وكان كريم اليد، سخىّ النفس، منقادا إلى الشريعة، يحبّ العلماء والصلحاء؛ وكان عنده التواضع، يصلّى على من يموت من أهل مصر، من فقير أو غنىّ؛ وكان له اشتغال بالعلم، وطلب الحديث؛ وكان يتصدّق فى كل أسبوع على فقراء البلد، بثلاثة آلاف دينار، غير الرواتب الجارية على أهل المساجد والزوايا، فى كل شهر ألف دينار؛ وكان يرسل إلى مجاورين (١) الحرمين فى كل سنة كسوة الشتاء والصيف.
وكان نافذ الكلمة، وافر الحرمة، استقلّ فى أيامه بملك مصر، ولم يدخل تحت طاعة خلفاء بغداد؛ وكان حكمه من بلاد الغرب إلى الفرات، وفتح فى أيامه مدينة أنطاكية، وغيرها من البلاد؛ وكان الناس يخيّرونه على خلفاء بغداد فى عدله بين الرعيّة.
غير أنّه كان شديد الغضب، سيّئ الخلق، سفّا كاللدماء، إذا قدر لم يعف (٢)، حتى قيل مات فى حبسه ثمانية عشر ألف إنسان؛ ولما مات دفن خارج باب القرافة.
قال بعض الثقات: كنت أرى شيخا من أهل العلم، يقرأ على قبر الأمير أحمد ابن طولون فى كل يوم، ثم رأيته بعد ذلك ترك القراءة على قبره، فسألته عن ذلك، فقال لى: «كان للأمير أحمد علىّ من البرّ والإحسان ما لا أطيق وصفه، فأحببت أن أواسيه بشئ من القرآن بعد موته، فرأيته فى بعض الليالى فى المنام، فقال لى:
يا فلان، بالله لا ترجع تقرأ على قبرى شيئا، فلا تمرّ بى آية من القرآن إلا قيل لى: أما سمعت هذه الآية فى دار الدنيا، فهل لا كنت تعمل بها؟ وما رأيت أشدّ على ملوك الدنيا من الحجّاب، فى كتمهم لحوايج المظلومين عن الملوك».
وقد قيل فى المعنى:
ولو أنّا إذا متنا تركنا … لكان الموت راحة كل حىّ
ولا كنّا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعد ذا عن كل شىّ
стр. 177
قال ابن وصيف شاه: خلف الأمير أحمد بن طولون من الذهب العين عشرة آلاف ألف ألف دينار، ومن المماليك المشتراوات سبعة آلاف مملوك، ومن العبيد الزنج أربعة وعشرين ألف عبد، ومن الخيول سبعة آلاف فرس (١)، ومن البغال ستة آلاف بغل (٢)، ومن الجمال عشرة آلاف جمل (٣)؛ ومن الفصوص والجواهر مائة صندوق؛ ومن المراكب الحربية ألف مركب (٤)؛ هذا خارجا عن الضياع والأملاك والبساتين وغير ذلك.
وبلغ خراج مصر فى أيامه أربعة آلاف ألف دينار وثلثماية ألف دينار، ولم يفده المال عند انقضاء الأجل، كما قيل:
خذ القناعة من دنياك وارض بها (٥) … واقصد لنفسك منها راحة البدن
وانظر لمن قد حوى مما سمعت (٦) به … هل خصّه غير بعض القطن والكفن
ولما مات الأمير أحمد بن طولون، تولّى بعده ابنه الأمير خمارويه، انتهى ذلك.
ذكر أخبار الأمير خمارويه بن أحمد بن طولون:
قال ابن وصيف شاه: لما تولّى الأمير خمارويه على مصر، مشى على نظام والده أحمد، وأبقى الجند على حالهم؛ وكان يحبّ الجياد من الخيل، وكان لها أنساب مثبوتة فى الدواوين، كأنساب الناس.
وكان مولعا بالعمائر وغرس الأشجار؛ قيل إنّه أنشأ له، بالقرب من جامع أبيه، ميدانا، ونقل إليه الأشجار من سائر البلاد، حتى من خراسان ومكّة واليمن، فكان به سائر الفواكه والرياحين، حتى الكادى والقرنفل والسنبل والزعفران، وغير ذلك من الرياحين والزهور، والأشياء الغريبة، التى لم تزرع قط بمصر.
стр. 178
وجعلها كالسطور، تقرأ بألفاظ، مثل: «نصر من الله، وفتح قريب»، وما أشبه ذلك؛ ووكّل بها جماعة بأيديهم مقاريض من الذهب والفضّة، يصلحون ما يفسد من الأوراق، ويخرج عن قالب الاعتدال من الخروف؛ وكان يسحق المسك والكافور، وينثره على تلك الرياحين والأزهار، وقد قيل فى المعنى:
بستان مجلسك الجنىّ ثماره … لم يبد إلا وهو فى أكمام
والزهر مختلف به ألوانه … ولقد يجلّ ثراه عن نمام
ثم إنّه ألبس قوائم الأشجار الكبار بالنحاس الأصفر، وطلى (١) فوقه بالذهب، فكانت الشمس إذا طلعت على تلك الأشجار، لا يقدر أحد أن ينظر إليها، من شدّة اتّقادها تكاد تخطف بالأبصار.
ثم صنع فى ذلك البستان بحرة كبيرة، وملأها من الزئبق، وكان يضع له على ذلك (٢) الزئبق فراشا من جلد الحيّات (٣)، أنعم من الحرير، وله حركات، يمتلئ بالريح، ثم يسدّ فاه بحبل، ويطرح له فراش على ذلك الجلد، وينام عليه.
قال بعض المؤرّخين: إنّ خمارويه كان يعتريه ضربان المفاصل، فكان لا ينام الليل، فصنع له ذلك لعلّ يجد له راحة، وينام ساعة.
[وفى سنة ثمان وسبعين ومائتين، ظهر فيه نجم الذنب، وكان له ذؤابتان، ثم طارت منه ذؤابة، وبقيت الأخرى أياما، ثم اضمحلّ جميعه، فتطيّر الناس من ذلك.
وفى أيامه سنة ثمان وسبعين ومائتين، احترق بحر النيل جميعه، حتى لم يبق (٤) منه شئ، فكان الناس يشربون من الحفائر، وهذا شئ لم يعهد بمثله فيما تقدّم] (٥).
قال ابن وصيف شاه: خرج خمارويه يوما إلى الفضاء فلقيه أعرابى، فأخذ بعنان فرسه، وأنشد يقول:
стр. 179
إنّ السنان وحدّ السيف لو نطقا … لحدّثا عنك فى الهيجاء بالعجب
أفنيت مالك تعطيه وتبذله … يا آفة الفضّة البيضاء والذهب
فلما سمع خمارويه ذلك، قال لغلامه: «ادفع إليه ما معك فى الخريطة»، فوجد فيها خمسمائة درهم (١)، فقال الأعرابى: «زدنى أيها الأمير، فمثلك من يزد»، فقال خمارويه للمماليك: «اطرحوا عليه مناطقكم وسيوفكم»، وكانت مسقّطة بالذهب، فقال الأعرابى: «ومن يحمل لى ذلك»؟ فأمر له يبغل، فحمّل ذلك عليه ومضى.
[وفى أيامه توفّى الحارث بن مسكين بن يوسف الأموى، قاضى مصر، ولد سنة أربع وخمسين ومائة، ومات سنة خمسين ومائتين، فى دولة أحمد بن طولون.
وفى سنة ست وسبعين ومائتين، توفّى قاسم بن محمد ابن قاسم الأموى القرطبى، صاحب «التذكرة»، ﵀] (٢).
وفى سنة ثمانين ومائتين، توفّى القاضى بكار بن قتيبة بن راشد الثقفى الحنفى، ﵁، وكان من ولد أبى بكر الصحابى، تولّى القضاء بمصر فى أيام الخليفة المتوكّل على الله، سنة ست وأربعين ومائتين؛ وكان مولده سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان حنفى المذهب، وهو شيخ الطحاوى؛ مات فى المحرّم من تلك السنة، ودفن مقابل تربة الإمام الشافعى، ﵀.
وفى هذه السنة أرسل للعتضد بالله، خليفة بغداد، يخطب قطر الندى، بنت الأمير خمارويه، فأمهرها الخليفة المعتضد مائة ألف دينار، ومائة ألف شقّة حرير ملوّن؛ فخرجت من مصر إلى بغداد، وكان معها من القماش والأوانى ما لا يحصر، حتى قيل نقل جهازها من مصر إلى بغداد فى ستة أشهر، فكان من جملة ما ذكر من جهازها، مائة هاون ذهب، وألف سروال حرير، وفى تكّة كل سروال جوهرة قدر بيضة الحمامة؛ فلما وصلت إلى بغداد، ودخل عليها المعتضد، فأحبّها حبّا شديدا.
قيل إنّه وضع يوما رأسه فى حجرها ونام، فلما غرق فى النوم تلطّفت
стр. 180
به حتى أزالت رأسه عن حجرها، ووضعتها على وسادة، فلما انتبه من منامه، ناداها، فأجابته من مكان قريب، فقال لها: «قد أسلمت نفسى إليك ونمت على حجرك، فتركتينى ومضيت (١) عنى، أكلّيت (٢) منى»؟ فقالت: «والله لم أكن كلّيت من أمير المؤمنين، إنّ مما أدّبنى به والدى أن لا أجلس مع النيام، ولا أنام مع الجلوس»، فاستحسن منها ذلك، وأقامت معه حتى مات، وقيل فى المعنى:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا … يغنيك مضمونه عن النسب
إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا … ليس الفتى من يقول كان أبى
واستمرّ خمارويه على ولايته بمصر، حتى هجم عليه بعض خدّامه فى الليل، وذبحه وهو نائم فى فراشه، وكانت قتلته فى ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وكانت مدّة ولايته بمصر نحو اثنتى عشرة سنة وشهر.
ثم تولّى من بعده ابنه أمير جيوش (٣)، ويعرف أيضا بالأفضل، وهو صاحب السوق المعروف به.
قال القضاعى: إنّ الأفضل هذا هو الذى بنى (٤) المسجد المطلّ على بركة الحبش، المعروف الآن بالرصد، وإنما سمّى بالرصد، قيل: كان فوقه كرة من نحاس أصفر، قدرها قنطار، وهى قائمة على عمد من رخام، بسبب تحرير الساعات، لأجل دخول أوفات الصلوات؛ ولم ينسب إلى الحاكم بأمر الله من بنائه شئ، وإنما هى إشاعة بين الناس فى نسبته إلى الحاكم بأمر الله. - وهو حفر خليج أبى المرجا، وكان المتولّى أمر حفره أبو المرجا شعيا اليهودى، فعرف به.
ومن الحوادث فى أيامه، قد هاجت ريح سوداء، واشتدّ هبوبها وأظلم الجوّ حتى ظهرت النجوم بالنهار، فارتاع الناس من ذلك، ثم توجّهوا إلى المساجد يبتهلون إلى الله بالدعاء، فلم تزل الرياح عاصفة (٥) إلى بعد المغرب، حتى سكن الحال.
стр. 181
[قال ابن الجوزى: إنّ فى سنة ثمان وسبعين ومائتين، جاءت الأخبار من مصر إلى بغداد، بأنّ النيل قد غار عن آخره، ولم يبق منه شئ؛ وهذا من العجائب التى لم يسمع بمثلها من قديم الزمان إلى الإسلام، وفى هذه الواقعة يقول القائل:
تقاصر النيل عنا … تقاصرا متتابع
حتى قنعنا اضطرارا … منه بمصّ الأصابع
وهذه الواقعة من النوادر] (١).
