بلاد من المنزلة وغيرها من ضواحى الشرقية ولم يبقوا لهم مواشى ولا بقرا ولا غنما، حتى أخذوا صيغة النساء، وقتل من الفلاحين فى هذه الحركة ما لا يحصى عددهم، ومن القصاد، وانقطعت جميع الطرقات من المسافرين ولا سيما لما تحققوا موت السلطان، وصارت مصر فى اضطراب والإشاعات قائمة بالأخبار الردية عمّا (١) جرى للعسكر والسلطان. وكان أكثر من شنّ هذه الغارات أولاد شيخ العرب الأمير أحمد بن بقر وجماعة من العشير. وفعلوا ما هو أعظم من ذلك بالعسكر والتجار الذين (٢) دخلوا صحبة القفل، فقتلوا من العسكر والتجار ما لا يحصى عددهم وأخذوا أموالهم وجمالهم، والذى سلم عرّوه، وجرى على العسكر من العربان ما لا جرى عليهم من عسكر ابن عثمان، ووقع لهم ذلك بين قطيا والصالحية عند ما وصلوا إلى الأمان.
وفى هذا الشهر أشيع أن المماليك الجلبان يقصدون (٣) ينزلون من الطباق وينهبون خان الخليلى ثم يحرقونه ويقتلون من به من تجار الأروام، وقالوا المماليك: هؤلاء التجار من جهة ابن عثمان وقد شمتوا بأستاذنا لما مات. فلما بلغ الأمير الدوادار ذلك أحضر أغوات الطباق وقال لهم: ما أعرف تخميد هذه الفتنة إلا منكم. فمنعوهم من النزول من الطباق، ولولا الأمير الدوادار قام فى هذه الحركة حتى خمدت هذه الفتنة لخربت مصر عن آخرها من المماليك الجلبان. - وفيه اهتمّ الأمير الدوادار بعمل طوارق خشب وكفيات وبندقيات وغير ذلك من آلات الحرب، وأشيع أنه يتسلطن قبل مجئ العسكر، وكان القائم فى ذلك الأمير طقطباى نائب القلعة والأمير علان الدوادار الثانى أحد المقدّمين. - وفيه فى يوم الجمعة الثانية لم تذكر الخطباء اسم سلطان فى الدعاء كما فعلوا فى الجمعة الماضية. - ومن العجائب من حين ورد كتاب الأمير علان بما جرى للعسكر من أمر الكسرة وموت السلطان، لم يرد من بعد ذلك أخبار صحيحة وانقطعت الأخبار عن مصر نحو أربعين يوما لم يرد فيها خبر صحيح، وكثر القال والقيل فى ذلك على أنواع شتى، ومن جملة ما أشيع أن جان بردى الغزالى نائب الشام منع الأخبار أن لا تصل إلى مصر وعوّق العسكر بالشام.
стр. 2977
وفيه وردت الأخبار من عند الأمير حسين نائب جدّة والريّس (١) سلمان العثمانى، أنهما لما توجها إلى الهند صحبة العسكر المقدم ذكرهم، وصلا إلى كمران وهى ضيعة من ضياع الهند فأنشأوا (٢) هناك قلعة ذات أبراج فكمل بناؤها فى نحو خمسة أشهر. ثم إن الأمير حسين أرسل طائفة من العسكر نحو مكان يسمى اللحيّة، وأرسل طائفة من العسكر إلى مكان يسمى مور، وأقام الأمير حسين هو وبقية العسكر فى مكان يسمى بيت الفقيه فأقاموا بها نحو شهر. ثم إن الأمير حسين والريّس (٤) سلمان والعسكر توجّهوا إلى نحو زبيد من ضياع الهند، وحاصروا صاحبها عبد الملك أخا الشيخ عامر، فملكوا منه زبيد وذلك صبحة يوم الجمعة فى العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، فوجدوا بها من الأمم ما لا يحصى عددهم، ثم ذكروا فى الكتاب أن الأمير حسين بعد أن فتح زبيد توجه إلى حصار مدينة عدن وأنه أشرف على أخذها، ولما ملكوا زبيد أقام بها شخص من مماليك الأشرف الغورى وهو من الأمراء العشرات يسمى برسباى، هو وبعض جماعة من المماليك وأولاد الناس الذين (٣) كانوا صحبتهم، والتفّ عليهم جماعة من العربان نحو عشرة آلاف إنسان، فلما ملك برسباى زبيد تسلطن بها ورتّب له دوادارا وخازندارا وأمراء وأرباب وظائف كعادة السلاطين، وغنم منها أموالا جزيلة هو ومن معه، وقيل توجّه إلى حصار عدن أيضا وملكها كما قيل.
وفى هذا الشهر عرض الأمير الدوادار العسكر الذى فى القاهرة، وكان ذلك العرض فى بيته، وكان سبب هذا العرض أن بلغ الأمير الدوادار أن عدة مراكب وصلت إلى ثغر الإسكندرية نحو رشيد، فخشى أنها من عند ابن عثمان فبادر وعرض العسكر وقال لهم: كونوا على يقظة وجهزوا يرقكم حتى نستصحّ هذا الخبر، فانفصل المجلس على ذلك وانصرف العسكر.
وفى شهر رمضان كان مستهل الشهر يوم السبت، فتوجّه لبيت الأمير الدوادار
стр. 2978
جماعة من نواب القضاة وهنّوه بالشهر، وتوجه قاضى القضاة محمود بن الشحنة الحنفى، وكانت القضاة الثلاثة والخليفة فى أسر سليم شاه بن عثمان بحلب لا يمكّنهم من العود إلى مصر. - وفى يوم الأحد ثانيه كان أول بابه من الشهور القبطية، فثبت فيه النيل المبارك على عشرين ذراعا سوى، وكان فى العام الماضى أرجح من ذلك، واستمر فى ثبات إلى أول هاتور. - وفيه وردت الأخبار على يد ساع (١) بأن الأمراء والعسكر دخلوا إلى الشام وهم فى أنحس حال، وقد نهب بركهم وخيولهم وجمالهم وجميع ما يملكونه (٢)، وكذلك العسكر، وأخبر ذلك الساعى أن أهل الشام لما تحققوا موت السلطان وثب بعضهم على بعض، ونهب زعر الشام حارة السمرة وأخذوا أموالهم وقتلوا منهم جماعة واضطرب أحوال البلاد الشامية غاية الاضطراب.
وفيه دخل قاضى القضاة الحنفى محمود بن الشحنة وقد نهب جميع بركه وكل ما يملكه، وأخبر أن ابن عثمان ملك ثلاث عشرة قلعة وخطب باسمه فيها، ومشى حكمه من الفرات إلى حلب، وأخبر أن الخليفة والقضاة الثلاثة فى الأسر عند ابن عثمان بحلب، ولولا هرب محمود مع العسكر وإلا كان أسر معهم، وأخبر أن إبراهيم السمرقندى ويونس العادلى والعجمى الشنقشى الذين (٣) كانوا من أخصاء السلطان الغورى، فلما مات التفّوا على سليم شاه بن عثمان، وصاروا من جماعته وصاروا يتقربون (٤) إلى ابن عثمان بمرافعة جماعة الغورى، ولم يتذكروا شيئا من إحسان الغورى لهم، ولا سيما ما أحسنه الغورى إلى العجمى الشنقشى من سلاريات وشق وسمور ومال وإنعامات جزيلة فلم يثمر (٥) معهم إحسانه لهم، فلما بلغ الأمير الدوادار ذلك رسم للوالى بأن يكبس على بيت السمرقندى ويونس العادلى، فتوجّه الوالى إليهم وقبض على عيال السمرقندى ويونس العادلى وحريمهم وحاشيتهم، ووضع عبد السمرقندى فى الحديد، وختم على حواصل السمرقندى ويونس العادلى، وظهر أنهم كانوا موالسين على السلطان، وكانوا يكاتبون (٦) سليم شاه ابن عثمان فى الباطن بأحوال السلطان وأمور المملكة، وصاحب البيت أدرى بالذى فيه.
стр. 2979
وفى يوم الجمعة سابعه صلّى الأمير الدوادار صلاة الجمعة وخرج إلى ملاقاة الأمراء المقدّمين الذين (١) حضروا من الشام وقد بلغه وصولهم إلى بلبيس، فدخل القاضى كاتب السر محمود بن أجا وهو فى محفّة، وصحبته الشهابى أحمد بن الجيعان، ودخل الأمير أركماس أمير سلاح وهو عليل فى محفّة، ودخل الأمير أنصباى حاجب الحجّاب، والأمير تمر الزردكاش، والأمير علان الدوادار الثانى، وآخرون من الأمراء. ثم دخل بقية العسكر وهم فى أسوأ (٢) حال من العرى والجوع والضعف، وجميع الأمراء والعسكر دخلوا وأطواقهم مفكّكة وأظهروا الحزن على السلطان، وصار الأمراء والعسكر يدخلون شيئا بعد شئ. - وفى يوم الخميس ثالث عشره دخل الأمير سودون الدوادارى رأس نوبة النوب، والأمير قانصوه كرت، والأمير جان بردى الغزالى الذى كان نائب حماة، ودخل المقرّ الناصرى (٣) محمد نجل السلطان الغورى، والأمير أبرك الأشرفى، والأمير تانى بك الخازندار، والأمير كرتباى، والأمير جان بلاط الموتر (٤). فلما تكامل دخول الأمراء سلّم عليهم الأمير الدوادار ورجع إلى داره.
ودخل صحبة الأمراء قانصوه الأشرفى الذى كان نائب قلعة حلب وسلّم القلعة بما فيها من الأموال والسلاح والقماش والكنابيش الزركش والسروج الذهب وغير ذلك من التحف، فتسلّمها ابن عثمان من غير أن يحاصر القلعة، فسلّمها قانصوه هذا بالأمان من غير قتال ولا محاصرة مع أن قلعة حلب حصينة مانعة، فلما قابل الأمير الدوادار وبّخه بالكلام ورسم بسجنه فى البرج الذى بالقلعة واستوعده بكل سوء.
فلما دخل الأمراء إلى القاهرة اجتمع رأى الجميع على سلطنة الأمير طومان باى الدوادار وترشح أمره أن يلى السلطنة، فصار يمتنع من ذلك غاية الامتناع والأمراء كلهم يقولون له: ما عندنا نسلطن إلا أنت طوعا أو كرها. ثم إن الأمير الدوادار ركب وصحبته جماعة من الأمراء المقدّمين منهم الأمير علان والأمير أنصباى حاجب الحجاب والأمير تمر والأمير طقطباى نائب القلعة وآخرون من الأمراء، وتوجّهوا إلى عند
стр. 2980
الشيخ أبى السعود الذى فى كوم الجارح، فلما تكامل المجلس ذكروا للشيخ أمر سلطنة الدوادار وأنه امتنع من ذلك، فأحضر لهم الشيخ مصحفا شريفا وحلّف عليه الأمراء الذين (١) حضروا صحبة الأمير الدوادار بأنهم إذا سلطنوه لا يخونونه ولا يغدرونه ولا يخامرون عليه ويرضون بقوله وفعله، فحلفوا الجميع على ذلك، ثم إن الشيخ حلّفهم أنهم من اليوم لا يرجعون يظلمون الرعيّة ولا يجدّون مظلمة ويبطلون جميع ما أحدثه الغورى من المظالم، ويبطلون ما كان على الدكاكين من المشاهرة والمجامعة، وأن يجروا الأمور على ما كانت عليه أيام الأشرف قايتباى، ويمشوا فى الحسبة على ضريبة يشبك الجمالى لما كان محتسبا، فحلفوا على ذلك كلهم. ثم إن الشيخ قال للأمراء:
إن الله تعالى ما كسركم وذلّكم وسلّط عليكم ابن عثمان إلا بدعاء الخلق عليكم فى البرّ والبحر. فقالوا له الأمراء: تبنا إلى الله تعالى عن الظلم من اليوم. ثم انفضّ ذلك المجلس وخرجوا من عند الشيخ أبى السعود على أن يسلطنوا الأمير الدوادار، وأخذ الشيخ عليهم العهد بجميع ما حلفوا عليه بحضرته كما تقدم، وترشح أمر الدوادار إلى السلطنة، فتسلطن كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
ومن هنا نرجع إلى أخبار الأشرف الغورى فإنه خرج من القاهرة يوم السبت خامس عشر ربيع الآخر من هذه السنة، واستمر نافذ الكلمة وافر الحرمة إلى أن دخل إلى حلب وأقام بها، وأرسل إليه ابن عثمان عدة قصاد وهو تارة يظهر الصلح وتارة يأبى، والسلطان مسلوب الاختيار معه فى جميع ما يرسل يقوله له، ويخلع على قصّاده الخلع السنية وينعم عليهم بالعطايا الجزيلة، إلى أن حضر مغلباى دوادار سكين الذى كان أرسله إلى ابن عثمان، فلما رجع من عنده وهو فى غاية البهدلة كما تقدم، وكان السلطان أرسل مغلباى هذا إلى ابن عثمان وهو لابس آلة الحرب باللبس الكامل، فشقّ ذلك على ابن عثمان وبهدله، فلما حضر إلى عند السلطان وأعلمه أن ابن عثمان قد أبى من الصلح، فلما تحقق السلطان أن ابن عثمان قد وصل إليه، فنادى للعسكر بالرحيل والخروج من حلب، فخرج العسكر قاطبة وهم كالنجوم الزاهرة من آلة السلاح
стр. 2981
والخيول الغايرة وكل فارس مقوّم بألف راجل من عسكر ابن عثمان، فتوجّهوا إلى مرج دابق ونزلوا به. فأقام السلطان بمرج دابق إلى يوم الأحد خامس عشرين رجب من هذه السنة.
