← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ابن فلان، وهو فى المكان الفلانى، فى الحارة الفلانية»، فيرسل الحاكم بعض غلمانه إلى ذلك المكان، فيحضر الضائع بعينه، فيسلّمه إلى صاحبه؛ فلا زال يحضر لكل شخص من الناس ما ضاع له، حتى ردّ على الناس ما كان ضاع لهم فى تلك الليلة بتمامه وكماله. ثم أحضر اللصوص الذين (١) سرقوا، فأمر بشنقهم، فشنقوا أجمعين، ثم نادى فى مصر والقاهرة: «رحم الله من رأى العبرة من غيره، واعتبر»؛ فصار الناس من بعد ذلك يتركون دكاكينهم وأبوابهم مفتّحة، ليلا ونهارا، ولم يفقد لأحد من الناس شئ (٢)، حتى كان يقع من الرجل الدرهم الفلوس، فلا يجسر أحد من الناس أن يأخذه من الأرض، حتى يمرّ به صاحبه فيأخذه، ولو بعد حين. وحكى بعض المؤرّخين أنّ رجلا وقع منه كيس، فيه ألف دينار، عند جامع أحمد بن طولون، فصار مرى على الأرض، وكل من رآه يتباعد عنه، فأقام مرمى (٣) على الأرض أسبوعا، حتى مرّ صاحبه به وأخذه. وأمر هذا الصنم هو الذى جسّر الحاكم على أن جعل الليل مقام النهار فى أحوال الناس؛ وقيل إنّ هذا الصنم لم يزل عند الحاكم حتى قتل، فعمد إليه بعض اللصوص، وكسره تحت الليل، فبطل من يومئذ فعله، وذهب عنه الروحانى الذى كان فى جوفه. وقيل إنّ رجلا أودع عند رجل جرابا فيه ألف دينار، وسافر إلى الحجاز، فلما عاد طلب منه الجراب فأنكره، ولم يقرّ به، فشكاه إلى الحاكم، فقال له الحاكم: «اقعد لى على الشارع، فإذا مررت بك، فقم إلىّ وتحدّث معى حديثا طويلا»، فلما مرّ الحاكم بالرجل، قام إليه وتحدّث معه، وأطال معه الحديث، فسرّ به الرجل الذى عنده الجراب، فرأى صاحب الجراب يتحدّث مع الحاكم حديثا طويلا.

стр. 212

فلما مرّ الحاكم، ومضى، أحضر ذلك الرجل الجراب إلى صاحبه، وقال: «لقد تذكّرت وديعتك، فوجدتها فى البخارية، وها هى بختمها لم تفتح»؛ فأخذ منه الرجل الجراب ومضى به إلى الحاكم؛ وعرّفه ما جرى له مع الرجل، فقال له الحاكم: «خذ جرابك وامض (١) إلى حال سبيلك»؛ فلما أصبح الصباح، فرأى الرجل، الذى كان عنده الجراب، مشنوقا على باب داره، والناس يتحدّثون فى أمره بسبب الجراب، انتهى. وفى أيامه، فى سنة أربع وسبعين وثلثماية، توفّى الشيخ نور الدين على بن عمّان القيروانى، قاضى قضاة مصر، وكان شيعيّا، وكان له شعر جيّد، وهو معدود من شعراء مصر فى النظم الرقيق، فمن ذلك قوله: صنم من الكافور بات معانقى … فى حلّتين، تعفّف وتكرّم فكّرت ليلة وصله فى هجره … فجرت بقايا أدمعى كالعندم فطفقت أمسح مقلتى فى جيده … إذ شيمة الكافور إمساك الدم [ومن الحوادث فى أيامه، أنّ النيل لم يزد لا كثيرا ولا قليلا، فقيل للحاكم إنّ هذا من فعل الحبشة، قد حيّروا مجرى النيل، فأمر بطرك النصار بأن يتوجّه إلى الحبشة؛ فلما وصل البطرك إلى بلاد الحبشة، ودخل على ملكهم، أكرمه وسجد له، وسأله عن سبب قدومه عليه، فعرّفه أنّ النيل قد نقص، ولم يزد عندنا شئ، وقد أضرّ ذلك بسكّان مصر، فأمر ملك الحبشة بفتح سدّ عندهم، الذى يجرى منه إلى مصر ماء النيل، لأجل أنّ البطرك قدم عليه، فزاد النيل فى تلك السنة زيادة قويّة، حتى أوفى (٢)؛ أورد ذلك المسبحى (٣) فى تاريخه، انتهى ذلك] (٤). ومن الحوادث فى أيامه، أنّ فى سنة سبع وثمانين وثلثماية، بلغ النيل ستة عشر

стр. 213

ذراعا وثلاثة أصابع وانهبط، فشرقت البلاد، ووقع الغلاء بمصر؛ فاجتمع الناس قاطبة تحت قصر الزمرّد، يستغيثون بالحاكم أن ينظر فى أحوال الناس، فقال لهم: «إذا كان الغد، أتوجّه إلى جامع راشدة، وأعود، فإن وجدت فى طريقى مكانا خاليا من الغلّة، ضربت عنق صاحب ذلك المكان على بابه»؛ فلما توجّه إلى جامع راشدة، وعاد بعد العصر، فما بقى أحد من أهل مصر والقاهرة، إلا وحمل ما عنده من الغلال ووضعها فى الطريق التى (١) يمرّ من عليها الحاكم. فلما رجع من جامع راشدة، وجد الغلال قد امتلأت بها الطرقات، وشبعت أعين الناس؛ ثم إنّه قرّر مع أصحاب الغلال، أنّ أحدا لا يدخر فى بيته شيئا من الغلال؛ ثم قرّر معهم سعر كل صنف من الغلال بثمن معلوم لا يزيد (٢) ولا ينقص، فعند ذلك سكن الرهج الذى كانت فيه الناس، ووقع الرخاء بمصر وسائر أعمالها؛ وكان الحاكم شديد البأس، إذا أمر بشئ، لا يرجع عنه، ولا يرادد فيه، وقد قيل فى المعنى: صاحب أخا الشرّ لتسطو (٣) به … يوما على بعض صروف الزمان فالرمح لا يرهب أنبويه … إلا إذا ركّب فيه السنان ومن الحوادث فى أيامه، أنّ جماعة من العربان وثبوا على كسوة الكعبة، وانتهبوها جميعها، فكسيت الكعبة فى تلك السنة الشنفاص الأبيض، وهذا من الغرائب، فإنّ الكعبة ما كسيت شنفاص قطّ إلا فى زمن الحاكم. ثم إنّ الحاكم عزل الوزير أبو نصر العلاجى، واستقرّ بعلى بن أحمد الجرجاوى، فى الوزارة، عوضا عن أبى نصر العلاجى، وكان من ذوى العقول، فساس الناس أحسن سياسة. ومن النكت المضحكة، قيل، كان فى زمن الحاكم قاض بمصر، يقال له النطاح، وسبب ذلك أن كان له طرطور من جلد، وفيه قرنان من قرون البقر، فيضع هذا

стр. 214

الطرطور إلى جانبه، فإذا جاءوه خصمان يتحاكمان عنده، وجار أحدهما على الآخر، فيلبس القاضى ذلك الطرطور الذى فيه القرنان، ويتباعد وينطح الخصم الذى يجور على صاحبه، فعرف بالنطاح، واشتهر بين الناس بذلك. فلما بلغ الحاكم أمره، أرسل خلفه، وقال له: «ما هذا الأمر الذى قد اخترعته بين القضاة، حتى قبحت سيرتك بين الناس»؟ فقال له القاضى: «يا أمير المؤمنين، أشتهى أن تحضر مجلسى يوما، وأنت خلف ستارة، لتنظر ماذا أقاسى من العوام، فإن كنت معذورا فيهم، وإلا عاقبنى بما تختار»؛ فقال له الحاكم: «أنا غدا عندك، وأحضر مجلسك، حتى أرى ما تقول». فلما أصبح الحاكم، أتى إلى مجلس ذلك القاضى، وقعد من خلف ستارة، فأتى فى ذلك اليوم إلى القاضى خصمان، فادّعى أحدهما على الآخر بمائة دينار، فاعترف له بها المدّعى عليه، فأمره القاضى بدفع ذلك إلى صاحبه، فقال المدّعى عليه: «إنى مصر فى هذا الوقت فقسّطوا علىّ ذلك على قدر حالى»، فقال القاضى للمدّعى: «ما تقول»؟ فقال: «أقسّطها عليه فى كل شهر عشرة دنانير»، فقال المديون: «أنا لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى: «تكون خمسة دنانير»، فقال المديون: «لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى: «تكون دينارين»، فقال المديون: «لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى: «يكون دينارا»، فقال المديون: «لا أقدر على ذلك». فلا زال القاضى يخفض (١) هذا القدر، حتى قال له: «تكون عشرة دراهم فى كل شهر»، وهو يقول: «لا أقدر على ذلك»، فقال له القاضى: «وما القدر الذى تقدر عليه فى كل شهر، فلعل أن يرضى به خصمك»؟ فقال المديون: «أنا ما أقدر على أكثر من ثلاثة دراهم فى كل سنة، بشرط أن يكون خصمى فى السجن، لئلا يحصل معى هذا القدر ولم أجد خصمى، فيذهب منى». فلما سمع الحاكم ذلك، لم يتمالك عقله، وخرج من خلف الستارة، وقال للقاضى: «انطح هذا النحس، وإلا أنا أنطحه»، وكان الحاكم أحمق من القاضى، انتهى ذلك.