واستمرّ أمير الجيوش على ولايته بمصر حتى قتل أيضا، فكانت مدّة ولايته على مصر نحو سنة؛ ولما مات دفن فى مسجد بحارة برجوان.
ثم تولّى بعده الأمير هرون بن خمارويه. - ومن الحوادث فى أيامه أنّ شخصا يسمّى أبو الحسن الخراسانى، توجّه إلى نحو أطفيح، هو وجماعة من أصحابه، فوجدوا فى بعض الدفائن شربة زجاج أزرق، بعروة خضراء، فأخذها أبو الحسن المذكور، وجاء إلى شاطئ النيل وملأ منه تلك الشربة، وناولها لبعض أصحابه ليشرب منها، فوجده خمرا مسكرا، طيب الرائحة، أحمر اللون، ولم يكونوا يعلمون ما فى هذه الشربة من السرّ؛ فلما علموا شأنها، فرام كل أخذ منهم أخذها، فتخاصموا عليها، فوقعت من بين أيديهم وانكسرت، فوجدوا فيها شخصا لطيفا من نحاس أصفر، وتحت رجله عنبة، وهو يعصرها.
فلما شاع أمرهم بين الناس، أحضرهم الأمير هرون بين يديه، فوجد الشربة قد كسرت، فأسف عليها واغتمّ لذلك، ثم قال: «لو كانت صحيحة لشريتها ببعض ملكى»، وكانت هذه الشربة من صنعة الحكماء اليونانية.
وفى أيامه وقعت زلزلة بمصر، حتى وصلت إلى الإسكندرية، وسقط منها رأس المنار، وكانت زلزلة عظيمة جدّا.
واستمرّ الأمير هرون على ولايته بمصر، حتى دخل عليه عمّاه: شيبان وعدى، وهما ابنا الأمير أحمد بن طولون، فقتلاه وكان ثملا، فقتل فى فراشه؛ وكانت مدّة
стр. 182
ولايته على مصر نحو تسع سنين إلا أشهر.
وفى أيامه توفّى المسبحى (١) المؤرخ، سنة أربع وثمانين ومائتين.
ثم تولّى بعد الأمير هرون، عمّه شيبان، الذى قتله، وكان يعرف بأبى المقانب؛ فكانت مدّة ولايته على مصر اثنى عشر يوما، كما قيل:
فغضّ الطرف إنك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا
والأمير شيبان هذا هو آخر من تولّى على مصر من بنى طولون، وبه زالت دولتهم كأنها لم تكن.
ثم أرسل الخليفة المكتفى بالله
محمد بن سليمان الرافقى، إلى مصر، فقبض على شيبان، واعتقله، وتولّى مكانه على مصر، فأقام بها مدّة أربعة أشهر، وعزل عنها.
ثم تولّى بعده الأمير عيسى الدنوشرى. - وفى أيامه وقعت صاعقة بمدينة الفسطاط، فأحرقت عدّة أماكن منها.
وفى أيامه توفّى أبو العباس الناشى، الشاعر، عبد الله بن محمد، كان أصله من الأنبار، وكان معتزلى، أقام ببغداد مدّة، ثم رحل عنها، ودخل مصر، وأقام بها حتى مات سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، فمن شعره قوله:
الكرم من كرم الطباع وفضلها … والراح روح أخى الغرام الجاهد
ولتلك سمّيت الشمول لجمعها … شمل الخليط وضمّها للغارد
فتفاءلوا باسم المدام لأنّ فى … إدمانها إسعاد كل مساعد
وهى العقار لأنهم عقروا بها … ما جمّعوا من طارف أو تالد
فاعتض بها عن كل شئ فائت … واغضض بها عين العدوّ الحاسد
فأقام الأمير عيسى الدنوشرى فى ولايته على مصر، إلى أن مات بها سنة سبع وتسعين ومائتين، فكانت مدّته خمس سنين وشهرين.
стр. 183
ثم تولّى بعده أبو منصور تكين الخاصة، فأقام بها إلى سنة ثلاث وثلثماية، ثم صرف عنها. - وفى أيامه توفّى أحمد بن شعيب النسائى، أحد الحفّاظ، توفّى بالرملة سنة ثلاث وثلثماية.
ثم تولّى بعده دكا أبو الحسن الأعور، فأقام مدّة يسيرة، وعزل.
ثم أعيد تكين الخاصة ثانيا، ثم صرف.
وتولّى بعده هلال بن بدر، فأقام بها إلى سنة إحدى عشرة وثلثماية.
وفى سنة عشر وثلثماية، توفّى الشيخ أبو الحسن بنان الحمال الواسطى، نزيل مصر، وكان صاحب كرامات خارقة، توفّى فى شهر رمضان. - وفى أيامه توفّى أحمد بن محمد بن عثمان بن شبيب، شيخ القراء، مات سنة اثنتى عشرة وثلثماية.
وفى هذه السنة حضر إلى مصر، من عند صاحب النوبة، هديّة للخليفة المقتدر بالله، فمن جملتها بغلة، ومعها فلوها، يتبعها ويرضع منها اللبن، وهذا من العجائب؛ ومن جملة الهديّة غلام زنجى، لسانه يصل إلى جبهته، حكى ذلك صاحب «مرآة الزمان».
ولما صرف، تولّى بعده أحمد بن كيغلغ، ثم صرف من عامه.
وأعيد تكين، وهى ثالث ولاية، فأقام فى هذه الولاية، إلى أن مات سنة إحدى وعشرين وثلثماية، وكانت مدّة ولايته فى هذه المرّة نحو عشر سنين وأشهر.
وفى أيامه توفّى أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوى الأزدى المصرى الحنفى، ابن أخت المزنى، ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات فى ذى القعدة سنة إحدى وعشرين وثلثماية.
وفى هذه السنة توفّى أيضا الحافظ مكحول، مات فى جمادى الآخرة من تلك السنة. - وفيها توفّى محمد بن عبد الله البيرونى.
ولما مات تكين الخاصة، تولّى بعده ابنه محمد، فلم تطل أيامه، وعزل فى أيام الخليفة القاهر بالله.
стр. 184
ذكر ابتداء دولة الإخشيدية بمصر
قال الكندى: إنّ من تولّى بمدينة فرغانة يسمّى الإخشيدى، فكان أول من تولّى منهم بمصر، محمد بن طقج الإخشيدى، فتغلّب على مصر، وأخذها باليد، فأقام بها مدّة يسيرة.
وتغلّب عليه أحمد بن كيغلغ، وصرفه عنها، وتولّى عليها، فأقام بها مدّة يسيرة.
وتغلّب عليه محمد بن طقج، فصرفه عنها، وأعيد إليها محمد بن طقج ثانيا.
وفى هذه الأيام وقع الاضطراب فى سائر البلاد، لضعف شوكة الخلفاء العباسية، فكانت مصر والشام بأيدى الإخشيدية؛ والموصل، وديار بكر، وديار ربيعة، ومضر، بأيدى بنى حمدان؛ وفارس بيد الأمير أحمد بن بويه؛ وخراسان بأيدى نصر بن أحمد؛ وواسط والبصرة والأهواز بأيدى البريدى؛ وكرمان بأيدى محمد ابن إياس؛ والرى، وأصفهان، والجبل، بأيدى الحسن بن بويه؛ والغرب وافريقية، بأيدى أبى عمرو الغسانى، وطبرستان، وجرجان، بأيدى الديلم؛ والبحرين، واليمامة، وهجر، بأيدى أبى طاهر القرمطى؛ ولم يبق (١) بأيدى خلفاء بغداد سوى مدينة بغداد وأعمالها.
ثم إنّ محمد طقج أقام على ولايته بمصر، إلى أن مات سنة أربع وثلاثين وثلثماية.
وفى أيامه توفّى النسانى سنة ثلاث وثلاثين وثلثماية، مات بمكّة، وكان مولده سنة خمس عشرة ومائتين. - وتوفّى فى أيامه أيضا أبو بكر بن محمد بن عبد الله الصيرفى، كان من العلماء، توفّى فى رجب سنة ثلاثين وثلثماية.
وتوفّى فى أيامه الحافظ أبو بكر الطحان، مات سنة ثلاث وثلاثين وثلثماية. - وفى أيامه توفّى الشيخ العارف بالله أبو الحسن على بن محمد بن سهل الدينورى المعروف بالصايغ، توفّى فى رجب سنة إحدى وثلاثين وثلثماية، ﵁.
ولما مات الأمير محمد بن طقج، قولّى بعده ابنه الأمير أبو بكر بن محمد بن طقج،
стр. 185
وكان صغير السن، وكان القائم بتدبير أمور للملكة خادمهم: كافور، فساس الناس فى أيامه أحسن سياسة، ومشى على نظام والده.
وفى أيامه توفّى النيسابورى الحافظ أبو زكريا محمد، توفّى سنة سبع وثلاثين وثلثماية، وقيل بل مات سنة سبع وثلثماية، فى أيام تكين الخاصة، والله أعلم. - وتوفّى عبد المنعم بن عبد الله بن عليون، مؤلف كتاب «الإرشاد فى القراءات»، مات سنة تسع وثلاثين وثلثماية.
وفى سنة تسع وثلاثين وثلثماية، توفّى الطحاوى، تلميذ القاضى بكار، واسمه الحسن بن داود، قدم من بغداد إلى مصر، ثم عاد إلى بغداد، فمات بها، ولم يبلغ من العمر سوى أربعين سنة.
وتوفّى أبو إسحق المروزى إبراهيم بن أحمد، أحد الأئمّة المجتهدين، توفّى بمصر سابع رجب سنة أربعين وثلثماية، ودفن عند الإمام الشافعى.
وفى سنة اثنتين وأربعين وثلثماية، توفّى العلامة محمد بن سكرة الهاشمى، صاحب النظم الرقيق. - وتوفّى أبو بكر بن الحداد الكنانى، مات فى صفر سنة خمس وأربعين وثلثماية، وكان من أعيان العلماء والحفّاظ.
ومن الحوادث، أنّ فى سنة ست وثلاثين وثلثماية، لم يوجد بفسقية المقياس (١) ماء أصلا، فلما أرادوا [أن] (٢) يأخذوا قاع النيل، أخذوه من برّ الجيزة، فكان النيل فى تلك السنة خسيسا جدّا، وبلغت الزيادة أربعة عشر ذراعا وستة عشر أصبعا، فوقع الغلاء بمصر؛ واستمرّ فى كل سنة يزيد زيادة خسيسة، ولم يبلغ إلى ستة عشر ذراعا، وأقام على ذلك نحو تسع سنين، والغلاء مستمرّ بمصر، وقد قال القائل:
تقاصر النيل عنا … تقاصرا متتابع
حتى قنعنا اضطرارا … منه بمصّ الأصابع
стр. 186
وقال آخر:
ربّ وفّ النيل إنّا … منه فى شرّ وباوه
ما بقى للناس صبر … يحملون اليوم غلوه
ومن الحوادث أنّ فى سنة تسع وأربعين وثلثماية، جاءت الأخبار بأنّ السيل نزل على الحجّاج، وأخذهم عن آخرهم، وألقاهم فى البحر المالح.
