← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وقدّامه الأمراء بالشاش والقماش، وخرج طائفة اليهود والنصارى بأيديهم الشموع الموقدة، وشقّ من القاهرة، وكان له يوم مشهود، حتى طلع إلى القلعة. - وفيه كان ختان بدر الدين بن القاضى كمال الدين ناظر الجيش، وكان له مهمّ حافل. - وفيه توفى القاضى محيى الدين الطوخى، أحد نواب الشافعية، وهو عبد القادر بن محمد بن محمد القاهرى الشافعى، وكان عالما فاضلا وجها عند الناس، ناب فى القضاء مدّة طويلة وحمدت سيرته، وكان لا بأس به. - وفيه توفى السيد الشريف أمير جان تاجر المماليك، وكان ريسا حشما فى سعة من المال، وكان وجها عند الملوك والسلاطين، وجلب غالب أمراء عصرنا، وصاروا يعرفون بالشريفى إلى الآن. وفيه حضر مهنا بن عطية إلى بين يدى السلطان، وقد بعث إليه بمنديل الأمان، وكان رأس العربان المفسدين، وقد أعيى أمره الكشاف ومشايخ العربان ولم يقدروا على تحصيله، فترامى مهنا بن عطية على أحمد بن طفيش، حتى قابل به السلطان، وأخلع عليه خلعة الرضى، ودخل تحت طاعة السلطان. - وفى أواخره توفى جانى بك الأشقر الدوادار، أحد خواص السلطان، وكان ريسا حشما عارفا سيوسا، توجّه إلى الحجاز أمير حاج غير ما مرّة، وكان مقرّبا عند السلطان، وكان أصله من مماليك قانى باى فرفور، واتصل بخدمة جماعة من الأمراء، ثم خدم الأشرف قايتباى من حين كان أمير طبلخاناه إلى أن بقى سلطانا، وأنعم عليه السلطان بأمرة عشرة، وكان فى سعة من المال. - وفيه توفى شاهين الفقيه الزينى، وكان من أعيان الخاصكية محمود السيرة، دينا خيرا لا بأس به. وفى رمضان أخلع السلطان على الأمين لاجين الظاهرى أمير مجلس، وقرّر أمير ركب المحمل، عوضا عن جانى بك الأشقر المتوفى، وكان قرر أمير ركب المحمل قبل موته. - وفيه وصل دولات باى المحوجب، وكان قد أسر عند حسن الطويل، فأطلقه وأخلع عليه. - وفيه توفى سيباى أمير آخور ثالث، وكان ولى حاجب ثانى، وأصله من مماليك الظاهر جقمق، وكان يعرف بسيباى من يخشباى، وكان لا بأس به.

стр. 2032

وفيه جاءت الأخبار من ثغر الإسكندرية بأن بعض تجار الفرنج احتال على تجار الإسكندرية حتى أسرهم، وكان فيهم تجار السلطان: ابن عليبة، وابن يعقوب، وعلى الكيزانى، وعلى النمراوى، فلما أسروهم خرجوا بهم من إسكندرية فى الوقت والساعة وتوجّهوا بهم إلى بلاد الفرنج، فاضطربت أحوال الإسكندرية وكادت أن تخرب؛ فلما كاتبوا السلطان بذلك تأثّر لهذا الخبر وعيّن فى الحال خاصكيا من خواصه يقال له قيت الساقى، الذى تولّى ولاية القاهرة فيما بعد، وكتب معه مراسيم شريفة لنائب ثغر الإسكندرية بالقبض على جميع تجار الفرنج الذين (١) بالإسكندرية جميعهم، فلما توجّه قيت الساقى إلى هناك قبض على تجار الفرنج الذين (١) بسائر السواحل، وضيّق عليهم وأودعهم فى الحديد، وألزمهم بأن يكاتبوا ملوك الفرنج بما جرى عليهم من السلطان بسبب التجار؛ وقد قام السلطان فى هذه الحادثة قياما تاما، وجرى بسبب ذلك أمور يطول شرحها، وآخر الأمر اشتروا التجار الذين (١) أسروا أنفسهم من ملوك الفرنج بمال له صورة، حتى أطلقوهم وأتوا بهم إلى الإسكندرية، كما سيأتى الكلام على ذلك. وفيه أخلع على قنبك جشحة العلاى الظاهرى الرماح، وقرّر فى الحجوبية الثانية، عوضا عن سيباى الظاهرى، بحكم وفاته؛ وأخلع على دولات باى الحسنى، وقرّر فى شادية الشون، عوضا عن قنبك جشحة. - وفيه توفى الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل الكركى الحنفى، والد برهان الدين إمام السلطان، وكان دينا خيرا من صوفية الخانقاة الشيخونية، وكان لا بأس به. - وفيه توفى مقبل الدوادار، وكان أصله من مماليك تغرى بردى الموذى، وكان متكلما على شعير الذخيرة. - وفيه قرّر فى مشيخة الحرم الشريف النبوى أينال الإسحاقى، وكانت عادة مشيخة الحرم النبوى للخدّام الطواشية من قديم الزمان؛ وقرّر فى باشية الجند بمكة قانى باى اليوسفى. وفى شوال أخلع السلطان على أبى الفتح المنوفى، وقرّر فى نيابة جدّة على عادته. -

стр. 2033

وفيه أخلع السلطان على شخص من النصارى اليعاقبة، يقال له ميخائيل، من نصارى منفلوط، وقرّر فى بطرقة النصارى. - وفيه خرج الحاج وكان أمير ركب المحمل لاجين الظاهرى أمير مجلس، وبالأول جانى باى الخشن الأينالى؛ وخرج صحبة الحاج القاضى شرف الدين الأنصارى، وكان الأمير يشبك الدوادار محطّا عليه فخرج إلى مكة، وكان آخر عهده بالقاهرة، وقد تسلّط عليه برهان الدين النابلسى وأخذ منه وكالة بيت المال، فضاق الأمر عليه فترك مصر ومضى عنها، كما قد قيل فى المعنى: لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها … ولكن أخلاق الرجال تضيق وفى ذى القعدة أشيع بين الناس أن قد سرق من خزانة السلطان مال له صورة، فظهر بعد أيام أن الفاعل لذلك جماعة من بوابين (١) الدهيشة الألواحية، فقبض السلطان على بعضهم وضربه، فأحضر المال، فرسم بسجنه فى المقشرة، فسجن. - وفيه سافر السلطان إلى الفيوم، وهى السفرة الثانية، وكان معه الأتابكى أزبك ويشبك الدوادار، وجماعة من الأمراء المقدّمين والعشرات؛ وكان سبب توجّهه إلى الفيوم أن خاير بك من حديد أنشأ هناك ضيعة، وجعل بها طاحونا تدور بالماء، وأنشأ بها بستانا حافلا، فتوجّه السلطان ليرى ذلك. - وفيه خسف جرم القمر خسوفا تاما حتى أظلم الجوّ، وأقام الخسوف نحوا من أربعين درجة. وفى ذى الحجة كان عيد النحر يوم الجمعة، وخطب فيه خطبتان. - وفيه قدم قطب الدين الخيضرى (٢) من دمشق، وقد أتى يشكو من برهان الدين النابلسى، وقد تزايد ظلمه وجوره في حق الناس جدا. - وفيه كان ختان أولاد الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، وكان الختان بثغر دمياط، فبعث السلطان إليه بألفى دينار بسبب احتياج المهمّ، وتوجّه إليه ابن رحاب المغنى ومشى فى الزفة، وكان له مهمّ حافل. وفيه وصل مبشّر الحاج وأخبر بالأمن والسلامة، وأخبر بوفاة القاضى المالكى

стр. 2034

محيى الدين عبد القادر بن أبى القاسم بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد المعطى الأنصارى السعدى المالكى، قاضى مكة، وكان عالما فاضلا فقيها نحويا، ولى قضاء مكة مدّة طويلة، وكان محمود السيرة. - وفيه توفى تنم الفقيه الأبو بكرى المؤيدى، أحد الأمراء العشرات، وكان صهر الشيخ أمين الدين الآقصراى، وكان لا بأس به. - وتوفى أينال الإبراهيمى الحكيم الأشرفى، أتابك حلب، وكان لا بأس به. - وتوفى جقمق المؤيدى أحد العشرات، وكان دينا خيرا، إنسانا حسنا لا بأس به. ومن الحوادث اللطيفة أن فى أثناء هذه السنة، أعنى سنة ثمانين وثمانمائة، فيها كان ابتداء منشأ الأزبكية على يدى المقر الأتابكى أزبك من ططخ الظاهرى، الذى نسبت الأزبكية إليه، أقول: وكانت هذه البقعة أرض ساحة خراب، ذات كيمان فى أرض سباخ، وبها أشجار أثل وسنط، وبها مزار سيدى عنتر وسيدى وزير، وغيرهما من الأولياء ﵃، وكان فى هذه الأرض جامع خراب يسمى جامع الجاكى وهو باق إلى الآن، وكانت هذه الأرض قديما عامرة بها المناظر والبساتين، وتسمى مناظر اللوق، وكانت قريبة من بحر النيل، ثم إن بعض الملوك حفر بها خليجا وأجرى إليه الماء من فم الخور، وصار هذا الخليج يعرف بخليج الذكر، وبقى من جمله مفترجات القاهرة، وبنى على هذا الخليج قنطرة وفوقها تكة للمتفرجين يجلسون عليها للفرجة، وفيها يقول إبراهيم المعمار: يا طالب التكة نلت المنا … وفزت منها ببلوغ الوطر قنطرة من فوقها تكة … وتحتها تلقى خليج الذكر واستمرّت هذه البقعة على ما ذكرناه إلى سنة خمس وخمسين وستمائة، فلما تلاشى أمرها وضعف جريان الماء فى خليج الذكر، وحفر الملك الناصر محمد بن قلاون خليجه المسمى بالخليج الناصرى، وذلك فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة، فطمّ خليج الذكر وخربت مناظر اللوق التى كانت هناك، وصارت هذه البقعة خربة مقطع طريق، واستمرّت على ذلك مدة طويلة لم يلتفت إليها أحد من الناس؛

стр. 2035

ثم إن شخصا من الناس عمد إلى سراب حمّام كانت هناك، وفتح له بجمون من الخليج الناصرى، فجرى فيه الماء فى أيام زيادة النيل، فلا زال يجريه حتى أوصله بأرض الأزبكية، فصار يدخل إليها الماء فى آخر الزيادة ويروى بها بعض أراضيها وتزرع البرسيم والشعير. واستمرّت على ذلك مدة إلى سنة ثمانين وثمانمائة، فى دولة الملك الأشرف قايتباى، فحسن ببال الأتابكى أزبك أن يعمّر هناك مناخا لجماله، وكان ساكنا بالقرب من هذه البقعة، فلما أن عمّر المناخ حلاله هناك العمارة، فبنى القاعات الجليلة، ثم الدوّار والمقعد والمبيتات والحواصل وغير ذلك، ثم إنه أحضر أبقار ومحاريث وجرف الكيمان التى كانت هناك ومهّدها، ثم حفر بها هذه البركة الموجودة الآن، وأجرى إليها الماء من الخليج الناصرى، ووجدّد عمارة قنطرة خليج الذكر التى كانت قديمة، ثم بنى على هذه البركة رصيفا محتاطا بها، وتعب فى ذلك تعبا عظيما حتى تمّ له ما أراد من ذلك، فكان فى قوة الحرّ يدور خلف المحاريث فى الكيمان وغيرها، وأصرف على ذلك ما لا له صورة ما يزيد على مائتى ألف دينار، وكان ذلك فى غير طاعة الله تعالى ولا به نفع للمسلمين. ثم شرعت الناس تبنى على هذه البركة القصور الفاخرة والأماكن الجليلة، ولا زالت تتزايد فى العمارة إلى سنة إحدى وتسعمائة، وقد رغب الكثير من الناس فى سكنى الأزبكية، وصارت مدينة على انفرادها، ثم أنشأ بها الجامع الكبير وجعل به خطبة، وأنشأ به المئذنة العظيمة، وجاء غاية فى الحسن والتزخرف والبناء، وفيه يقول الشيخ شمس الدين القادرى: بنى جامعا لله يلتمس الرضى … به ونجاة من أليم عقابه وفكّر فى الحشر الذى عقباته … طوال يهول المرء قطع عقابه فاكرم به من جامع من ثوى به … فلم يخل منشيه إذا من ثوابه فيا فوز عبد مؤمن قد جنى به … ثمار أجور من رياض جنابه عظيم أجور لا ينوب منابه … سواه لأجر نال كل المنا به

