يشبك فخلّصه من الشنكلة؛ ثم توجّهوا بالبقية إلى بركة الكلاب فوسّطوهم أجمعين واستمرّ سوار معلقا حتى مات هو وإخوته، فاستمروا معلقين يوما وليلة والناس ينظرون إليهم، ثم أنزلوهم وغسلوهم وكفنوهم وصلّوا عليهم، وتوجّهوا بهم إلى تل عال بالقرب من زاوية كهنبوش فدفنوهم هناك.
ثم قلعوا الزينة وخمدت فتنة سوار كأنها لم تكن، بعد ما ذهب عليه أموال وأرواح، وقتل جماعة كثيرة من الأمراء، وكسر العسكر ثلاث مرات ونهب بركهم وقد انتهكت حرمة سلطان مصر عند ملوك الشرق وغيرها، حتى الفلاحين طمعوا فى الترك وتبهدلوا عندهم، بسبب ما جرى عليهم من سوار، وكادت أن تخرج المملكة عن الجراكسة، وقد أشرف سوار على أخذ حلب، وقد خطب له فى الأبلستين، وضربت هناك السكة باسمه، ولولا لطف الله تعالى بالناس وأخذل سوارا لفسدت أحوال المملكة جدا.
وكان صفة سوار جميل الصورة حسن الشكل، مستدير الوجه، أبيض اللون، مشرّب بحمرة، أشهل العينين، أسود اللحية، معتدل القامة، ضخم الجسد، وكان فى عشر الأربعين من العمر، وكان عليه مخايل الحشمة والرياسة، يقرب فى الشكل من القاضى ناظر الخاص تاج الدين بن المقسى، وكان شجاعا بطلا، وكان له سعد خارق فيما وقع له من النصرة على عسكر مصر غير ما مرّة، وكان من أعظم أولاد ذلغادر، وقد وقع له ما لا وقع لأحد من أجداده قبله؛ وقد شقّ على الأمير تمراز قتل سوار على هذا الوجه، واستمرّ غضبانا مدّة، فكان الأمير تمراز الشمسى يقول لأصحابه: والله كلما مررت من على قبر سوار فأستحى منه، فإنه أركن إلىّ ونزل معى، فغدروا به وقتلوه، وقد حلفت له؛ وفى واقعة سوار يقول الشهاب المنصورى:
يا أيها الملك الذى سطواته … تغنى عن العسّال والبتّار
علّق سوارا فوق باب زويلة … إن كنت منه آخذا بالتار
فلأنت تعلم أنّ ذلك معصم … ما كنت تتركه بغير سوار
стр. 1997
وقوله أيضا فى الأمير يشبك لما (١) حضر إلى القاهرة وصحبته سوار:
منذ وافا الأمير يشبك مصرا … حبّذا مصر موطن الأوطار
لبست حجل نيلها وتحلّى … زند بابى زويلة بسوار
الحجل هو الخلخال، انتهى ما أوردناه من واقعة سوار. - وفى هذا الشهر حضر إلى القاهرة كسباى الظاهرى الخشقدمى، الذى كان دوادار ثانى ونفى إلى الشام، فأرسل الأمير يشبك يشفع فيه وأجيب إلى ذلك، فأحضر كسباى صحبته، واستمر بطالا فى داره حتى مات، كما سيأتى الكلام على ذلك.
وفى ربيع الآخر أخلع السلطان على برسباى الشرفى وقرّر فى أمرة الحاج بالمحمل، وقرّر الشهابى أحمد بن الأتابكى تانى بك البردبكى بأمرة الركب الأول، وكان موعكا فى جسده، فأخذ يستعفى من السفر، فما أعفى من ذلك. - وفيه توفى جانى بك الأبيض أحد الحجاب، وكان جاوز السبعين سنة من العمر، وكان لا بأس به. - وفيه توجّه القاضى شرف الدين الأنصارى إلى جهة الطينة، وكان معه مائة مملوك من مماليك الأمير يشبك الدوادار، فلما وصل إلى هناك وجد فى البحر الملح مراكب فيها فرنج يتعبّثون بالمسافرين، فقبض على مركب منهم وأسر من فيها من الفرنج، وأحضرهم صحبته لما عاد.
وفيه عزل قاضى القضاة الحنفى محب الدين ابن الشحنة، وأمر بالتوكيل به بطبقة الزمام، وذلك بسبب ما وقع فى العقد المجلس، الذى كان بين خوند شقرا وبين ابنة أختها خوند آسية، بسبب وقف الظاهر برقوق، فتعصّب ابن الشحنة لخوند شقرا، فحنق السلطان منه وعزله، وكان فى نفسه منه شئ بسبب ولده عبد البرّ، وكانت هذه آخر ولايته للقضاء، ولم يل بعدها القضاء، واستمرّ فى الترسيم بطبقة الزمام بسبب تعلقات أوقاف الحنفية، ثم إن السلطان أخلع على الشمسى شمس الدين محمد الأمشاطى، وقرّر فى قضاء الحنفية، عوضا عن محب الدين بن الشحنة بحكم انفصاله عن القضاء، فأفيض عليه شعار القضاء، ونزل من القلعة فى موكب حافل، وكان
стр. 1998
تمنّع من الولاية غاية التمنّع، فألزمه السلطان بذلك. - وفيه شفع الأتابكى أزبك فى قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة، فنقل إلى بيت كاتب السرّ حتى يقيم حساب أوقاف الحنفية.
وفى جمادى الأولى توفى دقماق الأشرفى الأينالى نائب القدس، وكان شابا حسن الشكل موصوفا بالشجاعة. - وفيه جاءت الأخبار من عند نائب حلب، بأن حسن بك الطويل ملك العراقين قد جمع من العساكر ما لا يحصى، وهو زاحف على بلاد السلطان، وقد بعث ولده محمد مع عسكر ثقيل، وقد وصلوا إلى الرها، فكثر القال والقيل بين الناس بسبب ذلك، فما صدّق العسكر متى خمدت عنهم فتنة شاه سوار، فانتشى لهم فتنة حسن الطويل، وزاد الكلام بين الناس بأن هذا ما هو مثل شاه سوار، وأن هذا ما يطاق جدا، فقلق السلطان والعسكر لهذا الخبر، فكان كما قيل فى المعنى:
شكوت جلوس إنسان ثقيل … فجاءنا آخر من ذاك أثقل
فكنت كمن شكى الطاعون يوما … فجاء له على الطاعون دمّل
وفى جمادى الآخرة عيّن السلطان تجريدة إلى حسن بك الطويل، وعيّن بها من الأمراء المقدمين ثلاثة، وهم: جانى بك قلقسيز أمير سلاح، وسودون الأفرم، وقراجا الطويل الأينالى، وعدّة من الأمراء الطبلخانات والعشرات، ومن الجند نحوا من خمسمائة مملوك؛ فلما عيّنهم نفق عليهم وأمرهم بالمسير إلى حلب سرعة من غير تأخير. - وفيه وقع تشاحن عظيم بين الأمير يشبك الدوادار وبين خاير بك من حديد، وذلك بحضرة السلطان، وكان سبب ذلك لأجل صحصاح الكاشف، فإنه وقع بينه وبين الأمير خاير بك بسبب بلاده التى فى الفيوم، فتعصّب الأمير يشبك لصحصاح، فوقع بينهما ما لا خير فيه.
وفيه أخرج السلطان تقدمة سودون الأفرم، وقد استعفى من السفر إلى حسن الطويل، فلما أخرج عنه التقدمة أنعم بها على قجماس الإسحاقى، ورتّب لسودون الأفرم ما يكفيه، وبقى طرخانا مقيما فى داره. - وفيه شفع فى جانى بك المشد الأشرفى برسباى، وكان مقيما بالقدس بطالا، فحضر إلى القاهرة ورتّب له
стр. 1999
ما يكفيه، واستمر مقيما بداره مدّة حتى مات.
وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن عسكر حسن الطويل قد استولى على كختا وكركر، وبعث مكاتبة مكتوبة بماء الذهب إلى شاه بضاغ صاحب الأبلستين، بأن يسلم إليه القلاع التى حوله ولا يخرج عن طاعته، وأرسل له فى المكاتبة ألفاظا مزعجة بما معناه: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ثم هدّد فى مكاتبته بأن متى خالفه يحصل عليه منه ما هو كيت وكيت.
فأرسل بضاغ المكاتبة للسلطان، فلما قرأها وعلم ما فيها انزعج لذلك وتأثّر، ثم عيّن الأمير يشبك الدوادار باش العسكر، وعيّن تجريدة أعظم من الأولى التى عيّنها قبل ذلك، فعيّن بها من الأمراء المقدّمين: يشبك الدوادار، وأينال الأشقر، وبرسباى قرا، ومن الأمراء الطبلخانات والعشرات عدّة وافرة، وكتب من الجند فوق الألفين (١) مملوك، ثم نفق عليهم وأخذوا فى أسباب الخروج إلى السفر؛ فخرجت التجريدة الأولى قبل ذلك، وكان باش عسكرها جانى بك قلقسيز أمير سلاح، ومن معه من الأمراء، فلما رحل من الريدانية خرج الأمير يشبك ومن معه من الأمراء فرّجت لهم القاهرة، وكان يوما مشهودا.
وفى رجب، لما صعد القضاة للتهنئة بالشهر، صعد معهم الشيخ أمين الدين الآقصراى، فأخذ السلطان يتكلم مع الشيخ أمين الدين بسبب حسن الطويل، فتكلم الشيخ أمين الدين بكلام انزعج منه السلطان، وقد تقدّم له معه فى واقعة سوار بما تكلمه فى ذلك المجلس، وقد تأثّر منه السلطان فى الباطن. - وفيه أرسل نائب الشام مكاتبة حسن الطويل إلى السلطان، وكان أرسل يهدّده فى هذه المكاتبة ويأمره بأشياء لا يمكن شرحها، وكتب فى صدر المكاتبة:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾، فانزعج السلطان لهذه الأخبار. - وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن وردبش نائب البيرة قد قبض
стр. 2000
على جماعة من عسكر حسن الطويل وكسر جاليشه، فسرّ السلطان لهذا الخبر.
وفيه وصل إلى القاهرة من بلاد الجركس أخت السلطان، واسمها جان تين، ومعها ولد لها، فصعدت إلى القلعة فى محفّة وحولها الخدام، وحضر معها عدّة نساء جراكسة. - وفيه رحل الأمير يشبك هو والعسكر من الريدانية، وكان مصروف السلطان على هذه التجريدة فيما نفقه على العسكر الذى توجّه للسفر، مبلغ أربعمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، خارجا عن أشياء كثيرة بعث بها إلى الأمراء؛ فلما رحل الأمير يشبك إلى الخانكاه، نزل إليه السلطان ووداعهه هناك واجتمع به فى خلوة، وعرض عليه مكاتبة حسن الطويل التى بعث بها إلى نائب الشام.
وفى شعبان ثارت جماعة من المماليك الجلبان على شرف الدين بن كاتب غريب، وكان متكلما فى الوزر والأستادارية عن الأمير يشبك، فتوجّهوا إلى داره وكسروا أبوابه، فهرب واختفى؛ وكانت هذه أول حوادث الجلبان فى الفتك، واستمرّت الحوادث منهم تتزايد حتى كان منهم ما سنذكره فى موضعه. - وفيه حضر قاصد نائب حلب، وأخبر أن نائب حلب قبض على عثمان بن أغلبك، وشخص آخر كان أستادارا على تقدمة حسن الطويل التى كانت بحلب، وقبض على جماعة آخرين نحو من أربعين نفرا، وقد نسبوا كلهم إلى المواطأة مع حسن الطويل، ويكاتبونه (١) بأخبار المملكة، فأمر نائب حلب بشنقهم أجمعين، فشنقوا بحلب.
وفى هذا الشهر هلك بطرك النصارى الملكية، وهو فخر بن الصفى، وكان فى النصارى لا بأس به. - وفيه كانت وفاة الشيخ فخر الدين المقسمى، وهو عثمان ابن عبد الله بن عثمان بن عفان الشافعى، وكان من أعيان علماء الشافعية، وكان عالما فاضلا بارعا فى الفقه، دينا خيرا وافر العقل، وذكر بأن يلى القضاء الأكبر غير ما مرّة، وولى عدّة تداريس جليلة؛ منها مشيخة الحديث بالشيخونية، وكان قد جاوز الستين سنة من العمر؛ فلما مات قرّر فى مشيخة الحديث بالشيخونية شيخنا جلال الدين الأسيوطى، عوضا عن الفخر المقسمى.