وفى أيامه توفّى السيد العلوى الشريف أحمد بن محمد بن إسمعيل بن إبراهيم طباطبا المصرى، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، مات فى شعبان سنة خمس وأربعين وثلثماية، ومن نظمه الرقيق، وهو قوله:
رأيت الهلال ووجه الحبيب … فلم أدر أيهما أنور
على أنّ ذاك بعيد المنال … وهذا قريب لمن ينظر
وذاك يغيب وذا حاضر … وما من يغيب كمن يحضر
ونفع الهلال لنا ساعة … ونفع الحبيب لنا أكثر
واستمرّ الأمير أبو بكر بن محمد بن طقج على ولايته بمصر، حتى مات سنة تسع وأربعين وثلثماية، فكانت مدّة ولايته بمصر نحو خمس عشرة سنة؛ وكان وافر الحرمة، نافذ الكلمة، بلغ خراج مصر فى أيامه ألفى ألف ألف دينار، وانصلح الحال على أيامه، وبلغت عدّة عساكره بمصر والشام، نحو أربعمائة ألف فارس، وهو أول من رتّب الجوامك للجند بقدر معلوم فى كل شهر؛ ولما مات دفن بمصر، عند مدينة الفسطاط، وقد رثاه أبو الطيب المتنبى بهذه الأبيات:
هو الزمان مشت بالذى جمعا … فى كل يوم نرى من صرفه بدعا
لو كان ممتنع تغنيه منعته … لم يصنع الدهر بالإخشيد ما صنعا
ذاق الحمام فلم تدفع عساكره … عنه القضاء ولا أغناه ما جمعا
لو يعلم اللحد ما قد ضمّ من كرم … ومن فخار ومن نعماء لاتّسعا
يا لحد طل إنّ فيك البحر محتبسا … والليث مهتصرا والجود مجتمعا
يا يومه لم تخصّ الفج فيه لقد … كلّ الورى برزء الإخشيد قد فجعا
стр. 187
وفى أيامه سنة ثلاث وأربعين وثلثماية، توفّى الشيخ أبو الخير الأقطع، وكان أصله من الغرب، وقدم مصر ومات بها، وكان له كرامات خارقة.
ولما مات تولّى بعده ابنه أبو القاسم محمود المعروف بأجور، فأقام مدّة يسيرة ومات، وكانت مدّته نحو سنة وأشهر.
وفى أيامه توفّى أبو الفتح كشاجم، الشاعر الناظم الناثر، وكان له شعر جيّد، فمن ذلك قوله فى شقائق النعمان:
حمراء من صنعة البارى وقدرته … مصقولة لم ينلها قط صقال
كأنها وجنات أربع جمعت … وكل واحدة فى صحنها خال
وكان كشاجم عالما فاضلا، وهو صاحب كتاب «أدب النديم»، مات بمصر سنة إحدى وخمسين وثلثماية، وكان رحل عن مصر إلى بغداد، ثم عاد إلى مصر، وأنشأ يقول:
قد كان شوقى إلى مصر يؤرقنى … فالآن عدت وعادت مصر لى دارا
ولما مات الأجور، تولّى بعده أخوه علىّ، فأقام على ولايته بمصر إلى أن مات سنة خمس وخمسين وثلثماية. - وفى سنة ست وخمسين وثلثماية، توفّى الإمام الرافعى أبو الفضل أحمد بن محمد بن نصر السرى الشافعى.
وفى أيامه قطعت بنو (١) سالم الطريق على الحجّاج، وأخذوا منهم عشرين ألف بعير، محمّلة قماش وبضائع ومال، وأسروا الرجال والنساء.
وفى أيامه توفّى أبو إسحق محمد بن القاسم بن شعبان، من أعيان العلماء المالكية، مات سنة خمس وخمسين وثلثماية. - وتوفّى ابن السكن أبو على سعيد بن عثمان البغدادى، نزيل مصر، مات سنة ثلاث وخمسين وثلثماية.
ولما مات الأمير على، اجتمع رأى أهل مصر على تولية (٢) كافور، الخادم، وكان حسن السياسة، عادلا فى الرعية، فولّوه عليهم.
стр. 188
ذكر أخبار أبى المسك كافور الإخشيدى:
قال الشيخ شمس الدين الذهبى: إنّ كافور كان خصيّا حبشيّا، اشتراه الإخشيد من بعض أهل مصر بثمانية عشر دينارا؛ ولم يل (١) مصر خصىّ غير كافور؛ ويونس المظفرى، الذى ولى سلطنة العراق، وكان خصيّا أيضا.
فلما ولى كافور خطب له على منابر الديار المصرية، وأعمالها، وكذلك الشام والحجاز، ودعى باسمه على المنابر، وكان يكتب علامته على المراسيم «القلم بمدّه، والسيف بحدّه، والعبد بسعده، لا بأبيه ولا بجدّه».
ومن النكت اللطيفة، قيل: دخل على كافور، فى يوم عيد، طائفة من الحبش، وهم يرقصون، ومعهم طبول وطنبور، فلما رقصوا بين يديه، طرب لذلك وحرّك كتفه، ثم إنّه استدرك فارطه، فصار يحرّك كتفه فى كل ساعة من الليل والنهار، حتى مات، وقال: «هذا مرض يعترينى»، ولم يخرج عن ناموسه.
ومن النكت اللطيفة، قيل: كان بمصر واعظ (٢) يعظ الناس، فقال يوما فى مجلس وعظه، وكافور حاضر ذلك المجلس: «أيها الناس انظروا إلى هوان الدنيا على الله تعالى، فإنّه أعطاها لمقصومين ضعيفين، وهما: الحسن بن بويه استولى على بغداد وهو أشل بيده، وأعطى كافورا ملك مصر وهو خصىّ»، فرفع كافور طرفه إليه، فظنّوا الناس أنه يوقع به فعلا، فلما فرغ من وعظه، دفع إليه مائة دينار، وأخلع عليه خلعة سنيّة.
فلما كان المجلس الثانى، حضر كافور على عادته، فقال الواعظ: «ومن العجائب أن ما أنجب من بنى حام غير ثلاثة: لقمان الحكيم، وبلال مؤذّن رسول الله، ﷺ ، وكافور الخصىّ»، فطربوا الناس لذلك، فكان كافور كما قيل فى المعنى من هذين البيتين:
أصون عرضى بمالى لا أدنسه … لا بارك الله دون العرض فى المال
стр. 189
أحتال للمال أن أوذى فأكسبه … ولست للعرض إن أوذى بمحتال
قال محمد بن عبد الملك الهمذانى: كان كافور وافر العقل، سخىّ النفس، كثير الحلم.
ومما حكاه أبو جعفر بن عبد الله بن طاهر العلوى، قال: كنت أساير الأمير كافور يوما، وهو راكب فى موكب خفيف من العسكر، فسقطت مقرعته من يده، فبادرت بالنزول، وأخذتها من الأرض، ودفعتها له؛ فقال: «أيها الشريف، أعوذ بالله من بلوغ هذه الغاية، وما ظننت أنّ الزمان يبلّغنى حتى يفعل بى مثل هذه الفعلة»، ثم بكى؛ فلما وصل إلى باب داره ودّعته، ومضيت إلى منزلى، فلم ألبث إلا ساعة يسيرة، وإذا أنا بالبغال وعليها شكائر محمّلة، فدخلوا بها دارى، ففتحتها واستعبرتها، فإذا فيها دنانير من الذهب، عدّتها خمسة عشر ألف دينار.
وهذه الأخبار تحار فيها العقول، كما قيل:
إذا قرأت كتابا … فاضت دموعى الهوامى
فليست الكتب عندى … إلا قبور الكرام
ومن الوقائع المستحسنة أنّ فى زمن كافور، وقعت زلزلة عظيمة بمصر، فخاف الناس من ذلك وهربوا إلى الصحارى، وظنّوا أنّها القيامة، فدخل محمد بن عاصم الشاعر على كافور، وأنشده قصيدة عظيمة، فمن جملتها هذا البيت:
ما زلزلت مصر من خوف يراد بها … لكنها رقصت من عدله طربا
فتفاءل كافور بذلك، وأجاز محمد بن عاصم بألف دينار؛ فلما بلغ أبو الطيب المتنبّى أفعال كافور، وجوائزه السنية، أتى من بغداد، ودخل مصر، وامتدح كافور بقصائد سنيّة، فمن جملة ذلك هذه الأبيات:
قواصد كافور توارك غيره … ومن ورد البحر استقلّ السواقيا
فجاءت بنا إنسان عين زمانه … وخلت بياضا خلفها ومآقيا
وللنفس أخلاق تدلّ على الفتى … أكان سخاء ما أتى أم تساخيا
قيل لما دخل المتنبّى مصر، كان فى كبكبة عظيمة من حاشيته ومماليكه وغلمانه،
стр. 190
وكان يلبس عمامة خضراء، ويشدّ فى وسطه منطقة وسيفا، وكان يلبس فى رجله أخفافا حمراء من جلد، وكان ينسب إلى بخل عظيم، مع ما كان بيده من سعة المال؛ قيل لما دخل مصر، كان يحضر سماط كافور، ومعه عبد أسود، بقدر خزف، يأخذ فيها فضلات الطعام لغلمانه، وقد هجاه ابن لنكك بقوله:
ما أوقح المتنبّى … فيما حكى وادّعاه
ابتج مالا عظيما … لما أباح قفاه
يا سائلى عن غناه … من ذاك كان غناه
إن كان ذاك نبيّا … فالجاثليق إلاه
قيل لما دخل المتنّبى إلى مصر فى هذه الكبكبة، تخيّل منه كافور، وقصد القبض عليه، فلما بلغ المتنبّى ذلك، هجا كافور، ورحل عن مصر تحت الليل، ومما هجاه به:
العبد ليس بحرّ صالح بأخ … لو أنّه فى ثياب الحرّ مولود
لا تشترى العبد إلا والعصا معه … إنّ العبيد لأنجاس مناكيد
من علّم الأسود المخصىّ مكرمة … أقومه البيض أم آباؤه الصيد
أم أذنه فى يد النخاس دامية … أم قدره وهو بالفلسين مردود
وذاك أنّ الفحول البيض عاجزة … عن الجميل فكيف الخصية السود
فلما تطلّبه كافور، لم يقدر عليه، فقيل لكافور: «وما قدر هذا حتى توهّمت منه»؟ فقال: «هذا رجل أراد أن يكون نبيّا بعد محمد، ﷺ ، فهلاّ يروم أن يكون ملكا بمصر»؟ وكان مولد المتنبّى بالكوفة سنة ست وثلثماية، وكان اسمه محمد بن حسن أبو الطيب، أقام بمصر أربع سنين، وقتل فى رمضان سنة أربع وخمسين (١) [وثلثماية]؛ قيل لما أحاطوا به ليقتلوه، فهمّ بالهروب، فقال له عبده: أين قولك يا سيدى:
الخيل والليل والبيداء تعرفنى … والسيف والرمح والقرطاس والقلم
стр. 191
فلما سمع ذلك، قال: «قتلتنى يا فلان»، وثبت مكانه حتى قتل صبرا، انتهى ذلك.
[وفى سنة اثنتين وثمانين وثلثماية، فى ذى الحجّة، كانت وفاة الصاحب يعقوب ابن يوسف بن إبراهيم بن هرون بن داود بن كلس، وكان أصله يهوديا (١) وأسلم، وحسن إسلامه؛ وكان مولده ببغداد، ثم قدم إلى مصر سنة إحدى وثلاثين وثلثماية، وكان يدّعى أنّه من ولد السموءل بن عاديا] (٢).