стр. 2036

ثم أنشأ حول هذا الجامع الربوع والحمامات والقياصر والطواحين والأفران وغير ذلك من المنافع، وسكن فى تلك القصور وتمتّع بها مدة طويلة، حتى مات وبقى له تذكار بالأزبكية، وفيه يقول شمس الدين القادرى: لأزبك مولانا المقرّ عمارة … بها السعد يسمو للنجوم الشوابك بمملكة الإسلام لم أر مثلها … ولا الناس طرا فى جميع الممالك بها جامع للحسن أصبح جامعا … تقرّ به العينان من كل ناسك به شرّفت تلك العمارة واغتدت … مكرّمة عند الملا والملايك إذا قال قوم من أتى بك للعلا … تقول لهم سعد الأمير الأتابكى وكان يوم فتح سدّ هذه البركة تجتمع عنده الأمراء المقدّمون بالقصر، وتأتى الناس أفواجا للفرجة، ويكون لها يوم مشهود، وكان يصنع بها فى كل سنة وقدة حفلة، وتحرق بها حراقة نفط، وتدخل إليها المراكب قاطبة، ويكون لها ليلة حافلة لم يسمع بمثلها، وتنفق بها فى تلك الليلة أموال جمّة بسبب الفرجة بها، وتضرب حول البركة عدّة خيام، ويقع بها من القصف والفرجة أشياء غريبة، وتكون ليلة حافلة؛ وقد ألّف فى هذه الأزبكية شيخنا الشيخ شمس الدين القادرى مقامة لطيفة، كلها غرر، تشتمل على نثر ونظم، وقد أوردتها بالتمام والكمال فى كتابى «نزهة الأمم فى العجائب والحكم» انتهى ذلك؛ ولما كملت عمارة الأزبكية ودخل الماء إلى بركتها أنعم السلطان قايتباى على الأتابكى أزبك بأرضها، وكتب له بذلك مربّعة شريفة، وكانت أرض الأزبكية وقفا على خزائن السلاح. [وفى هذه السنة توفى الشيخ نور الدين على بن برد بك الحنفى، وكان عالما فاضلا بارعا فى نظمه، وله نظم جيد، فمن ذلك قوله: نعمان خدّ حبيبى … قد جاءه الخال يسعى فورّث الخال حسنا … وقال بالإرث شرعا] (١)

стр. 2037

ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثمانمائة فيها فى المحرم خرج الأتابكى أزبك، ومعه عدّة من الأمراء والجند، إلى قتال عربان لبيذ، وكان قد تزايد شرّهم، فلما توجّه إليهم تقاتل معهم وقبض على جماعة منهم، وقاسى العسكر مشقّة زائدة، وطردوا خلفهم إلى الأودية المعطشة، حتى بلغ الكراز الماء إلى أكثر من دينار. - وفيه تغيّر ماء النيل عند نزول النقطة فى لونه وطعمه، حتى نفر منه طبع الناس جدا، وصاروا يشربون من الآبار والصهاريج. - وفيه توفى الناصرى محمد بن أبى الفرج نقيب الجيش، وهو محمد بن عبد الرزّاق ابن أبى الفرج، وكان أصله من الأرمن، وكان ريسا حشما، وولى عدة وظائف سنية، منها: الأستادارية الكبرى، ونقابة الجيش، وغير ذلك. وفيه جاءت الأخبار من الإسكندرية بأن الفرنج قد أطلقوا من كان عندهم من التجار الذين (١) كانوا أسروهم، وقد اشتروا أنفسهم بمال له صورة حتى أطلقوهم، وقد جرى عليهم أمور يطول شرحها حتى خلصوا من بلاد الفرنج، واستمرّ ابن عليبة من يومئذ مريضا إلى أن مات بعد مدّة. - وفيه رسم السلطان بشنق حذيفة بن نصير الدين، وكان رأس المفسدين، وشنق معه ثلاثة أنفار من أصحابه. وفى صفر أخلع السلطان على قطب الدين الخيضرى وأعاده إلى قضاء الشافعية وكتابة السرّ بدمشق على عادته، وغرم جملة مال فى هذه الحركة. - وفيه خرج الأمير يشبك إلى جهة الوجه القبلى، بسبب محاربة يونس وأخيه أحمد أولاد ابن عمر. - وفيه توفى ممحق الفقيه الخاصكى، وكان دينا خيرا، وله اشتغال بالعلم. وفى ربيع الأول عمل السلطان المولد النبوى، وكان حافلا. - وفيه توفى الشيخ تقى الدين الحصنى الشافعى، وهو أبو بكر بن محمد بن شادى، وكان عالما فاضلا بارعا فى الفقه والعربية وغير ذلك من العلوم، وكان دينا خيرا لا بأس به، وولى عدة تداريس، منها تدريس المدرسة الصلاحية التى بجوار قبّة الإمام الشافعى ﵁؛

стр. 2038

فلما مات قرّر بها الشيخ زين الدين زكريا الأنصارى عوضا عن الحصنى. - وفيه توفى قاضى القضاة صلاح الدين أحمد المعروف بالمكينى، وهو أحمد بن محمد بن بركوت الحبشى التاجر الكارمى، وكان عالما فاضلا ريسا حشما، ربيب قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى، وولى عدة وظائف سنية، منها حسبة القاهرة، ثم ولى قضاء الشافعية، وغرم بسببه ما لا له صورة، ولم يمكث فى القضاء سوى مدّة يسيرة وعزل عنها. وفيه حضر نجاب من مكة وأخبر بوفاة القاضى شرف الدين الأنصارى، وهو موسى بن على بن سليمان التتاى الشافعى، وكان ريسا حشما غير خال من فضيلة، عارفا بأحوال المملكة، سيوسا حسن الرأى، وولى عدة وظائف سنية، منها نظر الجيش، ونظر الخاص، ووكالة بيت المال، وغير ذلك من الوظائف السنية، حتى عدّ مدبّر المملكة، وكان مولده بعد العشرين من قرن الثمانمائة. - وفيه أرسل نائب الشام، جانى بك قلقسيز، هدية حافلة للسلطان، من جملتها من الذهب النقد عشرة آلاف دينار، وعدّة حمالين ما بين صمّور ووشق وسنجاب وصوف وغير ذلك. وفى ربيع الآخر وقع حريق عظيم بباب السلسلة، واحترق من خيول السلطان الخاص ستة أرؤس، وقد أعيى المماليك عن طفيه، وهدم من سور باب السلسلة جانب عظيم. - وفيه فى ثالث مسرى كان وفاء النيل المبارك، وتوجّه الأتابكى أزبك وفتح السدّ على العادة، وكان يوما مشهودا. - وفيه توفى نائب الإسكندرية قانم قشير الظاهرى، وكان لا بأس به. وفى جمادى الأولى عاد الأمير يشبك الدوادار من بلاد الصعيد، ولم يظفر بأولاد ابن عمر. - وفيه قرّر فى أمرة الحاج بركب المحمل تانى بك الجمالى الظاهرى، أحد مقدمين (١) الألوف، وقرّر آقبردى الأشرفى أمير الركب الأول. - وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة قانصوه اليحياوى نائب حلب، وكان قد أشيع عنه أنه خرج عن الطاعة، فلما حضر أخلع عليه السلطان باستمراره، وبطل تلك الإشاعة عنه، وكان القائم فى أمر مساعدته الأتابكى أزبك أمير كبير.

стр. 2039

وفى جمادى الآخرة نزل السلطان من القلعة وتوجّه إلى خليج الزعفران لضيافة الزينى أبى بكر بن عبد الباسط، فأضافه ضيافة حافلة، ثم ركب من خليج الزعفران وتوجّه إلى الخانكه فصلّى بها صلاة الجمعة، وأضافه هناك الأمير يشبك الدوادار ضيافة حافلة. وفى رجب وقع بالقاهرة زلزلة فى الليل، وكانت مهولة، وقع منها بعض أماكن، ولو أنها دامت درجة أخرى حصل منها غاية الضرر للناس. - وفيه تعطّلت أسباب الناس لأجل الفلوس العتق، وكثر الضرر منها على البائع، وصار النصف الفضة يصرف بثمانية عشر من الفلوس العتق، وصارت البضائع بسعرين، سعر الفضة شئ، وسعر الفلوس شئ، فحصل بسبب ذلك للناس غاية المشقّة. - وفيه وقع بين الأمير يشبك الدوادار وبين خاير بك من حديد تشاجر بالقلعة، فحنق منه الأمير يشبك ولكمه بيده، فأرمى تخفيفته عن رأسه، فدخلت بينهما الأمراء وخلّصوا بينهما، واستمرّت القلوب معمّرة بالعداوة، حتى كان من أمر خاير بك من حديد ما سنذكره فى موضعه. وفى شعبان نزل السلطان إلى الرماية وعاد فى موكب حافل، لكنه لم يشقّ من القاهرة وطلع من بين الترب، وقد تكرّر نزوله إلى الرماية فى هذا الشهر ثلاث مرار، وهو يطلع من بين الترب ولا يشقّ من المدينة، وسبب ذلك لأجل الفلوس الجدد حتى لا تشكوا له الناس من ذلك. وفى رمضان نودى على الفلوس بستة وثلاثين الرطل بالميزان، وأبطل عددها، ونودى على الفضة المضروبة بأن لا يتعامل بها إلا بالميزان، وكذلك الذهب، وكانت الفضة قد خفّت جدا فصارت تخرج بالميزان، وكذلك الذهب، وبطل أمر المعاددة. - وفيه أشيع بين الناس بأن السلطان يتزايا بزىّ المغاربة وينزل إلى جامع الأزهر ويصلّى به، وكان يسأل فى بعض الطرقات من الناس عن سيرة نفسه، ووقع له مع الناس فى هذا الأمر أشياء غريبة يطول الشرح فى ذكرها، وبعض الناس كان يحطّ عليه فى أفعاله وهو يسمع ذلك بأذنه ممن يسأله. - وفيه توفى جانى بك المشد،

стр. 2040

وكان موته فجأة بعد أن صلّى التراويح، وكان قد شاخ وكبر سنّه، وأصله من مماليك الأشرف برسباى، وولى شادية الشراب خاناه فى دولة الأشرف أينال، ثم بقى مقدم ألف، ونفى إلى القدس فى دولة الظاهر خشقدم، ثم حضر إلى القاهرة فى دولة الأشرف قايتباى، ومات وهو طرخان. وفيه كان ختم البخارى بالقلعة على العادة، وفرّقت الخلع والصرر على الفقهاء. - وفيه فشى أمر الطاعون بالقاهرة، وهذا الطاعون الثانى الذى وقع فى دولة الأشرف قايتباى، ومات به فى هذا الشهر القاضى عبد الكريم بن جلود، وهو عبد الكريم ابن أبى الفضل محمد بن إسحق القبطى، وكان ريسا حشما، وولى كتابة المماليك بعد أبيه، وكان فى حداثة سنّه لم يلتح، وباشرها أحسن مباشرة، وكان له حرمة وافرة، وكان مولده قبل السبعين والثمانمائة. - وفيه توفى قانصوه رفرف الإبراهيمى، وكان من أعيان الخاصكية مقرّبا عند السلطان، شابا مليح الشكل حسن الهيئة، كثير الأدب والحشمة، عارفا بالفروسية، وكان لا بأس به. وفى شوال تزايد أمر الطاعون بالقاهرة، وفتك فى المماليك والأطفال والعبيد والجوار والغرباء فتكا ذريعا، وكان طاعونا مهابا يموت منه الإنسان فى يومه، وفيه يقول الشهاب المنصورى: لهفى على مصر وولدانها … أضحوا إلى الموت يساقونا ما نشر الفصل سهام الردى … عليهم إلاّ طواعينا وفى هذا الشهر حضر دولات باى النجمى الأشرفى، حاجب الحجاب بدمشق، وكان السلطان قد تغير خاطره عليه، فلما حضر أخلع عليه وأظهر له الرضى. - وفيه وصل السيد الشريف على بن بركات أخو أمير مكة، وكان حضر قبل ذلك إلى القاهرة، فمشى السلطان بينه وبين أخيه بالصلح وتوجّه إلى مكة، فأقام بها مدّة يسيرة ووقع بينه وبين أخيه ثانيا، فعاد إلى القاهرة هو وولده، فأكرمه السلطان ورتّب له ما يكفيه، وأقام بمصر حتى مات. - وفيه أخلع السلطان على قراجا السيفى جانى بك نائب جدّة، وقرّره فى نيابة جدّة، عوضا عن أبى الفتح المنوفى بحكم

