة.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين (٤) وثمانمائة
فيها فى المحرم، ثارت فتنة من المماليك الجلبان، ونزلوا من الأطباق مشاة، وتوجّهوا إلى بيوت المباشرين من أعيان الدولة ونهبوها، وسبب ذلك [أنهم] (٥)
стр. 1618
أرادوا الزيادة فى جوامكهم، فإن الشعير والتبن كانا مرتفعين الأسعار (١)، ولا يوجدا. - وفيه دخل الحاج إلى القاهرة مع السلامة.
وفيه جاءت الأخبار بأن نائب حلب بلغه أن جانى بك الصوفى نازل (٢) بالمرعش، وهو فى أناس قلائل، فجمع [عساكر] (٣) حلب، وتوجّه على حين غفلة، وكبس عليه، ففرّ مع ناصر الدين بن ذلغادر، فنهب العسكر بلاد ابن ذلغادر وأحرقوها، فلما جاء هذا الخبر، فسرّ به السلطان.
وفى صفر، كان وفاء النيل المبارك، أوفى (٤) رابع عشرين مسرى، ونزل المقر الجمالى يوسف بن السلطان، وكسر السدّ على العادة، وكان يوما مشهودا، وكان آخر نزوله إلى كسر السدّ. - وفيه أخلع السلطان على الغرسى خليل بن شاهين الصفوى، والد الشيخ عبد الباسط الحنفى، وقرّر فى نيابة الكرك، عوضا عن عمر شاه. - وفيه أخلع السلطان على القاضى جلال الدين أبى السعادات بن ظهيرة، واستقرّ فى قضاء الشافعية بمكّة المشرّفة، وكان قد حضر صحبة الحاج وأشيع عزله، فتكلّم له الصلاح بن نصر الله كاتب السرّ مع السلطان، وسعى بمال حتى أبقاه على عادته.
وفيه نودى على النيل المبارك، فى أول يوم من توت، وهو يوم النوروز، أصبع من إحدى وعشرين ذراعا، حتى عدّ ذلك من النوادر، وقد قيل فى المعنى:
أرى النيل قد أوفى (٤) وزاد ولم يزل … يجود على أهل القرى بالمكارم
أفاض عليها الماء من بسط راحة … أصابعها فاقت أيادى حاتم
وكان منتهى الزيادة فى تلك السنة خمسة عشر أصبعا من إحدى وعشرين ذراعا، واستمرّ ثابتا.
стр. 1619
وفى ربيع الأول، كانت وفاة القاضى سعد الدين إبراهيم بن كاتب جكم، ناظر الخواص الشريفة، وهو شقيق الجمالى يوسف ناظر الخاص، فمات ولم يكمل الثلاثين سنة من العمر، وكان ريسا حشما فى سعة من المال؛ وكان جدّهما يسمّى بركة القبطى المصرى، ولما مات دفن بالقرافة عند أبيه، ثم نقله الجمالى يوسف فى تربته التى أنشأها فى الصحراء؛ ثم إن السلطان أخلع على أخيه الجمالى يوسف، وقرّره فى نظر الخاص، عوضا عن أخيه إبراهيم.
وفى ربيع الآخر، جاءت الأخبار بأن مدينة عدن من أعمال اليمن قد احترقت عن آخرها، بسبب فتنة كانت بين الظاهر صاحب عدن، وبين عمّه صاحب زبيد، وقتل فى هذه الحركة ما لا يحصى من العساكر اليمنى. - وفيه جاءت الأخبار من مدينة فاس (١) من أعمال بلاد المغرب، بأن وقع بها فتنة عظيمة، بين صاحب فاس (١) وبين الإفرنج، فأحاطت بها الإفرنج [ودام صاحب فاس فى المحاصرة نحوا من ستة أشهر، وآخر الأمر انتصر صاحب فاس على الفرنج] (٢)، بعد ما وقع بينهما أمور يطول شرحها عن هذا المختصر.
[وفى] (٣) جمادى الأولى، أرسل السلطان خلف تمراز المؤيدى نائب غزّة، فلما حضر، قيّد ونفى إلى الإسكندرية، وقرّر فى نيابة غزّة آقبردى القجماسى
وفيه وصلت رأس جانى بك الصوفى إلى القاهرة، وكان سبب قتله أنه توجّه إلى محمد بك بن قرايلك، ونزل عنده، وكان جانى بك الصوفى فرّ من ذلغادر إلى بلاد ابن عثمان، فصار تغرى برمش نائب حلب يستميل التركمان، وينعم عليهم بالأموال الجزيلة، وأرسل إلى أولاد قرايلك خمسة آلاف دينار ليقبضوا على جانى بك الصوفى؛ فلما بلغ جانى بك الصوفى ذلك، بادر ليفرّ من عند أولاد قرايلك، فخرج من عندهم لينجو بنفسه، فأدركه جماعة من أولاد قرايلك، فقتلوه وحزّوا رأسه وبعثوا بها إلى نائب حلب، فبعثها نائب حلب إلى السلطان فى علبة، فطيف بها فى القاهرة،
стр. 1620
وعلّقت على باب زويلة ثلاثة أيام، ثم رميت فى سراب جامع الحاكم، فما شكر السلطان على ذلك، وكان أكثر الفلكية يلهج بأن جانى بك الصوفى [لا بدّ أن] (١) بلى السلطنة ولو بعد حين، فكذبوا فى ذلك، وكانت قتلته فى سادس عشرين ربيع الأول (٢) من هذه السنة؛ وكانت هذه الواقعة تقرب من واقعة منطاش مع الظاهر برقوق؛ فلما قتل جانى بك الصوفى، فأجرى الله تعالى على ألسنة الناس بأن السلطان قد انتهى سعده، ولا بقى يعيش بعد ذلك، وكان الأمر كذلك، والفأل موكل بالمنطق، كما قيل فى المعنى:
لا تنطقن بما كرهت فربما … نطق اللسان بحادث سيكون
وفيه توفّى الشيخ عبد الملك محمد بن الزنكلونى الشافعى، وكان من الصالحين المعتقدين. - وفيه طلب السلطان القاضى نور الدين بن سالم، أحد نوّاب الحكم عن القاضى الشافعى، وكان قد شكاه بعض الناس فى حكم حكمه لم يرض به أربابه، فضربه السلطان ضربا مبرحا، وقصد إشهاره، فشفع فيه بعض الناس، وكان ابن سالم مظلوما فى هذه الواقعة، ولكن تعصّبوا عليه الأعداء
وفى جمادى الآخرة، جاءت الأخبار بأن الطاعون قد وقع بدمشق، وفتك فى أهلها فتكا ذريعا. - وفيه ابتدأ الضعف بجسد السلطان.
وفى رجب، أدير المحمل على العادة، وساقوا الرماحة، ولكن حصل فيه من المماليك غاية الفساد، [وصاروا يخطفون الغمائم جهارا] (٣)، وقد زادوا فى تلك السنة جدّا، وكان ذلك آخر سنّتهم فى الفتك والضرر. - وفيه خنق تمراز المؤيدى وهو فى السجن بثغر الإسكندرية، وكان مستحقّا لذلك.
وفيه عرض السلطان العسكر، وعيّن تجريدة إلى جهة حلب، وعيّن فيها
стр. 1621
ثمانية (١) أمراء مقدّمين، وهم: قرقماس الشعبانى أمير سلاح، وآقبغا التمرازى أمير مجلس، وجانم الأشرفى، قريب السلطان، أمير آخور كبير، وأركماس الظاهرى أمير دوادار كبير، وتمراز الدقماقى رأس نوبة كبير، ويشبك المشدّ [الشعبانى] (٢) حاجب الحجّاب، وخجا سودون أحد المقدّمين، وقراجا الأشرفى، ومن المماليك السلطانية ألف مملوك.
وفيه نودى أن أحدا من العبيد لا يخرج من بعد المغرب، ولا يحمل سلاجا ولا عصاة، وكان العبيد قد تزايد أذاهم فى حقّ الناس؛ ورسم بمنع المماليك من نزولهم من الأطباق، فما سمعوا له شيئا من ذلك. - وفيه نفق السلطان للأمراء المتعيّنين للتجريدة، فبعث لكل أمير مقدّم ألف، الف دينار (٣)، وأمير سلاح ثلاثة آلاف دينار. - وفيه جاءت الأخبار بوقوع الطاعون ببلاد الصعيد، قبل ان يدخل مصر، فعدّ ذلك من النوادر.
وفيه توعّك جسد السلطان ولزم الفراش، فتضدّق على الفقراء بنحو من ثلاثة آلاف دينار، فحصل له الشفاء وركب ونزل وزار القرافة، وأخلع على الأطباء، ثم نزل إلى خليج الزعفران، ورجع وشقّ من القاهرة، فلما دخل من باب النصر، نزل عن فرسه ودخل إلى جامع الحاكم، وكان قد ذكر له أن بهذا الجامع دعامة تحتها ذهب، فطمع أن يظفر به، فقيل له إن الدعامة التى (٤) تحتها الذهب غير معيّنة، فيحتاج إلى هدم الدعائم التى بالجامع كلها، حتى يظفر بالدعامة التى تحتها الذهب، إن صحّ ذلك، فأشار القاضى عبد الباسط بترك ذلك، وأن هذا كذب ليس له حقيقة، فركب من الجامع وعاد إلى القلعة.