стр. 215

ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثلثماية فيها توفّى أبو الشمقمق، الشاعر، وكان أبو الشمقمق هذا شاعرا ماهرا، صاحب نكت ونوادر، دخل مصر وامتدح المعزّ الفاطمى، وأولاده؛ وكان أبو الشمقمق صعلوكا فقيرا، وكان يلزم بيته دائما، فإذا دقّ عليه أحد بابه، نظر من شقّ الباب، فإن أعجبه القارع، خرج له، وإن لم يعجبه، لم يخرج إليه أبدا؛ قيل إنّ بعض أصدقائه دخل عليه، فلما رأى سوء حاله، فقال له: «أبشر يا أبا الشمقمق، فإن جاء فى الحديث، أنّ العارين فى الدنيا، هم الكاسون فى الآخرة»، فقال: «إن كان ذلك حقّا، لأكونن أنا يوم القيامة تاجرا فى القماش والفرش»، وأنشأ يقول: أنا فى حال تعالى … الله ما أعجب حالى ليس لى شئ إذا ما … قيل ذا لى قلت ذالى فأراضى الله فرشى … والسموات ظلالى ولقد أهزلت حتى … محت الشمس خيالى ولقد أفلست حتى … حلّ أكلى لعيالى من رأى شيئا محالا … فأنا كلّ المحالى [وفى سنة إحدى وأربعمائة، توفّى فارس الحمصى الضرير، شيخ القرّاء، مؤلف كتاب «المنتشا فى القراءات» وهو مذكور فى الشاطبية] (١). [وفى سنة إحدى وأربعمائة، توفّى الحافظ ميسر، قال المسبحى (٢): كان مع ميسر درج، طوله سبعة وثمانون ذراعا، وهو مملوء الوجهين، فيه أوائل ما كان يحفظه من أحاديث وأخبار وأشعار، وغير ذلك] (٣). قال الشيخ شمس الدين الذهبى فى «تاريخ الإسلام»: إنّ فى سنة أربعمائة، تزايد طغيان الحاكم بأمر الله، حتى إنّه ادّعى الربوبيّة من دون الله تعالى، كما فعل

стр. 216

فرعون، فكان يحسّن لجماعة من عوام (١) مصر الجهلة، فكان إذا مرّ فى الطرقات يسجدون له، ويقولون: «يا محيى، يا مميت»، ومن لم يفعل ذلك ضرب عنقه. وكان يدّعى أنّه يعلم علم الغيب، فكان يقول لأمرائه ووزرائه: «يا فلان، أنت فعلت فى بيتك الليلة، ما هو كيت وكيت»، وكان ذلك باتّفاق يعتمده مع العجائز، اللاتى (٢) يدخلن إلى بيوت الأمراء والوزراء، وغير ذلك من أعيان الناس؛ فلما تزايد هذا الأمر منه، كتب له بعض الناس رقعة، ولصقها بالمنبر فى مكان يقعد فيه، وكتب فيها هذين البيتين، وهما: بالجور والظلم قد رضينا … وليس بالكفر والحماقة إن كنت أوتيت علم غيب … بيّن لنا كاتب البطاقة فلما قرأ تلك الرقعة، سكت عن الكلام فى أمر ما كان يدّعيه فى علم المغيبات. قيل: إنّ بعض العلماء أثبت لهؤلاء (٣) الفاطميين نسبا فاسدا، بأنهم من ولد فاطمة بنت رسول الله، ﷺ ، وهذا النسب ليس بصحيح، وإنما هم من ولد ديصان بن سعيد، وكان أصله مجوسيّا، وقد وافق على ذلك جماعة من العلماء، منهم الشيخ أبى حامد الإسفرايينى، والشيخ أبى الحسن القدورى، وغير ذلك من العلماء. فكان الحاكم يذكر نسبه فى كل جمعة على المنبر، ويقول: «نحن أفضل من خلفاء بنى العبّاس، لأنّنا من ولد فاطمة بنت رسول الله، ﷺ ». فكانت الناس ترفع إليه الرقاع فى أشغالهم، وهو على المنبر يخطب، فرفعت إليه رقعة فيها هذه الأبيات: إنّا سمعنا نسبا منكرا … يتلى على المنبر فى الجامع إن كنت فيما قتله صادقا … فانسب لنا نفسك كالطائع

стр. 217

وإن ترم تحقيق ما قلته … فاذكر لنا بعد الأب السابع دع الأنساب مستورة … وادخل بنا فى النسب الواسع فإن أنساب بنى هاشم … يقصر عنها طمع الطامع فلما قرأ تلك الرقعة، غضب على أهل مصر، وأمر العبيد بأن يحرقوا المدينة جميعها، فأطلقوا فيها النار، ونهبوا بيوت الناس، وأخذوا أموالهم، وسبوا النساء. واستمرّ هذا الأمر الشنيع بمصر والقاهرة ثلاثة أيام متوالية، فضجّ الناس إليه، واستغاثوا به، وطلع إليه العلماء والصلحاء، يشفعون فى الناس، فعفى عنهم، بعد ما احترق من المدينة نحو ثلثها، ونهبت أموال الناس، وسبيت النساء، وقتل من الناس ما لا يحصى، وكانت هذه الواقعة من أعظم المصائب بمصر. واستمرّ الحاكم على ما ذكرناه من هذه الأفعال الشنيعة، ومخالفته للشريعة، حتى قتل؛ وكان سبب قتله، أنّ أخته ست النصر، لما زاد أخوها من هذه الأفعال الشنيعة، أراد قتلها لأمر بلغه عنها، وكانت من النساء المدبّرات، فخرجت تحت الليل فى الخفية، وأتت إلى دار الأمير سيف الدين بن دواس، وكان أكبر أمراء الحاكم، فلما دخلت عليه، اختلت به، وعرّفته أنّها أخت الحاكم، فبالغ فى تعظيمها. فقالت له: «أنت تعلم ما قد فعله أخى بالرعيّة من هذه الأفعال الشنيعة، وقد عوّل على قتلى وقتلك، وإذا عوّل على شئ فعله»، فقال لها: «وما الرأى فى ذلك»؟ قالت: «تقتله»، قال: «وكيف أقتله»؟ قالت: «اندب إليه جماعة من العبيد يقتلونه إذا خرج إلى حلوان، فإنه ينفرد فى ذلك المكان بنفسه، فيخرجوا (١) عليه ويقتلوه هناك، وتكون أنت المدبّر للمملكة بعده، وتولّى ابنه الأمير على»، فاتّفقا على ذلك، ثم مضت إلى قصرها. فلما أصبح الصباح، خرج الحاكم على عادته إلى حلوان، وكان مشغوفا بحبّ

стр. 218

المطالب، مثل جدّه المعزّ؛ فلما خرج، أرسل الأمير سيف الدين بن دواس خلفه، عشرة من العبيد السود الغلاظ الشداد، وأعطى لكل عبد منهم خمسمائة دينار، وعرّفهم كيف يقتلونه، فسبقوه إلى حلوان؛ فلما نزل بالمقصبة التى هناك، خرجت عليه العبيد، فقتلوه هناك. فلما أبطأ خبره [على] (١) غير العادة، خرجت جماعة من الحجاب، ومعهم الجنائب بسبب الكوكب، فصاروا يخرجون فى كل يوم، ينتظرون رجوعه، منذ سبعة أيام. فلما أبطأ عليهم، فوق السبعة أيام، خرج الأمير مظفر، الحاجب، ومعه العسكر، وكان عسكر الحاكم ما بين ديلم، ومصامدة، وصقالبة، وروم، وعبيد زنج، فلما وصلوا إلى آخر المقصبة التى بحلوان، وجدوا حماره الأشهب، المدعو بالقمر، وقد قطعت يداه ورجلاه، وعليه السرج واللجام. فتبعوا أثر الحمار، فوجدوا ثياب الحاكم، وكان يلبس عليه سبع جبّات صوف أبيض، فرأوا فيها آثار ضرب السكاكين، فلم يشكوا بعد ذلك فى قتله، فلما رجعوا إلى القاهرة، أشيع بين الناس قتله، فماجت القاهرة فى ذلك اليوم، فما سكنت حتى ولّوا ابنه الأمير على، وكان دون البلوغ - أورد ما ذكرناه هنا ابن أبى حجلة فى «السكردان». وكانت قتلة الحاكم فى نصف شوّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة؛ وكانت مدّة خلافته بالديار المصرية والبلاد الشامية، خمسة وعشرين سنة، فكانت على الناس أشدّ الأيام؛ وقتل فى هذه المدّة جماعة من العلماء، والفقهاء، وأعيان الناس، ما لا يحصى عددهم، وقد صبروا على أذاه هذه المدّة، حتى فرّج الله عنهم، كما قيل فى المعنى: ودهر قطعناه بضيق وشدّة … ونحن على نار قيام على الجمر صبرنا له حتى أزيل وإنّما … تفرج أيام الكريهة بالصبر قال الذهبى: لما قتل الحاكم، صاروا جماعة من الجهّال المغفّلين، من وادى التيم،

стр. 219

من نواحى الشام، يعتقدون حياة الحاكم إلى إلآن، ويقولون إنّه سيعود فى آخر الزمان، وهو المهدى، ويحلفون: «وغيبة الحاكم»، وهذا من جهلهم، انتهى ذلك. ذكر خلافة الظاهر لدين الله على ابن منصور بن نزار بن المعزّ معد وهو الرابع من خلفاء بنى عبيد الله الفاطمى بمصر، تولّى الخلافة بعد قتل أبيه الحاكم، فى شوّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وتلقّب بالظاهر لدين الله؛ تولّى الخلافة وله من العمر نحو ست عشرة سنة إلا أيام؛ وكانت عمّته ست النصر هى القائمة بأمور دولته، والأمير سيف الدين بن دواس. فلما تولّى الأمير على بن الحاكم، اضطربت الأحوال فى أيامه إلى الغاية، واستولى على البلاد الشامية حسّان، شيخ عربان جبل نابلس، وصار يستخرج خراج البلاد الشامية لنفسه، ونزع أيدى العمّال عنها. وفى أيامه، سنة اثنتى عشرة وأربعمائة، توفّى هاشم بن العبّاس المصرى، الشاعر، وكان شاعرا ما هرا وله شعر جيّد، ومن تشابيهه الغريبة، قوله فى البدر، من أبيات: كأنّ بياض البدر من خلف نخلة … بياض بنان فى اخضرا نقوش وتوفّى أيضا محمد بن القاسم بن عاصم، الشاعر، وكان شاعرا ماهرا، وهو الذى امتدح كافور الإخشيدى بقصيدة، منها: ما زلزلت مصر من خوف يراد بها … لكنها رقصت من عدله طربا وفى سنة خمسة عشر وأربعمائة، توفّيت ست النصر، أخت الحاكم، وهى عمّة الظاهر لدين الله، فظهر لها موجود عظيم من المال، والجواهر، والتحف، والقماش، ما لا يحصى لكثرته؛ ووجد عندها أربعة آلاف جارية، ما بين بيض وسود

стр. 220

ومولّدات؛ ووجد عندها ثلاثون زيرا من اللازورد الصينى، مملوءة من المسك السحيق، وأما بقيّة الموجود، فلم ينحصر لكثرته. ومن الحوادث فى أيامه، جاءت الأخبار من مكّة، بأنّ رجلا أعجميا حضر إلى مكّة فى غير أوان الحجّ، ومعه جماعة من الأعاجم، فأقاموا بمكّة مدّة، ثم إنّهم غافلوا الناس ودخلوا الحرم، وقت القايلة، وجاءوا إلى الحجر الأسود، وكسروه بالأطبار، ثلاث قطع؛ فأدركوهم الناس فى الحال، ومسكوهم، وقطعوا أيديهم، وصلبوهم على أبواب الحرم؛ ثم أعادوا الحجر إلى مكانه كما كان، ولصقوا ما تكسّر منه، وعملوا عليه طوق فضّة، وبقى آثار التكسير فيه إلى الآن، انتهى ذلك. وكان الظاهر لدين الله مخلوعا (١) نزها؛ ففى أيامه، أذن للنصارى فى إعادة (٢) ما كان يعمل فى ليلة الغطاس، وكان جدّه المعزّ أبطل ذلك فى أيامه، وكان من أجلّ المواسم بمصر، وكان يعمل فى ليلة الحادى عشر من طوبة، وكان فى تلك الليلة تجتمع المسلمون (٣) والنصارى عند شاطئ النيل، قبالة المقياس، فتنصب هناك الخيام من جانبى النيل، وتوضع فيها الأسرة لأعيان القبط، وكان البحر يمتلئ بالمراكب من سائر المسلمين والنصارى. فلما يدخل الليل، تزيّن المراكب بالقناديل، وتشعل فيها الشموع، وتشعل المشاعل على الشطوط، فكان يوقد (٤) فى تلك الليلة أكثر من ألف مشعل (٥)، وألف فانوس (٦)؛ وكان ينفق فى تلك الليلة ما لا يحصى من الأموال، فى مأكل ومشرب؛ وتنزل أعيان الأقباط فى المراكب، وتتجاهر الناس بشرب الخمور، وتجتمع أرباب المغانى والآلات، وأرباب الملاعب من كل فنّ، ويخرجون الناس فى تلك الليلة عن الحدّ فى اللهو والقصف، ولا يغلق فيها دكّان، ولا درب، ولا أسواق.