فلما بلغه أن عسكر ابن عثمان قد وصل إلى تل الفار، ركب صبيحة يوم الأحد المذكور وهو يوم نحس مستمر، فبرز فيه إلى قتال ابن عثمان فكانت الكسرة أولا على عسكر ابن عثمان، ثم بدل الله تعالى هذا الأمر وعادت الكسرة على عسكر مصر.
فلما رأى السلطان عين الغلب من عسكره أراد أن يرجع إلى حلب، فلما ألفت فرسه ليهرب وينجو بنفسه، فاعتراه سارقة من الرجفة فأغمى عليه، فسقط من على ظهر فرسه إلى الأرض، فطلعت روحه فى تلك الساعة وهو ملقى على الأرض، فرجعت عليه عساكر ابن عثمان ففرّ من كان حوله من الغلمان والسلحدارية والمماليك وتركوا جثته على الأرض، فكان آخر العهد به ولم ير (١) له جثة ولا رأس ولا يعرف له مكان قبر فكأنما ابتلعته الأرض ولم يقف له أحد من الناس على خبر. ومن العجائب أنه لم يدفن فى مدرسته التى أصرف عليها نحو مائة ألف دينار، فصار مرميّا فى البرارى وقد تناهشته الذئاب والنمورة، فمات وله من العمر نحو ثمانى وسبعين سنة.
[ومن العجائب والغرائب أن الطواشى مختص، الذى كان بنى أساس مدرسة الغورى أوّلا وأخذها منه غصبا فى المصادرة، سأل الغورى أن يجعل له فى المدرسة مكانا يدفن فيه إذا مات فمنعه الغورى من ذلك، فمنع الله تعالى الغورى من الدفن فى مدرسته، وصار لا يعرف له مكان قبر فعدّ ذلك من العبر، انتهى] (٢).
وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوما، فكانت هذه المدة على الناس كل يوم منها كألف سنة مما تعدّون.
وكانت صفته طويل القامة غليظ الجسد ذو كرش كبير، أبيض اللون، مدوّر الوجه، مشحم العينين، جهورى (٣) الصوت مستدير اللحية، ولم يظهر بلحيته الشيب إلا قليلا.
стр. 2982
وكان ملكا مهابا جليلا مبجلا فى المواكب ملئ العيون فى المنظر، ولولا ظلمه وكثرة مصادراته للرعية وحبه لجمع الأموال لكان خيار ملوك الجراكسة بل وخيار ملوك مصر قاطبة. وكان يوكب يوم الاثنين والخميس بالحوش السلطانى، ويوم السبت والثلاثاء (١) بالميدان، فينزل من السبع حدرات وقدامه طوالتين خيل بسروج ذهب وكنابيش ومياتر زركش. وكان يكثر فى الأسفار من ركوب الحجورة بالسروج البداوى والركب العراض. وكان يشدّ فى وسطه حياصة ذهب عوضا عن الشدّ البعلبكى. وكان يلبس فى أصابعه الخواتم الياقوت الأحمر والفيروز والزمرد والماس وعين الهر. وكان مولعا بشم الرائحة الطيبة من المسك والعود والبخور. وكان ترفا فى مأكله ومشربه وملبسه، ويحب رؤية الأزهار والفواكه، ويميل إلى أبناء العجم، وربما كان يميل إلى مذهب النسيمية من ميله إلى معاشرة الأعاجم. وكان مولعا بغرس الأشجار، وحب الرياضات، وسماع الأطيار المغردة، ونشق الأزاهر العطرة والبخور. وكان يستعمل الطاسات الذهب يشرب فيها الماء. وكان يستعمل الأشياء المفرحة، وكان نهما فى الأكل، وكان يغوى طيور المسموع. وكان يعرف بقانصوه من بيبردى الغورى. واستمر يرتع فى ملك مصر على ما ذكرناه من التنعم والرفاهية، وهو نافذ الكلمة وافر الحرمة والأمراء والنواب والعسكر فى قبضة يده لم يختلف عليه اثنان، إلى أن وقعت الوحشة بينه وبين سليم شاه بن عثمان ملك الروم فخرج إليه، وجرى له هذه الكاينة العظمى (٢) التى لم تقع قط لملك من ملوك مصر ولا غيرها من الملوك، وكان ذلك فى الكتاب مسطورا، وقد قلت فى معنى ذلك:
طالع تواريخ الملوك فهل ترى … سمعت لهم بحوادث مما جرى
لا زالت الأيام يبدو (٣) فعلها … بعجائب وغرائب بين الورى
لكن هذا حادث ما مثله … سبقت لسلطان ولا متأمّرا
والأشرف الغورى كان مليكنا … لكنه قد جار فينا وافترى
والموت أوجب هزمه مع جيشه … قد كان ذلك فى الكتاب مسطرا
стр. 2983
أعماله ردّت عليه بما جنى … والدهر جازاه بأمر قدّرا
وكان للغورى محاسن ومساوى لكن مساوئه أكثر من محاسنه، فأما ما عدّ من محاسنه فإنه كان رضى الخلق يملك نفسه عند الغضب وليس له بادرة بحدّة عند قوة خلقه، ومنها أنه كان له الاعتقاد الزائد فى الصالحين والفقراء، ومنها أنه كان يعرف مقادير (١) الناس على قدر طبقاتهم، ومنها أنه كان ماسك اللسان عن السب للناس فى شدة غضبه، ومنها أنه كان يفهم الشعر ويحب سماع الآلات والغناء وله نظم على اللغة التركية، وكان مغرما بقراءة التواريخ والسير ودواوين الأشعار، وكان قريبا من الناس يحب المزح والمجون فى مجلسه غير كثيف الطبع فى ذاته، وكان عنده لين جانب ورياضة بخلاف طبع الأتراك ولم يكن عنده شمم ولا تكبر نفس ولا رقاعة زائدة بخلاف عادة الملوك فى أفعالهم (٢).
وأما ما عدّ من مساوئه فإنها كثيرة لا تحصى، منها أنه أحدث فى أيام دولته من أنواع المظالم ما لا حدثت فى سائر الدول من قبله، ومنها أن معاملته فى الذهب والفضة والفلوس الجدد أنحس المعاملات، جميعها زغل ونحاس وغش لا يحل صرفها ولا يجوز فى ملّة من الملل، ومنها ما قرره على الحسبة فى كل شهر وهو مبلغ ألفين وسبعمائة دينار فكانت السوقة تبيع البضائع بما تختاره من الأثمان ولا يقدر أحد يكلمهم فيقولون: علينا مال السلطان، فكانت سائر البضائع فى أيامه غالية بسبب ذلك، وقرر على دار الضرب مالا له صورة فى كل شهر فكانوا يصنعون فى الذهب والفضة النحاس والرصاص جهارا، فكان الأشرفى الذهب إذا صفوه يظهر فيه ذهب يساوى اثنا عشر نصفا، وقد سلّم السلطان دار الضرب إلى شخص يسمى جمال الدين فلعب فى أموال المسلمين وأتلف المعاملة وسبك ذهب السلاطين المتقدمة حتى صار لا يلوح لأحد من الناس منهم لا دينار ولا درهم، فلما شنق جمال الدين قرّر فى دار الضرب المعلم يعقوب اليهودى فمشى على طريقة جمال الدين، وقد استباح أموال المسلمين فكان النصف الفضة ينكشف فى ليلته ويصير من جملة الفلوس الحمر، فاستمرّ الغش فى معاملته فى مدة دولته إلى أن مات، وقد ورد فى الحديث الشريف: من غشّنا
стр. 2984
فليس منا. [ومن مساوئه أنه كان سجن الريّس كمال الدين بن شمس المزين بالمقشرة، وأقام بها أياما، وكان من المقرّبين عنده. ومن مساوئه أنه كان يضع يده على أموال التركات الأهلية (١) ويأخذ مال الأيتام ظلما، ولو كان للميّت أولاد ذكور وإناث فيمنعهم من ميراثهم، ويخالف أمر الشرع الشريف] (٢).
ومنها أنه كان يولّى الكشّاف ومشايخ العربان على البلاد، ويقرّر عليهم الأموال الجزيلة، فتفرده الكشّاف ومشايخ العربان على بلاد المقطعين والأوقاف، فيأخذ كل منهم المثل أمثال، فضعف أمر الجند من يومئذ وتلاشى حال البلاد. وكذلك كان يولّى النواب على أعمال جهات البلاد الشامية والحلبية، ويقرّر عليهم الأموال الجزيلة فى كل سنة بقدر معلوم، فيأخذونه من الرعية بالظلم والعسف، فكان كل أحد منهم يتمنّى الرحيل من بلاده إلى غيرها من عظم الظلم الذى يصيبهم من النواب، ولا سيما ما حصل لعربان جبل نابلس بسبب المال الذى أفرده عليهم لأجل المشاة عند خروج التجريدة، فما حصل على أهل البلاد الشامية بسبب ذلك خير (٣).
وكان حسين نائب جدّة يأخذ العشر من تجار الهند المثل عشرة أمثال، فامتنعت التجار من دخول بندر جدّة وآل أمره إلى الخراب، وعزّ وجود الشاشات من مصر والأزر والأنطاع، وأخرب البندر. وكذلك بندر الإسكندرية وبندر دمياط، فامتنعت تجار الفرنج من الدخول إلى تلك البنادر من كثرة الظلم، وعزّ وجود الأصناف التى كانت تجلب من بلاد الفرنج. وكان كل أحد من الأراذل يتقرّب إلى خاطر السلطان بنوع من أنواع المظالم، فقرّر على بيع الغلال قدرا معلوما يؤخذ على كل أردب، وهى ثلاثة أنصاف من البائع والمشترى، وكذلك على البطيخ والرمان، حتى حرّج على بيع الملح. وجدّد فى أيامه عدة مكوس (٤) من هذا النمط ما لا فعله هناد فى زمانه. ولم يفته من أعيان التجار أحد حتى صادره وأخذ أمواله، ولا سيما ما جرى على الشيرازى والحليبى التاجر وغيره من التجار. وصادر حتى أمير المؤمنين
стр. 2985
المستمسك بالله يعقوب وأخذ منه مالا له صورة، ودخل فى جملة ديون حتى أورد ما قرّر عليه. وأما من مات تحت عقوبته بسبب المال، منهم القاضى بدر الدين بن مزهر كاتب السركان، ومنهم شمس الدين بن عوض، ومعين الدين بن شمس، وعلم الدين كاتب الخزانة، وغير ذلك جماعة كثيرة من المباشرين والعمال، ماتوا فى سجنه بسبب المال والمصادرات.