ومن الحوادث فى أيام كافور، أنّ النيل بلغ فى الزيادة إلى اثنى عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا، ثم انهبط فشرقت البلاد، ووقع الغلاء بمصر، وذلك سنة ست وخمسين وثلثماية.
وفى سنة ثمان وخمسين وثلثماية، توفّى أبو بكر بن محمد بن موسى بن عبد العزيز الكندى، المعروف بسيبويه النحوى.
قال الكندى: كان من آثار عجائب مصر حوض من رخام أخضر، وهو مدوّر، وعليه كتابة بالقلم القديم، وهذا الحوض كان فى بحر النيل عند طرا، وكان إذا جلس فيه واحد من الناس، أو أربعة، وحرّكوه، فيعدّى بهم من جانب إلى جانب، فأخذه كافور من البحر، وألقاه فى البرّ، فبطل فعله من يومئذ.
وفى أيامه وقع حريق عظيم فى سوق البزّازين، بمدينة الفسطاط، وعملت النار إلى قيسارية العسل، ودخل الليل والنار على حالها، فبات الناس على وجل من ذلك، فركب كافور وأمر المنادى ينادى، بأنّ من جاء بقربة فيها ماء فله مائة درهم، فجاء الناس بالقرب وأطفأوا النار؛ فكان عدّة ما احترق من الدور ألف وسبعمائة دار، غير البضائع والأقمشة وغير ذلك.
وتوفّى فى أيامه محمد بن عبد الله المعافرى، شيخ القراء، مات سنة سبع وخمسين وثلثماية.
стр. 192
قال الشيخ شمس الدين الذهبى: «كان راتب كافور فى مطبخه فى كل يوم، ألفى رطل من اللحم البقرى، وسبعمائة رطل من اللحم الضأن، ومائة طير أوز، وثلثماية طير دجاج، وثلثماية فرخ حمام، وعشرين فرخ سمك كبار، وعشرين رميسا رضّعا، وثلثماية صحن حلوى، وسبعة أفراد فاكهة، وألف كوز فقاع، ومائة قرابة سكّر، وعشرة قناطير سكّر، وألف كماجة من الخبز، وخمسة أفراد بقولات؛ وكان يحضر على سماطه الخاص والعام.
واستمرّ كافور على ذلك حتى مات فى جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلثماية، وكانت مدّة ولايته على مصر سنتين وأربعة أشهر؛ ودفن فى القرافة الصغرى رحمة الله عليه.
ولما مات تولّى بعده الأمير أحمد بن على بن أبى بكر بن محمد بن طقج الإخشيدى، وكان يعرف بأبى الفوارس، تولّى وله من العمر إحدى وعشرين سنة؛ فلما تولّى لم تستقم أحواله، واضطرب أمر الديار المصرية، ووقع بها الغلاء الشديد، فأقام مدّة يسيرة والأحوال غير صالحة.
ثم إنّ أعيان الديار المصرية، كاتبوا المعزّ الفاطمى، وكان ببلاد الغرب: «بأنّك تجئ تملك (١) مصر، قبل [أن] (٢) يملكها بنو العبّاس»؛ فأرسل جوهر الصقلّى، القائد، إلى مصر، ومعه مائة ألف فارس من عساكر الغرب، فكان دخول جوهر إلى مصر، فى يوم الجمعة تاسع عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثماية، فملك مصر من غير قتال، ولا مانع.
فلما دخل جوهر إلى مصر، هرب أبو الفوارس، وجماعة الإخشيدية، وهو آحر من ملك مصر من الإخشيدية، وبه زالت دولتهم عن آخرها.
قال بعض المؤرّخين: تولّى على مصر اثنان وسبعون أميرا، أوّلهم عمرو بن العاص، ﵁، وآخرهم أبو الفوارس أحمد الإخشيدى، ولم ينفرد بخراجها غير الأمير أحمد بن طولون.
стр. 193
فلما دخل جوهر، القائد، إلى مصر، فى يوم الجمعة، وقيل دخلها يوم الثلاثاء (١)، أمر خطباء جامع عمرو بن العاص، وجامع العسكر، وجامع ابن طولون، أنّ يخطبوا فى ذلك اليوم باسم المعزّ، فخطبوا؛ ثم أمر المؤذّنين أن يجهروا فى الأذان: «بحىّ على خير العمل»، فشقّ ذلك على الناس.
ثم أنشد محمد بن هانئ الأندلسى، شاعر الغرب، قصيدة مطوّلة، مدح فى المعزّ، وحطّ فيها على خلفاء بنى العبّاس، فكان مطلعها هذا البيت:
تقول بنى العبّاس هل أخذت مصر … فقل لبنى العبّاس قد قضى الأمر
ثم إنّ جوهر لما دخل مصر، لم تعجبه مدينة الفسطاط، فشرع فى بناء القاهرة، قال الشيخ شمس الدين الذهبى: لما أراد الأمير جوهر، القائد، أن يبنى سور القاهرة، جمع الفلكية وأمرهم بأن يختاروا له طالعا سعيدا، حتى يضع فيه أساس المدينة، فجعل على كل جهة من أساس المدينة، قوائم من الخشب، وبين كل قائمتين (٢) منها حبلا، وفيه أجراس من نحاس، ثم وقف الفلكية ينتظرون دخول الساعة الجيّدة، والطالع السعيد، حتى يضعوا فيه الأساس؛ وكان لهم إشارة مع البنّائين، أنّهم إذا حرّكوا (٣) لهم تلك الحبال، التى فيها الأجراس، فيلقوا ما بأيديهم من الحجارة، إذا سمعوا حسّ الأجراس.
فبينما هم واقفون لانتظار الساعة السعيدة، فاتّفق أنّ غرابا وقع على تلك الحبال، فتحرّكت الأجراس التى بها، فظنّ البنّاءون أنّ الفلكية حرّكوا لهم الحبال التى فيها الأجراس، فألقوا ما بأيديهم من الحجارة فى الأساسات التى حفروها للسور، فصاح عليهم الفلكية: «لا، لا، القاهر فى الطالع»، يعنون المريخ، وهو اسمه عندهم القاهر، فقضى الأمر، وخانهم ما قصدوا له من الطالع السعيد، كما قيل:
يريد المرء أن يعطى مناه … ويأبى الله إلا ما أراد
قال الفلكية: «اعلموا أنّ هذه المدينة أكثر من يملكها الأتراك»، وكان
стр. 194
الأمر كذلك، وكان بناء سور القاهرة سنة تسع وخمسين وثلثماية من الهجرة.
وكان الذى بناه جوهر، القائد، من سور القاهرة، بالطوب اللبن، وآثاره باقية عند الباب الجديد بالقرب من البرقية.
وأما السور الموجود الآن، بناه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وبناه بالحجر الفصّ المنحوت، وكان القائم على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش، الخصّى الحبشى، ذكر ذلك ابن الأثير.
فلما فرغ الأمير جوهر من بناء السور، بنى (١) قصر الزمّرد، وجعله دار المملكة؛ وكان قصر الزمّرد مكان دار الضرب.
فلما فرغ الأمير جوهر من بناء السور، أرسل يعرّف المعزّ بذلك، ويستحثّه فى الدخول إلى مصر.
ثم جاءت الأخبار بأنّ المعزّ قد وصل إلى ثغر الإسكندرية، فخرج الناس قاطبة إلى ملتقاه، وكان دخوله إلى الإسكندرية فى شعبان سنة اثنتين وستين وثلثماية.
فخرج إليه قاضى مصر، أبو الطاهر الدبلى، فلما دخل عليه جلس إلى جانبه، ثم إنّه سأله: «هل رأيت خليفة أفضل منى»؟ فقال القاضى أبو الطاهر: «لم أر أحدا من الخلائق سوى أمير المؤمنين»، ثم قال له: «هل حججت»؟ قال: «نعم»، قال:
«وزرت قبر رسول الله، ﷺ »؟ قال: «نعم»، قال: «وزرت قبر أبى بكر، وعمر»؟
فتحيّر القاضى، ماذا يقول، وكان المعزّ يميل إلى مذهب الرفض، ثم نظر إلى الأمير نزار بن المعزّ، وهو قائم على رأس أبيه مع الأمرا، فقال القاضى: «شغلنى عنهما زيارة رسول الله، ﷺ ، كما شغلنى أمير المؤمنين عن السّلام على ولىّ العهد له الأمير نزار»، ثم قام وسلّم عليه، ثم رجع إلى جانب المعزّ.
فلما كان يوم الجمعة خطب المعزّ بجامع الإسكندرية خطبة بليغة، وفضّل نفسه على خلفاء بنى العبّاس، ثم توجّه من الإسكندرية إلى مصر، فدخلها فى خامس شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلثماية، فنزل بقصر الزمرّد، الذى أنشأه جوهر، القائد.
стр. 195
ذكر ابتداء دولة الفاطميين من بنى عبيد الله واستيلائهم على مصر
قال الشيخ شمس الدين الذهبى فى نسب المعزّ: هو أبو تميم معد بن المنصور إسمعيل بن القائم بالله محمد بن المهدى عبيد الله المغربى الفاطمى، ولد ببلاد المغرب، بمدينة أفريقية، يوم الجمعة تاسع عشرين شوال سنة إحدى وأربعين وثلثماية، وهو رابع خليفة من بنى عبيد الله بمدينة أفريقية.
قيل، لما دخل معد المعزّ إلى مصر، سأله ابن طباطبا العلوى، عن نسبه، فجذب نصف سيفه من غمده، وقال: «هذا نسبى»، ثم أحضر أكياسا (١) فيها ذهب، وفرّقها على الجند، وقال: «هذا حسبى».
وفى سبب شرف هؤلاء (٢) الفاطميّين أقوال كثيرة، فمن الناس من نسبهم إلى فاطمة بنت رسول الله، ﷺ .
ومن الناس من نسبهم إلى الحسين بن محمد بن أحمد بن القدّاح، وكان أصل القدّاح من أبناء المجوس، وهذا أشهر نسبهم عند أرباب التواريخ.
قال الشيخ شمس الدين الذهبى: لما دخل المعزّ إلى مصر، كان معه ألف وخمسمائة جمل، موسوقة ذهبا عينا، وكان معه من القماش والتحف ما لا يحصر.
فمن جملة ما قيل أن كان معه من التحف قبّة من البلّور، وهى قطعتان، يجلس فيها أربعة أنفس، فكانت إذا نصبت فى ليلة مقمرة، تخفى ضوء القمر من شعاعها؛ وكان معه أربع خوابى من البلّور، تسع قدر راوية من الماء، كل واحدة منها؛ وكان معه من التحف غير ذلك، ما هو أعجب مما سمع (٣).
قيل، لما دخل المعزّ مصر، حمل معه أجداده الذين ماتوا بمدينة أفريقية، فحملهم
стр. 196
فى توابيت من خشب ودفنهم بمصر، وأيقن أنّ ملك مصر انحصر فيه، وفى أولاده، إلى آخر الزمان.
فلما دخل مصر ورأى ما قد بناه جوهر، القائد، من القاهرة، فلم يعجبه ذلك، وقال له: «لقد بنيت هذه المدينة فى وطئة، لا هى بحرية، ولا هى جبلية»، وكان قصد المعزّ لو بناها جوهر عند الرصد، أو على شاطئ النيل.