стр. 221

وكانوا يتهادون رؤساء الأقباط فى تلك الليلة، بأطيان القصب، والبورى، والحلوى القاهرية، والكمثرى، والتفاح الفتحى، والسفرجل، والأترج، والنارنج، والليمون، وباقات النرجس، وغير ذلك من الأنواع اللطيفة، وكانوا يغطسون بعد العشاء قبالة المقياس، ويزعمون أنّ من يغطس فى تلك الليلة، لا يضعف فى تلك السنة. فلما كان وقت الغطاس، نادى الخليفة الظاهر، بأن لا يختلط (١) النصارى مع المسلمين عند الغطاس؛ وكان الخليفة الظاهر تلك الليلة فى قصر جدّه المعزّ، الذى يشرف على البحر، يتفرّج على المهرجان الذى يحصل فى تلك الليلة؛ وكان المعزّ أبطل ذلك من سنة اثنتين وستين وثلثماية. وكانت الوزراء فى يوم خميس العدس، يضربون خراريب من ذهب، ويفرّقونها على أرباب الدولة، برسم التبرّك بها، وكان يضرب منها نحو خمسمائة مثقال، فبطل ذلك فى دولة صلاح الدين يوسف بن أيوب. وفى سنة عشرين وأربعمائة، توفّى الشيخ عبد الجبار بن أحمد الطرسوسى، شيخ القرّاء، مات فى غزّة. ومن الوقائع الغريبة، أنّ فى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، نقص النيل قبل الوفاء، وانهبط، ثم زاد بعد أوانه بأربعة أشهر، وهذا من الغرائب التى لم يسمع بمثلها. وفى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، كانت وفاة الإمام العالم العلامة عبد الوهّاب ابن على بن نصر أبو محمد البغدادى، أحد أئمّة المالكية المجتهدين، ولى القضاء بمصر فى الدولة الفاطمية، ومات فى تلك السنة، ودفن بالقرافة، بالقرب من النقعة، والدعاء عند قبره مجاب، ويزار فى كل جمعة؛ وكان له نظم جيّد، فمن ذلك قوله وأجاد: يزرع وردا ناضرا ناظرى … فى وجنة كالقمر الطالع فلم منعتم شفتى قطفها … والحلّ أنّ الزرع للزارع وقوله أيضا:

стр. 222

ونائمة قبّلتها فتنبّهت … وقالت تعالوا فاطلبوا اللصّ بالحدّ فقلت لها إنّى فديتك غاصب … وما حكموا فى غاصب بسوى الردّ وقوله فى الغزل: وتفاحة من كفّ ظبى أخذتها … جناها من الغصن الذى مثل قدّه لها لمس خدّيه وطيب نسيمه … وطعم ثناياه وحمرة خدّه ومما وقع للخليفة الظاهر هذا، من المساوئ الشنيعة، قال ابن المتوج: إنّ فى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، نادى الخليفة الظاهر فى القاهرة، بأنّ الجوار (١) التى فى مصر والقاهرة، تجمعن عن آخرهن، وأن تزين بأحسن الملابس، ويحضروا بهن إلى قصر الخليفة، فصار كل من كان عنده جارية، يلبسها من أحسن الأثواب الفاخرة، ويحضرها إلى قصر الخليفة. فلما تكامل جمعهن ولم يبق (٢) بمصر والقاهرة جارية، فأمر بأن يجعلن فى مجلس، ويسدّ عليهن باب المجلس، فبنى عليهن أبواب المجلس، وتركهن ستة أشهر، ثم بعد ذلك أضرم عليهن النار، حتى أحرقهن عن آخرهن، وكان عدّتهن ألفين وستمائة وستين جارية؛ ولم يقع لأبيه الحاكم مثل هذه الواقعة، مع وجود ظلمه وجوره فى الناس، انتهى ذلك. قال ابن المتوج: فلما فعل الظاهر هذه الفعلة، لم يقم بعدها سوى ثلاث سنين ونصف ومات، وكانت وفاته فى يوم الأحد خامس عشر شعبان، سنة سبع وعشرين وأربعمائة؛ وكانت مدّة خلافته بمصر خمس عشرة (٣) سنة وتسعة أشهر؛ وكانت مساوئه أنجس من مساوئ أبيه الحاكم؛ ولما مات تولّى بعده ابنه المستنصر بالله أبى تميم، انتهى ما أوردناه من أخبار الظاهر لدين الله.

стр. 223

ذكر خلافة المستنصر بالله أبى تميم معد ابن الظاهر لدين الله على بن منصور الحاكم بأمر الله وهو الخامس من خلفاء بنى عبيد الله الفاطمى بمصر، بويع بالخلافة بعد موت أبيه الظاهر، فى يوم الأحد خامس عشر شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة؛ فلما تولّى الخلافة، كان له من العمر سبع سنين وعشرين (١) يوما، وكان مولده بالقاهرة سنة عشرين وأربعمائة. ولما تولّى المستنصر هذا، تعصّب له البساسيرى، وخطب له على منابر بغداد، مع وجود خلفاء بنى العبّاس، وهذا لم يقع لأحد من خلفاء بنى عبيد الله. فلما تمّ أمر المستنصر فى الخلافة، أخلع على القاضى أبى محمد الحسن بن على البازورى، واستقرّ به وزيرا، وقاضى القضاة الشافعية، وهو أول من جمع بين الوزارة وقضاء الشافعية، ولما تولّى الوزارة تلقّب بالناصر لدين الله، وكانت الوزراء يومئذ تتلقّب بألقاب الخلفاء، وأمر له المستنصر بأن ينقش اسمه مع اسمه على الدنانير والدراهم، فنقش اسمه عليها؛ وفى ذلك يقول الشاعر عن لسان الدينار والدرهم، وهو قوله: ضربت فى دولة آل الهدى … من آل طه وآل ياسين مستنصر بالله عزّ اسمه … وعبده الناصر للدين ثم إنّ المستنصر قبض على أبى نصر العلاجى، الوزير، واعتقله بخزانة البنود، وأحاط على موجوده، ثم قطع رأسه، ودفنها بخزانة البنود، وكان الذى رافع فى أبى نصر العلاجى، شخص (٢) يسمّى ابن الأنبارى. فلما مضى أمر العلاجى، أقام ابن الأنبارى بعد قتل العلاجى مدّة يسيرة، وقبض عليه المستنصر، واعتقله بخزانة البنود، ثم إنّ المستنصر أمر بقطع رأس ابن الأنبارى، فلما أرادوا أن يحفروا له حفرة ليواروه فيها، ظهر لهم فى الحفرة

стр. 224

رأس، فسألوا ابن الأنبارى عن هذه الرأس، لمن هى؟ قال: «هذه رأس (١) أبى نصر العلاجى، وأنا قتلته، ودفنت رأسه هنا»؛ فلما أرادوا قطع رأس ابن الأنبارى، أنشد يقول: ربّ لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحكا من تزاحم الأضداد ثم قطعوا رأس ابن الأنبارى، ودفنوها على رأس أبى نصر العلاجى، والمجازاة من جنس العمل، انتهى ذلك. وفى أيامه، سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، توفّى الشيخ أبو القاسم الصامت، وكان من الأولياء الزهّاد. وفى سنة أربعين وأربعمائة، توفّى الحافظ أبو الحسن بن عبد الله بن محمود بن صهيب المصرى، المعروف بالزجاج، صاحب النسائى، وكان من الثقات فى الحديث. ومن الحوادث فى أيام المستنصر بالله، أنّ فى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، أخذ قاع النيل، فجاءت القاعدة ثلاثة أذرع وأحد عشر أصبعا، وبلغت الزيادة فى تلك السنة اثنتى عشرة ذراعا، ثم انهبط، فشرقت البلاد، وحصل على الناس ما لا خير فيه، ووقع الغلاء العظيم، فكان يعادل الغلاء الذى وقع فى زمن يوسف ﵇. واستمرّ هذا الغلاء سبع سنين متوالية، فأكلت الناس بعضها بعضا، حتى قيل أبيع القمح بثمانين دينارا كل أردب، ثم اشتدّ الأمر حتى أبيع كل أردب بمائة وعشرين دينارا، ثم اشتد الأمر حتى أبيع كل رغيف فى زقاق القناديل، بخمسة عشر دينارا؛ وأكلت الناس الميتة والكلاب والقطط، حتى قيل أبيع كل كلب بخمسة دنانير، وأبيع كل قطّ بثلاثة دنانير - أورد ذلك ابن أبى حجلة فى كتاب «السكردان» كما ذكر (٢) هنا. وقيل إنّ الكلب كان يدخل الدار، فيأكل الطفل وهو فى المهد، وأمّه وأبوه ينظران إليه، فلا يستطيعان أن ينهضا لدفع الكلب عن ولدهما من شدّة الجوع؛

стр. 225

ثم اشتدّ الأمر، حتى صار الرجل يأخذ ابن جاره ويذبحه ويأكله، ولا ينكر عليه ذلك بين الناس؛ ثم اشتدّ الأمر، حتى صار الناس إذا مرّوا فى الطرقات، وقوى القوىّ على الضعيف، فيذبحه ويأكله جهارا. وصارت طائفة من العوام، يجلسون على السقائف، وبأيديهم حبال فيها كلاليب، فإذا مرّ بهم أحد من الناس، ألقوا عليه تلك الحبال، ونشلوه بالكلاليب فى أسرع وقت، فإذا صار عندهم، ذبحوه فى الحال وأكلوه بعظامه. وقيل إنّ الوزير ركب يوما على بغلة، وتوجّه إلى دار الخلافة، فلما نزل عن البغلة، أخذت من غلمانه، وأكلت فى الحال، فأمسكوا الذين فعلوا ذلك وشنقوهم، وعلّقوهم على الخشب، فلما باتوا أصبحوا فلم يجدوا أحدا من المشانيق، وقد أكلوا من على الخشب - هكذا نقله ابن أبى حجلة. قال بعض المؤرّخين: كان بمدينة الفسطاط حارة، تسمّى حارة الطبق، وكان فيها نحو عشرين دارا، كل دار تساوى فى الثمن ألف دينار، فأبيعت هذه الحارة كلها بطبق خبز، كل دار برغيف، فسمّيت من يومئذ: حارة الطبق. وقال ابن الجوزى: بلغنى أنّ امرأة خرجت من مدينة الفسطاط، ومعها ربع من اللؤلؤ، وقالت: «من يأخذ منى هذا الربع اللؤلؤ، ويعطنى عوضه قمحا»؟ فلم تجد من يأخذه منها، ويعطيها عوضه قمحا، فلما أعيت من الطلب، ألقته على الأرض، وقالت: «إن لم تنفعنى وقت الحاجة، فلا حاجة لى بك»، وتركته ومضت، فأقام مرميّا (١) على الأرض ثلاثة أيام، ولم يجد من يلتقطه من الناس - نقل ذلك المقريزى فى السلوك. قال الشيخ تاج الدين بن المتوج: إنّ امرأة من ذوى البيوت، أخذت عقدا من الجوهر، قيمته ألف دينار، فعرضته على جماعة من الناس، بأن يعطوها عوضه دقيقا، فلم نجد من يعطيها (٢) به دقيقا، ثم إنّ بعض الناس عطف عليها، وأعطاها بذلك العقد