ومن أفعاله الشنيعة ما فعله مع أولاد (١) الناس من خروج أقاطيعهم ورزقهم من غير سبب، وأعطى ذلك إلى مماليكه الجلبان. ومنها قطع جوامك الأيتام من الرجال والنساء والصغار، فحصل لهم الضرر الشامل بسبب ذلك. ومنها أنه أرسل فكّ رخام قاعة ناظر الخاص يوسف التى تسمى نصف الدنيا، فوضع ذلك الرخام فى قاعة البيسرية التى بالقلعة. ومنها أنه قطع المعتدّات التى كانت تسامح بها الناس من الديوان المفرد من تقادم السنين، وجدّد أخذ الحمايات من المقطعين من قبل أن يزيد النيل وتزرع الأراضى، فكانت المقطعون (٢) تقاسى من البهدلة ما لا خير فيه. ثم تزايد شحّه حتى صار يحاسب السوّاقين الذين (٣) فى سواقى القلعة، والخولة الذين (٤) فى سواقى الميدان، بجلّة روث الأبقار وما يتحصل من ذلك فى كل يوم، وقرّر عليهم بيعها بمبلغ يردّونه للذخيرة. وكانت أرباب الوظائف من المباشرين والعمال معه فى غاية الضنك لا يغفل عنهم من المصادرات ساعة واحدة، وصادر حتى المغانى النساء من الرؤساء (٥). وكان من حين توفى الأمير خاير بك الخازندار يباشر أمر ضبط الخزانة بنفسه، ما يدخل إليها وما يخرج منها، ويعرضون عليه الأمور فى ذلك جميعه من الوصولات بما يصرف من الخزائن فى كل يوم، فكانت هذه الأموال العظيمة التى تدخل إليه يصرفها فى عمائر ليس بها نفع للمسلمين، ويزخرف الحيطان بالذهب والسقوف، وهذا عين الإسراف لبيت مال المسلمين. وكان يهرب من المحاكمات كما يهرب الصغير من الكتّاب، وما كانت له محاكمة تخرج على وجه مرض بل على أمور مستفجّة. وكان يتغافل عن
стр. 2986
أمور القتلاء ويدفع الأخصام إلى الشرع ويضيّع حقوق الناس عليهم (١). وكان يكسل عن علامة المراسيم فلا يعلّم على المراسيم إلا قليلا، فيوقف أشغال الناس بسبب ذلك، حتى كانت تشترى العلامة العتيقة بأشرفى حتى تلصق على المرسوم لأجل قضاء الحوايج.
ولو شرحنا مساوئه كلها لطال الشرح فى ذلك. انتهى.
وأما من تولى الخلافة فى أيامه فأمير المؤمنين محمد المتوكل على الله نجل أمير المؤمنين المستمسك بالله يعقوب. - وأما قضاته الشافعية فأولهم شيخ الإسلام قاضى القضاة زين الدين زكريا، وقاضى القضاة محيى الدين عبد القادر بن النقيب تولى وظيفة القضاء فى أيامه خمس مرار، وقاضى القضاة برهان الدين بن أبى شريف المقدسى، وقاضى القضاة شهاب الدين بن فرفور الدمشقى، وقاضى القضاة جمال الدين القلقشندى تولى القضاء فى أيامه مرتين، وقاضى القضاة كمال الدين محمد بن على الشهير بالطويل القادرى، وقاضى القضاة بدر الدين محمد المكينى، وقاضى القضاة علاى الدين بن النقيب، ثم أعيد قاضى القضاة كمال الدين الطويل وقد ولى القضاء فى دولته أربع مرار. - وأما قضاته الحنفية فالقاضى برهان الدين بن الكركى أولا، ثم القاضى سرىّ الدين عبد البرّ ابن الشحنة، ثم القاضى شمس الدين محمد السمديسى، ثم القاضى حسام الدين محمود بن الشحنة. - وأما قضاته المالكية فالقاضى عبد الغنى بن تقى أولا، ثم القاضى برهان الدين الدميرى، ثم ولده محيى الدين يحيى، ثم جلال الدين بن قاسم، ثم أعيد محيى الدين بن الدميرى ثانيا. - وأما قضاته الحنابلة فالقاضى شهاب الدين أحمد الشيشينى، ثم ولده عز الدين محمد، ثم شهاب الدين الفتوحى.
وأما كتّاب سرّه فالقاضى محب الدين محمود بن أجا الحلبى. - وأما نظار جيشه فالقاضى شهاب الدين أحمد بن الجمالى يوسف ناظر الخاص، والقاضى عبد القادر القصروى. - وأما نظار خاصّه فالقاضى علاى الدين بن الصابونى أولا، ثم علاى الدين بن الإمام، ثم ناصر الدين الصفدى، ثم أعيد ابن الإمام ثانيا. - وأما وزراؤه فالأمير طقطباى من ولى الدين وقد جمع بين الوزارة والأستادارية، ثم الأمير تغرى
стр. 2987
برمش، ثم الأمير يوسف البدرى. - وأما أستادارياته فالأمير تغرى بردى من يلباى القادرى، ثم الأمير تمرباى خازندار الملك العادل طومان باى، ثم الشرفى يونس النابلسى، ثم قرر الأمير طومان باى الدوادار فى الأستادارية مضافا لما بيده من الدوادارية الكبرى واستمرّ بها إلى أن تسلطن. - وأما من ولى الحسبة فى أيامه الأمير قرقماس المقرى، والأمير جان بردى الغزالى، ثم أعيد قرقماس المقرى، ثم الزينى بركات بن موسى، ثم الأمير ماماى الصغير.
وأما أتابكيته فأولهم قيت الرجبى، وقرقماس من ولى الدين، ودولات باى من أركماس، وسودون العجمى. - وأما دواداريته فأولهم مصر باى، ثم أزدمر من على باى، ثم طومان باى الذى تسلطن بعده. - وأما حجّاب حجّابه فالأمير خاير بك من ملباى الذى قرّر فى نيابة حلب، والأمير أنصباى من مصطفى. - وأما بقية الأمراء من أرباب الوظائف على حكم ما تقدم من أخبارهم. - وأما نوابه بالشام دولات باى من أركماس ثم قانصوه المحمدى الشهير بالبرجى، وسيباى من بختجا. - وأما نوابه بحلب أركماس (١) من طراباى، وسيباى من بختجا، وخاير بك من ملباى. - وأما نوابه بحماة جانم، ويوسف الناصرى، وجان بردى الغزالى. - وأما نوابه بطرابلس أركماس من طراباى أيضا، ويخشباى من عبد الكريم، وسودون من يشبك، وجانم، وأبرك الأشرفى، وتمراز الأشرفى. - وأما نوابه بصفد قانصوه قرا، وقانى باى العثمانى، وسودون الدوادارى، ويخشباى من عبد الكريم، وطراباى من يشبك، وجان بردى الغزالى، ويوسف المقطش، وطراباى الأشرفى. - وأما نوابه بغزة ملاج الذى كان نائب القدس، وأزبك الصوفى الذى كان نائب القدس، وأقباى الذى كان كاشف الشرقية، وآخر من ولى بها فى أيامه دولات باى الأعمش وقد جمع بين نيابة القدس والكرك ونيابة غزة، وولى بها آخرون غير هؤلاء ممن ذكر.
وأما ما أنشأه من العمائر التى بالقاهرة، فمن ذلك الجامع والمدرسة اللتان أنشأهما
стр. 2988
فى الشرابشيّين، والوكالة والحواصل والربوع التى (١) أنشأها خلف المدرسة عند المصبعة (٢).
ومن إنشائه المأذنة التى (١) أنشأها فى الجامع الأزهر وهى برأسين، وأنشأ هناك الربع والحوانيت التى بالسوق خلف الجامع. وأنشأ الربوع التى (١) بخان الخليلى، وجدّد عمارة خان الخليلى وأنشأ به الحواصل والدكاكين. وأنشأ فى باب القنطرة ربعين ودكاكين، وكذلك الربعين التى (١) بين الصورين والطاحون عند المصبعة (٢). وأنشأ البيت الذى فى البندقانيين لولده وتناهى فى زخرفه، وأنشأ هناك ربعا ووكالة، وأنشأ الميدان الذى تحت القلعة، ونقل إليه الأشجار من البلاد الشامية، وأجرى إليه ماء النيل من سواقى نقالة، وأنشأ به المناظر والبحرة والمقعد والمبيت برسم المحاكمات. وأنشأ جامعا خلف الميدان عند حوش العرب بخطبة ومأذنة. وجدّد غالب عمارة القلعة منها الدهيشة، وقاعة البيسرية، وقاعة العواميد، وقاعة البحرة، وأنشأ المقعد القبطى الذى بالحوش، وجدّد عمارة المطبخ الذى بالقلعة، وجدّد عمارة القصر الكبير الذى بالقلعة، وسائر البيوتات التى بها، وجدّد عمارة سبيل المؤمنى وجعل سقفه عقود بالحجر. وأنشأ الربع والدكاكين التى بسويقة عبد المنعم. وأنشأ الربع والوكالة التى (١) فى الجسر الأعظم. وأنشأ سوقا للرقيق بالقرب من خان الخليلى. وجدّد عمارة ميدان المهارة الذى بالقرب من قناطر السباع وبناه بالفصّ الحجر المشهر بعد ما كان مبنيّا (٣) بالطوب اللبن. وأنشأ المجراة ونقلها من درب الخولى إلى موردة الخلفاء. وجدّد عمارة المقياس، وأنشأ به القصر على تلك البسطة التى كانت بها، وأنشأ بها المقعد المطل على البحر، وأنشأ على أبوابه قصرين، وجدّد عمارة قاعة المقياس، والجامع الذى هناك. وجدّد عمارة قنطرة بنى وائل، والقنطرة الجديدة، وقنطرة الحاجب، وقنطرة الخروبى وعلاّها (٤) حتى صارت المراكب تدخل من تحتها، وجدّد عمارة قناطر السباع. وأنشأ المصاطب وعليها الدعائم عند قبة الأمير يشبك التى بالمطرية. وأنشأ بالطّينة على ساحل البحر الملح قلعة لطيفة بها أبراج وجامع بخطبة. وأنشأ بثغر رشيد
стр. 2989
سورا (١) وأبراجا لحفظ الثغر. وجدّد عمارة أبراج الإسكندرية. وأصلح طريق العقبة، ودوّار حقف، وأنشأ هناك خانا بأبراج على بابه، وجعل فيه الحواصل لأجل ودائع الحجاج، وأنشأ فى الأزنم أيضا خانا وجعل فيه الحواصل مثل الخان الذى فى العقبة، وحفر هناك الآبار فى عدّة مواضع من مناهل الحجاج. وأنشأ بمكة المشرفة مدرسة ورباطا للمجاورين والمنقطعين هناك، وأجرى عين بازان بعد ما كانت قد انقطعت من سنين. وأنشأ بجدّة سورا (١) على ساحل البحر الملح وفيه عدّة أبراج بسبب حفظ بندر جدّة من الفرنج، وجاء هذا السور (٢) من أحسن المبانى هناك. وأنشأ على شاطئ البحر الملح بالينبع الصغير سورا وأبراجا منيعة. وله غير ذلك من الآثار الحسنة عدّة مبان (٣) بها نفع للمسلمين. - وفى الجملة إن السلطان الغورى كان خيار ملوك الجراكسة على عوج فيه، ولم يجئ من بعده أحد من الملوك يشابهه فى أفعاله ولا علوّ همته ولا عزمه فى الأمور، وكان كفئا تاما للسلطنة، مبجلا فى المواكب تملأ منه العيون.
وأما من توفى فى أيامه من أعيان العلماء ومشايخ الإسلام وقضاة القضاة فمن ذلك:
توفى الشيخ بدر الدين بن عبد الرحمن الديرى رحمة الله عليه، وكان من أعيان علماء الحنفية مفتيا مدرسا أصيلا عريقا، ولى مشيخة الجامع المؤيدى وكان من خيار أبناء الديرى. وتوفى الشيخ شهاب الدين خليفة سيدى أحمد بن الرفاعى رحمة الله عليه، وكان من أعيان مشايخ الحقيقة. وجاءت الأخبار بوفاة قاضى القضاة الحنبلى بهاى الدين بن قدامة، توفى بدمشق، وولى قضاء الحنابلة بمصر والشام. وتوفى الحافظ العلامة جلال الدين عبد الرحمن الأسيوطى، وكان من أعيان علماء الشافعية، بلغت مصنفاته ستمائة تأليف، وكان بارعا فى علم الحديث، توفى فى جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وتسعمائة. وتوفى قاضى القضاة المالكى برهان الدين الدميرى سنة ثلاث عشرة وتسعمائة. وتوفى الشيخ ناصر الدين محمد بن جرباش، وكان من أعيان علماء الحنفية.
