إذا يشتكى المظلوم من جور ظالم … له طلعة بالعدل تؤذن بالفجر
فيا ربّ كن عونا له ومساعدا … على كل ما يخشاه من حادث الدهر
وأبق ابن موسى للرعية إنه … لكل كليم القلب أمن من السحر
جناب كريم وهو ناظر حسبة … ومولده قد كان فى ليلة القدر
وللسادة الأشراف ينظر بالتقى … ونال بهذا غاية الفوز بالأجر
وصار لديوان الذخيرة ناظرا … وعامله فى عنق أعدائه يبرى
عزيز بمصر حاز طلعة يوسف … أعوّذه بالنجم والنور والحشر
وفى يوم السبت ثانى عشرين ربيع الآخر رحل السلطان من المخيم الشريف بالريدانية وصحبته الخليفة والقضاة الأربعة وولده المقرّ الناصرى أمير آخور كبير وأقباى الطويل أمير آخور ثانى، فصلى صلاة الصبح ورحل وتوجه إلى خانقة سرياقوس، فكانت مدة إقامته فى الوطاق بالريدانية سبعة أيام. فلما توجه إلى خانقة سرياقوس أقام بها يوما (١) وليلة ورحل عنها يوم الأحد ثالث عشرينه. - وفى يوم الاثنين رابع عشرينه فرّقت الجامكية الثالثة على العسكر الذى تأخّر بمصر، فجلس الأمير طقطباى عند سلم المدرج ونفقت الجامكية بحضرته، وهذه أول جامكية نفقت فى غيبة السلطان. - وفى ذلك اليوم رسم الأمير الدوادار للأمراء المقدمين الذين (٢) عيّنهم السلطان إلى الشرقية والغربية بأن يخرجوا ويسافروا لأجل حفظ البلاد من فساد العربان، فتوجه الأمير تانى بك النجمى إلى نحو الشرقية، والأمير أزبك المكحل إلى نحو الغربية والأمير قانصوه الفاجر إلى المنوفية، والأمير قانصوه أبو سنّة إلى البحيرة، والأمير يخشباى كان مسافرا إلى جهة الفيوم بسبب عمارة الجسر الذى هناك، ثم نادى الأمير الدوادار فى القاهرة بأن المماليك السلطانية المتعيّنين إلى الشرقية والغربية يخرجون (٣) صحبة الأمراء الذين (٢) سافروا فلا يتأخر عن ذلك أحد من المماليك المعينة إلى السفر، فامتثلوا ذلك.
وفى يوم الاثنين رابع عشرينه توفى الأمير نوروز تاجر المماليك أحد الأمراء
стр. 2942
الطبلخانات، وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباى، وكان قد شاخ وكبر وثقل بالشحم حتى عجز عن الحركة واستمر على ذلك حتى مات، فأشيع أن السلطان أنعم على مملوكه ماماى الصغير الذى قرّر فى الحسبة ببرك نوروز ووظيفته وخيوله وبغاله وخامه على ما قيل والله أعلم. - وفى ذلك اليوم أظلم الجوّ وأرعد وأبرق ومطرت السماء مطرا غزيرا، وكان ذلك فى أول بؤونة من الشهور القبطية، فاستمر المطر عمّالا (١) ثلاثة أيام متوالية حتى عدّ ذلك من النوادر، وقام عقيب ذلك رياح عاصفة واصفرّ الجو صفرة عظيمة وقت المغرب، فتفاءل الناس بوقوع فتن فى الوجود وكذا جرى فيما بعد.
وفى يوم الاثنين رابع عشرينه جاءت الأخبار من عند السلطان أنه لما رحل من الخانكاه وجد فى وطاقه شخص من الساسة زعموا أنه فداوى أرسله علم الدين جلبى السلطان الذى تغير خاطره عليه كما تقدم ذكر ذلك، فزعموا أعداء علم الدين أنه أرسل ذلك الفداوى ليقتل الصبى عبد الرازق الذى صار جلبى السلطان عوضا عن علم الدين، فقبضوا على ذلك الرجل الذى زعموا أنه فداوى وأحضروه (٢) بين يدى السلطان فقرّره فأنكر فرسم بشنقه. ثم إن السلطان أرسل يقول للأمير ألماس والى القاهرة بأن يكبس على علم الدين الجلبى وعلى أقاربه ويقبض عليهم ويشنق علم الدين على باب داره، فلما بلغ علم الدين الجلبى ذلك اختفى وهرب من داره، ثم إن الوالى قبض على جماعة من الساسة من أقارب علم الدين ووضعهم فى الحديد، فأشيع أنهم سجنوهم فى المقشرة إلى أن يحضر السلطان. وكان قبل ذلك حرق للسلطان والأمراء عدة شون دريس فى الحسينة بنحو ألفى (٣) دينار، فنسبوا أن ذلك من فعل جماعة من الساسة من أقارب علم الدين الجلبى، وإذا وقعت البقرة كثرت سكاكينها، واستمرّ الطلب الحثيث على علم الدين الجلبى إلى أن يظفروا به، فقيل إن الوالى لما هرب علم الدين أرسل مماليكه باللبس الكامل إلى ناى وطنّان فى طلب علم الدين فلم يظفروا به.
وفى يوم الجمعة ثامن عشرينه خرج الأمير الدوادار وسافر بسبب سدّ جسر الفيض وجسر أبى المنجا وقد أعيا الخولة سدّهما، وكان النيل قد زاد قبل المناداة،
стр. 2943
وكان فى اثنى عشر ذراعا، فتعب الأمير الدوادار فى سدّ تلك الجسور غاية التعب، وكسر مراكب فى أساس ذلك السدّين والماء يقوى على ما يصنعون ويقلب الجسور حتى أعيا أمرهما جميع المهندسين.
وفى جمادى الأولى خرج الأمير ماماى الصغير المحتسب وسافر ولحق بالسلطان، وخرج صحبته شخص صبى صغير عمره نحو ثلاث عشرة سنة وهو يقال له قاسم بن أحمد بك بن أبى يزيد بن عثمان، وكان عمه سليم شاه بن عثمان لما قتل أخاه أحمد بك ففرّ ابنه قاسم هذا هو ولالاه ودخل إلى حلب فى الخفية، فلما بلغ السلطان ذلك أحضره إلى مصر فى الخفية وأقام بها إلى أن خرج السلطان إلى البلاد الشامية فأخذه صحبته ليبلغ بذلك مقاصده فلم يفد من ذلك شيئا، فلما خرج صحبة الأمير ماماى خرج وقدامه جنايب، وكان السلطان أقام له برك ويرق وتكلف عليه بنحو ألفى (١) دينار حتى يظهر أمره ويشاع ذكره فى بلاد ابن عثمان بأن فى مصر من أولاد ابن عثمان ولد ذكر، وظن السلطان أن عسكر ابن عثمان إذا سمعوا ذلك يخامرون (٢) على سليم شاه ويأتون (٣) إلى هذا الصبى قاسم، فلم يظهر لهذا الأمر نتيجة ولا أفاد منه شيئا، فشق من الصليبة وعلى رأسه عمامة تركمانية وفى وسطه خنجر، وقيل إن فى أذنيه بلخشة مثمنة، وصحبته جماعة من العثمانية، وخرج صحبة الأمير ماماى والأمير أينال باى دوادار سكين الذى كان حضر من البلاد الشامية فرسم له السلطان بالعود ثانيا بصحبته إلى حلب.
ومن الحوادث فى غيبة السلطان أن الأمير ألماس والى الشرطة صار يحجر على الناس بأن يعمّروا على الحارات والأزقّة دروبا فى أماكن شتى، فعمّروا دربا فى رأس سوق الدريس، ودربا فى الحسينة، ودربا على قنطرة الحاجب، ودربا عند حدرة الفول، وآخر عند خوخة القطانين، وآخر عند المقس، وعدة دروب فى أماكن شتى، وسدّ عدّة خوخ كانت بالقاهرة، وصار على رءوس الناس طيرة بسبب المناسر والحريق،
стр. 2944
ثم نادى فى القاهرة بأن يعلّقوا على كل دكان قنديلا، وأن أحدا لا يخرج من بيته من بعد العشاء ولا يمشى بسلاح. - ومن الوقائع اللطيفة أن الأمير الدوادار فى غيبة السلطان لم يشوّش على أحد من أجناد الحلقة ولا ألزمهم بالمبيت فى القلعة فى غيبة السلطان، وكانت العادة القديمة أن السلطان إذا سافر نحو البلاد الشامية تتسلط (١) نقباء القصر على أولاد الناس من اجناد الحلقة ويلزمونهم (٢) بالمبيت فى القلعة فى كل ليلة فى مدّة غيبة السلطان إلى أن يحضر من السفر، فيحصل لهم مشقّة زائدة ويقاسون تعبا (٣) كل ليلة فى طلوعهم إلى القلعة ويباتون (٤) بها عن بيوتهم فى الشتاء، والذى ما يبات بالقلعة يقوم له ببديل يبات عنه بالقلعة، وكان ذلك يعمل إلى أيام الأشرف قايتباى لما كان يسافر، فلم يعترض الأمير الدوادار لما سافر الغورى لأحد من أجناد الحلقة فكتب ذلك فى صحيفة الأمير الدوادار ودعوا له أولاد الناس الذين (٥) أبطل عنهم هذه السنّة السيئة.
ومن الحوادث فى غيبة السلطان أن شخصا من مماليك السلطان الجلبان قصد يشترى قمحا من مركب على شاطئ البحر، فلما اشترى ذلك القمح لم يجد ترّاسا يحمله فوجد شخصا من الفلاحين الصعايدة ومعه حمار وزكيبة، فأخذ ذلك المملوك الحمار والزكيبة من ذلك الرجل فلم يعطه (٦) الرجل الحمار، فضربه ضربا مبرحا على رأسه حتى سال دمه، فألقى الرجل نفسه فى البحر فأغمى عليه فمات، فعند ذلك تكاثرت الناس على ذلك المملوك ومسكوه وأتوا به إلى بيت الأمير الدوادار نائب الغ؟؟؟ ة، فوضعه فى الحديد وأرسله إلى الوالى ليسجنه إلى أن يحضر السلطان، فلما بلغ خشداشينه ذلك أتوا إلى بيت الدوادار فوجدوه غائبا نحو جسر الفيض بسبب سدّه، فقيل للمماليك إن ذلك المملوك الذى قتل قد سلمه الأمير الدوادار إلى الوالى، فعند ذلك نزل من الطباق الجمّ الغفير من المماليك الجلبان وتوجهوا إلى بيت الوالى وخلّصوا ذلك المملوك الذى قتل الفلاح وقصدوا أن يحرقوا بيت الوالى وينهبوه، فتغافل الأمير الدوادار عن أمر
стр. 2945
ذلك القتل وراحت على من راح.
ومن الحوادث فى غيبة السلطان أن شخصا من الطواشية يقال له عنبر مقدم طبقة الأشرفية، وكان ساكنا بالقلعة فى خرائب التتار، وكان متهما بالمال وعنده ودائع من جوامك المماليك، فنزل عليه الحرامية وهو راقد فى بيته وضربوه على رأسه بالمجلبات حتى أشيع أنه قد مات، وأخذوا كل ما فى بيته، وقتلوا عبده وجاريته، ولم تنتطح فى ذاك شاتان، حتى تحيّر الأمير طقطباى نائب القلعة فى هذه الواقعة كيف جرت فى وسط القلعة والأبواب تغلق من بعد المغرب، فعدّ ذلك من العجائب. - وفى يوم الثلاثاء حادى عشره توفى قاضى القضاة الشافعية كان، وهو جمال الدين إبراهيم بن الشيخ علاى الدين القلقشندي رحمة الله عليه، وكان من أهل العلم والفضل والدين وله سند عال فى الحديث الشريف، وولى منصب قضاء الشافعية، فى دولة الغورى مرتين، وكان قد كبر سنّه وشاخ وقد قارب التسعين سنة من العمر، وكان من أعيان علماء الشافعية رحمة الله عليه.
وفيه وردت الأخبار بأن السلطان دخل إلى الصالحية فى يوم الثلاثاء خامس عشرين ربيع الآخر، وقيل إنه لما أراد الرحيل منها أذن للخليفة والقضاة الأربعة بأن يتقدموه إلى غزة، ثم وصل إلى قطيا فلاقاه الأمير قانصوه روح لو نائب قطيا ومدّ له هناك مدّة حافلة وقدّم له تقدمة جيّدة على ما قيل. ومن الإشاعات التى أشيعت أن فى أثناء الطريق سرقت بغلة قاضى القضاة الحنفى ثم ظهرت من بعد ذلك وتكلف عليها الحلوان حتى رجعت إليه. وأشيع أن بقجة فيها قماش لقاضى القضاة الحنبلى سرقت من خيمته. وأشيع أن قد سرق للسلطان جمل عليه مال له صورة فقبض على من فعل ذلك ووسّط من الجمّالة ثمانية أنفار، وكل ذلك إشاعات ليس لها صحّة.