стр. 226

دقيقا فى جراب، ومشت به من مدينة الفسطاط إلى بابى زويلة، فلما علم الناس أن معها دقيقا، تكاثروا عليها، وانتهبوه منها، فأخذت منه بجملة الناس ملء يديها، فلما وصلت به إلى بيتها عجنته رغيفا وخبزته، ثم أخذته على جريدة، وتوجّهت به إلى تحت قصر الزمرّد ورفعته، ونادت بأعلا صوتها، وقالت: «يا أهل القاهرة، ومصر، ادعوا للخليفة المستنصر بالله بالنصر، الذى أكلنا الرغيف فى أيامه بألف دينار». فلما سمع المستنصر ذلك تأثّر منه، وأحضر الوزير والحاجب وهدّدهما بالشنق، وقال: «إن لم يظهر الخبز فى الأسواق، وإلا شنقتكما»؛ فنزلا من عنده، وصارا يكبسان البيوت والحارات بسبب القمح، حتى ظهر الخبز فى الأسواق، وكثر فى الدكاكين. ثم أعقب هذا الغلاء فناء عظيم، حتى فنى من أهل مصر نحو الثلث، فكان الجندى يتوجّه بنفسه، هو ومن بقى من خشداشينه، وينزل بلده، ويحرث هو وخشداشينه، ويزرعون، وذلك لعدم الفلاحين. واستمرّ هذا الفناء يعمل فى الناس نحو عشرة أشهر، حتى قيل كان الرجل يمشى من جامع ابن طولون إلى بابى زويلة فلم ير (١) فى وجهه إنسانا يمشى فى الطرقات، حتى قيل فنى من الناس نحو النصف. فلما تعطّلت البلاد من عدم الفلاحين، تعذّر صرف جوامك الجند، فكان المستنصر بالله يخرج من الخزائن السلاح والقماش والتحف، ويقيمها على الجند من جوامكهم بقدر معلوم. قيل إنّه باع ثمانين ألف قطعة من الجوهر والياقوت؛ وباع خمس وسبعين ألف شقّة حرير، مرقومة بالذهب؛ وباع عشرين ألف سيف (٢) مسقّطة بالذهب؛ وباع إحدى وعشرين دارا وضيعة؛ حتى باع رخام قبور أجداده. ولم يبق (٣) عنده من آثاره النعمة، سوى سجادة رومى يقعد عليها، وقبقاب فى

стр. 227

رجله، فكان إذا نزل من قصره يستعير من الوزير بغلته، حتى يركبها ويقضى أشغاله، ثم يعيدها إلى الوزير؛ وكانت أخته ترسل إليه كل يوم زبدية فيها طعام، حتى يقتات به فى اليوم مرّة واحدة؛ ولم يبق (١) عنده عيال ولا خدم. وجرى عليه ما لا جرى على أحد من أقاربه، لكن أقام فى الخلافة مدّة طويلة، لم تقع لأحد من الخلفاء قبله، وقاسى محنا عظيمة، كما قيل فى الأمثال: من أراد البقاء فى الدنيا، فليطمّن نفسه على المصائب. ثم بعد ذلك، تراجع الأمر قليلا، قليلا، وانصلحت الأحوال، ووقع الرخاء، وانحطّ سعر القمح، ووردت الأموال من البلاد، ورجع الماء إلى مجاريه، وحسنت الأوقات، كما قيل فى المعنى: الدهر لا يبقى على حالة … لا بدّ أن يقبل أو يدبرا فإن تلقّاك بمكروهه … فاصبر فإن الدهر لن يصبرا ثم دخلت سنة أربع وخمسين وأربعمائة فيها، فى ليلة الخميس سابع عشر ذى القعدة، توفّى القاضى أبو عبد الله محمد ابن سلامة بن جعفر القضاعى، تولّى القضاء بمصر فى دولة الفاطميين. [وفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، شنق الكورانى الذى ادّعى أنّه المهدى، وشنق معه أتباعه، وادّعت زوجته أنّها حامل منه، فحبست سبع سنين، وكانت تدّعى أنّ الجنين يتكلّم فى بطنها، ثم أطلقت بعد ذلك] (٢). [وفى سنة ستين وأربعمائة، توفّى الشيخ شرف الدين يحيى بن محمد الصاعدى، ومولده سنة إحدى وأربعمائة، ودفن بالرىّ] (٣). [وفى سنة تسع وستين وأربعمائة، توفّى الشيخ الصالح أبو الحسن بن باشار المصرى الجوهرى، كان من كبار الأولياء، سقط من سطح جامع عمرو، فمات من يومه، ودفن] (٤).

стр. 228

وفى سنة سبع وثمانين وأربعمائة، فيها فى جمادى الآخرة، توفّى الشيخ أبو القسم على بن محمد المصيصى، وكان مولده بمصر، فى رجب سنة أربعمائة، ومات بدمشق فى تلك السنة، وكان من أعيان فقهاء الشافعية، انتهى ذلك. ثم إنّ المستنصر بالله أقام فى الخلافة حتى توفّى، وكانت وفاته باكر يوم الخميس ثانى عشر ذى حجّة، سنة سبع وثمانين وأربعمائة، ومات وله من العمر نحو ثمان وستين سنة؛ وتولّى الخلافة وهو ابن سبع سنين، وكانت مدّة خلافته بمصر ستين سنة وأربعة أشهر، ولم تقع هذه المدّة لأحد قبله ولا بعده من الخلفاء الفاطمية، ولا العباسية، ولا لملوك الترك، انتهى ما أوردناه من أخبار المستنصر بالله، وذلك على سبيل الاختصار؛ ولما مات المستنصر بالله، تولّى بعده ابنه أحمد المستعلى. ذكر خلافة المستعلى بالله أحمد ابن المستنصر بالله بن الظاهر بن الحاكم وهو السادس من خلفاء بنى عبيد الله؛ بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستنصر، فى ثانى عشر ذى حجّة، سنة سبع وثمانين وأربعمائة. [وفى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، توفّى الوزير بدر بن عبد الله الجمالى؛ وولى عوضه ابنه الأفضل شاهنشاه] (١). وفى أيامه، سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، جاءت الأخبار، بأنّ الفرنج استولوا على بيت المقدس، وملكوه، وقتلوا جماعة كثيرة من أهل المقدس؛ ونهبوا قبّة الصخرة (٢)، وأخذوا منها نحو أربعين قنديلا من الذهب والفضّة، وزن كل قنديل ألف درهم (٣)؛ وأخذوا التّنور النحاس الكبير، وأقاموا مالكين بيت المقدس نحو ثلاث سنين.

стр. 229

ومن الحوادث فى أيامه، أنّ الشمس كسفت وقت الظهر، حتى أظلمت الدنيا، وظهرت النجوم، وأقامت فى الكسوف أربعين درجة. وفى سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، توفّى الشيخ أبو الحسن الموصلى، المعروف بالخلعى، وكان من أعيان الفقهاء الشافعية، وكان يبيع الخلع للخلفاء فى الأعياد، فعرف بذلك. واستمرّ الخليفة المستعلى فى الخلافة، حتى مات، وكانت وفاته يوم الثلاثاء تاسع صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة؛ وكانت مدّة خلافته بمصر سبع سنين وشهرين؛ ولما مات تولّى بعده ابنه منصور، انتهى ما أوردناه من أخبار المستعلى بالله، على سبيل الاختصار. ذكر خلافة الآمر بأحكام الله أبى على منصور ابن المستعلى بالله وهو السابع من خلفاء بنى عبيد الله بمصر؛ بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستعلى، فى يوم الاثنين تاسع صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وكان صغير السنّ، طائش العقل، تجاهر بالمنكرات، واشتغل بسماع الزمور، وشرب الخمور، وأنشأ له قصرا بالروضة، على شاطئ النيل، وسمّاه: الهودج، وأنشأ حوله بستانا، وسمّاه: المختار؛ وصار ينزل إلى ذلك القصر، واشتغل به عن أحوال المملكة، وصار الناس مثل الغنم بلا راع، فعند ذلك اضطربت أحوال مصر. [وفى سنة ثلاث وخمسمائة، توفّى القاضى شرف الدين يحيى بن محمد بن إبراهيم ابن محمد بن نوح بن زيد التنوخى، صاحب التآليف الغريبة، وكان مولده سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة] (١). وجاءت الأخبار بأنّ الفرنج استولوا على مدينة عكّا، وطرابلس، ونابلس،

стр. 230

وانقطع الدرب الشامى من السلوك، وأشرف ملك الفرنج على أخذ مصر، ووصل إلى العريش، وكان ملك الفرنج يسمّى: بردويل. فلما وصل إلى العريش، مرض هناك مرضا شديدا، ومات بالعريش؛ فكتم أصحابه موته خوفا من المسلمين، وشقّوا بطنه، وأرموا مصارينه، ودفنوها بالعريش. وقد صار من يومئذ لا يمرّ أحد من المسافرين بالعريش، إلا ويرجم ذلك المكان، الذى دفنت فيه مصارين بردويل، وسمّيت إلى الآن سبخة بردويل؛ وأما جثته فحملت إلى بيت المقدس، ودفنت بالقيامة (١) التى هناك. وفى سنة خمس عشرة وخمسمائة، فى رمضان، قتل الوزير الأفضل أبو القاسم شاهنشاه، قتله بعض الفداوية، وهو راكب فى بعض أشغاله. والأفضل هذا، هو الذى بنى الجامع بثغر الإسكندرية، عند سوق العطارين. قال ابن خلكان: لما قتل الأفضل، وجد له من الأموال ستمائة ألف ألف دينار ذهب عين، ومن الفضّة مائتين وخمسين أردبا؛ ومن القماش سبعين ألف ثوب حرير، ملوّن؛ ودواة مرصعة بفصوص، قوّمت باثنى عشر ألف دينار؛ ووجد عنده خمسمائة صندوق ما يعلم ما فيها. ولما قتل الأفضل، تولّى عوضه فى الوزارة أبو عبد الله الأقمر، وهو الذى بنى جامع الأقمر، الذى فى الأمشاطيين عند سوق مرجوش. وفى هذه السنة، توفّى الشيخ شمس الدين محمد بن إسحق بن أسباط الكندى النحوى، وكان إماما فى النحو. قال الشيخ شمس الدين الذهبى فى «العبر»: إنّ فى سنة ثمان عشرة وخمسمائة، سلسل النيل فى الزيادة إلى بعد مضى النوروز بتسعة أيام، وبلغت الزيادة فى تلك السنة ثلاثة عشر ذراعا إلا ثلاثة أصابع، فشرقت البلاد، ووقع الغلاء بمصر، وعدمت الأقوات وتناهى سعر القمح إلى ثلاثين دينارا كل أردب، وأكلت الناس بعضها بعضا، واستمرّ الحال على ذلك نحو سنة.

