← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

نحو عشر سنين يبيع ما فضل من الخزائن، وهو لا يفرغ. ثم إنّ صلاح الدين أخذ فى أسباب إصلاح أمر الديار المصرية، وأبطل من المكوس والمظالم، ما كان استجدّ فى الدولة الفاطمية، وكتب بذلك مساميح، وقرئت (١) على المنابر بعد صلاة الجمعة، فضجّ الناس له بالدعاء، واستمالت إليه قلوب الرعية، وأظهر العدل بالديار المصرية؛ وكان قدر ما أبطله من المكوس فى كل سنة، ما ينيف عن مائة ألف دينار ترد للخزائن، وتصرف فى جهات (٢). وفيه يقول عرقلة الشاعر: أصبح الملك بعد آل عبيد … مشرقا بالملوك من آل شادى وغدا الشرق يحسد الغرب لل … عدل ومصر تزهو على بغداد ما حواها إلا بعزم وحزم … وصليل الفؤاد فى الفولاذ لا كفرعون والعزيز ومن … كان بها كالخصيب والأستاذ الأستاذ يعنى كافور الإخشيدى. -[وقال العرقلة الشاعر: أقول والأتراك قد أزمعت … مصرا إلى حرب الأعاريب ربّ كما ملكتها يوسف ال … صدّيق من أولاد يعقوب ملّكها فى عصرنا يوسف ال … صادق من أولاد أيوب] (٣) ثم إنّ صلاح الدين أخلع على القاضى محيى الدين عبد الرحيم بن على بن حسن الفاضل البيسانى ثم المصرى، واستقرّ به وزيرا، وصاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية، وأقامه فى الوزارة مقام نفسه لما كان وزيرا. قلت: وكان القاضى الفاضل، عالما فاضلا، قد برع فى الشعر وصنعة الإنشاء، حتى قيل إنّ مسوّدات رسائله لو جمعت، بلغت مائة مجلّد؛ وهو الذى أظهر التورية

стр. 247

فى الشعر وكشف عنها الغطاء، وكان وقوعها فى الشعر عزيزا جدّا، ومن لطائف شعره، وهو قوله: لى عندكم دين ولكن هل له … من طالب وفؤادى المرهون فكأنّنى ألف ولام فى الهوى … وكأن موعد وصلك التنوين قال الإمام أبو شامه: كان القاضى الفاضل دميم الخلقة، وكان له حدبة ظاهرة خلف ظهره، وكان يسترها بالطيلسان، حتى لا ترى، وقد قيل: سلطاننا أعرج، وقاضيه … ذو عمش؟؟؟، والوزير منحدب وكان صلاح الدين يوسف به بعض عرج، والقاضى صدر الدين بن درباس به بعض عمش، والوزير الفاضل منحدب؛ وقال فيه ابن عنين مداعبة لطيفة: حاشى لعبد الرحيم سيدنا … الفاضل ماذا تقوله السفل يكذب من قال إنّ حدبته … فى ظهره من عبيده حبل هذا قياس فى غير سيدنا … يصحّ إن كان يحبل الرجل ومن النكت الظريفة، قال الأسعد بن مماتى: دخلت يوما على القاضى الفاضل، فرأيت إلى جانبه أترجة بديعة الخلقة، فجعلت أنظر إليها، وأتعجّب من خلقتها، فقال لى القاضى الفاضل: «أراك تطيل النظر إلى هذه الأترجة»، فقلت: «أتعجّب من شكلها، وبديع خلقتها»، فقال الفاضل: «ولها بنا نسبة أيضا، فيما بها من الاحتداب»، فقلت: «الله، الله، يا مولانا القاضى»؛ ثم إنّى سكتّ ساعة، وارتجلت بيتين (١) من الشعر فى المعنى، وهما: للحسن بل لله أترجة … قد أذكرتنا بجنان النعيم كأنّها قد جمعت نفسها … من هيبة الفاضل عبد الرحيم ثم أنشدتهما بين يديه، فلما سمع ذلك أعجبه، وزال من فكره ما كان توهّمه منى، فلما خرجت من عنده، ذكرت ذلك لبعض أصحابى، فقال لى: «احمد الله تعالى الذى أنشدته ذلك من لفظك، ولم تكتبهما له، فربما تصحّفت عليه فى اللفظ، فيقرأها «من هيئة الفاضل عبد الرحيم» فيزداد حنقا من ذلك»، انتهى.

стр. 248

ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة فيها بلغ الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، أنّ جماعة من أعيان القاهرة، ومن جملتهم عمارة اليمنى، الشاعر، اتّفقوا على إعادة (١) دولة الفاطميين؛ فلما تحقّق صلاح الدين ذلك، أمر بشنقهم، ومن جملتهم عمارة اليمنى، فشنقوا فى عاشر رمضان، سنة تسع وستين وخمسمائة. وكان عمارة فقيها فرضيّا، شاعرا ماهرا، ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، أتى من اليمن، ودخل مصر سنة خمسين وخمسمائة، وامتدح الخلفاء الفاطميّة بقصائد سنيّة، لكنه كان يميل إلى مذهب الرافضة، ومن شعره الرقيق، قوله: ولا تحتقر كيد الصغير فربما … تموت الأفاعى من سموم العقارب إذا كان رأس المال عمرك فاحترس … عليه من التضييع فى غير واجب [وفيها قبض الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، على مؤتمن الحبشى، زمام الخليفة العاضد بالله، فلما قبض عليه قتله، فلما قتل، ثارت عليه العبيد الذين (٢) كانوا بمصر، وكان جملة العبيد يومئذ بمصر خمسين ألف عبد، من أجناس شتى، فاستمرّ الحرب ثائرا بينه وبين العبيد يومين، وكانت قوّة هذه الواقعة بين القصرين، فقتل من العبيد ما لا يحصى، ثم انهزموا وكانت الكسرة على العبيد] (٣). وفى هذه السنة، أعنى سنة تسع وستين وخمسمائة، فيها جاءت الأخبار من دمشق بوفاة الملك السعيد نور الدين الشهيد، صاحب دمشق، المجاهد المرابط الولى، وقد عدّه اليافعى فى كتاب «روض الرياحين» أنّه من الأولياء الأربعين، ودفن بالشام بجامع الكلاسة، وقبره يزار إلى الآن. وهو أول من حمل على رأسه الصنجق من الملوك؛ وكان اسمه محمود بن زنكى، وقد أطلق عليه السلطان، مثل ملك شاه السلجوقى، وهو أول من تلقّب بالسلطان مع وجود الخلفاء.

стр. 249

قيل إنّه رأى النبى، ﷺ ، فى المنام، وهو يقول له: «أدركنى يا نور الدين، فإنّ شخصا من الرافضة جاء ليسرق جثتى»، وأراه شكله فى المنام. فلما أصبح نور الدين توجّه إلى المدينة الشريفة، فى غير أوان الحاجّ، فلما دخل المدينة استعرض أهلها، وأوهمهم أنّه يفرّق عليهم مالا؛ فلما حضروا بين يديه، قال: «هل بقى منكم أحد»؟ قالوا: «بقى شخص من الصالحين، منقطع إلى الله تعالى، لا يجتمع بأحد من الناس»، قال: «آتونى به». فلما حضر بين يديه، فإذا هو الشخص الذى أراه له النبى، ﷺ ، فى المنام بعينه، فلما رآه، أمر بصلبه، فصلب؛ ثم كبس داره، وكانت داره بالقرب من الحجرة الشريفة، فوجده قد حفر سربا تحت الأرض، وقد قرب من لحد النبى، ﷺ ، فحفر نور الدين الشهيد حول الحجرة الشريفة خندقا، وردمه بالحجارة الكبار، ثم سبك عليهم بالرصاص؛ وهذه الحكاية مشهورة عن نور الدين الشهيد، رحمة الله عليه. وهو أول من اتّخذ حمائم الرسائل إلى الآفاق؛ وهو أول من أطلق عليه «السلطان» بعد ملك شاه السلجوقى، وكان يلقّب بالملك العادل. قال ابن فضل الله فى «المسالك»: إنّ الاصطلاح أنّ لا يطلق التسمية بالسلطان، إلا على من يكون يملك عدّة بلاد، مثل مصر والشام وأفريقية والأندلس، وفى ولايته عدّة ملوك، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس، أو نحو ذلك، وأن يخطب باسمه فى عدّة أماكن شتى، فجاز له أن يطلق عليه بالسلطان الأعظم، فكان نور الدين الشهيد يطلق عليه «السلطان الأعظم»، فإنّه قد اجتمع فيه هذه الشروط كلها. فلما توفّى السلطان نور الدين الشهيد، انفرد صلاح الدين يوسف بن أيوب، بما كان فيه نور الدين الشهيد، وأطلق عليه التسمية بالسلطان، فصفا له الوقت، وساعدته المقادير، بما يختار من الأمور، كما قيل فى المعنى: لو نطقت مصرنا لقالت … يا ملك العصر والأقالم

стр. 250

قد أصبح السعد عبد رقّ … والنصر أمسى لديك خادم له بقلب الملوك رعب … أغنى عن السمر والصوارم فلما انفرد صلاح الدين يوسف يملك مصر والشام، أزال ما كان بمصر من العساكر الملّفقة، وكانوا ما بين صقالبة ومصامدة وأرمن وشناترة العرب، وطائفة من العبيد الزنج، فمحا هذه الطوائف كلها، واستجدّ بمصر عساكرا من الأكراد خاصّة، فكان عدّتهم اثنى عشر ألفا من شجعان الكرد. قال ابن الأثير: لما دخلت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، شرع الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب فى بناء سور القاهرة بالحجر القصّ النحيت، وأبطل السور الذى كان بناه جوهر القائد، سنة إحدى وستين وثلثماية، وكان بناه بالطوب اللبن فى دولة الفاطميين. ثم جعل دوره ثلاث وثلاثين ألف ذراع (١) بالعمل، وجعل فى هذا السور أحد عشر بابا، غير الأبواب الصغار، وكان القائم على بناء السور الأمير بهاء الدين قراقوش، الخصىّ الحبشى. قال ابن الأثير: وإنّ بابى زويلة القديم، كان فى الغرابليّين عند مسجد سام بن نوح، وآثاره باق إلى الآن، وأما باب زويلة الموجود الآن يسمّى باب الفاضل؛ ثم إنّ صلاح الدين شرع فى بناء قلعة الجبل، واتّخذها دار المملكة. قال ابن الأثير: مات صلاح الدين ولم يتمّ بنى قلعة الجبل، وإنما أكمل بناءها الملك الكامل محمد بن أخى صلاح الدين يوسف، وهو أول من سكن بها من بنى أيوب، وبطل أمر قصر الزمرّد، الذى أنشأه المعزّ الفاطمى، وكان مكان دار الضرب. قال القاضى شمس الدين بن خلكان: إنّ فى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، شرع الملك الناصر صلاح الدين يوسف فى بناء خانقاة سعيد السعداء، وهى أول خانقاة عمرت بالقاهرة، وكانت دارا لشخص من خدّام الخليفة المستنصر بالله الفاطمى، يقال له