وتوفى الشيخ علاى الدين الملة العجمى الشافعى، شيخ تربة جانى بك نائب جدّة، وكان
стр. 2990
من أعيان علماء الشافعية. وتوفى الشيخ إبراهيم المواهبى الشاذلى رحمه الله تعالى، وكان من أعيان مشايخ الصوفية. [وتوفى العلامة تقى الدين الأوجاقى شيخ الحديث ﵀] (١). وتوفى قاضى القضاة الحنبلى شهاب أحمد الشيشينى، وكان علامة فى مذهبه توفى سنة تسع عشرة وتسعمائة، وتوفى الشيخ عبد الباسط بن خليل المؤرخ، وكان من أعيان الحنفية، وكانت وفاته فى ربيع الآخر سنة عشرين وتسعمائة. وتوفى الشيخ محمد بن زرعة المجذوب، وكان له كرامات خارقة توفى سنة عشرين وتسعمائة. وتوفى الشيخ العارف بالله محمد بن عنان رحمة الله عليه، وكان من أعيان مشايخ الصوفية.
وتوفى قاضى القضاة الشافعية كان محيى الدين عبد القادر بن النقيب، وكانت وفاته سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة. وتوفى قاضى القضاة كان جمال الدين إبراهيم بن علاى الدين القلقشندى الشافعى، وكان من أعيان علماء الشافعية. وتوفى الشيخ نور الدين على المحلى، وكان يعرف بقريبة، وكان من أعيان الشافعية. وتوفى الشيخ تاج الدين الذاكر، وكان من أعيان مشايخ الصوفية. وتوفى قاضى القضاة الحنفى كان برهان الدين بن الكركى، وكان من أعيان علماء الحنفية، مات غريقا. وتوفى فى أيام دولته غير هؤلاء جماعة كثيرة من الأعيان لم نذكرهم هنا خشية الإطالة، انتهى ذلك. - ولا بأس بإيراد هذه المرثية اللطيفة من نظم الشيخ بدر الدين الزيتونى أبقاه الله تعالى، وقد رثى بها الملك الأشرف قانصوه الغورى عند وقوع تلك الفتنة المقدم ذكرها بما جرى له، وهو قوله هذه القطعة الزجل:
غربت شمس دولة الغورى … وابن عثمان نجمو طلع ساير
وبهذا رب السما قد حكم … والفلك دار ولم يزل داير
ابن عثمان باداه بأخذ القلع … وبمنع التاجر مع الجلاب
أن يجيبوا إلى مصر مملوك … ولا فروة سمور ولا سنجاب
ولا ثعلب ولا وشق يجلبوا … ومن الصوف ما عاد يجينا ثياب
غلا (٢) الصوف لما قعدنا سنين … ما يجى من عندو ولا تاجر
стр. 2991
والأمارة (١) جو للملك قالوا … ابن عثمان باغى عليك جاير
الأمير الكبير سمى سودون … للعجم نسبتو خلاف القياس
والمقرّ الأشرف العالى … هو أمير السلاح سمى أركماس
وبسودون راس نوبة النوّاب … لو رياضة مع ساير الأجناس
وأنصباى هو حاجب الحجّاب … لو شجاعة فى الحرب بالباتر
ومحمد يدعى أمير آخور … نجل سلطان أشرف عزيز ناصر
والدوادار ثانى الأمير علان … وإن أردت المقدّمين تذكر
ابن سلطان جركس مقدّم كبير … وتمر بالزردكاش يشهر
وكذا جنبلاط معو كرتباى … وأربعينات فى ذى العدد وأكثر
وتبعهم من الأمارة (١) كثير … طبلخانات بالنصر تتباشر
والعساكر معهم كثير فرسان … عشراوات من ترك تتكاثر
ضرب الكل بينهم مشور … قالوا ملّت منّا القلوب والنفوس
نحن نخرج جميع لأجل القتال … بالجنايب وبالسلاح واللبوس
ونجرّد لنصرة السلطان … نكسر الروم والأراضى ندوس
راهنوا بالنفوس وهم أقمار … كل واحد بمهجتو قامر
ولا يدرى ما قد خبى فى الغيب … من تقادير القاهر القادر
خامس العشر من ربيع آخر … تسعماية اثنين وعشرين عام
ورّخوها من هجرة الهادى … شافع الخلق فى نهار القيام
كان خروج السلطان بتجريده … لابن عثمان طالب بلاد الشام
والأمارة (١) فى خدمتو موكبين … بالمماليك والطلب تتفاخر
وخروج الجميع من القاهرة … كان بتقدير الواحد القاهر
فى محفّة خرج معو القاضى … كاتب السرّ المنتخب محمود
стр. 2992
والخليفة المتوكل ولد يعقوب … هو محمد فعلو الجميل محمود
وقضاة القضاة ومن معهم … كل نايب قد أبذل المجهود
وخرج معو لأجل الخلع … ناظر الخاص الناهى الآمر
هو الباشر للخاص وهو العامل … وكذا القصروى لجيش ناظر
دخلوا الشام أوكب بهم موكب … ما سمعنا موكب رؤى مثلو
ولا نالو ملك ولا سلطان … فى المواكب ولا أحد قبلو
ومن الشام خرج دخل فى حلب … وقطع من وعره إلى سهلو
وسليم شاه لما سمع أظهر … أن طبعو منّو بقى حاير
طلب الصلح أرسل لهم قاصد … بالهدايا والملبس الفاخر
قالوا الصلح سيّد الأحكام … من يخالف يرجع هداه فى ضلال
والأمانه من محمل الإنسان … وأبى حملها عوالى الجبال
وقضى (١) ربّنا بحقن الدما … وكفى الله المؤمنين القتال
جو جواسيس الأشرف الغورى … أعلموه إنّو عليه ماكر
قالوا احذر تركن إلى صلحو … واعلم إنّو حايف عليك غادر
حقّق القول ومن حلب برّز … والعساكر معو لأجل القتال
وجد الروم مجهّزين بالسلاح … والتراكيش معمّرة بالنبال
ووقع بين العسكرين وقعه … للفرقين شابت لها الأطفال
نصر الله المصرى على الرومى … وبخيلو أضح (٢) ى عليه غاير
ولا يدرى ما قد خبى فى الغيب … ولا يدرى ما هو إليه صاير
ابن عثمان كان لو من العسكر … خلق كانوا عن الشمال كامنين
فى اشتغال العسكر بنهب الروم … خرجوا فى القتال لأهل اليمين
فاستغاث الملك وبو سارقة … أرمتو الأرض عن جواد وينين
جا ابن عمو بيبرس وأقبا الطويل … كل واحد لنصرتو بادر
стр. 2993
والشجاعة ما تغلب الكثرة … قطّعوهم بالصارم الباتر
جلّ ربى محرّك الحركات … جعل الله لكل قتلة سبب
والعجب كان فى قتلة الغورى … فى التواريخ تكتب بماء الذهب
تسعماية اثنين وعشرين عام … ما جرالو خامس وعشرين رجب
نسأل الله أن يحسن العاقبة … ويعيد الرابح هو الخاسر
يكشف العار عنّا بأخذ التار … ويردّ الكسرة على الكافر
أشتهى التار لقتلة الغورى … ولعلّى أن أبلغ الأوطار
والتهانى ذاك النهار عندى … ويغنّو على وتر أو طار
بعد هذا ما اخشى غراب البين … إن زعق فى ديارنا أو طار
والعجايب فى قتلة الغورى … راح برجلو لقتلتو خاطر
وحسبنا كل الحساب إلا … ما جرى (١) لو ما مرّ بالخاطر
دمعة العين منى على الغورى … من دماها تجرى لحزنى عين
أرتجى عين فى الناس تساعدنى … من صباحى حتى تغيب العين
كان عليه عين ترقب زمان ملكو … والسعادة حتى أصابو عين
الجواد غار بين العدا أرماه … مات ودمعو من العيون غاير
كلّ من (٢) غار منّو بقى فرحان … بعد ما كان غاير على الغاير
ذى العساكر شبهتها روضة … فيها فرسان أغصان عليها زهور
والنسيم فى النهر فصل زرد … وإذا راق كالسيف ظهر مشهور
واللبوس من فوق الحديد تحكى … ورد أحمر بين الرياض منثور
ومن البان شطفات غصون مذهبة … وحماها صناجق التامر
وحكى الياسمين بدن مجروح … وشقيق النعمان عليه داير
فى سما حرب عسكر السلطان … تطلع أنجم فرسان تزين اللبوس
والأسنّة تحكى شهب ثاقبه … وخوذهم مثل النجوم فى الشموس
стр. 2994
والملك بدر بينهم مخسوف … وحكى (١) الرعد ضربهم فى التروس
خلت أسهم من قوس قزح ترمى … للعساكر فى ليل غبار عاكر
والسحاب صار يمطر سهام خارقة … للأعادى ولم يزل ماطر
ذى العساكر بستان وفيه فاكهة … ودماهم خمر العنب مدفوق
واحد أصفر لونو حكى (١) المشمش (٢) … وذا لون العناب وهو مخنوق
ما رأى حدّ (٣) مثل ذى الوقعة … لا تقل لى الناصر ولا برقوق
والأمارة تحكى شجر مثمر (٤) … فى رياض نشره غدا عاطر
والمدافع ترمى سفرجل كبار … والاّ رمان من الفحول فاخر
كم أسلّى قلبى على الغورى … وأقلّو يا قلب اتفكّر
أين سليمان واينهو النمرود … واينهو فرعون واينهو قيصر
وأين ملوك الزمان وذو القرنين … والاّ يسمّى إن صح الاسكندر
وأين كسرى شروان وإيوانه … مات والإيوان بعدو بقى داثر
كل حادث بأمر القديم راحل … والإقامة للأول الآخر
لو يكن فى هذا البلد حمّال … ويراهن فى واجب الملعوب
نحن عصبة نحزن على غلبو … لما يبقى (٥) دستو عليه مقلوب
فإيش تقل فى سلطاننا الغورى … لما جرّد قتل ومات مكروب
بعد ملكو خمسة وعشرة سنين … تسعة أشهر بالكاتب الحاصر
ويليها خمسة وعشرين يوم … عدّ حاسب كاتب أمين ذاكر
العجب كان فى قتلة الغورى … كل مقدور لا يدفع المحذور
يوم خروجو من ذى البلد أوكب … ولا يدرى ما فى الجبين مسطور
بالمقدّر قال لو لسان الحال … قد بقى من عمرك ثلاثة شهور
انتبه من رقدة الغفلة … واجمل الطول من الأمل قاصر
стр. 2995
بعد الأشهر عدّة تسعة أيام … والمنيّة تكون فى العاشر
ذى الملك كان رايس وهو المقدّم … وابن عثمان موخّر ولاح كسره
خنفس الريح عليه وحلّ مركبو … وابن عثمان عوّم وبان نصره
غرّق السفن وأخرب المينة … وبسيفو أرمى (١) الجميع بحره
من جثثهم ومن دماهم صار … بحرهم برّ بالجثث صادر
وتركهم لما رجع مقلّع … برّهم بحر بالدّما حادر
قدّ جلالو عروس جمال ملكو … خالق الخلق ربّنا ذو الجلال
وخبالو إنّو يقع ميّت … عن جوادو يوم القتال فى خبال
وزوالو إنّو يموت مقهور … ولا يعرف قبره ليوم الزوال
كم تطيّر بالرمل والرمال … طاير الله هو أعظم الطاير
طار حسابو وكلّ ما أمّل … وبهذا ما طار عليه طاير
ابتداى فى النظم والخاتم … بمديحى للمصطفى المختار
كلّمو الضبّ والذراع (٢) والبعير … وسعت لو فى خدمتو الأشجار
والغزالة حديثها مشهور … ونطق لو فى راحتو الأحجار
والقمر انشقّ لو نصفين … بعد ما كان كامل صحيح ناير
وأشبع الجيش كلّو ببعض الزاد … وجرى (٣) الماء من أصبعو فاير
إن يقولوا أبو النجا العوفى … فى نظامو ما فى البلاد مثلو
يالذى جا يسمع عقود نظمو … خذ وحرّر عنّو بديع نقلو
وإن أتى لك من يطلب التاريخ … والوقايع عن الملوك قل لو
غربت شمس دولة الغورى … وابن عثمان نجمو طلع ساير
وبهذا ربّ السما قد حكم … والفلك دار ولم يزل داير
وهذا آخر ما انتهى إلىّ من أخبار دولة السلطان الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغورى رحمة الله عليه، وقد افتتح أوائل دولته بمصادرات وظلم وأخذ أموال
стр. 2996
بغير حق، واختتمت أواخر دولته بفتن وضرب سيف وذهاب أموال وأرواح وأمور مهولة وحوادث غريبة وفتن عظيمة ليس لها آخر، والأمر إلى الله من قبل وبعد يفعل ما يشاء ولا يسأل عمّا يفعل. - واستمرّ سليم شاه ابن عثمان مستوليا على البلاد الشامية والحلبية وملك قلاعها (١) وأعمالها، وحكم من الفرات إلى الشام، واستمرت بيده مدة ثلاثة شهور، وملك ثلاث عشرة قلعة بالأمان من غير حرب ولا قتال، وملك قبل ذلك عدّة بلاد وقلاع من معالمة بلاد شاه إسمعيل الصوفى. والذى وقع لسليم شاه بن عثمان من السعد والنصرة على الصوفى وسلطان مصر، وأخذ أموالهم وبركهم وخيولهم، واحتوى على بلادهم، واحتوى على خزائن أموال السلطان الغورى وناهيك بها، هذا أمر ما وقع قط لأحد من ملوك الروم قبله ولا بعده، وهذا الأمر من الله تعالى وقد وعده بذلك من القدم، إنّ وعد الله حق وهو لا يخلف الميعاد، انتهى ذلك.