стр. 231

قيل: هجم رجل على بعض المغاربة وهو يأكل فى رغيف، فلما رآه أقبل ستر الرغيف منه، فقال له الرجل: «أما سمعت فى الحديث، طعام واحد كافى اثنين»؟ فقال له المغربى: «يا أخى، ذاك فى ضوء السراج، إذا كان لواحد يكفى جماعة، وأما فى هذا الرغيف فلا أطعمك منه لقمة». ولما سلسل النيل فى الزيادة، نسبوا ذلك من فعل الحبشة أنهم حيروا مجرى (١) النيل، فرسم الخليفة الآمر بأحكام الله لبطرك النصارى، أن يتوجّه إلى بلاد الحبشة بسبب مجرى (١) النيل، فتوجّه البطرك إلى بلاد الحبشة، ولم يفد من ذلك شيئا. وفى هذه السنة شرع الآمر بأحكام الله فى بناء جامعه الذى فى الحسينية، يعرف بالجامع الأنور. وفى سنة تسع عشرة وخمسمائة، قبض الآمر على الوزير أبو عبد الله الأقمر، وصادره وأخذ جميع أمواله؛ فظهر له من الأموال ما لا يحصى، فمن ذلك مائة صندوق، ما بين ذهب عين، ودراهم فضّة، وجواهر فاخرة؛ ووجد عنده مائة برنية مملوءة من الكافور الفنصورى، الذى لا يوجد، ومن العود القمارى مائة منّ؛ ووجد عنده ثلثماية صندوق فيها قماش جسمه، ما بين سكندرى ودقّ تنيس، وحرير ملوّن، وغير ذلك من سائر الأنواع الغريبة. ثم قتل أبو عبد الله الأقمر، واستقرّ فى الوزارة بعده المأمون البطائحى، فأقام فى الوزارة نحو سنة، وقبض عليه الآمر وصلبه، واحتاط على موجوده، من غير ذنب يصدر منه. فلما قتل المأمون البطائحى، لم يلبث الآمر بعده إلا مدّة يسيرة، وقتل، وهو راجع من الروضة على الجسر، الذى كان ينصب برسم الخلفاء، يمشون عليه من غير تعدية، فوثب عليه هناك جماعة من العبيد الزنج، فقتلوه بالخناجر تحت الليل، وهو سكران، فحملوه إلى عند قصره، فمات فى تلك الليلة. وكانت قتلته فى ليلة الثلاثاء، فى العشرين من ذى القعدة (٢) سنة أربع وعشرين

стр. 232

وخمسمائة؛ وكانت مدّة خلافته بمصر تسع وعشرين سنة وشهرين، ولما قتل مات من غير ولد. فلما أصبح يوم الثلاثاء، وأشيع بين الناس قتل الآمر، فاضطربت أحوال القاهرة، وماجت بأهلها. فوثب على الناس غلام أرمنىّ من مماليك الآمر، واستحوذ على خزائن الأموال، وقصد أن يأخذ الخلافة لنفسه باليد، ونهب بيوت أعيان الناس. فحضر الوزير أبو على أحمد بن الأفضل شاهنشاه، وأخرج عبد المجيد بن المستنصر بالله، من دور الحرم، وولاّه الخلافة؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الآمر بأحكام الله، وذلك على سبيل الاختصار. ذكر خلافة أبى الميمون عبد المجيد الحافظ لدين الله ابن المستنصر بالله وهو الثامن من خلفاء بنى عبيد الله الفاطمى؛ بويع بالخلافة بعد قتل ابن عمّه الآمر بأحكام الله. وكان الحافظ هذا رجلا حليما ليّن الجانب، قليل الأذى، فطمعت فيه الرعيّة، واضطربت الأحوال فى أيامه، واستولت الفرنج على غالب البلاد، وطمع الفلاحون فى أهل مصر، وامتنعوا عن وزن الخراج، وتعطّل جوامك الجند، فكان كما قيل: «الحليم مطية الجاهل». [قال الكندى: لما طالت دولة الفاطمية على الناس، كتب إليهم بعض الشعراء هذين البيتين، وهما: احذروا من حوادث الأزمان … وتوقّوا طوارق الحدثان قد أمنتم من الزمان ونمتم … ربّ خوف مكمن فى أمان] (١)

стр. 233

وفى أيامه، سنة تسع وعشرين وخمسمائة، كانت وفاة ظافر الحدّاد الإسكندرانى، وكان من أعيان الشعراء، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله: ونفّر صبح الشيب ليل شبيبتى … كذا عادتى فى الصبح مع من أحبّه وقد عدّ هذا البيت من المرقص. وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، توفّى أبو الغمر محمد بن على الهاشمى الإسنارى، وكان من أعيان الشعراء، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله: إن قلّ مالى فلا خلّ يصاحبنى … وإن زاد مالى فكل الناس خلاّنى كم من غريب لأجل المال صاحبنى … وصاحبى حين راح المال خلاّنى وقوله أيضا: عذراء تفتر عن درّ على ذهب … إذا صببت بها ماء على لهب وافى إليها سنان الماء يطعنها … فاستلأمت زردا من فضّة الحبب وفى هذه السنة، أهدى ملك الفرنج هديّة إلى الحافظ، من جملتها دبّ أبيض، وشعره مثل شعر السبع، وكان ينزل البحر، ويصيد السمك، ويأكله. وفى أيام الحافظ، دخل مصر شخص يقال له أبو عبد الله الأندلسى، وكان له يد طائلة فى علم السيمياء، فأحضره الحافظ بين يديه، وقال له: «أرينا (١) شيئا من علم السيمياء»، فامتنع من ذلك، فألحّ عليه فى ذلك، فقال له: «غمّض عينك وافتحها»، فغمّض عينه وفتحها، فرأى ساحة القصر كأنها لجّة ماء، وفيها سفينة كبيرة، وحولها شوانى حربية، فوقع بينهما الحرب والقتال، فكانت السيوف تلمع، والقسى ترمى بالسهام، والبنود يخفق، والرءوس تهدر، والدماء يسيل، فلا يشكّ الناظر فى حقيقة ذلك؛ ثم إنّ أصحاب السفينة، سلموا إلى أصحاب الشوانى، فساروا بها والطبول تضرب، والبوقات تزعق، حتى غابوا عن الأبصار، ثم ذهبت تلك اللجّة الماء التى كانت فى القصر، وعاد كما كان.

стр. 234

فلما رأى الحافظ ذلك، تعجّب منه، وكان حوله جماعة من خواصبّه، فأشاروا بقتل الشيخ أبى عبد الله، وقالوا: «هذا يفسد على الناس عقولها»، فلم يوافقهم الحافظ على قتله، ثم قال للشيخ أبى عبد الله: «أرنى شيئا فى هؤلاء الذين أشاروا بقتلك»، فقال الشيخ: «آمرهم، يمضوا إلى منازلهم». فلما انصرفوا، صار كل من أراد أن يركب دابّته، يراها مثل الثور العظيم، ولها فى رأسها قرون طوال، فتحيّروا من ذلك، ورجعوا إلى الحافظ، وذكروا له ما جرى لهم فى دوّابهم، فضحك، وقال: «أفدوا دوابّكم منه بشئ»، فما منهم إلا من أعطاه شيئا حتى أطلق لهم دوابّهم. قال الذهبى: إنّ الحافظ كان يشتكى بألم القولنج، فصنع له الحكيم شبرماه الديلمى، طبل باز مركّب من المعادن السبعة، وهو مرصود فى أوقات معلومة، وكان من خاصية هذا الطبل، إذا ضرب عليه أحد، خرج من جوفه ريح، فيذهب عنه القولنج. فلما تولّى صلاح الدين يوسف بن أيوب على الديار المصرية، استعرض حواصل الخلفاء الفاطمية، فوجد فيها هذا الطبل فى علبة، فأخذه بعض الأكراد، وضرب عليه، فخرج منه ريح، فحفق من ذلك، وأرمى الطبل من يده على الأرض، فانكسر وبطل فعله، فندم على كسره صلاح الدين بن أيوب؛ غاية الندم، انتهى. واستمرّ الحافظ لدين الله فى الخلافة بمصر حتى مات، فكانت وفاته فى جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة؛ وكانت مدّة خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر. ولما مات تولّى بعده ابنه الظافر بالله؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الحافظ لدين الله، وذلك على سبيل الاختصار.

стр. 235

ذكر خلافة الظافر بالله أبى المنصور إسمعيل ابن الحافظ بن المستنصر بالله وهو التاسع من خلفاء بنى عبيد الله الفاطمى؛ بويع بالخلافة بعد موت أبيه الحافظ، وكان له من العمر لما تولّى الخلافة سبع عشرة سنة، وكان شابا جميل الصورة، حسن الهيئة، وكان يميل إلى اللهو والطرب. وكان يهوى ابن وزيره عبّاس، وامتحن به، وكان ينزل إلى بيت الوزير ويبات (١) عنده فى غالب الأوقات؛ قيل إنّه أهدى إلى ابن الوزير فى بعض الأيام عشرة آلاف دينار، وصحفة بلّور فيها ألف حبّة من اللؤلؤ الكبار، وألف نافجة من المسك، فلم يثمر شيئا من ذلك مع الوزير، ولا ابنه، ولا زالوا على الظافر، حتى قتلوه أشرّ قتلة، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه. ومن الحوادث فى أيامه، أنّ فى سنة تسع وأربعين وخمسمائة، نقلت رأس الحسين ابن الإمام على، ﵄، إلى مصر، وبنى لها الظافر المشهد الموجود الآن؛ وكانت رأس الحسين أولا بكربلاء، مكان قتل فيه، ثم نقلت من كربلاء إلى دمشق، ثم نقلت من دمشق إلى عسقلان، فلما استولوا الفرنج على عسقلان، خاف المسلمون على رأس الحسين من الفرنج، فرسم الظافر بنقلها إلى مصر، فنقلت فى تلك السنة. قيل إنّ رأس السيد الحسين لما نقلت من عسقلان إلى القاهرة، أحضرت فى علبة مغلّفة (٢) بجلد، فأنزلوها أولا فى مسجد موسى، الذى يعرف بالركن المخلق، فأقامت به مدّة حتى بنى لها المشهد الموجود الآن، ثم نقلت إليه بعد ذلك. ومن الحوادث فى هذه السنة، جاءت الأخبار من بلبيس برؤية هلال الفطر، وثبت ذلك بعد مضى صلاة العصر، فصلّت الناس صلاة عيد الفطر بعد العصر،