стр. 251

قنبر سعيد السعداء، فاشتراها السلطان صلاح الدين وبناها خانقاة، فسمّيت «خانقاة سعيد السعداء» مضافا لاسم قنبر سعيد السعداء. ثم بنى المدرسة المعروفة بالسويفية، وجعلها للحنفية؛ ثم بنى المدرسة المعروفة بالقمحية، وجعلها للمالكية؛ ثم بنى المدرسة العظيمة التى بجوار الإمام الشافعى، ﵁، وجعلها للشافعية؛ ثم بنى مدرسة عند دار الضرب، وجعلها للحنابلة، وأنشأ بجوارها مارستان، ولم يكن بالقاهرة مارستان قبله، غير الذى أنشأه أحمد بن طولون فى القطائع، وبطل أمره؛ وأنشأ مدرسة بالقدس الشريف، وسمّاها الصلاحية. ومن محاسن الناصر صلاح الدين يوسف، أنّه أقام بمجد السادة الشافعية، وقدّمهم على غيرهم من المذاهب الثلاثة. قال ابن الأثير: إنّ أول من قرّر الخدّام الخصيان بالمدينة الشريفة، الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان سبب ذلك، أنّ بنى حسن، لما تغلّبوا على الخلفاء الفاطميين، واستولوا على المدينة الشريفة، فلما آل الأمر إلى الناصر صلاح الدين، استمال بنى حسن، وأغدق عليهم بالمال الجزيل والهدايا، حتى مكّنوه من المدينة الشريفة. فلما ملك أمرها، جعل فيها أربعة وعشرين خادما خصيّا، وجعل عليهم شيخا من الخدّام، يقال له بدر الدين الأسدى، وأوقف على مجاورى المدينة بلدين من أعمال الصعيد، وهما نقادة، وقبالة، وهما إلى الآن جارية فى أوقاف الحرمين. واستمرّ من يومئذ شيخ الحرم النبوى من الخدّام الخصىّ، وكان إذا قدم على الملوك يقومون له، ويجلسونه إلى جانبهم، ويتبرّكون به، لقرب عهده من تلك الأماكن الشريفة، واستمرّ ذلك إلى أيام الأشرف برسباى. ومن الحوادث فى أيامه، أنّ الفرنج أتوا إلى ثغر دمياط، وحاصروا أهلها، فتوجّه إليهم الناصر صلاح الدين، وتقاتل معهم، وكسرهم، وكانوا نحو مائتين (١) مركب،

стр. 252

فأقام يحاصرهم نحو شهرين حتى كسرهم، وانهزموا إلى بلادهم. [وفى سنة ست وسبعين وخمسمائة، توفّى الشيخ أبو المفاخر المأمونى، راوى صحيح الإمام مسلم] (١). وفى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، فيها جاءت الأخبار من مدينة الخليل، ﵇، بأنّ المغازة التى فيها الخليل مدفونا، قد انخسفت من أعلاها، فنزل بها جماعة، فوجدوا بها ثلاث جثث، وهم: إبراهيم، وإسحق، ويعقوب، ﵈، وقد بليت أكفانهم، وهم مستندون إلى حائط المغارة، وأجسادهم طريّة لم تبل (٢)، وهيئتهم على حالها كأنهم ينطقون (٣)، وعلى رءوسهم قناديل من ذهب وفضّة. فلما بلغ الملك الناصر صلاح الدين ذلك، توجّه إلى مدينة الخليل، ﵇، ونزل المغارة، وأمر بأن تجدّد لهم أكفان بيض، وسدّ ما كان قد انخسف من المغارة بالحجارة الكبار، ثم رجع إلى القاهرة؛ وهذه الواقعة نقلها على الهروى السوّاح، فى كتاب «الإشارات فى معرفة الزيارات»، انتهى ذلك. [وفى هذه السنة، وهى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، فيها جاءت الأخبار من بغداد بوفاة سيدى أحمد بن الرفاعى، رحمة الله عليه، توفّى فى رابع عشر جمادى الأولى من هذه السنة] (٤). وفى هذه السنة، توفّى القاضى موفّق الدين بن محمد المصرى، صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية، قال العماد الكاتب: «لم يكن فى عصره أشعر منه»، توفّى فى جمادى الآخرة من تلك السنة، ومن شعره قوله: إنّ شهر الصيام ضيف (٥) أتانا … وقرى الضيف لازم للكرام وهو راض بصومه هل سمعتم … قبله الضيف راضيا بالصيام

стр. 253

[وفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، توفّى الإمام أبو القاسم السهيلى، وكان أحد أهل زمانه، وهو صاحب الأبيات المشهورة «يا من يرى ما فى الضمير ويسمع»] (١). [وفى سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فيها، فى ثانى عشر ذى القعدة، توفّى الشيخ نجم الدين الخبوشانى، ودفن بجوار الإمام الشافعى، ﵁، وكان تلميذ الإمام أبى حامد الغزالى، قدم مصر وأقام بها إلى أن مات] (٢). ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة فيها توجّه الملك الناصر صلاح الدين يوسف إلى دمشق، فلما دخلها، نزل بالميدان الكبير، وجلس فى القصر الذى به، فجاءت إليه أرباب الملاعب، من المصارعين، والمثاقفين، وغير ذلك. ثم جاء إليه رجل أعجمى، فتكلّم مع الملك الناصر بأن يريه أعجوبة فى صنعة الشعبذة، فأذن له فى ذلك، فنصب خيمة لطيفة فى الميدان، وأخرج من كمّه كبّة خيط، وربط ذلك الخيط فى يده، ثم حذف تلك الكبّة الخيط فى الهواء، ثم تعلّق بها، وصعد حتى غاب عن الأبصار. ثم بعد ساعة سقطت بين الناس إحدى رجليه، وصارت تزحف على الأرض حتى دخلت الخيمة، ثم سقطت رجله الأخرى، وصارت تزحف حتى دخلت الخيمة، ثم سقطت إحدى يديه ودخلت الخيمة، ثم سقطت اليد الأخرى ودخلت الخيمة، ولم تزل أعضاؤه تتساقط عضوا عضوا حتى سقطت الرأس، وصارت تزحف على الأرض حتى دخلت الخيمة، ثم بعد ساعة خرج الرجل، وهو سوى كما كان، يمشى على أقدامه، فقبّل الأرض بين يدى الملك الناصر. ثم إنّ الرجل دخل إلى الخيمة قدّام الناس، فقال رفيقه للحاضرين: «ادخلوا إلى الخيمة وفتّشوها»، فدخلوا الخيمة وفتّشوها، فلم يجدوا فيها أحدا، ثم فكوها ونصبوها فى مكان آخر، فخرج منها الرجل، وهو يمشى على أقدامه، فتعجّب منه الناس.

стр. 254

وكان حاضرا عند الملك الناصر شخص (١) من الامراء، يقال له سنقر الأخلاطى، فلما رأى ذلك، حنق وجرّد سيفه، وضرب عنق ذلك الرجل المشعبذ، وقال: «مثل هذا لا يؤمن (٢) أن يكون جاسوسا من عند أحد من الفرنج». ثم إنّ الأمير سنقر أراد أن يضرب عنق رفيقه، فاستجار بالملك الناصر، وزعم أنّه لا يعرف شيئا مما كان يعمله رفيقه، فمنع الملك الناصر الأمير سنقر من قتله، وقال للرجل: «اخرج من الشام، ولا تقم بها، يقتلوك»، فخرج من وقته، انتهى ذلك. [ومن الحوادث، ما نقله المقريزى فى «الخطط»، أنّ فى سنة خمس وثمانين وخمسمائة، احترق بحر النيل احتراقا عظيما، لم يعهد بمثله، فظهر قدّام المقياس، الذى (٣) تجاه برّ الجيزة، حائط (٤) فى وسط البحر، فقيل إنّه مكان قبر نبى الله يوسف، ﵇، وكان به التابوت الذى (٥) به عظام يوسف، ولم ينكشف هذا المكان قط، من حين نقل جسده موسى، ﵇، إلى بيت المقدس، فتعجّب الناس من ذلك] (٦). ومن النكت اللطيفة، قيل: كان بدمشق خان يعرف بخان ابن الزنجارى، وكان يعمل فيه من أنواع الفسوق ما لا يوصف شرحه، فلما بلغ الملك الناصر خبره وهو بالشام، فاشتراه وهدمه وبناه جامعا، وسمّاه جامع التوبة، وولّى خطابته لشخص يسمّى العماد الواسطى، وكان يتّهم بشرب الراح، وحبّ الملاح، فكتب بعض اللطفاء قصّة عن لسان هذا الجامع، ورفعها إلى الملك الناصر، وهو فى موكبه بالشام، وكان شرح القصّة هذه الأبيات، وهى:

стр. 255

يا مليكا أوضح الح … ق لدينا وأبانه جامع التوبة قد قلّ … دنى منه أمانه قال قل للملك النا … صر أبقى الله شانه يا صلاح الدين يا من … حمد الناس زمانه لى خطيب واسطى … يعشق السكر ديانه ويحب المرد طبعا … ويغنّى بالجعانة فأنا فى كل حال … لم أزل بالفسق حانه فاستمع قصّة حال … زادك الله صيانه فلما وقف الملك الناصر على هذه القصّة، أمر بعزل العماد الواسطى عن خطابة الجامع، وولى عليه شخصا من أهل العلم والصلاح؛ انتهى ذلك. [قال ابن سناء الملك: بدولة الترك عزّت ملّة العرب … وبابن أيوب ذلّت شيعة الصلب وفى زمان ابن أيوب غدت حلب … من أرض مصر وعادت مصر من حلب ولابن أيوب دانت كل مملكة … بالصفح والصلح أو بالحرب والحرب] (١) واستمرّ الملك الناصر بالشام حتى مرض، وسلسل فى المرض، حتى مات، رحمة الله عليه؛ وكانت وفاته فى صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، والبلاد الشامية، نحوا من أربع وعشرين سنة، بما فيها من أيام الملك العادل نور الدين الشهيد؛ ومات الناصر صلاح الدين، وله من العمر نحو إحدى وسبعين سنة، ودفن بدمشق، فى مدرسة مجاهد الدين، وخلف من الأولاد سبعة عشر ولدا ذكرا. ولم يخلف فى بيت المال لا ذهبا ولا فضّة، ولا قماشا، ولا سلاحا، وأنفذ جميع ما فى الخزائن فى الغزوات والجهاد، حتى فتح البلاد التى كانت بيد الفرنج.