ذكر سلطنة الملك الأشرف أبو النصر طومان باى من قانصوه الناصرى
وهو السابع والأربعون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الحادى والعشرون من ملوك الجراكسة وأولادهم فى العدد. - أقول: وكان أصله من كتابيّة الأشرف قايتباى اشتراه الملك الأشرف قانصوه الغورى وكان يلوذ له بقرابة، فلما اشتراه قدّمه إلى الأشرف قايتباى، ولهذا يدعى طومان باى من قانصوه، فصار من جملة مماليكه الكتابية، واستمرّ على ذلك حتى تسلطن الملك الناصر محمد بن قايتباى فخرج له خيلا وقماشا، وصار من خرج الملك الناصر ومعاتيقه، وبقى جمدارا، ثم بقى خاصكيا، واستمرّ على ذلك حتى تسلطن قرابته قانصوه الغورى، فأنعم عليه بأمرية عشرة، واستمرّ على ذلك إلى سنة عشرة وتسعمائة. فلما توفى ابن السلطان المقرّ الناصرى محمد فى الفصل الذى جاء بها أنعم عليه السلطان بأمرية طبلخاناه (٢) وجعله شاد الشرابخاناه (٣) عوضا عن ولده بحكم وفاته، واستمرّ على ذلك إلى
стр. 2997
سنة ثلاث عشرة وتسعمائة. فلما توفى الأمير أزدمر من على باى الدوادار الكبير فى جمادى الأولى، وهو مسافر بجبل نابلس، أخلع عليه السلطان وقرّره فى الدوادارية الكبرى عوضا عن الأمير أزدمر بحكم وفاته. فاستمرّ فى الدوادارية الكبرى إلى أن خرج السلطان إلى التجريدة بسبب ابن عثمان فجعله نائب الغيبة عوضا عن نفسه إلى أن يحضر من السفر، فساس الناس فى غيبة السلطان أحسن سياسة، وكانت الناس عنه راضية، وأطاعه العسكر الذى تخلّف بمصر قاطبة. وقد جمع بين الدوادارية الكبرى والأستادارية العالية وكاشف الكشّاف ونائب الغيبة، فكان يركب فى كل يوم اثنين (١) وخميس ويسيّر نحو المطرية ويدخل من باب النصر، ويشقّ القاهرة وقدّامه الجمّ الغفير من العسكر، والأمراء المقدّمين قدّامه، وقدّامه سعاة وعبيد نفطية يرمون بالنفط من المكاحل، فترجّ له القاهرة كلما شقّ منها. وفتح السدّ فى غيبة السلطان (٢)، وكان له يوم مشهود.
ولم يزل على ذلك حتى ثبت موت السلطان الغورى ورجعت الأمراء من التجريدة فوقع الاختيار منهم على سلطنته، فامتنع من ذلك غاية الامتناع، والأمراء تقول (٣) له:
ما عندنا سلطان إلا أنت، وهو يمتنع من ذلك. ثم ركب هو والأمير علان وجماعة من الأمراء المقدّمين وتوجّهوا إلى كوم الجارح عند الشيخ سعود، فلما جلسوا بين يديه وذكروا له ذلك، فتعلّل الأمير طومان باى عن السلطنة بأنواع من العلل، منها أن خزائن بيت المال ليس فيها درهم ولا دينار، فإذا تسلطن ما ينفق على العسكر شيئا ومنها أن ابن عثمان ملك البلاد الشامية وهو زاحف على مصر، وأن الأمراء لا يطاوعون على الرجوع إلى السفر ثانيا، ومنها أنه إذا تسلطن [يغدرون به ويركبون عليه ويخلعونه من السلطنة ويرسلونه إلى السجن بثغر الإسكندرية، ولا يبقونه فى السلطنة إلا مدة يسيرة. ثم إن الشيخ سعود أحضر بين يدى الأمراء مصحفا شريفا] (٤)
стр. 2998
وحلّف عليه الأمراء الذين (١) جاءوا بصحبته، وحلّفهم عليه بأنهم إذا سلطنوه لا يخامرون (٢) عليه ولا يغدرونه ولا يثيرون فتنا وأنهم ينتهون عن مظالم المسلمين قاطبة.
فحلفوا كلهم على المصحف بمعنى ذلك، فلما تحالفوا ترشح أمر الأمير طومان باى إلى السلطنة، وانفضّ المجلس على ذلك، وتوجّهوا الأمراء إلى بيوتهم.
فلما كان يوم الجمعة رابع عشر شهر رمضان من هذه السنة صلّى الأمير الدوادار صلاة الفجر، وركب ومعه الأمراء المقدّمون وقدّامه الفوانيس والمشاعل، فطلع إلى باب السلسلة وجلس به. فلما ركب من بيته الذى فى درب ابن البابا شقّ من الصليبة وهو بتخفيفة صغيرة وملوطة بيضاء، وكذلك الأمراء الذين (١) طلعوا صحبته، فارتفعت الأصوات له بالدعاء، وانطلقت النساء له بالزغاريت من الطيقان. فلما استقرّ بباب السلسلة أرسل خلف أمير المؤمنين يعقوب والد أمير المؤمنين المتوكل على الله، فحضر وصحبته سيدى هرون ولد الخليفة محمد المتوكل، وأولاد ابن عمهم خليل، وحضر قاضى القضاة الحنفى حسام الدين محمود بن الشحنة، والقاضى شرف الدين يحيى ابن البردينى أحد نواب الشافعية، وجماعة من نواب القضاة الذين (١) بالقاهرة. فلما تكامل المجلس واجتمع سائر الأمراء المقدّمين وغيرهم (٣) من الأكابر والأصاغر والعسكر، فأظهر أمير المؤمنين يعقوب وكالة مطلقة عن ولده محمد المتوكل على الله، بأنه وكّله فى جميع أموره وما يتعلق به من أمور الخلافة وغيرها، وكالة مفوّضة، وثبت ذلك على القاضى شمس الدين بن وحيش فاكتفوا بذلك. وكان أشيع بأن يولّوا الخلافة إلى أحد أولاد سيدى خليل، فإن الخليفة المتوكل كان فى الأسر عند ابن عثمان، ووالده يعقوب عزل نفسه من الخلافة، فلما أحضر هذه الوكالة عن ولده اكتفوا بذلك.
وكان قاضى القضاة الشافعى كمال الدين الطويل فى الأسر عند ابن عثمان، وكذلك قاضى القضاة المالكى يحيى الدميرى، وقاضى القضاة الحنبلى الشهاب الفتوحى، فلم يحضر هذه المبايعة من أعيان نواب الشافعية إلا الشرفى يحيى بن البردينى.
стр. 2999
فبايع السلطان أمير المؤمنين يعقوب نيابة عن ولده محمد المتوكل، وشهد عليه بذلك الشرفى يحيى بن البردينى، وجماعة من نواب القضاة، وحضر فى آخر المجلس قاضى القضاة الحنفى محمود بن الشحنة. [أقول: تسلطن الأشرف طومان باى وله من العمر نحو ثمانية وثلاثين سنة] (١). فلما تمّت له البيعة أحضروا له خلعة السلطنة، وهى الجبّة السوداء والعمامة السوداء والسيف البداوى، فأفيض عليه شعار الملك وتلقّب بالملك الأشرف مثل قرابته الغورى. ثم قدّموا له فرس النوبة بغير كنبوش ولا سرج ذهب، ولا وجدوا له فى الزردخاناه لا قبّة ولا طير ولا الغواشى الذهب، فركب من على سلم الحراقة التى بباب السلسلة، والخليفة قدّامه، فطلع من باب سر القصر الكبير، وجلس على كرسى المملكة، وقبّلوا له الأمراء الأرض، ودقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وارتفعت له الأصوات بالدعاء، وفرح كل أحد من الناس بسلطنته، وكان محبّبا للعوام فإنه كان ليّن الجانب قليل الأذى غير متكبّر ولا متحبّر. فلما انتهى أمر المبايعة أخلع السلطان على أمير المؤمنين يعقوب ونزل إلى داره فى موكب حافل. وزالت دولة الغورى كأنها لم تكن، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغير على طول المدى، وقد قال محمد بن قانصوه:
قد ذهب الغورى إلى ربّه … وذا الذى قدّره الله
والملك لله ومن شاء من … عباده للملك ولاّه
فلما كان وقت صلاة الجمعة فى ذلك اليوم خرج السلطان وصلّى صلاة الجمعة، وخطب به الشرفى يحيى بن البردينى، واستمرّ يخطب به فى كل جمعة، ثم إن الخطباء خطبوا باسمه فى ذلك اليوم على منابر مصر والقاهرة بعد ما كانت الخطباء لم يذكروا فى الخطبة اسم سلطان ولا يدعون (٢) له نحو خمسين يوما، بل كانوا يدعون للخليفة فقط. - وفى ذلك اليوم قبض السلطان على قانصوه الأشرفى نائب قلعة حلب، الذى سلّم القلعة إلى ابن عثمان من غير حرب ولا محاصرة، فلما حضر قانصوه هذا صحبة العسكر تغيّر خاطر السلطان عليه بسبب ذلك، فقبض عليه وأودعه فى البرج بالقلعة حتى يكون
стр. 3000
من أمره ما يكون.