стр. 236

وخطب خطبة العيد، وفطر الناس بعد العصر، وهذا من غريب الاتّفاق - ذكر ذلك ابن المتوج. وفى هذه السنة، انتهى العمل من الجامع الذى أنشأه الظافر بالقرب من حارة الروم، المعروف الآن بجامع الفاكهانيّين. واستمرّ الظافر فى الخلافة حتى قتل، وكان سبب قتله أنّ الوزير عبّاس، لما كثر الكلام فى حقّه بسبب ابنه نصر، فأضمر الغدر للظافر، فلما نزل الظافر إلى بيت الوزير على جارى العادة، وبات عنده، ندب إليه من قتله تحت الليل، وأرماه فى بئر. فلما أصبح الوزير، طلع إلى دار الخلافة، ودخل القصر، فقال لبعض الخدّام: «أين أمير المؤمنين»؟ فقالوا له: «ابنك نصر يعرف أين هو». ثم إنّ الوزير عبّاس دخل دور الحرم، وأخرج الأمير عيسى ابن الظافر، وأحضر القضاة وأرباب الدولة، وقال لهم: «إنّ أمير المؤمنين الظافر، نزل البارحة فى مركب، فانقلبت به وغرق، فولّوا ولده عيسى عوضه»، فأحضروا له خلعة الخلافة وولّوه. وكانت قتلة الظافر فى ليلة الأحد ثانى صفر سنة خمسين وخمسمائة، وكانت مدّة خلافته بمصر، أربع سنين وسبعة أشهر؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الظافر بالله، وذلك على سبيل الاختصار. ذكر خلافة الفائز بنصر الله أبى القاسم عيسى ابن الظافر بن الحافظ وهو العاشر من خلفاء بنى عبيد الله الفاطمى؛ بويع بالخلافة بعد قتل أبيه الظافر؛ وكان سبب بيعته أنّ الوزير عبّاس، لما قتل الظافر، طلع إلى القصر وأحضر القاضى والشهود، وقال: «إنّ الظافر قد غرق البارحة»، ثم هجم دور الحرم، وأخذ الأمير عيسى من عند أمّه، وحمله على كتفه، ففزع منه واضطرب، وكان له من العمر

стр. 237

نحو ست سنين، فأحضره بين يدى القاضى، وولاّه الخلافة؛ واستمرّت الطّربة عمّالة معه حتى كبر ومات بها، وهو يضطرب فى كل وقت. فلما تمّ أمره فى الخلافة، فتغيّر خواطر الجند على الوزير عبّاس، بسبب قتل الخليفة الظافر، وصار الوزير عبّاس على رأسه طيرة بسبب ذلك. ثم إنّ الفائز استعان على قتل الوزير عبّاس، بشخص يسمّى طلائع بن رزيك، وكان متولّى على منية ابن خصيب، فجمع طلائع، العساكر من العربان، وقصد التوجّه إلى مصر. فلما بلغ الوزير عبّاس أخبار طلائع بن رزيك، بما قد جمعه من العساكر، وهو قاصد مصر، فأخذ ما قدر عليه من الأموال والتحف، وهرب هو وولده نصر، وتوجّها إلى نحو البلاد الشامية، وكان قصده التوجّه إلى بغداد، فكان كما قيل: حكى غراب البين فى شؤمه … لكن إذا جئنا إلى الحقّ زاغ فبينما هو فى أثناء الطريق، خرجت عليه طائفة من الفرنج، فأسروه، وأخذوا ما معه من الأموال والتحف. فلما جاءت الأخبار إلى القاهرة بما جرى لعبّاس، فحضر طلائع بن رزيك، واستقرّ فى الوزارة، عوضا عن عبّاس، وتلقّب بالصالح بالله، فأطاعه الجند وأحبّوه، وكان له فى مصر والقاهرة حرمة وافرة؛ وهو الذى أنشأ الجامع الذى عند باب زويلة، المعروف به إلى الآن. فلما تمّ أمر طلائع فى الوزارة، أرسل كاتب ملك الفرنج فى أمر الوزير عبّاس، وأرسل إلى ملك الفرنج هديّة، بنحو عشرة آلاف دينار، فقبض ملك الفرنج على عبّاس، وولده نصر، وبعث بهما فى الحديد إلى القاهرة، فكان يوم دخولهما يوما مشهودا، وزيّنت لهما القاهرة، فأمر الفائز بأن يشنق عبّاس، وولده نصر، على باب القصر، وأخذ بثأر أبيه، كما قيل فى الأمثال: الموت فى طلب الثار … خير من الحياة فى العار

стр. 238

وأما عبّاس الوزير، فإنّه خسر الدنيا والآخرة، كما قيل: فغضّ الطرف إنّك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا ومن الحوادث فى أيامه، جاءت لأخبار بوقوع وباء عظيم، بين أرض الحجاز واليمن، وذلك سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكانوا نحوا من عشرين قرية، فدخل الوباء فى ثمان عشرة قرية، فأفناهم عن آخرهم، حتى لم يبق (١) منهم إنسان يلوح؛ فكانت مواشيهم سائبة، لا قانى لها، ولا يستطيع أحد من الناس أن يدخل إلى تلك القرى، وكل من يدخلها هلك من وقته بالطعن. وأما القريتان اللتان حول تلك القرى، لم يدخل إليهما طعن، ولا عندهما شعور بما جرى على من حولهما من القرى، مما أصابهم من أمر الفنا بالطاعون، ولم يمت منهم طفل واحد، فسبحان القادر على كل شئ، انتهى ذلك. واستمرّ الفائز فى الخلافة حتى مات بالطعن، وكانت وفاته فى يوم الجمعة سابع رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة؛ وكانت مدّة خلافته بمصر خمس سنين وأربعة أشهر، ومات وله من العمر نحوا من اثنتى عشرة سنة. ولما مات تولّى بعده ابن عمّه عبد الله العاضد؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الفائز بنصر الله، وذلك على سبيل الاختصار. ذكر خلافة العاضد بالله أبى محمد عبد الله ابن الحافظ بن المستنصر بالله وهو الحادى عشر من خلفاء بنى عبيد الله الفاطمى، بويع بالخلافة بعد موت [ابن] (٢) عمّه الفائز بنصر الله، فى رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتولّى الخلافة وله من العمر نحو أربع وعشرين سنة.

стр. 239

ومن غريب الاتّفاق أنّ الخليفة المعزّ لما قدم مصر، قال لبعض العلماء: «اكتب لنا ألقابا تصلح للخلافة، فإذا تولّى أحد منا تلقّب بها»، فكتب لهم ألقابا كثيرة، آخرها العاضد بالله، فاتّفق أنّ آخر من تولّى منهم، تلقّب بالعاضد بالله، وبه انقرضت دولتهم. وكان القائم بتدبير مملكته الوزير الصالح طلائع بن رزيك، فأقام فى الوزارة، إلى أن قتله جماعة من العبيد الزنج، وكانت قتلته فى رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة؛ فلما قتل طلائع بن رزيك، تولّى عوضه فى الوزارة شاور بن مجير أبو شجاع السعدى، وهو آخر من تولّى من الوزراء الرافضة، وقتل أيضا؛ فلما أخلع عليه، قال فيه بعض الشعراء: إذا أبصرت فى خلع وزيرا … فقل أبشر بقاصمة الظهور بأيام طوال فى عناء … وأيام قصار فى سرور وفى سنة ست وخمسين وخمسمائة أيضا، توفّى الشيخ محمود بن إسمعيل بن قادوس، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، وهو شيخ القاضى الفاضل عبد الرحيم، وكان يسمّيه ذا البلاغتين، وكان له شعر جيّد، فمن ذلك قوله: زارنى فى الدجا فتمّ عليه … طيب أزدانه لذى الرقباء والثريا كأنّها كفّ خود … برزت من غلالة زرقاء ومن الحوادث العظيمة التى لم يقع قطّ مثلها بالديار المصرية، أنّ فى سنة أربع وستين وخمسمائة، جاءت الأخبار بأنّ الفرنج جاءت إلى ثغر دمياط فى سبعين مركبا، وكان ملك الفرنج يسمّى مرى، فملكوا ثغر دمياط، ونهبوا أسواقها، وقتلوا أهلها؛ ثم زحفوا على الضياع، وأكثروا فيها القتل والسبى؛ ثم وصلوا إلى بلبيس، وكسروا عساكر الفسطاط، ودخلوا القاهرة من خلف السور من عند البرقية؛ ثم توجّهوا إلى بركة الحبش، وصاروا يقتلون (١) من وجدوه من المسلمين، وقرّروا على أهل مصر والقاهرة أموالا جزيلة، وأخذوا فى أسباب جبايتها.

стр. 240

فعند ذلك أشار الوزير شاور على الخليفة، بحرق مدينة الفسطاط، خوفا من الفرنج أن يملكوها (١)، فأذن لهم فى حرقها؛ فجمع الوزير طائفة من العبيد وأحرقوها، فأقامت النار عمّالة فيها نحو شهرين، فكان يرى دخاتها من مسيرة ثلاثة أيام. وكانت مدينة الفسطاط من أجلّ المدائن، أنشأها عمرو بن العاص، ﵁، بعد فتح مصر سنة اثنتين وعشرين من الهجرة؛ وكان أولها من عند الرصد، وآخرها عند حدرة ابن قميحة، وهى أقدم من القاهرة، وكان بها عدّة مساجد محكمة البناء، وعدّة حوانيت، وحمامات، ومعاصر، والمساكن الجليلة، وإلى الآن يوجد فى كيمانها العمد الرخام؛ فلما حرقت مدينة الفسطاط، تحوّل الناس إلى القاهرة، فبلغ كرى الجمل من الفسطاط إلى القاهرة عشرة دنانير فى كل نقلة. فلما جرى ذلك، أرسل الخليفة العاضد يستجير بنور الدين الشهيد، صاحب دمشق، وبعث إليه بشعور نسائه وبناته، وهو يقول له: «أدركنى واستنقذ نسائى من أيدى الفرنج»، والتزم له بثلث خراج مصر، وأن يكون أسد الدين شيركوه مقيما عنده بمصر؛ فأرسل نور الدين الشهيد، أسد الدين عمّ صلاح الدين، ومعهما العساكر، فلما دخلوا مصر، خاف منهما الفرنج، ورحلوا إلى بلادهم. فلما دخل أسد الدين إلى مصر، شنق الوزير شاور، فإنّه كان سببا لدخول الفرنج إلى مصر، وكان يكاتبهم فى الباطن على الدخول إلى مصر، كما فعل ابن العلقمى مع هولاكو أيام المستعصم بالله؛ وكانت قتلة شاور فى ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة، وفيه يقول عرقلة: هنيئا لمصر حوز يوسف ملكها … بأمر من الرحمن قد كان موقوتا وما كان فيها قتل يوسف شاورا … يماثل إلا قتل داود جالوتا فلما قتل شاور، أخلع العاضد على أسد الدين شيركوه، واستقرّ به وزيرا، عوضا عن شاور، ولقّبه بالمنصور، فلم يقم فى الوزارة سوى شهرين وخمسة أيام، ومات فجأة، فى ثالث جمادى الآخرة من تلك السنة.