стр. 2001
وفى رمضان نزل السلطان إلى دار تمر حاجب الحجاب يعوده، وكان مريضا منقطعا عن الركوب، فسلّم عليه وعاد إلى القلعة. - وفيه وصل ركب من المغاربة من تونس، وكان صحبتهم الحرّة زوجة صاحب تونس، وحضر صحبتها قاضى الجماعة الشيخ أبو عبد الله محمد بن عمر القلجانى، وكان من فضلاء علماء المالكية، فأكرمه السلطان والأمراء، ورأى من العزّ والعظمة حظا وافرا. - وفيه صلبت على باب زويلة جارية سوداء قد قتلت سيدتها، فأمر القاضى المالكى اللقانى بصلبها حتى تموت.
وفيه توفى جانى بك قرا العلاى الأشرفى، أحد الأمراء العشرات، وشاد الشون، وكان لا بأس به. - وفيه توفى أيضا أرغون شاه أستادار الصحبة ونائب غزّة كان، وهو الذى قبض على الظاهر تمربغا لما تسحّب من دمياط، وكان أصله من مماليك الأشرف برسباى، وكان محمود السيرة. - وفيه كان ختم البخارى بالقلعة، وكان ختما حافلا، وأخلع فيه على القضاة ومشايخ العلم، وفرّقت الصرر على الفقهاء.
وفى شوال جاءت الأخبار بوفاة برقوق الناصرى الظاهرى نائب الشام، وكان أصله من مماليك الظاهر جقمق، وكان شجاعا بطلا مقداما فى الحرب، عارفا بأنواع الفروسية فى فنون لعب الرمح والرماية بالنشاب، وولى عدّة وظائف سنية، منها شادية الشراب خاناه، ثم تقدمة ألف، ثم ولى نيابة الشام ومات بها، وكان قد جاوز الستين سنة من العمر؛ فلما حضر سيفه كان السلطان على الدكة (١) بالحوش، فلما عرضوا عليه سيفه أظهر الحزن والبكاء وتأسّف عليه، وكان عنده بمنزلة الأخ؛ ثم أمر بإحضار أولاده وعياله إلى القاهرة، ثم رسم بنقل جثته إلى القاهرة ليدفن فى تربته التى بباب القرافة؛ وكان لبرقوق برّ ومعروف، وهو الذى أنشأ القبّة على ضريح الشيخ عمر بن الفارض رحمة الله عليه، وهو الذى قام فى القبض على شاه سوار، وقد تقدّم ذكر ذلك.
وفى هذا الشهر توفى أيضا الأتابكى جرباش كرت المحمدى الناصرى، وكان طرخانا فى داره بطالا حتى مات، وقد تقدّم أن السلطان أحضره من دمياط ورتّب له
стр. 2002
ما يكفيه حتى مات، وكان قد قارب التسعين سنة من العمر، وأصله من مماليك الناصر فرج بن برقوق، وكان متزوّجا بخوند شقرا ابنة أستاذه الناصر فرج، وكان أميرا جليلا حشما ريسا، وولى عدّة وظائف سنية، منها الأمير آخورية الكبرى، وأمرة مجلس، وأمرة السلاح، ثم بقى أتابك العساكر بمصر، وترشّح أمره إلى أن بلى السلطنة لما وثبت جماعة الأشرفية على الظاهر خشقدم، وأركبوه والصنجق على رأسه، ولقّبوه بالملك الناصر مثل أستاذه، فلم يتمّ له ذلك لقلّة سعده، ثم نفى عقيب ذلك إلى دمياط، ثم أحضر إلى القاهرة ومات بها، وجرى عليه شدائد ومحن، كما قد قيل فى المعنى:
إذا طبع الزمان على اعوجاج … فلا تطمع لنفسك فى اعتدال
وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن الأمير يشبك الدوادار دخل إلى حلب، وكان له يوم مشهود، فلما استقرّ بحلب قدم عليه قاصد من عند حسن الطويل وعلى يده مكاتبة، شرحها أنه أرسل يطلب جماعته الذين (١) أسروا وسجنوا بحلب، وأنه إذا أطلقوهم يطلق من عنده من الأسراء، وكان عنده دولات باى المنجمى الذى كان نائب ملطية وجماعة آخرين، فلم يلتفت الأمير يشبك إلى ذلك القاصد، ولا أجابه عن ذلك بشئ.
وفى هذا الشهر توفى الزينى عبد الرحمن بن الكويز، الذى كان ناظر الخاص، وهو عبد الرحمن بن داود بن عبد الرحمن بن خليل، وكان أصلهم نصارى من الشوبك، وحضر جدّهم داود صحبة المؤيد شيخ، لما قدم إلى مصر، وكان عبد الرحمن ريسا حشما فى سعة من المال، وولى عدّة وظائف سنية منها: نيابة الإسكندرية، ثم ولى الأستادارية، ونظر الخاص، ثم جرى عليه شدائد ومحن وفرّ إلى بلاد ابن عثمان ملك الروم، وأقام هناك مدّة ثم عاد إلى مصر، وكان يدّعى أنه يعرف علم الحرف، وكان له نظم سافل، ومولده فى سنة ثمانمائة. - وفيه توفى نوروز الأشرفى كاشف الوجه القبلى، وكان لا بأس به.
стр. 2003
وفيه خرج الحاج على جرى العادة، وكان الشهابى أحمد بن الأتابكى تانى بك أمير ركب الأول مريضا على غير استواء، فلم يرقّ السلطان له ورسم بأن يخرج فى محفّة، فخرج وهو فى النزع، فلما وصل إلى بركة الحاج مات ليلة الرحيل، وكان حشما ريسا أدوبا، وكان من الأمراء العشرات، وتوجّه إلى الحجاز أمير الركب الأول غير ما مرّة، وكان مولده بعد العشرة والثمانمائة؛ فلما بلغ السلطان موته طلب جانى بك الأشقر أحد مماليكه وخواصه، فرسم له بأن يتوجه أمير الركب الأول عوضا عن الشهابى أحمد بن تانى بك، فتسلم جميع بركه وجماله وسافر على الركب الأول، ورجع أحمد بن تانى بك إلى القاهرة وهو ميت فدفن بها، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة، ولم يكن يمرّ الحج على بال جانى بك فى هذه السنة قط، فكان كما قيل فى المعنى:
ألا إنما الأقسام تحرم ساهرا … وآخر يأتى رزقه وهو نائم
وفيه أرسل السلطان خلعتين، إحداهما (١) إلى جانى بك قلقسيز أمير سلاح بأن يستقرّ فى نيابة الشام، عوضا عن برقوق بحكم وفاته، وكان جانى بك قلقسيز مسافرا فى التجريدة، فتوجّه من هناك إلى الشام واستقرّ بها؛ وأما الخلعة الثانية بعث بها إلى أينال الأشقر بأن يستقرّ فى أمرة السلاح، عوضا عن جانى بك قلقسيز بحكم انتقاله إلى نيابة الشام.
وفى ذى القعدة طلع الخليفة المستنجد بالله يوسف والقضاة الأربعة ليهنّوا السلطان بالشهر على العادة، فتكلم الخليفة مع السلطان فى أمر ابنته ست الخلفاء التى كان عقد عليها خشكلدى البيسقى، ثم جرى عليه ما جرى ونفى إلى الشام، ثم تكلم الخليفة مع القضاة بأن يفسخ عقد ابنته عن خشكلدى البيسقى، فطال الكلام فى ذلك، وانفضّ المجلس على غير طائل، ثم فسخ عقدها عن خشكلدى فيما بعد؛ وفى هذا المجلس تكلم السلطان مع قاضى القضاة الحنفى شمس الدين الأمشاطى فى إقامة قاض برسم حلّ الأوقاف والاستبدالات، فقال: إن السلطان له ولاية التفويض إلى من شاء
стр. 2004
من النواب، وأما أنا فلا ألقى الله تعالى بحلّ وقف ولا بعمل استبدال، وقام من المجلس كالغضبان، فتأثّر السلطان منه فى الباطن.
وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن الأمير يشبك بعث جماعة من العسكر إلى البيرة لقتال عسكر حسن الطويل، وقد بلغه أن حالهم تلاشى إلى الفرار، وأن حسن الطويل أرسل يكاتب الفرنج بأن يكونوا له عونا على قتال عسكر مصر، وهذا أول ابتداء عكسه كونه أرسل يستعين بالفرنج على قتال المسلمين. - وفيه جاءت الأخبار بأن ابن عثمان ملك الروم أرسل قاصده إلى الأمير يشبك، بأن يكون عونا للسلطان على قتال حسن الطويل، فأكرم القاصد وعيّن صحبته القاضى شمس الدين بن أجا قاضى العسكر، بأن يتوجّه إلى ابن عثمان وعلى يده هديّة حافلة ومكاتبة، وأن ينشئ بينه وبين السلطان مودّة بسبب أمر حسن الطويل.
وفى أواخر هذا الشهر وردت على السلطان مكاتبة من عند ابن الصوّا من حلب، يخبر فيها بأن الأمير يشبك قد انتصر على عسكر حسن الطويل ورحّلهم عن البيرة، وأن ولد حسن الطويل قد جرح جراحات بالغة، وآخر من أولاده أصيب فى عينه، ووقع بين الفريقين مقتلة مهولة؛ وقتل فى هذه المعركة شخص من الأمراء العشرات يقال له قرقماس العلاى المصارع، أمير آخور رابع، وهذا كان صهرنا (١)، وكان إنسانا حسنا دينا خيرا موصوفا بالفروسية والشجاعة، علامة فى الصراع، أصيب بسهم فى صدغه فمات لوقته، ولم يقتل فى هذه المعركة من العسكر سواه فقط؛ ثم رحل عسكر حسن الطويل عن البيرة، وقد أخذلهم الله تعالى بعد ما عدّوا من الفراة وطرقوا من البلاد الحلبية أطرافها، فردّهم الله تعالى عن المسلمين؛ وقد قالت الشعراء فى هذه النصرة عدة مقاطيع، فمن ذلك قول الشيخ شمس الدين القادرى:
أيا حسن الطويل بعثت جيشا … كأغنام وهنّ لنا غنايم
فنار الحرب قد سبكت سوارا … وأنت لسبكها لا شك خاتم
وقال الشهاب المنصورى فيه أيضا:
стр. 2005
هل عارفا بالخارجىّ المعتدى … يخبر إلينا باسمه وصفاته
قالوا نعم حسن، فقلت هلاكه … قالوا الطويل، فقلت ليل شتاته
وقوله أيضا:
أيها العسكر الذى سار قصدا … لقتال الطويل لا تنظروه
لا تطيلوا مع العدوّ كلاما … فى وغى الحرب والطويل اقصروه
وقال محمد بن شادى خجا:
عروس الحرب نقّطها المواضى … بأرواح الأعارب والأعاجم
وقد جليت وفى يدها سوار … وها حسن لكفّ الحرب خاتم
وقوله أيضا:
أيا حسن الطويل قصرت عمرا … وفاتتك المعالى والمغانم
سوار قد سبكناه ابتداء … وأنت بناره للسبك خاتم
وفى هذا الشهر كسفت الشمس كسوفا عاما، وأظلمت الدنيا، واستمرّت فى الكسوف نحوا من ثلاثين درجة. - وفيه قدم قاصد من عند ابن عثمان ملك الروم، وقد أتى من جهة البحر الملح، فأكرمه السلطان، وأحضر صحبته مكاتبة حسن الطويل إلى بعض ملوك الفرنج، بأن يمشوا على ابن عثمان وسلطان مصر من البحر، وهو يمشى عليهم من البرّ، وقد ظفر هذا القاصد بقاصد حسن الطويل وهو قاصد نحو بلاد الفرنج، فقبض عليه فى أثناء الطريق، وهو فى مركب، وأسره؛ ثم إن القاصد أقام بمصر أياما، وأضافه السلطان، وأذن له بالسفر، وأخلع عليه؛ ثم إن السلطان عيّن دولات باى حمام الأشرفى بأن يتوجّه قاصدا من عند السلطان إلى ابن عثمان.
وفى ذى الحجة تغيّر خاطر السلطان على الأمير خاير بك من حديد الأشرفى، وأمره بلزوم داره، وهذه الكاينة الأولى التى وقعت له، ثم جرى عليه بعد ذلك ما هو أعظم من ذلك، فأقام بداره أياما لا يركب، ثم بعث السلطان خلفه إلى ضرب الكرة، فلما طلع إلى القلعة وضرب الكرة، فاتفق أن صولنجان
стр. 2006
السلطان قد سقط من يده، فترجّل خاير بك عن فرسه وناوله للسلطان، فأخلع عليه وأركبه فرسا من خيوله، ونزل إلى داره وهو مكرم. - وفيه توفى جانم اللفاف المؤيدى، وكان أمير عشرة، ولكن مات طرخانا. - وتوفى طوخ النوروزى، وكان أمير عشرة، ولكن مات طرخانا.