قلت: «ووقعت هذه المسألة بعينها فى دولة الأشرف قانصوه الغورى، فى أواخر
стр. 1622
سنة أربع عشرة (١) وتسعمائة، فبعث السلطان خاير بك الخازندار، وجماعة آخرين، إلى جامع الحاكم، فقيل لهم كما قيل للأشرف برسباى، إن هذه الدعامة التى تحتها الذهب ليست بمعيّنة، وتحتاج إلى هدم جميع الدعائم حتى تظفروا بشئ إن كان»، فرجعوا عن ذلك.
وفيه قرّر فى نيابة جدّة الخواجا بدر الدين حسن بن الخواجا شمس الدين بن المزلق، وعيّن صحبته سعد الدين بن المرة مباشر جدّة على عادته. - وفيه وقعت زلزلة خفيفة بالقاهرة، ماجت الأرض منها مرّتين. - وفيه خرجت التجريدة المقدّم ذكرها، ولم يكن بها عسكر سوى الأمراء المقدّمين ومماليكهم فقط، وكان السلطان له غرض تام فى خروج تلك الأمراء المقدّمين المتمرّدين، حتى يصفو (٢) لولده الوقت من بعده إذا تسلطن، فجاء الأمر بخلاف ذلك، ويأبى (٣) الله إلاّ ما أراد.
وفيه ابتدأ الطاعون بمصر، فعمل أولا فى البقر، حتى مات منهم ما لا يحصى عدده، وقد عزّ وجود اللحم البقرى جدّا، ثم عاد الطعن فى الأطفال والمماليك والعبيد والجوار ففتك بهم فتكا ذريعا؛ وكان الفصل الثانى الذى وقع فى أيام الأشرف برسباى، وقد عمّ الوباء مصر وأعمالها، وكان له نحو من ثلاث سنين وهو طائف فى البلاد، حتى دخل إلى بلاد الإفرنج وبلاد الشمال، حتى الواحات الداخلة، وبلاد الزنج، وغير ذلك من البلاد.
وفى شعبان، توفّى العلاّمة محمد البخارى العجمى الحنفى، وكان عالما فاضلا، معظّما عند الملوك وسائر الناس، ومولده سنة تسع وسبعين وسبعمائة، ولما قدم من بلاد العجم أقام بالخانقاة الشيخونية، وقد لاعبه بعض اللطفاء فى مليح، قد كان يهيم به، بقوله:
مليح رخيم الدلّ وافى (٤) مواصلا … موافقة منه على رغم لوّمى
стр. 1623
وقالوا على شرط البخارىّ قد أتى … فقلت على شرط البخارى ومسلم
وقال آخر:
يقولون وصل المرد هل هو جائز … لمن هو منهم بالصبابة مغرم
فقلت لهم إن البخارىّ قائل … بذاك ولكن لم يوافقه مسلم
وفيه توفّى الشيخ علاء الدين الرومى الحنفى، وكان عالما فاضلا محقّقا.
وفى رمضان، تزايد أمر الوباء بمصر جدّا. - وفيه كان ختم البخارى، فلما اجتمع القضاة الأربعة ومشايخ العلم، شكا (١) لهم السلطان من أمر تزايد الطاعون بالقاهرة، فقالوا له: «إنما يظهر الطاعون فى قوم إذا فشا فيهم الزنا، وأن النساء قد تزايد خروجهن فى الطرقات، وهن متبهرجات ليلا ونهارا فى الأسواق»، فأشار بعض العلماء على السلطان بمنع النساء من خروجهن إلى الطرقات، إلاّ إلى الحمام فقط، فمال السلطان إلى ذلك، ونادى فى مصر والقاهرة وظواهرها، بمنع النساء قاطبة من الخروج من بيوتهن إلى الطرقات، وصار الوالى والحجّاب يتتبعون النساء فى الطرقات، ويضربوا من يجدوا (٢) منهن راكبا أو ماشيا.
فحصل للناس الضرر الشامل، ووقف حال التجّار فى الأسواق، وقلّ البيع والشراء، ولا سيما كان الموت عمّالا، فكانت الأمرأة لا تمشى خلف جنازة، ولو كان ابنها أو أخوها (٣)، وكانت الغاسلة إذا خرجت تغسل ميّتة، تأخذ ورقة من عند المحتسب، وتجعلها فوق عصابتها مخيّطة فى الإزار (٤) حتى يعلم أنها غاسلة، وشدّدوا على النساء غاية التشديد. - وفيه عرض السلطان أهل السجون، من الرجال والنساء، وأطلقهم عن آخرهم، وغلقت الحبوس قاطبة، ولكن لم يحصل من هذه الفعلة للناس خير (٥)، وكثرت السرّاق بالقاهرة، وامتنع من كان عليه الدين من إعطائه،
стр. 1624
وضاعت حقوق الناس، كما قيل:
رام نفعا فضرّ من غير قصد … ومن البرّ ما يكون عقوقا
وفيه صرف الصلاح بن نصر الله عن الحسبة، وقرّر بها دولات خجا الظالم الغاشم. - وفيه جاء جراد كثير حتى سدّ الفضاء، وخاف الناس من ذلك، واستمرّ عدّة أيام، ثم رحل عن القاهرة. - وفيه طلع شخص من الأسافل إلى السلطان، وقال: «اجعلنى فى التحدّث فى مواريث النصارى واليهود، وإنى أحمل من المال للخزائن الشريفة ما هو كيت وكيت فى كل شهر»، فأجابه السلطان إلى ذلك، ورفع يد (١) بترك النصارى واليهود من التحدّث فى ذلك، وأبطل العادة القديمة.
وفيه خرج الأمير جكم خال العزيز إلى الوجه البحرى لهدم دير المغطس، الذى كان عند الملاحات بالقرب من بحيرة البرلس، وكانت النصارى تحجّ إليه فى عيد الغطاس، ويسمّونه عيد الطهور، وكانت تحدث فيه من المنكرات ما لا يوصف شرحه، فقام فى هدمه الشيخ محمد الطنتتاوى، ووقف للسلطان عدّة مرار حتى هدم ذلك الدير، وبطل أمره. - وفيه جاءت الأخبار بأن مات بغزّة فى هذا الطاعون، نحوا من اثنى عشر ألف إنسان.
وفى شوال، طفش الموت بالقاهرة جدّا، وكان قوّة عمله فى الصليبة، وجامع ابن طولون، وقناطر السباع، وتلك النواحى، وصار دولات خجا [المحتسب] (٢) يجور على [الناس] (٣)، ويحجر عليهم فى أمر الجنائز، حتى تمنّى كل أحد أن يموت من يده، وقد تزايد أذاه جدّا؛ وكان هذا العيد من أنكد الأعياد على الناس، وقد اشتدّ فيه البرد، وقوى الطعن، وهبّت فى الجوّريح عاصف، وهلك فيه فى تلك الأيام من الدواب والناس ما لا يحصى، وقيل فى ذلك:
стр. 1625
تغبّر فى مصر الهواء بأهلها … ولقد علاه صفرة وتحول
وصحّ بها موت النسيم وكيف لا … وقد جاءه الطاعون وهو عليل
وفيه رسم السلطان للأمير أسنبغا الطيارى، بأن يكبس حارة زويلة، والجوانية، والعطوف، وقنطرة سنقر، والحكر، والكوم، وأن يهجم بيوت اليهود والنصارى، ويكسر ما عندهم من الخمور قاطبة؛ وكان أسنبغا الطيارى قد قرّر فى الحجوبية الثانية، عوضا عن جانى بك البواب بحكم وفاته، فما أبقى أسنبغا الطيارى فى ذلك ممكن (١)، وكسر نحوا من عشرة آلاف جرّة، ثم حجر على بنات الخطا ومنعهم (٢) من عمل الفاحشة، وكتب عليهم (٢) قسامة (٣) وأمرهم بأن يتزوّجوا (٢) وإلاّ يحجرهم (٢)، وفى هذه الواقعة يقول بعضهم دو بيت (٤):
الخمر فيه منافع لا تحصى … والنيك به جاء كتاب نصّا
لا أترك ذا ولا ذا أبدا … لو يقطع كل كرمة أو أخصى
وفيه أعيد الحافظ شهاب الدين بن حجر إلى قضاء الشافعية، وصرف عنها علم الدين صالح البلقينى، وهذه أربع ولايات وقعت لابن حجر فى دولة الأشرف برسباى. - وفيه كثر الموت فى المماليك والخدم والعبيد والجوار بالقلعة، فداخل السلطان الخوف والفزع على نفسه، وكان حاسّا بالموت.
وفيه ركب السلطان وتوجّه إلى خليج الزعفران، وأقام به حتى آخر النهار، فلما عاد فرّق على الفقراء أنصاف فضّة، فتكاثروا عليه حتى سقط عن فرسه، فحصل له حنق من ذلك، فطلب سلطان الحرافيش، وشيخ الطوائف، وألزمهما بأن يمنعوا الجعيدية من الشحاتة فى الطرقات، وأن لا يشحت سوى العميان وذوى العاهات فقط، ورسم للجعيدية أن يخرجوا للعمل فى الحفير، فامتنعوا من ذلك، وهربوا نحو بلاد الصعيد.
стр. 1626
وفيه خرج المحمل من القاهرة، وكان أمير الركب آقبغا التركمانى، وكان الحاج فى تلك السنة [قليلا] (١) جدّا بسبب أمر الطاعون. - وفيه مرض السلطان، وانقطع عن الموكب، ولزم الفراش، وثار عليه مرض القولنج. - وفيه قبض دولات خجا المحتسب على امرأة خلف جنازة، فضربها، فحملت إلى دارها فأقامت (٢) أياما قلائل وماتت. - وفيه توفّى آقبردى القجماسى نائب غزّة، وكان غير مشكور فى سيرته.