стр. 256

وكان له اشتغال بالعلم والحديث؛ وهو أول من اتّخذ قيام المؤذّنين فى أواخر الليل، وطلوعهم إلى المآذن (١) للتسبيح حتى يطلع الفجر، واستمرّ ذلك إلى الآن. وكان لا يلبس إلا الثياب القطن، والجبب الصوف، وقد عدّه اليافعى فى كتاب «روض الرياحين» أنّه من جملة الأولياء الثلاثمائة، ولما مات رثاه العماد الكاتب بقصيدة، منها: شمل الهدى والملك عمّ شتاته … والدهر ساء وأقلعت حسناته بالله أين الناصر الملك الذى … لله خالصة صفت نيّاته أين الذى مازال سلطانا لنا … يرجى نداه وتتّقى سطواته أين الذى شرف الزمان بفضله … وسمت على الفضلاء تشريفاته أين الذى عيت الفرنج سيوفه … دولا ومنها أدركت ثاراته أغلال أعناق العدى أسيافه … أطواق أجياد الورى مناته وأما ما افتتح من البلاد فى أيامه، قال ابن السبكى فى «الطبقات»: ومن فتوحاته، قلعة أيلا، وطبرية، وعكّا، والقدس، وكان بيد الفرنج اثنتين وسبعين سنة. وفتح مدينة الخليل أيضا، والكرك، والشوبك، ونابلس، وعسقلان، وبيروت، وصيدا، وبيسان، وغزّة، وصفورية، والعولة، وهمليا، والطور، والإسكندرية، وقبرس، ويافا، وأرسوف، وقيسارية، واللجون، ومسجد ناقول، وريحا، وحمص، والديدمر، وأنطرطوس، واللاذقية، ومهران، وجبلة، وقلعة الجماهرية، ودر مسايل، وبغراس، وصفد؛ وافتتح أكثر بلاد النوبة، وكانت بيد النصارى. (١٢٤ أ) (٢) ومن فتوحاته مصر من يدى بنى عبيد الفاطمية الرافضة، وفتح غالب

стр. 257

بلاد اليمن؛ وفتح دمشق، وحمص، وحماة، والمعرة، وكفر طاب، وبارين، ومنبج، وعزاز، وحلب، والموصل، وسنجار، والرّقة، وجعبر، والرحبة، والخابور، وآمد، ونصيبين، والرها، وميافارقين، وسروج، والكرك، والشوبك، وبيت المقدس، وكان بيدى الفرنج نحو اثنتين وسبعين سنة. وفتح غزّة، وعسقلان، والرملة، وطبرية، وكوكب، وصفد، والطور، وبيت جبريل، وعكّا، وصيدا، وبيروت، والبطيرون، ونابلس، والداروم، وحيفا، والسارية، وشقيق، وصفورية، والناصرة، وتبنين، وهونين، وجبيل، وحصن الأكراد، وأنطرسوس، واللاذقية، وصهيون، وكداس، وبلاطنس، وسعربكاس، وصابورية، وبغراس، ورودس، ودرب ساك، وأنطاكية، وحارم، وخلاط، والداروم، والبرنس، وحفرى، وفتح مدينة الخليل، ﵇، وغير ذلك من البلاد والقلاع والحصون، انتهى ذلك من فتوحاته المشهورة عنه، تمت. [وأما ما افتتح من بلاد المسلمين: حران، وسروج] (١)، وشهرزور، والرها، والرّقة، والبيرة، وسنجار، ونصيبين، وآمد، وحلب، وأخذ الموصل بالأمان، قيل إنّه أقام يحاصر (٢) عكّا سبعة وثلاثين شهرا حتى فتحها عنوة؛ وفتح مدينة طرابلس الغرب، ويرقة من بلاد المغرب؛ وأبطل فى أيامه ما كان يؤخذ من حجّاج المغاربة من المكوس، لأمير مكّة، وعوّضه عن ذلك أشياء كثيرة، وأبطل ذلك عنهم. فكان حكم الملك الناصر صلاح الدين من مصر إلى الفرات، ومن مصر إلى بلاد المغرب، والحجاز، واليمن. فلما عظم أمره، تلاشى أمر خليفة بغداد الناصر لدين الله أحمد، فأرسل يقول لصلاح الدين: «أنت تلقّبت بالناصر، وأنا ملقّب بالناصر، فما يعرف لقبى من لقبك، فتلقّب أنت بغير هذا اللقب»، فأرسل الناصر صلاح الدين يقول له: «أنا ما تلقّبت بهذا اللقب، وإنما لقّبنى به الخليفة العاضد بالله، لما ولاّنى الوزارة».

стр. 258

واستمرّ صلاح الدين على لقبه حتى مات؛ ثم تولّى من بعده ابنه العزيز بالله عثمان؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وذلك على سبيل الاختصار. ذكر سلطنة الملك العزيز بالله عماد الدين عثمان ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وهو الثانى من ملوك بنى أيوب؛ بويع بالسلطنة بعد موت أبيه، وكان مولده بمصر، فى جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة، وولى الملك وله من العمر نحو سبع وعشرين سنة، وكان أصغر إخوته، وكان أخوه (١) الأفضل أكبر منه؛ فلما توفّى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بدمشق، ولّى ابنه الأفضل على البلاد الشامية، وولّى ابنه المظفر غازى على البلاد الحلبية، وعهد لابنه عثمان بولاية مصر. فلما استقرّ عثمان بمصر، وقع الخلف بين الإخوة، ووثب بعضهم على بعض، وجرى بينهم من الحروب ما يطول شرحه؛ وكان عثمان طائش العقل مخلوعا (٢)، أخطأت فيه فراسة والده الناصر بما كان يرجوه منه، فكان كما قيل فى المعنى: أملتهم ثم تأملتهم … فلاح لى أن ليس فيهم فلاح طال وقوفى بفناء ربعهم … من غير نفع فالرواح الرواح فلما تولّى أمر مصر، أعاد المكوس التى كان أبطلها والده، وزاد فى شناعتها؛ وتجاهر بالمعاصى، حتى غلا سعر العنب فى أيامه لكثرة من يعصره؛ وحميت بيوت المزارة والحانات، وأماكن الحشيش، وأباحوا ذلك أرباب الأمر والنهى؛ وأقيمت

стр. 259

على هذه الأماكن الضرائب الثقيلة، وقرّر عليها فى كل يوم ستة عشر دينارا، حماية للسلطان، وصار طاحون الحشيش عمالة كل يوم فى حارة المصامدة، وكذلك بيوت المزار، التى فى الكبش، عند الغور؛ وكان القاضى عبد الرحيم الفاضل، وزير أبيه، ينهاه عن ذلك فلم ينته (١)؛ ووقع فى أيامه النلاء بمصر، والقمح فى الجرون، واضطربت أحوال الديار المصرية فى أيامه. ومن الحوادث أنّ دارا كانت عند فمّ السدّ، تعرف بدار ابن مقشر، وكان يحصل من أجرتها يوم فتح السدّ، ما لا يحصل من أجرة غيرها فى مدّة سنة كاملة، بسبب فتح السدّ والفرجة عليه، يوم وفاء النيل؛ فلما كان يوم الأحد سابع صفر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، أوفى النيل على جارى العادة، فأكرت الناس البيوت، التى فى دار ابن مقشر، بسبب الفرجة، حتى ما بقى فيها ما يسع قدم إنسان؛ فبينما الناس محتبكة بها، فسقطت عليهم تلك الدار على من بها من الناس، فماتوا أجمعين، وكان بها من الناس نحو خمسمائة إنسان من رجال ونساء وصفار، فأقاموا يستخرجون منها الأموات ثلاثة أيام. فبينما هم على ذلك، فوجدوا تحت الردم شخصا يسمّى بأبى البقا، وفيه بعض نفس، فطلع من تحت الردم، وأقام مدّة وهو ضعيف، ثم عوفى وعاش بعد ذلك مدّة طويلة؛ ثم فى بعض الأيام طلع إلى سطح داره، فزلّت رجله من ثلاثة درج، فمات من وقته، انتهى ذلك. وفى هذه السنة توفّى الإمام شجاع بن محمد بن سيدهم، شيخ القراءات السبع. قال ابن المتوج: جاء رجل أعجمى من توريز العجم، فأوحى إلى الملك العزيز أنّ الهرم الصغير، المكسو بالحجر الصّوان، تحته مطلب، وكان الملك العزيز عنده خفّة، فوجّه إليه القطّاعين، فأقاموا نحو شهر، ولم يهدم منه إلا اليسير، فأنفق على هدمه مالا جزيلا، ولم يفد من ذلك شيئا، فهرب العجمى، وترك الملك العزيز هدمه عن عجز.

стр. 260

وفى سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، توفّى الريس شرف الدين بن السديد، شيخ الطب فى عصره. وفى سنة أربع وتسعين وخمسمائة، توفّى أبو القاسم الكاتب الواسطى، وهو يحيى ابن على بن يحيى الوزان، وكان من فحول الشعراء. ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمائة فيها خرج الملك العزيز إلى نحو الفيوم يتصيّد، فبينما هو فى الفضاء، إذ لاح له ظبى، فساق خلفه، فكبا به الفرس، فدخل قربوس السرج فى صدره، فمات من وقته، فحمل إلى القاهرة، ودفن عند الإمام الشافعى، ﵁؛ وكانت وفاته فى يوم الخميس حادى عشرين المحرم، سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وكانت مدّة سلطنته بمصر، نحو سبع سنين وأشهر؛ ولما مات تولّى بعده ابنه محمد المنصور؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الملك العزيز عثمان وذلك على سبيل الاختصار، تمت. ذكر سلطنة الملك المنصور محمد ابن الملك العزيز عثمان ابن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وهو الثالث من ملوك بنى أيوب؛ بويع بالسلطنة بعد موت أبيه العزيز، فى العشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة؛ وكان القائم بأمور دولته الأمير بهاء الدين قراقوش، الخصىّ الحبشى، فساس الناس فى أيامه أحسن سياسة. وكان الملك المنصور صغير السنّ، فأقام فى السلطنة مدّة يسيرة، وأتت أعمامه من البلاد الشامية، وتحاربوا معه، فانكسر وسجن بقلعة الجبل، واستمرّ مسجونا إلى أن مات فى السجن، فكانت مدّة سلطنته بمصر نحو عشرة أشهر؛ ولما خلع من السلطنة، تولّى بعده عمّ أبيه الأمير أبو بكر بن أيوب؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الملك المنصور محمد.