стр. 2041

انفصاله عنها. - وفيه خرج الحاج من القاهرة على عادته، وكان يوما مشهودا. وفى ذى القعدة تناهى أمر زيادة الطاعون، ومات فيه من الأعيان جماعة كثيرة، منهم الشيخ المسلك العارف بالله الولى الصالح محمد بن أحمد بن محمد التونسى الشاذلى الوفاى، المعروف بأبى المواهب، رحمة الله عليه، وكان أصله مغربيا يعرف بابن زغدان، وكان عالما صوفيا محقّقا، أخذ عن أبى السيادات بن أبى الوفاء، وألّف عدة أحزاب جليلة، وكان قد جاوز الستين سنة من العمر، ودفن بتربة الشاذلية التى بالقرافة؛ وتوفيت أخت السلطان خوند جان تين الجركسية، وكانت لا بأس بها؛ ومات جكم المصارع الأشرفى الخاصكى، وكان لا بأس به؛ ومات طوغان شيخ المحمدى الأشرفى، وكان فى عشر الثمانين، وله اشتغال بالعلم؛ ومات الشيخ عبد الكريم السيواسى الحنفى، وكان من أهل العلم والفضل؛ ومات عيسى بك أخو شاه سوار وكان مقيما بالقاهرة؛ ومات كسباى من ولى الدين الظاهرى الخشقدمى، الذى كان دوادار ثانى فى دولة الظاهر تمربغا؛ ومات تمرباى كاشف الشرقية، وكان من مماليك السلطان، وكان أمير عشرة، فلما مات قرّر عوضه فى الكشوفية على باى، الذى ولى نيابة الإسكندرية فيما بعد؛ ومات كرتباى كاشف البحيرة، وكان أصله من مماليك جانى بك نائب جدّة، ثم ظهر أنه قرابة السلطان. وفى هذا الشهر توفى العلامة الإمام العالم العامل الشيخ سيف الدين الحنفى، وهو محمد بن محمد بن عمر بن قطلوبغا التركى القاهرى، وكان عالما فاضلا وارعا زاهدا، خيرا دينا صالحا، ماهرا فى الفقه والحديث، وولى مشيخة الجامع المؤيدى، ومشيخة الخانقاة الشيخونية وغير ذلك من التداريس، وكان متقشفا زاهدا عن أبناء الدنيا، ومولده سنة ثلاث وثمانمائة، وكان من خيار الحنفية، ولما مات رثاه شيخنا الجلال الأسيوطى بهذه الأبيات: مات سيف الدين منفردا … وغدا فى اللحد منغمدا عالم الدنيا وصالحها … لم تزل أحواله رشدا ناصر دين النبىّ إذا … ما أتاه ملحد كمدا

стр. 2042

فى الذى قد كان من ورع … لم يخلّف بعده أحدا لم يكن فى دينه وضن … لا ولا للكبر منه ردا عمره أفناه فى نصب … لآله العرش مجتهدا من صلاة أو مطالعة … أو كتاب الله مقتصدا ليت شعرى من نؤمّله … بعد هذا الحبر ملتحدا ثلمة فى الدين موتته … ما لها من جابر أبدا قد روينا ذاك فى خبر … وهو موصول لنا سندا فعليه هامعات رضى … ومن الغفران سحب ندا وبعننا ضمن زمرته … مع أهيل الصدق والشهدا وفى ذى الحجة فحش الطاعون جدا، ومات من مماليك السلطان نحو من ألفين (١) مملوك وزيادة، خارجا عن المماليك السيفية والقرانصة، ومات من الطواشية نحو من خمسة وعشرين طواشيا، حتى قيل إن السلطان حمل بطيخة صيفى بنفسه حتى دخل بها إلى دور الحرم لقلّة الطواشية. - وفيه توفى يلباى الأعور أحد العشرات، وهو من مماليك السلطان؛ ومات قان بردى المحمدى الأشرفى أحد العشرات رءوس النوب؛ ومات أمير عربان هوّارة سليمان بن عيسى، وكان فى السجن. وفيه نزل السلطان وتوجّه إلى الجامع الأزهر، وكان معه كاتب السرّ وبعض أمراء، فلما دخل الجامع طلب قضاة القضاة وصعد وإياهم إلى سطح الجامع، ورسم بهدم ما كان بسطح الجامع من الخلاوى، وحكم القاضى المالكى بهدم الجميع؛ ثم إنه رسم بترميم ما فسد من عمارة الجامع، وأصرف على ذلك نحوا من عشرة آلاف دينار؛ وفى ذلك اليوم تصدّق على الفقراء المقيمين بالجامع بنحو من ألف دينار، ثم ركب وعاد إلى القلعة، وكان الطعن عمالا. وفيه دخل مبشّر الحاج وأخبر بالأمن والسلامة، وأن الموت كثير بمكة بعلّة البطن، وكان قبل دخول الحاج يموت بها نحو من أربعين إنسانا فى كل يوم. -

стр. 2043

وفيه مات بالطعن من الأعيان سيدى إسماعيل بن الأمير لاجين، وكان بارعا فى فن الصراع. - وفيه مات بالطعن سيدى عمر بن الأمير دولات باى الدوادار المؤيدى، وكان شابا حسن الشكل، جميل الوجه، بهى المنظر، كما بدا عذاره، وكان من أعيان أولاد الناس، وفيه يقول بعض الشعراء: سعيت نحو حبيبى سعى مجتهد … وطفت حول حماه وانقضى الوطر فمن له عمرة فى عمره اغتنمت … فلى بسعيى على طول المدى عمر وفيه مات بالطعن سيدى محمد بن الأمير يونس العلاى أمير آخور كبير كان، وكان من أعيان أولاد الناس. - وفيه توفى الجناب الناصرى محمد بن سيدى يعقوب ابن أمير المؤمنين محمد المتوكل، وهو والد سيدى خليل، وهو ابن أخى أمير المؤمنين يوسف المستنجد بالله، وكان ريسا حشما، وكان ترشح أمره ليلى الخلافة بعد الجمالى يوسف، فما تمّ ذلك. وفيه مات محمد الصغير الكاشف، وكان كبر سنّه وشاخ؛ وتوفى بهادر من يشبك الظاهرى، أحد مقدمين (١) الألوف بدمشق؛ ومات تمرباى الجلب نائب قلعة حلب، وكان من مماليك السلطان؛ ومات كسباى والد جانى بك الفقيه أمير سلاح، وكان قدم من بلاد الجركس؛ ومات قانصوه نائب عينتاب، وكان من مماليك السلطان؛ ومات قايتباى من نوكار الظاهرى، أخو الأمير قرقماس الجلب، وكان من مماليك الظاهر خشقدم؛ ومات يشبك الإبراهيمى الأينالى أحد العشرات ورءوس النوب؛ ومات فى هذا الطاعون من الأمراء العشرات والخاصكية ما لا يحصى عددهم، وكان ممن مات بالطعن بطرك النصارى اليعاقبة المسمى ميخائيل المنفلوطى، وكان مشكورا فى بطركته محمود السيرة عند أهل ملّته؛ ولما دخل خماسين النصارى خفّ أمر الطاعون بالنسبة لما كان عليه، بعد ما أفنى من الناس ما لا يحصى. - وقد خرجت هذه السنة عن الناس وهم فى أمر مريب، بسبب فقد أولادهم وعيالهم، وما قاسوا فى هذه السنة خيرا.

стр. 2044

ومما عدّ من محاسن الأمير يشبك الدوادار، وهو المغسل الذى فتحه عند مدرسة السلطان حسن، فحصل للناس به غاية النفع لأجل تجهيز الموتى ولا سيما الغرباء، وقد حاز به غاية الأجر والثواب؛ ومما عدّ من محاسنه أيضا أنه ركب يوما إلى جهة المطرية، فوجد فى طريقه شيخا هيئة فلاح، وهو قاصد للقاهرة ومعه قفّة على كتفه، وكان وقت انفجار الصبح، فعبث عليه الأمير يشبك، وقال له: ما فى قفتك؟ فقال: بيض جيت به لأبيعه وأشترى لأولادى بثمنه خبزا، فإن معى ثلاث بنات، فقال له الأمير يشبك: كم هم بيضة أنا أشترى منك ذلك، فأخرج له الشيخ ما فى القفّة من البيض، فقال له: عدّهم؛ فعدّهم فإذا هم عشرون بيضة، فأخذ منه ذلك البيض ودفعهم للغلام، ثم رسم لمن خلفه من المماليك بأن يدفع لذلك الشيخ عشرين دينارا، وقال له: لو كان معك أكثر من ذلك لدفعت لك فى كل بيضة دينارا، وقد اختلف فى عدد البيض التى كان مع الشيخ، قيل إنه كان أكثر من عشرين بيضة، فدفع له فى كل بيضة دينارا، فعدّ ذلك من النوادر اللطيفة، وكان الأمير يشبك الدوادار فيه المحاسن والمساوئ كما قيل: ترجى وتخشى حالتيك الورى … كأنك الجنة والنار انتهى ذلك. ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة فيها فى المحرم وصلت رأس أمير عرك، وكانت قد قطعت بالوجه القبلى، فلما حضرت إلى القاهرة طيف بها، ثم علّقت على باب زويلة. - وفيه جاءت الأخبار بأن الأمير أحمد بن عمر الهوّارى قد فرّ من الصعيد، فلما فرّ أخلع السلطان على الأمير يشبك الدوادار، وقرّر فى أمرة هوّارة، عوضا عن الأمير أحمد بن عمر، فعدّ ذلك من النوادر. - وفيه توفى قانصوه قطز المحمدى الأينالى، وكان أحد العشرات ورءوس النوب؛ ومات جانم الأصفر أنىّ السلطان، وكان أحد العشرات ورءوس النوب.

стр. 2045

وفيه وصل الحاج مع السلامة، وحمدت سيرة تانى بك الجمالى أمير ركب المحمل. - وفيه توفى الأمير دولات باى النجمى الأشرفى، حاجب الحجاب بدمشق، وكان من أعيان الأشرفية. - وفيه توفى الصاحب شرف الدين يحيى بن الصنيعة القبطى، وكان ريسا حشما لا بأس به تولّى الوزارة عدّة مرار. - وفيه نزل السلطان ومعه جماعة من الأمراء فتوجّه إلى نحو العباسة والصالحية، وكشف عن الجامع والسبيل والحوض الذى أنشأهم هناك، فأقام بالعباسة أياما، ثم عاد إلى القلعة. وفى صفر توفى الطواشى جوهر النوروزى الحبشى، مقدّم المماليك، ثم الزمام، وكان دينا خيرا، وأصله من خدّام الخواجا شمس الدين بن المزلق، ثم وهبه لابنته زوجة نوروز الحافظى، فنسب إليه. - وفيه توفى شرف الدين موسى بن كاتب غريب، وهو موسى بن يوسف القبطى، وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وكان غير مشكور السيرة وعنده عسف وظلم، فمات والناس عنه غير راضية. وفيه شرع الأمير يشبك الدوادار فى أمر توسيع الطرقات والشوارع والأزقة، فأمر القاضى فتح الدين السوهاجى أحد نواب الشافعية بأن يحكم بهدم ما وضع فى الشوارع والأسواق، بغير طريق شرعى، من أبنية وربوع وحوانيت وسقايف ورواشن ومصاطب وغير ذلك، فقام القاضى السوهاجى فى ذلك قيام الجاه، وحكم بهدم عدة ربوع وحوانيت وسقايف وغير ذلك، واستمر الحال فى أمر الهدم حتى دخلت سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، فحصل بذلك بعض نفع فى توسيع الطرقات، ولكن حصل غاية الضرر لجماعة من الناس بسبب هدم ربوعهم وحوانيتهم؛ وهدم لخوند شقرا ابنة الملك الناصر فرج ثلاثة ربوع فى الموازنيين، أحدهم كان تجاه (١) جامع الصالح خارج باب زويلة؛ فاضطربت أحوال القاهرة وكثر الهدم فى الأماكن، ولا سيما المطلّة على الشوارع، وحصل على القاضى فتح الدين السوهاجى غاية المقت من الناس بسبب حكمه لهدم الأماكن، وفى هذه الواقعة يقول الشهاب المنصورى:

стр. 2046

تكشّفت عن محيّا مصر أستار … وخفّ عنها من الأثقال أوزار واهتزّت الأرض منها بهجة وربت … ولاح فيها إضاءة وأنوار كانت كصبح تعالت فوقه ظلم … شتى ففاجأها بالنور أسفار كانت كشمس تغاشاها الغمام ضحى … فمزّقته من الأرياح أعصار فاليوم أعطافها بالبشر مايسة … وقدّها فى حلّى السعد خطّار وكانت الطرق قد شابت مفارقها … والشيب إن شان ما فى أخذه عار وأصبحت أوجه الأرضين مسفرة … وزال عنهن إقتار وأقذار تتيه زهوا على الأمصار قاطبة … وبازها بجناح النسر طيّار ألا تراها اكتست حلى البياض … ولولا ذاك ما اتّضحت للناس أقطار كأنها روضة بالقطر قد غديت … وزانها من وجوه البيض أزهار فالبعض منها يهنّى البعض منه على … كشف الغموم وللإعسار إيسار فبعض أبوابها بالنصر مشتهر … وبعضها لفتوح الرزق مختار وللسعادة باب عنده فرج … كلاهما لأخيه فى الهنا جار وأما زويلة زالت عنه كربته … وللدخول به كم دقّ مسمار دقّت مساميره طاراتها فرحا … وفيه للريح تشبيب ومزمار حيّت شوارعه للناس فاتسعت … واستشرقت منه أسواق وأسوار كانت حوانيته تشكو الثيوبة من … وطى الحوافر وهى اليوم أبكار وخرق عادة باب الخرق يرفعه … من العناية بنّاء ونجّار واليوم ساكنه فى جنّة وجرت … من تحتها لأولى الأبصار أنهار والقوس من بابها جنّت لجاذبها … طوعا وأصمّت من الأعداء أوتار وباب قنطرة والبحر فى عجب … من باب شعرية لم تحو إيزار وأما الجوامع قد فكّت جوامعها … عنها ففيها تسابيح وأذكار فجامع الصالح استوفى مصالحة … حتى كأنّ العشايا فيه أبكار لما شكا الناس من مصر مضايقها … وحار فيها من الحكّام أفكار

стр. 2047

فما تلقّى أجور القاطنين بها … إلا الأمير الذى بالعرف أمّار فهو الهمام النظام المرتقى درجا … ت الفضل يشبك مولانا الدوادار ذو الحزم والعزم من فى الخافتين له … أمر ونهى وإيراد وإصدار فشدّ حبل قواه وهو منتهض … وسلّ سيف سطاه وهو بتّار لولا عزايمه فى مصر ما حسنت … والدوح ييبس ما لم تهمر أمطار له على الحق إقبال يليق به … طبعا وعن زخرف الأقوال إدبار مذ قام يحيى من الأرض التى اندرست … أمواتها ساعدت علياه أقدار وكيف لا وعزيز النصر جاء له … مهاجرا وله الأيام أنصار فكم تجلّت بوجه منه مظلمة … وكم تحلّت بعين منه آثار إن رمت حصر يسير من مناقبه … فدون ذلك أزمان وأعمار ودّت محاسن مصر أن يكون لها … إلى محاسنه سمع وإبصار هذا لعمرى هو الندب الذى افتخرت … مصر به فهى حسنا نعمة الدار لا زال روض أمان للأنام به … ظلّ مدا الدهر ممدود وأثمار ما ماست الدوح بالأكمام راقصة … وما تغنّت على العيدان أطيار انتهى ذلك. - وفيه تغيّر خاطر السلطان على برهان الدين النابلسى وكيل بيت المال، فقبض عليه وسلّمه للأمير يشبك الدوادار ليستخلص منه الأموال، فاستمرّ الأمير يشبك يعاقبه، فاستخلص منه (١) جملة أموال لها صورة، وآخر الأمر مات تحت العقوبة أشرّ موتة، وقد أذاقه أنواع العذاب وتفنّن فى عذابه تفنينا، قيل إنه ضربه عدة مرار نحوا من ألفين (٢) وستمائة عصاة، وقلع أدراسه (٣) ودقّهم فى رأسه، وغير ذلك من أنواع العذاب؛ وكان أصله من دمشق، وهو إبراهيم بن ثابت، وكان أحد نواب الشافعية، وله اشتغال بالعلم، لكنه أدخل نفسه فى أمور السلطنة، وطاش وظلم الناس وجار عليهم، ولم يتفكر فى عقبى ذلك، فأخذ من الجانب الذى أمن إليه،

стр. 2048

بعد أن عادى جميع الناس من بمصر والشام، حتى الأمراء وأعيان الدولة، وشقى لنفع غيره حتى سلب من المال والروح. - وفيه قدم قاصد من عند ابن عثمان ملك الروم وعلى يده مكاتبة، فأكرمه السلطان، وأعاد له الجواب، وسافر بعد أيام. وفى ربيع الأول أخلع السلطان على الصاحب خشقدم الأحمدى، وقرّر فى الخازندارية الكبرى والزمامية، عوضا عن جوهر النوروزى، فعظم أمره جدا، وصار وزيرا وخازندارا وزماما؛ وقرّر مثقال الساقى الظاهرى، رأس نوبة السقاة، وكانت بيد خشقدم أيضا. - وفيه أخلع على القاضى تاج الدين بن المقسى، وقرّر فى الأستادارية، عوضا عن الأمير يشبك وقد استعفى منها، فصار ابن المقسى أستادارا وناظر الخاص، فعظم أمره جدا، وكان ذلك معظم نهايته ومنتهى سعده. وفيه عمل السلطان المولد النبوى بالقلعة، وكان يوما حافلا، وحضر القضاة الأربعة وسائر الأمراء. - فلما انقضى أمر المولد نزل من القلعة فى يوم السبت رابع عشره وعدّى إلى برّ الجيزة، ولم يشعر به أحد من الناس، وقصد التوجّه إلى ثغر الإسكندرية، فسافر من البرّ وجهّز سنيحه من البحر فى مراكب؛ وسافر صحبته من الأمراء الأتابكى أزبك أمير كبير، ويشبك الدوادار، وتمراز رأس نوبة النوب، وأزدمر الطويل حاجب الحجاب، وعدّة من الأمراء الطبلخانات والعشرات، والجمّ الخفير من الخاصكية والمماليك السلطانية، وسافر معه سائر المباشرين؛ وكان القاضى. كاتب السرّ ابن مزهر متوعكا فى جسده، فخرج وسافر مع السلطان وهو عليل؛ وكان القاضى علم الدين شاكر بن الجيعان مريضا على غير استواء، فتخلف بالقاهرة ولم يسافر مع السلطان، وإنما سافر معه ولده عبد الغنى. فلما وصل السلطان مدينة الإسكندرية زيّنت له زينة حافلة، وخرج إلى لقائه الملك المؤيد أحمد بن الأشرف أينال وهو بالشاش والقماش، وكذلك قجماس الإسحاقى نائب ثغر الإسكندرية، واصطفّت الناس فى شوارع المدينة بسبب الفرجة، فدخل السلطان فى موكب حافل، وجميع من معه من العسكر ملبسين آلة السلاح بالعدد الكاملة، والأتابكى أزبك حامل القبة والطير على رأسه، والملك المؤيد

стр. 2049

بين يديه قدّام الأمراء، وقدّامه أعيان المباشرين وأرباب الدولة، وطلّب طلبا حافلا وجرّ فيه مائتين وخمسين فرسا، منها خمسون فرسا بالسروج الذهب والكناياش، والبقية ملبسة بأنواع البركستوانات والجواغين المكفتة بالذهب والفضة، والبقية من المخمل الملون، وفى الطّلب كجاوتين زركش، وهى التى تعرف الآن بالجوشن، ولعبوا قدّامه بالغواشى الذهب والأوزان عمالة والشبابة السلطانية، ومشت قدّامه الأمراء الرءوس النوب بالعصى، فشق المدينة فى ذلك الموكب الحافل، وكان له يوم مشهود. ومن الوقائع اللطيفة أن السلطان لما شقّ من مدينة الإسكندرية سقط الطائر الذهب من على القبة، فنزل الأمير يشبك الدوادار عن فرسه وثبّت الطائر على القبة، ثم ركب على فرسه ومشى؛ ثم إن بعض تجار الفرنج نثر على رأسه لما شقّ المدينة ألف بندقى ذهب، فتزاحمت عليه المماليك يلتقطون ذلك الذهب من الأرض، فكاد السلطان أن يسقط عن ظهر الفرس من شدة ازدحام الناس عليه، حتى أدركه الأمير تمراز رأس نوبة النوب وفى يده عصاة، فضرب بها الناس حتى خلص السلطان ومشى، واستمرّ فى ذلك الموكب حتى خرج إلى باب البحر الذى هناك، فنزل بالمخيم الذى نصب له على ساحل البحر الملح؛ وكان من العادة القديمة أن السلطان إذا دخل إلى مدينة الإسكندرية، تفكّ أبواب المدينة وتلقى على الأرض إلى حين يرحل السلطان عن المدينة، فلم يوافق السلطان قايتباى على فكّ أبواب المدينة، وأبقى كل شئ على حاله. وهذا من عهد الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون لم يدخل الإسكندرية سلطان، وقد دخلها مرتين، المرّة الأولى فى سنة سبع وستين وسبعمائة، لما طرق الفرنج ثغر الإسكندرية، فدخلها على جرايد الخيل؛ وأما فى المرة الثانية كان سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، فأوكب بها فى هذه المرة، وزيّنت له مدينة الإسكندرية، وفرش له خليل ابن عرّام، نائب الإسكندرية، الشقق الحرير، ونثر على رأسه خفائف الذهب والفضة، ومشت بين يديه الأمراء، وكان له بها يوم

стр. 2050

مشهود، وكان دخوله من باب رشيد فإنه كان فى تروجة، وتوجّه من هناك إلى الإسكندرية، فأقام بها ثلاثة أيام وعاد إلى القلعة. ثم توجه بعده للإسكندرية الملك الناصر فرج بن الظاهر برقوق، فى سنة أربع عشرة وثمانمائة، فلما دخلها كان له بها يوم مشهود، فوقف له بعض تجار المغاربة بقصّة يشكو فيها من ظلم القبّاض لهم، فأبطل ما كان يؤخذ منهم من الثلث إلى العشر، فارتفعت له الأصوات بالدعاء، وعدّ ذلك من محاسن الناصر فرج، انتهى ذلك. ومن هنا نرجع إلى أخبار الأشرف قايتباى، فلما نزل بالمخيم مدّ له هناك قجماس نائب الإسكندرية مدّة حافلة، ثم أخلع على الملك المؤيد ونائب الإسكندرية، ورجعا إلى دورهما وصحبتهما الأمراء قاطبة؛ فأقام هناك ثلاثة أيام، ولعب بالكرة فى الفضاء، ولعب معه الملك المؤيد والأمراء الذين توجّهوا معه، ودخل عليه من تجار الإسكندرية تقادم حافلة؛ ثم إنه توجّه إلى نحو مكان المنار القديم الذى كان بثغر الإسكندرية، ورسم بأن يبنى على أساسه القديم برجا، فبنى به برجا معظما، وهو الموجود الآن كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه؛ ثم إن السلطان رحل عن الإسكندرية وتوجّه إلى نحو إدكو ودمنهور وغير ذلك من البلاد الغربية، وانشرح السلطان فى هذه السرحة إلى الغاية، واستمرّ يرحل من مكان إلى مكان على سبيل التنزّه نحوا من أربعين يوما حتى عاد إلى القلعة، فلما عاد من هذه السفرة طلع من بين الترب، ولم يشقّ من القاهرة، ولم يوكب عند طلوعه إلى القلعة. ومن الحوادث فى غيبة السلطان جاء قاصد من عند قراجا الطويل نائب حماة، وأخبر أن أهل حماة ثاروا على النائب ورجموه وأخرجوه منها، وقتلوا دواداره وأحرقوه بالنار بسبب ظلمه وعسفه فى حقّ الرعية؛ فلما بلغ السلطان هذا الخبر عيّن من هناك خاصكيا لكشف الأخبار، ليرى من هو الظالم من المظلوم. وفيه حضر قاصد من مكة وأخبر بنزول صاعقة عظيمة عند باب السلام، فاحترق منها عدة أماكن؛ وأخبر بوفاة قاضى القضاة المالكية بمكة، وهو محمد