وفى يوم السبت خامس عشر شهر رمضان حضر جماعة من الأمراء ممن تخلّف بعد العسكر بدمشق، فحضر الأمير جان بردى الغزالى نائب حماة وقد ترشح أمره بأن يلى نيابة الشام، والأمير سودون الدوادارى رأس نوبة النوب، والأمير قانصوه كرت أحد المقدّمين وكان مريضا، فلما حضروا وجدوا الدوادار قد تسلطن، فعزّ ذلك على الأمير سودون الدوادارى وكان قد ذكر إلى السلطنة وهو بالشام فلم يتمّ له ذلك، فلما حضروا طلعوا إلى القلعة وباسوا الأرض للسلطان ونزلوا إلى دورهم. - ثم جاءت الأخبار من بعد ذلك بأن أمير عربان جماة الأمير ناصر الدين بن الحنش بلغه أن ابن عثمان أرسل جاليش عسكره وصحبتهم ابن سوار الذى كان تعصّب له، فلما وصلوا إلى القابون بالقرب من دمشق لاقاهم ابن الحنش وحصل بينه وبين عسكر ابن عثمان مقتلة مهولة وقتل منهم جماعة، وأطلق عليهم المياه من أنهر دمشق حتى صار كل من دخل فى تلك (١) المياه يوحل بفرسه فلا يقدر على الخلاص، فهلك من عسكر بن عثمان جماعة كثيرة حسبما أشيع من تلك (١) الأخبار، وقد قلت فى المعنى:
قل لابن عثمان إذا قابلته … اقبل نصيحة ناصح ودع الطّيش
واحذر تعارض شامنا بجهالة … يخشى عليك اللذع من ابن الحنش (٢)
فلما دخلت الأمراء دخل صحبتهم جماعة كثيرة من أعيان أهل دمشق هم وأولادهم وعيالهم، وسبب ذلك أن لما حصل لعسكر مصر هذه الكسرة وقتل سيباى نائب الشام واضطربت الأحوال، وثب أهل الشام بعضهم (٣) على بعض ونهبوا حارة السمرة وقتلوا منهم جماعة وأخذوا أموالهم، وكذلك فعلوا بتجار الفرنج الذين (٤) هناك ونهبوا أموالهم، وكانت فتنة مهولة، ونهبوا بيوت أعيان الناس بدمشق من القضاة والتجار، فخرج غالب أعيان دمشق منها بسبب ذلك وبسبب فتنة ابن عثمان وفساد الأحوال بمصر والبلاد الشامية. - وقيل لما بلغ السلطان ما فعله ناصر الدين بن الحنش مع
стр. 3001
عسكر ابن عثمان رسم له بنيابة حمص، وقيل برزت له المراسيم الشريفة أنه إذا كسر عسكر ابن عثمان يقرّره السلطان فى الأتابكية بدمشق، فإن ابن الحنش أرسل يقول للسلطان: مدّنى ببعض عسكر وأنا أجمع العربان وضمان كسرة ابن عثمان علىّ. وكان فى قديم الزمان بعض أجداد ابن الحنش متولّيا (١) على نيابة حمص. - وفيه حضر شخص يقال له أينال الأعور، وكان جان بردى الغزالى قرّره فى نيابة صفد، فلما بعث إليها دواداره ومباشريه (٢) وثبوا عليهم أهل صفد ولم يمكّنوهم من الدخول إلى المدينة، وربما قتلوا منهم جماعة، فحضر إلى مصر ليلبس خلعته ويمضى إلى صفد حتى يقتصّ من أهلها.
وفى يوم الاثنين سابع عشره نفق السلطان الجامكية على العسكر بالحوش، وحصل فى ذلك اليوم بين الأمراء خلف بسبب الوظائف، وحصل بين الأمير علان الدوادار الثانى وبين جان بردى الغزالى تشاجر حتى خرجا فيه عن الحدّ. - وفى ذلك اليوم نادى السلطان للعسكر بالعرض، وهو العسكر الذى كان مقيما بمصر لم يخرج فى التجريدة صحبة السلطان، ونادى أيضا أن كلّ من أخذ شيئا من نهب سلاح العسكر أو (٣) قماشهم يردّه ومن لم يردّ شيئا (٤) وغمز عليه شنق من غير معاودة، وقد بلغه أن جماعة من الغلمان والعبيد ممن كان فى التجريدة (٥) نهب أشياء كثيرة من مال وسلاح وقماش وغير ذلك. ومن الوقائع اللطيفة أن السلطان لما أن تسلطن أمر بهدم المصطبة التى كان أنشأها السلطان الغورى بالحوش عوضا عن التكة التى كان يجلس عليها الأشرف قايتباى، فهدم السلطان المصطبة وأعاد التكة كما كانت فى أول الأمر وجلس عليها، وكانت قد تكسّرت فأصلحوها، وجعل لها غشاء من الجوخ الأصفر، وصار يجلس عليها للمحاكمات كما كان يجلس الأشرف قايتباى، وقد قلت فى ذلك:
قد عادت التكة للحكم … وانهدمت مصطبة الظلم
وصار طومان باى بين الورى … يمشى الشاة مع الضغم
стр. 3002
فيا له من ملك عدله … قد شاع بين العرب والعجم
وفى يوم الثلاثاء ثامن عشره جلس السلطان على التكة وعرض العسكر بالحوش وكتب منهم نحو ألفى مملوك (١)، وعيّن من الأمراء المقدّمين الذين كانوا بمصر نحو ستة مقدّمين، وعيّن الأمير جان بردى الغزالى باشا على العسكر وقد ترشح أمره بأن يلى نيابة الشام. - وفيه قبض السلطان على المهتار محمد النجولى وعلى أخيه على مهتار الطشتخاناه (٢) كان بخدمة السلطان الغورى، وقبض على جمال الدين الألواحى بواب الدهيشة. وهذا كان أول حكم السلطان طومان باى، وسبب ذلك أن السلطان لما تسلطن عرض الخزائن فوجدها فارغة ليس بها درهم ولا دينار، وكان محمد المهتار وجمال الدين البواب من حين توفى الأمير خاير بك الخازندار جعلهما السلطان الغورى متحدّثين فى أمر الخزائن الشريفة وصارا يتصرّفان فيها بما يختاران (٣)، فطاش جمال الدين البواب ومحمد المهتار وركبا فى غير سروجهما وما كانا يظنان (٤) أن السلطان الغورى يموت فى هذا الزمان، فكان ذلك من أكبر أسباب الفساد فى حقّهما، كما يقال فى المعنى:
أمور تضحك السفهاء منها … ويبكى من عواقبها اللبيب
وفى يوم الخميس عشرين شهر رمضان عمل السلطان الموكب بالشاش والقماش، وجلس على التكة بالحوش، وأخلع على من يذكر من الأمراء وهم: المقرّ السيفى سودون الشهابى الشهير بالدوادارى فقرّر أتابك العساكر عوضا عن سودون العجمى بحكم قتله فى وقعة ابن عثمان، وأخلع على المقرّ السيفى جان بردى الغزالى وقرّر فى نيابة الشام عوضا عن سيباى من بختجا بحكم قتله فى وقعة ابن عثمان، وأخلع على المقر السيفى أركماس من طراباى وقرّر فى أمرية السلاح على عادته، وأخلع على المقر السيفى يخشباى من عبد الكريم، قيل من قانم، وقرّر أمير مجلس عوضا عن أركماس بحكم انتقاله إلى أمرية السلاح، وأخلع على المقرّ السيفى أنصباى من مصطفى وقرّر أمير
стр. 3003
آخور كبير عوضا عن نجل المقام الشريف الأشرف الغورى بحكم انفصاله عنها، وأخلع على تمر الحسنى وقرّر رأس نوبة النوب عوضا عن سودون الدوادارى بحكم انتقاله إلى الأتابكية، وأخلع على طقطباى العلاى نائب القلعة وقرّر حاجب الحجاب عوضا عن أنصباى بحكم انتقاله إلى أمرية آخور الكبرى، وأخلع على الأمير علان من قراجا وقرّر أمير دوادار كبير عوضا عن المقام الشريف بحكم انتقاله إلى السلطنة، وأخلع على الأمير أبرك الأشرفى وقرّر وزيرا وأستادارا وكاشف الكشاف عوضا عن المقام الشريف، وأخلع على كرتباى الأشرفى أحد الأمراء المقدّمين وقرّر دوادار ثانى مقدّم ألف كما كان علان، وأخلع على ماماى دوادار قانى باى قرا أمير آخور كبير كان وقرّر أمير آخور ثانى عوضا عن أقباى الطويل بحكم قتله فى وقعة ابن عثمان، وأخلع على شخص من الأتراك يقال له تنم السيفى مغلباى الساقى وقرّره فى نيابة الإسكندرية عوضا عن خدابردى الأشرفى بحكم أنه بقى مقدّم ألف، وأخلع على شخص من الأتراك يقال له يخشباى الذى كان كاشف البهنسا وقرّره فى نيابة صفد، وأخلع على شخص آخر من الأتراك وقرّره فى نيابة طرابلس، وأخلع على شخص يقال له تانى بك الأشرفى من الأمراء العشرات من طبقة الطازية وقرّره فى نيابة القلعة عوضا عن طقطباى بحكم انتقاله إلى الحجوبية الكبرى، وأخلع على أقطوه وقرّره كاشف الشرقية ثم بطل ذلك فيما بعد، وأخلع على الأمير يشبك الفقيه وقرّره خازندار كبير عوضا عن خاير بك الذى توفى، وأخلع على جنتمر وقرّره خازندار ثانى، وأخلع على ماماى الصّغيّر وأقرّه فى الحسبة على حاله، وأخلع فى ذلك اليوم على جماعة كثيرة وقرّرهم فى وظائف معلومة.
وأما أرباب الوظائف من المباشرين فأخلع على القاضى كاتب السر محمود بن أجا وأقرّه على عادته، وأقرّ الشهابى أحمد بن ناظر الخاص يوسف متحدّثا فى نظارة الجيش عوضا [عن] القصروى بحكم قتلته هناك، وأخلع على سائر المباشرين من أرباب الوظائف باستمرارهم على عاداتهم فى وظائفهم، وأخلع على نقيب الجيش، وأزدمر المهمندار (١)،
стр. 3004
وألماس والى الشرطة، وسنبل مقدّم المماليك باستمرارهم على وظائفهم كل واحد منهم على عادته.
وفى يوم الثلاثاء سادس عشرينه أخلع السلطان على شيخ العرب الأمير أحمد بن بقر باستمراره على عادته، وقد حصل من أولاد أحمد بن بقر هذا فى هذه السنة من الفساد ما لا يحصل فى بلاد الفرنج من قتل النفوس ونهب الأموال، ولا سيما ما فعله ابنه الجذامى فى العسكر لما رجع وهو مكسور، وما فعله أولاده عبد الدايم وبقر فى البلاد بالشرقية من نهب الأموال وقتل النفوس، ولم تنتطح فى ذاك شاتان، فأخلعوا عليه وراحت على من راح (١).
وفى يوم الخميس سابع عشرينه أخلع السلطان على مصر باى الأقرع أحد الأمراء الطبلخاناه وقرّره فى الحجوبية الثانية عوضا عن طومان باى قرا بحكم قتله فى وقعة ابن عثمان، وأخلع [على] تمر باى العادلى وقرّره تاجر المماليك عوضا عن نوروز بحكم وفاته، وأخلع [على] شاد بك وقرّره شاد الشراب خاناه عوضا عن يوسف الناصرى بحكم انتقاله إلى التقدمة، وأخلع على بك باى وقرّره فى نظر الجوالى عوضا عن القصروى، وأخلع [على] فخر الدين بن عوض واستقرّ به ثالث قلم فى كتابة المماليك عوضا عن جلال الدين بحكم وفاته، وأخلع على حاجب حجاب دمشق باستمراره على عادته، وأنعم (٢) على قايتباى نائب الكرك كان بتقدمة ألف.
وفى أواخر هذا الشهر قرئ عهد السلطان بحضرة أمير المؤمنين يعقوب وقاضى القضاة الحنفى وجماعة من النواب، وحضر جماعة من الأمراء المقدّمين على العادة.
وقيل إن السلطان أنعم على أمير المؤمنين يعقوب لما بايعه بالسلطنة بحصة ونصف وثلث فى منشية دهشور، فأنعم عليه فى ذلك اليوم بما ذكرناه. - وفى يوم السبت تاسع عشرينه طلع ناظر الخاص بخلع العيد، وعرضها على السلطان وهى مزفوفة على رءوس الحمالين.
стр. 3005
ويوم الأحد سلخ هذا الشهر حضر الناصرى محمد بن يلباى المؤيدى حاجب ميسرة بدمشق، وأخبر أن سليم شاه بن عثمان قد ملك مدينة دمشق، وملك قلعتها وقتل على باى الأشرفى نائب القلعة، وقتل ستة وثلاثين (١) أميرا من أمراء دمشق غير من وجده من الرعيّة بالشام، وحضر ابن يلباى هذا وهو فى زى العرب ببشت وزمط على رأسه. فلما أشيعت هذه الأخبار فى القاهرة بأن ابن عثمان ملك الشام صارت الناس فى أمر مريب بسبب ذلك وقالوا: ما بقى بعد أخذ الشام إلا مصر، وجزموا بهذا الأمر وعوّل بعض الناس من أهل مصر على الهروب إلى جهة الصعيد.