وفيه وصل مبشر الحاج وأخبر بأن لما وصل المحمل العراقى، ودخل إلى المدينة الشريفة، كان أمير ركبهم شخصا يقال له رستم، وصحبته قاض يقال له أحمد بن دحية، فضيّقوا على قضاة المدينة وأمروهم بأن يخطبوا فى المدينة باسم الملك العادل حسن الطويل خادم الحرمين الشريفين، فلما خرجوا من المدينة وقصدوا التوجّه إلى مكة، فكاتبوا أهل المدينة أمير مكة بما وقع، فخرج إليهم الشريف محمد بن بركات ولاقاهم من بطن مرو، قبل أن يدخلوا إلى مكة، وقبض على رستم أمير ركب المحمل العراقى، وقبض على القاضى الذى صحبته، وعلى جماعة من أعيانهم، وأودعهم فى الحديد ليبعث بهم إلى السلطان، ثم أطلق بقية من كان فى ركبهم من الحجاج ولم يتعرّض لهم.
وفى هذا الشهر جاءت الأخبار بوفاة الشيخ المسلك العارف بالله سيدى إبراهيم ابن على بن عمر المتبولى، رحمة الله عليه، توفى بأسدود ودفن بها، وكان خرج إلى زيارة بيت المقدس فأدركته المنية هناك فمات، وكان دينا خيرا مباركا، وللناس فيه الاعتقاد الحسن، وكانت شفاعته عند السلطان والأمراء لا تردّ، وكان له برّ ومعروف وأنشأ ببركة الخبّ حوضا وسبيلا وبستانا، وكان يأوى الفقراء والمنقطعين، وكان نادرة فى عصره، صوفىّ وقته.
وفيه جاءت الأخبار بوفاة عالم سمرقند، العلامة الشيخ علاى الدين على بن محمد الطوسى التياركانى الحنفى، وكان له شهرة ببلاد سمرقند، وألّف العلوم الجليلة، وكان من أعيان علماء الحنفية. - وفيه توفى إياس الطويل المحمدى الناصرى، الذى كان نائب طرابلس وعزل عنها، فرتّب له السلطان ما يكفيه، وبقى على أمريته بطرابلس حتى مات، وكان قد كبر سنّه وشاخ.
стр. 2007
ومن الوقائع فى هذا الشهر أن البرهان البقاعى، وقاضى الجماعة أبو عبد الله القلجانى المغربى المالكى، وقع بينهما بحث فى بعض المسائل، فوقع من البرهان البقاعى فى ذلك المجلس جوابا ضبطه عليه قاضى الجماعة، وصرّح بكفره، وشهّد عليه، وأراد أن يقام عليه الدعوى عند قاضى القضاة المالكى، فلما علم كاتب السرّ ابن مزهر بذلك طلب البقاعى إلى عنده، وحكم بعض القضاة بحقن دمه، ولولا كاتب السرّ ما حصل على البقاعى خير، والذى جرى على البقاعى بخطيئة ابن الفارض، فإنه كان رأس المتعصّبين عليه، واستمرّ البقاعى فى عكس حتى مات، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثمانمائة
فيها فى المحرم وقع الرخاء بالديار المصرية، حتى ابتاع الرطل اللحم السليخ بثمانية نقرة، والبطة الدقيق بأربعة أنصاف، ووقع الرخاء فى سائر الحبوبات، وابتاع القنطار البطيخ العبدلىّ بثلاثة أنصاف، ووقع الرخاء فى سائر المأكولات قاطبة. - وفيه جاءت الأخبار من الإسكندرية بأن الفرنج قد تعبثوا ببعض سواحلها، وأسروا من المسلمين تسعة أنفار، وفعلوا مثل ذلك بثغر دمياط، فلما جرى ذلك عيّن السلطان فى الحال الأمير قجماس الإسحاقى، أحد مقدمين (١) الألوف، وأمره بالخروج من يومه، فخرج بعد العصر وسافر من البحر فى عدة مراكب، وأمره السلطان بأن يتبع الفرنج حيث ساروا.
وفيه نزل السلطان من القلعة وتوجّه إلى نوى، وقد أضافه هناك ابن طفيش ضيافة حافلة، وأقام عنده إلى آخر النهار وعاد إلى القلعة. - وفيه رسم السلطان بعزل القاضى شهاب الدين القمنى المالكى، أحد نواب الحكم، بسبب حكم حكمه، فشكاه الخصم إلى السلطان بأنه جار عليه، فحنق منه السلطان وأمر بعزله.
стр. 2008
وفيه وصل الحاج وصحبتهم ابن أمير مكة، والقاضى برهان الدين بن ظهيرة الشافعى، وولده أبو السعود وأخوه، وأحضروا صحبتهم رستم أمير الحاج العراقى، والقاضى، الذى بعث بهما حسن الطويل، وصحبتهما كسوة للكعبة، وأمر أهل المدينة ومكة أن يخطبا فيهما باسم الملك العادل حسن الطويل، وقد تقدّم ذكر ذلك، فرسم السلطان بسجن رستم والقاضى فى البرج الذى بالقلعة، فسجنا؛ وتأخّر الحاج فى هذه السنة عن ميعاده ثلاثة أيام، بسبب موت الجمال وقلّة المياه؛ ثم أرسل خاير بك الخشقدمى الذى يسمى سلطان ليلة، يسأل فضل السلطان بأن ينقله من مكة إلى القدس، ليقيم به حتى ينقضى أجله ويموت هناك، فشفع فيه الأمير يشبك الجمالى، فأجيب إلى ذلك، ونقل فيما بعد من مكة إلى القدس؛ وحضر صحبة الحاج الشيخ سنان الأذربيجانى (١) الحنفى، وهو شيخ تربة الأمير يشبك الدوادار الآن.
وفى صفر أخلع السلطان على القاضى إبراهيم بن ظهيرة وأعاده إلى قضاء الشافعية بمكة، ونزل من القلعة فى موكب حافل، ومعه قضاة القضاة وأعيان الدولة. - وفيه أخلع على تمراز الشمسى بن أخت السلطان، وقرّر فى الرأس نوبة الكبرى، عوضا عن أينال الأشقر، بحكم انتقاله إلى أمرة السلاح. - وفيه عيّن السلطان برسباى الشرفى أستادار الصحبة، بأن يتوجه قاصدا إلى ابن عثمان ملك الروم، وجهّز صحبته هدية سنية.
وفى ربيع الأول كان وفاء النيل المبارك، وقد أوفى فى خامس مسرى الموافق لخامس ربيع الأول، فلما أوفى توجّه الأمير لاجين الظاهرى أمير مجلس وفتح السد على العادة. - وفى ذلك اليوم نودى على النيل بزيادة اثنا عشر أصبعا من سبعة عشر ذراعا، فكان زيادته إلى يوم الوفاء ثلاثة أذرع فى ستة أيام. - وفيه عمل السلطان المولد النبوى بالقلعة، فلم يحضر فيه من الأمراء المقدّمين سوى ثلاثة أنفار، وكان أكثر الأمراء غائبا فى التجريدة، وشئ خرج لأجل فساد العربان.
стр. 2009
وفيه جاءت الأخبار بهلاك صاحب قبرس، وهو جاكم بن جوان بن جينوس الكيتلانى، وكان من أعيان ملوك الفرنج، وهذا هو الذى حضر إلى الديار المصرية فى دولة الأشرف أينال، وكان شابا حسنا فى شكله؛ فلما هلك تولّت من بعده أخته. - وفيه جاءت الأخبار بأن ابن عثمان بعث عسكر المحاربة حسن الطويل، فكسر عسكر حسن الطويل، فسرّ السلطان لهذا الخبر.
وفيه توفى الأمير يشبك الفقيه من سلمان شاه المؤيدى، الذى كان دوادارا كبيرا فى دولة الظاهر خشقدم ثم نفى إلى دمياط، ثم شفع فيه وعاد إلى القاهرة وأقام بها بطالا حتى مات، وكان دينا خيرا وله اشتغال بالعلم، وكان قد شاخ وكبر سنّه وقاسى شدائد ومحنا، ومات ولده يحيى قبله بمدّة يسيرة وغصّ عليه، وكان ولده شابا حسنا مليح الشكل، مشهورا بالفروسية، وقد تقدّم ذكر ذلك. - وفيه توفى القاضى زين الدين عبد القادر بن عبد الرحمن بن الجيعان، وكان ريسا حشما كثير العشرة للناس، ومات وهو فى عشر الخمسين، وكان مولده سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة.
وفى ربيع الآخر أطلق السلطان رستم أمير حاج العراقى، وأطلق القاضى الذى صحبته، وأخلع عليهما وبعث بهما إلى بلاد حسن الطويل ترضّيا لخاطره، وقد أشار بذلك الأمير يشبك الدوادار.
وفى جمادى الأولى جاءت الأخبار بوفاة برسباى الشرفى أستادار الصحبة، الذى توجه قاصدا إلى ابن عثمان، وكانت وفاته بحلب، وكان لا بأس به فى ذاته. - وفيه أخلع السلطان على ألماس الأشرفى أحد خواصّه، وقرّر فى أستادارية الصحبة، عوضا عن برسباى الشرفى بحكم وفاته، وعيّن قاصدا إلى ابن عثمان، عوضا عن برسباى الشرفى.
وفيه أخلع على جانى بك الأشقر الدوادار، وقرّر فى أمرة الحاج بركب المحمل؛ وأخلع على قانصوه خمسمائة الخاصكى أحد مماليك السلطان، وقرّر فى أمرة الركب الأول، وقانصوه هذا هو الذى تسلطن فيما بعد، وجرى له ما جرى. -
стр. 2010
وفيه رسم السلطان بتوسيط عبد صغير السنّ، قد ذبح سيدته وأخذ مالها وهرب، فقبض عليه من ليلته.
وفى جمادى الآخرة ثار جماعة من المماليك الجلبان على السلطان بالقلعة، ومنعوا الأمراء من الصعود، واستمرّ الحال على ذلك إلى غد ذلك اليوم حتى سكن الأمر قليلا، بعد ما قصدوا قتل جماعة من خواص السلطان. - ومن الوقائع الغريبة أن إنسانا جلبى، كان عنده مسن من الرخام الأخضر، له عنده نحوا من ثلاثين سنة، فاتفق أن ذلك المسن سقط من يد صاحبه فانكسر نصفين، فخرجت منه دودة غريبة الشكل، فمدّ الجلبى يده إليها وأخذ يقلبها فلذغته فى أصبعه، فاضطرب ساعة ووقع ميتا لوقته، وهذا من غرائب الاتفاق التى لم يسمع بمثلها. - وفيه أرسل الأمير يشبك يسأل فى الحضور، فإن العسكر قد تقلّق من قلّة العليق، فلما سمع السلطان بذلك حنق واغتاظ (١)، ثم أذن لهم فى الحضور بعد ذلك.
وفى رجب نزل السلطان وتوجّه إلى الرماية ببركة الخب، فاصطاد ثلاثة كراكى، وعاد من يومه وشقّ من القاهرة فى موكب حافل. - وفيه ثار جماعة من المماليك الجلبان بالقلعة، ومنعوا الأمراء والمباشرين من الصعود إلى القلعة، وكان رأس الفتنة شخصا من مماليك السلطان يقال له على باى الخشن، فلما خمدت هذه الفتنة ضربه السلطان نحوا من ألف عصاة ونفاه إلى الشام، فجاءت الأخبار بعد مدّة بأن سقط عليه حائط فمات تحت الردم، ففرح به غالب الناس. - وفيه جاءت الأخبار باستقرار قراجا الطويل الأينالى فى نيابة حماة، عوضا عن بلاط اليشبكى بحكم صرفه عنها، وحمل بلاط عقيب ذلك إلى السجن بقلعة دمشق، ومات فى السجن عن قريب، وكان قد شاخ وجاوز السبعين سنة من العمر.
وفى شعبان عاد الأتابكى أزبك من البحيرة، وأخلع عليه السلطان ونزل إلى داره فى موكب حافل. - وفيه حضر من الجند جماعة كثيرة ممن كان فى التجريدة صحبة الأمير يشبك الدوادار، فلما حضروا اختفوا بالقاهرة ولم يظهروا.
стр. 2011
وفيه وقع نادرة غريبة، وهو أن كاتب السرّ أبو بكر بن مزهر عطس بحضرة السلطان، فشمته السلطان مرتين، فعدّ ذلك من النوادر.