ثم وردت الأخبار بأن السلطان دخل إلى مدينة غزة المحروسة يوم الخميس رابع جمادى الأولى فلاقاه الأمير دولات باى نائب غزة ومدّ له مدّة حافلة، فشقّ السلطان مدينة غزة فى موكب حافل وقدامه الخليفة والقضاة الأربعة، فقيل أقام بغزة خمسة أيام ورحل عنها. وأشيع أن السلطان لما كان بغزة أخلع على جمال الدين الألواحى بواب
стр. 2946
الدهيشة وقرره معلم المعلمين، عوضا عن الشهابى أحمد بن الطولونى بحكم انفصاله عنها، وكان هذا من غلطات الزمان فى تولية الوظائف إلى غير أهلها.
وفى يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى طلع ابن أبى الرداد ببشارة النيل المبارك فأخذ القاع فجاءت القاعدة اثنتى عشرة ذراعا وهذا من النوادر الغريبة، وقيل قد بقى عن ميعاد الوفاء ستة وتسعين إصبعا. وللناس مدّة طويلة من أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون ما رأوا القاعدة جاءت اثنتى عشرة ذراعا فإن فى أيامه فى سنة إحدى وستين وسبعمائة جاءت القاعدة اثنتى عشرة ذراعا، وكان الوفاء فى سادس مسرى وبلغت الزيادة فى تلك السنة إلى ما يقرب من أربعة وعشرين ذراعا، هكذا نقله المقريزى فى الخطط وأورد ذلك الشيخ جلال الدين الأسيوطى فى كتابه المسمى بكوكب الروضة، فحصل للناس فى تلك السنة بسبب ذلك الضرر الشامل واستسقوا الناس فى هبوطه حتى انهبط بعد ما مكث إلى آخر توت. ثم فى أيام الأشرف برسباى فى سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة جاءت القاعدة إحدى عشرة ذراعا وعشرة أصابع، وكان الوفاء ثانى مسرى وبلغت الزيادة فى تلك السنة إلى عشرين إصبعا من عشرين ذراعا وثبت إلى أواخر بابه. فلما جاءت القاعدة فى هذه السنة اثنتى عشرة ذراعا خشت الناس أن النيل يمكث على الأراضى وقت أوان الزرع وأن يف فى غير أوانه، فما حصل فى هذه السنة إلا كل خير ووفّى النيل فى أوانه وسيأتى الكلام (١) على ذلك فى موضعه. - وفى يوم السبت سابع عشرينه توفى الأمير جانى باى من طبقة الزمامية، وكان من الأمراء الطبلخانات، وأصله من مماليك الأشرف قايتباى، وكان لا بأس به. - وفيه أخرجوا فلوس جدد وأبطلوا الفلوس العتق، فنادوا بأن الفلوس العتق بنصفين الرطل والجدد معاددة كل واحد بدرهم، فوقف حال الناس بسبب ذلك وصارت البضائع تباع بسعرين سعر بالفلوس الجدد وسعر بالفلوس العتق.
وفى جمادى الآخرة كان مستهل الشهر يوم الثلاثاء فتوجه جماعة من نواب القضاة
стр. 2947
وأعيان الناس إلى بيت الأمير الدوادار وهنّوه بالشهر. - وفى هذا الشهر وردت الأخبار بأن السلطان دخل إلى دمشق المحروسة يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الأولى فلاقاه سيباى نائب الشام، [ولاقاه سيباى نائب الشام من المنية وبركة طبرية على ما قيل من الأخبار] (١)، ودخل فى موكب حافل وعسكر بالشاش والقماش وقدامه الخليفة والقضاة الأربعة وسائر الأمراء من المقدّمين والأمراء الطبلخانات والعشرات وأرباب الوظائف من المباشرين والجمّ الغفير من العسكر، ولاقاه أمراء الشام وعساكرها، وحمل على رأسه ملك الأمراء سيباى نائب الشام القبة والجلالة كما جرت بذلك العوايد من قديم الزمان، فزينت له مدينة دمشق زينة حافلة ودقت له البشائر بقلعة دمشق، ونثر على رأسه بعض تجار الفرنج الذى هناك ذهبا وفضة، وفرش له سيباى نائب الشام تحت حافر فرسه الشقق الحرير، فتزاحمت عليه المماليك بسبب نثار الذهب والفضة فكاد السلطان أن يسقط من على ظهر فرسه من شدة ازدحام الناس عليه، فمنعهم من نثار الذهب والفضة ومن فرش الشقق تحت حافر فرسه (٢). [ولما دخل إلى دمشق نثر على رأسه القنصل وتجار الفرنج دنانير ذهب، ونثر المعلم صدقة اليهودى معلم دار الضرب بالشام فضة جديدة، وفرشت له الشقق من مدرسة النائب بها الآن، وزيّنت له المدينة سبعة أيام] (٣)، فكان له بدمشق يوم مشهود، وعدّ ذلك من المواكب المشهودة، فاستمرّ فى هذا الموكب الحافل حتى دخل من باب النصر الذى بدمشق وخرج إلى الفضاء منها وتوجه إلى المصطبة (٤) التى يقال لها مصطبة السلطان، وهى بالقابون الفوقانى، فنزل هناك ورسم لبعض حجاب دمشق بعمارتها وكانت قد تشعتت من قدم السنين، وهذا الموكب لم يتفق لسلطان من بعد الأشرف برسباى لما توجه إلى آمد سنة ست وثلاثين وثمانمائة سوى للملك الأشرف قانصوه الغورى. ثم إن السلطان أقام بالمصطبة التى بالقابون نحو تسعة أيام، وقيل إن قاضى القضاة الشافعى
стр. 2948
كمال الدين الطويل خطب بجامع بنى أميه جمعتين، ولم يحضر السلطان هناك صلاة الجمعة، وقيل استمرّت مدينة دمشق مزّينة سبعة أيام. ثم إن السلطان رحل من هناك وتوجه إلى حمص. ثم رحل عنها وتوجه إلى حماة فلاقاه نائبها جان بردى الغزالى وقيل إنه مدّ له هناك مدّة حافلة أعظم من مدّة نائب الشام على ما أشيع، وقيل إن السلطان لما أن رحل عن حماة ترك بها قاسم بك بن أحمد بن عثمان الذى تقدم ذكره عند ما خرج من مصر وسافر صحبة الأمير ماماى المحتسب كما تقدم.
ومن الحوادث أن فى ليلة الاثنين رابع عشر هذا الشهر خسف جرم القمر خسوفا فاحشا حتى أظلمت الدنيا، وأقام فى الخسوف فوق من خمسين درجة وتغطى بالسواد جميعه، واستمرّ فى الخسوف إلى ثلث الليل الأخير. - وفى يوم الاثنين رابع عشره رسم الأمير الدوادار بشنق شخص من العربان المفسدين، فشنق على قنطرة الحاجب. - وقد ضبط الأمير الدوادار أحوال الديار المصرية فى غيبة السلطان ضبطا جيدا، ورسم للأمير ألماس والى القاهرة بأن يطوف فى كل ليلة من بعد العشاء وعيّن معه نحو مائة مملوك (١) من المماليك الجلبان يطوفون معه، كل ليلة تنزل جماعة من المماليك من طباقهم بالنوبة ويطوفون مع الوالى إلى طلوع الفجر، فلم يقع فى غيبة السلطان فى القاهرة إلا كل خير وكان ذلك على غير القياس. وكان الأمير الدوادار فى كل وقت يقمع ألماس والى القاهرة ويحط عليه بسبب ما أخذه من الناس لأجل الدروب وقد أفشى الظلم البيّن، فكان يتفق مع أرباب الأدراك والخفراء ويجبون (٢) سكان الخطط والحارات لأجل عمارة الدروب، فجبى من الناس فى هذه الحركة أموالا لها صورة، فكانت الخفراء إذا وقفوا على باب أحد من السكان [يقررون عليه من الدراهم بحسبما يختارونه] (٣) من ذلك، فإذا هرب صاحب (٤) الدار أسمروا الباب على أولاده وعياله وزوجته حتى يحضر ويدفع لهم ما قرروه عليه، والامرأة الأرملة [يسمرون بابها عليها ويتركونها] (٥)
стр. 2949
بالجوع والعطش حتى ترمى لهم من الطاق اللحاف والطراحة، فكانوا يقررون (١) على بيوت الفقراء من الناس شئ أشرفى وشئ أشرفين، وأما بيوت أعيان الناس فكانوا يقررون (١) عليهم شئ خمسة أشرفية وشئ عشرة أشرفية بحسبما يختارونه (٢)، ففعلوا مثل ذلك بخط المقس وبخط باب البحر وسويقة اللبن والحسينة وسوق الدريس وخط بركة الرطلى وغير ذلك من الأماكن والخطط، ففعلوا فى هذه الحركة من وجوه المظالم ما لا فعله هناد، وهم يزعمون أن بذلك نفعا للمسلمين فى عمارة الدروب، فجبوا فى هذه الحركة مالا له صورة ولم يصرفوا منه إلا اليسير. ثم حسّنوا للوالى عبارة بأن يجبى سوق جامع ابن طولون من مشهد السيدة نفيسة إلى آخر سوق جامع ابن طولون من جميع الأملاك والدكاكين التى (٣) هناك، وزعموا أنهم ينشوا (٤) سورا من حدرة ابن قميحة إلى باب القرافة، وزعموا أن ذلك يمنع هجمة العربان على حين غفلة، وكل هذا حيلة على أخذ أموال المسلمين، فشرعوا فى كتب أسماء الدكاكين والأملاك.
فلما بلغ الأمير الدوادار ذلك زجر (٥) ألماس الوالى وحطّ عليه، وكان قد أشاع ذلك عن لسان الأمير الدوادار فخلف الدوادار أيمانا عظيمة أنه ما له علم بذلك، وربما أشيع أنه لكم ألماس الوالى بسبب ذلك، وأبطل هذه الحادثة المهولة فدعوا له الناس قاطبة.
ثم إن جماعة حاجب الحجاب قصدوا أن ينشوا (٦) مظلمة أخرى، وهو أنهم قصدوا أن يجبوا من أملاك بركة الرطلى مالا له صورة بسبب قطع طين فم البركة فإنه كان قد على (٧) جدا حتى امتنع المراكب من دخول البركة، فلما بلغ الأمير الدوادار ذلك أبطل هذه الفعلة ورسم بسدّ فم البركة حتى لا تدخل فيها المراكب، ثم تزايد الأمر فى ذلك حتى يكون ما سنذكره (٨) فى موضعه.
وفى يوم السبت تاسع عشره حضر الأمير الدوادار وكان قد توجه إلى الفيوم ليكشف على الجسر الذى عمره الأمير يخشباى هناك، فكشف عليه وعاد بعد أيام.
стр. 2950
وفى مدة غيبة السلطان كان الأمير الدوادار يركب كل يوم ومعه الأمراء والعسكر الذين (١) بمصر فيسير إلى نحو المطرية وبركة الحاج، فإذا رجع يدخل من باب النصر وقدامه الجمّ الغفير من الأمراء والعسكر، وكل هذا لأجل العرب والفلاحين حتى لا يطمعوا ويقولوا إن ما بقى فى مصر عسكر، وكان هذا من الاراء الحسنة.