стр. 261

ذكر سلطنة الملك العادل سيف الدين أبى بكر ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شادى وهو الرابع من ملوك بنى أيوب؛ بويع بالسلطنة بعد خلع ابن ابن أخيه المنصور محمد، فى شوال سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وكان العادل هذا فى أيام أخيه الناصر صلاح الدين يوسف، قد استولى على عدّة بلاد من بلاد الشرق، وكان مولده بمدينة بعلبك، سنة أربع وستين وخمسمائة، وكان أصغر من أخيه صلاح الدين يوسف. فلما تولّى السلطنة مشى على نظام أخيه الناصر، وكان وافر الحرمة، نافذ الكلمة؛ قيل إنّه كان يشتّى بمصر، ويصيّف بالشام، وكان خفيف الركائب، مسعود الحركات، كثير الغزوات، وافر العقل. وفى سنة ست وتسعين وخمسمائة، توفّى الأثير محمد بن أبى الطاهر بن محمد بن بيان الأنبارى الشافعى، من أعيان العلماء الشافعية. وفى أيامه توفّى القاضى عبد الرحيم الفاضل، وزير الديار المصرية، وصاحب ديوان الإنشاء، وهو أول من كشف الغطاء عن التورية فى الشعر، وكان فريد عصره فى الإنشاء والبديع، وغير ذلك من العلوم؛ ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ومات فى سابع ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة، ودفن بالقرافة بجوار تربة الشاطبى، رحمة الله عليه، ومن قوله فى باب التورية فى معذر: وكنت وكنا والزمان مساعد … فصرت وصرنا وهو غير مساعد وزاحمنى فى ورد ريقك شارب … ونفسى تأبى شركها فى الموارد [وفى سنة ست وتسعين أيضا، توفّى الشيخ أبو الفتح محمد بن محمود الطوسى، كان إماما فى مذهب الشافعى] (١).

стр. 262

ومن الحوادث العظيمة فى أيام العادل هذا، أنّ فى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، توقّف النيل عن الزيادة، وانتهى فى الزيادة إلى اثنتى عشرة ذراعا وأصبعا، ثم انهبط ولم يزد بعد ذلك شيئا، فاضطربت أحوال الديار (١) المصرية، وحصل الضرر الشامل للبرّية، وأكلت الناس بعضها بعضا. واستمرّ النيل على ذلك ثلاث سنين متوالية، لم يزد غير اثنتى عشرة ذراعا، ثم يهبط، فوقع القحط، وعدمت الأقوات، فصار الناس من شدّة الجوع يأكلون الكلاب والقطط والحمير والبغال والخيل والجمال، حتى لم يبق (٢) بمصر دابّة (٣) تلوح؛ ثم تزايد الأمر حتى صار الرجل يذبح ابن جاره، أو عبده، أو جاريته، ويأكلهم، ولا ينكر عليه ذلك؛ وقد تناهى (٤) سعر القمح فى أواخر هذه السنين المجدبة، إلى مائة دينار كل أردب ولا يوجد. هكذا (٥) نقل الإمام أبو شامة، ثم قال: وقد عقب هذه الغلوة فناء عظيم، حتى إنّ الملك العادل، كفّن من ماله فى مدّة يسيرة، من مات من الغرباء نحو مائتين وعشرين ألف إنسان؛ وأما الذى مات من أهل مصر، فلا يحصى عددهم، حتى قيل: كان النيل إذا طلع لم يجد من يزرع عليه الأرض، فكانت الأتراك تخرج بنفسها، ويحرثون ويزرعون ويحصدون، وذلك لعدم وجود الفلاحين. قال الإمام أبو شامة: كانت الأطباء يدعونهم إلى المرضاء، فإذا حصلوا عندهم فى الدار، يغلقوا (٦) عليهم الأبواب ويذبحوهم ويأكلوهم (٧)؛ وكذلك كانوا يفعلون بالغواسل، يدعونهم إلى الأموات، فإذا حصلوا عندهم فى الدار، ذبحوهن وأكلوهن، وصار لا ينكر ذلك بين الناس. قيل إنّ رجلا من أهل مصر استدعى بطبيب، فلما أتى معه، جعل الرجل يكثر

стр. 263

من ذكر الله تعالى بطول الطريق، فسكن روع الطبيب بعد ما كان فى وجل، فاستمر يمشى معه حتى وصلا إلى دار خربة، فخرج منها رجل، وقال للرجل الذى جاء بالطبيب: «وهل مع هذا البطء (١) العظيم، جئت لنا بصيد»؟ فلما سمع الطبيب ذلك ولّى هاربا، وما خلص إلاّ بعد جهد كبير. واستمرّ الأمر على ما ذكرناه مدّة طويلة، ثم سكن الحال، وتراجع الأمر قليلا، قليلا، وانحطّ سعر القمح، وظهر فى العرصات، وامتلأ أعين الناس منه، وزالت تلك الشدّة عن الناس، وانتسى أمر الغلاء كأنه لم يكن، كما قيل فى المعنى: إذا ما رماك الدهر يوما بنكبة … فهيّئ لها صبرا، وأوسع لها صدرا فإنّ تصاريف الزمان كثيرة … فيوما ترى عسرا، ويوما ترى يسرا انتهى ذلك. - وفى هذه السنة توفّى الإمام الحسن بن الخطير النعمانى الفارسى، وكان من أعيان العلماء الحنفية، وكان له تفسير القرآن فى عدّة مجلدات، مات فى أوائل سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. ولما توفّى الفاضل تولّى عوضه فى الوزارة، الصاحب بهاء الدين زهير محمد بن محمد بن على بن يحيى بن الحسن الأزدى، ثم المصرى، وكان عالما فاضلا، بارعا فى البديع والإنشاء، وله شعر جيّد ومعانى غريبة، أقام فى الوزارة إلى آخر دولة بنى أيوب، ووزر للملك الكامل، والعادل، والصالح، والمعظم، ومن شعره قوله: عتبتكم عتب المحبّ حبيبه … وقلت بإذلال فقولوا بإصغاء لعلكم قد صدّكم عن زيارتى … مخافة أمواه لدمعى وأنواء فلو صدق الحبّ الذى تدّعونه … وأخلصتم فيه مشيتم على الماء وفى أيام العادل هذا، جاءت الأخبار بوفاة الشيخ مؤيد الدين الطغرائى، صاحب لامية العجم، وكان الطغرائى كاتب الإنشاء للملك مسعود، صاحب حماة؛ فلما كانت الواقعة بين الملك مسعود، وبين أخيه الملك محمود شاه، فانتصر محمود شاه على أخيه الملك مسعود؛ فلما ولّى هاربا، فكان أول من أسر من جماعة الملك مسعود، مؤيد

стр. 264

الدين الطغرائى، وكان الملك محمود شاه يكره الطغرائى. وكان الطغرائى له شنف بمملوك الملك محمود شاه، وله فيه أشعار كثيرة، فلما أسر الطغرائى، أمر الملك محمود شاه بأن يصلب على شجرة، وأمر ذلك المملوك، الذى كان يهواه الطغرائى، أن يرمى عليه بالنشاب حتى يموت؛ ثم إنّ الملك محمود شاه اختفى فى مكان، حتى يرى ما يكون بينهما؛ فلما أوتر المملوك قوسه، وفوّق السهام به، فأنشد الطغرائى ارتجالا: ولقد أقول لمن يفوّق سهمه … نحوى وأطراف المنية تسرع والموت فى اللحظات أحزر طرقه … دونى وقلبى دونه يتقطّع بالله فتّش عن فؤادى هل … ترى فيه لغير هواك أضحى موضع أهون به لو لم يكن فى طيّه … عهد الحبيب وسرّه المستودع فلما سمع الملك محمود شاه شعره، رقّ له وعفا عنه من القتل، فأقام بعد ذلك مدّة يسيرة، ومات. ثم دخلت سنة تسع وتسعين وخمسمائة فيها، فى شهر رمضان، توفّى العماد الكاتب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حامد الأصفهانى، ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصفهان، ثم تفقه ببغداد، ودخل مصر فى دولة الفاطميّين، وكان عالما فاضلا، شاعرا ناظما ناثرا، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله: وما هذه الأيام إلا صحائف … نؤرّخ فيها ثم نمحى ونمحق ولم أر شيئا مثل دائرة المنى … توسّعها الآمال والعمر ضيق قيل مرّ عليه القاضى الفاضل وهو راكب، فقال له: «دام علا العماد»، فأجابه العماد على الفور: «سر فلا كبابك الفرس»، وهذا النوع يقرأ طردا وعكسا، وهو عزيز الوقوع. وفى سنة إحدى وستمائة، توفّى الناشرى، البارع فى القراءات بالروايات السبع، توفّى فى شوال.

стр. 265

وفى سنة ثمان وستمائة، توفّى القاضى السعيد هبة الله أبو القاسم عبد الله بن جعفر ابن سناء الملك المصرى، عين أعيان الشعراء بالديار المصرية، ولد سنة خمسين وخمسمائة، وهو مؤلّف كتاب «دار الطراز فى الموشحات»، وله ديوان فى فن البديع، ومن شعره الرقيق هذه الأبيات من قصيدة، وهى من المخترعات، منها قوله: سعدت ببدر خدّه برج عقرب … فكذّب عندى قول كل منجّم وأقسم ما وجه الصباح إذا بدا … بأوضح منى حجّة عند لوّمى ولا سيما لما مررت بمنزل … كفضلة صبر فى فؤاد متيّم وما بان لى إلا بعود أراكة … تعلّق فى أطرافه ضوء مبسم وهذا البيت من المخترعات، التى لم يسبق إليها؛ وكان القاضى الفاضل، شيخ ابن سناء الملك، وهذا الشبل من ذاك الأسد، انتهى ذلك. واستمرّ الملك العادل فى السلطنة بمصر، حتى خرج إلى الشام لتفقّد الأحوال، فمرض هناك، ومات، ودفن بدمشق؛ فكانت وفاته فى جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة، وكانت مدّة سلطنته بمصر ثمان عشرة سنة وتسعة أشهر. وكان العادل رجلا طويلا جسيما، مدوّر الوجه، شرها فى الأكل، يأكل الخروف وحده، وكان يحبّ من يأكل معه مثله؛ وكان كثير الجماع لا يمل منه. ولما مات خلّف من الأولاد ثلاثة، وهم الكامل محمد، والمعظم عيسى، والأشرف موسى شاه أرمن؛ فاستقرّ الملك الكامل محمد، بعده بمصر، واستقرّ الملك المعظم عيسى، بحماة، واستقرّ الملك الأشرف موسى شاه أرمن، بحلب، وكان موسى شاه أرمن بديع الجمال، وهو ممدوح القاضى كمال الدين بن النبيه، حيث يقول من قصيدة تائية: يا طالب الرزق إن ضاقت مذاهبه … قل يا أبا الفتح يا موسى وقد فتحت

стр. 266

[وفى سنة خمس وستمائة، توفّى القاضى ابن درباس الكردى الموصلى، قاضى القضاة بالديار المصرية، ولد سنة عشرة وخمسمائة، ومات بمصر فى رجب من تلك السنة. [وتوفّى] (١) الشيخ سديد الدين بن سماقة، توفّى سنة اثنتى عشرة وستمائة، مات بثغر دمياط] (٢). انتهى ما أوردناه من أخبار الملك العادل، وذلك على سبيل الاختصار. ذكر سلطنة الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك العادل أبى بكر بن أيوب وهو الخامس من ملوك بنى أيوب بمصر؛ بويع بالسلطنة بعد موت أبيه العادل، يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة، سنة خمس عشرة وستمائة، وكان الملك الكامل أكبر إخوته. قال الشيخ شمس الدين الذهبى: إنّ الملك الكامل استولى على الديار المصرية، نحو أربعين سنة، نصفها فى حياة أبيه، ونصفها مستقلاّ بها بمفرده. وكان كثير الأسفار إلى البلاد الشامية؛ وكان يكثر من الإقامة بوادى العبّاسة، ويقول: «هذه أحسن عندى من الإقامة بالقلعة، أصيد بها الطير من السماء، والسمك من الماء، والوحش من الفضاء، ويصل إلىّ خبر القاهرة فى كل يوم مرتين»؛ وأنشأ بالعبّاسة القصور والبساتين، وكانت من أجلّ متنزهاته. وهو الذى أكمل بناء قلعة الجبل، وسكن بها، وكان الملك الناصر صلاح الدين يوسف، هو الذى شرع فى بنائها أولا. ومن الحوادث فى أيامه، أنّ فى سنة ثمان عشرة وستمائة، جاءت الأخبار من ثغر دمياط، بأنّ الفرنج أتوا من البحر فى مائتى مركب، واستولوا على مدينة دمياط، وملكوها.