وفى رمضان أنعم السلطان على تغرى بردى ططر بتقدمة ألف، وهى تقدمة قجماس الإسحاقى، بحكم انتقاله إلى تقدمة قراجا الطويل الأينالى، وقد انتقل إلى نيابة حماة. - وفيه قرّر ملاج اليوسفى الظاهرى فى نيابة القلعة. - وفيه كان دخول الأمير يشبك إلى القاهرة، وقد عاد من التجريدة، فكان يوم دخوله يوما مشهودا، فأخلع عليه السلطان ونزل إلى داره فى موكب حافل. - وفيه كان ختم البخارى بالقلعة، وأخلع فى ذلك اليوم على قضاة القضاة ومشايخ العلم، وفرّقت الصرر على الفقهاء. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة عالم دمشق الشيخ زين الدين خطاب بن عمر ابن مهنا بن يوسف بن يحيى العجلونى، وكان عالما فاضلا مفتيا من أعيان الشافعية، ومولده سنة تسع وثمانمائة.
وفى شوال كان موكب العيد حافلا، وحضر فى ذلك اليوم بالقلعة قاضى مكة البرهان بن ظهيرة، وولده أبو السعود، وأخو البرهان بن ظهيرة، وكان حاضرا الشريف بركات ابن أمير مكة، وجماعة من أعيان مكة، فأخلع السلطان على الجميع فى ذلك اليوم.
وفيه خرج الحاج على العادة، وكان أمير ركب المحمل جانى بك الأشقر، وأمير ركب الأول قانصوه خمسمائة، وكان يومئذ خاصكى، فالتزم الأمير يشبك الدوادار بعمل يرقه من ماله، وكان الأمير يشبك عقد على أخت قانصوه خمسمائة فصار صهره؛ وخرج صحبة الحاج شاهين الجمالى نائب جدّة، وخرج القاضى إبراهيم بن ظهيرة وجماعته، وابن أمير مكة، قاصدين التوجّه إلى مكة، وقد أوردوا للسلطان فى هذه الخطوة نحوا من مائة ألف دينار، فأكرمهم السلطان وأجلّهم ورتّب لهم فى كل يوم ما يكفيهم من الأسمطة وغير ذلك، وأنزلهم فى بيت أم ناظر الخاص يوسف الذى ببركة الرطلى، فرأوا فيه بهحة أيام النيل حتى سافروا. - وفيه وقف الأمير يشبك الدوادار إلى السلطان واستعفى من الوزارة ومن الأستادارية، فأجابه السلطان إلى
стр. 2012
ذلك ولكن حتى يغلق سنته، وكان من أمره ما سنذكره فى موضعه.
وفى ذى القعدة رسم السلطان ليشبك الجمالى بأن يخرج قاصدا إلى ابن عثمان ملك الروم أبو يزيد، وبطل ألماس الذى كان قد تعيّن قبل ذلك. - وفيه تزوّج أزدمر الطويل الأينالى بابنة الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، فكان له مهمّ حافل. - وفيه ثار جماعة من المماليك الجلبان ونزلوا إلى جهة بولاق فنهبوا ما فيها، ثم قصدوا شونة الأمير يشبك الدوادار فنهبوا ما فيها، وصاروا يأخذون جمال السقّايين ويحمّلوها ما ينهبونه من الشعير، فلما تزايد الأمر منهم نزل السلطان وهو سايق ومعه مقدّم المماليك، ولكن ما نزل السلطان إلا بعد فوات الأمر، وحصل منهم فى ذلك اليوم غاية الضرر للناس من نهب وخطف بضائع وغير ذلك؛ فبات السلطان تلك الليلة فى جامع زين الدين الأستادار الذى ببولاق، فأضافه هناك تلك الليلة بعض قضاة بولاق ضيافة حافلة، وهو القاضى تقى الدين البرماوى، إمام الجامع المذكور وخطيبه، فشكر له السلطان ذلك.
وفى ذى الحجة قصد جماعة من المماليك الجلبان الإخراق بالأمير يشبك الدوادار، بل قصدوا قتله، ففرّ منهم وتوجّه إلى بعض ضواحى الجيزة حتى تخمد هذه الفتنة قليلا، فاستمرّ غائبا نحوا من خمسة عشر يوما؛ ففى هذه المدّة كثر القيل والقال بين الناس، وامتنعوا الأمراء من الصعود إلى القلعة، والسلطان مقيم بالدهيشة كالغضبان من مماليكه، والأبواب مغلوقة عليه؛ فطلع الأتابكى أزبك، وأزبك اليوسفى، وتمر حاجب الحجاب، وكاتب السرّ، وشرف الدين الأنصارى، وآخرون من الأمراء، على أنهم يتلطّفوا بالسلطان ويمشوا بينه وبين مماليكه بالصلح، فامتنع السلطان من ذلك وصمّم على عدم الصلح مع المماليك، ثم خرج إلى الحوش، وجلس على الدكة، وطلب من كان رأس الفتنة فى هذه الحركة، وهو شخص من المماليك يعرف بالأقطش، فأمر بتوسيطه، فجرّده من أثوابه فى الحال، فشفع فيه الأمراء، فما أجاب إلا بعد جهد كبير، ثم ضرب ذلك المملوك فوق الألف (١) عصاة، وسجنه فى
стр. 2013
البرج، وهذا كله جرى والأمير يشبك غائبا فى الجيزة، لم يحضر إلا بعد أيام حتى سكنت هذه الفتنة.
وفيه حضر الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق بطلب من السلطان، وهذه ثانى مرّة حضرها إلى القاهرة، فلما حضر أكرمه السلطان وأخلع عليه، ونزل فى دار الأتابكى أزبك عند أخته، ثم أمره بالصعود إلى القلعة لضرب الكرة مع الأمراء وعومل معاملة السلاطين فى إرخائه البند الأصفر، وتغييره الفرس فى مكان يغيّر فيه السلطان فرسه، حتى عدّ ذلك من النوادر التى ما وقعت قط؛ وأقام الملك المنصور بالقاهرة نحو شهرين، ثم عاد إلى دمياط، وكان فى غاية العز والعظمة، ووقع له أمور ما وقعت لأحد من أبناء الملوك قبله؛ وكان حضوره الأول بسبب الحج، وهذه المرّة بسبب زيارة السلطان.
وفيه جاءت الأخبار بوفاة البدرى حسن بن المزلق، ناظر جيش دمشق، وكان ريسا حشما، وولى عدة وظائف سنية. - وفيه توفى الأمير سودون الأفرم المحمدى الظاهرى، وكان أحد مقدمين (١) الألوف، ولكن مات وهو طرخان، وكان بيده أمرة عشرة يأكلها حتى مات. - وفيه توفى الشيخ الصالح المعتقد سيدى محمد الإسطنبولى رحمة الله عليه، وكان يعرف بالأقباعى، وكان من عباد الله الصالحين، وله كرامات ومكاشفات خارقة. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة ملك التكرور، وكان من أجلّ ملوك التكرور قدرا. - وفيه توفى عبد القادر بن جانم نائب الشام، وكان شابا حسنا لا بأس به. - وتوفى فى هذه السنة جماعة كثيرة من الأعيان، لم نذكرهم خوف الإطالة، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثمانمائة
فيها فى المحرم قدم قاصد حسن الطويل، وعلى يده مكاتبة تتضمّن الاعتذار عما كان منه، وأن ذلك لم يكن باختياره، فأكرم السلطان ذلك القاصد، وأظهر العفو
стр. 2014
عما جرى منه؛ وكان أشيع عن حسن الطويل أنه قتل، وأحضر بعض التركمان قميصه وهو ملطخ بالدم، ثم ظهر كذب هذه الإشاعة، وقد ذكر موته غير ما مرة ثم يظهر أنه كذب.
وفى صفر أمر السلطان بقطع خصيان شخص من الأتراك، يقال له شاهين، وهو خازندار الأمير أينال الأشقر، وكان نقل للسلطان عنه بأنه فعل الفاحشة ببعض مماليكه الأحداث، وأنه كثير العشرة لهم، فخصاه السلطان بمصر العتيقة وبرئ (١) من ذلك بعد مدّة، وعاش مدّة طويلة حتى مات؛ وكان فى تلك الأيام ظهر بمصر شخص من اليهود عارفا بالإخصاء، وفعل ذلك بجماعة كثيرة من الناس وبرأوا من ذلك.
وفى ربيع الأول تغيّر خاطر السلطان على الأمير قانصوه الخسيف الأينالى، أحد مقدمين (٢) الألوف، فرسم لنقيب الجيش بأن يتوجّه إلى داره ويخرجه منفيا إلى دمياط، فتوجّه إليه وأخرجه من يومه، وحصل لقانصوه الخسيف منه غاية البهدلة، وأخرجه خروج الشوم، فكثر القال والقيل بسبب ذلك.
وفيه فى ليلة الخميس عاشرة ثارت فتنة عظيمة من المماليك الجلبان، وقصدوا قتل الأمير يشبك وهو فى داره، فلما بلغ ذلك للسلطان بعث للأتابكى أزبك وبقية الأمراء بأن يلبسوا آلة السلاح، وأن يوثبوا على المماليك الجلبان، فاضطربت الأحوال وماجت القاهرة، وغلقت الأسواق، واتسع أمر الفتنة، فأشار بعض الأمراء على السلطان بخمود هذه الفتنة، وخشوا من أمر طائفة الأينالية فإنهم تأثروا لنفى قانصوه الخسيف، فبعث السلطان ألماس أستادار الصحبة، ومعه عدّة وافرة من المماليك الجلبان، إلى دار الأمير يشبك، فقبّلوا يديه واعتذروا له مما وقع منهم، فأكرمهم وأخلع على ألماس كاملية بصمّور، وترضى الجلبان بالكلام، وسكنت الفتنة قليلا.
وفيه أنعم السلطان على وردبش نائب البيرة بتقدمة ألف، وهى تقدمة قانصوه
стр. 2015
الخسيف بحكم نفيه إلى دمياط. - وفيه توفى تنم العجمى من ططخ الظاهرى، أحد العشرات، وكان خشداش الأتابكى أزبك، وكان لا بأس به. - وفيه رسم السلطان بنفى سودون المؤيدى، فنفاه إلى مكة، وكان قد نسب إلى شئ من أمر الفتنة الماضية مع المماليك الجلبان، وقد وشى به بعض المماليك عند السلطان فنفاه. - وفيه، فى ليلة عيد ميكاييل، نزلت النقطة، فأمطرت السماء فى تلك الليلة مطرا غزيرا، حتى عدّ ذلك من النوادر.
وفيه بعث الأمير يشبك الدوادار إلى القاضى علم الدين شاكر بن الجيعان، يسأله فى استبدال قاعات البرابخية التى ببولاق، فدفع لهم الثمن عند ذلك خمسة آلاف دينار؛ وكان قاضى القضاة الحنفى شمس الدين الأمشاطى صمّم على عدم الاستبدالات قاطبة، فضيّق عليه الأمير يشبك حتى استبدل له البرابخية، فقامت عليه الأشلة من الناس بسبب ذلك.
وفيه جاءت الأخبار من القدس بوفاة خاير بك الظاهرى الخشقدمى، الذى يسمونه سلطان ليلة، وكان ريسا حشما، وجرى عليه شدائد ومحن، ونفى فى عدة أماكن من البلاد، وآخر الأمر توفى بالقدس. - وفيه كان وفاء النيل المبارك، وقد توقّف أياما وحصل للناس غاية القلق، حتى بعث الله تعالى بالوفاء، وكان فى العشرين من مسرى؛ فلما أوفى توجّه الأتابكى أزبك وفتح السدّ على العادة، وسرّ الناس بذلك. - وفيه كان المولد النبوى، وكان له يوم مشهود.
وفى ربيع الآخر ظهر بالسماء نجم وله ذنب طويل، فكان يظهر بعد العشاء، فاستمرّ على ذلك مدّة ثم اختفى. - وفيه كانت وفاة العلامة الشيخ زين الدين قاسم ابن قطلوبغا السودونى الحنفى، وكان عالما فاضلا، فقيها محدثا، كثير النوادر، مفتيا من أعيان الحنفية، وكان مولده فى سنة إحدى وثمانمائة، وكان نادرة عصره.
وفيه أخلع السلطان على جانى بك الأشقر، وقرّر فى أمرة الحاج بركب المحمل، وقرّر جانى باى الخشن الأينالى فى أمرة الركب الأول. - وفيه نفى السلطان جماعة
стр. 2016
كثيرة من مماليكه، منهم أينال الخسيف الذى ولى حاجب الحجاب فيما بعد، وغيره من المماليك ممن أثار تلك الفتن الماضية. - وفيه قدم على السلطان قاصد من عند ابن عثمان ملك الروم، وعلى يده مكاتبة تتضمّن الشفاعة فى أينال الحكيم، وكان قد جرت عليه كاينة وفرّ إلى ابن عثمان، فقبل السلطان شفاعته فى أينال الحكيم، وأكرم ذلك القاصد وأخلع عليه، وأقام بمصر مدّة، ثم عاد إلى بلاده.