وفى يوم الاثنين حادى عشرين جمادى الآخرة الموافق لسابع عشرين أبيب، فيه كان وفاء النيل المبارك. وفتح السد فى يوم الثلاثاء ثانى عشرينه، الموافق لسابع عشرين أبيب، وقد وافى قبل دخول مسرى بأربعة أيام، وللناس مدة طويلة من سنة خمس وأربعين وثمانمائة ما رأوا النيل وافى فى سابع عشرين أبيب إلا فى هذه السنة، فلما وفى النيل فى تلك السنة فى سابع عشرين أبيب فصنّف مناديّو (٢) البحر هذه الكلمات، وقالوا: النيل أوفى فى أبيب، خش يا حبيب، وقد بقينا فى هنا، يا فرحنا، وكلمات أخر غير ذلك. فلما وافى النيل توجه الأمير طومان باى الدوادار نائب الغيبة لفتح السد، فنزل فى الحراقة وتوجه إلى المقياس وخلّق العمود، ثم نزل من المقياس فى الحراقة وصحبته جماعة من الأمراء المقدمين الذين كانوا بمصر، منهم: الأمير طقطباى نائب القلعة والأمير أرزمك الناشف وآخرون من الأمراء، فتوجه لفتح السدّ وكان يوما مشهودا، فلما فتح السدّ عاد إلى داره فى موكب حافل وقدامه الأمراء بالشاش والقماش وجماعة من المباشرين، فتوجه إلى داره، فلما فتح السد جرى الماء فى الخلجان بعزم قوى وسرّ الناس فى ذلك اليوم بوفاء النيل قبل ميعاده، وقد قيل فى المعنى:
تمتّع بماء النيل يوم وفائه … فقد طاب منه الشرب وهو لنا طبّ
وقد سكبت منه الجنادل فيضها … فأضحى بلا شك حلاوته سكب
ومن الحوادث أن الأمير الدوادار نائب الغيبة منع الناس أن لا يسكنوا (٣) بالجسر الذى ببركة الرطلى ولا فى المسطاحى، ومنع المراكب أن لا يدخلوا فى بركة الرطلى ولا فى الخلجان قاطبة، وعمل جسرا على خليج الزربية عند قنطرة موردة
стр. 2951
الجبس، فآل أمر الجزيرة الوسطى إلى الخراب ولم يسكن بها بيت ولا فتح بها دكان، ومنع المقاصفيّة أن لا ينصبوا مقصفا فى الجسر ولا فى الزربية، فلم يكر فى الجسر بيت ولا دكان ولم يسكن المسطاحى ولا حكر الشامى ولا الزربية، وصارت بيوت بركة الرطلى خاوية على عروشها، ولا سيما بيوت أولاد الجيعان وبيت كاتب السر وغير ذلك من بيوت الأعيان، فحصل للناس فى هذه السنة غاية الأنكاد بسبب ذلك وخسروا الناس كرى بيوتهم، وأشيع بسدّ خوخة الجسر، فتلطّف القاضى بركات ابن موسى المحتسب بالأمير الدوادار على [أن] يسمح للناس فى دخول المراكب على العادة وأن يسكن الجسر فأبى من ذلك، وقال إن العوام يفسدون نساء الأغوات المسافرين صحبة السلطان فى هذه النيليّة، واستمرّ مصمّما على منع ذلك، ثم فى أواخر النيليّة شفع القاضى بركات بن موسى فى خمس مراكب للبياعين بأن يدخلوا (١) فى البركة على العادة، فدخل الحلوانى والجبان والفاكهانى والعداس والسويخاتى لا غير، فأقاموا أياما يسيرة فلم يجدوا من يبيعون عليه، فمضوا إلى حال سبيلهم، واستمرّت بركة الرطلى ليس بها ديّار ولا نافخ نار، فعند ذلك عمل فيها الشيخ بدر الدين الزيتونى هذه المرثية اللطيفة فى واقعة الحال، فقال:
سألت إله العرش ينعم بالنصر … لسلطاننا الغورىّ فهو أبو النصر
مليك عزيز أشرف ومظفر … مؤيّد دين ظاهر كامل القدر
لغيبته أضحى على الكون وحشة … بها بركة الرطلى مدمعها يجرى
يحقّ لنا نرثى المقاصف بالبكا … خصوصا من المسطاح مع لذة الجسر
لقد كان فيه للخليع تواصل … لعمرك إن الوصل خير من الهجر
وكان به جمّيزة طاب ظلها … فناح عليها الطير والوحش فى القفر
على ما جرى للجسر ساقية بكت … وصاحت بقلب صار فى غاية الكسر
وساروجة يبكى بجامعه دما … وقد أصبح الشامى يبكى على الحكر
وأضحت بيوت الجسر خالية فلا … لصاحبها سكنى ولا واحد (٢) يكرى
стр. 2952
وقد أصبحت تلك القصور خواليا … فيا وحشة السكان من كل ذى قصر
على بركة الرطلىّ نوحوا وعدّدوا … لما حلّ فيها من نكال ومن خسر
وكان بها للقادرىّ حلاوة … مشبّكها يشدو من المسك والعطر
وكان بها الفكّاه يسعى بمركب … بخوخ ورمان يبشّر بالبسر
وزهر ونسرين وآس ونوفر … لها بهجة للمرء طيبة النشر
وكان بها الجبّان يقلى بمركب … فيجمع بين النار والماء فى البحر
وكان بها للآكلين قطائف … بها عطش تسقى من الغيث بالقطر
لها رونق فى الصحن من فستق بها … وسكّرها يروى حديث أبى ذرّ
وكان بها الحشاش يسرد بهجة … فمذ قطعوا لذّاته صار فى فكر
وكان بها السكّير فى غاية الهنا … يدير كؤس الراح فى ليلة البدر
وكان بها للراكبين مراكب … مستّرة فيها وأخرى بلا ستر
وكم داخل فيها مغنّ ومنشد … بنغمته كم من خفيف وكم شعر
وكم آلة للمطربين عهدتها … وجنك وعوّاد يغرّد كالقمر
وقد درست تلك المعاهد كلها … وناحت بها الغربان والبوم فى الوكر
وشق شقيق الروض فيها ثيابه … وأرمى غصين الدوح ما فيه من زهر
وقد لبس الشحرور سود ثيابه … وأبدا خرير الماء لطم من النهر
وسالت دموع السحب من أعين السما … وصار يضاء الصبح كالليل إذ يسرى
وقد كسفت شمس الضحى فى سمائها … وأظلم نور البدر فى الخسف للفجر
جزيرتنا الوسطى خراب لأنها … بها وضعوا سدّا لماء بها يجرى
وقد أخذوا أنقاضها لمبيعها … ولم يبق فيها من بناء سوى الجدر
وقد أصبح النوتىّ فى غاية الضنا … ولا يلتقى فيها معاش ولا مكر
وباع قماش الستر منها وقلعها … وباع المدارى حيث يدرى ولا يدرى
فيا مقلتى جودى بدمعى تحسّرا … ويا مهجتى صبرا وناهيك بالصبر
رعى الله أياما تقضّت بطيبها … ونحن بمصر فى أمان وفى بشر
стр. 2953
وكان الدوادار الكبير هو الذى … أشار بهذا المنع بالنهى والأمر
أراد بهذا المنع صون حريم من … غدا صحبة السلطان والبنت فى الخدر
فكان بهذا الرأى أكرم صائن … حريم جميع الناس من آفة الدهر
ولولا ابن موسى كان فى البعض شافعا … وقد نال شكر الساكنين مع الأجر
لما سمحوا فيها لمركب بايع … ولا لاح فيها من جليس على الجسر
فيا ربنا أنعم علينا بنصرة … لسلطاننا الغورىّ والعسكر المصر
وأنعم بعود الكلّ فى خير مقدم … إلى الأهل والأوطان فى غاية الجبر
وصلّى على المختار من آل هاشم … محمد الهادى إلى الخير والبشر
كذا الآل والأصحاب والتبع الذى … لهم غاية الإحسان فى الحشر والنشر
عليهم صلاة الله ما هبت الصّبا … صباحا (١) على عود وما غرّد القمر
وناظمها العوفىّ يدعوا لكلّ من … رأى عيب زيتونى وينعم بالستر
انتهى ذلك. - وفى يوم الجمعة خامس عشرينه توفى الشيخ تاج الدين الذاكر رحمة الله عليه، وكان من أعيان مشايخ الصوفية وله شهرة طائلة بالصلاح بين الناس، وكان لا بأس به. -[وفيه توفى طراباى قرا أحد الأمراء العشرات] (٢).
وفى رجب كان مستهل (٣) الشهر يوم الخميس، فتوجه جماعة من نواب القضاة إلى بيت الأمير الدوادار نائب الغيبة وهنّوه بالشهر. - وفى يوم الجمعة تاسعه توفى تغرى بردى المعروف بالششمانى، وكان يدّعى أنه من الأمراء العشرات، وكان قبل ذلك من جملة السقاة، فمات عن عدّة أقاطيع ورزق مشتراواته، وكان فى سعة من الرزق، وكان ينسب إلى شح زائد وبخل. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة شخص من الأمراء العشرات يقال له مسايد، وكان مسافرا صحبة السلطان فى التجريدة، وكان أصله من مماليك الأشرف قايتباى. - وفيه دخل الأمراء الذين كانوا توجهوا (٤) إلى نحو الشرقية والغربية كما تقدم ذكر ذلك، فرجعوا عند ما أوفى النيل وتقطعت الطرقات بالمياه. -
стр. 2954
وفيه تقلّقت الناس بسبب الفلوس الجدد فصارت البضائع تباع بسعرين، ووصل صرف النصف الفضة بالفلوس إلى ستة عشر درهما من الفلوس، وكانت الفلوس الجدد تصرف معاددة وهى فى غاية الخفّة فتضرّر الناس لذلك، فغلقت الدكاكين بسبب ذلك، وتشحّط الخبز وسائر البضائع، وكادت أن تنتشى من ذلك غلوة.
وفيه وردت الأخبار بأن السلطان وصل إلى حلب فدخلها فى يوم الخميس عاشر جمادى الآخرة، وكان لدخوله يوم مشهود، وقدامه الخليفة والقضاة الأربعة وسائر الأمراء، كموكبه بالشام، وحمل القبة والجلالة على رأسه ملك الأمراء خاير بك نائب حلب كما فعل سيباى نائب الشام. وفى حال دخول (١) السلطان إلى حلب وصل إليها قصّاد من عند سليم شاه بن عثمان ملك الروم، فقيل إن ابن عثمان أرسل إليه قاضى عسكره وهو شخص يقال له ركن الدين، وأحد (٢) أمرائه يقال له قراجا باشاه، وصحبتهم سبعمائة عليقة، فنزلوا بمدينة حلب. وبلغنى من الكتب الواردة بالأخبار أن السلطان لما حضر بين يديه قاضى ابن عثمان وقراجا باشاه شرع يعتبهم فى أفعال ابن عثمان وما يبلغه (٣) عنه فى حقه وأخذه إلى بلاد على دولات، فقال له قاضى ابن عثمان وقراجا باشاه: نحن فوّض لنا أستاذنا الأمر وقال مهما اختاره السلطان افعلوه ولا تشاورونى. وكل هذا حيل وخداع حتى يبطل همة السلطان عن القتال ويثنى عزمه عن ذلك، وقد ظهر مصداق ذلك فيما بعد. [ومن جملة مخادعة ابن عثمان إلى السلطان أنه أرسل يطلب منه سكر وحلوى فأرسل إليه السلطان مائة قنطار سكرا وحلوى فى علب كبار، وكل ذلك حيل منه] (٤).
ثم إن قاضى ابن عثمان أحضر فتاوى عن علماء بلادهم وقد أفتوا بقتل شاه إسمعيل الصوفى وأن قتاله جائز فى الشرع، وأرسل يقول فى كتابه: السلطان والدى وأسأله الدعاء لكن لا يدخل بينى وبين الصوفى فإنى ما أرجع عنه حتى أقطع جادرته من على وجه الأرض فلا تدخل بيننا بشئ من أمر الصلح. وأظهر أنه قاصد نحو الصوفى
стр. 2955
ليحاربه، والأمر بخلاف ذلك. وذكروا أنه على القيسارية يقصد التوجه إلى محاربة الصوفى. ثم إن السلطان أخلع على قصّاد ابن عثمان الخلع السنية، وقيل إن ابن عثمان أرسل إلى السلطان تقدمة حافلة، وللخليفة وأمير كبير سودون العجمى، فكان ما أرسله ابن عثمان إلى السلطان من التقدمة أربعين مملوكا وأبدان سمور (١) وأثواب مخمل وأثواب صوف وأثواب بعلبكى وغير ذلك. وكان ما أرسله إلى الخليفة بدنين سمور (١) وثوب مخمل بكفوف قصب وثوبين صوف عال، وأرسل إليه قاضى عسكر ابن عثمان ثوبين صوف وسجادة عال، وأرسل إليه قراجا باشاه ثوبين صوف وسجاد وبغلة.