стр. 2051

أبو اليمن بن أبى السعادات، وكان من أهل العلم والفضل وأخبر أيضا بوقوع فتنة مهولة بين الشريف محمد بن بركات وبين قبيلة بنى جازان، وحصل بينهما ما لا خير فيه، وآل الأمر إلى أن الشريف محمد قبض على شيخ بنى جازان. وفى ربيع الآخر كان وفاء النيل المبارك، وقد أوفى فى آخر يوم من أبيب، وكسر فى أول يوم من مسرى، فعدّ ذلك من النوادر، وفيه يقول القائل: أرى نيل مصر قد غدا يوم كسره … إذا رام جريا فى الخليج تقنطرا ولكن بعد الكسر زاد تجبّرا … وأفرط هجما فى القرى وتجسّرا وقال آخر: إن بحر النيل قد وفّا لنا … ما عليه من قديم قرّرا وقضانا الدين إلاّ أنه … حين وفّا ما عليه انكسرا وكان الوفاء فى غيبة السلطان، فتوجّه الأمير لاجين أمير مجلس وفتح السدّ على العادة بأمر تقدّم من السلطان له، وكان يوما مشهودا. - وفى هذا الشهر كانت وفاة القاضى علم الدين شاكر بن الجيعان، وهو شاكر بن عبد الغنى بن شاكر القبطى ابن ماجد بن عبد الوهاب بن يعقوب الدمياطى الأصل المصرى، متولّى ديوان الجيش، وكان ريسا حشما وجيها عند الملوك والسلاطين، وكان عنده تواضع زائد للناس قاطبة، وله اشتغال بالعلم، ومولده فى سنة سبعين وسبعمائة، وهو الذى أنشأ الجامع الذى بالقرب من بركة الرطلى، وكان نادرة فى بنى الجيعان، ولم يجئ فيهم مثله فيما ناله من العزّ. وفيه وصل السلطان إلى القاهرة وطلع إلى القلعة، وكانت مدّة غيبته (١) فى هذه السفرة نحو شهر وأيام، ودخل له جملة تقادم حافلة، فلما استقرّ بالقلعة أخلع على الشرفى يحيى بن شاكر بن الجيعان، وقرّره فى وظيفة والده. - وفيه توفى ريس الطب والكحل عبد اللطيف بن عبد الواحد بن العفيف، وكان ريسا حشما وأصله من الملكية، ومولده سنة عشرين وثمانمائة.

стр. 2052

وفى جمادى الأولى عرض السلطان جماعة من أولاد الناس، وقرّر من اختاره منهم فى وظائف، مثل: طبردارية، وجمدارية وغير ذلك. - وفيه أخلع السلطان على شمس الدين القوصونى، وقرّره فى رياسة الطبّ، عوضا عن ابن العفيف. - وفيه كان انتهاء عمارة قاعات الأزبكية التى أنشأها الأتابكى أزبك، فعزم على السلطان هناك، فنزل إليه وبات عنده، فأضافه ضيافة حافلة، ثم قدّم له تقادم حافلة، فشكره على ذلك ولم يقبل منها شيئا؛ فلما أصبح توجّه هو والأمير يشبك الدوادار إلى جهة المطرية، فأضافه هناك الأمير يشبك فى القبة التى أنشأها هناك، فأقام عنده يومه وليلته وانشرح هناك إلى الغاية، وشكر عمارة الأمير يشبك على عمارة الأتابكى أزبك، ثم طلع إلى القلعة، فلما طلع إلى القلعة بعث إليه الأمير يشبك تقادم حافلة، فقبل منها شيئا وردّ عليه شيئا. وفيه انتهت زيادة النيل المبارك إلى واحد وعشرين أصبعا من إحدى وعشرين ذراعا، وثبت إلى آخر بابه، وقد كسر الجسور، وقطع الطرقات، وغرقت أراضى المنية، وكان نيلا عظيما. - وفيه أخلع السلطان على قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة، وقرّر فى مشيخة الخانقاة الشيخونية، عوضا عن الشيخ سيف الدين الحنفى، بحكم وفاته، وكان ابن الشحنة منفصلا عن القضاء. وفى أثناء هذا الشهر خرج السلطان على حين غفلة من العسكر وتوجّه إلى الصالحية، ثم بعد أيام أشيع بين الناس أن السلطان توجّه من هناك إلى نحو البلاد الشامية، فتعجّب الناس من ذلك، وكان فى نفر يسير من العسكر، بحيث أن كان معه من المماليك نحو من أربعين مملوكا من خواصه، وكان معه بعض أمراء عشرات، منهم تانى بك قرا الدوادار الثانى وآخرون من الأمراء، وكان معه من المباشرين القاضى كاتب السرّ أبو بكر بن مزهر، وأبو البقا بن الجيعان، والقاضى قطب الدين الخيضرى، وكان من المقربين عند السلطان، وشهاب الدين ابن التاج الموقع، وبرهان الدين بن الكركى الإمام، وغير ذلك ممن لا يحضرنى أسماؤهم الآن؛ وترك بالقاهرة الخليفة المستنجد بالله يوسف، والقضاة الأربعة،

стр. 2053

والأتابكى أزبك، ويشبك الدوادار، وسائر الأمراء المقدّمين والطبلخانات والعشرات، وجميع العسكر قاطبة لم يتبعه منهم أحد، فصار الناس فى شكّ من سفره على هذا الوجه، ولم يتّفق لأحد من السلاطين مثل هذه الواقعة. وفى جمادى الآخرة حضر هجّان من عند السلطان، وعلى يده مراسيم إلى الأمراء الذين بالقاهرة، فكان من مضمونها أن السلطان توجّه إلى نحو البلاد الشامية ليكشف على أمر النوّاب والقلاع بنفسه، وأرسل يقول للأمراء بأن يتوصّوا بأحوال الرعية والجند، وأن يحضروا تفرقة الجوامك ما دام السلطان غائبا، وكان المشار إليه فى غيبة السلطان الأتابكى أزبك، وقد عظم أمره جدا والتفّ العسكر عليه دون الأمراء. - وفيه فى غيبة السلطان توفى القاضى نور الدين على بن الإنبابى نائب كاتب السرّ، وكان ريسا حشما عارفا بأحوال المملكة، وكان إنسانا حسنا لا بأس به. وفى رجب توجّه القضاة الأربعة إلى بيت الأتابكى أزبك والأمير يشبك الدوادار، وهنّوهما بالشهر. - وفيه خرج الأتابكى أزبك إلى السرحة، فغاب أياما وعاد إلى القاهرة. - ومن جملة ألطاف الله تعالى أن فى غيبة السلطان لم يقع الخلف بين الأمراء، بل كان الأمان والاطمان فى القاهرة وجميع ضواحيها، حتى عدّ ذلك من النوادر. وفى شعبان وصل هجّان من عند السلطان، وأخبر بأن السلطان دخل إلى حلب وأقام بها أياما، وهو قاصد إلى جهة الفراة، وقد عرّج قبل دخوله إلى حلب إلى نحو طرابلس؛ ثم حضر هجّان ثان وعلى يده مراسيم للأمراء بالسلام، ومكاتبة للأتابكى أزبك بأن يتوجّه إلى المطعم الذى بالريدانية ويلبّس الأمراء هناك الصوف، وأن يصرف الكسوة للجند، فخرج الأتابكى أزبك إلى المطعم وصحبته الأمراء قاطبة والعسكر، وكان له يوم مشهود، فألبس الأمراء هناك الصوف كعادة السلاطين؛ وأخلع فى ذلك اليوم على الأمير جانى بك الفقيه أمير السلاح، وقرّر فى أمرة الحاج بركب المحمل، وقرّر آقبردى الأشرفى بالركب الأول. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة الشهابى أحمد بن أبى الفرج نقيب الجيش، وهو أحمد بن محمد بن عبد الغنى، توفى

стр. 2054

بحلب، وكان خرج صحبة السلطان فمات هناك، وقيل إنه حصل له رجفة من السلطان، فانطرب (١) ومات عقيب ذلك، وكان شابا قليل الأذى لا بأس به. وفى رمضان وقع بالقاهرة بعض اضطراب، وسبب ذلك أن مضى الثلاثون من شعبان ولم ير الهلال، فأكل غالب الناس فى أول يوم من رمضان، فنادى القاضى الشافعى بالإمساك، فثار عليه العوام وقصدوا الإخراق به، فثبت برؤية الهلال قريب الظهر، ولكن فطر غالب الناس فى ذلك اليوم. - وفيه وقع بين تنم الضبع أحد الأمراء العشرات، وهو أخو الأمير تانى بك الجمالى، وبين القاضى أبو الفتح السوهاجى، تشاجر، بسبب هدم مكان، فسبّ تنم الضبع القاضى السوهاجى، فشكاه السوهاجى إلى الأمير يشبك، فطلب تنم، فلما حضر أمر بضربه بين يديه فضرب، ولم يوقره لأخيه تانى بك الجمالى، فحصل بسبب ذلك بعض قلقلة بين الأمراء. وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن السلطان لما توجّه إلى الفراة أقام هناك أياما ثم عاد إلى حلب، ورحل عنها وقصد التوجّه إلى حماة، فلما دخلها وأقام بها حصل له هناك مرض حاد (٢)، فلما ثقل فى المرض وعجز عن الحركة أحضروا له محفّة، فحمل فيها وتوجّه إلى دمشق، فدخلها وهو مريض على غير استواء، فكثر القال والقيل بين الناس، وصار فى كل يوم يشاع بالقاهرة خبر جديد بأن السلطان قد مات ودفن هناك، فاضطربت أحوال الأمراء فى بعضهم، وأظهر كل أحد منهم ما فى نفسه من السلطنة، وأرجفت القاهرة بموت السلطان غير ما مرّة؛ ونقل للأمير يشبك الدوادار بأن برد بك جبس، أحد الأمراء الآخورية، وكان من أخصّاء جانى بك الفقيه أمير سلاح، بأنه قد مشى بين طائفة المماليك الخشقدمية بأن يكونوا من عصبة جانى بك الفقيه، وإذا صحّ موت السلطان يقومون مع جانى بك الفقيه حتى يسلطنوه، وكان جانى بك الفقيه تحدّثه نفسه بالسلطنة، ويقرّب أرباب الفلكية والمنجمين، وحظى عنده جماعة من خواصه بسبب ذلك.