وفيه تزايد مرض السلطان، واجتمع عنده الأطباء، فترجّح أمره قليلا، وخرج إلى الموكب غصبا، وأخلع على الأطباء، وكل هذا فى البّطال، والموت حائط به، ثم انتكس وعجز عن القيام، فتوهّم أن الأطباء يقصّرون فى طبّه، وكان وقع بين الأطباء خلف فى استعمال شئ من الدواء، فثبت عند السلطان أنه انتكس بخلفهم، فطلب عمر بن سيف (٣) والى القاهرة، وأمره أن يوسّط الريس شمس الدين ابن العفيف الأسلمى، والريس زين الدين خضر الإسرائيلى، فأرسل الريس خضر يسأل السلطان أن يبقيه، ويخدم السلطان بعشرة آلاف دينار، فأبى وصمّم على توسيطهم، فلما أمر السلطان بذلك، شفع فيهما كاتب السرّ ابن نصر الله، والأمير جوهر اللالا، وقبّلوا الأرض عدّة مرار، فصمّم السلطان على توسيطهما، واستحثّ الوالى فى ذلك، فوسّطا وحملا إلى دورهما ليدفنا.
وكانت هذه الفعلة من أقبح فعال الأشرف برسباى، وختم عمره بقتل مسلمين من غير ذنب، فكثر الدعاء عليه وتمنّى كل أحد زواله، وكان اعتراه ماخولية، فأمر بنفى جميع الكلاب إلى برّ الجيزة، فصار كل من يجئ بكلب يأخذ له نصف فضّة، بخمسة عشر، فتسامعت العيّاق (٤) بذلك، فداروا على الكلاب ومسكوهم من الكيمان والطرقات، فمسكوا نحوا من ثلاثة آلاف كلب، فنفوهم إلى برّ الجيزة، وهم فى حبال.
стр. 1627
ثم نادى فى القاهرة بأن امرأة لا تخرج خلف جنازة مطلقا؛ ثم إنه نادى لا فلاّحا ولا عبدا يلبس زنطا أحمر (١)؛ وكانت الغاسلة إذا طلبت إلى ميّتة تفعل كما تقدّم؛ وقيل إنه رأى فى المنام عربا بزنوط حمر شاحتينه، وأما الكلاب فكان كلما سمع حسّهم فى الليل يتقلّق، فأمر بنفيهم، واستمرّ فى هذه الخرافات إلى أن مات، كما سيأتى الكلام على ذلك. وفيه توفّى ناصر الدين بن الفاقوسى، وكان موقّعا فى الدست، وله نظم ونثر وإنشاء، وكان من الموقّعين الأعيان.
وفى ذى القعدة، تزايد أمر ضعف السلطان، وثقل فى المرض جدّا، حتى عجز عن القيام. - وفيه وصل العسكر والأمراء الذين (٢) توجّهوا إلى الأبلستين بسبب ابن ذلغادر، فلما دخلوا إلى القاهرة، وجدوا الأحوال مضطربة، والطعن عمّال، وقد أفنى (٣) من المماليك نحو النصف.
وفيه توفّى الصلاح محمد بن حسن بن نصر الله الأدكوى الفوّى، كاتب السرّ الشريف، قيل إنه مات بالطربة، لما وسّط السلطان الحكماء، ولم يقبل فيهم شفاعة؛ وكان الصلاح بن نصر الله ريسا حشما، وتولّى عدّة وظائف جليلة، ومولده سنة إحدى وتسعين وسبعمائة؛ فلما مات أخلع على والده (٤) الصاحب بدر الدين حسن ابن نصر الله، وقرّر فى كتابة السرّ، عوضا عن ولده (٥) صلاح الدين.
وفيه مات دولات خجا والى القاهرة، والمحتسب بها، وكان ظالما غشوما شديد القسوة، فأراح الله تعالى الناس منه. - وفيه قرّر فى الحسبة الشيخ نور الدين على البوينى، إمام السلطان. - وفيه جاء جراد كثير فأتلف الخيار والبطيخ والقرع، وغير ذلك من الزروع.
стр. 1628
وفيه توفّى الناصرى محمد بن بنت الأتابكى بكتمر الساقى، صاحب الخانقاة التى بالقرافة عند حوش الظاهر بيبرس، وكان والده يسمّى قرطاى، وكان ريسا حشما، فاضلا فى مذهبه الحنفى، وله نظم جيّد، ومولده سنة ست (١) وثمانين وسبعمائة. - وفيه توفّى الشهابى أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن القرداح، المادح المنشد والواعظ، وكان فريد عصره فى فنّ الموسيقة، ومولده سنة ثمانين وسبعمائة، وخلف من الكتب نحوا من ألف مجلد فى علوم شتى.
وفيه توفّى القاضى شرف الدين يحيى بن بنت الملكى، صاحب ديوان الجيش. - وتوفّى الشيخ صلاح الدين الرفاعى، شيخ الرفاعية. - وفيه تناقص الطاعون جدّا، حتى لم يمت بالقاهرة لا كبير ولا صغير، وقد أحصى من مات فى هذا الطاعون بمصر والقاهرة، فكان ما يزيد على مائة ألف إنسان، غير أهل الضواحى.
وفيه تجدّد على السلطان أمر الإسهال، وامتنع من الدخول عليه، فعند ذلك تكلّم معه عظيم الدولة القاضى عبد الباسط، والأمير جوهر اللالا، فقالوا له:
«يا مولانا السلطان إن الأحوال قد فسدت، وافتتن العربان بالبحيرة والصعيد، وكثر القال والقيل بين الناس، ومن الرأى أن تسلطن سيدى يوسف، فتعهد له بالسلطنة من بعدك»، فقال: «احضروا الخليفة والقضاة الأربعة».
فلما تكامل المجلس، طلب الأتابكى جقمق العلاى، وسائر الأمراء، وعهد إلى ولده المقر الجمالى يوسف بالسطنة من بعده، فكتب عهده القاضى شرف الدين ابن العجمى، نائب كاتب السرّ، وقرئ على السلطان، فأشهد على نفسه وأمضى ذلك، وشهد الخليفة، والقضاة الأربعة عليه بالإمضاء (٢) فى ذلك؛ ثم إنه طلب المماليك الأشرفية من الطباق، وحلّفهم، وحلّف أيضا القرانصة من الظاهرية والمؤيدة، ثم نفق عليهم، فأعطى لكل مملوك ثلاثين دينارا، ووصّاهم بأن يكونوا عصبة على بعضهم، ولا يرموا فتنا (٣) فى بعضهم، كما قيل فى المعنى:
стр. 1629
إن القداح إذا جمعن فرامها … بالكسر ذو حنق وبطش باليد
عزّت فلم تكسر وإن هى بددت … فالوهن والتكسير للمتبدى
ثم أخلع على الأتابكى جقمق، وجعله نظام الملك، ووصيّا على ولده من بعده، بأنه هو المتصرّف فى أمور المملكة، ولا يقضى أمرا دونه؛ ثم أخلع على الخليفة والقضاة، وانفضّ ذلك المجلس، ونزل الأتابكى جقمق ومعه سائر الأمراء.
وفى ذى الحجة، خرج ولىّ العهد أبو المحاسن يوسف بن السلطان إلى صلاة عيد النحر، فصلّى فى الجامع، ثم جلس على باب الستارة، وأخلع على الأتابكى جقمق، ونزل إلى بيته، ولم يضحّ (١) بالقلعة؛ وأشيع أن السلطان فى النزع وقد خرس (٢)، فاستمرّ على ذلك إلى يوم السبت بعد العصر، فتوفّى، رحمه الله تعالى، فلم يخرجوه فى ذلك اليوم وبات بالقلعة، فأخرجوه فى يوم السبت ثالث عشر (٣) ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وصلّى عليه بالقلعة، وصلّى عليه قاضى القضاة ابن حجر، ونزلوا به من القلعة إلى تربته التى (٤) أنشأها بالصحراء، فدفن بها، ومات وله من العمر نحو من خمس (٥) وسبعين سنة، فكثر عليه الحزن والأسف، فإن مصر كانت هادئة فى أيامه من الفتن والحروب التى كانت قائمة فى الدول الماضية، فى أيام بنى قلاوون وغيره.
فكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، والبلاد الشامية، ست عشرة (٦) سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام، بما فيها مدّة توعّكه وانقطاعه، وقد قال القائل فى المعنى:
المرء كالظل ولا بد أن … يزول ذاك الظل بعد امتداد
وكان قليل العزل لأرباب الوظائف، ولا يسمع المرافعات فى أحد، إلاّ عن يقين؛ وكان الأشرف برسباى ملكا جليلا مبجّلا فى موكبه، منقادا إلى الشريعة،
стр. 1630
يحب أهل الشريعة، ويقرّب الفقهاء؛ وكانت صفته: أبيض أللون، عربى الوجه، مستدير اللحية، شائب الذقن، حسن الشكل، طويل القامة، وكان وافر العقل، سديد الرأى، عارفا بأحوال المملكة، كفوا للسلطنة، وكان عليه سكينة ووقار، مع لين جانب، وكان كثير الرمايات، يحبّ الصيد والتنزّه، وكان كثير البرّ والصدقات، وله آثار ومعروف، ولا سيما معاملته فى [الذهب] (١) الأشرفية التى من أجود الذهب، وإلى الآن يرغبون الناس فيها، ويسمّونها البرسبيهية، وهى من أحسن المعاملات، وأين هى من معاملة زماننا هذا.