وأرسل ابن عثمان إلى أمير كبير تقدمة أيضا حافلة ما بين سمور (١) ومخمل وصوف ومن المماليك اثنين. ثم إن السلطان عيّن مغلباى دوادار سكين بأن يتوجه إلى ابن عثمان وعلى يده مطلعة من عند السلطان إلى ابن عثمان تتضمن أمر الصلح بينهما، والأمراء والعسكر منتظرون ردّ الجواب عن ذلك. وقد نظمت هذه القصيدة فى معنى واقعة سفر السلطان من حين خروجه [من] مصر إلى دخوله (٢) مدينة حلب، وقد قلت فى ذلك:
ادعوا بنصر للمليك الأشرف … سلطان مصر ذى المقام الأشرف
قد قدّر الرحمن نقل ركابه … نحو الشام وحسنها المستظرف
اختار أن يطأ البلاد لكشفها … ففدت تجود له بجود المتحف
خضعت له النواب طوعا باللقا … من غير حرب أو حسام مشرف
لو كان ذو القرنين حيا فى الورى … لاقاه بالإكرام والفضل الوفى
تاريخه فاق الملوك تعاظما … فاصغ له واسمع بغير تكلف
عاينته يوما مضى فى موكب … يزهو على برقوق زهو الأشرف
عوّذت طلعته بسورة يوسف … وجميع عسكره بآى الزخرف
ركب الخليفة والقضاة أمامه … وجيوشه من حوله بالمرهف
فى غزة قد كان يوم دخوله … يوم الخميس بعسكر مترادف
стр. 2956
قالت دمشق فرحة لما أتى … أهلا بمن بين الرعاية منصفى
وتهللت بالنور جبهة ربوة … لما اكتست بالزهر حلة يوسف
وحماة أحماها بصايح عدله … فأطاعه العاصى بغير توقف
واشتقاقه نهر الفراة أما ترى … تياره بالماء فى عزم وفى
واستأنست حلب به مذ زارها … واستوحشت مصر له بتكلف
شرفت به حلب وقالت فرحة … يا حبّذا من قادم مستظرف
سلطاننا الغورى صار مؤيدا … مذ حفّه الرحمن باللطف (١) الخفى
فالله يبقيه على طول المدا … ما أسكرت ريح الصباء بقرقف
قد ضاء لابن إياس شعرا قاله … لكن نظمى قد أتى بتضعف
ثم الصلاة على النبى المصطفى … خير البرية يا له من مسعف
والآل والأصحاب ما جنّ الدجى … أو ضاء مصباح بليل أو طف
وختامها مسك يفوح إذا بدا … سلطان مصر ذى المقام الأشرف
وأما ما حكى: أن السلطان لما دخل إلى حلب رسم لقاضى القضاة الشافعى كمال الدين الطويل بأن يخطب فى الجامع الكبير الذى بحلب، فاجتمع بالجامع الجمّ الغفير من أهل حلب، فخرج قاضى القضاة كمال الدين ورقى المنبر وخطب خطبة بليغة وأورد أحاديث شريفة فى معنى الصلح وأذّن مؤذّنو (٢) السلطان بالجامع وقرءوا حزب السلطان هناك، وعملت الوعاظ بالجامع، ولم يحضر السلطان ولم يصلّ (٣) صلاة الجمعة هناك كما فعل بدمشق، فأعابوا عليه ذلك، فكان قاضى القضاة كمال الدين يخطب بالجامع الكبير مدة إقامة السلطان بحلب. - ومن الحوادث التى وقعت من السلطان بحلب أنه أنعم على قانصوه نائب قلعة حلب بتقدمة ألف، وعلى يوسف الناصرى شاد الشراب خاناه الذى كان نائب حماة وعلى طراباى نائب صفد وعلى تمراز نائب طرابلس بتقادم ألوف، ومنها أنه نفق على أولاد الناس الذين توجهوا صحبته بلا نفقة لكل منهم بثلاثين دينارا، وكان رسم لهم قبل ذلك لكل واحد بخمسين دينارا فعارضهم فى ذلك
стр. 2957
كاتب المماليك وجعلها ثلاثين دينارا، وأصرف للعسكر ثمن اللحم عن ثلاثة شهور، ثم إن السلطان فرق على مماليكه الجلبان من حواصل قلعة حلب عدة سلاح لم يعبّر عنها، وفرق عليهم أيضا خيولا ما لها عدد، وصار ينعم عليهم بالعطايا الجزيلة من مال وخيول خاص وسلاح بطول الطريق، ولم يعط (١) المماليك القرانصة شيئا فعز ذلك عليهم فى الباطن. ثم إن السلطان قرأ ختمة فى الميدان الكبير بحلب فى يوم الخميس ليلة الجمعة وحضر أمير المؤمنين المتوكل على الله والقضاة الأربعة ومشايخ الزوايا، فصلى أمير المؤمنين بالسلطان فى الخيمة التى بالميدان صلاة العصر وصلاة المغرب، فأنعم السلطان على أمير المؤمنين فى ذلك اليوم بأربعمائة دينار ومائة رأس غنم، وابن السلطان بثلاثين رأس غنم، وأنعم على قاضى القضاة الشافعى بسبعين دينارا، ونوابه ومن معه من العلماء بسبعين دينارا، والقاضى الحنفى بالشرح، وأنعم على القاضى المالكى بخمسين دينارا، ونوابه الثلاثة بثلاثين دينارا، وكذلك قاضى القضاة الحنبلى، وأنعم على مشايخ الزوايا (٢) لكل واحد منهم بخمسين دينارا، وأنعم على الفقراء الذين سافروا صحبته لكل واحد منهم بعشرة دنانير، وأنعم على الفقراء الذين حضروا هذا الختم من فقراء حلب وغيرها لكل واحد منهم بخمسة دنانير. - وفى عقيب ذلك أحضر السلطان الأمراء المقدّمين والنواب والأمراء الطبلخانات والأمراء العشرات وحلّفهم على مصحف شريف بأنهم لا يخونوه ولا يغدروا به (٣)، فحلفوا كلهم على ذلك.
ثم نادى للعسكر بالعرض فى الميدان الذى بحلب، فعرضوا وهم باللبس (٤) الكامل، وأدخلهم من تحت سيفين هيئة قنطرة كما هى عادة الأتراك، وعندهم أن هذا هو القسم العظيم، ثم إن السلطان أرسل خلف قاسم بك بن أحمد بك بن عثمان الذى خرج من مصر صحبة السلطان كما تقدم، وكان السلطان لما توجه إلى حلب ترك قاسم بك فى حماة فطلبه وأخلع عليه وأشهر أمره بحلب.
ثم وردت الأخبار إلى حلب بأن سليم شاه بن عثمان قبض على قاصد السلطان
стр. 2958
الذى جهزه إلى ابن عثمان، وهو مغلباى أحد الدوادارية السكين، ووضعه فى الحديد.
وكان السلطان جهز الأمير كرتباى الأشرفى أحد الأمراء المقدمين الذى كان والى القاهرة إلى ابن عثمان وصحبته هدية حافلة بنحو عشرة آلاف دينار، وأخلع على قاضى عسكر ابن عثمان ووزيره قراجا باشاه الذى تقدم ذكر حضورهما إلى حلب خلعا سنيّة بطرز يلبغاوى عراض، وأذن لهم بالعود إلى بلادهم، وكان هذا عين الغلط من السلطان الذى أطلق قصاد ابن عثمان قبل أن يحضر مغلباى دوادار سكين ويظهر له من أمر ابن عثمان ما يعتمد عليه، فلما وصل الأمير كرتباى عينتاب بلغه أن ابن عثمان قد أبى من الصلح وأنه بهدل مغلباى ووضعه فى الحديد وقصد شنقه حتى شفع فيه بعض وزرائه وقصد حلق لحيته وقد قاسى منه من البهدلة ما لا يمكن شرحها، فلما تحقق الأمير كرتباى ذلك رجع إلى حلب وأعلم السلطان بما فعله سليم شاه بن عثمان، وأن طوالع عسكره قد وصل إلى عينتاب فهرب نائبها، وملك عسكر ابن عثمان قلعة ملطية وبهسنا وكركر وغير ذلك من القلاع، فلما وصل كرتباى بهذه الأخبار الردية إلى السلطان اضطربت أحواله وأحوال العسكر قاطبة. ثم إن السلطان أخلع على الأمير عبد الرزاق وولاه على إقليم أولاد ذو الغادرية، فخرج من حلب وصحبته ملك الأمراء خاير بك فى موكب حفل، فخرج نائب حلب وأمراء حلب وعساكرها ونزلوا عن حلب بيوم وصحبتهم من المشاة خمسة آلاف ماش، ونفق عليهم السلطان جامكية شهر واحد. ثم خرج بعده ملك الأمراء سيباى نائب الشام وتمراز نائب طرابلس وطراباى نائب صفد ونائب حمص ونائب غزة، فخرجوا من حلب يوم السابع عشر من شهر رجب، وقد أشيع أن ابن عثمان ماش من جهة. وابن سوار ماش من جهة ثم [إن] السلطان نادى للعسكر بالرحيل من حلب والنزول على حيلان لقتال الباغى ابن عثمان، وأن السلطان والأمراء عن قريب يخرجون (١) إلى القتال، والذى يريده الله تعالى هو الذى يكون. وهذا ما نقل من شرح كتاب أمير المؤمنين الذى أرسله إلى والده أمير المؤمنين يعقوب، ثم ذكر فيه عن أمر الأسعار بحلب فالشعير كل أردب
стр. 2959
بسبعة وعشرين نصفا والخبز كل رطل بثلاثة دراهم والجبن بنصفين الرطل واللحم بتسعة دراهم بالرطل المصرى والدبس بنصف فضة الرطل بالمصرى، وتناهى سعر القمح إلى أشرفين كل أردب والكرسنّة عليق الجمال كل أردب بمائة أربعة وعشرين درهما. ثم إن السلطان أرسل إلى الأمير الدوادار مثالا شريفا يتضمّن الوصية بالرعية، وأن المماليك الجلبان الذين (١) بالطباق يكفّوا الأذى عن الناس ولا يشوّشوا على أحد من المتسبّبين، وأن الأمير الدوادار يعرض جميع من فى الحبوس قاطبة من رجال ونساء ويطلق منهم جماعة من المديونين وغيرهم، ولا يترك بالحبوس غير أصحاب الجرائم ومن عليه دم، وكذلك من فى الحجرة من النساء، وأرسل أيضا يقول له: إن كان درب الحجاز أمانا من فساد العربان فيخرج الحاج من القاهرة، وإن كان الدرب مخوفا فلا يسافر أحد من الحاج فى هذه السنة، وأرسل مثالا شريفا إلى المماليك الجلبان الذين (١) فى القلعة بالطباق بأنهم لا ينزلون من الطباق إلى المدينة ولا يشوّشون على أحد من الناس قاطبة ومن يفعل ذلك يشنق من غير معاودة، فقرئ عليهم هذا المثال بالقلعة بين يدى الأمير طقطباى نائب القلعة، وأرسل بالسلام على الأمراء والعسكر قاطبة.
وفى شهر شعبان كان مستهل الشهر يوم الجمعة، ووافق ذلك أول النوروز من السنة القبطية، فعدّ ذلك من النوادر، وقد دخلت سنة قبطية فى أول يوم من الشهور العربية، ولا سيما يوم الجمعة وهو يعدّ يوم فيه ساعة إجابة. - وفى يوم السبت ثانيه أخلع الأمير الدوادار على شخص من الخاصكية يقال له جانى بك القصير، وهو من مماليك السلطان، وقرّره فى كشوفية منفلوط عوضا عن أينال من جانى بك الذى كان بها وقد ضعف بصره. - وفى يوم الأحد ثالثه عرض الأمير الدوادار المحابيس الذين فى السجون الأربعة، وعرض النساء اللاتى (٢) بالحجرة، فأطلق منهم جماعة ممن عليهم دين، وقيل صالح عن جماعة من ماله وأرضى أصحاب الديون،
стр. 2960
واستتاب جماعة من الحرامية، ورسم بتوسيط جماعة ممن عليهم دم، وأبقى منهم جماعة فى السجون إلى أن يحضر السلطان، ثم إن الأمير الدوادار تصدّق على الفقراء بمبلغ له صورة، ورسم بقراءة ختمات فى جميع الأسواق، وقال: ادعوا للسلطان بالنصر. - وفى يوم الاثنين رابعه أخلع الأمير الدوادار على الأمير يوسف البدرى وأعاده إلى الوزارة كما كان، وهذه رابع ولاية له بالوزارة. - وفى ذلك اليوم نودى فى القاهرة بسفر الحاج على العادة، وكان أشيع بطلان الحاج فى هذه السنة.
وفى يوم الثلاثاء خامسه فى ليلة الأربعاء توفى قاضى القضاة الحنفية كان برهان الدين إبراهيم بن الكركى، وهو إبراهيم بن الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن محمد ابن إسمعيل الكركى الحنفى، وكان عالما فاضلا رئيسا حشما من أعيان الحنفية، سمع على الشيخ محيى الدين الكافيجى والشيخ سيف الدين وآخرين من علماء الحنفية، وكان إمام الأشرف قايتباى ورأى فى أيامه غاية العز والعظمة، وولى عدة وظائف سنيّة، منها مشيخة مدرسة أم السلطان التى بالتبانة، ومنها استيفاء الصحبة، ثم ولى قاضى قضاة الحنفية مرتين، ثم ولى مشيخة المدرسة الأشرفية برسباى، ومات وهو على مشيخة المدرسة الأشرفية، وقاسى شدائد ومحنا من الأشرف قايتباى، وكان بشوش الوجه وعنده رقة حاشية ولطافة غير كثيف الطبع، ومات وهو فى عشر الثمانين، وكان سبب موته أنه كان ساكنا على بركة الفيل فنزل يتوضأ على سلم القيطون وفى رجله قبقاب، فزلّت رجله بالقبقاب فوقع فى البركة وكانت فى قوة ملئها أيام النيل، فلما وقع ثقل عليه الثياب فمات من وقته رحمة الله عليه فمات شهيدا، فعاش سعيدا ومات شهيدا، وكان فى أرغد عيش من المال والجاه. - وفيه أخلع الأمير الدوادار على شخص من الخاصكية يقال له قجماس، وقرره فى كشف المنوفية عوضا عن قانصوه الذى كان بها.