стр. 267

فلما تحقّق الملك الكامل صحّة الأخبار، نادى فى القاهرة بالنفير عاما، واضطربت الأحوال، وتزايدت الأهوال، وعرض السلطان العسكر، وجمع سائر العربان من الشرقية والغربية، فاجتمع من العساكر نحو عشرين ألف مقاتل. فلما تكامل العسكر، خرج الملك الكامل بطلب حربى على جرائد الخيل، وخرج صحبته السواد الأعظم من أهل مصر والقاهرة، فتوجّه إلى طلخا، ونزل على بحر أشموم، وصار يحاصر الفرنج بدمياط. فلما دام بينهما الحصار، ووقع الغلاء فى العسكر، حتى أبيع الرغيف الخبز بثقله فضّة، وأبيعت بيضة الدجاجة بدينار، وصار السكّر فى مقام الياقوت الأحمر، وصار العسكر يطعمون الخيول من أوراق الأشجار، وتقلّقت الرعيّة، من عظم هذه البليّة. وأمر الفرنج كل يوم يتزايد، وقد حصّنوا مدينة دمياط، ونهبوا ما فيها، وسبوا أهلها، وجعلوا الجامع الكبير، الذى بها، كنيسة، وصاروا لا يملّون (١) من الحرب ليلا ولا نهارا، وقتل من المسلمين ما لا يحصى عددهم، من العسكر وغيره. وكانت مدّة هذه المحاصرة بين الفريقين ستة عشر شهرا واثنين وعشرين يوما. وقد أشرف الملك الكامل على الغلب، وصار يبعث السعاة إلى البلاد الشامية، يستحثّ إخوته على الحضور، وصحبتهم العساكر الشامية. وفى هذه المدّة توفّى فى القاهرة جماعة من الأعيان، [منهم] (٢) الشيخ شرف الدين يحيى ابن معط، النحوى، كان من أئمة النحوييّن، مات بمصر سنة عشرين وستمائة. وتوفّى الشيخ علاء الدين على بن محمد بن النبيه، الناظم الناثر، صاحب الأشعار الرائقة، والمعانى الفائقة، مات سنة إحدى وعشرين وستمائة، وكان له شعر جيّد، لم يسبق (٣) إليه، وكان غالب شعره مديحا فى الملك الأشرف موسى شاه أرمن،

стр. 268

فمن ذلك قوله فيه: تعالى الله ما أحسن … شقيقا حفّ بالسوسن خدود لثمها يبرئ … من الأسقام لو أمكن فما تجنى وحارسها … يقفل الصدغ قد زرفن غزال ضيّق العيني … ن يسبى من الرشا الأعين له قلب وأعطاف … فما أقسى وما ألين ولم أر قبل مبسمه … صغير الجوهر المثمن أبثّ هواه من حرق … لنجم الليل لما جنّ وما ينفع كتمانى … ودمع العين قد أعلن فتنت بحسن صورته … ومن يهوى الدما يفتن وكم أسكنته قلبى … فسار وأحرق المسكن فأنسى بعد وحشته … بنظم مديح شاه أرمن وفى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، توفّى جعفر بن شمس الخلافة بن محمد المصرى الأفضلى، كان من أعيان الشعراء بمصر، مات سادس المحرم من تلك السنة، وكان له شعر جيّد، فمن ذلك قوله: إذا شئت أن تلقى دليلا إلى الهدى … لتقفو لآثار الهداية من كاف فخلّ بلاد الشرق عنك فإنّها … بلاد بلا دال وشرق بلا قاف وفى هذه السنة توفّى الريّس فخر الدين الفارسى، ريّس الطب، وكان بارعا فى الطب، وله فيه مصنّفات كثيرة. [وفى سنة ثلاث عشرة وستمائة، توفّى الشيخ أبو الحسن بن الصباغ، كان من كبار الأولياء] (١). وفى سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فيها توفّى الشيخ العارف بالله، الوارع الناسك الزاهد، المسلك، أبو العبّاس أحمد البصير الخزرجى الأنصارى الأندلسى، كان أبوه

стр. 269

من ملوك المغرب، فولد الشيخ وهو أطمس العينين، فخافت أمّه من سطوة أبيه، فألقته فى البريّة، فأتت إليه الغزلان وأرضعته، ثم إنّ والده خرج إلى الصيد فلقيه، فأخذه وهو لا يشعر أنّه ابنه؛ فلما أتى به إلى منزله، قال لزوجته: «ربيّه (١)، لعل الله تعالى أن يجعل لنا فيه خيرة»؛ فلما كبر الشيخ، فتح عليه، وقرأ القرآن، واشتغل بالعلوم الشرعية إلى أن برع فيها، ثم تصوّف، وظهر له كرامات خارقة، ومات فى أثناء تلك السنة، رحمة الله عليه، ودفن بالقرافة الصغرى. وفى هذه السنة، كانت وفاة الإمام الرافعى، ﵁، وقد عاش من العمر نحو خمس وستين سنة، واسمه القاسم محمد بن عبد الكريم الرافعى، انتهى ذلك. ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الكامل محمد، فإنّه لما أرسل يستحث إخوته إلى قتال الفرنج، فحضر إليه أخوه الملك المعظم عيسى، صاحب دمشق، وأخوه الملك الأشرف موسى شاه أرمن، صاحب حلب، وماردين. فلما جاءت العساكر الشامية، تكامل عند الملك الكامل نحو أربعين ألف مقاتل، فتحارب الملك الكامل مع الفرنج أشدّ المحاربة، وحاصرهم برّا وبحرا. قيل: كان فى مدّة هذه المحاصرة، يمشى فى ركاب الملك الكامل شخص يسمّى شمايل، وكان من جملة جندارية الوالى، فكان يسبح فى البحر تحت الليل، ويأتى الملك الكامل بأخبار الفرنج، فلما انتصر الملك الكامل على الفرنج، وحضر إلى القاهرة، أخلع على شمايل المذكور، واستقرّ به والى القاهرة، وإليه تنسب خزانة شمايل، التى كانت سجنا لأصحاب الجرائم. فلما طال الأمر على الفرنج، ورأوا عين الغلب، أرسلوا [يطلبوا الأمان من الملك الكامل، وعلى أنّهم يتركوا] (٢) دمياط، ويرحلوا (٣) عنها إلى بلادهم، فاتّفق الحال على ذلك؛ ثم إنّ كلا من الفريقين، يعطى رهائن من أقاربه، ويطلق من عنده من الأسراء (٤)،

стр. 270

من أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف. فلما تقرّر الحال على دلك، ووقع الصلح، أرسل ملك الفرنج عشرين ملكا من أقاربه إلى عند الملك الكامل؛ ثم إنّ الملك الكامل أرسل إلى عند ملك الفرنج ابنه الأمير نجم الدين، ومعه جماعة من الأمراء. فعند ذلك سلّم ملك الفرنج مدينة دمياط، وأطلق من عنده من الأسراء (١)، وكذلك الملك الكامل أطلق من عنده من الأسراء وفيها قبض … على العبيد: كتبت فى الأصل على هامش ص (١١٩ ب).، واتّفق بينهما الصلح. ومن جملة ألطاف الله تعالى، لما وقع الصلح جاءت إلى ملك الفرنج نجدة من البحر، نحو مائتى مركب، فلو جاءت هذه النجدة، قبل أن يسلّموا مدينة دمياط، كانوا تقوّوا بها على المسلمين، وكسروهم. قيل: لما رحلوا الفرنج عن دمياط، ودخلها الملك الكامل، كان يوم دخوله إليها يوما مشهودا؛ ثم إنّ الملك الكامل أرسل بهذه البشارة إلى القاهرة، وكاتب بها إلى سائر الآفاق، وكانت الفرنج أشرفوا على أخذ الديار المصرية. [وفى سنة ست وعشرين وستمائة، توفّى نجم الدين يعقوب بن صابر القرشى، المعروف بالمنجنيقى، وكان من فحول الشعراء بالعراق، ومولده سنة أربع وخمسين وخمسمائة] (٢). وكانت مدّة استيلاء الفرنج على ثغر دمياط، إلى حين رحلوا عنها، ثلاث سنين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما، وكانت مدّة محاصرة الملك الكامل للفرنج، سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما، وهو معهم فى جهاد ليلا ونهارا، لا يكلّ من الحروب، إلى أن دخلت سنة تسع وعشرين وستمائة. قال الشيخ شمس الدين الذهبى: لما حصلت هذه النصرة للملك الكامل، توجّه من دمياط إلى المنصورة، ونزل فى القصر الذى أنشأه بها سنة ست عشرة وستمائة، فاجتمع هناك هو، وأخوه الملك المعظم عيسى، وأخوه الملك الأشرف موسى؛ قيل:

стр. 271

إنّ أول من تلقّب بالملك الأشرف موسى، [هو] (١) شاه أرمن، وكان متولّيا على حلب؛ فمدّ هناك سماط عظيم (٢)؛ ثم أحضر بعد ذلك سفرة الشراب، ونسى ما قاساه من حصار الفرنج فى هذه المدّة، فكان كما قيل فى المعنى: فيوم علينا، ويوم لنا … ويوم نساء، ويوم نسرّ فلما دارت الكاسات بينهم، أحضر الملك الأشرف موسى، جارية تضرب بالعود، فأخذت العود وحرّكته، ثم أنشأت تقول: ولما طغى فرعون عكّا بسحره … وجاء ليسعى بالفساد إلى الأرض أتى نحوه موسى وفى يده العصا … فأغرقهم فى اليمّ بعضا على بعض فطرب الملك الأشرف موسى لذلك، فشقّ على أخيه الملك الكامل محمد هذا المعنى، وأرسل خلف الراجح الحلّى، وقال له: «أجب عن هذين البيتين»، فأجاب عنهما بهذين البيتين؛ ثم إنّ الملك الكامل أحضر جارية تضرب بالعود، فأخذت العود وحرّكته، وغنّت فى المجلس الثانى ببيتين (٣) الراجح الحلّى، وهما: أيا أهل دين الكفر بالله فاعجبوا … لما قد جرى فى عصرنا وتجدّدا ألا إنّ موسى قد أتانا وقومه … وعيسى جميعا ينصرون محمدا أقول: والراجح الحلّى، توفّى فى دولة الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وجاء من بعده الصفى الحلّى؛ قال الشيخ جمال الدين بن نباتة فى الفرق بينهما: يا سائلى عن رتبة الحلّى فى … نظم القريض وراضيا بى أحكم للشعر حلّيّان ذاك راجح … ذهب الزمان به، وهذا قيّم انتهى ذلك. - ثم إنّ الملك الكامل أمر لكل جارية منهما بخمسمائة دينار، وأجاز الراجح الحلّى أيضا. ثم إنّ الملك الكامل أمر أخويه أن يتوجّها إلى بلادهما، فلما توجّها، دخل الملك الكامل إلى القاهرة فى موكب عظيم، وكان يوما مشهودا.