وكان محبّا لجمع الأموال، وكان يتّجر فى الغلال، حتى فى التبن، والسكر، واللحم، وغير ذلك من الأصناف، حتى أصناف الخضر، وما أشبه ذلك، وما شا كله (٢)؛ وكان كثير المصادرات للمباشرين، ولكن ما وصلت مصادراته لما وقع فى زماننا هذا، وأما من دولة الأشرف قايتباى، ومن جاء بعدها، فالأمر تزايد فى ذلك إلى الغاية، ولله الحمد والأمر. - وهو أول من أخذ العشور [من أموال التجار] (٣) ببندر جدّة، وكان متعلّقا بأمير مكّة المشرّفة كما تقدّم، وكان له سبب؛ وكان قليل سفك الدماء.
وأما ما أنشأه من العمائر بالديار المصرية، وهى: المدرسة العظيمة التى بجوار الورّاقين وسوقهم، وعمّر (٤) السبيل والصهريج الذى بجامع الأزهر، وعمّر المدرسة التى فى الصحراء [ودفن بها]، وعمّر الربع والوكالة التى فى الصليبة، وعمّر وكالة تجاه مدرسته التى عند سوق الورّاقين، وعمّر عدّة دكاكين فى الصليبة، والمدينة؛ ومن إنشائه المدرسة المعظّمة التى فى الخانكاه، فلم يعمّر مثلها هناك، وله غير ذلك عمائر كثيرة فى أماكن شتّى.
стр. 1631
ولا يخرج (١) درهمه إلاّ فى مستحقّه، لا يوصف بالكرم الزائد، ولا بالشحّ الزائد؛ قيل إن الأشرف برسباى، لما مات، خلف من الأموال فى الخزائن قدر ست نفقات على العسكر، وزيادة على ذلك.
وخلف من الأولاد: الجمالى يوسف الذى تسلطن بعده، وخلف ولده سيدى أحمد، الذى كان مقيما فى بيت الأمير قرقماس الجلب، وقد ربّاه حتى بقى شابا، وعاش مدّة طويلة؛ ومات له فى الفصل سبعة عشر ولدا من ذكور وإناث. - ومن أزواجه: خوند جلبان، وهى أم ولده الجمالى يوسف، وخوند فاطمة بنت الظاهر ططر، وخوند بنت الأتابكى يشبك الأعرج، وخوند التركمانية بنت ابن عثمان ملك الروم. - وفى الجملة أنه كان من خيار ملوك الجراكسة بعد الظاهر برقوق. - انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الأشرف برسباى الدقماقى، وذلك على سبيل الاختصار من أخباره، ثم بعد وفاته تولّى ابنه الجمالى يوسف. انتهى.
ذكر سلطنة الملك العزيز أبى المحاسن جمال الدين يوسف ابن الملك الأشرف برسباى الدقماقى الظاهرى
وهو الثالث والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو التاسع من ملوك الجراكسة وأولادهم فى العدد؛ بويع بالسلطنة بعد وفاة أبيه، فى يوم السبت ثالث عشر (٢) ذى الحجة، من أواخر سنة إحدى وأربعين وثمانمائة.
وكانت صفة ولايته أنه لما توفّى والده بعد العصر، يوم السبت المذكور، طلع الأتابكى جقمق، وحضر عظيم الدولة القاضى عبد الباسط ناظر الجيش، وحضر
стр. 1632
الأمير جوهر اللاّلا، فلما صرّحوا بموت السلطان، أمر الأتابكى جقمق بإحضار الخليفة، والقضاة الأربعة (١)؛ فلما حضروا وتكامل المجلس، دخل جوهر اللاّلا دور الحريم، وأخرج الجمالى يوسف، فأحضروا له شعار الملك والسلطنة، فبايعه الخليفة داود بحضرة القضاة الأربعة، وتلقّب بالملك العزيز، وكان له لما تولّى الملك من العمر نحوا من أربع عشرة (٢) سنة، وكانت أمه تسمّى خوند جلبان الجركسية، مستولدة السلطان، وكتب لها.
فلما تمّت له البيعة، لبس شعار الملك من باب الستارة، وركب والأمراء مشاة بين يديه، حتى دخل القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، ورفعت على رأسه القبّة والطير، وباس له الأمراء الأرض، ودقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وضجّ له الناس بالدعاء؛ وقد وقع له نكتة غريبة: وقد تلقّب بالعزيز واسمه يوسف، فوقع له مناسبة لطيفة، ولم يل (٣) بمصر من اسمه يوسف سوى يوسف نبى الله ﵇، وصلاح الدين يوسف بن أيوب، ويوسف بن برسباى هذا، وقد قيل فى المعنى:
من لى بظبى من الأتراك (٤) منسوب … من الجآذر فى زىّ الأعاريب
عزيز مصر يسمّى يوسف ولذا … قلبى بذلّ الجفا فى حزن يعقوب
قد ضاع صاع هواه فى القلوب وقد … رآه فى رحل قلبى غير محجوب
فسلطن مع غروب الشمس من ذلك اليوم. - فلما كان يوم الأحد صبيحة ذلك اليوم، شرعوا فى تجهيز السلطان وتغسيله، فتولّى أمر ذلك أينال الأحمدى الفقيه، أحد الأمراء العشروات، فلما انتهى أمر تغسيله حمل فى نعش، وتقدّم قاضى القضاة ابن حجر الشافعى وصلّى عليه، ثم نزل من القلعة إلى أن أتوا به إلى تربته المذكورة (٥)
стр. 1633
فدفن بها، وقد تقدّم ذكر ذلك.
فلما تمّ أمر الملك العزيز فى السلطنة، شرع فى أمر نفقة البيعة، فأعطى لكل مملوك مائة دينار؛ ثم أقيمت الخدمة فى القصر، وحضر نظام الملك جقمق، وبقيّة الأمراء على العادة، فأخلع السلطان فى ذلك [اليوم] (١) على طوخ يازى (٢)، وقرّر فى نيابة غزّة، وكانت شاغرة؛ ثم إنه بعث للخليفة داود يكتب (٣) بجزيرة الصابونى فى زيادة عن إقطاعه؛ وابتدأ بتفرقة النفقة على الجند، وقد اجتمعت الكلمة يومئذ فى ثلاثة أنفار، وهم: الأتابكى جقمق، والقاضى عبد الباسط ناظر الجيش، والأمير أينال الأشرفى شاد الشراب خاناه؛ وأما السلطان [فإنه] (٤) جالس على الدكّة آلة، وهو لا يتكلّم فى شئ.
ثم دبّت عقارب الفتن [بين] (٥) جكم خال السلطان، وبين أينال شاد الشراب خاناه، فغضب أينال ونزل من القلعة؛ ثم إن المماليك الأشرفية احتاطوا بالقاضى عبد الباسط وهو نازل من القلعة، وكادوا أن يقتلوه، وذلك بسبب تفرقة الإقطاعات. - وفيه جاءت الأخبار بقتل اسكندر بن قرا يوسف، صاحب أذربيجان، وكان من الأشرار.
وفيه عيّن السلطان وظيفة رأس نوبة النوب إلى تمراز القرمشى، وكان غائبا فى التجريدة؛ وقرّر أينال الأشرفى شاد الشراب خانا، فى الدوادارية الثانية؛ وقرّر على باى الأشرفى، شاد الشراب خاناه، عوضا عن أينال؛ وقرّر بعده يخشى باى (٦) أمير آخور ثانى. - وفيه جاءت الأخبار من دمياط بوفاة سودون
стр. 1634
من (١) عبد الرحمن، الذى كان أتابك العساكر بمصر، مات بطّالا. - وفيه توفّى الشيخ محمد الطنتناوى (٢)، وكان من الصالحين.
وفيه أحاطوا المماليك [الأشرفية] (٣) بالأتابكى جقمق [فى الرملة] (٣) وعيّنوا له القتل، فما خلص إلاّ بعد جهد كبير؛ وصارت المماليك الأشرفية أربع فرق، مع كل فرقة أمير، ونسوا ما أوصاهم أستاذهم بأن يكونوا عصبة على بعضهم، وأن ما داموا (٤) عصبة على بعضهم ما يصيبهم شئ، وإذا تفرّقوا وتبدّدوا أخذوا، وكان الأمر كذلك. - وفيه توفّى الشيخ الصالح زين الدين أبو بكر بن عبد الله الملوى الشاذلى (٥). - وقد خرجت هذه السنة عن الناس وهم فى اضطراب، يلهجون بوقوع فتنة كبيرة بين العسكر، وزوال السلطان الملك العزيز عن قريب.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين (٦) وثمانمائة
فيها فى المحرم، عيّن السلطان تجريدة للبحيرة بسبب فساد العربان، فتوجّهوا إلى هناك، وانتهوا إلى برقة فى طلب العربان. - وفيه (٧) قرّر جكم خلل العزيز خازندارا، عوضا عن على باى. - وفيه صرف البدر العينى عن قضاء الحنفية، وقرّر بها العلاّمة سعد الدين سعد الديرى الحنفى، عوضا عن العينى.