وفيه جاءت الأخبار من حلب بوفاة شمس الدين محمد بن ناشى شيخ سوق الكتبيّين، وكان من المقرّبين عند السلطان، وكان رئيسا حشما، وكانت وفاته فى شهر رجب بحلب، وكان على حسّ السلطان حاز عدة وظائف سنية. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة الأمير يوسف الشهير بالمقطش الذى كان نائب صفد وعزل عنها، توفى
стр. 2961
بحلب. وأشيع وفاة أبرك الذى كان كاشف إقليم الجيزة، وكان من الأمراء العشرات، توفى بحلب. وأشيع بوفاة جماعة كثيرة كانوا صحبة السلطان فحصل لهم وخم، فمات فى غزة وفى الشام وفى حلب من الأمراء العشرات والخاصكية والغلمان وغير ذلك ما لا يحصى عددهم، ماتوا من كثرة الأوخام التى كانت معهم بطول الطريق. - وفيه جاءت الأخبار بصحة ما تقدم ذكره أن السلطان لما كان بحلب أنعم بتقادم ألوف على جماعة كثيرة من الأمراء منهم: الأمير يوسف الناصرى شاد الشرب خاناه، ومنهم طراباى من يشبك نائب صفد؛ ومنهم قانصوه أستادار الصحبة، ومنهم قانصوه الأشرفى نائب قلعة حلب، ومنهم تمراز نائب طرابلس، وآخرون، والذى يظهر من أمر السلطان أنه كان يقصد أن يبطل جماعة من الأمراء المقدّمين العواجز ويجعل هؤلاء الأمراء عوضا عنهم. - وفى يوم الجمعة خامس عشر شعبان توفى الحاج على البرماوى برددار السلطان والمتحدث على جهات الديوان المفرد، وقد رأى من العزّ والعظمة ما لا رآه غيره من البرددارية وساعدته الأقدار حتى وصل إلى ما وصل إليه فى هذه الوظيفة، وكان سبب موته أن طلعت له شقفة فى ظهره فانقطع نحو اثنى عشر يوما ومات، وكان أصله من فلاحى (١) برمة يبيع الخام والطرح فى الأسواق وهو راكب على حمار، وقيل أخوه هو الذى كان يبيع الخام، إلى أن فتح عليه وكان لا بأس به، وعنده لين جانب مع تواضع زائد، وأما ما ظهر له من الموجود بعد موته من الذهب العين:
خمسة آلاف دينار وستمائة دينار، ووجد له فى مكان اثنا عشر ألف دينار ذهب عين بر سبيهية، ووجد له من الحجورة والمهارة نحو خمس (٢) وأربعين رأسا، ومن الجاموس مائة رأس، ومن الغنم الضأن ألف نعجة، ووجد له بالدواليب أربعمائة ثور، وضاع له عند الفلاحين فى البلاد أكثر من ذلك، فقوّم ذلك الموجود بنحو مائة ألف دينار.
وفى يوم السبت سادس عشر شعبان أشيعت هذه الكاينة العظيمة التى طمّت وعمّت وزلزلت لها الأقطار، وما ذاك أن أخبار السلطان والعسكر انقطعت مدة
стр. 2962
طويلة، ثم حضر كتاب على يد ساع مطرّد من عند الأمير علان الدوادار الثانى أحد الأمراء المقدمين، فذكر فيه أن السلطان كان يكذّب فى أمر سليم شاه بن عثمان ويصدّق إلى أن حضر مغلباى دوادار سكين وهو فى حال النحس، بزمط أقرع على رأسه، وهو لابس كبر عتيق دنس، وراكب على إكديش هزيل، وقد نهب بركه وأخذت خيوله وقماشه، وأخبر أن ابن عثمان أبى من الصلح وقال له: قل لأستاذك يلاقينى على مرج دابق، وأخبر أنه وضعه فى الحديد وقصد أن يحلق لحيته وقدّمه إلى المشنقة عدّة مرار حتى شفع فيه بعض وزرائه، وحمّله الزبل من تحت خيله فى قفة على رأسه، وقاسى منه من البهدلة ما لا خير فيه. فلما سمع السلطان ذلك تحقق وقوع الفتنة بينه وبين ابن عثمان، فقيل إنه أنعم على مغلباى بألف دينار وخيول وقماش وبرك فى نظير ما ذهب له.
والذى استفاض بين الناس من أخبار السلطان أنه صلّى الظهر وركب وخرج من ميدان حلب يوم الثلاثاء فى العشرين من رجب، وصحبته أمير المؤمنين المتوكل على الله والقضاة الأربعة، وكان تقدّمه نائب الشام ونائب حلب وجماعة من النواب، فخرجوا بأطلاب حربية (١) وطبول وزمور ونفوط حتى رجّت لهم حلب، فلما خرج السلطان من حلب توجّه إلى حيلان فبات بها. - فلما أصبح يوم الأربعاء حادى عشرين رجب رحل السلطان من حيلان وتوجّه إلى مرج دابق، فأقام به إلى يوم الأحد خامس عشرين رجب، وهو يوم نحس مستمرّ، فما يشعر إلا وقد دهمته عساكر سليم شاه بن عثمان فصلى السلطان صلاة الصبح ثم ركب وتوجه إلى زغزغين وتل الفار، وقيل هناك مشهد نبى الله داود ﵇، فركب السلطان وهو بتخفيفة صغيرة وملوطة بيضاء وعلى كتفه طبر، وصار يرتّب العساكر بنفسه.
فكان أمير المؤمنين عن ميمنته وهو بتخفيفة وملوطة، وعلى كتفه طبر مثل السلطان، وعلى رأسه الصنجق الخليفتى. وكان حول السلطان أربعون مصحفا فى أكياس حرير أصفر على رءوس جماعة أشراف، وفيهم مصحف بخط الإمام عثمان
стр. 2963
ابن عفان ﵁. وكان حول السلطان جماعة من الفقراء وهم: خليفة سيّدى أحمد البدوى ومعه أعلام حمر، والسادة الأشراف القادرية ومعهم أعلام خضر، وخليفة سيّدى أحمد بن الرفاعى ومعه أعلام خليفتى، والشيخ عفيف الدين خادم السيدة نفيسة ﵂ بأعلام سود. وكان الصبىّ قاسم بك بن أحمد بك ابن عثمان المقدم ذكره واقفا بإزاء الخليفة وعلى رأسه صنجق حرير أحمر. وكان الصنجق السلطانى واقفا خلف ظهر السلطان بنحو عشرين ذراعا، وتحته مقدم المماليك سنبل العثمانى والسادة القضاة والأمير تمر الزردكاش أحد المقدمين. وكان ميمنة العسكر سيباى نائب الشام، وعلى الميسرة خاير بك نائب حلب.
فقيل أول من برز إلى القتال الأنابكى سودون العجمى وملك الأمراء سيباى نائب الشام والمماليك القرانصة دون المماليك الجلبان، فقاتلوا قتالا شديدا هم وجماعة من النواب فهزموا عسكر ابن عثمان وكسروهم كسرة مهولة وأخذوا منهم سبعة صناجق، وأخذوا المكاحل التى على العجل ورماة البندق، فهمّ ابن عثمان بالهروب أو يطلب الأمان، وقد قتل من عسكره فوق العشرة آلاف إنسان، وكانت النصرة لعسكر مصر أولا، ويا ليت لو تمّ ذلك، ثم بلغ المماليك القرانصة أن السلطان قال لمماليكه الجلبان: لا تقاتلوا شى وخلوا المماليك القرانصة تقاتل وحدهم، فلما بلغهم ذلك ثنوا عزمهم عن القتال، فبينما هم على ذلك وإذا بالأتابكى سودون العجمى قد قتل فى المعركة، وقتل ملك الأمراء سيباى نائب الشام، فانهزم من فى الميمنة من العسكر. ثم إن خاير بك نائب حلب انهزم وهرب فكسر الميسرة، وأسر الأمير قانصوه بن سلطان جركس وقيل قتل، [ويقال إن خاير بك نائب حلب كان موالسا على السلطان فى الباطن، وهو مع ابن عثمان على السلطان، وقد ظهر مصداق ذلك فيما بعد فكان أول من هرب هو قبل العسكر قاطبة] (١).
وكان ذلك خذلانا من الله تعالى لعسكر مصر حتى نفذ القضاء والقدر، فصار السلطان واقفا تحت الصنجق فى نفر قليل من المماليك، فشرع يستغيث للعسكر:
стр. 2964
يا أغوات هذا (١) وقت المروّة (٢) قاتلوا وعلىّ رضاكم. فلم يسمع له أحد قولا وصاروا يتسحّبون من حوله شيئا بعد شئ، فالتفت للفقراء والمشايخ الذين (٣) حوله وقال لهم:
ادعوا إلى الله تعالى بالنصر فهذا وقت دعاكم، وصار ما يجد له من معين ولا ناصر، فانطلق فى قلبه جمرة نار لا تطفى، وكان ذلك اليوم شديد الحرّ، وانعقد بين العسكرين غبار حتى صار لا يرى بعضهم بعضا، وكان نهار غضب من الله تعالى قد انصبّ على عسكر مصر وغلّت أيديهم عن القتال، وقد قلت فى هذه الواقعة:
لما التقى الجيشان مع سلطاننا … فى مرج دابق قال: هل من مسعف
فله أجاب لسان حال قائلا … عرّضت نفسك للبلا فاستهدف
واشتدّ بالجلبان رعب قلوبهم … وغدوا يقولوا أىّ أرض نختفى
والنهب أطمعهم لذلّ نفوسهم … حتى أتاهم بالقضاء المتلف (٤)
فلما اضطربت الأحوال، وتزايدت الأهوال، فخاف الأمير تمر الزردكاش على الصنجق فأنزله وطواه وأخفاه، ثم تقدّم إلى السلطان وقال له: يا مولانا السلطان إن عسكر ابن عثمان قد أدركنا فانج (٥) بنفسك واهرب إلى حلب. فلما تحقّق السلطان ذلك نزل عليه فى الحال خلط فالج أبطل شقّته وأرخى حنكه، فطلب ماء فأتوه بماء فى طاسة ذهب، فشرب منه قليلا وألفت فرسه على أنه يهرب، فمشى خطوتين وانقلب من على الفرس إلى الأرض، فأقام نحو درجة وخرجت روحه ومات من شدّة قهره، [وقيل فقعت مرارته وطلع من حلقه دم أحمر. وقيل إنه لما رأى الكسرة عليه ابتلع فصّ (٦) ماس كان معه، فلما نزل جوفه غاب عن الوجود وسقط عن فرسه ومات من وقته، على ما قيل من هذه الإشاعة] (٧). فلما أشيع بموته زحف عسكر ابن عثمان على من كان حول السلطان، فقتلوا الأمير بيبرس أحد المقدّمين قريب السلطان، والأمير أقباى الطويل أمير آخور ثانى أحد المقدّمين،
стр. 2965
وقتلوا جماعة من الخاصكية ومن غلمان السلطان ممن كان حوله.
وأما السلطان فمن حين مات لم يعلم له خبر، ولا وقف له أحد على أثر، ولا ظهرت جثّته بين القتلاء، فكأن الأرض قد انشقّت وابتلعته فى الحال، وفى ذلك عبرة لمن اعتبر، فداسوا العثمانية المصاحف التى (١) كانت حول السلطان بأرجل الخيول، وفقد المصحف العثمانى وأعلام الفقراء وصناجق الأمراء، ووقع النهب فى عسكر مصر، وزال ملك الأشرف الغورى على لمح البصر فكأنه لم يكن، فسبحان من (٢) لا يزول ملكه ولا يتغيّر، بعد ما تصرّف فى ملك مصر وأعمالها والبلاد الشاميّة والحلبيّة وأعمالها، فكانت مدّة سلطنته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوما، فإنه ولى ملك مصر فى مستهلّ شوال سنة ست وتسعمائة، وتوفى فى الخامس والعشرين من رجب سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، فكانت الناس معه فى هذه المدّة فى غاية الضنك، وقد قلت فى المعنى:
اعجبوا للأشرف الغورى الذى … مذ تزايد ظلمه فى القاهره
زال عنه ملكه فى ساعة … خسر الدنيا إذا والآخره
وقد أقامت هذه الوقعة من طلوع الشمس إلى بعد الظهر، وانتهى الحال على أمر قدّره الله تعالى، فقتل فى تلك الساعة من عسكر ابن عثمان ومن عسكر مصر ما لا يحصى عدده، فقتل من الأمراء المقدمين ثلاثة وهم: الأتابكى سودون العجمى وبيبرس قريب السلطان وأقباى الطويل، وأسر قانصوه بن سلطان جركس وقتل سيباى نائب الشام وتمراز نائب طرابلس وطراباى نائب صفد وأصلان نائب حمص، وغير ذلك جماعة كثيرة من أمراء دمشق وأمراء حلب وطرابلس، وقتل من أمراء مصر جماعة كثيرة من أمراء طبلخانات وعشرات وخاصكية، وأكثر من قتل من عسكر مصر المماليك القرانصة، ولم يقتل من المماليك الجلبان إلا القليل، فإنهم لم يقاتلوا فى هذه الوقعة شيئا (٣)، ولا ظهر لهم فروسية فكأنهم خشب مسندة، وقتل من عسكر ابن عثمان ما لا يحصى (٤) ضبطه. وقتل من أمراء مصر
стр. 2966
ومن دمشق وحلب فوق الأربعين أميرا. وقتل فى ذلك اليوم القاضى ناظر الجيش عبد القادر القصروى، وجماعة كثيرة من الجند يأتى الكلام على ذلك فى موضعه، فكانت ساعة يشيب منها الوليد، ويذوب (١) لسطوتها الحديد، فصار فى مرج دابق جثث مرميّة وأبدان بلا رءوس ووجوه معفّرة فى التراب قد تغيّرت محاسنها، وصار فى ذلك المكان خيول مرميّة موتى بسروج مغرق وسيوف مسقطة بذهب وبركستوانات فولاذ وخوذ وزرديات وبقج قماش فلم يلتفت إليها أحد، وكل من العسكرين اشتغل بما هو أهمّ من ذلك، وقال بعض المواليا فى المعنى:
صفّق جوادى وقد جسّيت يوم الحرب … عودى فغنّت صوارم شرقها والغرب
طربت عادت تنقط فى سماع الحرب … روس الأعادى وترقص داخله فى الضرب
ثم إن ابن عثمان زحف بعسكره وأتى إلى وطاق السلطان ونزل فى خيامه، وجلس فى المدوّرة، واحتوى على الطشتخاناه (٢) وما فيها من القماش، وعلى الشراب خاناه وما فيها من الأوانى الفاخرة، وعلى الزردخاناه وما فيها من السلاح (٣)، وعلى خزائن المال والتحف، ونزل كل أمير من أمرائه فى وطاق أمير من أمراء السلطان واحتووا على ما فيها، [فاحتوى على وطاق خمسة عشر أميرا مقدم ألف، خارجا عن الأمراء الطبلخانات والعشرات والعسكر] (٤)، وكذلك عسكره احتوى على خيام العسكر المصرى والشامى والحلبى وغير ذلك من العساكر، كما يقال: مصائب قوم عند قوم فوائد.