стр. 272

[وفى سنة إحدى وعشرين وستمائة، توفّى الشيخ أمين الدين مظفر التبريزى، صاحب «المختصر»، مات بمصر فى ذى حجة] (١). ثم دخلت سنة ثلاثين وستمائة فيها أكمل الملك الكامل بناء مدرسته التى بين القصرين، المعروفة بالكاملية، وسمّاها دار الحديث، وهى أول دار بنيت للحديث فى القاهرة، وكان شرع فى بنائها من سنة ثلاث وعشرين وستمائة. قيل: لما حفر أساس هذه المدرسة، وجد فيه صنم كبير من الذهب، فأمر الملك الكامل أن يسبك دنانيرا، ويصرف على بناء هذه المدرسة، فبنيت من وجه حلّ. ثم إنّ والدة الملك الكامل توفّيت إلى رحمة الله تعالى، فدفنها ابنها عند الإمام الشافعى، ﵁. ثم شرع فى بناء القبّة التى على ضريح الإمام [الشافعى] (٢)، ولم يعمر فى الدنيا مثلها؛ وأنشأ بها خلاوى برسم الصوفة؛ وأنشأ بها حمّاما، وبنى مجراة تنقل الماء من بركة الحبش أيام النيل بسواقى، إلى صهريج عند تربة الإمام الشافعى، وهى باقية إلى الآن؛ وأنشأ هناك الحوض الذى على الطريق السالكة؛ ومما قيل فى السفينة التى على القبّة: يسقى تربة الشافعى الإمام … من الكوثر الأعين الجارية لها قبّة تحتها سيّد … وبحر له فوقها جارية ومن الحوادث فى أيامه، أنّ شخصا مغربيّا دخل القاهرة، وكان له يد طائلة فى علم السيمياء، فأظهر لشخص من أعيان الناس بستانا خارج القاهرة، وهو من أحسن ما يكون، كثير الأشجار من سائر أصناف الفواكه، وبه خمس سواقى دائرة، وحولها نحو عشرين ثورا، وخولة واقفة حول ذلك البستان، فلما رآه الرجل أعجبه واشتراه من المغربى بألف دينار، وقبّضه الثمن، وأشهد عليه المغربى بتسليم ذلك

стр. 273

البستان، بقاض وشهود، ثم مضى المغربى إلى حال سبيله. وبات ذلك الرجل فى البستان الذى اشتراه، فلما أصبح، وجد نفسه بين الكيمان، ولم يجد شيئا من ذلك البستان الذى رآه، فصار يسأل من الناس: «هل كان فى هذا الموضع بستانا»؟ فيقولون له: «ما سمعنا بهذا قط إلا منك». فحصل للرجل ما خولية، وتجنّن، وشاع أمره بين الناس، وصار متعجّبا مما وقع له؛ فبلغ الملك الكامل ذلك، فطلب المغربى، فلم يجده، وأخذ الألف دينار ومضى، وهذه الواقعة من الغرائب، انتهى ذلك. أعجوبة: قال بعض المؤرّخين: إنّ ملوك اليمن أهدت إلى الملك الكامل شمعدانا من نحاس اصفر، وفيه حركة، يخرج منه عند طلوع الفجر شخص من نحاس، لطيف الخلقة، يخاطب الملك قائلا: «صبّحك الله بالخير، قد طلع الفجر»، أو صفيرا هذا معناه؛ وكان هذا الشمعدان من صنعة الميقاتية، وأقام فى حواصل الملوك إلى أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، انتهى ذلك. وفى أيامه [١] جاءت الأخبار من حماة، بوفاة الشيخ زكى الدين القوصى، وكان فاضلا شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، وكان سبب موته أنّه كان فى خدمة الملك المظفر محمود، صاحب حماة، من قبل أن يلى حماة، وكان الملك المظفر يعد الشيخ زكى الدين القوصى، أنّه إذا ولى مملكة حماة ينعم عليه بألف دينار، فلما ولى مملكة حماة، كتب إليه الشيخ زكى الدين هذين البيتين، وهما: مولاى هذا الملك قد نلته … برغم مخلوق من الخالق والدهر منقاد لما شئته … فذا أوان الموعد الصادق فعند ذلك أنعم عليه بألف دينار، التى كان يعده بها، ثم إنّ الملك المظفر صار يرسل الشيخ زكى الدين فى الأسفار إلى بعض أشغاله، حتى نفدت منه الألف دينار على ما كان يصرفه فى الأسفار، ولم يبق [٢] معه منها شئ [٣]، فبلغ الملك المظفر

стр. 274

عن الشيخ زكى الدين أنّه قال: إنّ الذى أعطوه لى جملة … قد استردّوه قليلا، قليل فليت لم يعطوا ولم يأخذوا … وحسبنا الله ونعم الوكيل فلما بلغ الملك المظفر ذلك، أمر بحبس الشيخ زكى الدين، فحبس، فبلغه عن الشيخ زكى الدين أنّه قال وهو فى السجن: أعطيتنى الألف تعظيما ومكرمة … يا ليت شعرى أم أعطيتنى ديتى ولم يرجع عما هو فيه بسبب الألف دينار، فعند ذلك أمر بخنقه، فخنق وهو فى السجن، ودفن تحت الليل، ولم يشعر به أحد من الناس؛ انتهى ذلك. ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة فيها، فى ثالث جمادى الأولى، توفّى الشيخ العارف بالله، سلطان العشّاق، الشيخ شرف الدين أبو القاسم عمر بن على بن مرشد الحموى، المعروف بابن الفارض، ﵁؛ قيل: إنّ والده كان قد برع فى علوم الفرائض، حتى انفرد به فى عصره، فسمّى الفارض. وكان مولد الشيخ شرف الدين بالقاهرة، فى رابع ذى القعدة، سنة سبع وسبعين وخمسمائة، فكانت مدّة حياته أربع وخمسين سنة وستة أشهر، ودفن تحت العارض، بجوار الجبل المقطم، عند مجرى السيل؛ وفيه يقول أبو الحسين الجزار الشاعر: لم يبق صيّب مزنة إلا وقد … وجبت عليه زيارة ابن الفارض لا غرو أن يسقى ثراه وقبره … باق ليوم العرض تحت العارض وكان الشيخ شرف الدين، رحمة الله عليه، فريد عصره فى علم التصوّف، وكان له نظم جيّد فى معانى الغراميات، ومن رقائق شعره ما قاله فى نوع الجناس التام، وهو قوله: خليلىّ إن زرتما منزلى … ولم تجداه فسيحا، فسيحا وإن رمتما منطقا من فمى … ولم ترياه فصيحا، فصيحا وقد عاصر الشيخ شرف الدين جماعة من أكابر العلماء، منهم: الشيخ زكى الدين

стр. 275

المنذرى الشافعى، والشيخ جلال الدين القزوينى، والشيخ أمين الدين بن الرقاقى، والشيخ جمال الدين الأميوطى الإمام، والشيخ شمس الدين بن خلكان، والشيخ شمس الدين الأيكى، والشيخ سعد الدين بن الحارثى الحنبلى المحدّث، والشيخ برهان الدين الجعبرى، والشيخ أبو القاسم المنفلوطى، والشيخ شهاب الدين السهروردى، والشيخ شهاب الدين بن الخيمى، وغير ذلك من العلماء. ولم يعترض عليه أحد منهم فيما يقوله من نظمه، وكانوا معه فى غاية الأدب؛ ولما توفّى الشيخ شرف الدين، دفن تحت رجلين (١) شيخه محمد البقال، رحمة الله عليهما. قيل إنّ الملك الكامل أرسل إلى الشيخ شرف الدين ألف دينار، فردّها عليه، ولم يقبلها منه. وكان الملك الكامل يميل إلى فنّ الأدب، ويطارح الشعراء، ومما وقع له، قيل: دخل عليه مظفر الدين الأعمى، الشاعر، فقال له الكامل: «أجز على نصف هذا البيت: «قد بلغ العشق منتهاه»، فقال مظفر: «وما درى العاشقون ما هو»، قال الكامل: «وإنما غرّهم دخولى»، فقال مظفر: «فيه فهاموا به وتاهوا»، قال الكامل: «ولى حبيب يرى هوائى»، فقال مظفر: «وما تغيّرت عن هواه»، قال الكامل: «رياضة الخلق فى احتمالى»، فقال مظفر: «وروضة الحسن فى حلاه»، قال الكامل: «أسمر لدن القوام ألمى»، فقال مظفر: «بعشقه كل من يراه»، قال الكامل: «ريقته كلها مدام»، فقال مظفر: «ختامها المسك من لماء»، قال الكامل: «ليلته كلها رقاد»، فقال مظفر: «وليلتى كلها انتباه». ثم إنّ مظفرا أكمل هذه القصيدة بمدح فى الملك الكامل، انتهى ذلك. واستمرّ الملك الكامل فى السلطنة بمصر، وهو وافر الحرمة، نافذ الكلمة، محبّب للرعية، وفيه يقول الشيخ كمال الدين بن النبيه: دمتم بنى أيوب فى نعمة … تحوز فى التخليد حدّ الزمان