فتنكّد السلطان والأمراء والناس قاطبة لهذا الخبر، ولا سيما كانت ليلة عيد الفطر والناس جرحهم طرى بسبب موت السلطان وكسرة العسكر، والأنعة (٢) قائمة بسبب من قتل من العسكر، فقلت فى المعنى:
يا سليم شاه كفّ عن أخذ مصر … بلد شرّفت بخير إمام
فهو شافعى قطب ولى … نجل إدريس عمدة الإسلام
هى تدعى كنانة من غزاها … قصم الله ظهره بالحسام
وقد ورد فى بعض الأخبار ما روى أن: مصر كنانة الله فى أرضه من أراد لها بسوء قصمه الله، أو ما معناه من هذا الحديث.
وفى شوال كان مستهلّ الشهر يوم الاثنين وصلّى السلطان صلاة العيد، وأخلع على الأمراء ومن له عادة، فخطب بالسلطان فى ذلك اليوم الشرفى يحيى بن البردينى، وكان موكب العيد حافلا. - وفى يوم الجمعة خامسه الموافق لرابع هاتور القبطى فيه قلع السلطان البياض ولبس الصوف، وقد عجّل بلبس الصوف. - وفيه توفى الأمير جانم الإبراهيمى أحد الأمراء الطبلخانات. - وفى يوم السبت سادسه طلع إلى السلطان شخص يقال له على الشعبانى نقيب المحتسب وشخص آخر يقال له ابن خبيزّ السمسار فى الغلال، فلما وقفا إلى السلطان تكلما معه بأن يجعلوا على الحسبة مالا معيّنا (٣) وعلى
стр. 3006
الغلال أيضا ولم يحصل من ذلك ضرر للمسلمين، فلم يلتفت السلطان إلى كلامهما وضرب على الشعبانى بالمقارع وابن خبيزّ، وأشهر الشعبانى فى القاهرة وهو ماش مكشوف الرأس وقد ضرب بالمقارع، ونودى عليه على من يتعاون فى إنشاء المظالم فى الدولة العادلة بعد ما بطلت، وأمر السلطان بعزل على الشعبانى من التحدّث فى أمر الحسبة، فأقام الشعبانى بعد ذلك أياما يسيرة وأشيع موته من الضرب الذى حصل له كما تقدم.
وفى يوم الاثنين ثامنه حضر دوادار نائب غزة المسمّى بعلى باى الأحدب (١)، وأخبر بأن ابن عثمان من حين دخل إلى الشام تلاشى أمره، ووقع الوخم فى عسكره فصار يموت منهم فى كل يوم جماعة، وعزّ عندهم وجود الأقوات من الغلال والعلف، وقد ضيّقت عليه العربان ومنعوا عنه ما يجلب من الشعير والقمح والتبن (٢)، وكل من خرج من عسكره إلى الضياع قتلوه العرب، وقد تجوّن بدخوله إلى الشام، فلا بقى يمكنه الخروج منها، وصارت خيول عسكره سايبة تأكل من ورق الأشجار وهو فى غاية الحصر. - وفيه حضر خدابردى نائب الإسكندرية وخرج إليها تنم الذى قرّر بها، وحضر الأمير خاير بك المعمار الذى كان توجّه إلى ثغر رشيد بسبب عمارة الصور والأبراج التى (٣) هناك كما تقدّم. - وفيه أخلع السلطان على شخص من الأتراك يقال له يلباى المشرف وقرره فى أستادارية الصحبة عوضا عن قانصوه الأشرفى بحكم قتله فى وقعة ابن عثمان.
وفى يوم الثلاثاء تاسعه كانت كاينة الزينى بركات بن موسى مع الشيخ سعود، وسبب ذلك أن شخصا مدابغيّا يبيع (٤) الجلود يقال له الدمراوى مكاسا على بيع الجلود، فجار عليه ابن موسى، فوقع بينه وبين ابن موسى، فقصد ابن موسى يقبض عليه، فتوجّه الدمراوى إلى عند الشيخ سعود واحتمى به، فأرسل إليه الشيخ سعود رسالته بسبب الدمراوى وقد شفع فيه، فتوقف ابن موسى فى أمره ولم يلتفت (٥) إلى رسالة الشيخ
стр. 3007
وطاوله فى أمر الدمراوى، فأرسل الشيخ خلف ابن موسى، فلما حضر عنده فى كوم الجارح (١) وبّخه الشيخ بالكلام، وقال له: يا كلب كم تظلم المسلمين؟ فحنق منه ابن موسى وقام على غير رضى، فأمر الشيخ بكشف رأس ابن موسى وضربه بالنعال، فصفعوه بالنعال على رأسه حتى كاد يهلك، ثم وضعه فى مكان وأرسل خلف الأمير علان الدوادار الكبير، فلما حضر قال له: اوضعه فى الحديد واطلع وشاور السلطان عليه وأعلمه بأنه بيؤذى (٢) المسلمين. فلما طلع الأمير علان وشاور السلطان فى أمر ابن موسى وما جرى له مع الشيخ سعود، فأرسل السلطان يقول للشيخ سعود:
مهما اقتضاه رأيك فيه افعله. فلما ردّ الجواب على الشيخ بذلك فأمر الشيخ بإشهار ابن موسى فى القاهرة ثم يشنقونه على باب زويلة، فأخرجوا ابن موسى من زاوية الشيخ التى فى كوم الجارح وهو ماش مكشوف الرأس بكبرطاق وهو فى الحديد وينادى عليه: هذا جزاء من يؤذى المسلمين. فتوجهوا به من كوم الجارح إلى ساحل البحر من مصر العتيقة وهم ينادون (٣) عليه إلى أن وصل إلى بيت الأمير علان الدوادار الذى بالناصرية، فأراد أن يوقع فيه فعل بشنق أو تغريق (٤)، ثم عاودوا الشيخ فى أمره بأن عليه مالا للسلطان ومتى شنق ضاع على السلطان ماله، فعفى الشيخ عنه من القتل، واستمرّ ابن موسى عند الأمير علان وهو فى الحديد حتى يكون من أمره ما يكون، وكانت واقعة مهولة بين ابن موسى والشيخ سعود، وقد أشرف ابن موسى فى هذه الكاينة على الهلاك وذهاب الروح، وقد قلت فى هذه الواقعة (٥):
تعجّبوا مما جرى فى الوجود … بين ابن موسى كان والشيخ سعود
تشاجرا قد طال ما بينهم … وأشعلت نيرانه بالوقود
فصرّح الشيخ بعزلانه … وأكّد القول بأن لا يعود
ويغلب الله على أمره … ويرغم القاهر أنف الحسود
стр. 3008
فليت شعرى ذى الهبوط الذى … نال ابن موسى بعده من صعود
ولما جرى لابن موسى ما جرى ظهر غريمه شهاب الدين بن الصايغ وكان يسعى عليه فى أيام الغورى، فلما وقعت هذه الكاينة لابن موسى انتدب إلى مرافعته ابن الصايغ وقال: أنا أثبت فى جهة ابن موسى للسلطان مائة ألف دينار.
ثم إن ابن الصايغ توجه إلى بيت ابن موسى وصحبته طواشية وقوّاسة وجماعة كثيرة، وكبس على نساء ابن موسى الاثنتين وقبض عليهن ونهب ما فى بيوتهن من قماش وأمتعة، وقبض على عبيده وغلمانه وحاشيته، فلما رأى السلطان قد حلّ فى أمره توقّف عن ما كان فيه من أذى ابن موسى، ثم إن ابن موسى قال: أنا أثبت فى جهة ابن الصايغ مائتى (١) ألف دينار. وقال للأمير علان: ارسل خلف ابن الصايغ واودعه فى الحديد حتى يعمل حسابه، فلما حضر ابن الصايغ وضعه الأمير علان فى الحديد حتى يقيم حسابه مع ابن موسى. - وأما ما كان من أمر الشيخ سعود فإنه لما (٢) فعل بابن موسى ما فعل قامت عليه الدايرة والأشلة وأنكروا عليه الناس والفقراء وقالوا:
إيش للمشايخ شغل فى أمور السلطنة، واشتغلت الناس به ولم يشكره أحد على ما فعله بابن موسى.
وفى يوم الأحد رابع عشره طلعت إلى القلعة خوند زوجة السلطان، وهى ابنة الأمير أقبردى الدوادار وأمّها بنت خاص بك أخت خوند زوجة الأشرف قايتباى، فطلعت وقت صلاة الصبح على الفوانيس والمشاعل، ومعها الجمّ الغفير من الخواندات والستّات وأعيان نساء الأمراء والمباشرين، فاستمرّت فى موكبها حتى طلعت إلى القلعة، ودخلت إلى قاعة العواميد، فحمل الأمير بشير الطواشى رأس نوبة السقاة على رأسها القبة والطير حتى جلست على مرتبتها، وكان لها يوم مشهود بالقلعة. - وفى يوم الأحد المذكور عرض الأمير علان الدوادار ابن موسى وابن الصايغ، وكان قرّر على ابن موسى عشرين ألف دينار وأن يورد منها على الجامكية عشرة آلاف دينار فلم يورد منها شيئا (٣)، فبطحه على الأرض وضربه نحو عشرين
стр. 3009
عصا (١)، فأوعد أنه يورد ذلك القدر فأقامه. ثم طلب أحمد بن الصايغ وضربه فوق (٢) أربعمائة عصا (١) حتى كاد يهلك وأشيع بين الناس موته.
وفى يوم الخميس ثامن عشره لم يخرج المحمل من القاهرة، ولم يحج فى هذه السنة أحد من الناس قاطبة بسبب فتنة ابن عثمان، وأشيع أنه يرسل جماعة من عسكره إلى مكة وصحبتهم كسوة إلى الكعبة فلم يثبت ذلك. ثم إن السلطان أرسل الطواشى مرهف من البحر الملح وصحبته كسوة الكعبة والصرر لأهل مكه والمدينة، فتوجّه إلى الطور ونزل من هناك إلى البحر.
وفى يوم الجمعة تاسع عشره أشيع أن الشيخ سعود أرسل خلف ابن موسى وقد رضى عليه وفكّه من الحديد، وأظهر أنه قد رضى عليه، وصار يتصرّف فى أمور المملكة من عزل وولاية فأنكروا عليه الناس ذلك. - وفى يوم السبت عشرينه طلع الزينى بركات بن موسى إلى السلطان على أنه يعيده إلى وظائفه فلم يلتفت إليه، ونزل من عنده بغير طائل وهو فى التوكيل به حتى يغلق ما قرّر عليه من المال، فتوجّه إلى بيته وهو فى غاية الذلّ بعد ما زيّنت له حارته فى سويقة اللبن وتخلقّت جماعته بالزعفران، فنزل عليهم خمدة بسبب ذلك. - وفى يوم الأحد حادى عشرينه أخلع السلطان على شرف الدين بن عوض، وقرّره فى أستادارية الذخيرة عوضا عن ابن موسى بحكم انفصاله عنها. - وفى يوم الاثنين ثانى عشرينه نادى السلطان للعسكر بأن يوم الثلاثاء أول النفقة. - وفيه وردت الأخبار من الهند بأن المراكب التى (٣) كان أرسلها السلطان الغورى قد غرقت بما فيها من مكاحل ومدافع وآلات (٤) السلاح وغير ذلك، وأن قد وقع بين الريّس سلمان العثمانى وبين الأمير حسين نائب جدّة، وأن كلا منهما (٥) توجّه إلى جهة من جهات الهند ولم يعلم له خبر. - وفيه أخلع السلطان على شخص من الأتراك يقال له قجماس، وكان شادّا فى بنها (٦) العسل، فقرّره فى كشوفية الشرقية، وبطل من كان قد قرّر بها.