ولم يقع قط لملوك بنى عثمان أخت هذه النصرة على أحد من الملوك قاطبة، بل إن تيمور لنك زحف على بلاد بنى عثمان وحارب أحد أجدادهم، وهو شخص يقال له يلدرم، فلما حاربه انكسر فأسره تيمور ووضعه فى قفص حديد وصار يعجب عليه فى بلاد العجم، فما طاق ابن عثمان ذلك فابتلع له فصّ ماس فمات وهو فى ذلك القفص الحديد. ولم يقع قط لأحد من سلاطين مصر أنه وقع له مثل هذه الكاينة،
стр. 2967
ومات تحت صنجقه فى يوم الحرب، وانكسر على هذا الوجه أبدا، ولا سمع بمثل ذلك، ونهب ماله وبركه بيد عدوّه، غير قانصوه الغورى، وكان ذلك فى الكتاب مسطورا. وكان السلطان والأمراء ما منهم أحد ينظر فى مصالح المسلمين بعين العدل والإنصاف، فردّت عليه أعمالهم ونيّاتهم وسلّط (١) الله تعالى عليهم ابن عثمان حتى جرى لهم ما جرى، فكان كما قيل فى المعنى:
أين الملوك الذى (٢) فى الأرض قد ظلموا … والله منهم لقد أخلى أماكنهم
فاستغن بالسمع عن مرآهم عظة … فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم
ثم إن ابن عثمان تحوّل عن مرج دابق ودخل إلى حلب فملكها من غير مانع، فنزل بالميدان الذى بها فى مكان كان به السلطان، وهذا ما انتهى إلينا من ملخّص هذه الواقعة مع ما فيها من زيادة ومن نقصان، فهذا ما كان من أمر السلطان وابن عثمان. وأما ما كان من أمر الأمراء والعسكر بعد الكسرة فإنهم توجهوا إلى حلب وأرادوا الدخول بها، فوثب عليهم أهل حلب قاطبة وقتلوا جماعة من العسكر ونهبوا سلاحهم وخيولهم وبركهم وودائعهم التى كانت بحلب، وجرى عليهم من أهل حلب ما لا جرى عليهم من عسكر ابن عثمان، وكان أهل حلب بينهم وبين المماليك السلطانية حظّ نفس من حين توجهوا قبل ذلك صحبة قانى باى أمير آخور كبير، فنزلوا فى بيوت أهل حلب غصبا وفسقوا فى نسائهم وأولادهم وحصل منهم غاية الضرر لأهل حلب، فما صدّقوا أهل حلب بهذه الكسرة التى وقعت (٣) لهم فأخذوا بثأرهم منهم. فلما رأوا الأمراء وبقية العسكر ذلك خرجوا من حلب على حميّة وتوجهوا إلى دمشق، فدخلوها وهم فى أنحس حال لا برك ولا قماش ولا خيول، ودخل غالب العسكر إلى الشام بعضهم راكب على حمار، وبعضهم راكب على جمل، وبعضهم عربان وعليه عباءة أو بشت، ولم يقع لعسكر مصر كاينة قط أعظم من هذه الكاينة، فأقام الأمراء والمباشرون (٤) والعسكر فى الشام حتى يتكاملوا البقية ويظهر
стр. 2968
السالم من العاطب، وقيل إن الأمراء لما دخلوا (١) إلى الشام صاروا فى حرّ الشمس لم يجدوا ما يستظلون به حتى صنعوا لهم الغلمان عرايش من فروع الشجر يستظلون تحتها.
وأما ما كان من أمر سليم شاه بن عثمان بعد أن ملك حلب، فالذى استفاض بين الناس أن ابن عثمان أقام بالميدان الذى بحلب فتوجّه إليه أمير المؤمنين المتوكل على الله، والقضاة الثلاثة وهم: قاضى القضاة الشافعى كمال الدين الطويل وقاضى القضاة محيى الدين بن الدميرى المالكى وقاضى القضاة شهاب الدين الفتوحى الحنبلى، وأما قاضى القضاة الحنفى محمود بن الشحنة فإنه هرب مع العسكر وتوجّه إلى الشام، ونهب جميع بركه وقماشه، ودخل إلى الشام فى أنحس حال. - وقيل لما دخل أمير المؤمنين على ابن عثمان وهو بالميدان قام له وعظّمه وأجلّه وجلس بين يديه فأشيع أنه قال له:
أصلكم من أين، قال له: من بغداد، فقال له ابن عثمان: نعيدكم إلى بغداد كما كنتم، والأقوال فى ذلك كثيرة. فلما أراد الخليفة الانصراف أخلع عليه دلامة حرير من ملابيسه، وأنعم عليه بمال له صورة وردّه إلى حلب ووكّل به أن لا يهرب من حلب.
وقيل لما دخل عليه قضاة القضاة وبّخهم بالكلام وقال لهم: إنتوا تأخذوا الرشوة على الأحكام الشرعية وتسعوا بالمال حتى تتولوا القضاء، ليش ما كنتوا تمنعوا سلطانكم عن المظالم التى كان يفعلها بالناس. وأشاعوا من هذه أخبار العجايب والغرايب، والمعوّل فى ذلك على الصحة (٢).
وأخبرنى من رأى سليم شاه بن عثمان أنه مربوع القامة، واسع الصدر، أقنص العنق، مكرفس الأكتاف، فى ظهره جنيّه (٣)، مترك الوجه، واسع العينين، ذرّية اللون، وافر الأنف، ملئ الجسد، حليق اللحية ليس غير الشوارب، كبير الرأس، عمامته صغيرة دون عمايم أمرائه. فلما ملك حلب سلموه أهلها المدينة بالأمان، وهرب قانصوه الأشرفى نائب قلعة حلب وتوجّه إلى الشام مع العسكر وترك أبواب قلعة حلب مفتحة، فلما بلغ ابن عثمان ذلك أرسل إليها شخصا (٤) من جماعته، وهو أعرج
стр. 2969
أجرود وفى يده دبوس خشب. فطلع إلى قلعة حلب فلم يجد بها مانعا (١) يردّه، فختم على الحواصل التى (٢) بها واحتوى على ما فيها من مال وسلاح وتحف وغير ذلك. وقد فعل ابن عثمان أباحة أنه أخذ قلعة حلب بما فيها بشخص أعرج وفى يده دبوس خشب وهو أضعف من فى عسكره، وقيل فى المعنى:
لا تحقرنّ ضعيفا فى مخاصمة … إن الذبابة تدمى مقلة الأسد
وأشيع أن ابن عثمان من حين استولى على حلب لم يدخل مدينتها غير ثلاث مرات، المرة الأولى دخلها وطلع إلى القلعة بسبب عرض حواصلها، فلما عرضها رأى ما أدهشه من مال وسلاح وتحف، فاحتوى على ما كان من المال نحو مائة ألف ألف دينار، والكنابيش الزركش وأرقاب الزركش والقبة والطير والسروج الذهب والبلور والطبول بازات المينة واللجم المرصعة بالفصوص المثمنة والبركستوانات الفولاد والمخمل الملون والسيوف المسقطة بالذهب والزرديات والخوذ الفاخرة وغير ذلك من السلاح، فرأى ما لا قط رآه ولا فرح به أحد من أجداده ولا أحد من ملوك الروم، والذى جمعه الغورى من الأموال من وجوه المظالم والتحف التى (٢) أخرجها الغورى من الخزائن من ذخائر الملوك السالفة من عهد ملوك بنى أيوب الأكراد وغيرها ومن ملوك الترك والجراكسة، احتوى عليها سليم شاه بن عثمان من غير تعب ولا شقى، هذا خارجا عن ما كان للأمراء المقدمين والأمراء الطبلخانات والعشرات والمباشرين والعسكر قاطبة من الودائع بحلب من مال وسلاح وقماش وبرك، فاحتوى ابن عثمان على ذلك جميعه. وقيل إنه ملك ثلاث عشرة قلعة من معاملة بلاد السلطان، واحتوى على ما فيها من مال وسلاح وغير ذلك من التحف. فكان الذى ظفر به سليم شاه بن عثمان فى هذه السنة من الأموال والسلاح ما لا ينحصر ولا يضبط، [واحتوى على خيول وبغال وجمال ما لا يحصى عددهم، واحتوى على خيام وبرك، ولا سيما ما كان مع السلطان والأمراء (٣) والعسكر] (٤)، وقد قسم له ذلك من القدم، كما يقال فى المعنى:
стр. 2970
ألا إنما الأقسام تحرم ساهرا … وآخر يأتى رزقه وهو نائم
ودخل المرة الثانية فصلى صلاة الجمعة فى جامع الأطروش الذى بحلب، وخطب باسمه ودعى له على المنابر فى مدينة حلب وأعمالها، ولما صلى بها صلاة الجمعة زيّنت له مدينة حلب ووقد له الشموع على الدكاكين وارتفعت له الأصوات بالدعاء، والتفّ عليه الخواجا إبراهيم السمرقندى والخواجا يونس العادلى والعجمى الشنقشى (١)، وكانوا هؤلاء من أخصاء الغورى، وكانوا مع ابن عثمان فى الباطن ويكاتبونه (٢) بأحوال السلطان وما يقع من أخبار المملكة، فلما فقد السلطان أظهروا عين المحبة لابن عثمان، وصاروا يحطون (٣) على الغورى ويذكرون أفعاله الشنيعة إلى ابن عثمان، وصاروا من جماعته ونسيوا إحسان الغورى لهم، كما يقال فى المعنى:
لقاء أكثر من يلقاك أوزار … فلا تبال أصدّوا عنك أو زاروا
أخلاقهم حين تبلوهنّ أو عار … وفعلهم منكر للمرء أو عار
لهم لديك إذ جاءوك أوطار … إذا قضوها تنحوا عنك أو طاروا
وممن كان موالسا على السلطان فى الباطن وهو خاير بك نائب حلب، فإنه أول من كسر عسكر السلطان هو، وهرب عن ميسرة السلطان حتى انكسر فتوجّه إلى حماة، فلما ملك ابن عثمان حلب أرسل خلفه وأخلع عليه وصار من جملة أمرائه، ولبس زىّ التراكمة العمامة المدوّرة والدلامة، وقصّص ذقنه، وسماه ابن عثمان خاين بك، كون أنه خان سلطانه وأطاع ابن عثمان فسماه بذلك، فلما جرى ذلك تسحّبت مماليك خاير بك نائب حلب وتوجهوا صحبة العسكر إلى مصر، ودخل هو تحت طاعة ابن عثمان. وهذه الواقعة تقرب من واقعة ابن العلقمى وزير بغداد لما والس على الخليفة المستعصم بالله وملك هلاكو ملك التتار مدينة بغداد وقتل الخليفة المستعصم فصار ابن العلقمى من المقرّبين عند هلاكو، ثم أقلب عليه وقتله وصلبه وقال له: أنت
стр. 2971
ما كان فى وجهك خير لأستاذك يكون فى وجهك خير لى. وربما يقع لخاير بك (١) نائب حلب مثل ذلك.