стр. 276

والله لا زلتم ملوك الورى … شرقا وغربا وعلى الضمان ثم إن الملك الكامل توجّه إلى نحو دمشق، بسبب تفقّد أحوال البلاد الشامية، فأقام فى دمشق مدّة يسيرة، ومرض هناك، وسلسل فى المرض إلى أن مات؛ وكانت وفاته فى العشرين من رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة، وكانت مدّة سلطنته بمصر، نحو عشرين سنة؛ ولما مات، تولّى بعده ابنه أبو بكر، انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الكامل محمد، وذلك [على] (١) سبيل الاختصار. ذكر سلطنة الملك العادل سيف الدين أبى بكر ابن الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر ابن نجم الدين أيوب وهو السادس من ملوك بنى أيوب بمصر؛ بويع بالسلطنة بعد موت أبيه الملك الكامل محمد. وكان سبب سلطنته، أنّه لما توفّى أبوه الملك الكامل بدمشق، كان العادل هذا نائبا عن أبيه بمصر، فلما جاءت الأخبار بموت الكامل فى دمشق، اتّفق رأى الأمراء، الذين (٢) كانوا بمصر، على سلطنة العادل أبى بكر، عوضا عن أبيه، فسلطنوه ولقّبوه بالملك العادل، على اسم جدّه. فلما بلغ أخاه (٣) الأمير نجم الدين، وكان بحلب، وكان أكبر من أخيه العادل، فشقّ ذلك عليه، وحضر إلى مصر على جرائد الخيل؛ فلما دخل القاهرة، تعصّب للعادل جماعة من الأمراء، وحاربوا الأمير نجم الدين، وجرى بينهما من الحروب ما يطول شرحه، ثم قويت شوكة (٤) الأمير نجم الدين على أخيه العادل، فخلعه من السلطنة،

стр. 277

وسجنه بقلعة الجبل إلى أن مات، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه. فكانت مدّة سلطنته بمصر سنة وشهرين وأياما؛ ولما خلع من السلطنة، تولّى من بعده أخوه نجم الدين؛ انتهى ما أوردناه من أخبار العادل أبى بكر بن الملك الكامل، وذلك على سبيل الاختصار، تمّت. ذكر سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبى بكر ابن نجم الدين أيوب وهو السابع من ملوك بنى أيوب بمصر؛ بويع بالسلطنة بعد خلع أخيه العادل أبى بكر، فى يوم الاثنين خامس عشرين ذى القعدة، سنة ست وثلاثين وستمائة، وكان له من العمر، لما تولّى السلطنة، نحو أربع وثلاثين سنة، وكان مولده بمصر سنة ثلاث وستمائة، ولد بقلعة الجبل. فلما تمّ أمره فى السلطنة، أخذ فى أسباب تدبير ملكه، واستكثر من مشترى المماليك الأتراك. وهو أول من جلب المماليك الأتراك إلى مصر، حتى ضاقت بهم القاهرة، وصاروا يشوّشوا (١) على الناس، وينهبوا البضائع من على الدكاكين، فضجّ الناس منهم، وكثر الدعاء على الملك الصالح بسببهم، وقد قال القائل: الصالح المرتضى أيوب أكثر من … ترك بدولته يا شرّ مجلوب لا آخذ (٢) الله أيوبا بفعلته … فالناس قد أصبحوا فى صبر أيوب فلما زاد أمرهم فى أذى الناس، شرع الملك الصالح فى بناء قلعة بالروضة، بالقرب من المقياس، وأسكنهم بها، وسمّاهم المماليك البحرية؛ وكان عدّتهم ألف مملوك،

стр. 278

قاطنين بهذه القلعة، لا يخالطون الناس بالمدينة؛ وأجرى عليهم ما يكفيهم من اللحوم والجراية والجوامك. وجعل حول هذه القلعة مراكب حربية مشحونة بالسلاح، واقفة عند الصناعة، مكمّلة من جميع الآلات، لا تبرح عن ذلك المكان، برسم ما يطرق من الأخبار عن الفرنج، إذا طرقوا ثغرا من البلاد، فتخرج إليهم هذه المماليك فى المراكب المذكورة، ويتوجّهون إلى قتالهم، فكان هذا سببا لبناء قلعة الروضة، انتهى ذلك؛ وفيها يقول ابن أبى حجلة: حول الجزيرة من مصر قد اجتمعت … سبع بها المرء مهما عاش ولهان برّ وبحر ونجار وبهطلة … وروضة وبساتين وبنيان ذكر طرف يسيرة من أخبار الروضة: قال ابن المتوج: كان اسم الروضة قديما «جزيرة مصر»، فلما كان زمن الأفضل بن أمير الجيوش، فسمّيت «الروضة»؛ ولم يكن فى الديار المصرية بقعة تشاكلها، لما كان فيها من البساتين والمناظر؛ وكانت هذه الجزيرة قبل ظهور الإسلام متنزّها لملوك القبط. فلما كان دولة الملك الصالح نجم الدين بن أيوب، قوى عزمه على أن يجعل هناك قلعة، ويسكن فيها مماليكه، ويسمّيهم «البحرية»، فشرع فى بنائها سنة ثمان وثلاثين وستمائة. وكان بها أشجار ونخل وجمّيز، فقطع منها ألف نخلة، وأربعمائة جمّيزة، كانوا (١) يتفرّجون الناس تحت ظلها؛ وكان بها المناظر الحسنة، وكان بها عدّة مساجد، وكان بها كنيسة لليعاقبة بجانب المقياس، فهدم الملك الصالح ذلك جميعه، وأدخله فى ميدان هذه القلعة. وعمل لهذه القلعة ستين برجا محيطة بها، وعمل بها جامعا بخطبة؛ ونقل إلى هذه القلعة العمد الصوان من برباء أخميم.

стр. 279

ولما كمل بناء هذه القلعة، أشحنها بالأسلحة، والآلات الحربية، وادّخر فيها الغلال، خشية من محاصرة الفرنج، فإنهم كانوا عزموا على أخذ الديار المصرية. قال الأمير موسى بن يغمور، والى القاهرة: أمر الملك الصالح بهدم مسجد كان بالروضة، وبنى مكانه قاعة مطلّة على البحر برسمه، فلما انتهى العمل منها، جاءت الأخبار بأنّ الفرنج طرقوا ثغر دمياط، فخرج إليهم وهو عليل، فمات هناك، وجاءوا به فى مركب تحت الليل، ودفنوه فى تلك القاعة التى هدم المسجد بسببها، ولم يدخل تلك القاعة وهو فى قيد الحياة، فدفن بها مدّة، ثم نقل إلى مدرسته التى تجاه الصاغة، فدفن بها. وكان بالروضة، فيما بين الروضة والجيزة، جسر من خشب، يمرّ عليه الناس والدواب، وكان من برّ مصر إلى الروضة جسر آخر من خشب؛ وكان هذان الجسران، من مراكب مصطفّة بعضها ببعض، وهى موثقة بالتراب، وكان عرض هذا الجسر ثلاث قصبات؛ فكان الأمراء، إذا قصد أحد منهم يعدّى إلى قلعة الروضة، ينزلون عن خيولهم ويمشون على هذا الجسر، إلى أن يطلعوا إلى القلعة؛ ولا يمكّن أحد من العبور على هذا الجسر وهو راكب، سوى السلطان فقط؛ وكان مبدأ هذا الجسر من عند المدرسة الخروبية. وكان بالروضة قصر يسمّى الهودج، بناه الخليفة الآمر بأحكام الله، لأجل محبوبته البدويّة الهواريّة، التى هويها وشغف بها، وكان من غرائب الوجود، فهدمه الملك الصالح لما بنى هذه القلعة؛ وكانت هذه القلعة من محاسن الزمان، وفيها يقول ابن قادوس: انظر لحسن القلعة الغراء إذ … محاسنها مثل النجوم تلالا ووافى (١) إليها الماء من بعد بعده … كما زار مشغوفا يروم وصالا فعافقها من فرط شوق لحسنها … ومدّ يمينا نحوها وشمالا وكان النيل قد احترق فى تلك السنة، وانطرد عن برّ مصر، وصار رملا ممتدّا

стр. 280

إلى آخر برّ الجيزة، حتى زاد ماء النيل فى أوانه، فتراجع الماء قليلا، قليلا. ولم تزل قلعة الروضة عامرة على ما ذكرناه، حتى كانت دولة الملك المعزّ أيبك التركمانى، فهدم منها جانبا، وعمر به مدرسته التى فى رحبة الحنّا، فأخذ منها أعمدة رخام، وشبابيك حديد، وأخشاب، وغير ذلك. فلما كانت دولة الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، أمر بإصلاح ما فسد منها، وعمرها كما كانت، وفرّق أبراجها على الأمراء. فلما كانت دولة الملك المنصور قلاون، وشرع فى بناء البيمارستان، نقل من قلعة الروضة ما يحتاج إليه من أعمدة وأعتاب، وغير ذلك. فلما كانت دولة ابنه الملك الناصر محمد، أخذ ما بقى منها من أعمدة ورخام، وغير ذلك، وبنى به الجامع الجديد، المطلّ على البحر، فجميع الأعمدة التى (١) فى الإيوان بالقلعة، والأعمدة التى (١) فى الجامع الجديد، من قلعة الروضة. فمن يومئذ دثرت معالم قلعة الروضة وخربت، وكان بقى من معالمها عقد مبنى على شاطئ النيل، تسمّيه العامة «القوس»، وكان مما يلى الجانب الغربى تتنزّه فيه الناس، وكان باقيا إلى دولة الملك الظاهر جقمق، ثم هدم، وفيه يقول النواجى: مصر قالت دمشق لا … تفتخر قط باسمها لو رأت قوس روضتى … منه راحت بسهمها وبقى من آثار هذه القلعة أبراج (٢) كثيرة، فبنى عليها الناس الدور الجليلة المطلّة على البحر، وهى باقية إلى الآن، انتهى ذلك. ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الصالح نجم الدين، فلما دخلت سنة تسع وثلاثين وستمائة، فيها شرع الملك الصالح نجم الدين فى بناء المدرستين اللتين تجاه الصاغة، وهما من أجلّ المدارس، يجتمع فيهما الأربع مذاهب، وتسمّى الصالحيّتين (٣) النجميتين،

стр. 281

وهما قلعتا العلماء، وباب مقصد الشرع الشريف، قال السراج الورّاق: فشيّدها للعلم مدرسة غدا … عراق إليها شيّق وشآم ولا تذكرن يوما نظاميّة لها … فليس تضاهى ذا النظام نظام وفى هذه السنة، أعنى سنة تسع وثلاثين وستمائة، فيها أخلع الملك الصالح على الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السّلام، الملقّب بسلطان العلماء، ﵁، واستقرّ به، قاضى القضاة الشافعية، بالديار المصرية، وكان قاضيا بالوجه القبلى، فنقله الملك الصالح إلى قضاء مصر، فتولّى على كره منه. قيل لما تولّى الشيخ عزّ الدين، قاضى القضاة بمصر، بلغه أنّ بعض الأمراء عمد إلى مسجد بجوار بيته، وعمل على ظهره طبلخاناة، فأرسل هدم تلك الطبلخاناة، وحكم بإبطالها؛ وكان الذى عمل تلك الطبلخاناة الأمير فخر الدين، أستادار الملك الصالح، فحكم القاضى بإبطال الطبلخاناة، وحكم بعزل الأمير فخر الدين من الأستادارية. فاتّفق أنّ الملك الصالح أرسل رسولا إلى الخليفة المستعصم بالله ببغداد، فلما وصل إليه الرسول ووقف بين يديه، فقال له الخليفة: «هل سمعت هذه الرسالة من لسان الملك الصالح»؟ فقال الرسول: «لا، ولكن حملها عن لسان السلطان، الأمير فخر الدين، الأستادار»، فقال الخليفة: «إنّ فخر الدين المذكور، بلغنا أنّ قاضى القضاة عزّ الدين بن عبد السّلام حكم بعزله، ونحن لا نقبل هذه الرسالة عن لسان شخص حكم بعزله ابن عبد السّلام». فرجع الرسول إلى الملك الصالح، وذكر له ما قاله الخليفة، فأخذ الرسالة ثانيا عن لسان الملك الصالح ورجع إلى بغداد، حتى قضى الخليفة حاجته. ومما وقع له أنّه بلغه أنّ الملك الصالح، استعان ببعض ملوك الفرنج، وأعطاهم مدينة صيدا، وقلعة الشقيف، فأنكر عليه ذلك، وأمر بأن يترك الدعاء له فى الخطبة، وساعده على ذلك الشيخ جمال الدين بن الحاجب المالكى.