стр. 2055

ثم إن الأمير يشبك أرسل خلف برد بك جبس وذكر له ما نقل عنه، فأنكر ذلك وحلف إيمانا عظيمة أنه لم يصدر منه شئ من ذلك، فقامت عليه البيّنة وكذّبوه فى وجهه، فسكت ولم ينطق بحرف واحد، فعند ذلك أمر الأمير يشبك بضربه، فضرب بين يديه ضربا مبرحا حتى أشرف منه على الهلاك، ثم أقامه وأحضر له عمامة يهودى صفراء وألبسها له، وقصد يشهره فى القاهرة، فشفع فيه بعض الأمراء، فأركبه على حمار وجرّسه بين يديه فى الدوّار، ثم شكّه فى الحديد وأمر بنفيه إلى الواح، فنفى، وكل ذلك جرى والسلطان مسافر لم يعلم له خبر، وكانت هذه الواقعة سببا لنفى جانى بك الفقيه أمير سلاح، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه. وفيه ختم قراءة البخارى بجامع الأزهر، وحضر به القضاة الأربعة، وفرّقت هناك الخلع والصرر على الفقهاء والعلماء، وكان قراءة البخارى من أول شهر رمضان فى الجامع الأزهر، وعند الدعاء يدعون للسلطان بالسلامة. - فبينما القاهرة فى اضطراب وإذا بخاصكى حضر من عند السلطان، يقال له بردبك سكر، وعلى يده عدّة مكاتبات، منها للخليفة والقضاة الأربعة والأتابكى أزبك وبقية الأمراء قاطبة، فكان من مضمونها أن السلطان كان قد حصل له توعّك فى جسده، وقد بعث الله تعالى بالعافية والشفاء، وحصل البرء، فضربت البشائر بالقلعة، ودخل على بردبك سكر عدة كوامل بصمّور من الأمراء والخليفة وقضاة القضاة وأرباب الدولة، ودقّت البشائر على أبواب الأمراء، وتخلّق الخدّام بالزعفران، ونودى فى القاهرة بالزينة سبعة أيام، فزيّنت وأظهر الناس الفرح والسرور بعافية السلطان، وسكن الاضطراب الذى كان بالقاهرة، وبطل القال والقيل الذى كان بين الأمراء، وفى ذلك يقول الشهاب المنصورى: بعافية السلطان مولى الأنام قد … تهلّل وجهه الدهر فهو جميل وقد صحّت الدنيا لصحّة جسمه … فليس بها غير النسيم عليل وكان الأمير يشبك الدوادار، من حين توجّه السلطان للسفر، وهو مجتهد فى

стр. 2056

توسيع الطرقات، وإصلاح وجوه أبواب الجوامع والمساجد، وجلاء رخامهم وتبييض حيطانهم، وكشف عن أبواب جامع الصالح وظهر منه عواميد رخام فجلاهم ونعّمهم، وأمر بتبييض الدكاكين ووجوه الربوع التى تطلّ على الشوارع، وأخلع على شخص من أبناء الناس وجعله مشدّ الطرقات، فصار يستحثّ الناس فى سرعة البياض والدهان، حتى عادت القاهرة كأنها كما استجدت فى بنائها وتزخرفها، وصارت كالعروس التى تجلى؛ ثم إن الأمير يشبك أمر بقلع عتبة بابى زويلة، وعلاّ العتبة وقلعها وأصلحها، فإن الأرض كانت عليت عن الباب، فقطع الأرض ومهّد قدّام الباب، واستمرّ باب زويلة مغلوقا أياما حتى انتهى منه العمل، فعدّ ذلك من النوادر، وصارت الناس تدخل إلى القاهرة من باب الفرج حتى انقضى أمر العمارة. وفيه حضر هجّان من عند السلطان وأخبر أنه خرج من الشام، بعد ما جلس فى القصر الذى (١) بالميدان، وحكم بين الناس، وارتفعت الأصوات له بالدعاء، فأخلع الأمراء على ذلك الهجّان؛ ثم حضر عقيب ذلك هجّان ثانى، وأخبر أن السلطان خرج من غزّة وهو قاصد للديار المصرية، فشرع الأمراء فى أسباب الخروج إلى ملاقاة السلطان، ثم جاءت الأخبار بأن السلطان قد وصل إلى قطيا. وفى شوال جاءت الأخبار بأن السلطان قد وصل إلى الصالحية وصلّى بها صلاة عيد الفطر، فعند ذلك خرج الأتابكى أزبك والأمير يشبك الدوادار، وبقية الأمراء قاطبة، إلى ملاقاة السلطان؛ ثم وصل السلطان إلى الخانكاه، فخرج إليه قضاة القضاة والعسكر قاطبة، ومعهم الشاش والقماش، ونودى فى القاهرة بالزينة فزيّنت زينة حافلة. فلما كان يوم الخميس رابع شوال دخل السلطان إلى القاهرة فى موكب حافل، وقدّامه القضاة الأربعة والأمراء بالشاش والقماش، والعسكر قاطبة، فدخل من باب النصر وشقّ القاهرة، والأتابكى أزبك رافع القبة والطير على رأسه،

стр. 2057

وقدّامه الجنايب بالسروج الذهب والكنابيش الزركش والكجاوتين الزركش، ولعبوا قدّامه بالغواشى الدهب، والجنايب التى بالأرقاب الزركش قدّامه، والنفير السلطانى يزعق والجاويشية والدفّ والشبابة والأوزان عمّال، ومشت قدّامه الرءوس النوب بالعصى، ومشت قدّامه الخاصكية بالشاش والقماش، وفرشت له الشقق الحرير من باب زويلة إلى القلعة، ونثرت عليه خفائف الذهب والفضة فى عدة أماكن، واستمرّ فى هذا الموكب على ما ذكرناه حتى طلع إلى القلعة، وكان له يوم مشهود؛ فلما طلع إلى القلعة فرشت له خوند شقق حرير وأثواب مخمل من باب القلعة إلى الحوش، ونثرت عليه خفائف من الذهب والفضة، ولاقته المغانى، ومدّت له أسمطة حافلة، فلما انتهى أمر المدّة أخلع السلطان عدّة خلع على من كان مسافرا صحبته. ولما وصل السلطان إلى الفراة قدم عليه هناك شخص من أولاد حسن الطويل، وهو ابن محمد أغرلو بن حسن الطويل، وكان شابا جميل الصورة، له من العمر نحو من ثمان عشرة سنة، فخافت عليه أمّه أن لا يقتلوه أعمامه، فأتت به إلى السلطان، فحضر معه إلى القاهرة وحظى عنده، وكان يشقّ من القاهرة وقدّامه الساعى، واستمرّ بمصر حتى مات كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه، وكان اسمه حسين بك، وقيل مرزاه. ولما عاد السلطان من هذه السفرة عظم أمره جدا، وقد وصل إلى الفراة وكشف على عدّة قلاع بنفسه، ودخل إلى الشام وحلب وحماة وطرابلس، وغير ذلك من البلاد الشامية، ودخل عليه من النواب وأعيان الناس جملة تقادم وأموال جزيلة، وعدّت هذه السفرة من النوادر الغريبة؛ وكانت مدّة غيبة السلطان فى هذه السفرة نحوا من أربعة أشهر إلا أياما؛ وفى هذه الواقعة يقول الشيخ بدر الدين محمد بن الزيتونى هذه القطعة الزجل، وهى من محاسن هذا الفن، كلها غرر وجناس تام، وهى هذه القطعة: سلطاننا الأشرف خرج فى اربعين … من العساكر حين سافر حماه

стр. 2058

ومن حلب عدّى يروم الفراة … فأسقى الخيول من ماه وربّو حماه فى مصر فرسان أربعين بالعدد … لدورة المحمل يسوقوا الجياد ورعبهم ساكن قلوب الملوك … يردّوا الخارج وأهل العناد فى ذا العدد راح الملك وافتخر … بهم على ساير ملوك البلاد وخو سوار لاقاه وفى صحبته … ولد حسن بك بالخدم ما أباه وأخلع عليه اطمنّ وأخلع على … ولد حسن خلعه وشتّت أباه كامل مظفّر بالعدا لم يزل … تجرى دماهم من حسامه نهر خرج لتطمين العباد فى البلاد … فكم شكر عادل وظالم نهر إمامنا الأعظم مليك الزمان … بالعدل فى هذا الوجود اشتهر كشف على النوّاب فمن حاف وجار … أنكر عليه فعله وبالعزل جاه ومن رآه عادل وفعله حسن … خلع عليه واعطاه منازل وجاه هذا الملك صالح وسرّه ظهر … لا شك فى أنّه قطب فى الدايره لما خرج فى الاربعين خلتهم … بدر الدجا حوله نجوم زاهره لهم منازل كل حدّ منزله … شى للرصد شانه وشى سايره كشف بلاده واعتبر أهلها … واحد رفع قدره وآخر سماه وطلعته فاقت شموس الضحا … وأخفت البدر المنير فى سماه لما دخل للشام توعّك وكان … من الهوا والشرب من ما العيون فقلت كادت عين تصيبه فكان … توعّكه حرزه لدفع العيون وربّنا عافاه وجبه لنا (١) … سالم وقرّت به جميع العيون ومهّد الدنيا وأن يعدلوه … أن ينثنى عزمه الشديد ما ثناه

стр. 2059

وفاز بتاريخ ما فرح به ملك … قبله ونال قصده وبيّض ثناه أهل الفضايل والعلوم ورّخوا (١) … وكل واحد فى الكتابه ذهب يكتب تواريخ الملوك بالمداد … إلاّ لقايتباى كتب بالذهب هو فارس الإسلام وليث الوغا … وفهلوان الحرب مبدى العجب وخالقه علاّ مقامه الشريف … على الملوك وانشاه ومن ما يراه وكل ذا فى اللوح قديم فى الأزل … خطّو القلم جلّ الذى قد يراه تاريخ سنة اثنين جماد الأخير … تلى ثمانين مع ثمان من مئين من هجرة الهادى ﵇ … خير النبيين سيّد المرسلين تجهّز السلطان يريد السفر … وأخفا عن العسكر خرج فى اربعين وفّر لبيت المال خزاين ذهب … ما يحصروها من قلم مع دواه ورّيح العسكر وكم من ضعيف … كان التخلّف فى بلاده دواه لأجله الدوادار الكبير قد برز … أمره بتوسيع الطريق المضيق وكشف أبواب المساجد وما … بين المدارس كان على غير طريق وصلّح الأبواب وشى بيّضه … وأخلع على واحد مشدّ الطريق ووكّله بالقاهرة كل يوم … بقى يدور راكب وفى إيده عصاه ويأمر الناس بالبياض والدهان … طاع الجميع أمره ولا حد عصاه صارت مدينتنا عروس للملك … وذا عجب كيف العريس هو الولى ونقّشوها بالدهان فى البياض … وأضحت عروسه بالطراز تنجلى ومدّت المدّات نهار الفرح … وزيّنوها بالحلا والحلى وبان لها سيقان عواميد رخام … جلاهم الصانع ونعّم جلاه ودقّت الكوسات نهار الدخول … وكان دخوله فى المواكب جلاه

стр. 2060

وقبل ذا صلّوا على المصطفى … خير الخلايق وأعلنوا بالسلام فكل مرّه من صلاتك عليه … جزاك عشر مرات يصلّى السلام وبالشفاعه يدخلك جنّته … من بابها الأول لدار السلام هو أوّل الرسل الكرام فى الوجود … وهو لهم خاتم وما حد تلاه وأنزل القرآن عليه العزيز … على لسان جبريل مفرّق تلاه فى ليلة المعراج بخير الأنام … ساقوا حديث مسند صحيح السياق نزل عليه جبريل وقلّه (١) الإله … يدعوك إلى الحضره على ذا البراق ركب عليه حتى صعد للسماء … وصار إلى السبع العوال الطباق لجنّة الماوى رقا وارتقا … وزجّ بيه فى النور وزاد فى شفاه وافرض عليه الخمس كان أصلها … خمسين وكان فيها خطابه شفاه هذا المعانى والبديع والجناس … من نظم زيتونى لفقه دخول أبو النجا العوفى نظم فى الملك … من حين خروجه فى السفر للدخول فإن تجد له عيب فسدّ الخلل … إذا سمعته فى نظامه يقول سلطاننا الأشرف خرج فى اربعين … من العساكر حين سافر حماه ومن حلب عدّى يروم الفراة … فأسقى الخيول من ماه وربّه حماه انتهى ذلك. - وفى الثامن عشر منه خرج الحاج، وكان أمير ركب المحمل جانى بك الفقيه أمير سلاح، وبالأول آقبردى الأشرفى؛ فلما خرج جانى بك الفقيه، رسم السلطان بهدم سبيله الذى كان قد أنشأه بالرملة، فأخذ الناس يلهجون لا بقى يعود إلى القاهرة، وكذا جرى. وفى ذى القعدة قدم قجماس الإسحاقى نائب الإسكندرية، فأقام بباب السلسلة، وكان قد جمع بين نيابة الإسكندرية وبين أمرة الآخورية الكبرى. -