وفيه أنعم السلطان على جماعة كثيرة [من الخاصكية] (٨) بأمريات عشرة، منهم:
стр. 1635
قانى باى الساقى، وجانبك (١) الساقى، وجانم أحد الدوادارية، وقانم التاجر المؤيدى، وجكم المجنون، وجكم خال العزيز، وجرباش كرت. - وفيه وصل الحاج إلى القاهرة، وكان قد قاسى مشقات (٢) زائدة، ونهب الركب العراقى عن آخره، وحصل على الحاج من الضرر ما لا يسمع بمثله. - وفيه صار الأتابكى جقمق يحكم بين الناس فى باب السلسلة، وقد أظهر العدل، وأقام الشهابى أحمد بن العطار دوادارا عنده، وكان واسطة خير.
[وفى] (٣) صفر، تزايد أمر المماليك فى حقّ القاضى عبد الباسط، حتى سأل فى الإعفاء من نظر الجيش، ثم تلطّف به الأتابكى جقمق، وأخلع عليه. - وفيه ثارت فتنة بين المماليك وقصدوا قتل الأتابكى جقمق، فبادر وقبض على جماعة منهم، من أشرار الأشرفية، منهم: جكم خال العزيز، وعلى باى، ويخشى باى، وجماعة آحرين، فخمدت الفتنة قليلا. - وفيه، فى مسرى، أمطرت السماء مطرا غزيرا، وتوقّف النيل أياما عن الزيادة، وتقلّق الناس لذلك، ثم زاد حتى أوفى (٤)، ولم يحصل من المطر ضرر فى تلك الأيام. - وفيه جاءت الأخبار بأن تغرى برمش، نائب حلب، قد خامر وخرج عن الطاعة جدّا. - وفيه أفرج الأتابكى جقمق على من قبض من الأمراء الأشرفية، وأشرط عليهم أن لا أحدا منهم يدخل القصر وقت الخدمة أبدا، غير أصحاب النوبة (٥).
وفيه أخلع السلطان على الأتابكى خلعة حافلة، على أنه مدبّر المملكة فى جميع الأحوال، يعزل ويولّى؛ ويخرج الإقطاعات، ويتصرّف بما يختار؛ ورسم له أن يسكن بالقلعة، فشقّ ذلك على جماعة من الأشرفية، وصار منهم فرقة مع جقمق، وفرقة مع الملك العزيز، وهذا كان سببا لزوال الأشرفية قاطبة، فركب طائفة من
стр. 1636
الأشرفية على جقمق، وأنكروا عليه كونه سكن بالقلعة، فتلطّف بهم حتى سكنت هذه الفتنة قليلا. - وفيه كان وفاء النيل المبارك سادس عشرين مسرى، فلما أوفى توجّه إلى المقياس أسنبغا الطيارى، حاجب ثانى، [فخلق العمود ونزل فى الحراقة] (١)، وفتح السدّ على العادة.
وفى ربيع الأول، قدم الأمراء الذين (٢) توجّهوا إلى حلب، صحبة قرقماس الشعبانى أمير سلاح، فدخل من الأمراء ستة، وتأخّر يشبك المشدّ حاجب الحجّاب، وخجا سودون، وكان يشبك حاجب الحجّاب مريضا، وتأخّر خجا سودون بحلب، وأظهر العصبان، ثم دخل يشبك فى محفّة؛ فلما أتوا الأمراء لم يصعدوا إلى القلعة، خوفا على أنفسهم من المماليك الأشرفية، أن لا يقبضوا عليهم، فطلعوا عند نظام الملك جقمق فى باب السلسلة، وجلس الملك العزيز فى شباك القصر [الكبير] (٣) المطلّ على الاصطبل، فوقفوا تحته الأمراء، وقبّلوا له الأرض، فأحضرت لهم الخلع، وأفيضت عليهم، ونزلوا إلى دورهم، وكثر القال والقيل بين الناس بسلطنة الأتابكى جقمق، وقد ترشّح أمره إلى السلطنة، وكان قرقماس الشعبانى متقحّما على أن يلى السلطنة، وبقى يظهر لجقمق أنه من عصبته، والأمر بخلاف ذلك.
فلما كان يوم الاثنين، أقيمت الخدمة بالحراقة التى بالاصطبل عند الأتابكى جقمق، واجتمع الأمراء قاطبة، فطلع قرقماس الشعبانى، وهو فى غاية الضخامة (٤)، فجلس عن يمين الأتابكى جقمق وأشار عليه بالقبض على جماعة من الأشرفية، فبادر وقبض على جانم قريب الملك الأشرف برسباى، وكان يومئذ أمير آخور كبير، وكان مسافرا فى [التجريدة وحضر] (٥) صحبة الأمراء، وقبض على
стр. 1637
حكم خال العزيز، وعلى على باى شاد الشراب خاناه، وعلى يخشى باى، وعلى أبى يزيد، وعلى دمرداش والى القاهرة، وعلى تانى بك الجقمقى نائب القلعة، وعلى جانى بك قلق سير، وعلى بيرم خجا، وأرغون شاه، وتانى بك القيسى، وعلى الطواشى خشقدم الرومى مقدّم المماليك، وعلى نائبه الطواشى فيروز؛ وفرّ منهم جماعة واختفوا (١)، منهم: جرباش كرت، وخشكلدى، وأزبك، وبيبرس، وتنم، ويشبك الفقيه، وغير ذلك.
ثم قيّدوا الذين (٢) قبضوا عليهم، وأرسلوا إلى السجن بثغر الإسكندرية، صحبة تمراز الدوادار (٣)، وقد قرّر فى نيابة الإسكندرية، عوضا عن عبد الرحمن بن الكويز؛ وكان ذلك اليوم يوما مهولا، أظهر فيه قرقماس غاية البطش الشديد، وأظهر ما كان فى ضميره من الأشرفية؛ وكل هذا والأتابكى جقمق ساكت لا يبدى ولا يعيد، وكان قرقماس يظن أنه يمهّد له، ولنفسه، وكان هذا التمهيد لجقمق، وقد أخذ الله تعالى أعاديه بيد غيره - وفيه أخلع على الطواشى عبد اللطيف العثمانى، واستقر به مقدّم المماليك، عوضا عن خشقدم الرومى.
وفيه ركب السلطان، ونزل الميدان الذى تحت القلعة، وصحبته القاضى ناظر الجيش؛ فلما بلغ الأتابكى ذلك، ركب ومعه سائر الأمراء، ما عدا الأمير قرقماس الشعبانى أمير سلاح، فإنه لم يركب فى ذلك اليوم، ولا أركماس الظاهرى الدوادار، ودخلوا إلى الميدان، فنزل الأتابكى جقمق عن فرسه، وكذلك بقيّة الأمراء، فقبّلوا الأرض بين يدى السلطان، وتقدّم إليه الأتابكى جقمق، وتكلّم معه ساعة، ثم أحضرت خلعة سنيّة، فأخلعت على الأمير يشبك المشدّ حاجب الحجّاب، وكان حضر من التجريدة وهو مريض، ثم عوفى وركب فى ذلك اليوم، ثم طلع السلطان من الميدان، ورجع الأمراء إلى دورهم.
стр. 1638
فلما طلع السلطان إلى القلعة، نزل القاضى عبد الباسط إلى بيت الأمير قرقماس الشعبانى، وعتبه عن تأخّره عن الخدمة، وتلطّف به فى الكلام، ثم رجع القاضى عبد الباسط إلى بيته. - ثم فى أثناء ذلك اليوم مشت جماعة من الأمراء بين الأتابكى جقمق وبين الأمير قرقماس، فأركبوه وطلعوا به عند الأتابكى جقمق، فاختلى به، وحصل بينهما عتاب، ثم تحالفا على مصحف شريف بأشياء سرّ بينهما، ثم قام قرقماس من عند جقمق، فأركبه فرص (١) بسرج ذهب وكنبوش، ونزل من عنده وصحبته تمراز وقراجا، فأركبهما من خواص خيوله، فتوجّه قرقماس إلى بيته.
وفيه حضر القاضى كمال الدين بن البارزى من الشام، بطلب من الأتابكى جقمق، فإنه كان أخو زوجته الست مغل. - وفيه توفّى العلاّمة شهاب الدين أحمد بن تقى الدين بن محمد بن على بن أحمد المالكى الدميرى، وكان عالما فاضلا عارفا بالفقه والأصول، وغير ذلك من العلوم، وكان من أكابر المالكية، ناب فى الحكم، وذكر عدّة مرار لقضاء المالكية، وما اتّفق له ذلك، وهو والد قاضى القضاة المالكى محيى الدين، وأخوه عبد الغنى، وكان فريد عصره فى المالكية.
وفيه، فى سابع عشره (٢)، طلع قرقماس الشعبانى إلى عند الأتابكى جقمق، وأرسل خلف سائر الأمراء، فلما حضروا، طلب الخليفة داود، والقضاة الأربعة، فلما تكامل المجلس تكلّموا مع الخليفة فى خلع الملك العزيز، وولاية الأتابكى جقمق، فأجاب الخليفة إلى ذلك، وخلع الملك العزيز من السلطنة، وبايع الأتابكى جقمق بالسلطنة.