وكان المعزّ سمّى القاهرة أولا المنصورية، فلما بلغه ما وقع للفلكية من أمر القاهر، يعنى المريخ، فغيّر اسمها، وقال: «سمّوها القاهرة»، فاستمرّ اسمها القاهرة من يومئذ، وفيها يقول القائل:
لله قاهرة المعزّ فإنّها … بلد تخصّص بالمسرّة والهنا
أو ما ترى فى كل قطر منية … من جانبها فهى مجتمع المنى
وقال آخر:
مصر لها الأفضال إذ لم تزل … على العدا منصورة ظاهرة
ما غولبت كلا ولا قوهرت … إلا وكانت مصر والقاهرة
قيل، إنّ أول شئ حكمه المعزّ بمصر، أنّ امرأة وقفت إليه بقصّة، وأنشأت تقول قول أبى العلاء المعرى:
تحطّمنا ريب الزمان كأنّنا … زجاج ولكن لا يعاد له سبك
فقال لها المعزّ: «من أنت أيتها المرأة»؟ قالت: «أنا زوجة (١) الأمير أبو بكر ابن محمد بن طقج الإخشيدى، صاحب مصر»؛ فقام إليها المعزّ وعظّمها، وقال:
«ما حاجتك»؟ قالت: «إنى قد أودعت بغلطاقا لى عند شخص يهودى، فأقام عنده مدّة، ثم إنى طلبته منه فأنكره، فقلت له: خذ منه ما تختار من جواهر، وأعطنى الباقى، فأبى (٢) وامتنع من الإعطاء، وأنكر ذلك أصلا».
فلما سمع المعزّ ذلك، أرسل خلف اليهودى، وسأله عن أمر البغلطاق، الذى
стр. 197
أودعته عنده زوجة (١) الإخشيدى، فأنكره ولم يعترف به، فأمر بشنقه؛ فلما تحقّق ذلك اعترف به، فأمره المعزّ بإحضاره، فلما أحضره بين يديه، تحيّر مما فيه من الجواهر واليواقيت، ثم إنّه وجد اليهودى قد سرق من صدر البغلطاق درّتين، فسأله عن ذلك، فاعترف أنّه باع تلك الدّرتين بألف وستمائة دينار.
فأخذ المعزّ البغلطاق من اليهودى ودفعه إلى زوجة الإخشيد، ثم إنّها سألته أن يأخذ منه شيئا على سبيل الهديّة، فأبى (٢) من ذلك، فأخذت البغلطاق، وانصرفت وهى داعية له، ثم أمر بشنق اليهودى، فشنق، وهذا أول شئ حكمه بالقاهرة.
وكان المعزّ يحبّ العدل والإنصاف بين الرعية، غير أنّه كان يميل إلى مذهب الرفض، ويسبّ الصحابة يوم الجمعة على المنابر.
فلما استقرّ المعزّ بالقاهرة، شرع الأمير جوهر، القائد، فى بناء الجامع الأزهر، وهو من إنشائه، وكان الأمير جوهر وزيرا للمعزّ، وكان خصيّا صقلّى الجنس، وكانت له حرمة وافرة، وكلمة نافذة، فبنى هذا الجامع، وانتهى العمل منه فى جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وثلثماية، وهو أول جامع بنى بالقاهرة، وإنما سمّى بالأزهر لزهارته بين الجوامع.
قيل، كان به تنّور فضّة، وسبعة وعشرين قنديلا من الفضّة، وكان فى محرابه منطقة فضّة، وكان به طلسم برسم الطيور، فكان لا يقربه عصفور، ولا حمام، ولا بمام، ولا شئ من أنواع الطيور.
فلما بنى جامع الحاكم تلاشى أمر جامع الأزهر وخرب، وأقام مدّة طويلة وهو خراب، إلى أيام الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، فأمر بإصلاحه وأعاد فيه الخطبة، بعد تعطله هذه المدّة الطويلة؛ انتهى ذلك.
قال الذهبى: إنّ المعزّ لما استقرّ بالقاهرة، خرج عليه خارجى، يقال له الحسن
стр. 198
ابن أحمد القرمطى، أتى من الشام فى جيش كثيف من العساكر، وكان معه الأمير حسّان بن الجراح الطائى، أمير العرب، ومعه الجمّ الغفير من عربان الشام، حتى سدّ بهم الفضاء، فكان ينشد ويقول:
زعمت رجال الغرب أنّى هبتهم … فدمى إذا ما بينهم مطلول
يا مصر إنّ لم أسق أرضك من دم … يروى ثراك فلا سقانى النيل
فلما رأى المعزّ أنّه لا يقوى على محاربة حسّان بن الجراح، أرسل يقول له فى الدسّ:
«ارحل عن مصر، وأنا أرسل إليك بمائة ألف دينار»، فأرسل حسّان يقول له:
«إن بعثت إلى بما تقول، رحلت عن مصر»؛ فأرسل إليه المعزّ مائة ألف دينار، فى أكياس مختومة.
قال بعض المؤرّخين: إنّ ذلك الذهب الذى أرسله المعزّ إلى حسّان، كان زغلا، نحاس ملبّس بالذهب، فجعل الذهب الخالص فوق الأكياس، والذهب النحاس أسفله.
فلما التقت الجيوش للحرب، فأظهر حسّان أنّه قد انكسر، فانهزم بمن معه من العربان، فعند ذلك ضعفت شوكة عسكر أبو الحسن القرمطى، وانهزم من ساعته، وقويت عليه عساكر المعزّ، فكسروهم، وولّوا مدبرين.
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ فى سنة ثلاث وستين وثلثماية، خرج بنو هلال (١) على الحجّاج، فقتلوا منهم خلقا كثيرة، ولم يحجّ فى تلك السنة سوى أهل العراق فقط.
ولما تولّى المعزّ على مصر، منع القبط مما كان يعمل فى يوم النوروز، من صبّ المياه على الناس فى الطرقات، ووقود النار فى تلك الليلة، وكانوا يخرجون فى ذلك عن الحدّ؛ ومنعهم أيضا مما كان يعمل فى ليلة الغطاس، من نزول المراكب، وضرب الخيام على شاطئ النيل، قبالة المقياس، فأشهر النداء بإبطال ذلك، وهدّد من يفعل ذلك بالشنق، فرجع الناس عن ذلك، وكان يحصل منه غاية الفساد.
стр. 199
قال بعض المؤرخين: إنّ المعزّ كان يميل إلى علم الفلك، فأخبروه جماعة من الفلكية، أنّ عليه قطعا شديدا فى شهر كذا وكذا، فى يوم كذا وكذا، وأشاروا عليه بأن يختفى فى سرب تحت الأرض، حتى يمضى عنه ذلك القطع، فاختفى فى سرب نحو أربعة أشهر.
فلما طال غيبته على عسكره، ظنّوا أنّه رفع إلى السما، فكان الفارس من عسكره، إذا نظر إلى الغمام فى السماء، ينزل عن فرسه، ويقول: «السّلام عليك يا أمير المؤمنين»؛ فلا زالوا على ذلك حتى ظهر من السرب، وجلس على سرير ملكه، وهم يحسبون أنّه كان فى السماء وأتى إليهم.
واستمرّ المعزّ فى خلافته بالقاهرة، حتى توفّى، وكانت وفاته فى ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثماية؛ وكانت مدّة خلافته بمصر نحو ثلاث سنين ونصف؛ ومات وله من العمر نحوا من أربع وعشرين سنة؛ ودفن عند سيدى زين العابدين، الذى تربته بين الكيمان، عند حدرة ابن قميحة.
والمعزّ هو أول خلفاء بنى عبيد الله بمصر، وكانوا يقولون: «نحن أفضل من خلفاء بنى العبّاس، لأننا من ولد فاطمة، بنت رسول الله، ﷺ ».
فكانت الخلفاء الفاطمية يحكمون من مصر إلى الفرات، وإلى مكّة والمدينة، وكانت مصر، وبلاد المغرب، مملكة واحدة؛ وكانت خلفاء بنى العبّاس يحكمون من الفرات إلى بغداد وأعمالها، وسائر بلاد الشرق، وكان يخطب لكل خليفة منهما، فى الجهة التى تحت حكمه، باسمه فقط.
ولما تولّى المعزّ على مصر، قام لها حرمة، واستكثر فيها من العساكر، ما بين كنانة، وروم، وصقالبة، ومغاربة، وعبيد سود، وطائفة يقال لهم زويلة؛ حتى قيل: لم يطأ الأرض بعد جيوش الإسكندر بن قلبش الرومى، أكثر من عساكر المعزّ الفاطمى.
وبلغ خراج مصر فى أيامه ألف ألف دينار ومائتى ألف دينار، وكان خراجها قد انحطّ قبل ذلك إلى الغاية، فجدّد بها الأمير جوهر، القائد، ما فسد من جسور وقناطر
стр. 200
وغير ذلك، حتى استقامت أحوال الديار المصرية فى أيامه. ولما مات المعزّ، تولّى بعده ابنه العزيز نزار؛ انتهى ما أوردناه من أخبار المعزّ الفاطمى، على سبيل الاختصار.
ذكر خلافة العزيز بالله أبى منصور نزار ابن المعز بالله معد الفاطمى العبيدى
وهو الثانى من خلفاء بنى عبيد الله بمصر، تولّى الخلافة بمصر بعد موت أبيه المعزّ، سنة خمس وستين وثلثماية؛ وكان مولده بمدينة القيروان، سنة أربع وخمسين وثلثماية؛ فلما تمّ أمره فى الخلافة، أبقى الأمير جوهر، القائد، فى الوزارة على حاله.
قيل، لما تولّى العزيز الخلافة، دخل عليه عبد الله بن حسن الجعفرى، الشاعر، يهنّئه بالخلافة، فأنشده هذه القصيدة، منها:
عمّت خلافته مصرا فصار بها … كأنّه الشمس فيها حلت الحملا
إنّ المعزّ الذى لا خلق تشبهه … إلا العزيز ابنه إن قال أو فعلا
فإن مضى كافل الدنيا فصار لنا … من بعده كافلا يغنى بما كفلا
أضحت ملوك بنى الدنيا له خدما … وما حوت كل دار منهم نقلا
وفى رجب سنة ست وستين وثلثماية، توفّى الإمام الحافظ أبو الحسن محمد ابن عبد الله بن زكريا بن حيوة النيسابورى، ولد سنة ثلاث وسبعين ومائتين؛ ومات سنة ست وستين وثلثماية؛ وكان إماما من أئمة الشافعية فى الفرائض، دخل مصر مع عمّه يحيى بن زكريا الأعرج، وأقام بمصر حتى مات بها.
قال بعض المؤرّخين: لما تولّى العزيز الخلافة بعد أبيه، استكثر فى عسكره من المماليك الديالمة، والمصامدة، والمغل، واستقامت أحواله بالديار المصرية، وأظهر العدل بين الرعية.
قال المسبحى (١): أول من بنى الحمامات بالقاهرة العزيز بن المعزّ، هذا.
стр. 201
ثم أقام الأمير جوهر فى الوزارة مدّة، ومات؛ فلما مات استقرّ بعده فى الوزارة أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، وكان أصله يهوديا، وأسلم.
ومما وجد للأمير جوهر، القائد، بعد موته، من الذهب العين ستمائة ألف ألف دينار، ومن الدراهم أربعة آلاف ألف درهم؛ ومن اللؤلؤ الكبار واليواقيت أربعة صناديق مجلّدة؛ ومن القصب الزمّرد ألف قصبة؛ ومن الثياب الديباج خمس وسبعين ألف قطعة؛ ووجد عنده دواة من الذهب طولها ذراع، وهى مرصّعة بالدرّ والياقوت، فقوّم ما عليها من الجواهر باثنى عشر ألف دينار.