стр. 2061

وفيه نزل السلطان وتوجّه إلى برّ الجيزة، فكشف عن خيوله، وأقام هناك أياما، ثم توجّه إلى جهة منوف العليا، وكشف عن جسورها، وأمر بإصلاحهم، وأقام هناك أياما وعاد إلى الجيزة؛ ثم سافر من هناك إلى الفيوم، وكان عزم عليه خاير بك من حديد ليرى البستان الذى (١) أنشأه هناك، وهذه ثالث سفرة إلى الفيوم، وكان معه فى هذه المرّة الأتابكى أزبك وتمراز الشمسى رأس نوبة النوب، وكان معه من الأمراء العشرات ومن الخاصكية عدّة وافرة، فلما وصل إلى الفيوم تلقّاه خاير بك من حديد، وكان مقيما بالفيوم، فأخلع عليه خلعة حافلة، وأقام هناك أياما وهو فى أرغد عيش على سبيل التنزّه، فبينما هو على ذلك إذ ورد عليه من جهة الصعيد بأن عرب هوّارة ثاروا، مع يونس بن عمر، على سيباى كاشف الوجه القبلى، فكسروه، ووقع بينهما مقتلة قتل فيها جماعة كثيرة من الجند والبلاصية، فتنكّد السلطان لهذا الخبر وقصد بأن يتوجّه من هناك إلى جهة الصعيد، فمنعوه الأمراء من ذلك، وكان الأمير يشبك متمرضا برجله وهو بالقاهرة، فأرسل السلطان يستحثّه فى سرعة السفر إلى جهة الصعيد. وفى ذى الحجة عاد السلطان من سفره من الفيوم، فلما استقر بالقلعة أخلع على بركات بن يحيى بن الجيعان، وقرّره نائب كاتب السرّ، عوضا عن نور الدين الإنبابى بحكم موته، وهذه أول عظمة الزينى بركات بن الجيعان. - وفيه توفى الناصرى محمد بن قرقماس الحنفى، وكان عالما فاضلا من أعيان الحنفية، وكان يدّعى معرفة الحرف وعلم الكيمياء (٢)، وكان ولى مشيخة تربة الظاهر خشقدم، ومولده سنة اثنتين وثمانمائة، وكان ناظما ناثرا، وله عدة مصنّفات، منها: كتاب زهر الربيع فى شواهد البديع، وغير ذلك من التآليف، وله عروض مقامات الحريرى، وكان يدّعى دعاوى عريضة، ومن نظمه الرقيق وهو قوله: إذا منّ من تهوى عليك بنظرة … أماط الجوى من نار قلبك والبلوى فكن شاربا صبرا لمرّ صدوده … فما ذاق منّ الوصل من همّ بالسلوى

стр. 2062

وقوله فى مليح من ركاب الخيل وأجاد: وظبى من العرب الكرام سألته … لمن فى الورى تعزى فقال مؤنّبى أنا ابن الذى تمشى الملوك أمامه … إذا ما رأوه راكبا يوم موكب وفيه خرج الأمير يشبك الدوادار إلى جهة الصعيد، بسبب تلك الفتنة التى وقعت بين يونس بن عمر وبين داود بن عمر قريبه، وأخذ معه جماعة كثيرة من الجند - وفيه توفى حسن بن محمد بن أيوب الكردى، نائب القدس، ونائب الكرك، وكان ريسا حشما لا بأس به، وكان قد شاخ وناف عن الثمانين. - وتوفى القاضى شهاب الدين أحمد الطولونى الحنفى، أحد نواب الحكم، وكان مفرطا فى السمن جدا بحيث لم يكن فى عصره أسمن منه، ولما مات حمله ستة عشر حمّالا بالنوبة، ومات مخنوقا بالشحم، فأوصى لكل حمّال بأشرفى؛ ومما وقع له أن جماعة من الفلاحين تحاكموا عنده على دين، فأنكر الذى عليه الدين فألزمه القاضى بيمين، فلما أراد أن يحلف، قال له الخصم: إن كنت ما أخذت منى شيئا تبقى فى سمن هذا القاضى، فاعترف لخصمه بالدين ولم ينكره، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة فيها فى المحرم أخلع على العلاى على بن الصابونى، وقرّر فى وكالة بيت المال، عوضا عن النابلسى؛ وقرر فى قضاء الشافعية بحلب عز الدين الحشفاوى، وصرف أبو البقا بن الشحنة. - وفيه جاءت الأخبار بأن السلطان قبض على جانى بك الفقيه أمير سلاح، الذى توجّه أمير ركب المحمل، فقبض عليه من العقبة وأرسله من هناك إلى القدس بطالا، ونفى أيضا قايتباى الخشقدمى إلى جهة حلب، ونفى أيضا يشبك جنب الظاهرى جقمق إلى جهة دمشق، لكونهما كانا من أصحاب جانى بك الفقيه. وفيه دخل الحاج إلى القاهرة، وقد قاسى فى هذه السفرة شدائد عظيمة، من الغلاء وموت الجمال، وانقطع جماعة من الحجاج من رجال ونساء؛

стр. 2063

وقتل فى هذه السنة قاضى المدينة المشرفة وخطيبها، وقد قتله بعض الرفض، وسبب ذلك أن الخواجا شمس الدين بن الزمن ابتدأ بعمارة مدرسة للسلطان، فأخذ مكانا يسكنه هذا الرافضى وأدخله فى بناء المدرسة، فتعصّب القاضى على الرافضى فى هدم مكانه، وكان ذلك سببا لقتله، وأنا حججت (١) تلك السنة وشاهدت هذه الوقائع؛ ونفى جانى بك الفقيه من العقبة. وفيه أخلع السلطان على قرابته جانم الشريفى، وقرّر فى نظر الجوالى، وهذا أول إظهار جانم الشريفى فى الوظائف، فأقام فى نظر الجوالى مدّة يسيرة ثم أنعم عليه بتقدمة ألف، وهى تقدمة جانى بك الفقيه أمير سلاح، فعظم أمر جانم جدا، وكان أمردا لم يلتح. وفى صفر أخلع على شاد بك الصغير، وقرّر فى نيابة سيس، عوضا عن أزدمر قريب السلطان، وقدم أزدمر إلى القاهرة. - وفيه كان عقد جانم الشريفى قريب السلطان على أخت خوند، وهى ابنة العلاى على بن خاص بك، وكان العقد بجامع القلعة، وحضر القضاة الأربعة وأرباب الدولة، وكان عقدا حافلا، وأخلع فيه على قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى لكونه تولّى العقد، وأخلع على كاتب السرّ ابن مزهر لكونه كان وكيلا عن جانم. وفى ربيع الأول عمل السلطان المولد النبوى، وكان حافلا. - وفيه عيّن السلطان وردبش الظاهرى بأن يخرج إلى الجون، بسبب إحضار الأخشاب، وعيّن معه جماعة من الجند، وأمرهم بأن يدخلوا إلى قبرس ويطالبوا صاحبها بالجزية، ويتوجّهوا من هناك إلى الجون لإحضار الأخشاب. وفيه وقف الشهابى أحمد بن أسنبغا الطيارى إلى السلطان بقصّة يشكو فيها من قانصوه خمسمائة، بسبب المكان الذى أنشأه قانصوه خمسمائة فى قناطر السباع تجاه (٢) بيت ابن أسنبغا الطيارى، وذكر فى القصّة أن قانصوه خمسمائة قد جار عليه، وفتح

стр. 2064

من عنده بابا بغير طريق شرعى، وقطع من عنده عدّة أشجار، وقد أضرّ ذلك بحاله؛ فلما سمع السلطان ذلك وبّخ قانصوه خمسمائة بالكلام، وأمره بأن يسدّ الباب الذى فتحه، ويرضيه فى قيمة الأشجار التى قطعها من عنده، وأنصف ابن أسنبغا الطيارى على قانصوه خمسمائة، فعدّ ذلك من النوادر كونه أنصف ابن أسنبغا الطيارى على قانصوه مع خصوصيته بالسلطان، ولكن كان قانصوه خمسمائة متعديا على ابن أسنبغا الطيارى. وفى ربيع الآخر أخلع السلطان على قجماس الإسحاقى، أمير آخور كبير، وقرّره فى أمرة الحاج بركب المحمل، وأخلع على فارس الركنى وقرّره بأمرة الركب الأول، فاستعفى فارس من ذلك، فأعفاه السلطان، وقرّر عوضه آقبردى الأشرفى على عادته، وقيل إن فارس سعى بمال حتى أعفى من أمرة الحاج. وفيه جاءت الأخبار بأن الأمير يشبك الدوادار قد قبض على يونس بن عمر الهوّارى، وقد تتبعه إلى بلاد النوبة، وجرى له معه أمور يطول شرحها، وآخر الأمر قبض عليه وحزّ رأسه، وقبض على أخيه أحمد وعلى جماعة من أقاربه، وانتصر على بنى عمر نصرة عظيمة، وبعث برأس يونس إلى القاهرة فطيف بها وعلّقت على باب زويلة أياما؛ وكان يونس هذا من خيار بنى عمر، وهو يونس بن إسماعيل بن يوسف أمير عربان هوّارة، وكان مشهورا بالشجاعة. وفيه كان وفاء النيل المبارك، وقد أوفى رابع مسرى، فتوجّه الأتابكى أزبك وفتح السدّ على العادة. - ومن الحوادث الغريبة أن فى ليلة الوفاء انقطع جسر أبى المنجا وانقلب عن آخره، فحصل للبلاد التى تحته غاية الضرر، وغرق الكثير من أموال الناس والمقطعين؛ ومن العجائب أن البحر لم يتأثر لقطع جسر أبى المنجا، وأوفى تلك الليلة وزاد عن الوفاء اثنى عشر أصبعا، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة، ثم فى ثانى يوم من كسره زاد ستة عشر أصبعا، فأكمل الذراع السابع عشر فى يومين حتى تعجّب الناس من ذلك، وقد قال القائل فى المعنى: أرى النيل قد وفّا وزاد ولم يزل … يجود على أهل القرى بالمكارم أفاض عليها الماء من بسط راحة … أصابعها فاقت أيادى حاتم

стр. 2065

وفى جمادى الأولى جاءت الأخبار من حماة بأن سيف أمير نعير، وقرابته الغاوى قد خرجا عن الطاعة، وأن نائب حماة تقاتل مع الغاوى، فكسر نائب حماة وقتل من عساكر حماة ما لا يحصى، ثم خرج إليه نائب حلب واتقع معه، ففرّ منه، فتتبعه وقد اضطربت أحوال حماة بسبب ذلك. وفيه ثارت فتنة كبيرة بالقلعة بين المماليك الجلبان، حتى تفازعوا بالسيوف، فحنق منهم السلطان ورمى النمجة والترس من يده، ونزل من القلعة وتوجّه نحو شطنوف، فلما تحقق الجلبان ذلك أخذوا فى أسباب تلافى خاطره، وسكن أمر الفتنة التى كانت بينهم، ثم توجّه الأتابكى أزبك وكاتب السرّ إلى السلطان وتلافوا خاطره وتلطّفوا به فى عوده إلى القلعة، فلم يجب إلى ذلك، واستمرّ مصمّما على عدم عوده إلى القلعة، فلا زالوا به حتى عاد إلى القلعة بعد جهد عظيم. وفيه وصل الأمير يشبك الدوادار من جهة الصعيد، وحضر صحبته الأمير أحمد ابن عمر الهوّارى، أخو يونس الذى حزّت رأسه، وأحضر صحبته جماعة من بنى عمّ يونس وأقاربه وهم فى الحديد، فلما تمثّل بين يدى السلطان أخلع عليه خلعة حافلة، ونزل إلى داره ومعه أحمد بن عمر فى الحديد. وفى جمادى الآخرة عرض أحمد بن عمر على السلطان، فرسم بتسلمه إلى الوالى، هو ومن معه، وكانوا سبعة أنفار، فأركبوهم على جمال، ونزلوا بهم من القلعة، وأتوا بهم إلى باب زويلة، فكلبوهم وعلّقوهم على الباب، ووسّطوا منهم جماعة، وكان لهم يوم مشهود، وتأسّف عليهم الكثير من الناس، فإنهم كانوا خيار بنى عمر، ولكن كان للأمير يشبك عليهم ثأر قديم فاقتصّه منهم، كما يقال: الموت فى طلب الثار … ولا حياة فى العار وفيه نزل السلطان إلى قبّة يشبك التى بالمطرية، فأضافه هناك كاتب السرّ ابن مزهر ضيافة حافلة، وبات هناك ثم طلع إلى القلعة. وفى رجب أخلع السلطان على الشريف سبع، وقرّره فى أمرة الينبع، عوضا عن صقر، بحكم القبض عليه. - وفيه أخلع على يوسف بن أبى الفتح المنوفى نائب