ثم إن ابن عثمان دخل إلى مدينة حلب ثالث مرة بسبب أنه دخل بها الحمّام وأنعم على معلم الحمام بمبلغ له صورة. - واستمر الخليفة والقضاة الثلاثة، الشافعى والمالكى والحنبلى، فى الترسيم بحلب لا يخرجون منها إلا أن يأذن لهم ابن عثمان. وأقام بحلب جماعة كثيرة من أعيان الناس بعد الكسرة، منهم: القاضى عبد الكريم بن الجيعان كاتب الخزائن الشريفة، وعبد الكريم بن فخيرة أحد كتاب المماليك، وعبد الكريم بن اللاذنى (٢) مستوفى الزردخاناه، والريّس محمد بن القيصونى، وإمام السلطان السمديسى الذى كان قاضى قضاة الحنفية، وإمام السلطان ابن الرومى، والخواص مؤذّن السلطان، ورفيقه رصاص المؤذّن، ويحيى بن بكير وأخوه وجماعة آخرون ما يحضرنى أسماؤهم (٣) الآن، فهؤلاء تخلفوا بحلب بعد الكسرة وغير ذلك آخرون. - وقيل لما دخل ابن عثمان إلى مدينة حلب نادى فيها بالأمان والاطمان والبيع والشرى، وأن كل من كان عنده وديعة للأمراء أو للعسكر من خيول وسلاح وقماش يحضر ما عنده، وإن غمز عليه ولم يحضر ما عنده شنق من غير معاودة.
وأما من قتل فى هذه المعركة من الأمراء وأعيان الناس، فالذى يحضرنى من ذلك وتحققته: فالأتابكى سودون العجمى، وملك الأمراء سيباى من بختجا نائب الشام، والأمير قانصوه بن سلطان جركس وقيل لم يقتل بل أسر، والأمير بيبرس قريب السلطان وهو صاحب المدرسة التى بالقرب من الجودرية، والأمير أقباى الأشرفى الطويل أحد المقدّمين أمير آخور ثانى، فهذا الذى قتل من الأمراء المقدمين فى هذه الوقعة. [وأما من قتل بها من النواب: تمراز الأشرفى نائب طرابلس وطراباى نائب صفد وأصلان نائب حمص، وجماعة كثيرة من أمراء الشام وحلب وغير ذلك] (٤).
стр. 2972
وأما من قتل من الأمراء الطبلخانات (١) والعشرات فجماعة كثيرة منهم: طومان باى قرا حاجب ثانى، وجانى بك العادلى شاد الشراب خاناه كان، وقانصوه حبانية، وبرد بك رأس نوبة عصاه، ونوروز رأس نوبة عصاه، وقانصوه الذى كان أستادار الصحبة، ويخشباى قرا شاد الشون، وقيت الأحول، وقرقماس (٢) توفى بالشام، ويوسف المقطّش الذى كان نائب صفد.
ومن الأمراء العشرات: جانى المحمدى، وجان بردى الذى كان كاشف الرملة، وبرسباى أحد أمراء العشرات، وتوفى أقباى الذى كان كاشف الشرقية، وملاج الذى كان نائب القدس، وأزبردى، وطراباى أخو الأتابكى قيت الرجبى، وخدابردى، وقانم الأعرج، وجانم الطويل، وقايتباى أخو أصطمر، وتوفى مسايد، وتوفى طراباى قرا، وأقطوه الطويل خادم السادة، وجان بلاط الذى كان والى قطيا، ويرشباى أحد الأمرا العشرات، وصهره، وتوفى لاجين ناظر مقام سيدى أحمد البدوى ﵁ توفى بغزة، وقانصوه الناصرى، وتوفى طراباى الأشرفى، وتوفى أينال خازندار الأمير قانى باى أمير آخور كبير وكان من الأمراء الطبلخانات (١)، وغير ذلك ممن يأتى ذكره، حتى قيل مات فى هذه الوقعة من أمراء مصر والشام وحلب وغير ذلك نحوا من أربعين أميرا لم يحضرنى أسماؤهم (٣) الآن، وقتل أزبك العجمى أمير طبلخاناه، وقتل جان بلاط الساقى أمير طبلخاناه، وتوفى شاد بك نائب المهمندار، وتوفى الأمير إياس المشطوب رأس نوبة عصاه من العشرات.
وأما من توفى من المباشرين: القاضى ناظر الجيش عبد القادر القصروى قتل بوطاق السلطان، وقتل محمد بن العفيف ريّس الكحالين، وتوفى جلال الدين أحد كتاب المماليك توفى بغزة عند العود، وأشيع موت خليفة سيدى أحمد البدوى ﵁، وغير ذلك ممن لا يحضرنى أسماؤهم (٣)، وتوفى القاضى جمال الدين عبد الله مباشر وقف قانى باى الجركسى قيل إنه قتل فى الوقعة. وأما من توفى من
стр. 2973
أولاد الناس الشرفى يونس بن قانصوه بن بنت قرقاش أحد الطبردارية، وشخص يقال له محمد بن قرقماس الجمالى أحد الطبردارية أيضا، وقتل إبراهيم قرابة الشرفى يونس نقيب الجيوش المنصورة، وآخرون من الأعيان ما يحضرنى أسماؤهم (١) الآن، وقتل بعد الوقعة عبد الكريم بن اللاذنى مستوفى الزردخاناه قتل بحلب، وقتل ابن على الزردى بحلب أيضا.
ومن هنا نرجع إلى أخبار القاهرة بعد هذه الحركة، فإن لما ورد كتاب الأمير علان الدوادار الثانى بما وقع من أمر هذه الوقعة وقتل الأمراء، فقام العزاء والصراخ فى بيت الأتابكى سودون العجمى وكان أميرا ديّنا خيرا لين الجانب، وكان يعرف بسودون من جانى بك، وأصله من مماليك الأشرف قايتباى وولى عدّة وظائف سنية، منها أمرية مجلس وأمرية السلاح والأتابكية، وأظهر الفروسية فى هذه الوقعة، واستمرّ يقاتل حتى قتل من على ظهر (٢) فرسه رحمة الله عليه. فقام نعى السلطان فى ذلك اليوم، ونعى الأمراء الذين (٣) قتلوا فى هذه الوقعة، وصار فى كل حارة نعى بسبب من قتل من العسكر، ورجّت القاهرة فى ذلك اليوم وكثر الاضطراب والقال والقيل بالقاهرة.
وفى يوم الأحد سابع عشر شعبان وردت الأخبار على الأمير الدوادار بأن عربان بنى عطية والنعايم نهبوا ضياع الشرقية، وأخذوا منها نحو أربعمائة رأس (٤) من الغنم منها (٥) للسلطان والدوادار، ودخلوا وادى العباسة، فلما بلغ الأمير الدوادار ذلك صلى الظهر ثم ركب وخرج إليهم وصحبته خمسمائة مملوك وكبس عليهم، فهربوا من وجهه وغنموا ما نهبوه من الأموال والمواشى والغلال وغير ذلك، فرجع الأمير الدوادار إلى داره. - وفيه أخلع الأمير الدوادار على الزينى بركات بن موسى وشق القاهرة، وأشهر النداء بالأمان والاطمان وأن المشاهرة والمجامعة بطالة وجميع المظالم الحادثة بطالة، وأن الزينى بركات بن موسى على عادته ولا يحتمى أحد عليه، وقد تضاعفت حرمته وتنافذت كلمته فوق ما كان واجتمع معه عدّة وظائف سنية،
стр. 2974
وصار هو المتصرف فى جميع أمور المملكة ليس على يده يد. - وفى يوم الاثنين ثامن عشره نفق الأمير الدوادار الجامكية على العسكر الذى بالقاهرة، فجلس الأمير طقطباى نائب القلعة عند سلم المدرج ونفق الجامكية هناك، والإشاعات قائمة بموت السلطان والأحوال مضطربة.
وفيه رسم الأمير (١) الدوادار بعرض من فى السجون حتى النساء التى بالحجرة، فلما عرضهم أفرج عن جماعة كثيرة منهم: جانى بك دوادار الأمير طراباى وكان له مدة وهو فى المقشرة بسبب المال الذى تبقى عليه من حين كان متحدثا فى نظر الديوان المفرد، وأفرج عن القاضى بدر الدين بن ثعلب قاضى أسيوط وكان له مدة وهو فى المقشرة على مال من بقايا مصادرة، وأفرج عن ولده شمس الدين وأخيه نجم الدين، وأفرج عن صلاح الدين بن كاتب غريب بن أخى أبى الفضل، وأفرج عن المعلم شنشوا الذى كان يهوديا (٢) وأسلم وقد تقدم سبب سجنه، وأفرج عن المعلم يعقوب الصغير اليهودى معلم دار الضرب، وأفرج عن جماعة كثيرة من العمال والفلاحين والأعيان ممن كانوا فى السجون (٣)، وأفرج عن النساء التى كانوا (٤) بالحجرة، ولم يبق فى السجون غير أصحاب الجرائم ومن عليه دم قديم، ولم يترك بالسجون إلا القليل ممن قتل أو سرق وقطع أيدى جماعة وأطلقهم، ثم [أمر] بتوسيط جماعة من المجرمين منهم شخص يسمى عبد القادر أبو أدّية وآخرين منهم، وقطع أيدى جماعة من الحرامية. ثم أفرج [عن] الشيخ صلاح الدين بن أبى السعود بن القاضى إبراهيم بن ظهيرة قاضى قضاة مكة، وكان له مدة وهو فى الحديد فى بيت الزينى بركات بن موسى فى الترسيم، فأقام على ذلك مدة طويلة حتى أفرج الله عنه، وكان سبب ذلك أن شخصا يقال له إبراهيم السمرقندى رافعه عند السلطان على أنه لقى خبية فى مكة لبعض التجار فيها مال جزيل، فأرسل السلطان أحضره على غير صورة من مكة، فلما حضر قال له: المال الذى لقيته
стр. 2975
أحضره، فأنكر ذلك، فوضعه السلطان فى الحديد وسلمه إلى ابن موسى فأقام عنده فى الترسيم فى الحديد مدة طويلة بغير ذنب.
وفى يوم الثلاثاء تاسع عشره أخلع الأمير الدوادار على الشهابى أحمد بن البدرى حسن بن الطولونى وأعاده إلى وظيفته معلم المعلمين، وكان السلطان أخرجها عنه وجعل جمال الدين الألواحى بواب الدهيشة متكلما فى المعلميّة عوضا عن ابن الطولونى. - وفيه رسم الأمير الدوادار نائب الغيبة بإشهار المناداة فى القاهرة بأن جميع المكوس الحادثة بطالة، وتجرى على ما كانت عليه أيام الأشرف قايتباى من غير زيادة على ذلك، فارتفعت له الأصوات بالدعاء. - وفى ذلك اليوم شقّ الزينى بركات بن موسى القاهرة وسعّر سائر البضائع جميعا، حتى الكنافة سعّرها بدرهمين الرطل وكانت بأربعة دراهم كل رطل، وسعّر الأجبان واللحوم. - وفى أثناء هذا الشهر فتح سد أبى المنجا، وكان النيل (١) يومئذ فى عشرين ذراعا سوى، ووافق ذلك ثانى عشرين توت أول الشهور القبطية.
وكان الأمير الدوادار فى مدّة غيبة السلطان يركب كل يوم ويسيّر نحو المطرية، فإذا رجع يدخل من باب النصر ويشقّ من القاهرة وقدامه الأمراء المقدّمين الذين (٢) تخلفوا بمصر والجمّ الغفير من العسكر، فيشقّ القاهرة وقدامه السعاة والعبيد النفطية، ومماليكه بسيوف وبأيديهم رماح بشطفات حرير ملوّن فترجّ له القاهرة وترتفع له الأصوات بالدعاء من الناس، فكانت نفسه تحدّثه بالسلطنة قبل وقوعها، وقد عظم أمره جدا. - وفى يوم الجمعة لما تحقق موت السلطان فلم تدع الخطباء فى ذلك اليوم على المنابر باسم سلطان بل دعوا باسم الخليفة فقط ولم يذكروا اسم سلطان، وبعضهم قال: اللهم ولّ علينا خيارنا ولا تولّ علينا شرارنا، واستمرّ الحال على ذلك مدة طويلة ومصر بلا سلطان، وكذلك البلاد الشامية.