وفى جمادى الأولى فى ليلة الجمعة كانت وفاة الإمام العالم العلامة محيى الدين الكافيجى، وهو محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومى الحنفى، وكان إماما عالما فاضلا، بارعا فى العلوم، ماهرا فى الفقه والحديث والعلوم العقلية، وقد تعاظم وانتهت إليه رياسة مذهبه بمصر، وصار مفتيها على الإطلاق، وألّف العلوم الجليلة، وكان مهابا معظما عند السلاطين والأمراء، وولى عدّة وظائف، منها مشيخة الخانقاة الشيخونية، ومشيخة تربة الأشرف برسباى وغير ذلك، وشهرته تغنى عن مزيد التعريف به، ومولده سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وكان من أفاضل الحنفية؛ وفيه يقول الشهاب المنصورى، وقد دخل عليه فى خلوته فأضافه بحلاوة قرع، فقال فى الحال ارتجالا:
يا عين أعيان الزمان ويا … محيى بمصر سنّة الشرع
ما قرع الباب عليك امرئ … إلا وذاق حلاوة القرع
ولما مات رثاه بهذه الأبيات، وهو قوله:
بكت على الشيخ محيى الدين كافيجى … عيوننا بدموع من دم المهج
كانت أسارير هذا الدهر من درر … تزهى فبدّل ذاك الدر بالسبج
فكم غنى بسماح من مكارمه … فقرا وقوّم بالإعطاء من عوج
يا نور علم أراه اليوم منطفيا … وكانت الناس تمشى منه فى سرج
فلو رأيت الفتاوى وهى باكية … رأيتها من نجيع الدمع فى لجج
ولو سرت بثناه عند ريح صبا … لاستنشقوا من شذاها أطيب الأرج
стр. 2017
يا وحشة العلم من فيه إذا اعتركت … أبطاله فتوارت فى دجى الزهج
لم يلحقوا شأن علم من خصايصه … أنّى ورتبته فى أرفع الدرج
قد طال ما كان يقرئنا ويقرئنا … فى حالتيه بوجه منه مبتهج
سقيا له وكساه الله نور سنا … من سندس بيد الغفران منتسج
وفيه نزل السلطان من القلعة وتوجّه إلى نحوطرا، فأقام بها إلى آخر النهار وعاد. - وفى عقيب ذلك رسم بنفى اثنين من الأينالية وهذا أول الفتك بهم. - وفيه توفى سودون المنصورى، أحد العشرات، مات قتيلا، سقط من سطح وكان مشغول الرأس فمات لوقته، وكان شابا حسن الشكل كثير الإسراف على نفسه؛ فقصد السلطان أن يصلّى عليه، فلما علم كيفية موته لم يصلّ عليه، نعوذ بالله من ذلك.
وفيه أخلع السلطان على خشقدم الأحمدى الطواشى، وقرّر فى الوزارة، عوضا عن الأمير يشبك الدوادار بحكم استعفائه منها، وقرّر قاسم شغيتة فى نظر الدولة؛ فلما أحضروا لخشقدم الخلعة شرع يلطم بيديه على وجهه ويبكى، وصار يدّعى الفقر والعجز ويكرّر الاستعفاء، والسلطان لم يلتفت إلى كلامه، فلبس الخلعة ونزل إلى داره. - وفيه حضر قاصد من عند ملك الهند، وعلى يده هدية للسلطان، ومن جملتها سبع عظيم الخلقة، وخيمة كبيرة، وغير ذلك، فأكرمه السلطان وأخلع عليه.
وفيه نزل السلطان وتوجّه إلى خليج الزعفران ونصب هناك تلك الخيمة التى أهداها إليه ملك الهند، وكانت غريبة الصفة، فأقام هناك ثلاثة أيام، فصادف دخول الأمير يشبك الجمالى، الذى كان قد توجّه قاصدا إلى ابن عثمان، فعاد من سفره وقابل السلطان فى خليج الزعفران وعليه خلعة ابن عثمان، ومكاتبته تتضمّن التودّد بينهما، فابتهج (١) السلطان بذلك. - وفيه أمر السلطان بإصلاح ما تهدّم من جامع عمرو بن العاص ﵁، فقيل إنه أصرف على ذلك خمسة آلاف دينار.
وفى جمادى الآخرة أخلع السلطان على الشيخ سيف الدين الحنفى، وقرّر فى مشيخة الخانقاة الشيخونية، عوضا عن محيى الدين الكافيجى؛ وأخلع على الشيخ
стр. 2018
تاج الدين بن قاضى القضاة سعد الدين الديرى، وقرّر فى مشيخة الجامع المؤيدى، عوضا عن الشيخ سيف الدين بحكم أنه انتقل إلى مشيخة الشيخونية؛ وكانت مشيخة المؤيدية مع أولاد الديرى بحكم شرط الواقف، فعادت إليهم. - وفيه أعيد السيد الشريف موفق الدين أحمد الحموى، فى نظارة الجيش بدمشق، عوضا عن ولد برهان الدين النابلسى، وكان قد وليها بعد وفاة البدرى بن المزلق. - وفيه وقعت تشحيطة صعبة بالقاهرة، وعزّ وجود الخبز من الدكاكين، وتزاحم الناس على شراء القمح، واستمرّ ذلك مدّة حتى دخل المغل الجديد.
وفى رجب قرّر الشيخ أبو عبد الله القلجانى المغربى، قاضى الجماعة، فى مشيخة تربة السلطان، وقرّر فى خطابتها الشيخ أبو الفضل المحرقى، وقرّر شيخ الميقاتية بها بدر الدين الماردانى، وفى قراءة المصحف بها ناصر الدين الأخميمى، وخازن الكتب بها العلاى على بن خاص بك، وقرّر بها ثلاثين صوفيا يحضرون (١) فى الخمسة أوقات، وبنى للصوفية حول التربة عدّة بيوت يسكنون بها دائما، ثم رتّب لهم الجوامك والخبز والزيت والصابون، وغير ذلك من وجوه البرّ والمعروف، وخطب بها فى هذا الشهر، وحضر الأمراء والقضاة الأربعة وأرباب الدولة قاطبة، وكان يوما حافلا. - وفيه أخلع على القاضى أبى الفتح المنوفى، وقرّر فى نيابة جدّة عوضا عن شاهين الجمالى، وأضيف إليه الصرف أيضا، عوضا عن محمد بن عبد الرحمن.
وفيه غضب السلطان على شاد بك أبازا الأشرفى الأينالى، أحد العشرات، فألبسه زمطا عتيقا وأمر بحمله إلى خان الخليلى ليباع، وقد ثبت أنه باق على ملك الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، بحكم أنه ورثه من قانى باى الجركسى، فأمر السلطان بأن يباع ويحمل ثمنه إلى الملك المنصور، فشفع فيه الأتابكى أزبك، فما قبل منه وآل الأمر إلى أن حمل شاد بك أبازا، وآخر من الأينالية يقال له خاير بك، وآخر يقال له سيباى، فحملوا إلى الملك المنصور وهو بدمياط، فأشهد على نفسه بعتقهم، ثم نفى شاد بك إلى دمشق، ونفى خاير بك إلى طرابلس، وشفع
стр. 2019
فى سيباى بأن يقيم بمصر بطالا؛ وقد بلغ السلطان عنهم ما قد غيّر خاطره عليهم، قيل إنهم قصدوا الوثوب على السلطان لما وثبوا المماليك على الأمير يشبك الدوادار، فانكشف رخّ جماعة الأينالية فى هذه الحركة، وصار السلطان ينفى منهم جماعة بعد جماعة ممن كان رأس الفتنة فى هذه الحركة.
وفيه طلع إلى السلطان شخص من الفقهاء، يقال له شهاب الدين القلقيلى، ورفع قصّة يشكوا فيها الشيخ عبد البرّ بن الشحّنة بأنه سلّط عليه غلمانه وعبيده ضربوه ضربا مبرحا، وذكر فى أثناء القصّة بأن عبد البرّ جاهل ما يحسن قراءة الفاتحة، وأن الصلاة خلفه لا تصحّ؛ فمال السلطان مع القلقيلى على عبد البرّ، وهذا بخطيئة ابن الفارض فإنه كان من رأس المتعصّبين عليه، فرسم السلطان بإحضار عبد البرّ وجماعة من مشايخ القراء، وقرأ عبد البرّ بحضرتهم والسلطان جالس والقلقيلى حاضر، فلما قرأ أثنوا عليه مشايخ القراء وشكروا من قراءته، فاستمال السلطان على القلقيلى، وكان قد حلف برأس السلطان أن عبد البرّ ما يحسن قراءة الفاتحة، فلما ظهر للسلطان كذب القلقيلى أمر بضربه، فضرب بين يديه ضربا مبرحا، وأمر بحمله إلى عند القاضى المالكى ليفعل به ما يوجب الشرع، وانتصر عبد البرّ عليه.
وفيه جاءت الأخبار بوفاة الناصرى محمد بن مبارك التركمانى الحلبى، نائب طرابلس، وكان ريسا حشما، وولى عدة وظائف سنية، منها نيابة البيرة، ونيابة حماة، ونيابة طرابلس. - وتوفى نائب قلعة دمشق يشبك الظاهرى السيفى على باى، وكان لا بأس به. - وفيه نزل السلطان للرماية، فلما عاد شقّ من القاهرة، وكان له يوم مشهود. - وفيه وقع بين الأمير يشبك الدوادار وبين خشقدم الوزير، حتى صرّح الأمير يشبك بعزل نفسه من الدوادارية، وأغلق بابه ولم يجتمع بأحد من الناس، حتى ركب إليه أمير كبير أزبك وجماعة من الأمراء، وتلطّفوا به حتى طلع معهم إلى القلعة، فأخلع عليه السلطان كاملية بصمّور، وأصلح بينه وبين خشقدم الوزير، وباس خشقدم يد الأمير يشبك، وخمدت تلك الفتنة التى بينهما. -
стр. 2020
وفيه جاءت الأخبار بوفاة يلباى العلاى الظاهرى، نائب صفد، وكان لا بأس به، وولى نيابة الإسكندرية، ثم نيابة صفد ومات وهو فى عشر الستين.
وفى شعبان توفى بكتمر البواب الأبوبكرى الأشرفى، وكان لا بأس به. - وفيه نزل السلطان إلى الأصطبل وحكم به، وصار كاتب السرّ يجلس بين يديه على دكة لأجل قراءة القصص؛ فجاء شخص وشكى يشبك الدوادار وهو واقف بين يدى السلطان، فأمره أن ينزل ويقف بإزاء خصمه حتى ادّعى عليه؛ وحضر آخر وشكى جانى بك الفقيه ففعل به كذلك. - وفيه توفيت خوند بدرية ابنة الأشرف أينال، وكانت لا بأس بها، وتركت عدّة أولاد ذكور وإناث. - وفيه وصل قاضى القدس وهو فى الحديد، ومعه جماعة من أعيان أهل القدس وهم فى الحديد، بسبب هدم كنيسة هناك، وقد ثار بسبب ذلك شرّ كبير بين العلماء، وكتبت عدّة فتاوى بسبب تلك الكنيسة، وصار يفتى بعضهم بالهدم، وبعضهم بالإبقاء.
وفيه هجم طائفة من العربان المفسدين على جماعة من الناس فى أثناء طريق المنية، واستمرّوا يعرّون (١) الناس من المنية إلى قنطرة الحاجب، وكان ذلك بعد العصر، وكان أوان الربيع، فسلبوا أثواب المتفرّجين، وطلعوا من على قناطر الأوزّ، وخرجوا إلى الفضاء، وكانوا نحوا من عشرين خيّالا؛ فكان من جملة ممن سلبوه من أثوابه، شخص من الأمراء العشرات يقال له كسباى المغربى، وكان راجعا من طريق المنية، فأخذوا سلاريه من عليه. - وفيه توفى قانى بك الأزدمرى الحاجب الثانى، وكان قد شاخ وبلغ من العمر نحو تسعين سنة. - وفيه عرض السلطان من فى السجون، فأطلق منهم أربعة أنفار لا غير، وأعاد البقية إلى السجون.