فلما جرى ذلك رسم جقمق للزمام بأن يدخل الملك العزيز إلى دور الحريم، وقد رقّ له ولم يسجنه بثغر الإسكندرية، كعادة أولاد السلاطين، فأخلى له قاعة البربرية وأدخل بها، وكان قصد جقمق أن يزوّجه ويصير مقيما بالقلعة، مثل الملك الصالح
стр. 1639
[محمد] (١) بن الظاهر ططر، وكان ذلك عين الصواب، فما صبر الملك العزيز لذلك، وكان من أمره ما سنذكره فى موضعه بما جرى، فكان كما قيل فى المعنى:
قد يدرك المتأنّى بعض حاجته … وقد يكون مع المسنعجل الزلل
نكتة لطيفة: قيل حسبت فى حساب الجمل عدد حروف اسم العزيز، فكانت أربعة وتسعين، وهى عدد أيام سلطنته لا تزيد ولا تنقس فى العدد شيئا. - وكانت مدّة سلطنة الملك العزيز يوسف بن الأشرف برسباى بالديار المصرية بعد أبيه، ثلاثة أشهر وخمسة أيام، فكأنها كانت أضغاث أحلام، وبه زالت دولة الأشرف برسباى كأنها لم تكن، فسبحان من لا يزول ملكه، ولا يتغيّر؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الملك العزيز يوسف على سبيل الاختصار.
ذكر سلطنة الملك الظاهر سيف [الدين] (٢) أبى سعيد محمد (٣) جقمق العلاى الظاهرى (٤)
وهو الرابع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو العاشر من ملوك الجراكسة وأولادهم فى العدد؛ بويع بالسلطنة كما تقدّم، وتلقّب بالملك الظاهر، مثل لقب أستاذه الظاهر برقوق، فأحضر له خلعة السلطنة، وهى: جبّة سوداء بطرز ذهب، وعمامة سوداء بعذبة، وسيف بداوى وتقلّد به حمائلى، فأفيض عليه شعار الملك، وتقدّم إليه فرس النوبة، فركب من سلّم الحرّاقة التى بالاصطبل السلطانى، ورفعت على رأسه القبّة والطير، بيدى المقر السيفى قرقماس الشعبانى أمير سلاح، ومشت قدّامه الأمراء، حتى طلع من باب سرّ القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، من كبير وصغير، وقد تعصّب له جماعة
стр. 1640
كثيرة من الظاهرية والناصرية والمؤيدية والسيفية وبعض الأشرفية، منهم: أينال الذى كان شاد الشراب خاناه، وجماعة آخرين.
ثم دقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وارتفعت له الأصوات بالدعاء، وفرح كل أحد بسلطنته، فإنه كان ديّنا خيّرا يحبّ فعل الخير، كريم اليد، سخىّ النفس، وكان أكثر الصالحين يبشّر بسلطنته، فتسلطن والباقى (١) من شروق الشمس ثلاثين درجة.
فلما جلس على سرير الملك، أخلع على الخليفة داود خلعة سنيّة، وقدّم له فرس من المراكيب السلطانية، وأخلع على القاضى الشافعى شهاب الدين بن حجر، وأخلع على المقرّ السيفى قرقماس الشعبانى خلعة حافلة، وكان هو القائم فى سلطنة جقمق، ولكن ظهر منه بعد ذلك ما نقض الفعل الأول، فكان كما قيل فى المعنى:
ويظهرون لنا ودّا فتحسبهم … يأتوا بنصح فتلقاهم شياطينا
وفى أثناء ذلك اليوم، قبض الملك الظاهر جقمق على الأمير جوهر اللاّلا الزمام، وسجنه بالبرج الذى بالقلعة، وكان الأمير جوهر مريضا، ثم قرّر فى الزمامية فيروز الساقى، وكان بطّالا فى داره مدّة طويلة، فاستقرّ زمام الدار، عوضا عن جوهر اللاّلا.
قلت: وكان أصل الظاهر جقمق جركسى الجنس، جلبه الخواجا كزل، فاشتراه منه العلاى على بن الأتابكى أينال اليوسفى، وقدّمه إلى الملك الظاهر برقوق، فأنزله بالطبقة وصار من جملة المماليك السلطانية، ثم بقى خاصكى، ثم بقى ساقى، ثم قبض عليه وسجن فى دولة الناصر فرج بن برقوق، ثم أطلق وصار أمير عشرة خازندار فى دولة المؤيد شيخ، ثم بقى أمير طبلخاناه، ثم بقى مقدّم ألف فى دولة الظاهر ططر، ثم بقى حاجب الحجّاب فى دولة الأشرف برسباى، [ثم بقى أمير آخور كبير، ثم بقى أمير سلاح، ثم بقى أتابك العساكر فى أواخر دولة الأشرف برسباى] (٢)،
стр. 1641
ثم بقى نظام الملك فى دولة العزيز بن برسباى، ثم خلع الملك العزيز وتسلطن عوضه، وكان القائم فى سلطنته قرقماس الشعبانى أمير سلاح، وقد تعصّب له حتى سلطنه، وقبض على جماعة من الأشرفية، وقد تقدّم ذكر ذلك.
فلما تم أمره فى السلطنة عمل الموكب بالقصر، وجلس فى مرتبة السلطنة، وأخلع على من يذكر من الأمراء: فقرّر قرقماس الشعبانى فى الأتابكية، عوضا عن نفسه، وقرّره فى إقطاعه وهو نظام الملك؛ وأخلع على آقبغا التمرازى، وقرّره فى أمرية سلاح، عوضا عن قرقماس الشعبانى؛ وأخلع على يشبك المشدّ، وقرّره فى أمرية مجلس؛ وأخلع على تغرى بردى المؤيدى، وقرّر حاجب الحجّاب، عوضا عن يشبك المشدّ؛ وأخلع على تمراز القرمشى، وقرّر أمير آخور كبير، عوضا عن جانم الأشرفى؛ وأخلع على قراقجا الحسنى، وقرّر رأس نوبة كبير، عوضا عن تمراز القرمشى؛ وأخلع على أركماس الظاهرى، وقرّر دوادار كبير على عادته؛ وأخلع على تنم المؤيدى، وقرّر فى الحنسبة، عوضا عن السويفى؛ وأخلع على قانى باى الجركسى، وقرّر شاد الشراب خاناه، عوضا عن على باى الأشرفى؛ وقرّر قانى بك المحمودى المؤيدى الساقى فى الخازندارية، عوضا عن جكم خال العزيز.
ثم عيّن سودون الجكمى أخو نائب الشام، بأن يتوجّه إلى أخيه بالبشارة، وعيّن دمرداش بأن يتوجّه بالقبض على خجا سودون الذى أظهر العصيان بحلب، ويحمله إلى القدس بطّالا، ففعل ذلك، وأقام خجا سودون بالقدس حتى مات فيما بعد؛ وفرّقت الإقطاعات على الجند، فغضب الأكثر منهم بسبب ذلك. - وفيه ابتدأ بالنفقة على العسكر، وهى نفقة البيعة، فأعطى لكل مملوك مائة دينار. - وفيه قدم جرباش الكريمى قاشق من ثغر دمياط، فلما حضر أنعم عليه بتقدمة ألف.
وفيه طلعت خوند مغل بنت البارزى، زوجة السلطان، إلى القلعة بعد العشاء فى موكب حافل، [وقدّامها الفوانيس والمشاعل، وحولها جماعة كثيرة من الخدّام] (١). - وفيه عمل السلطان المولد على جارى العادة، وحضر القضاة الأربعة، وكان المشار إليه
стр. 1642
فى المجلس العلاّمة الشهاب ابن حجر. - وفيه كسفت الشمس حتى أظلمت الدنيا جدّا، وصلّوا صلاة الكسوف بالجامع الأزهر وغيره، فتفاءل الناس بوقوع فتنة كبيرة.
وفى ربيع الآخر، لعب السلطان الأكرة بالحوش مع الأتابكى قرقماس الشعبانى، فقصد قرقماس أن يقبض على السلطان وهو راكب، فدنا منه وأومأ (١) أن يعانقه، فقبض عليه وانتظر من يعينه على ذلك، فما دنا (٢) منه أحد من الأمراء، فانفلت منه السلطان، وساق نحو الدهيشة، فلما انفضّ أمر الأكرة، ونزل الأمراء إلى بيوتهم، لبس الأتابكى قرقماس آلة الحرب، هو ومماليكه، والتفّ عليه جماعة كثيرة من الأمراء العشروات، والمماليك السلطانية، والأشرفية، والسيفية، فاجتمع معه نحو ألف إنسان، فطلع إلى الرملة، ووقف بسوق الخيل ساعة، وانتظر أن أحدا من الأمراء المقدّمين يطلع إليه، فما طلع إليه أحد منهم، وكان غالب الأمراء مع الظاهر جقمق، فملك قرقماس مدرسة السلطان حسن، وركّب عليها مكاحل.
فلما استقرّ (٣) الأمر، نزل السلطان إلى المقعد المطلّ على الرملة وجلس به، ونثر على الزعر الذهب والفضّة بيده من المقعد، فاجتمع تحته الجمّ الخفير من الزعر والعيّاق، [وبأيديهم الحجارة والمقاليع] (٤)، فلما تزايد الأمر، وأشرف قرقماس على أخذ القلعة، تسامعت الأمراء بذلك، فلبسوا آلة الحرب وطلعوا إلى الرملة، فوقفوا عند سبيل المؤمنى، وكانوا نحوا من عشرة أمراء، من الأمراء المقدّمين، وكان الكلّ من عصبة الظاهر جقمق، فكان بينهم وقعة (٥) شديدة من الوقعات المشهورة، وقتل بها جماعة كثيرة من المماليك.