стр. 282

فلما بلغ الملك الصالح ذلك، غضب عليهما، وأمر بإخراجهما إلى دمشق، فخرجا؛ فلما كانا فى أثناء الطريق، أرسل الملك الصالح من تلطّف بهما فى العود، فلما عادا خرج إليهما السلطان إلى بلبيس، وتلقّاهما، وقبّل يد الشيخ عزّ الدين بن عبد السّلام، وأعاده إلى القضاء كما كان. ومما وقع له، أنّه تصدّى لبيع أمراء الدولة، وذكر أنّه لم يثبت عنده أنّهم أحرار، وأنّهم تحت الرقّ، ولا يجوز لهم تصرّف فى المملكة؛ فلما بلغ الأمراء ذلك، حنقوا على القاضى، فركب نائب السلطنة، وبيده سيف مسلول، وجاء إلى بيت القاضى، فلما دقّ عليه الباب، خرج إليه ولد القاضى، فرأى نائب السلطنة واقفا على الباب، وبيده سيف مسلول، رجع إلى والده وأعلمه بذلك، فقال الشيخ: «يا ولدى، أنا أقلّ من أن أقتل فى سبيل الله». ثم إنّه خرج إليه، فلما وقع بصره على نائب السلطنة، سقط السيف من يده، وأرعدت مفاصله، فنزل عن فرسه، وقبّل يد الشيخ، وقال له: «ادعو لى»، فقال الشيخ: «ما أرجع حتى أبيعكم فى السوق»، فقال له نائب السلطنة: «ومن يقبض ثمننا إذا بعتنا»؟ قال: «أنا»، قال: «وما تصنع به»؟ قال: «أصرفه فى مصالح المسلمين». فما رجع حتى جمع الأمراء كلها، ونادى عليهم فى السوق، فوكّلوا جماعة فى مشتراهم، وباعهم القاضى بأغلا الأثمان، وقبض ثمنهم، وصرفه فى مصالح المسلمين؛ ثم إنّ القاضى عزل نفسه عقيب ذلك، فتلطّف به السلطان فى عوده إلى القضاء، فلم يوافق على ذلك. ومما وقع له أنّه أفتى بشئ، ثم ظهر له أنّه أخطأ فى الذى أفتى به، فنادى فى القاهرة: «من أفتى له ابن عبد السّلام بكذا، فلا يعمل به، فإنه قد أخطأ فى ذلك»، وفيه يقول ابن الجزار: سار عبد العزيز فى الناس سيرا … لم يسره سوى ابن عبد العزيز عمّنا حكمه بعدل بسيط … شامل للورى ولفظ وجيز

стр. 283

قال الشيخ قطب الدين اليوبينى: وكان ابن عبد السّلام، مع شدّته وصلابته، حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار، ويستشهد بالأشعار من كلام القوم، ويحضر السماع ويرخص فيه، وربما تواجد فى السماع؛ ولبس خرقة التصوّف من الشيخ شهاب الدين السهروردى، وكان يحضر عند الشيخ أبو الحسن الشاذلى، ويسمع كلامه فى علم الحقيقة، انتهى ذلك. ولما أن عزل الشيخ عزّ الدين نفسه من القضاء، وامتنع من العود إليه، فعند ذلك أخلع الملك الصالح على الشيخ أفضل الدين محمد الخونجى، صاحب «المنطق فى المعقولات»، وكان ريّس الأطباء، ولكنه كان من أهل العلم، بارعا فى علوم الشافعية، فاستقرّ قاضى القضاة بالديار المصرية، عوضا عن الشيخ عزّ الدين بن عبد السّلام، ولكن فرق عظيم بينهما، وأين الثريا من يدى المتناول. ثم دخلت سنة أربعين وستمائة فيها ابتدأ الملك الصالح بعمارة مدينة على أطراف الرمل، وسمّاها «الصالحية»، وأنشأ بها المساجد والفنادق والأسواق والطواحين، واستمرّت من يومئذ تتزايد فى العمارة حتى صارت مدينة على انفرادها. -[وفى سنة أربعين وستمائة، كانت وفاة القرطبى، رحمة الله عليه] (١). ومن الوقائع الغريبة، ما وقع للأمير شهاب الدين بن موسى بن يغمور، والى القاهرة، أنّه أمر بشنق عشرين رجلا كانوا قطّاع طريق، قتّالين قتلاء (٢)، فلما شنقهم أمر الخفراء بحفظهم، فلما جاء الليل عدّوهم، فإذا هم تسعة عشر إنسانا، فخافوا الخفراء من الأمير شهاب الدين أن يسألهم عن الواحد المفقود، فقعدوا على الطريق ينتظرون من يمرّ بهم، فيشنقوه عوضا عن ذلك الرجل المفقود من المشانيق؛ فبينما هم على ذلك، وإذا بشخص قد مرّ بهم، فقاموا إليه ومسكوه وشنقوه مع جملة المشانيق. فلما لاح الصباح، أتى الأمير شهاب الدين وعدّ المشانيق، فإذا هم واحد وعشرين

стр. 284

رجلا، فقال للخفراء: «ومن هذا الرجل الزائد الذى معهم»؟ فبهتوا الخفراء، فقال لهم: «ما شأنكم»؟ فقالوا: «يا أمير قد عدّيناهم (١) فى الليل، فرأيناهم ناقصين واحدا، فمرّ بنا هذا الرجل، فمسكناه وشنقناه معهم»، فقال الأمير شهاب الدين: «أرونى هذا الرجل المسكين الذى وقع لكم»، فلما رآه وجده شخصا قاطع طريق، وله مدّة يتطلّبه، فلم يقع له ولا قدر على تحصيله، فلما رآه سرّ به، وتعجّب من هذه الواقعة الغريبة، انتهى ذلك. وفى أيامه، توفّى الشيخ العارف بالله أبو الحجاج الأقصرى، واسمه يوسف ابن عبد الرحيم، تلميذ الشيخ أبى مدين، توفّى فى رجب سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ودفن بالأقصر، من أعمال الصعيد. وفى أيامه أيضا توفّى الشيخ العارف بالله قطب الوجود الشيخ أبو السعود، واسمه محمد بن أبى العشائر القرشى الباذبينى الواسطى، ولد فى باذبين فى شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ثم قدم مصر وأقام بها فى زاويته التى عند باب القنطرة، حتى مات فى يوم الأحد تاسع شوّال سنة أربع وأربعين وستمائة، وخرج مشهده من زاويته التى عند باب القنطرة، ودفن بالقرافة الصغرى، ﵁؛ وكان له كرامات خارقة، ومناقب حسنة، ومن تلاميذه الشيخ داود العزب، وغيره من الأولياء، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ست وأربعين وستمائة فيها، فى رمضان، توفّى قاضى القضاة الشافعية أفضل الدين الخونجى الفيلسوف، تولّى القضاء بعد الشيخ عزّ الدين بن عبد السّلام. فلما توفّى الخونجى، أخلع الملك الصالح على الشيخ تاج الدين بن بنت الأعزّ، واستقرّ به قاضى قضاة الشافعية، ووزير الديار المصرية، وقد جمع بين القضاة، والوزارة، وتدريس الشافعى. قال ابن عبد الظاهر: اجتمع مع الشيخ تاج الدين بن بنت الأعزّ، خمس عشرة

стр. 285

وظيفة من الوظائف السنية، وكان يولّى عن الأربع مذاهب، ويعزل من يختار، ويولّى من يختار، من غير مراجعة (١) السلطان فى ذلك. قال الإمام أبو شامة: كان القاضى تاج الدين بن بنت الأعزّ آخر قضاة العدل بمصر. قلت: والأعزّ كان وزيرا بمصر أيام الملك الكامل محمد بن أيوب، انتهى ذلك. [وفى سنة ست وأربعين وستمائة، توفّى العلامة جمال الدين أبو بكر بن عثمان، المعروف بابن الحاجب المالكى، مات بثغر الإسكندرية، وله من العمر خمس وسبعين سنة، وكان أبوه حاجبا للأمير يوشك الصلاحى] (٢). ثم دخلت سنة سبع وأربعين وستمائة فيها تزايدت عظمة الملك الصالح، وقويت شوكته بمماليكه الذين أنشأهم (٣)، وصار العسكر فى قبضة يده، فعند ذلك عنّ له أن يقتل أخاه الملك العادل، الذى كان فى السجن بقلعة الجبل، فقتله صبرا وهو فى السجن، ودفن عند الإمام الشافعى، وقد قتل من غير ذنب. فلم يقم (٤) بعد قتله إلا أياما يسيرة، وابتلاه الله بأكلة طلعت له فى وجهه، فرعت فيه إلى آخره، واستمرّ عليلا، وثقل فى المرض. ثم جاءت الأخبار بأنّ الفرنج جاءوه إلى ثغر دمياط فى مائتى مركب، وكان ملك الفرنج يسمّى ريدا فرنسيس (٥)، فنهب مدينة دمياط، وقتل من المسلمين ما لا يحصى عددهم؛ وكان ريدا فرنسيس (٥)، ملك الفرنج، قد استولى على غالب بلاد الأندلس، وسبى أهلها. فلما جاءت الأخبار بذلك، أمر الملك الصالح بإشهار النداء فى مصر والقاهرة
следующие страницы →