стр. 241

فلما مات أسد الدين أخلع العاضد على صلاح الدين يوسف بن أيوب، واستقرّ به فى الوزارة، عوضا عن عمّه أسد الدين، ولقّبه بالناصر لدين الله، وكانت الوزراء تتلقّب بألقاب الخلفاء، وأخلع عليه خلعة الوزارة. قال الإمام أبو شامة: وكانت خلعة الوزارة يومئذ، عمامة بيضاء شرب، برقمات ذهب، وثوب دبيقى بطرز ذهب، وجبّة بطرز ذهب، وطيلسان مرقوم بذهب، وعقد جوهر بعشرة آلاف دينار، وسيف مسقّط بذهب؛ وحجرة يركبها بخمسمائة دينار، وفى قوائمها أربعة جواهر، وفى عنقها جوهرة كبيرة؛ وعلى رأسه أعلام بيض، ومنشور الوزارة، مكتوب فى ثوب حرير أبيض. وكان له يوم مشهود، وذلك يوم الاثنين سادس عشرين جمادى الآخرة من تلك السنة، فارتفعت الأصوات له بالدعاء، وفيه يقول عرقلة: أقول والأتراك قد أزمعت … مصر إلى حرب الأعاريب ربّ كما ملّكتها يوسف ال … صدّيق من أولاد يعقوب يملكها فى عصرنا يوسف ال … صادق من أولاد أيوب وقوله فيه أيضا: قد مال غصن الرياض من طرب … وافترّ ثغر البلاد وابتسما واستبشرت أوجه الهدى فرجا … فليقرع الكفر سنّه ندما وصار شمل الصلاح ملتئما … بها وعقد السداد منتظما فلما تمّ أمر صلاح الدين فى الوزارة، أبطل ما كان يقال فى الأذان: «حىّ على خير العمل»، ففرح الناس بذلك. ثم عزل قضاة مصر كلها، لأنّهم كانوا شيعة؛ ثم ولّى القاضى صدر الدين بن درباس الشافعى، واستناب فى سائر أعمال مصر الشوافعة، وأقام مجد الشافعية، دون غيرهم من المذاهب، انتهى. [وفى سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وقيل سنة أربع وأربعين وخمسمائة، كانت وفاة الشيخ ناصح الدين أبو بكر بن أحمد بن محمد الأرجانى الأندلسى، صاحب الأشعار اللطيفة] (١).

стр. 242

ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة فيها توفّى الشيخ نصر الملك أبو الفتوح بن عبد الله بن مخلوف بن قلاقس الإسكندرى، ولد بالإسكندرية فى ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، ومات ثالث شوال سنة سبع وستين وخمسمائة، توفّى بصحراء عيذاب، ودفن بها، وكان من فحول الشعراء، وله شعر جيّد، ومعانى رقيقة، فمن شعره قوله: عقد الشعور معاقد التيجان … وتقلّدوا بصوارم الأجفان ومشوا وقد هزّوا رماح قدودهم … هزّ الكماة عوالى المرّان وتدرّعوا زردا فخلت أراقما … خلعت ملابسها على الغزلان إنّ الذين (١) رحلوا غداة المتعنا … ملأوا القلوب لواعج الأشجان فلأبعثن مع النسيم إليهم … شكوى تميل لها غصون البان فلما تولّى صلاح الدين أمر الديار المصرية، أطاعته الرعية واجتمعت فيه الكلمة، فضعفت شوكة (٢) العاضد، وصار مع صلاح الدين كالمحجور عليه، لا يتصرّف فى شئ من أمور المملكة، حتى يعرض عليه، فالذى يحسن بباله يمشّيه (٣)، والذى لا يحسن بباله يوقفه. ثم إنّ نور الدين الشهيد، أرسل يقول لصلاح الدين: «اقطع الخطبة عن العاضد من مصر وأعمالها، واخطب باسم المستضئ بالله العبّاسى، خليفة بغداد»؛ فأرسل صلاح الدين يقول لنور الدين الشهيد: «إنّ عساكر القاهرة لا تطاوعنى فى ذلك». وكانت عساكر القاهرة يومئذ نحو خمسين ألف مقاتل، على أجناس مختلفة، وكان بها خمسمائة مركب حربيّة مشحونة بالرجال والسلاح، برسم الجهاد، هذا مع تلاشى أمر الخلفاء الفاطمية، وضعف شوكتهم، فأرسل نور الدين الشهيد يقول: «لابدّ من ذلك».

стр. 243

فلما رآه مصمّما على ذلك، جمع أعيان القاهرة وذكر لهم ذلك، فقالوا: «وكيف يكون هذا الأمر»؟ فقال شخص من أبناء العجم، يسمّى محمد بن الحسن بن الضيا العلوى: «أنا أفتح لكم هذا الباب». فلما كان يوم الجمعة ثانى المحرم سنة ثمان وستين وخمسمائة، صعد المنبر قبل صلاة الجمعة، ودعا للخليفة المستضئ بالله العبّاسى، فلم يتكلّم أحد من الناس، ولا أنكر عليه فى ذلك. فلما كان الجمعة الثانية، قطع اسم الخليفة العاضد من الخطبة من مصر وأعمالها، وخطب باسم المستضئ بالله العبّاسى. ومن العجائب، أنّ أول من خطب للمعزّ الفاطمى، لما قدم مصر، خطيب (١) من بنى العبّاس، ولما قطعت عنهم، خطب باسم العبّاسية خطيب (١) من الأشراف العلوية. قيل لما وصل الخبر إلى بغداد بإعادة (٢) الخطبة لبنى العبّاس بمصر، فرح أهل بغداد بذلك، وزيّنت مدينة بغداد سبعة أيام؛ وكان سبب عود الخطبة لهم، نور الدين الشهيد، بعد ما قطعت عن بنى العبّاس بمصر نحو مائتى سنة وكسور، لم يخطب باسمهم فى مصر ولا أعمالها. قال ابن الجوزى: لما أعيدت الخطبة لبنى العبّاس، صنّفت فى هذه الواقعة كتابا وسمّيته «النصر على مصر»، انتهى ذلك. وقد قال بعض الشعراء: ألستم مزيلى دولة الكفر من بنى … عبيد بمصر إنّ هذا هو الفضل زنادقة شيعية باطنية … مجوس وما فى الصالحين لهم أصل يسرّون كفرا يظهرون تشيّعا … ليستتروا شيئا وعمّهم الجهل وقال العماد الكاتب، من أبيات فى هذه الواقعة: ولا غرو أن ذلت ليوسف مصره … وكانت إلى عليائه تتشوّف

стр. 244

تملّكها من قبضة الكفر يوسف … وخلّصها من عصبة الرفض يوسف كشفت بها عن آل هاشم كربة … وما مثلها إلا بسيفك يكشف أخذت به مصرا وقد حال دونها … من الشرّ ناس فى نبأ الحقّ تقذف فعادت بحمد الله باسم إمامنا … تتيه على كل البلاد وتشرف قيل لما قطعت الخطبة عن العاضد، حصل له غاية القهر، فلما زاد الأمر عليه، عمد إلى فصّ من الماس فابتلعه، فمات فى ليلته؛ وكانت وفاته فى عاشر المحرم سنة ثمان وستين وخمسمائة؛ وكانت مدّة خلافته بمصر اثنتى عشرة سنة، وبه انقرضت دولة بنى عبيد الله كأنّها لم تكن، وقد أقامت دولتهم بمصر نحو مائتين وست سنين؛ ولما مات العاضد رثاه عمارة اليمنى بهذين البيتين، وهما: يا عاذلى فى أبناء فاطمة … لك الملامة إن قصرت فى عذلى بالله جز ساحة القصرين وابك معى … عليهما لا على صفّين والجمل وقال علاء الدين بن فضل الله، فيمن تولّى من خلفاء بنى عبيد بمصر، وهم الفاطميين، فقال من أبيات: ثم المعزّ قائد الجيش الذى … سار إلى مصر ونعم السائر ثم ابنه العزيز عزّ المشبّها … والحاكم المعروف ثم الظاهر وبعده المستنصر العانى الذى … تلاه مستعل وجاء الآمر وحافظ وظافر وفائز … وعاضد ثم المليك الناصر ولما مات العاضد تولّى بعده صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ انتهى ما أوردناه من أخبار دولة (١) الفاطميين، وذلك على سبيل الاختصار.

стр. 245

ذكر ابتداء دولة الأكراد من بنى أيوب فكان أولهم الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادى ابن مروان الكردى، وكان أصلهم من أذربيجان، من بلاد الكرج، ولكن أصلهم من الأكراد. وكان مولد صلاح الدين يوسف بقلعة تكريت، سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وكان أبوه (١) أيوب فى خدمة زنكى أبى نور الدين الشهيد، فلما توفّى زنكى، صار أيوب وأولاده فى خدمة نور الدين الشهيد. فلما عظم أمر نور الدين الشهيد، وصار مستوليا على البلاد الشامية؛ فلما أرسل الخليفة العاضد يستنجد به على الفرنج، أرسل إليه أسد الدين شيركوه، أخا أيوب، عمّ صلاح الدين يوسف، فلما مات أسد الدين، تولّى بعده ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، واستمرّ صلاح الدين فى الوزارة، حتى مات العاضد، أرسل نور الدين الشهيد تقليدا لصلاح الدين، واستقرّ مستوليا على مصر، نيابة عن نور الدين الشهيد. [توفى زنكى، والد نور الدين الشهيد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وقد قتله خادمه، بعد ما أخذ مدينة الرها من يدى الفرنج فى هذه السنة] (٢). قيل لما استعرض صلاح الدين حواصل الخلفاء الفاطميين، وجد بها من السلاح والتحف والأموال ما لا يحصى، فمن ذلك: سبعمائة درّة يتيمة لا تقوّم، وصحفة ياقوت أحمر، وأربعين قصبة من الزمرد، طول كل قصبة شبرا، وسمكها نحو الإبهام، وغير ذلك من التحف؛ ووجد خزانة كتب، فيها ألفا مجلّد فى علوم شتى، فأرسل لنور الدين الشهيد ما حسن من ذلك، واصطفى لنفسه ما اختاره، حتى قيل: أقام