واستمرّ الحرب سائرا (٦) من أول النهار إلى قريب العصر، فبينما قرقماس يسير تحت
стр. 1643
صنجقه عند مدرسة السلطان حسن، فحرّر عليه بعض المماليك، الذى فى باب السلسلة، ورماه بسهم نشّاب، فجاءه فى يده فأخرقها من وسط كفّه، فتألّم لذلك وأغمى عليه، فتسحّب من بين العسكر وهرب، فتوجّه إلى غيطه، الذى فى الجزيرة الوسطى (١)، فاختفى به، وتمّت الكسرة على قرقماس، وكانت النصرة للظاهر جقمق؛ وكان الذى أرمى على قرقماس مملوك خرياطى، يسمّى بلبان، وكان مضحكا، فلما بلغ السلطان ذلك أنعم عليه بإقطاع ثقيل، وجعله خاصكى صاحب وظيفة، وكان قبيح الشكل، ردئ المنظر، ولكن ساعده الدهر، فكان كما قيل:
فلا تحقرنّ صغيرا رماك … وإن كان فى ساعديه قصر
فإن السيوف تحزّ الرقاب … وتعجز عمّا (٢) تنال الإبر
فلما انكسر قرقماس وهرب، ثبت (٣) قانصوه النوروزى الذى كان من أصحابه، وقاتل قتالا شديدا إلى بعد العصر، فانكسر بعد ذلك (٤) وخذل، وانفضّ ذلك الجمع، وطلع السلطان إلى القلعة وهو منصور؛ ثم إن قرقماس أقام فى غيطه ثلاثة أيام، وأرسل يطلب من السلطان الأمان، فأرسل إليه بعض الأمراء، ققبض عليه وطلع به إلى القلعة، فقيّد وأرسل إلى السجن بثغر الإسكندرية، وخمدت فتنته كأنها لم تكن، وقد صنّفت فيه العوام غنوة، وهم يقولون:
يا قرقماس إفّوا عليك … عملت عملة وجت عليك
وهو كلام ملحّن مطوّل، وصاروا يغنّون به فى أماكن المفترجات، فكانت حادثة قرقماس أول الحوادث فى دولة الظاهر جقمق. - وفيه نزل الأتابكى قرقماس من القلعة وهو مقيّد بالحديد، وتوجّهوا به [إلى شاطئ النيل، حتى ينزل فى الحرّاقة ليتوجّهوا به] (٥) إلى الإسكندرية، فقاسى (٦) من العوام ما لا خير فيه، من سبّ
стр. 1644
وشتم، حتى كادوا يرجمونه، وكان غير محبّب (١) للناس، وكان يحكى عنه أشياء خزعبلات فى محاكماته، حتى كان يظنّ أنّ الجنّ يخدمونه (٢) فى إظهار السّرقات، وغير ذلك. - وفيه قبض على جماعة من طائفة الأشرفية، ممن ركب مع قرقماس، فسجنوا بالبرج الذى بالقلعة.
وفيه قرئ تقليد السلطان بالقصر على العادة، وجلس كاتب السرّ [ابن] نصر الله على كرسى، وقرئ بحضرة القضاة. - ووقع فى ذلك اليوم بين قاضى القضاة سعد الدين الديرى، وبين قاضى القضاة شهاب الدين بن حجر تشاجر، فقال ابن حجر فى الملأ العام:
«قد عزلت نفسى من القضاء»، فتلافى السلطان خاطره، وأعاده إلى القضاء، وأخلع عليه وأعاده إلى عدّة أنظار كانت خرجت عنه فى دولة (٣) الأشرف برسباى، ونزل من القلعة، وهو فى غاية العظمة، فى موكب حافل، وفى ذلك هو القائل عن نفسه، ﵁:
يا أيها السلطان لا تستمع … فى أمر قاضيك كلام الوشاه
والله لم نسمع بأن امرأ … أهدى له قط ولا قدر شاه
وفيه أمر السلطان بعقد مجلس، فحضر القضاة ومشايخ العلم، فتكلّموا فى أمر سلالم مآذن (٤) مدرسة السلطان حسن، بأن يحصل منها على القلعة غاية الضرر، وقامت بذلك البيّنة، فحكم القاضى المالكى شمس الدين محمد البساطى بهدم سلالم المئذنتين (٥)، فهدما، وعدّ ذلك من النوادر.
وفيه عمل السلطان الموكب بالقصر، وأخلع على آقبغا التمرازى، وقرّر أتابك العساكر بمصر، عوضا عن قرقماس الشعبانى؛ وقرّر آقبغا التمرازى أيضا فى نيابة السلطنة، مضافا للأتابكية، وصار يحكم بين الناس على جارى العادة القديمة؛ وقرّر
стр. 1645
يشبك المشدّ فى أمرية سلاح، عوضا عن آقبغا التمرازى؛ وقرّر جرباش الكريمى قاشق فى أمرية مجلس، عوضا عن يشبك المشدّ. - وفيه أخلع السلطان على القاضى كمال الدين بن البارزى صهر السلطان، وقرّره فى كتابة السرّ، عوضا عن البدر بن نصر الله، وهذه ثالث ولاية وقعت للكمال بن البارزى بمصر.
وفيه أخلع السلطان على أسنبغا الطيارى، وقرّر فى الدوادارية الثانية، عوضا عن أينال الأشرفى؛ وقرّر فى الحجوبية الثانية يلبغا البهاى، عوضا عن أسنبغا الطيارى؛ وأنعم على أينال الأشرفى بتقدمة ألف، وقرّر أمير حاج المحمل. - وفيه رسم السلطان بنفى جماعة من المماليك الأشرفية إلى الواح (١). - وفيه انهبط النيل المبارك بسرعة، وشرق غالب البلاد، وأكلت الدودة البرسيم. - وفيه رسم السلطان بهدم الكنيسة المعلّقة، التى كانت بمصر العتيقة، وحكم بهدمها بعض القضاة.
وفى جمادى الأولى (٢)، أخلع السلطان على القاضى ولى الدين السفطى، وقرّر فى وكالة بيت المال، وصار من المقرّبين عند السلطان. - وفيه قرّر زين الدين يحيى الأشقر القبطى فى نظر الاصطبل، وهو أول وظائفه؛ وقرّر محمد الصغير، معلّم النشّاب. - وفيه قرّر الشيخ محيى الدين الكافيجى، شيخ زاوية الأشرف برسباى، التى تجاه تربته، وكان بها الشيخ حسن العجمى، الذى كان من خواصّ الأشرف برسباى، وغضب عليه الملك الظاهر جقمق، وضربه بالمقارع، وأشهره فى القاهرة، ثم نفاه إلى قوص، وقصد يثبت تكفيره، فما ثبت عليه شئ.
وفيه قرّر فى قضاء مكّة المشرّفة، والخطابة بها، القاضى أمين الدين أبو اليمن محمد النويرى، عوضا عن أبى السعادات بن ظهيرة الشافعى، بحكم صرفه عنها. - وفيه توفّى الأمير جوهر اللاّلا (٣) الزمام، وكان قاسى (٤) بعد موت الأشرف برسباى شدائد ومحن، وصودر بعد ما كان فيه فى أيام الأشرف برسباى من أرباب الحلّ والعقد، ورأى من العزّ
стр. 1646
والضخامة [١] ما لا يسمع بمثله، وهو صاحب المدرسة التى بالمصنع، واصله من خدّام بهادر المشرف، وكان له برّ ومعروف. - وفيه عيّن السلطان تجريدة إلى مكّة المشرّفة، وكان الباش عليها سودون المحمدى، ومائة مملوك من الأشرفية المغضوب عليهم.
وفى جمادى الآخرة، قرّر فى نظر جدّة القاضى تاج الدين محمد بن السمسار، عوضا عن ابن المرّة. - وفيه تغيّر خاطر السلطان على الشيخ أبى اليسر محمد بن أبى هريرة ابن النقّاش، وأخرجه عن خطابة جامع ابن طولون وقراءة [٢] الميعاد، وقرّر فيهما برهان الدين بن الميلق، وكان فى نفس السلطان من ابن النقّاش هذا عداوة قديمة.
وفيه حكم القاضى بهاء الدين الأخناى المالكى أحد النوّاب، بقتل يخشى باى [٣] الأشرفى، الذى كان أمير آخور، وقد ادّعى عليه أنه سبّ حسام الدين بن حريز المالكى قاضى منفلوط، وكان ذلك بحسب الوسائط المتعصّبة عليه. - وفيه رسم السلطان بهدم دار ابن النقّاش، التى برز بها فى جامع [ابن] طولون، فلم يوافق ابن حجر على ذلك، ولكن هدمت فيما بعد.
وفى رجب، أخلع السلطان على آقبغا التركمانى، وقرّره فى نيابة الكرك، عوضا عن الغرسى خليل والد الشيخ عبد الباسط الحنفى؛ وقرّر الغرسى خليل فى أتابكية صفد. - وفيه نفق السلطان على العسكر نفقة الكسوة، فتوقّفوا من القبض لها، فزادهم السلطان على ذلك شيئا.
وفيه أمر السلطان بعقد مجلس بالقضاة الأربعة، بسبب الأتابكى قرقماس الشعبانى، وقد ادّعى لنفسه عليه بأنه وقع فى كفر، فحقر وكيل السلطان فى قرقماس الذى بالسجن، فادّعى عليه بين يدى قاضى القضاة شمس الدين البساطى المالكى، بأن قرقماس خرج عن الطاعة، ووثب على السلطان، وخان الأيمان التى حلفها؛ وكان
стр. 1647
الملك الظاهر له قصد فى قتل قرقماس، وأن قتله فيه مصلحة، وشهد عليه جماعة من الأمراء، فحكم القاضى بموجب ما قامت به البيّنة.