стр. 2066

جدّة، وقرّر فى كتابة المماليك، عوضا عن عبد الكريم بن جلود بحكم وفاته، وكان متحدّثا فيها بغير تقرير. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة جانى بك الفقيه، الذى كان أمير سلاح ونفى من العقبة إلى القدس، فمات هناك، وكان أصله من مماليك الظاهر جقمق، وكان يعرف بجانى بك من ططخ، وكان إنسانا حسنا وله اشتغال بالعلم، وتولّى عدة وظائف، منها أمير آخور ثانى، ثم بقى أمير آخور كبير، ثم بقى أمير سلاح، ثم نفى إلى القدس، ومات به بطالا. وفيه توفى دولات باى حمام الأشرفى، وكان يعرف بدولات باى من تغرى بردى، ومات وهو نائب ثغر الإسكندرية، وكان لا بأس به. - وفيه عزل تاج الدين بن المقسى من الأستادارية، وأعيد إليها الأمير يشبك الدوادار، وأقام ابن المقسى فى الترسيم على مال، وكان ذلك آخر سعده. وفى شعبان أخلع على بدر الدين محمد بن الكويز، وقرّر فى نظر الخاص، عوضا عن تاج الدين بن المقسى، بحكم انفصاله عنها. - وفيه أخلع السلطان على محمد بن عجلان وأعاده إلى مشيخة العرب بالشرقية، وكان له نحو من عشر سنين وهو فى البرج بالقلعة. - وفيه أخلع على آقباى الطويل، وقرّر فى كشف الشرقية، وآقباى هذا هو الذى ولى نيابة غزّة فيما بعد. - وفيه توفى دولات باى سكسان الأشرفى برسباى، توفى بحماة، وكان أتابك العساكر بها، وكان من أعيان الأشرفية ولا بأس به. وفيه جاءت الأخبار بموت حسن بك الطويل ملك العراقين، وأن ولده خليل تولى على العراقين بعده، وقيل كان موته فى رجب، وكان ملكا جليلا عاقلا سيوسا، كثير الحيل والخداع، اقتلع ملك العراق من أخيه جهان كير بحيل غريبة، وقتل عمّه الشيخ حسن، وانقرضت دولة بنى أيوب على يده، ثم قوى على جهان شاه وحاربه حتى أن قتله وشتّت أولاده، وملك تبريز والعراقين، وبلغ مبلغا لم يصل إليه أحد من أجداده ولا من أقاربه، وقد تحرّش بابن عثمان ملك الروم بأن يأخذ من ملكه شيئا فما قدر عليه، ثم تحرّش بسلطان مصر وجرى له مع الأشرف

стр. 2067

قايتباى أمور يطول شرحها، وكان الأشرف قايتباى يخشى من سطوته، فلما مات عدّ ذلك من جملة سعد الأشرف قايتباى، وقد قيل فى المعنى: أيا ملكا صار من سعده … بموت الأعادى حقيقا يفوزا لقد أهلك الله عنك العداة … وينصرك الله نصرا عزيزا وفيه نزل السلطان من القلعة وتوجّه إلى نحو جهة القرين، ثم إلى الخطارة، وكشف عن الجامع والسبيل الذى أنشأهما هناك، والحوض، الذى أنشأه على الدرب السلطانى، وكان الشاد على العمارة الأمير يشبك الجمالى، فجاءت هذه العمارة فى غاية النفع. وفى رمضان أخلع على أينال الأشرفى مملوك السلطان، وقرّر فى نيابة الإسكندرية، عوضا عن دولات باى حمام. - وفيه كان ختم البخارى بالقلعة على العادة، وكان ختما حافلا. وفى شوال، فى يوم عيد الفطر، أخلع السلطان على الأمير يشبك من مهدى الدوادار، وقرّر فى أمرة السلاح، عوضا عن الأمير جانى بك الفقيه، بحكم نفيه إلى القدس بطالا، فعظم أمر الأمير يشبك جدا، وصار: أمير سلاح، دوادار كبير ووزيرا، وأستادارا، وكاشف الكشّاف (١)، ومدبر المملكة، وغير ذلك، فصار يجلس رأس الميسرة وهو بالقصر، ويقف فى الحوش فى منزلة الدوادارية، ولم تجتمع هذه الوظائف فى أحد من الأمراء قبله. - وفيه توفى شمس الدين العاقل، أحد الموقعين والشهود والعدول، وكان لا بأس به. - وفيه خرج الحاج من القاهرة فى تجمّل زائد، وكان أمير ركب المحمل قجماس الإسحاقى أمير آخور كبير، وأمير الركب الأول آقبردى الأشرفى، وحجّ فى تلك السنة الشيخ صلاح الدين الطرابلسى الحنفى. وفى ذى القعدة خرج قانصوه الألفى مسافرا إلى بلاد جركس، وكان قد حصل له توعّك فى أذنه وعينه، فتوجّه هناك للتداوى، وكان يومئذ خاصكى، فغاب هناك مدّة طويلة، ثم عاد إلى القاهرة. - وفيه توفى أبو يزيد من طراباى الأشرفى رأس نوبة الجمدارية، وهو والد الناصرى محمد بن أبى يزيد، وكان لا بأس به.

стр. 2068

وفى ذى الحجة نزل السلطان من القلعة، وعدّى إلى برّ الجيزة، وكشف على القناطر التى أمر بإنشائها على يد الأتابكى أزبك، وكان الوقت محتاجا لإصلاح تلك القناطر، وكانت تهدّمت فأصرف عليها جملة مال حتى جدّدها، وهى باقية إلى الآن. - وفيه جاءت الأخبار من دمشق بوفاة نائبها جانى بك قلقسيز، وكان أميرا جليلا ريسا حشما، وأصله من مماليك الأشرف برسباى، وكان موصوفا بالشجاعة والفروسية، وتولّى عدة وظائف سنية، منها: حجوبية الحجاب الكبرى، وأمرة مجلس، وأمرة السلاح، ثم ولى الأتابكية بمصر، وترشّح أمره إلى السلطنة غير ما مرّة، ثم أسر عند سوار، ثم أطلق وأعيد إلى أمرة السلاح، ثم تولى نيابة الشام ومات بها، وكان كفوا للمناصب والمهمات وغير ذلك. وفيه أرسل السلطان الخواجا محمد بن محفوظ المغربى إلى ملك الكيتلان الفرنجى، وأرسل له على يده هدية حافلة، فسار إليه. - وفى عقيب ذلك أرسل صاحب قبرس ما عليه من الجزية، وكان له مدّة سنين وهو عاصى لم يرسل ما عليه من الجزية المقررة، وقصد السلطان أن يجهّز له تجريدة، فلما أرسل ما عليه سكن الأمر. - وفى هذه السنة توفيت خوند فاطمة ابنة الملك المؤيد أحمد بن الأشرف أينال، وهى زوجة الأمير يشبك الدوادار أم ولده منصور، وكانت شابّة جميلة وفيها الخير، فحزن عليها الناس. - وفيه توفى شاهين الظاهرى الفقيه، أحد الأمراء العشرات، وكان لا بأس به، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثمانمائة فيها فى المحرم توجّه الأمير يشبك الدوادار إلى ثغر دمياط، وكان السلطان قد جعله متحدّثا عليها. فلما توجّه إلى هناك أنشأ على فمّ البحر الملح، عند برج الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، سلسلة من حديد زنتها نحو من مائتى وخمسين قنطارا من الحديد، وكانت هذه السلسلة قديما هناك، ثم بطل أمرها فجدّدها الأمير يشبك الدوادار فى هذه السنة، وحصل بها النفع لطرد مراكب الفرنج الكبار. - وفيه وصل

стр. 2069

الحاج إلى القاهرة، وحمدت سيرة الأمير قجماس أمير ركب المحمل. وفيه فى يوم السبت رابع عشرينه كانت وفاة أمير المؤمنين الجمالى يوسف المستنجد بالله العباسى بن محمد المتوكل على الله بن المعتضد بالله أبى بكر بن المستكفى بالله سليمان ابن الإمام أحمد الحاكم بأمر الله العباسى الهاشمى، وكان الثالث عشر من خلفاء بنى العباس بمصر، تولّى الخلافة بعد خلع أخيه حمزة، ودام فى الخلافة نحوا من خمس وعشرين سنة وأشهر، وكان ريسا حشما، وعنده لين حانب مع تواضع زائد، ورأى فى خلافته غاية العزّ، وقلّد فيها خمسة من السلاطين، وهم: المؤيد أحمد بن الأشرف أينال، والظاهر خشقدم، والظاهر يلباى، والظاهر تمربغا، والأشرف قايتباى، ومات وله من العمر زيادة عن ثمانين سنة، ومولده بعد التسعين والسبعمائة؛ ولما مات دفن عند أقاربه بجوار مشهد السيدة نفيسة ﵂، وهو أول خليفة سكن بالقلعة ودام بها حتى مات، وقد مات عن غير ولد ذكر، بل خلف بنتا تسمى ست الخلفاء، فعهد بالخلافة من بعده لابن أخيه العزى عبد العزيز. ذكر خلافة المتوكل على الله أبو العز عبد العزيز بن يعقوب بن محمد المتوكل على الله بن المعتضد بالله أبى بكر بن المستكفى بالله سليمان بن الإمام الحاكم بأمر الله أحمد العباسى الهاشمى وهو الرابع عشر من خلفاء بنى العباس بمصر، بويع بالخلافة بعد موت عمّه الجمالى يوسف بعهد منه، وكانت ولايته فى يوم الاثنين سادس عشرين المحرم من هذه السنة، فطلبه السلطان، فحين حضر حضر قضاة القضاة الأربعة وأرباب الدولة، وكان يومئذ عمّه موسى موجودا ولكنه كان غير صالح للخلافة، فلم يكن فى بنى العباس يومئذ أمثل من العزى عبد العزيز، فوقع الاتفاق من السلطان والأمراء على ولايته (١)، فتولّى الخلافة فى ذلك اليوم؛ أقول ولم يل الخلافة من اسمه عبد العزيز سواه، ثم إنه أراد أن يلقّب نفسه بالمستعزّ بالله، فعورض فى ذلك، ولقّبه بالمتوكل على الله كلقب جده

стр. 2070

محمد المتوكل، فأحضر إليه شعار الخلافة وأفيض عليه، وقدّمت إليه فرس النوبة بالسرج الذهب والكنبوش، فنزل من القلعة فى موكب حافل وقدّامه قضاة القضاة وأعيان الدولة، فتوجّه إلى مكان تسكن فيه الخلفاء، ثم تحوّل من يومه وطلع إلى القلعة وسكن بدار عمّه يوسف، التى هى داخل الحوش السلطانى، وطالت أيامه فى الخلافة، وكان كفوا لذلك، وكان سنّه لما تولى الخلافة نحوا من اثنين وستين سنة أو أكثر من ذلك، وكان مولده سنة تسع عشرة وثمانمائة، وكانت أمه تسمى حاج ملك بنت مقبل، وهو شخص من المماليك السلطانية، انتهى ذلك. وفى صفر تغيّر خاطر السلطان على أزدمر الطويل الإبراهيمى الأينالى حاجب الحجاب، فرسم بنفيه إلى مكة، وبعث إليه بألفى دينار يتجهّز بها. - وفيه نزل السلطان وتوجّه إلى سنيت، وأقام بها أياما، ثم عاد إلى القلعة، وسبب ذلك أن القال والقيل قد كثر بسبب نفى أزدمر الطويل، وأن جماعة الأينالية تثير فتنة، فلم يتأثّر السلطان إلى هذه الإشاعة وتوجّه إلى سنيت وأقام بها أياما. وفى ربيع الأول أنعم السلطان على تانى بك قرا الأينالى بتقدمة ألف، وهى تقدمة أزدمر الطويل، وعيّن الدوادارية الثانية إلى قانصوه خمسمائة، وأخلع عليه بها بعد أيام. - وفيه نقل السيفى قانصوه اليحياوى من نيابة حلب إلى نيابة الشام، عوضا عن المرحوم جانى بك قلقسيز بحكم وفاته؛ ونقل أزدمر قرابة السلطان من نيابة طرابلس إلى نيابة حلب، عوضا عن قانصوه اليحياوى بحكم انتقاله إلى نيابة الشام؛ وقرّر فى نيابة طرابلس برد بك المعمار نائب صفد، عوضا عن أزدمر قرابة السلطان؛ وقرّر عوضه فى نيابة صفد جانى بك أحد مماليك السلطان، وكان مقيما بالشام بطالا. - وفيه توفى جانم الأعور من يلباى أمير شكار أحد العشرات، وأصله من مماليك الملك الأشرف برسباى. وفيه ضرب الأمير يشبك الدوادار الكرة مع السلطان، فسقط صولجان (١) الأمير يشبك من يده، فترجّل الأمير جانم الشريفى قريب السلطان أحد المقدمين عن فرسه
следующие страницы →