стр. 246

نحو عشر سنين يبيع ما فضل من الخزائن، وهو لا يفرغ. ثم إنّ صلاح الدين أخذ فى أسباب إصلاح أمر الديار المصرية، وأبطل من المكوس والمظالم، ما كان استجدّ فى الدولة الفاطمية، وكتب بذلك مساميح، وقرئت (١) على المنابر بعد صلاة الجمعة، فضجّ الناس له بالدعاء، واستمالت إليه قلوب الرعية، وأظهر العدل بالديار المصرية؛ وكان قدر ما أبطله من المكوس فى كل سنة، ما ينيف عن مائة ألف دينار ترد للخزائن، وتصرف فى جهات (٢). وفيه يقول عرقلة الشاعر: أصبح الملك بعد آل عبيد … مشرقا بالملوك من آل شادى وغدا الشرق يحسد الغرب لل … عدل ومصر تزهو على بغداد ما حواها إلا بعزم وحزم … وصليل الفؤاد فى الفولاذ لا كفرعون والعزيز ومن … كان بها كالخصيب والأستاذ الأستاذ يعنى كافور الإخشيدى. -[وقال العرقلة الشاعر: أقول والأتراك قد أزمعت … مصرا إلى حرب الأعاريب ربّ كما ملكتها يوسف ال … صدّيق من أولاد يعقوب ملّكها فى عصرنا يوسف ال … صادق من أولاد أيوب] (٣) ثم إنّ صلاح الدين أخلع على القاضى محيى الدين عبد الرحيم بن على بن حسن الفاضل البيسانى ثم المصرى، واستقرّ به وزيرا، وصاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية، وأقامه فى الوزارة مقام نفسه لما كان وزيرا. قلت: وكان القاضى الفاضل، عالما فاضلا، قد برع فى الشعر وصنعة الإنشاء، حتى قيل إنّ مسوّدات رسائله لو جمعت، بلغت مائة مجلّد؛ وهو الذى أظهر التورية

стр. 247

فى الشعر وكشف عنها الغطاء، وكان وقوعها فى الشعر عزيزا جدّا، ومن لطائف شعره، وهو قوله: لى عندكم دين ولكن هل له … من طالب وفؤادى المرهون فكأنّنى ألف ولام فى الهوى … وكأن موعد وصلك التنوين قال الإمام أبو شامه: كان القاضى الفاضل دميم الخلقة، وكان له حدبة ظاهرة خلف ظهره، وكان يسترها بالطيلسان، حتى لا ترى، وقد قيل: سلطاننا أعرج، وقاضيه … ذو عمش؟؟؟، والوزير منحدب وكان صلاح الدين يوسف به بعض عرج، والقاضى صدر الدين بن درباس به بعض عمش، والوزير الفاضل منحدب؛ وقال فيه ابن عنين مداعبة لطيفة: حاشى لعبد الرحيم سيدنا … الفاضل ماذا تقوله السفل يكذب من قال إنّ حدبته … فى ظهره من عبيده حبل هذا قياس فى غير سيدنا … يصحّ إن كان يحبل الرجل ومن النكت الظريفة، قال الأسعد بن مماتى: دخلت يوما على القاضى الفاضل، فرأيت إلى جانبه أترجة بديعة الخلقة، فجعلت أنظر إليها، وأتعجّب من خلقتها، فقال لى القاضى الفاضل: «أراك تطيل النظر إلى هذه الأترجة»، فقلت: «أتعجّب من شكلها، وبديع خلقتها»، فقال الفاضل: «ولها بنا نسبة أيضا، فيما بها من الاحتداب»، فقلت: «الله، الله، يا مولانا القاضى»؛ ثم إنّى سكتّ ساعة، وارتجلت بيتين (١) من الشعر فى المعنى، وهما: للحسن بل لله أترجة … قد أذكرتنا بجنان النعيم كأنّها قد جمعت نفسها … من هيبة الفاضل عبد الرحيم ثم أنشدتهما بين يديه، فلما سمع ذلك أعجبه، وزال من فكره ما كان توهّمه منى، فلما خرجت من عنده، ذكرت ذلك لبعض أصحابى، فقال لى: «احمد الله تعالى الذى أنشدته ذلك من لفظك، ولم تكتبهما له، فربما تصحّفت عليه فى اللفظ، فيقرأها «من هيئة الفاضل عبد الرحيم» فيزداد حنقا من ذلك»، انتهى.

стр. 248

ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة فيها بلغ الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، أنّ جماعة من أعيان القاهرة، ومن جملتهم عمارة اليمنى، الشاعر، اتّفقوا على إعادة (١) دولة الفاطميين؛ فلما تحقّق صلاح الدين ذلك، أمر بشنقهم، ومن جملتهم عمارة اليمنى، فشنقوا فى عاشر رمضان، سنة تسع وستين وخمسمائة. وكان عمارة فقيها فرضيّا، شاعرا ماهرا، ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، أتى من اليمن، ودخل مصر سنة خمسين وخمسمائة، وامتدح الخلفاء الفاطميّة بقصائد سنيّة، لكنه كان يميل إلى مذهب الرافضة، ومن شعره الرقيق، قوله: ولا تحتقر كيد الصغير فربما … تموت الأفاعى من سموم العقارب إذا كان رأس المال عمرك فاحترس … عليه من التضييع فى غير واجب [وفيها قبض الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، على مؤتمن الحبشى، زمام الخليفة العاضد بالله، فلما قبض عليه قتله، فلما قتل، ثارت عليه العبيد الذين (٢) كانوا بمصر، وكان جملة العبيد يومئذ بمصر خمسين ألف عبد، من أجناس شتى، فاستمرّ الحرب ثائرا بينه وبين العبيد يومين، وكانت قوّة هذه الواقعة بين القصرين، فقتل من العبيد ما لا يحصى، ثم انهزموا وكانت الكسرة على العبيد] (٣). وفى هذه السنة، أعنى سنة تسع وستين وخمسمائة، فيها جاءت الأخبار من دمشق بوفاة الملك السعيد نور الدين الشهيد، صاحب دمشق، المجاهد المرابط الولى، وقد عدّه اليافعى فى كتاب «روض الرياحين» أنّه من الأولياء الأربعين، ودفن بالشام بجامع الكلاسة، وقبره يزار إلى الآن. وهو أول من حمل على رأسه الصنجق من الملوك؛ وكان اسمه محمود بن زنكى، وقد أطلق عليه السلطان، مثل ملك شاه السلجوقى، وهو أول من تلقّب بالسلطان مع وجود الخلفاء.

стр. 249

قيل إنّه رأى النبى، ﷺ ، فى المنام، وهو يقول له: «أدركنى يا نور الدين، فإنّ شخصا من الرافضة جاء ليسرق جثتى»، وأراه شكله فى المنام. فلما أصبح نور الدين توجّه إلى المدينة الشريفة، فى غير أوان الحاجّ، فلما دخل المدينة استعرض أهلها، وأوهمهم أنّه يفرّق عليهم مالا؛ فلما حضروا بين يديه، قال: «هل بقى منكم أحد»؟ قالوا: «بقى شخص من الصالحين، منقطع إلى الله تعالى، لا يجتمع بأحد من الناس»، قال: «آتونى به». فلما حضر بين يديه، فإذا هو الشخص الذى أراه له النبى، ﷺ ، فى المنام بعينه، فلما رآه، أمر بصلبه، فصلب؛ ثم كبس داره، وكانت داره بالقرب من الحجرة الشريفة، فوجده قد حفر سربا تحت الأرض، وقد قرب من لحد النبى، ﷺ ، فحفر نور الدين الشهيد حول الحجرة الشريفة خندقا، وردمه بالحجارة الكبار، ثم سبك عليهم بالرصاص؛ وهذه الحكاية مشهورة عن نور الدين الشهيد، رحمة الله عليه. وهو أول من اتّخذ حمائم الرسائل إلى الآفاق؛ وهو أول من أطلق عليه «السلطان» بعد ملك شاه السلجوقى، وكان يلقّب بالملك العادل. قال ابن فضل الله فى «المسالك»: إنّ الاصطلاح أنّ لا يطلق التسمية بالسلطان، إلا على من يكون يملك عدّة بلاد، مثل مصر والشام وأفريقية والأندلس، وفى ولايته عدّة ملوك، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس، أو نحو ذلك، وأن يخطب باسمه فى عدّة أماكن شتى، فجاز له أن يطلق عليه بالسلطان الأعظم، فكان نور الدين الشهيد يطلق عليه «السلطان الأعظم»، فإنّه قد اجتمع فيه هذه الشروط كلها. فلما توفّى السلطان نور الدين الشهيد، انفرد صلاح الدين يوسف بن أيوب، بما كان فيه نور الدين الشهيد، وأطلق عليه التسمية بالسلطان، فصفا له الوقت، وساعدته المقادير، بما يختار من الأمور، كما قيل فى المعنى: لو نطقت مصرنا لقالت … يا ملك العصر والأقالم

стр. 250

قد أصبح السعد عبد رقّ … والنصر أمسى لديك خادم له بقلب الملوك رعب … أغنى عن السمر والصوارم فلما انفرد صلاح الدين يوسف يملك مصر والشام، أزال ما كان بمصر من العساكر الملّفقة، وكانوا ما بين صقالبة ومصامدة وأرمن وشناترة العرب، وطائفة من العبيد الزنج، فمحا هذه الطوائف كلها، واستجدّ بمصر عساكرا من الأكراد خاصّة، فكان عدّتهم اثنى عشر ألفا من شجعان الكرد. قال ابن الأثير: لما دخلت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، شرع الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب فى بناء سور القاهرة بالحجر القصّ النحيت، وأبطل السور الذى كان بناه جوهر القائد، سنة إحدى وستين وثلثماية، وكان بناه بالطوب اللبن فى دولة الفاطميين. ثم جعل دوره ثلاث وثلاثين ألف ذراع (١) بالعمل، وجعل فى هذا السور أحد عشر بابا، غير الأبواب الصغار، وكان القائم على بناء السور الأمير بهاء الدين قراقوش، الخصىّ الحبشى. قال ابن الأثير: وإنّ بابى زويلة القديم، كان فى الغرابليّين عند مسجد سام بن نوح، وآثاره باق إلى الآن، وأما باب زويلة الموجود الآن يسمّى باب الفاضل؛ ثم إنّ صلاح الدين شرع فى بناء قلعة الجبل، واتّخذها دار المملكة. قال ابن الأثير: مات صلاح الدين ولم يتمّ بنى قلعة الجبل، وإنما أكمل بناءها الملك الكامل محمد بن أخى صلاح الدين يوسف، وهو أول من سكن بها من بنى أيوب، وبطل أمر قصر الزمرّد، الذى أنشأه المعزّ الفاطمى، وكان مكان دار الضرب. قال القاضى شمس الدين بن خلكان: إنّ فى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، شرع الملك الناصر صلاح الدين يوسف فى بناء خانقاة سعيد السعداء، وهى أول خانقاة عمرت بالقاهرة، وكانت دارا لشخص من خدّام الخليفة المستنصر بالله الفاطمى، يقال له
следующие страницы →