وفى رمضان صعد القضاة ومشايخ العلم للتهنئة بالشهر، فأمر السلطان بعقد مجلس بين يديه، بسبب كنيسة اليهود التى هدمت بالقدس، فأفتى الشيخ أمين الآقصراى بجواز هدمها، وكذلك شمس الدين الجوجرى، وزين الدين الأبناسى، وأفتى الشيخ سراج الدين العبّادى، وقاضى الجماعة القلجانى المغربى المالكى، وآخرون من العلماء،
стр. 2021
بعدم جواز الهدم وأنها تعاد على ما كانت عليه، فوقع فى المجلس القال والقيل بين العلماء، وكثر الخباط، وانفضّ المجلس على غير طائل؛ فأمر السلطان بعقد مجلس آخر فى دار يشبك الدوادار، وكان السلطان مائلا إلى عدم هدم الكنيسة وإعادتها إلى ما كانت عليه، وقد مال جماعة من العلماء مع غرض السلطان، وحكم بإعادتها على ما كانت عليه، ووقع بين قاضى القضاة المالكى اللقّانى وقاضى الجماعة ما لا خير فيه، وكذلك الشيخ سراج الدين العبادى والجوجرى، ومما هجى به السراج العبادى لبعضهم:
أيا سراج اليهود طرا … ومن لدين العزيز أفتى
عصبة أهل الكتاب قالوا … لن ترض عنك اليهود حتى
وقيل فى قاضى الجماعة من جملة أبيات فى ذلك المعنى:
تفتى بعود كنيس يا مغربى … ما أنت إلاّ … (١)
انتهى ذلك. - وفيه توفى الأمير أينال الأشقر اليحياوى الظاهرى، أمير سلاح، وكان أميرا جليلا، شجاعا بطلا، وكان ظالما غاشما عسوفا، كثير الإسراف على نفسه، وكان عنده كرم زائد مع اتضاع، وأصله من مماليك الظاهر جقمق، وولى عدّة وظائف سنية، منها ولاية القاهرة، ونيابة ملطية، ونيابة حلب، ورأس نوبة النوب، وأمرة السلاح، وغير ذلك من الوظائف، وكان فى أواخر عمره ظهر عليه جذام وبرص فاحش جدا. - وفيه قرّر يشبك قرقاش الأشرفى فى نيابة دمياط.
وفيه توجّه السلطان إلى نحو الطرانة، وكان معه الأتابكى أزبك، فأقام هناك أياما وعاد. - وفيه قرّر مغلباى سرق الأشرفى فى حجوبية الحجاب بحلب، عوضا عن دولات باى النجمى، بحكم انتقاله إلى حجوبية الحجاب بدمشق. - وفيه فرّ من سجن الديلم شخص من عربان بنى حرام، يقال له عمر بن معروف، وفرّ من سجن القاعة أيضا شخص يقال له محمد بن زامل، وفرّ من سجن المقشرة أيضا شخص يقال له ابن صالح، الكل فرّوا فى مدّة يسيرة من هذا الشهر.
стр. 2022
وفى شوال فى ثالثه خرج الأتابكى أزبك مسافرا إلى الحجاز، وصحبته زوجته خوند ابنة الظاهر جقمق، وخرج صحبته أيضا الأمير أزبك اليوسفى، ومعه زوجته خوند ابنة عمّ الملك الظاهر جقمق، وخرج صحبتهم الشيخ أمين الدين الآقصراى، وولده أبو السعود، فحجّ الشيخ فى محفّة، وقد بعث إليه السلطان بسبعمائة دينار يستعين بها على الحجّ؛ وخرج صحبتهم الكثير من الناس، وقد سبقوا الحاج بعشرين يوما. - وفيه أخلع السلطان على قرابته أزدمر، وقرّر فى نيابة صفد، عوضا عن يلباى العلاى الظاهرى بحكم وفاته. - وفيه خرج الحاج على العادة، ولما حجّ الشيخ أمين الدين فى المحفّة قال فيه بعض شعراء العصر هذا المعنى:
محفّة الشيخ الآقصراى … تنشر جدواه فى المشاهد
تقول طوبى لمثل هذا … قد حجّ بالناس وهو قاعد
وكان أمير ركب المحمل فى هذه السنة جانى بك الأشقر، أحد خواص السلطان، وبالركب الأول جانى باى الخشن الأينالى، تاجر المماليك؛ وفى هذه السنة حجّت خوند فاطمة زوجة السلطان، وهى ابنة العلاى على بن خاص بك، فكان يوم خروجها إلى السفر يوما مشهودا، وكان لها الموكب حافل، فخرجت فى محفّة زركش، برصافيات لؤلؤ مرصّعة بفصوص بلخش وفيروز، وخرج صحبتها أخت السلطان فى محفّة زركش أيضا، وخرج معها خمسون حملا من المحاير المخمل الملون، ومشت قدّام محفّتها بالرملة جميع أرباب الدولة، وهم: كاتب السرّ، وناظر الجيش، وناظر الخاص، وغير ذلك من المباشرين، ومشى الزمام، ومقدّم المماليك، وأعيان الخدّام بأيديهم العصى، وقدّامها من الحداة أربعة، منهم: إبراهيم بن الجندى المغنى، وأبو الفوز الواعظ، وغير ذلك، فكان لها تجمّل زائد قلّ أن يقع لأحد من الخوندات مثلها، فعدّ ذلك من النوادر، وكان المتسفر عليها والدها العلاى على بن الخاص بك، وبرسباى المحمودى الخازندار.
ومن الحوادث أن قبل خروج خوند إلى السفر، رسم السلطان بشنق جارية بيضاء جركسية، فشنقت على جميزة بالقرب من حدرة ابن قميحة، عند الأحواض التى
стр. 2023
بطريق مصر العتيقة، وكانت هذه الجارية حملت فى طريق الحجاز من بعض مماليك السلطان الجلبان، فلما وضعت قتلت الولد من خوفها، فلما علم السلطان بذلك شنق الجارية وأغرق المملوك، وقيل بل أخصاه ونفاه إلى الشام. - وفيه اضطربت أحوال الشرقية بسبب فساد العربان من بنى حرام وبنى وائل، فعيّن السلطان إليهم الأمير يشبك الدوادار، فخرج مبادرا.
وفى ذى القعدة هجم عرب عزالة على ضواحى الجيزة، ونهبوا خيول المماليك، وقتلوا جماعة من الغلمان، وأطلقوا من كان بالسجن فى الجيزة؛ فتنكّد السلطان لهذا الخبر وعيّن عدّة من الأمراء والجند، فخرجوا على حمية، فأقاموا هناك أياما وعادوا ولم يظفروا بأحد من العربان المفسدين. - وفيه توفى بيبرس الطويل الأشقر من ططخ، أحد المقدمين بدمشق، وكان لا بأس به.
وفى ذى الحجة جاءت الأخبار من الإسكندرية بوفاة السلطان الملك الظاهر أبو سعيد تمربغا الظاهرى الرومى، مات بثغر الإسكندرية، وقد جاوز الستين سنة من العمر، وكان ملكا جليلا شجاعا بطلا، عارفا بأنواع الفروسية، وافر العقل كامل الهيئة، وإليه تنتسب أشياء كثيرة من آلة الحرب، ورمى النشاب، ولعب الرمح؛ وكان من خيار الظاهرية، اشتراه الملك الظاهر جقمق فى سنة سبع وعشرين وثمانمائة وأعتقه، ثم آل أمره إلى أن بقى سلطانا، وجرى عليه شدائد ومحن، ونفى عدّة مرار، وجرى عليه من المماليك الخشقدمية ما لا خير فى إعادته، وخلع من السلطنة بعد ثمانية وخمسين يوما، فكانت كأحلام النائم، وآخر الأمر مات قهرا، فكان كما قيل فى المعنى:
هى الدنيا إذا كملت … وتمّ سرورها خذلت
وتفعل بالذين بقوا … كما فيمن مضى فعلت
وفيه أمر السلطان بتوسيط كاشف البحيرة، وهو شخص يسمى خشقدم الزينى، فوسّطه هو وشخص من الكتّاب يقال له ابن الطواب، وقد تجمّد عليهما جملة من المال لم يقوما به. - وفيه ضرب السلطان فلوسا جددا، ثم نودى عليها كل رطل
стр. 2024
بستّ وثلاثين، ونودى على الفلوس العتق كل رطل بأربعة وعشرين، فخسر الناس فى هذه الحركة الثلث من أموالها، وكانت الفلوس الجدد تخرج معاددة كل أربعة أفلاس بدرهم.
وفيه قدم مبشّر الحاج وأخبر بالأمن والسلامة، وكان المبشّر يومئذ شخصا من الخاصكية، يقال له جان بلاط الغورى، فأخبر بوفاة أبى السعود محمد بن الشيخ أمين الدين الآقصراى، مات وهو عائد من مكة، ودفن فى أثناء الطريق، وكان شابا حشما ريسا، من أهل العلم والفضل؛ وتوفى كاتب سرّ طرابلس السيد الشريف تقى الدين أبو بكر بن أحمد، وكان لا بأس به، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة ثمانين وثمانمائة
فيها فى المحرم أخلع السلطان على الشيخ بدر الدين بن الغرس الحنفى، وقرّر فى مشيخة تربة الأشرف برسباى، عوضا عن الكافيجى بحكم وفاته. - وفيه رسم السلطان بتوسيط عمر بن أبى الشوارب، شيخ قليوب، وقد ضرب بالمقارع بين يدى السلطان، وشهر على جمل، ووسّط بقليوب. - وفيه فى سابع عشره كان وصول الأتابكى أزبك من مكة، وقد حجّ وعاد؛ وحضر صحبته الشيخ أمين الدين الآقصراى وهو فى غاية التشويش على فقد ولده أبى السعود، وقد حصل له ما يشبه الذهول، فلم يلبث بعد دخوله القاهرة سوى تسعة أيام ومات، فلما طلع إلى السلطان أخلع عليه وعلى الأتابكى أزبك، ونزلا إلى دورهما.
وفيه فى رابع عشرينه دخل الحاج إلى القاهرة، وقد تأخّر عن ميعاده أربعة أيام، وحصل على الحجاج عطشة شديدة عند العود، وكان الحاج فى تلك السنة كثيرا؛ ثم دخلت خوند زوجة السلطان إلى بركة الحاج وهى فى تجمّل زائد، ولاقاها الأمراء قاطبة حتى قضاة القضاة، وترجّلوا إليها من على بغالهم وهى فى المحفّة، ولا قاها المغانى بالطارات من البويب، ومدّت لها هناك أسمطة حافلة؛ فلما طلعت إلى القلعة رفعت على رأسها القبة والطير، ونثرت عليها خفائف الذهب والفضة، وكان لها
стр. 2025
بالقلعة يوم مشهود، ودخل إليها التقادم الحافلة من أرباب الدولة وأعيان الناس، انتهى ذلك.
وفيه فى سابع عشرينه كانت وفاة شيخ الإسلام أمين الدين يحيى بن محمد الآقصراى الحنفى، رحمة الله عليه، وكان قد ناف عن الثمانين سنة من العمر، وكان مولده سنة سبع وتسعين وسبعمائة، وكان إماما عالما فاضلا مفتيا، به النفع للمسلمين، من أجلّ علماء الحنفية، بارعا فى الفقه، دينا خيرا، قائما فى الحق، يخاشن الملوك والسلاطين، ويغلظ عليهم فى القول، ولا يخشى إلا الله، وكان فى سعة من المال، وولى عدة وظائف سنية، منها مشيخة المدرسة الأشرفية، ومشيخة المدرسة الصرغتمشية، والأيتمشية، والجانبكية، وكان بيده عدّة تداريس وطلب ليلى القضاء غير ما مرة وهو يمتنع من ذلك.
وفى صفر أخلع السلطان على قريبه جانم الشريفى، وقرّر فى نظر الجوالى، وهذا أول استظهاره فى الوظائف. - وفيه توفى الأمير قانى باى الساقى الطويل الظاهرى، أحد الأمراء الطبلخانات والحاجب الثانى، وكان ريسا حشما لا بأس به. - وفيه نزل السلطان إلى طرا، ومعه الأتابكى أزبك، فبات هناك، ومدّ له بها الأتابكى أزبك أسمطة حافلة، فبات وعاد من غده. - وفيه توفى الشيخ نجم الدين إسحاق القرمى الحنفى، وكان من أعيان علماء الحنفية، ومولده قبل التسعين والسبعمائة، وكان لا بأس به.
وفيه توفى الأمير تمر حاجب الحجاب وهو تمر من محمود شاه الظاهرى، وكان ظالما غاشما عسوفا شديد القسوة، تولّى ولاية القاهرة وحجوبية الحجاب، وكان فى أيام ولايته صارما على العبيد والغلمان وغير ذلك، وقتل منهم جماعة كثيرة، حتى قيل أحصى من قتله فى أيام ولايته فكانوا زيادة على السبعمائة إنسان على ما قيل، فلما مات قال جماعة من أهل الصحراء إنهم سمعوه يعوى فى قبره كما تعوى الكلاب، نعوذ بالله من ذلك. - وفيه طلع القلعة شخص من الأمراء العشرات، يقال له دولات باى حلاوة المحمودى، فبينما هو واقف بين الأمراء فأغمى عليه، فحملوه إلى
стр. 2026
تحت الكرمة التى بالحوش، فمات لوقته، فأحضر له تابوت وأنزلوه إلى داره، ودفن من يومه، وكان دينا خيرا لا بأس به.