وفى هذه الأيام وقع الفساد من العربان فى الشرقية وغيرها من البلاد، فنهبوا عدة
стр. 2976
بلاد من المنزلة وغيرها من ضواحى الشرقية ولم يبقوا لهم مواشى ولا بقرا ولا غنما، حتى أخذوا صيغة النساء، وقتل من الفلاحين فى هذه الحركة ما لا يحصى عددهم، ومن القصاد، وانقطعت جميع الطرقات من المسافرين ولا سيما لما تحققوا موت السلطان، وصارت مصر فى اضطراب والإشاعات قائمة بالأخبار الردية عمّا (١) جرى للعسكر والسلطان. وكان أكثر من شنّ هذه الغارات أولاد شيخ العرب الأمير أحمد بن بقر وجماعة من العشير. وفعلوا ما هو أعظم من ذلك بالعسكر والتجار الذين (٢) دخلوا صحبة القفل، فقتلوا من العسكر والتجار ما لا يحصى عددهم وأخذوا أموالهم وجمالهم، والذى سلم عرّوه، وجرى على العسكر من العربان ما لا جرى عليهم من عسكر ابن عثمان، ووقع لهم ذلك بين قطيا والصالحية عند ما وصلوا إلى الأمان.
وفى هذا الشهر أشيع أن المماليك الجلبان يقصدون (٣) ينزلون من الطباق وينهبون خان الخليلى ثم يحرقونه ويقتلون من به من تجار الأروام، وقالوا المماليك: هؤلاء التجار من جهة ابن عثمان وقد شمتوا بأستاذنا لما مات. فلما بلغ الأمير الدوادار ذلك أحضر أغوات الطباق وقال لهم: ما أعرف تخميد هذه الفتنة إلا منكم. فمنعوهم من النزول من الطباق، ولولا الأمير الدوادار قام فى هذه الحركة حتى خمدت هذه الفتنة لخربت مصر عن آخرها من المماليك الجلبان. - وفيه اهتمّ الأمير الدوادار بعمل طوارق خشب وكفيات وبندقيات وغير ذلك من آلات الحرب، وأشيع أنه يتسلطن قبل مجئ العسكر، وكان القائم فى ذلك الأمير طقطباى نائب القلعة والأمير علان الدوادار الثانى أحد المقدّمين. - وفيه فى يوم الجمعة الثانية لم تذكر الخطباء اسم سلطان فى الدعاء كما فعلوا فى الجمعة الماضية. - ومن العجائب من حين ورد كتاب الأمير علان بما جرى للعسكر من أمر الكسرة وموت السلطان، لم يرد من بعد ذلك أخبار صحيحة وانقطعت الأخبار عن مصر نحو أربعين يوما لم يرد فيها خبر صحيح، وكثر القال والقيل فى ذلك على أنواع شتى، ومن جملة ما أشيع أن جان بردى الغزالى نائب الشام منع الأخبار أن لا تصل إلى مصر وعوّق العسكر بالشام.
стр. 2977
وفيه وردت الأخبار من عند الأمير حسين نائب جدّة والريّس (١) سلمان العثمانى، أنهما لما توجها إلى الهند صحبة العسكر المقدم ذكرهم، وصلا إلى كمران وهى ضيعة من ضياع الهند فأنشأوا (٢) هناك قلعة ذات أبراج فكمل بناؤها فى نحو خمسة أشهر. ثم إن الأمير حسين أرسل طائفة من العسكر نحو مكان يسمى اللحيّة، وأرسل طائفة من العسكر إلى مكان يسمى مور، وأقام الأمير حسين هو وبقية العسكر فى مكان يسمى بيت الفقيه فأقاموا بها نحو شهر. ثم إن الأمير حسين والريّس (٤) سلمان والعسكر توجّهوا إلى نحو زبيد من ضياع الهند، وحاصروا صاحبها عبد الملك أخا الشيخ عامر، فملكوا منه زبيد وذلك صبحة يوم الجمعة فى العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، فوجدوا بها من الأمم ما لا يحصى عددهم، ثم ذكروا فى الكتاب أن الأمير حسين بعد أن فتح زبيد توجه إلى حصار مدينة عدن وأنه أشرف على أخذها، ولما ملكوا زبيد أقام بها شخص من مماليك الأشرف الغورى وهو من الأمراء العشرات يسمى برسباى، هو وبعض جماعة من المماليك وأولاد الناس الذين (٣) كانوا صحبتهم، والتفّ عليهم جماعة من العربان نحو عشرة آلاف إنسان، فلما ملك برسباى زبيد تسلطن بها ورتّب له دوادارا وخازندارا وأمراء وأرباب وظائف كعادة السلاطين، وغنم منها أموالا جزيلة هو ومن معه، وقيل توجّه إلى حصار عدن أيضا وملكها كما قيل.
وفى هذا الشهر عرض الأمير الدوادار العسكر الذى فى القاهرة، وكان ذلك العرض فى بيته، وكان سبب هذا العرض أن بلغ الأمير الدوادار أن عدة مراكب وصلت إلى ثغر الإسكندرية نحو رشيد، فخشى أنها من عند ابن عثمان فبادر وعرض العسكر وقال لهم: كونوا على يقظة وجهزوا يرقكم حتى نستصحّ هذا الخبر، فانفصل المجلس على ذلك وانصرف العسكر.
وفى شهر رمضان كان مستهل الشهر يوم السبت، فتوجّه لبيت الأمير الدوادار
стр. 2978
جماعة من نواب القضاة وهنّوه بالشهر، وتوجه قاضى القضاة محمود بن الشحنة الحنفى، وكانت القضاة الثلاثة والخليفة فى أسر سليم شاه بن عثمان بحلب لا يمكّنهم من العود إلى مصر. - وفى يوم الأحد ثانيه كان أول بابه من الشهور القبطية، فثبت فيه النيل المبارك على عشرين ذراعا سوى، وكان فى العام الماضى أرجح من ذلك، واستمر فى ثبات إلى أول هاتور. - وفيه وردت الأخبار على يد ساع (١) بأن الأمراء والعسكر دخلوا إلى الشام وهم فى أنحس حال، وقد نهب بركهم وخيولهم وجمالهم وجميع ما يملكونه (٢)، وكذلك العسكر، وأخبر ذلك الساعى أن أهل الشام لما تحققوا موت السلطان وثب بعضهم على بعض، ونهب زعر الشام حارة السمرة وأخذوا أموالهم وقتلوا منهم جماعة واضطرب أحوال البلاد الشامية غاية الاضطراب.
وفيه دخل قاضى القضاة الحنفى محمود بن الشحنة وقد نهب جميع بركه وكل ما يملكه، وأخبر أن ابن عثمان ملك ثلاث عشرة قلعة وخطب باسمه فيها، ومشى حكمه من الفرات إلى حلب، وأخبر أن الخليفة والقضاة الثلاثة فى الأسر عند ابن عثمان بحلب، ولولا هرب محمود مع العسكر وإلا كان أسر معهم، وأخبر أن إبراهيم السمرقندى ويونس العادلى والعجمى الشنقشى الذين (٣) كانوا من أخصاء السلطان الغورى، فلما مات التفّوا على سليم شاه بن عثمان، وصاروا من جماعته وصاروا يتقربون (٤) إلى ابن عثمان بمرافعة جماعة الغورى، ولم يتذكروا شيئا من إحسان الغورى لهم، ولا سيما ما أحسنه الغورى إلى العجمى الشنقشى من سلاريات وشق وسمور ومال وإنعامات جزيلة فلم يثمر (٥) معهم إحسانه لهم، فلما بلغ الأمير الدوادار ذلك رسم للوالى بأن يكبس على بيت السمرقندى ويونس العادلى، فتوجّه الوالى إليهم وقبض على عيال السمرقندى ويونس العادلى وحريمهم وحاشيتهم، ووضع عبد السمرقندى فى الحديد، وختم على حواصل السمرقندى ويونس العادلى، وظهر أنهم كانوا موالسين على السلطان، وكانوا يكاتبون (٦) سليم شاه ابن عثمان فى الباطن بأحوال السلطان وأمور المملكة، وصاحب البيت أدرى بالذى فيه.
стр. 2979
وفى يوم الجمعة سابعه صلّى الأمير الدوادار صلاة الجمعة وخرج إلى ملاقاة الأمراء المقدّمين الذين (١) حضروا من الشام وقد بلغه وصولهم إلى بلبيس، فدخل القاضى كاتب السر محمود بن أجا وهو فى محفّة، وصحبته الشهابى أحمد بن الجيعان، ودخل الأمير أركماس أمير سلاح وهو عليل فى محفّة، ودخل الأمير أنصباى حاجب الحجّاب، والأمير تمر الزردكاش، والأمير علان الدوادار الثانى، وآخرون من الأمراء. ثم دخل بقية العسكر وهم فى أسوأ (٢) حال من العرى والجوع والضعف، وجميع الأمراء والعسكر دخلوا وأطواقهم مفكّكة وأظهروا الحزن على السلطان، وصار الأمراء والعسكر يدخلون شيئا بعد شئ. - وفى يوم الخميس ثالث عشره دخل الأمير سودون الدوادارى رأس نوبة النوب، والأمير قانصوه كرت، والأمير جان بردى الغزالى الذى كان نائب حماة، ودخل المقرّ الناصرى (٣) محمد نجل السلطان الغورى، والأمير أبرك الأشرفى، والأمير تانى بك الخازندار، والأمير كرتباى، والأمير جان بلاط الموتر (٤). فلما تكامل دخول الأمراء سلّم عليهم الأمير الدوادار ورجع إلى داره.
ودخل صحبة الأمراء قانصوه الأشرفى الذى كان نائب قلعة حلب وسلّم القلعة بما فيها من الأموال والسلاح والقماش والكنابيش الزركش والسروج الذهب وغير ذلك من التحف، فتسلّمها ابن عثمان من غير أن يحاصر القلعة، فسلّمها قانصوه هذا بالأمان من غير قتال ولا محاصرة مع أن قلعة حلب حصينة مانعة، فلما قابل الأمير الدوادار وبّخه بالكلام ورسم بسجنه فى البرج الذى بالقلعة واستوعده بكل سوء.
فلما دخل الأمراء إلى القاهرة اجتمع رأى الجميع على سلطنة الأمير طومان باى الدوادار وترشح أمره أن يلى السلطنة، فصار يمتنع من ذلك غاية الامتناع والأمراء كلهم يقولون له: ما عندنا نسلطن إلا أنت طوعا أو كرها. ثم إن الأمير الدوادار ركب وصحبته جماعة من الأمراء المقدّمين منهم الأمير علان والأمير أنصباى حاجب الحجاب والأمير تمر والأمير طقطباى نائب القلعة وآخرون من الأمراء، وتوجّهوا إلى عند
стр. 2980
الشيخ أبى السعود الذى فى كوم الجارح، فلما تكامل المجلس ذكروا للشيخ أمر سلطنة الدوادار وأنه امتنع من ذلك، فأحضر لهم الشيخ مصحفا شريفا وحلّف عليه الأمراء الذين (١) حضروا صحبة الأمير الدوادار بأنهم إذا سلطنوه لا يخونونه ولا يغدرونه ولا يخامرون عليه ويرضون بقوله وفعله، فحلفوا الجميع على ذلك، ثم إن الشيخ حلّفهم أنهم من اليوم لا يرجعون يظلمون الرعيّة ولا يجدّون مظلمة ويبطلون جميع ما أحدثه الغورى من المظالم، ويبطلون ما كان على الدكاكين من المشاهرة والمجامعة، وأن يجروا الأمور على ما كانت عليه أيام الأشرف قايتباى، ويمشوا فى الحسبة على ضريبة يشبك الجمالى لما كان محتسبا، فحلفوا على ذلك كلهم. ثم إن الشيخ قال للأمراء:
إن الله تعالى ما كسركم وذلّكم وسلّط عليكم ابن عثمان إلا بدعاء الخلق عليكم فى البرّ والبحر. فقالوا له الأمراء: تبنا إلى الله تعالى عن الظلم من اليوم. ثم انفضّ ذلك المجلس وخرجوا من عند الشيخ أبى السعود على أن يسلطنوا الأمير الدوادار، وأخذ الشيخ عليهم العهد بجميع ما حلفوا عليه بحضرته كما تقدم، وترشح أمر الدوادار إلى السلطنة، فتسلطن كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
ومن هنا نرجع إلى أخبار الأشرف الغورى فإنه خرج من القاهرة يوم السبت خامس عشر ربيع الآخر من هذه السنة، واستمر نافذ الكلمة وافر الحرمة إلى أن دخل إلى حلب وأقام بها، وأرسل إليه ابن عثمان عدة قصاد وهو تارة يظهر الصلح وتارة يأبى، والسلطان مسلوب الاختيار معه فى جميع ما يرسل يقوله له، ويخلع على قصّاده الخلع السنية وينعم عليهم بالعطايا الجزيلة، إلى أن حضر مغلباى دوادار سكين الذى كان أرسله إلى ابن عثمان، فلما رجع من عنده وهو فى غاية البهدلة كما تقدم، وكان السلطان أرسل مغلباى هذا إلى ابن عثمان وهو لابس آلة الحرب باللبس الكامل، فشقّ ذلك على ابن عثمان وبهدله، فلما حضر إلى عند السلطان وأعلمه أن ابن عثمان قد أبى من الصلح، فلما تحقق السلطان أن ابن عثمان قد وصل إليه، فنادى للعسكر بالرحيل والخروج من حلب، فخرج العسكر قاطبة وهم كالنجوم الزاهرة من آلة السلاح