فلما ثبت ذلك عيّن له السلطان بعض الخاصكية، فتوجّه إلى ثغر الإسكندرية، فأخرجه وهو مقيّد بين يدى نائب الإسكندرية، وأوقفه على المحضر بما حكم به القاضى المالكى، فأجاب قرقماس بعدم الدافع والمطعن؛ ثم أحضر إليه المشاعلى، [فعرّاه وكتّفه] (١) وضرب عنقه، فأخطأ، وجاءت الضربة على كتفه، ثم ضرب الثانية فأخطأ، وجاءت الضربة تحت كتفه، ثم ضرب الثالثة، فأصابت (٢) الضربة عنقه ولم تقطعه، ففتّشوه، فوجدوا فى فمه خاتم فضّة مرصودا، فأخرجوه من فمه، ثم حزّوا بقيّة رأسه بسكين غير ما مرّة، وكانت قتلته من أشنع القتلات، وصار مرمى بعد قتله على الأرض، حتى دفنه بعض أتباعه فى مقبرة الإسكندرية؛ وكان قرقماس أصله من مماليك الظاهر برقوق، وكان أميرا مبجّلا معظّما مهابا، تولّى عدّة وظائف [سنيّة، منها: إمرة السلاح والأتابكية وحجوبية الحجّاب ونيابة حلب وغير ذلك من الوظائف] (٣)، وكان ترشّح أمره إلى السلطنة فما قسم له شئ، كما قيل فى المعنى:
قليل الحظّ ليس له دواء … ولو كان المسيح له طبيب
وفيه قرّر يلبغا [البهاى] (٤) فى نيابة الإسكندية، وصرف عنها تمرباى الدوادار. - وفيه وصل على بك بن قرايلك إلى القاهرة، وكان صحبته [ولده] (٥) حسن بك الطويل، الذى تولّى ملك العراقين فيما بعد، فأنزلهما السلطان، ورتّب لهما ما يكفيهما. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب اليمن الملك الظاهر هزبر الدين عبد الله بن إسماعيل، فلما مات تولّى بعده ابنه وتلقّب بالأشرف، وكان له من العمر نحو من عشرين سنة. - وفيه قرّر الشيخ برهان الدين البقاعى فى قراءة البخارى، عوضا عن نور الدين السويفى إمام الأشرف برسباى.
стр. 1648
وفى شعبان، جاءت الأخبار بعصيان تغرى برمش نائب حلب، وخروجه عن الطاعة. - وفيه قوى عزم السلطان على هدم دار ابن النقّاش التى فى زيادة جامع ابن طولون، فحكم شمس الدين البساطى بهدمها، بعد ما جرى أمور يطول شرحها، وقد فرغت إجارة أرضها، وكانت محتكرة.
وفيه صنع قاضى القضاة شهاب الدين [ابن حجر] (١) وليمة حافلة، وتوجّه إلى نحو التاج والسبع وجوه، وعزم على قضاة القضاة، ومشايخ العلم قاطبة، وحضر ولد السلطان المقرّ الناصرى محمد، وأعيان جماعة الدولة من المباشرين، مثل: القاضى عبد الباسط، والكمال بن البارزى كاتب السرّ، والجمالى يوسف ناظر الخاص (٢)، وغير ذلك من الأعيان، فمدّ أسمطة حافلة من الأطعمة الفاخرة، ومدّ سماط فاكهة وحلوى وسكّر حريف، وكان يوما مشهودا، وسبب ذلك أنه انتهى من الشّرح الذى ألّفه فى شرح البخارى، وسمّاه: «فتح البارى فى شرح البخارى»، وحضر الريّس ناصر الدين المازونى، وعمل واعظا، وكان يوما بالسلطانى.
وفى رمضان، وصل برد بك العجمى صاحب حماة، وأخبر أن تغرى برمش، نائب حلب، ملك قلعة حلب، فقلق السلطان لهذا الخبر، وبعث مراسيم إلى جلبان، نائب طرابلس، بأن ينتقل إلى نيابة حلب، عوضا عن تغرى برمش، وكتب باستقرار قانى بك فى نيابة طرابلس، عوضا عن جلبان، واستقرّ برد بك العجمى حاجب (٣) بحلب، عوضا عن قانى بك.
وفيه توفّى قاضى القضاة المالكى البساطى شمس الدين محمد، وكان عالما فاضلا فى مذهبه، وكان مولده سنة ستين وسبعمائة. - ثم بعد وفاته عيّن السلطان قضاء المالكية للشيخ عبادة الزرزاى، فلما بلغه ذلك اختفى (٤) من داره، فلما أيس منه السلطان أخلع على
стр. 1649
الشيخ بدر الدين ابن قاضى القضاة شمس الدين (١) التنسى، وقرّر فى قضاء المالكية، عوضا عن البساطى بحكم وفاته؛ فلما قرّر ابن التنسى فى القضاء ظهر الشيخ عبادة من يومه.
وفيه جاءت الأخبار من دمشق بأن أينال الجكمى نائب الشام، قد خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان، ووافق نائب حلب على المخامرة، فتنكّد السلطان لذلك، فجمع الأمراء للمشورة، فأشاروا عليه بخروج تجريدة لهما. - ثم جاءت الأخبار بأن نائب الشام منع اسم السلطان من الخطبة على منابر دمشق، وخطب باسم العزيز يوسف بن برسباى، وقد ملك قلعة الشام، فتزايد قلق السلطان، ورسم بعرض الجند، ثم عمل الموكب بالقصر وأخلع على الأتابكى آقبغا التمرازى، واستقرّ فى نيابة الشام، عوضا عن أينال الجكمى.
وفيه جاءت الأخبار بأن جماعة من الإفرنج الكيتلان جاءوا نحو سواحل الشام، وقد اضطربت الأحوال على الملك الظاهر فى أوائل سلطنته من كل جانب. - ثم إن السلطان عيّن تجريدة إلى الشام وحلب، وعيّن بها عدّة أمراء مقدّمين ألوف، منهم: قرا خجا الحسني رأس نوبة كبير، وغير ذلك من المقدّمين والعشروات؛ وعيّن من الجند زيادة على خمسمائة مملوك، ونفق عليهم، فأعطى لكل مملوك نحوا من ثمانين دينارا، فأخذوها على كره منهم، وكادت أن تثور فتنة؛ ثم إن السلطان أرسل لبقيّة النواب بأن يلاقوا العسكر، فخرج نائب صفد أينال الأجرود، ونائب طرابلس، وغير ذلك من النوّاب.
وفيه جاءت الأخبار بأن أهل حلب (٢) ثاروا على تغرى برمش نائب حلب، ورجموه [وأخرجوه] (٣) من حلب، ونهبوا جميع ما فى دار السعادة، حتى قمش حريمه؛ وسبب ذلك أن نائب حلب صار يحاصر القلعة، حتى كاد أن يشرف على أخذها، فرأى أن أهل حلب مائلين مع نائب القلعة، فغضب منهم، ونادى فى المدينة للعوام بأن ينهبوا البلد؛
стр. 1650
فلما سمعوا أهل حلب هذه المناداة، ثاروا على النائب وأخرجوه من المدينة، وكانت هذه الحركة أول إظهار سعد السلطان الملك الظاهر جقمق؛ ثم أخذوا فى أسباب قتل من كان من جماعة نائب حلب، فلما فرّ تغرى برمش من حلب، قصد أن يتوجّه إلى طرابلس، والتفّ عليه جماعة كثيرة من التركمان، فتحاربوا مع النوّاب وكانوا بالرملة، فكسرهم نائب حلب، فكاتبوا السلطان بأن الأمر عظيم، ومن الرأى أن يخرج إليهم السلطان بنفسه.
وفيه، بعد العصر، قريب من المغرب، أشيع بين الناس هروب الملك العزيز من القلعة، وقد تقدّم أن السلطان رقّ له ولم يسجنه كعادة أولاد الملوك، وأسكنه فى قاعة البربريّة، ورتّب له ما يكفيه؛ فلما كان ليلة عيد الفطر، هرب من القلعة على حين غفلة، وكانوا (١) مماليك أبيه (٢) الأشرفية أرسلوا يقولوا له إن السلطان يروم قتله، فخاف على نفسه، فأسرّ ذلك إلى بعض طبّاخين (٣) أبيه، وهو شخص يقال له إبراهيم الطبّاخ، فعمل الحيلة فى هروبه من القلعة، وأن يتوجّه به نحو الشام عند أينال الجكمى المذكور.
فلما كان ليلة عيد الفطر، نقب حائطا من خلف قاعة البربريّة، وأخرجوه منه، وغيّر زيّه وألبسه ثياب صبىّ، [مروّق دار، وحمّله رخميّة فيها طعام، ولوّث وجهه بسواد الدست، فكان ذلك فألا عليه] (٤)، فلما مشى إلى باب القلعة ورأى مقدّم المماليك، وقف وبهت، فجاءه إبراهيم: الطبّاخ وضربه فى ظهره (٥)، وشتمه وسبّه، واستحثّه فى المشى، وكان ذلك بين المغرب والعشاء؛ فلما عدّى (٦) باب القلعة، ونزل من باب المدرّج،