وفى ربيع الأول عمل السلطان المولد النبوى وكان حافلا، وحضر القضاة الأربعة، وأعيان الناس من الأمراء وغيرهم. - وفيه أخلع على القاضى تاج الدين ابن المقسى وأعيد إلى نظر الخاص، وقد نسى العلقة المقارع التى دخلت فى أجنابه، وانفصل عنها بدر الدين ابن كاتب السرّ ابن مزهر. - وفيه أخلع على الأمير أزدمر الإبراهيمى الطويل، وقرّر فى حجوبية الحجاب، عوضا عن تمر بحكم وفاته. - وفيه قرّر فى الحجوبية الثانية سيباى الظاهرى، الذى كان أمير آخور ثالث، وقرّر الأمير أزدمر المسرطن فى الخازندارية الكبرى، عوضا عن أزبك اليوسفى بحكم انتقاله إلى تقدمة ألف. - وفيه توفى الأمير يشبك جبس من آقبردى الأشرفى أحد العشرات، وكان دينا خيرا لا بأس به.
وفى ربيع الآخر أخلع السلطان على الشيخ برهان الدين بن الكركى الإمام، وقرّر فى مشيخة المدرسة الأشرفية، عوضا عن الشيخ أمين الدين الآقصراى بحكم وفاته. - وفى هذا الشهر أشيع بين الناس أن السلطان يقصد السفر والخروج بنفسه إلى البلاد الشامية، فنزل إلى الميدان الكبير الذى بالناصرية، وعرض هناك خيول الدشار، ثم توجّه إلى بولاق ونزل فى بيت شرف الدين الأنصارى الذى ببولاق، فأضافه الأنصارى هناك ضيافة حافلة، وكان الأنصارى أنشأ غرابا تحت داره، فنزل السلطان فيه وتوجّه إلى شبرا، ثم عاد قريب المغرب وطلع إلى القلعة. - وفيه فى ثانى عشر مسرى كان وفاء النيل المبارك، ونزل الأتابكى أزبك وفتح السدّ على العادة، وكان له يوم مشهود.
وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن محمد أغرلوا بن حسن الطويل قد وقع بينه وبين أبيه، وقد بعث يستنجد بنائب حلب على أبيه، فجهّز نائب حلب معه جماعة من عساكر حلب، وعليهم أينال الحكيم أتابك حلب، وجامم السيفى جانى بك نائب جدّة، وكان يومئذ نائب البيرة، وعيّن دولات باى المحوجب وآخرين من أمراء
стр. 2027
حلب، فلما خرجوا إلى عسكر حسن الطويل تقاتلوا معهم، فانكسر عسكر حلب، وجرح محمد أغرلوا جرحا بالغا، ورجع إلى حلب فى خمسة أنفار، وأن ينال الحكيم فقد فى المعركة، وأن دولات باى المحوجب أسر، وقتل من عسكر حلب جماعة كثيرة؛ فلما بلغ السلطان هذا الخبر تشوّش له وعيّن جماعة من الأمراء، منهم: الأتابكى أزبك، ويشبك الدوادار وتمراز رأس نوبة النوب، وأزدمر الطويل حاجب الحجاب، وبرسباى قرا، وخاير بك من حديد، ووردبش، وعيّن من الأمراء الطبلخانات والعشرات عدة وافرة، وأمرهم بأن يجهّزوا يرقهم ويكونوا على يقظة حتى يرد عليه من أمر حسن الطويل ما يكون، فاضطرب أحوال العسكر؛ فبينما هم على ذلك إذ ورد كتاب من عند ابن الصّوا، يخبر فيه بأن عسكر حسن عاد إلى بلاده ولم يحصل منهم ضرر، فانشرح السلطان لهذا الخبر، وبطل أمر التجريدة التى تعيّنت إلى حسن الطويل، فكان كما قيل فى المعنى:
وكم همّ تساء به صباحا … فتأتيك المسرّة بالعشىّ
وفيه توفى الشيخ عضد الدين السيرامى، شيخ المدرسة البرقوقية، وهو عبد الرحمن بن يحيى بن سيف بن محمد بن عيسى الحنفى السيرامى، وكان عالما فاضلا ريسا حشما، من أعيان علماء الحنفية، بارعا فى الفقه مفتيا، وكان لا بأس به؛ فلما توفى أخلع السلطان على قاضى القضاة شمس الدين الأمشاطى، وقرّر فى مشيخة البرقوقية، عوضا عن السيرامى. - وفيه أخلع على أزبك فستق الظاهرى، وقرّر فى أمرة الآخورية الثالثة، عوضا عن سيباى، بحكم انتقاله إلى الحجوبية الثانية. - وفيه أخلع السلطان على ولد برهان الدين النابلسى، وأعيد إلى نظارة الجيش بدمشق، وصرف عنها الشريف موفق الدين الحموى. - وفيه توفى جمال الدين الباعونى قاضى القضاة الشافعى بدمشق، وكان عالما فاضلا ريسا حشما، وكان ترشّح أمره ليلى قضاء مصر ولم يتمّ ذلك، وكان مولده سنة خمس وثمانمائة.
وفى جمادى الأولى أخلع السلطان على قجماس الإسحاقى، وقرّر فى أمرة آخورية الكبرى، عوضا عن جانى بك الفقية الظاهرى، بحكم انتقاله إلى أمرة
стр. 2028
السلاح، عوضا عن أينال الأشقر، بحكم وفاته؛ وأخلع على قانى قشير الظاهرى أحد العشرات، وقرّر فى نيابة ثغر الإسكندرية، عوضا عن قجماس الإسحاقى، بحكم انتقاله إلى أمرة آخورية الكبرى. - وفيه أخلع على برد بك السيفى جرباش كرت، وقد ظهر أنه قريب السلطان، فقرّره فى نيابة صفد، عوضا عن أزدمر من مزيد قريب السلطان أيضا، ونقل أزدمر المذكور إلى نيابة طرابلس، عوضا عن يشبك البجاسى، بحكم القبض عليه وسجنه؛ ولما أخلع السلطان على قريبه برد بك وقرّره فى نيابة صفد، كان يومئذ شاد الطرانة، فاستكثروا عليه الناس نيابة صفد دفعة واحدة.
وفيه توجّه إلى دمشق برهان الدين النابلسى وكيل بيت المال، وقد خرج فى بعض أشغال السلطان. - وفيه وصل القاضى شمس الدين بن أجا قاضى العسكر، وكان قد توجّه رسولا إلى حسن الطويل، فأخبر أن الطاعون قد هجم فى بلاده، ومات من عسكره ما لا يحصى، وقد تلاشى أمره فسرّ السلطان لهذا الخبر. - وفيه قدمت إلى القاهرة زوجة حسن الطويل، أم ولده محمد أغرلوا، تستجير لولدها محمد بالسلطان بأن يشفع له عند أبيه ويصلح بينهما، فلما قدمت أكرمها السلطان وأنزلها بدور الحرم.
وفيه نقبت قاعة الذهب وسرق منها عدة سبائك ذهب، وشريط ذهب، فلما بلغ السلطان ذلك ضيّق على والى القاهرة حتى يفحص عن من فعل ذلك؛ ثم بعد أيام ظهر أن شخصا يقال له يوسف، وكان من جملة صنّاع القاعة، أنه هو الفاعل لذلك، فقبض عليه وعرض على السلطان، وأخذ ما كان معه من السبائك الذهب، وسجن بالمقشرة إلى ما تقتضى الآراء الشريفة فى أمره.
وفى جمادى الآخرة جاءت الأخبار من دمشق، بأن برهان الدين النابلسى وكيل السلطان لما دخل إلى دمشق صدرت منه القبايح العظيمة بأهل دمشق، فما طاقوا ذلك وثاروا عليه ورجموه، ورموا عليه بالسهام، وأحرقوا داره بالنار، وأرادوا قتله، فركب نائب قلعة دمشق بنفسه وتلطّف بالعوام حتى سكنت هذه الفتنة قليلا،
стр. 2029
وقد كادت أن تخرب دمشق فى هذه الحركة بسبب ظلم النابلسى، وكان قد طغى على الناس وتجبّر، وكان هذا أكبر أسباب الفساد فى حقّه، حتى آل أمره إلى ما سنذكره فى موضعه.
وفيه نزل السلطان من القلعة وتوجّه إلى نحو طرا، فأضافه هناك ابن البلاّح، فكان فيما أحضره بين يديه قدورا مختومة بها شهد، ففتحت منهم قدرة بين يدى السلطان وهو جالس على السماط، فلما فتحت خرج منها نحلة كبيرة، فقصدت وجه السلطان دون الجماعة الذين (١) على السماط، فلدغته فى جفن عينه، فورم وجهه فى الحال وتشوّش لذلك، ورجع من وقته وطلع إلى القلعة، فانقطع عن إقامة الخدمة أياما حتى شفى من ذلك. - وفيه جاءت الأخبار من بلاد الشرق بوقوع فتنة بين شاه بضاغ ابن ذلغادر صاحب الأبلستين، وبين ابن قرمان، ووقع بينهما مقتلة عظيمة؛ ووقع أيضا بين حسن الطويل وبين أخيه أويس، وبعث إليه طائفة من عسكره بالرها، فحاربوا أويس فقتلوه أشرّ قتلة، ومن كان معه من عسكره.
وفى أثناء هذا الشهر توجّه السلطان إلى ثغر دمياط، وقد توجّه إلى دمياط مرة أخرى قبل ذلك، وهذه السفرة الثانية، وقد توجّه إلى دمياط من البحر فى عدة مراكب كثيرة، نحو من مائة مركب، وكان معه من الأمراء يشبك الدوادار، وآخرون من الأمراء المقدمين والعشرات، وجماعة من المباشرين والخاصكية والمماليك السلطانية؛ ومما وقع له وهو حادر فى البحر أنه رأى عدّة كراكى على جزيرة فى البحر، فقام بنفسه ورمى عليهم بسهم نشاب، فصرع منهم كركى فتحامل بسهمه وألقى نفسه فى البحر، فبادر إليه بعض السلحدارية ونزل فى البحر ليحضر الكركى فقوى عليه التيّار فغرق من وقته، فتنكّد السلطان بسبب ذلك؛ فلما طلع إلى ثغر دمياط لاقاه النائب ومدّ له مدّة حافلة، فأقام بها أياما وهو فى أرغد عيش، وتنزّه فى غيطان البلد، وتوجّه إلى مكان يصاد به السمك البورى، ونزل فى مركب صغير وعاين كيف يصاد البورى، وانشرح فى هذه السفرة إلى الغاية؛ فلما أراد العود إلى
стр. 2030
القاهرة عاد فى البحر أيضا، فكانت مدة غيبته فى هذه السفرة نحوا من خمسة عشر يوما، فطلع إلى القلعة فى سلخ الشهر.
ومن الحوادث أن السلطان لما عاد من دمياط ونزل فى المراكب قاصدا للديار المصرية، فلما أن وصلوا إلى بولاق جاء صاروخ نفط فى مركب الأمير يشبك الدوادار، فعملت النار فى قلع المركب فاحترق، فاضطرب الأمير يشبك من ذلك، وصار يلاقى عن وجهه النار بالمخدّة، فأدركه طواشى يقال له مرجان الحسنى، فبينما هو يطفئ النار إذ سقط عليه الصارى فمات لوقته، هو وشخص من المماليك السلطانية، انتهى.
وفى رجب صعد قضاة القضاة إلى القلعة للتهنئة بالشهر وقدوم السلطان من السفر، فأخلع فى ذلك اليوم على أبى البقاء ابن قاضى القضاة ابن الشحنة، وقرّر فى قضاء الشافعية بحلب، عوضا عن عز الدين الحسناوى (١)، بحكم صرفه عنها. - وفى أثناء هذا الشهر خرج السلطان على حين غفلة وقصد التوجّه إلى بيت المقدس، وكان معه الأتابكى أزبك، ويشبك الدوادار، وآخرون من الأمراء والخاصكية، وجماعة من أعيان المباشرين وغيرهم، فلما دخل القدس أظهر به العدل، وأقام به ثلاثة أيام، ثم زار الخليل ﵇، وتصدّق فى القدس والخليل بستة آلاف دينار، وأزال ما كان بهما من مظالم كانت حادثة هناك؛ ولما مرّ بالقرين أمر ببناء جامع وسبيل هناك، وحصل له جملة تقادم حافلة من أعيان الناس هناك؛ ولما دخل إلى غزّة أخلع على سيباى المنصورى الظاهرى أحد العشرات، وقرّر فى نيابة غزّة، عوضا عن يشبك العلاى، بحكم انتقاله إلى حجوبية الحجاب بدمشق، عوضا عن جانم الجدّاوى، بحكم انتقاله إلى أتابكية دمشق؛ ثم إن القاضى تاج الدين ابن المقسى ناظر الخاص قدم من عند السلطان، وأخبر أنه قد وصل إلى قطيا، فخرج جماعة من الأمراء إلى لقائه.