ووجد عنده لعبة من المسك والعنبر الخام، فكان إذا نزع أثوابه ألبسها عليها؛ ووجد فى داره مائة مسمار من الذهب، على كل مسمار منها عمامة لون؛ ووجد عنده من المعالق (١) الذهب والفضة ألف معلقة؛ ووجد عنده عشرة آلاف زبدية صينى، ومن الأوانى البلّور مثلها.
ووجد عنده أربعة دسوت من الذهب، وزن كل دست مائة رطل بالمصرى؛ ووجد عنده سبعمائة خاتم، بفصوص ياقوت وبلخش وماس وزمّرد وفيروزج؛ ووجد عنده ثلثماية نرحسية ما بين ذهب وفضّة وبلّور وصينى؛ هذا كله خارجا عن البغال والخيول والجمال والأملاك والضياع وغير ذلك.
وفى أيامه توفّى أخوه الأمير تميم بن المعزّ، وكانت وفاته سنة ثمان وستين وثلثماية، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، فمن نظمه قوله:
إذا وجدت زمانا لم تسرّ به … فكم أناخك سهلا بعد اصعبه
فاقبل من الدهر ما أعطاك ممتزجا … لعل مرّك يحلو من تقلّبه
خذها إليك ودع لومى مشعشعة … من كفّ أقنى أسيل الخدّ مذهبه
لا تتركنّ القدح المملوء فى يده … إنى أخاف عليه من تلهّبه
نزّهه عن سقينا إنى أغازله … وسقّنى واسقنى من فضل مشربه
стр. 202
ومما وقع للأمير تميم هذا، أنّه سمع بجارية مغنّية فى بغداد، فأرسل أخذها من سيدها غصبا، فلما حضرت إلى مصر، وغنّت بين يديه، استطرب غناها، وافتتن بها، فقال لها فى بعض الأيام: «هلاّ تسألينى فى حاجة»؟ فقالت: «أريد أن أحجّ»، فأرسلها مع بعض أصحابه؛ فلما وصلت إلى مكّة تسحّبت تحت الليل، فلم يعلم أين ذهبت؛ فلما بلغ الأمير تميم ذلك، حصل عنده قهر شديد (١)، ومات عقيب ذلك.
وفى سنة تسع وستين وثلثماية، توفّى الإمام الحافظ أبو بكر النّقاش، نزيل تنيس، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين، ومات رابع شعبان سنة تسع وستين.
وفى سنة سبعين وثلثماية، توفى الحسن بن رشيق، صاحب «العمدة»، ولد فى صفر سنة ثمان وثمانين ومائتين، ومات فى جمادى الآخرة سنة سبعين، وكان له شعر جيّد، فمن ذلك قوله فى النّمام، والتطيّر منه:
لم كره النّمام أهل الهوى … أساء إخوانى وما أحسنوا
إن كان نمّاما فمقلوبه … من غير تأديب لهم مأمنوا
وقال ابن رشيق فى المعزّ بن باديس، سلطان أفريقية، وقد غاب يوم العيد، وكان يوما ماطرا جدّا:
تجهّم للعيد واعتّلت بوادره … وكان يعهد منك البشر والضحكا
كأنه جاء يطوى الأرض من بعد … شوقا إليك فلما لم يجدك بكا
وفى سنة ست وسبعين وثلثماية، توفّى ابن النحاس المصرى، وكان من أعيان العلماء.
وفى سنة سبع وسبعين وثلثماية، ولدت امرأة بمدينة تنيس، جارية لها رأسان ووجهان فى عنق واحد، وكان أحد الوجهين أبيض اللون مترّكا، والآخر أسمر اللون، وفيه سهولة، وكل وجه منهما كامل الخلقة، وذلك الوجهين (٢) فى جسد واحد، فكانت أمّ ذلك المولودة ترضع كل وجه منهما على انفراده؛ فحملت هذه المولودة من تنيس إلى مصر، حتى شاهدها العزيز، وأمر لأمّها بصلة، وعادت إلى تنيس؛
стр. 203
وقيل إنّ هذه المولودة عاشت مدّة يسيرة وماتت.
وفى سنة ثمان وسبعين وثلثماية، حدث بمدينة تنيس، فى ليلة الجمعة ثامن عشر ربيع الأول، [أن] (١) أرعدت السماء وأبرقت، وأظلم الجوّ، وظهر فى السماء أعمدة من نار تلتهب، فأضاءت منها الدنيا، ثم اشتدّت تلك الحمرة، وجاء عقب ذلك ريح سوداء، فيها غبار حارّ، يأخذ بالأنفاس من شدّة حرّه؛ فارتاع الناس من ذلك، وأيقنوا بالهلاك، وصار يودّع بعضهم بعضا، وابتهلوا إلى الله بالدعاء؛ ولم يزل الأمر متمايدا على ذلك، من المغرب إلى طلوع الفجر، حتى سكن الريح؛ وخمدت تلك الأعمدة النار، وزالت الحمرة من الجوّ؛ فلما لاح الصباح، طلعت الشمس وهى محمرّة، فأقامت على ذلك خمسة أيام حتى اعتدلت، وقد قيل فى المعنى لبعضهم:
ما خاب عبد على الله الكريم له … توكّل صادق فى السرّ والعلن
حاشاه أن يحرم الراجى إجابته … إذا دعاه لكشف الهمّ والحزن
وقال الشيخ أبو القاسم عبد المجيد القرشى: إنّ فى سنة إحدى وثمانين وثلثماية، أصيدت سمكة من بحيرة تنيس، فكان طولها من رأسها إلى ذنبها ثمانية وعشرين ذراعا، وكان عرضها خمسة عشر ذراعا، وكان فتح فمها تسعة وعشرين شبرا، وكان لها يدان طول كل واحدة ثلاثة أذرع، ولها عينان كعينى البقر، ولسان كلسان الثور، وكانت ملساء، وفى جلدها غلظ؛ فلما صيدت، أمر والى تنيس بأن يشقّ بطنها ويحشى ملحا، فوضع فى جوفها مائة أردب ملح، فكان الرجل يدخل إلى جوفها، وهو حامل قفاف الملح، قائما غير منحنى؛ ثم إنّ نائب تنيس أرسلها إلى مصر، حتى شاهدها العزيز، وتعجّب من خلقتها - أورد ذلك ابن أبى حجلة فى كتاب «عجائب العجائب، وغرائب الغرائب» كما ذكرناه.
وفى أيام العزيز ظهر السمك اللبيس ببحر النيل، ولم يكن منه قبل ذلك شئ (٢)؛ وهو من أسماك البحر المالح، هرب ودخل إلى البحر الحلو، فسمّى لبيسا.
стр. 204
وفى أيامه توفّيت سيدة الملك، أخت المعزّ، والد العزيز، فوجد لها من الذهب العين ثلثماية صندوق، ومن الجواهر واليواقيت خمسة ويبات، ووجد عندها مدهنا من الياقوت الأحمر، وزنه سبعة وعشرين مثقالا، ووجد لها ثلاثون ألف شقّة حرير ملوّن، ومع وجود هذه السعة، كانت أزهد الناس فى الدنيا، لا تأكل إلا من ثمن غزل يديها دائما، حتى ماتت.
وفى سنة ثمانين وثلثماية توفّى الوزير يعقوب بن كلس. - فلما مات، أخلع العزيز على شخص من النصارى، يقال له نسطورس، واستقرّ به وزيرا، فعدّت هذه الفعلة من مساوئه؛ وأخلع على شخص من اليهود، يقال له منشّاه، واستقرّ به وزيرا بالشام؛ فوقع منهما الأذى البالغ فى حقّ المسلمين بمصر والشام.
فاتّفق أنّ العزيز ركب يوما، وشقّ من القاهرة فزيّنت له، فعمد بعض الناس إلى مبخرة من الجريد، وألبسها ثياب النساء، وزيّرها بإزار وشعرية، وجعل فى يدها فصّة على جريدة، وكتب فيها: «بالذى أعزّ النصارى بنسطورس، وأعزّ اليهود بمنشّاه، وأذلّ المسلمين بك، ألا ما رحمتهم، وأزلت عنهم هذه المظالم»؟
فلما مرّ العزيز على تلك الصورة، فظنّ أنّها امرأة لها حاجة، فوقف وطلب قصّتها، فلما قرأها اشتدّ به الغضب، وأمر بشنق الوزير نسطورس، فشنق على باب قصر الزمّرد فى ذلك اليوم؛ ثم أرسل إلى الشام بشنق اليهودى منشّاه، فشنق على باب قلعة الشام، وكان العزيز يحبّ العدل بين الرعية.
فلما شنق الوزير نسطورس، أخلع على شخص، يقال له أبو نصر صدقة العلاجى، واستقرّ به وزيرا، عوضا عن نسطورس، وكان العلاجى أصله يهوديّا وأسلم.
وفى سنة ثمانين وثلثماية، توفّى الحسن بن على بن طاهر الأنطاكى، شيخ القراء.
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ فى سنة أربع وثمانين وثلثماية لم يحجّ سوى أهل مصر فقط، وتعطّل الركب العرافى والشامى، لفساد الطريق من العربان.
стр. 205
ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلثماية
فيها، فى شهر رمضان، توفّى العزيز بالله نزار بن المعزّ الفاطمى، خليفة القاهرة، وكانت مدّة خلافته بمصر والقاهرة، إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وأياما، وعاش من العمر نحو ثلاثة وثلاثين سنة، وكان خيار بنى عبيد الله، ولما مات تولّى بعده ابنه الحاكم بأمر الله، انتهى ما أوردناه من أخبار العزيز بالله بن المعزّ، وذلك على سبيل الاختصار.
ذكر خلافة الحاكم بأمر الله أبى على منصور ابن نزار بن المعزّ معد الفاطمى العبيدى
وهو الثالث من خلفاء بنى عبيد الله بمصر، تولّى الخلافة بعد موت أبيه العزيز بالله، يوم الثلاثاء سلخ رمضان سنة ست وثمانين وثلثماية؛ وكان مولده بالقاهرة فى يوم الجمعة سادس عشرين جمادى الأولى سنة خمس وسبعين وثلثماية.
فلما تولّى الخلافة، أظهر العدل بين الرعية، وسار فى الناس سيرة حسنة، على طريقة أبيه العزيز.
وأخذ فى أسباب بناء الجامع المعروف به، وكان والده العزيز بنى (١) أساس هذا الجامع، ولم يتمّه، فأكمله ابنه الحاكم، فعرف به؛ وكان انتهاء العمل منه فى سنة ثلاث وتسعين وثلثماية.
ثم بنى بعده جامع راشدة الذى تحت الرصد؛ وراشدة كانت قبيلة من قبائل العرب من بنى لخم، نزلوا هناك، فسمّى الجامع براشدة، مضافا للقبيلة التى (٢) نزلت هناك.
ومن بناء الحاكم أيضا، جامع المقسى، الذى عند باب البحر، وكان مطلاّ على بحر النيل، ثم خرب، وأقام مدّة وهو خراب، فجدّده الصاحب شمس الدين المقسى،
стр. 206
فى سنة سبعين وسبعمائة، فعرف به من يومئذ، وأصله من بناء الحاكم قديما.