وفى شعبان فى عشرينه وصل السلطان ودخل القاهرة فى موكب حافل،
стр. 2031
وقدّامه الأمراء بالشاش والقماش، وخرج طائفة اليهود والنصارى بأيديهم الشموع الموقدة، وشقّ من القاهرة، وكان له يوم مشهود، حتى طلع إلى القلعة. - وفيه كان ختان بدر الدين بن القاضى كمال الدين ناظر الجيش، وكان له مهمّ حافل. - وفيه توفى القاضى محيى الدين الطوخى، أحد نواب الشافعية، وهو عبد القادر بن محمد بن محمد القاهرى الشافعى، وكان عالما فاضلا وجها عند الناس، ناب فى القضاء مدّة طويلة وحمدت سيرته، وكان لا بأس به. - وفيه توفى السيد الشريف أمير جان تاجر المماليك، وكان ريسا حشما فى سعة من المال، وكان وجها عند الملوك والسلاطين، وجلب غالب أمراء عصرنا، وصاروا يعرفون بالشريفى إلى الآن.
وفيه حضر مهنا بن عطية إلى بين يدى السلطان، وقد بعث إليه بمنديل الأمان، وكان رأس العربان المفسدين، وقد أعيى أمره الكشاف ومشايخ العربان ولم يقدروا على تحصيله، فترامى مهنا بن عطية على أحمد بن طفيش، حتى قابل به السلطان، وأخلع عليه خلعة الرضى، ودخل تحت طاعة السلطان. - وفى أواخره توفى جانى بك الأشقر الدوادار، أحد خواص السلطان، وكان ريسا حشما عارفا سيوسا، توجّه إلى الحجاز أمير حاج غير ما مرّة، وكان مقرّبا عند السلطان، وكان أصله من مماليك قانى باى فرفور، واتصل بخدمة جماعة من الأمراء، ثم خدم الأشرف قايتباى من حين كان أمير طبلخاناه إلى أن بقى سلطانا، وأنعم عليه السلطان بأمرة عشرة، وكان فى سعة من المال. - وفيه توفى شاهين الفقيه الزينى، وكان من أعيان الخاصكية محمود السيرة، دينا خيرا لا بأس به.
وفى رمضان أخلع السلطان على الأمين لاجين الظاهرى أمير مجلس، وقرّر أمير ركب المحمل، عوضا عن جانى بك الأشقر المتوفى، وكان قرر أمير ركب المحمل قبل موته. - وفيه وصل دولات باى المحوجب، وكان قد أسر عند حسن الطويل، فأطلقه وأخلع عليه. - وفيه توفى سيباى أمير آخور ثالث، وكان ولى حاجب ثانى، وأصله من مماليك الظاهر جقمق، وكان يعرف بسيباى من يخشباى، وكان لا بأس به.
стр. 2032
وفيه جاءت الأخبار من ثغر الإسكندرية بأن بعض تجار الفرنج احتال على تجار الإسكندرية حتى أسرهم، وكان فيهم تجار السلطان: ابن عليبة، وابن يعقوب، وعلى الكيزانى، وعلى النمراوى، فلما أسروهم خرجوا بهم من إسكندرية فى الوقت والساعة وتوجّهوا بهم إلى بلاد الفرنج، فاضطربت أحوال الإسكندرية وكادت أن تخرب؛ فلما كاتبوا السلطان بذلك تأثّر لهذا الخبر وعيّن فى الحال خاصكيا من خواصه يقال له قيت الساقى، الذى تولّى ولاية القاهرة فيما بعد، وكتب معه مراسيم شريفة لنائب ثغر الإسكندرية بالقبض على جميع تجار الفرنج الذين (١) بالإسكندرية جميعهم، فلما توجّه قيت الساقى إلى هناك قبض على تجار الفرنج الذين (١) بسائر السواحل، وضيّق عليهم وأودعهم فى الحديد، وألزمهم بأن يكاتبوا ملوك الفرنج بما جرى عليهم من السلطان بسبب التجار؛ وقد قام السلطان فى هذه الحادثة قياما تاما، وجرى بسبب ذلك أمور يطول شرحها، وآخر الأمر اشتروا التجار الذين (١) أسروا أنفسهم من ملوك الفرنج بمال له صورة، حتى أطلقوهم وأتوا بهم إلى الإسكندرية، كما سيأتى الكلام على ذلك.
وفيه أخلع على قنبك جشحة العلاى الظاهرى الرماح، وقرّر فى الحجوبية الثانية، عوضا عن سيباى الظاهرى، بحكم وفاته؛ وأخلع على دولات باى الحسنى، وقرّر فى شادية الشون، عوضا عن قنبك جشحة. - وفيه توفى الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل الكركى الحنفى، والد برهان الدين إمام السلطان، وكان دينا خيرا من صوفية الخانقاة الشيخونية، وكان لا بأس به. - وفيه توفى مقبل الدوادار، وكان أصله من مماليك تغرى بردى الموذى، وكان متكلما على شعير الذخيرة. - وفيه قرّر فى مشيخة الحرم الشريف النبوى أينال الإسحاقى، وكانت عادة مشيخة الحرم النبوى للخدّام الطواشية من قديم الزمان؛ وقرّر فى باشية الجند بمكة قانى باى اليوسفى.
وفى شوال أخلع السلطان على أبى الفتح المنوفى، وقرّر فى نيابة جدّة على عادته. -
стр. 2033
وفيه أخلع السلطان على شخص من النصارى اليعاقبة، يقال له ميخائيل، من نصارى منفلوط، وقرّر فى بطرقة النصارى. - وفيه خرج الحاج وكان أمير ركب المحمل لاجين الظاهرى أمير مجلس، وبالأول جانى باى الخشن الأينالى؛ وخرج صحبة الحاج القاضى شرف الدين الأنصارى، وكان الأمير يشبك الدوادار محطّا عليه فخرج إلى مكة، وكان آخر عهده بالقاهرة، وقد تسلّط عليه برهان الدين النابلسى وأخذ منه وكالة بيت المال، فضاق الأمر عليه فترك مصر ومضى عنها، كما قد قيل فى المعنى:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها … ولكن أخلاق الرجال تضيق
وفى ذى القعدة أشيع بين الناس أن قد سرق من خزانة السلطان مال له صورة، فظهر بعد أيام أن الفاعل لذلك جماعة من بوابين (١) الدهيشة الألواحية، فقبض السلطان على بعضهم وضربه، فأحضر المال، فرسم بسجنه فى المقشرة، فسجن. - وفيه سافر السلطان إلى الفيوم، وهى السفرة الثانية، وكان معه الأتابكى أزبك ويشبك الدوادار، وجماعة من الأمراء المقدّمين والعشرات؛ وكان سبب توجّهه إلى الفيوم أن خاير بك من حديد أنشأ هناك ضيعة، وجعل بها طاحونا تدور بالماء، وأنشأ بها بستانا حافلا، فتوجّه السلطان ليرى ذلك. - وفيه خسف جرم القمر خسوفا تاما حتى أظلم الجوّ، وأقام الخسوف نحوا من أربعين درجة.
وفى ذى الحجة كان عيد النحر يوم الجمعة، وخطب فيه خطبتان. - وفيه قدم قطب الدين الخيضرى (٢) من دمشق، وقد أتى يشكو من برهان الدين النابلسى، وقد تزايد ظلمه وجوره في حق الناس جدا. - وفيه كان ختان أولاد الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، وكان الختان بثغر دمياط، فبعث السلطان إليه بألفى دينار بسبب احتياج المهمّ، وتوجّه إليه ابن رحاب المغنى ومشى فى الزفة، وكان له مهمّ حافل.
وفيه وصل مبشّر الحاج وأخبر بالأمن والسلامة، وأخبر بوفاة القاضى المالكى
стр. 2034
محيى الدين عبد القادر بن أبى القاسم بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد المعطى الأنصارى السعدى المالكى، قاضى مكة، وكان عالما فاضلا فقيها نحويا، ولى قضاء مكة مدّة طويلة، وكان محمود السيرة. - وفيه توفى تنم الفقيه الأبو بكرى المؤيدى، أحد الأمراء العشرات، وكان صهر الشيخ أمين الدين الآقصراى، وكان لا بأس به. - وتوفى أينال الإبراهيمى الحكيم الأشرفى، أتابك حلب، وكان لا بأس به. - وتوفى جقمق المؤيدى أحد العشرات، وكان دينا خيرا، إنسانا حسنا لا بأس به.
ومن الحوادث اللطيفة أن فى أثناء هذه السنة، أعنى سنة ثمانين وثمانمائة، فيها كان ابتداء منشأ الأزبكية على يدى المقر الأتابكى أزبك من ططخ الظاهرى، الذى نسبت الأزبكية إليه، أقول: وكانت هذه البقعة أرض ساحة خراب، ذات كيمان فى أرض سباخ، وبها أشجار أثل وسنط، وبها مزار سيدى عنتر وسيدى وزير، وغيرهما من الأولياء ﵃، وكان فى هذه الأرض جامع خراب يسمى جامع الجاكى وهو باق إلى الآن، وكانت هذه الأرض قديما عامرة بها المناظر والبساتين، وتسمى مناظر اللوق، وكانت قريبة من بحر النيل، ثم إن بعض الملوك حفر بها خليجا وأجرى إليه الماء من فم الخور، وصار هذا الخليج يعرف بخليج الذكر، وبقى من جمله مفترجات القاهرة، وبنى على هذا الخليج قنطرة وفوقها تكة للمتفرجين يجلسون عليها للفرجة، وفيها يقول إبراهيم المعمار:
يا طالب التكة نلت المنا … وفزت منها ببلوغ الوطر
قنطرة من فوقها تكة … وتحتها تلقى خليج الذكر
واستمرّت هذه البقعة على ما ذكرناه إلى سنة خمس وخمسين وستمائة، فلما تلاشى أمرها وضعف جريان الماء فى خليج الذكر، وحفر الملك الناصر محمد بن قلاون خليجه المسمى بالخليج الناصرى، وذلك فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة، فطمّ خليج الذكر وخربت مناظر اللوق التى كانت هناك، وصارت هذه البقعة خربة مقطع طريق، واستمرّت على ذلك مدة طويلة لم يلتفت إليها أحد من الناس؛
стр. 2035
ثم إن شخصا من الناس عمد إلى سراب حمّام كانت هناك، وفتح له بجمون من الخليج الناصرى، فجرى فيه الماء فى أيام زيادة النيل، فلا زال يجريه حتى أوصله بأرض الأزبكية، فصار يدخل إليها الماء فى آخر الزيادة ويروى بها بعض أراضيها وتزرع البرسيم والشعير.
واستمرّت على ذلك مدة إلى سنة ثمانين وثمانمائة، فى دولة الملك الأشرف قايتباى، فحسن ببال الأتابكى أزبك أن يعمّر هناك مناخا لجماله، وكان ساكنا بالقرب من هذه البقعة، فلما أن عمّر المناخ حلاله هناك العمارة، فبنى القاعات الجليلة، ثم الدوّار والمقعد والمبيتات والحواصل وغير ذلك، ثم إنه أحضر أبقار ومحاريث وجرف الكيمان التى كانت هناك ومهّدها، ثم حفر بها هذه البركة الموجودة الآن، وأجرى إليها الماء من الخليج الناصرى، ووجدّد عمارة قنطرة خليج الذكر التى كانت قديمة، ثم بنى على هذه البركة رصيفا محتاطا بها، وتعب فى ذلك تعبا عظيما حتى تمّ له ما أراد من ذلك، فكان فى قوة الحرّ يدور خلف المحاريث فى الكيمان وغيرها، وأصرف على ذلك ما لا له صورة ما يزيد على مائتى ألف دينار، وكان ذلك فى غير طاعة الله تعالى ولا به نفع للمسلمين.
ثم شرعت الناس تبنى على هذه البركة القصور الفاخرة والأماكن الجليلة، ولا زالت تتزايد فى العمارة إلى سنة إحدى وتسعمائة، وقد رغب الكثير من الناس فى سكنى الأزبكية، وصارت مدينة على انفرادها، ثم أنشأ بها الجامع الكبير وجعل به خطبة، وأنشأ به المئذنة العظيمة، وجاء غاية فى الحسن والتزخرف والبناء، وفيه يقول الشيخ شمس الدين القادرى:
بنى جامعا لله يلتمس الرضى … به ونجاة من أليم عقابه
وفكّر فى الحشر الذى عقباته … طوال يهول المرء قطع عقابه
فاكرم به من جامع من ثوى به … فلم يخل منشيه إذا من ثوابه
فيا فوز عبد مؤمن قد جنى به … ثمار أجور من رياض جنابه
عظيم أجور لا ينوب منابه … سواه لأجر نال كل المنا به