ثم إنّ الحاكم أفرد لليهود حارة زويلة، وأسكنهم بها، وأمرهم أن لا يخالطوا المسلمين فى حاراتهم، وكان فى وقت، أمرهم أن يدخلوا كلهم قاطبة فى الإسلام، فخافوا منه وأسلموا كلهم، ثم أذن لهم بالعود إلى دينهم، فارتدّ منهم فى يوم واحد نحو من سبعة آلاف يهودى، ثم أمر بهدم كنائسهم، فهدمت، ثم أمر بإعادتها إلى ما كانت عليه أولا.
وفى أيامه توفّى أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصرى، المؤرّخ، مات فى ذى القعدة سنة تسع وثمانين وثلثماية.
وفى هذه السنة، أصابت الحاجّ عطشة شديدة فى الطريق، فهلك منهم نحو الثلث من العطش، حتى قيل إنّ شربة ماء أبيعت بألف دينار، الذى شربها مات، والذى أباعها مات.
وكان القائم بتدبير أمور القاهرة فى أيام الحاكم، الأمير برجوان، وهو صاحب الحارة المعروفة به، وكان الحاكم بأمر الله (١) لا يتصرّف فى شئ من أمور المملكة إلا برأى الأمير برجوان، وكان معه كالمحجور عليه، فما أطاق الحاكم ذلك، فندب إلى برجوان من قتله وهو فى الحمّام.
فلما مات احتاط على موجوده، فوجد له أضعاف ما وجد للأمير جوهر، القائد، فمن جملة ذلك من الذهب العين مائتى ألف ألف دينار، ومن الفضّة الدراهم خمسين أردبا؛ ووجد له من القماش مائتان وستين بقجة؛ ووجد له ألف قميص حرير سكندرى؛ ووجد له اثنا عشر صندوقا، ضمنهم جواهر وفصوص؛ ووجد من الفرش والأوانى ما لا يحصى؛ حتى قيل كان ينقل من حارة برجوان إلى قصر الزمرّد، فى كل يوم، دفعتان على مائتى جمل، نحو أربعين يوما فى موجود برجوان، وهو لا يفرغ؛ هذا خارجا عن الضياع، والأملاك، والدواب، والبهائم، والعبيد، والجوار، وغير ذلك.
стр. 207
قال الذهبى: فلما قتل برجوان صفا للحاكم الوقت، وصار يفعل أشياء لا تقع إلا من المجانين، الذين (١) فى عقلهم خلل، فمن ذلك أنّه منع النساء من الخروج إلى الطرقات، ومن التطلّع من الطاقات، والطلوع إلى الأسطحة، ومنع الخفّافين من عمل الأخفاف لهن.
ومنع سائر النساء من الدخول إلى الحمّامات، فمرّ يوما بحمّام الذهب الذى كان (٢) بمصر، فسمع فيها ضجيج النساء، فأمر بأن يسدّ عليهن باب الحمّام، فسدّوه عليهن من الوقت والساعة، وهو واقف عليه، فأقمن داخل الحمّام حتى متن به (٣).
ثم إنّه منع الناس من بيع الزبيب، وأمر بحرق الكروم، وقطع منها نحو مائة ألف كرمة؛ ثم إنّه منع الناس من بيع العسل الأسود، وكسر منه نحو اثنى عشر ألف مطرا.
ثم إنّه منع الناس من زرع الملوخية والقرع، وكتب على الفلاّحين قسائم أن لا يزرعوا شيئا منهما؛ وعلّل بتحريم القرع، لأنّ أبا بكر، رضى [الله] (٤) عنه، كان يميل إليه، وعلّل بتحريم الملوخية، لكون أنّ عائشة بنت أبى بكر، كانت تميل إليها؛ ثم إنّه أطلع يوما على جماعة يأكلون ملوخية، فضربهم بالسياط، وطاف بهم فى القاهرة، ثم ضرب أعناقهم عند بابى زويلة.
ثم إنّه منع الناس من بيع السمك الذى لا قشر له؛ ثم نهى عن أكل الرطب، وعن زرع الترمس؛ ثم إنّه أمر بقتل الكلاب، فقتل منهم نحو ثلاثين ألف كلب.
ثم إنّه صار يقد الشمع فى مجلسه ليلا ونهارا؛ ثم إنّه صار يجلس فى الظلام مدّة طويلة؛ ثم إنّه أمر الناس بأن يغلقوا الأسواق بالنهار ويفتحوها (٥) بالليل، وجعل الليل مقام النهار فى جميع أحوال الناس كلها، فامتثلوا ذلك، واستمرّوا عليه دهرا طويلا
стр. 208
ثم إنّه مرّ فى السوق يوما بالنهار، فرأى إلى شيخ يعمل فى النجارة من بعد العصر، فوقف عليه، وقال: «ألم نهيتكم (١) عن العمل بالنهار»؟ فقال له الشيخ:
«يا أمير المؤمنين، أما كان الناس يسهرون بالليل، وهذا من جملة السهر»، فتبسّم وتركه، ثم أعاد الناس إلى ما كانوا عليه فى الأول، يتقاضون أشغالهم بالنهار.
ومن أفعاله الشنيعة أنّه كان يسبّ الصحابة، وأمر بكتابة (٢) سبّهم على أبواب كلّ مسجد، فأقام على ذلك مدّة، ثم رجع عن ذلك وأمر بمحو ما كتبه على أبواب المساجد.
ثم إنّه هدم كنيسة وبنى مكانها مسجدا، فأقامت مدّة ثم أعادها على ما كانت عليه كنيسة.
وكان يبنى عدّة مدارس، ويقرّر بها العلماء، ثم يقتلهم، ويهدم تلك المدارس التى بناها.
ثم إنّه كان يعاقب جماعة من خواصّه بسلب الألقاب، فإذا غضب على أحد سلب لقبه مدّة طويلة، لا يدعوه بذلك اللقب، فيصير ذلك الرجل فى حزن وبكاء، حتى يردّ عليه لقبه، فيكون عنده ذلك اليوم عيدا.
ثم إنّه أمر طائفة اليهود، بأن يعملوا فى أعناقهم، إذا خرجوا إلى الأسواق، قرامى خشب، وزن كل قرمة خمسة أرطال؛ وأمر النصارى بأن يضعوا فى أعناقهم صلبانا من الحديد، قدر كل صليب ذراع، وأمرهم بأن يلبسوا المآزر العسلية عوضا عن الشاشات، وأن لا يركبوا بهيمة فى الأسواق؛ فأقاموا على ذلك مدّة، ثم أعادهم إلى ما كانوا عليه.
ثم إنّه أمر الناس، إذا ذكر الخطيب اسمه فى يوم الجمعة، وهو على المنبر، تقوم الناس صفوفا إعظاما لاسمه، فكان يفعل ذلك فى سائر أعمال مملكته، حتى فى الحرمين الشريفين، وبيت المقدس.
стр. 209
ثم إنّه كان يتعاطى (١) حسبة القاهرة بنفسه، فيلبس جبّة صوف أبيض، ويركب على حمار أشهب، قدر بغل، يسمّى «القمر»، ويطوف أسواق مصر والقاهرة، ومعه عبد أسود طويل عريض، يمشى فى ركابه، يقال له «مسعود»، فإن وجد أحدا من السوقة غشّ فى بضاعته، أمر ذلك العبد مسعود بأن يفعل به الفاحشة العظمى، وهو اللواط، فيفعل به على دكانه والناس ينظرون إليه، حتى يفرغ من ذلك، والحاكم واقف على رأسه؛ وقد صار مسعود هذا مثلا عند أهل مصر، إذا مزح بعضهم مع بعض يقولوا (٢): «احضر له مسعود»، وفيه يقول القائل:
إنّ لمسعود آلة عظمت … كأنّها فى صفات طومار
تشقّ أدبار من لهم جرم … أصعب من درّة بمسمار
ثم إنّه أمر بإبطال صلاة التراويح مدّة طويلة، ثم أعادها على ما كانت عليه أولا؛ ثم إنّه لبس الصوف نحو سبع سنين، ثم تركه ولبس الحرير.
ثم إنّه كان يركب حماره، وينزل عند باب جامعه، الذى عند باب النصر، ويأخذ بيد من يختار من غلمانه، فيرقده على باب الجامع، ويشقّ بطنه بيده، ثم يخرج مصارينه بيده، ويرميهم (٣) إلى الكلاب، ويترك المقتول مكانه، حتى يدفنوه أهله؛ وكان يعذّب جماعة من غلمانه بالنار.
وقتل جماعة كثيرة من العلماء، منهم: جبارة اللغوى، قيل كان يعرف للكلب فى اللغة ثلثماية اسم (٤)؛ وقتل أبا أسامة، وغير ذلك من العلماء.
وكان عنده شجاعة وإقدام، مع جبن (٥) وإدبار؛ وكان يحبّ الكرم، ويكثر من البخل؛ ويحبّ فعل الخير، ويتبعه بشئ من الشرّ؛ ويحبّ العدل فى الرعية، ويتبعه بشئ من الظلم، كما قيل فى المعنى:
стр. 210
أرى فيك أخلاقا حسانا، قبيحة … وأنت لعمرى كالذى أنا واصف
قريب، بعيد، باذل، متمنّع … كريم، بخيل، مستقيم، مخالف
كذوب، صدوق، ليس يدرى صديقه … أيجفوه من تخليطه أم يلاطف
فلا أنت ذو غشّ، ولا أنت ناصح … وإنى لفى شكّ لأمرك واقف
كذاك لسانى هاجى لك، مادح … كما أنّ قلبى جاهل بك، عارف
قال القاضى شمس الدين بن خلكان، فى تاريخه: إنّ الحاكم بأمر الله، كان يعبد الكواكب، كما كان خدّه المعزّ؛ وكان له اشتغال بأمر المطالب، وله فى ذلك أخبار كثيرة، فمن ذلك أنّه ظفر فى بعض المطالب بصنم من كدان، وهو مجوّف، وفى جوفه روحانى موكل به، فكان ينطق كما ينطق بنى آدم، فكان من شأن هذا الصنم أنّه يظهر الضائع، ويخبر عن المكان الذى فيه الضائع.
فلما ظفر الحاكم بهذا الصنم، أشهر النداء فى مصر والقاهرة، بأنّ أحدا من الناس لا يغلق له باب ولا دكان، وإن ضاع لأحد من الناس شئ (١) فهو فى درك الحاكم، فامتثل الناس ذلك.
فلما باتوا تلك الليلة، سرق من مصر والقاهرة أربعمائة عملة، فلما أصبح النهار، توجّهوا تحت قصر الزمرّد يستغيثون الحاكم، فقال: «ما الخبر»؟ فقيل له: «إنّ اللصوص قد سرقوا فى هذه الليلة أربعمائة عملة، لما تركوا دكاكينهم مفتّحة»، فقال الحاكم: «لا بأس عليهم».
ثم أشهر النداء بأنّ كل من ضاع له شئ يحضر بين يدى الحاكم، فحضر أصحاب الضوائع قاطبة؛ فلما كملوا، أحضر ذلك الصنم بين يديه، وصار أصحاب الضوائع (٢)، يقف الواحد منهم بين يدى الصنم، ويقول له: «يا أبا الهول قد ضاع لى، ما هو كيت وكيت»، فيقول الروحانى الذى فى جوف الصنم: «إنّ ضائعك أخذه فلان
стр. 211
ابن فلان، وهو فى المكان الفلانى، فى الحارة الفلانية»، فيرسل الحاكم بعض غلمانه إلى ذلك المكان، فيحضر الضائع بعينه، فيسلّمه إلى صاحبه؛ فلا زال يحضر لكل شخص من الناس ما ضاع له، حتى ردّ على الناس ما كان ضاع لهم فى تلك الليلة بتمامه وكماله.
ثم أحضر اللصوص الذين (١) سرقوا، فأمر بشنقهم، فشنقوا أجمعين، ثم نادى فى مصر والقاهرة: «رحم الله من رأى العبرة من غيره، واعتبر»؛ فصار الناس من بعد ذلك يتركون دكاكينهم وأبوابهم مفتّحة، ليلا ونهارا، ولم يفقد لأحد من الناس شئ (٢)، حتى كان يقع من الرجل الدرهم الفلوس، فلا يجسر أحد من الناس أن يأخذه من الأرض، حتى يمرّ به صاحبه فيأخذه، ولو بعد حين.
وحكى بعض المؤرّخين أنّ رجلا وقع منه كيس، فيه ألف دينار، عند جامع أحمد بن طولون، فصار مرى على الأرض، وكل من رآه يتباعد عنه، فأقام مرمى (٣) على الأرض أسبوعا، حتى مرّ صاحبه به وأخذه.
وأمر هذا الصنم هو الذى جسّر الحاكم على أن جعل الليل مقام النهار فى أحوال الناس؛ وقيل إنّ هذا الصنم لم يزل عند الحاكم حتى قتل، فعمد إليه بعض اللصوص، وكسره تحت الليل، فبطل من يومئذ فعله، وذهب عنه الروحانى الذى كان فى جوفه.
وقيل إنّ رجلا أودع عند رجل جرابا فيه ألف دينار، وسافر إلى الحجاز، فلما عاد طلب منه الجراب فأنكره، ولم يقرّ به، فشكاه إلى الحاكم، فقال له الحاكم:
«اقعد لى على الشارع، فإذا مررت بك، فقم إلىّ وتحدّث معى حديثا طويلا»، فلما مرّ الحاكم بالرجل، قام إليه وتحدّث معه، وأطال معه الحديث، فسرّ به الرجل الذى عنده الجراب، فرأى صاحب الجراب يتحدّث مع الحاكم حديثا طويلا.
стр. 212
فلما مرّ الحاكم، ومضى، أحضر ذلك الرجل الجراب إلى صاحبه، وقال:
«لقد تذكّرت وديعتك، فوجدتها فى البخارية، وها هى بختمها لم تفتح»؛ فأخذ منه الرجل الجراب ومضى به إلى الحاكم؛ وعرّفه ما جرى له مع الرجل، فقال له الحاكم: «خذ جرابك وامض (١) إلى حال سبيلك»؛ فلما أصبح الصباح، فرأى الرجل، الذى كان عنده الجراب، مشنوقا على باب داره، والناس يتحدّثون فى أمره بسبب الجراب، انتهى.
وفى أيامه، فى سنة أربع وسبعين وثلثماية، توفّى الشيخ نور الدين على بن عمّان القيروانى، قاضى قضاة مصر، وكان شيعيّا، وكان له شعر جيّد، وهو معدود من شعراء مصر فى النظم الرقيق، فمن ذلك قوله:
صنم من الكافور بات معانقى … فى حلّتين، تعفّف وتكرّم
فكّرت ليلة وصله فى هجره … فجرت بقايا أدمعى كالعندم
فطفقت أمسح مقلتى فى جيده … إذ شيمة الكافور إمساك الدم
[ومن الحوادث فى أيامه، أنّ النيل لم يزد لا كثيرا ولا قليلا، فقيل للحاكم إنّ هذا من فعل الحبشة، قد حيّروا مجرى النيل، فأمر بطرك النصار بأن يتوجّه إلى الحبشة؛ فلما وصل البطرك إلى بلاد الحبشة، ودخل على ملكهم، أكرمه وسجد له، وسأله عن سبب قدومه عليه، فعرّفه أنّ النيل قد نقص، ولم يزد عندنا شئ، وقد أضرّ ذلك بسكّان مصر، فأمر ملك الحبشة بفتح سدّ عندهم، الذى يجرى منه إلى مصر ماء النيل، لأجل أنّ البطرك قدم عليه، فزاد النيل فى تلك السنة زيادة قويّة، حتى أوفى (٢)؛ أورد ذلك المسبحى (٣) فى تاريخه، انتهى ذلك] (٤).
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ فى سنة سبع وثمانين وثلثماية، بلغ النيل ستة عشر
стр. 213
ذراعا وثلاثة أصابع وانهبط، فشرقت البلاد، ووقع الغلاء بمصر؛ فاجتمع الناس قاطبة تحت قصر الزمرّد، يستغيثون بالحاكم أن ينظر فى أحوال الناس، فقال لهم:
«إذا كان الغد، أتوجّه إلى جامع راشدة، وأعود، فإن وجدت فى طريقى مكانا خاليا من الغلّة، ضربت عنق صاحب ذلك المكان على بابه»؛ فلما توجّه إلى جامع راشدة، وعاد بعد العصر، فما بقى أحد من أهل مصر والقاهرة، إلا وحمل ما عنده من الغلال ووضعها فى الطريق التى (١) يمرّ من عليها الحاكم.
فلما رجع من جامع راشدة، وجد الغلال قد امتلأت بها الطرقات، وشبعت أعين الناس؛ ثم إنّه قرّر مع أصحاب الغلال، أنّ أحدا لا يدخر فى بيته شيئا من الغلال؛ ثم قرّر معهم سعر كل صنف من الغلال بثمن معلوم لا يزيد (٢) ولا ينقص، فعند ذلك سكن الرهج الذى كانت فيه الناس، ووقع الرخاء بمصر وسائر أعمالها؛ وكان الحاكم شديد البأس، إذا أمر بشئ، لا يرجع عنه، ولا يرادد فيه، وقد قيل فى المعنى:
صاحب أخا الشرّ لتسطو (٣) به … يوما على بعض صروف الزمان
فالرمح لا يرهب أنبويه … إلا إذا ركّب فيه السنان
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ جماعة من العربان وثبوا على كسوة الكعبة، وانتهبوها جميعها، فكسيت الكعبة فى تلك السنة الشنفاص الأبيض، وهذا من الغرائب، فإنّ الكعبة ما كسيت شنفاص قطّ إلا فى زمن الحاكم.
ثم إنّ الحاكم عزل الوزير أبو نصر العلاجى، واستقرّ بعلى بن أحمد الجرجاوى، فى الوزارة، عوضا عن أبى نصر العلاجى، وكان من ذوى العقول، فساس الناس أحسن سياسة.
ومن النكت المضحكة، قيل، كان فى زمن الحاكم قاض بمصر، يقال له النطاح، وسبب ذلك أن كان له طرطور من جلد، وفيه قرنان من قرون البقر، فيضع هذا
стр. 214
الطرطور إلى جانبه، فإذا جاءوه خصمان يتحاكمان عنده، وجار أحدهما على الآخر، فيلبس القاضى ذلك الطرطور الذى فيه القرنان، ويتباعد وينطح الخصم الذى يجور على صاحبه، فعرف بالنطاح، واشتهر بين الناس بذلك.
فلما بلغ الحاكم أمره، أرسل خلفه، وقال له: «ما هذا الأمر الذى قد اخترعته بين القضاة، حتى قبحت سيرتك بين الناس»؟ فقال له القاضى: «يا أمير المؤمنين، أشتهى أن تحضر مجلسى يوما، وأنت خلف ستارة، لتنظر ماذا أقاسى من العوام، فإن كنت معذورا فيهم، وإلا عاقبنى بما تختار»؛ فقال له الحاكم: «أنا غدا عندك، وأحضر مجلسك، حتى أرى ما تقول».
فلما أصبح الحاكم، أتى إلى مجلس ذلك القاضى، وقعد من خلف ستارة، فأتى فى ذلك اليوم إلى القاضى خصمان، فادّعى أحدهما على الآخر بمائة دينار، فاعترف له بها المدّعى عليه، فأمره القاضى بدفع ذلك إلى صاحبه، فقال المدّعى عليه: «إنى مصر فى هذا الوقت فقسّطوا علىّ ذلك على قدر حالى»، فقال القاضى للمدّعى: «ما تقول»؟ فقال: «أقسّطها عليه فى كل شهر عشرة دنانير»، فقال المديون: «أنا لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى: «تكون خمسة دنانير»، فقال المديون: «لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى: «تكون دينارين»، فقال المديون: «لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى: «يكون دينارا»، فقال المديون: «لا أقدر على ذلك».
فلا زال القاضى يخفض (١) هذا القدر، حتى قال له: «تكون عشرة دراهم فى كل شهر»، وهو يقول: «لا أقدر على ذلك»، فقال له القاضى: «وما القدر الذى تقدر عليه فى كل شهر، فلعل أن يرضى به خصمك»؟ فقال المديون: «أنا ما أقدر على أكثر من ثلاثة دراهم فى كل سنة، بشرط أن يكون خصمى فى السجن، لئلا يحصل معى هذا القدر ولم أجد خصمى، فيذهب منى».
فلما سمع الحاكم ذلك، لم يتمالك عقله، وخرج من خلف الستارة، وقال للقاضى:
«انطح هذا النحس، وإلا أنا أنطحه»، وكان الحاكم أحمق من القاضى، انتهى ذلك.
стр. 215
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثلثماية
فيها توفّى أبو الشمقمق، الشاعر، وكان أبو الشمقمق هذا شاعرا ماهرا، صاحب نكت ونوادر، دخل مصر وامتدح المعزّ الفاطمى، وأولاده؛ وكان أبو الشمقمق صعلوكا فقيرا، وكان يلزم بيته دائما، فإذا دقّ عليه أحد بابه، نظر من شقّ الباب، فإن أعجبه القارع، خرج له، وإن لم يعجبه، لم يخرج إليه أبدا؛ قيل إنّ بعض أصدقائه دخل عليه، فلما رأى سوء حاله، فقال له: «أبشر يا أبا الشمقمق، فإن جاء فى الحديث، أنّ العارين فى الدنيا، هم الكاسون فى الآخرة»، فقال: «إن كان ذلك حقّا، لأكونن أنا يوم القيامة تاجرا فى القماش والفرش»، وأنشأ يقول:
أنا فى حال تعالى … الله ما أعجب حالى
ليس لى شئ إذا ما … قيل ذا لى قلت ذالى
فأراضى الله فرشى … والسموات ظلالى
ولقد أهزلت حتى … محت الشمس خيالى
ولقد أفلست حتى … حلّ أكلى لعيالى
من رأى شيئا محالا … فأنا كلّ المحالى
[وفى سنة إحدى وأربعمائة، توفّى فارس الحمصى الضرير، شيخ القرّاء، مؤلف كتاب «المنتشا فى القراءات» وهو مذكور فى الشاطبية] (١).
[وفى سنة إحدى وأربعمائة، توفّى الحافظ ميسر، قال المسبحى (٢): كان مع ميسر درج، طوله سبعة وثمانون ذراعا، وهو مملوء الوجهين، فيه أوائل ما كان يحفظه من أحاديث وأخبار وأشعار، وغير ذلك] (٣).
قال الشيخ شمس الدين الذهبى فى «تاريخ الإسلام»: إنّ فى سنة أربعمائة، تزايد طغيان الحاكم بأمر الله، حتى إنّه ادّعى الربوبيّة من دون الله تعالى، كما فعل