стр. 3010
وفيه نفق السلطان على العسكر المعيّن للتجريدة، فأعطى لكل مملوك خمسين دينارا، فردّوها عليه وقالوا: يق يق، وخرجوا من باب الحوش على حميّة وقصدوا ينشئون (١) فتنة، فأشار بعض الأمراء على السلطان بأن يرضيهم وأن ينفق عليهم لكل واحد مائة دينار على جارى العادة، فاستردّ من خرج من عسكر على غير رضى، ثم لما ردّوا نفق لكل مملوك مائة دينار وجامكية ثلاثة شهور، عبارة عن مائة وعشرين دينارا لكل مملوك، فنفق فى ذلك اليوم على أربع طباق، وأشيع أن هذا العسكر إذا خرج يقيم فى غزّة هو والأمراء، ويحرسون المدينة إلى أن تخرج التجريدة الكبيرة بعد الربيع. - وفيه أرسل السلطان قبض على جماعة من الأروام الذين (٢) فى خان الخليلى، وقد بلغه عنهم أنهم يكاتبون (٣) ابن عثمان بما يقع فى مصر من أمور المملكة وعندهم جواسيس لابن عثمان، فأرسل قبض عليهم ووضعهم فى الحديد.
وفيه أشيع أن السلطان طلع بابن عثمان الصبى الصغير، الذى يقال له قاسم بك الذى هو ابن أحمد بك بن عثمان، الذى توجّه مع السلطان الغورى إلى التجريدة، فلما انكسر العسكر رجع مع الأمراء إلى مصر، فبلغ السلطان أن جماعة يقصدون قتله، فخاف عليه السلطان من القتل، فطلع به إلى القلعة وأسكنه فى مكان بالبحرة، ورتّب له ما يكفيه فى كل يوم هو وجماعته. - وفيه حضر إلى الأبواب الشريفة الشرفى يحيى ابن الأتابكى أزبك من ططخ وكان مقيما بحماة، فلما ملكها ابن عثمان فرّ منه وجاء إلى مصر من البحر الملح من على طرابلس. - وفيه أخلع السلطان على الأمير طقطباى حاجب الحجّاب وجعله متحدّثا فى كشوفية البحيرة عوضا عن يوسف البدرى، مضافا لما بيده من الحجوبية الكبرى.
وفيه فى يوم الجمعة سادس عشرينه حضر إلى الأبواب الشريفة القاضى عبد الكريم ابن الجيعان، أخو الشهابى أحمد بن الجيعان، وكان فى الأسر عند ابن عثمان بالشام ففرّ منه، وحضر وهو فى زىّ جمّال وعليه بشت وعلى رأسه زمط، وحضر صحبته شخص يقال له أحمد الدمياطى وهو تاجر فى الورّاقين، فلما حضر أخبر السلطان بأن
стр. 3011
ابن عثمان قد تلاشى أمره وأن عسكره مختلف عليه، وأن ناصر الدين بن الحنش ضيّق عليه فى الطرقات وصارت العربان تقتل كل من انفرد من عسكره فى الضياع، وأخبر أنه ملك مدينة الشام وقلعتها وملك طرابلس وصفد وأعمالها، وصار بيده من الشام إلى الفرات، ونيّب فى هذه المدن الذى ملكها جماعة من أمرائه كما فعل فى حلب وحماة وحمص وغير ذلك من البلاد. وقيل إن ابن الحنش أرسل إلى السلطان مطالعة يستحثّه فى إرسال تجريدة بسرعة قبل أن يزحف ابن عثمان إلى غزّة. ثم إن السلطان أخلع على القاضى عبد الكريم ونزل إلى بيته. - وفى يوم الاثنين ثامن عشرينه أخلع السلطان على ابن خليفة سيّدى أحمد البدوى الذى قتله ابن عثمان فى حلب، فقرّره عوضا عن أبيه فى الخلافة بحكم قتله، فنزل من القلعة فى موكب حافل وعلى رأسه الأعلام وقدّامه سائر الفقراء الأحمدية.
وفى ذى القعدة كان مستهلّ الشهر يوم الثلاثاء، فجلس السلطان على التكّة بالحوش، وأخلع فى ذلك اليوم على الشرفى يحيى بن البردينى وقرّره فى قضاء الشافعية عوضا عن قاضى القضاة كمال الدين الطويل بحكم أسره عند ابن عثمان، وأخلع على قاضى القضاة الحنفى حسام الدين محمود بن الشحنة وأقرّه فى قضاء الحنفية على عادته، وأخلع على الشيخ شمس الدين التتاى وقرّره فى قضاء المالكية عوضا عن القاضى محيى الدين ابن الدميرى بحكم أسره عند ابن عثمان، وقد تولّوا هؤلاء القضاة والقاهرة فى غاية الاضطراب بسبب مجئ ابن عثمان، وأخلع على قاضى القضاة عزّ الدين بن الشيشينى وأعاده إلى قضاء الحنابلة عوضا عن شهاب الدين الفتوحى بحكم أسره عند ابن عثمان، وهذه ثانى ولاية وقعت لعزّ الدين بن الشيشينى. فلما أخلع السلطان على القضاة الأربعة فى يوم واحد نزلوا من القلعة وعليهم التشاريف، فرجّت لهم القاهرة فى ذلك اليوم واصطفّت لهم الناس على الدكاكين بسبب الفرجة. [ولم يأخذ السلطان من القضاة الذين (١) ولاّهم الدرهم الفرد، ومنع القضاة أن لا يسعوا في منصب القضاء بمبلغ، وقال لهم:
أنا ما أقبل رشوة فى ولاية أحد من القضاة فلا تأخذوا إنتوا رشوة من الناس أبدا] (٢).
стр. 3012
وفى ذلك اليوم أكمل السلطان النفقة على العسكر المعيّن للتجريدة وأخذوا فى أسباب عمل اليرق والخروج إلى غزّة، وقيل إن السلطان نفق على نحو ألفى (١) مملوك المعيّنة للسفر. - وفى يوم الجمعة رابعه طلع ملك الأمراء جان بردى الغزالى نائب الشام إلى القلعة، فصلّى مع السلطان صلاة الجمعة، ثم أخلع عليه السلطان وجعله باشا على العسكر المعيّن للتجريدة، فلما نزل من القلعة توجّه إلى وطاقه الذى بالريدانية وخرج من غير طلب، بل قدّامه بعض جنايب خيول بعراقى وطبول بازات، وقدامه عبيد نفطية، فتوجّه إلى الريدانية فى ذلك اليوم قبل خروج الأمراء والعسكر.
وفى يوم السبت خامسه نادى السلطان فى الحوش للعسكر المعيّن للتجريدة بأن يخرجوا صحبة الباش فى ذلك اليوم ومن يتأخر لا يسأل (٢) ما يجرى عليه. فوقف له جماعة من المماليك المعيّنة للسفر، فقالوا له: ما نخرج ولا نسافر حتى تنفق علينا ثمن جمل ستّة أشرفية، وتصرف لنا العليق واللحم المنكسر. فحصل فى ذلك اليوم بعض اضطراب وخرج المجلس مانعا والعسكر غير راض والأحوال غير صالحة وابن عثمان زاحف إلى غزّة ونائب غزة أرسل يقول: ادركونا بالعسكر قبل أن يملك ابن عثمان مدينة غزة وتتعبوا فى خلاص البلاد من يديه. - وفى يوم الأحد سادسه خرج شخص من الأمراء المقدّمين المعيّنين للسفر، وصار فى كل يوم يخرج منهم إلى الوطاق شئ بعد شئ، والباش جان بردى الغزالى مقيم بالريدانية حتى يكمل خروج العسكر.
وفى يوم الاثنين سابعه نفق السلطان على العسكر المعيّن للسفر ثمن اللحم عن ثلاثة أشهر، فخصّ كل مملوك نحو أربعة أشرفية ونصف، توسعة عليهم ليستعينوا بذلك -.
وفى ذلك اليوم حضر شخصان من المماليك السلطانية، وكانا فى بعض الضياع عند العرب، فدخلوا مصر فى هيئة الغلمان بأبشات عليهم وزموط، فأخبرا بأن ابن عثمان قد تلاشى أمره وأن عسكره مختلف عليه، وقد وقع بينه وبين خاير بك نائب حلب وربما أشاعوا قتله، ولم يكن لهذا الخبر صحة فى أمر ابن عثمان، ولم تثبت صحة هذه الأخبار.
стр. 3013
وفى يوم الأربعاء تاسعه حضر دوادار خاير بك نائب حلب وزعم أنه قد فرّ من ابن عثمان، فأخبر أن ابن عثمان أرسل عسكرا نحو خمسة آلاف فارس صحبة ابن سوار وقد أشرفوا على أخذ مدينة غزّة، بل أشاعوا أخذها، وأن نائب غزة قد هرب.
فاضطربت الأحوال لهذه الأخبار وتنكّد السلطان إلى الغاية، ونادى فى ذلك اليوم بأن العسكر المعيّن للسفر ممن أخذ النفقة يخرجون (١) فى ذلك اليوم من غير تأخير، ومن تأخر لا يسأل ما يجرى عليه. - فلما كان يوم الخميس عاشره خرج العسكر على وجوههم مسرعين، وأشيع سفر السلطان بنفسه وأنه هو الذى يلاقى ابن عثمان، وصحبته الأمراء قاطبة وسائر العسكر. وحضر صحبة دوادار نائب حلب أمير كبير غزة وهو فى الحديد، وجماعة من أجناد الحلقة بغزّة وهم فى الحديد، وأرسل نائب غزة يرافع فيهم بأنهم كاتبوا ابن عثمان بأن يحضر إلى غزّة ويملكها من غير مانع.
فلما حضروا بين يدى السلطان حلفوا له أن هذا الأمر ما وقع منهم ولا كاتبوا ابن عثمان وإنما دولات باى نائب غزة بينه وبين أجناد غزة حظ نفس، فكذب عليهم بهذه التهمة الباطلة، فصدّقهم السلطان على ذلك، وأرسل جان بردى الغزالى نائب الشام يشفع فيهم ويبرّؤهم مما قالوه فى حقهم بالباطل، ففكّهم السلطان من الحديد وأرسلهم إلى نقيب الجيش حتى يتبصّر فى أمرهم. - وفى يوم الخميس المقدم ذكره أخلع السلطان على الأمير يوسف البدرى الذى كان وزيرا وقرّره ناظر الذخيرة الشريفة ووكيل بيت المال، عوضا عن الزينى بركات بن موسى بحكم انفصاله عنها.
وفى يوم الجمعة حادى عشره تزايد أمر الإشاعات بأن ابن عثمان أرسل إلى غزة عسكرا صحبة جماعة من أمرائه، منهم شخص يسمى إسكندر باشاه وآخر يسمى داوود باشاه، وآخرون من أمرائه، وأشيع بأنهم قد ملكوا مدينة غزّة وأحرقوا منها بعض بيوت، وأن نائب غزة هرب، وعسكر ابن عثمان زاحف على مصر، وأن الأحوال غير صالحة. فلما تحقق السلطان [من] هذه الأخبار أشيع أنه يخرج إلى لقاء ابن عثمان بنفسه، ونادى فى ذلك اليوم بأن الزعر والصبيان الشطّار والمغاربة
стр. 3014
وكل من كان مختفيا على قتل قتيل أو عليه دم يظهر وعليه أمان الله والعرض لهم فى الميدان، وأن السلطان يصرف لهم الجوامك والمركوب، ويكونون (١) صحبة الزردخاناه إذا سافر السلطان. فلم تعجب الناس هذه المناداة لقوله: ولو كانوا قد قتلوا القتلاء يظهرون (٢) وعليهم أمان الله، فكان السكوت عن هذا أجمل. فاضطربت الأحوال فى ذلك اليوم وارتجّت القاهرة وخرج العسكر المعيّن للسفر على وجوههم مسرعين. - وفى ذلك اليوم خرج الأمير خدابردى الأشرفى أحد المقدّمين الذى كان نائب الإسكندرية، فخرج فى موكب حفل بغير طلب، وقدّامه الجنايب الحربية، وصحبته الجمّ الغفير من مماليكه، وقيل كان عنده نحو ثلاثمائة مملوك، فارتفعت الأصوات بالدعاء من الناس قاطبة للعسكر بالنصر على ابن عثمان، وقد صارت الناس فى وجل بسبب ابن عثمان.
وفى يوم السبت ثانى عشره جلس السلطان على التكّة بالحوش وحضر الأمراء، فاستحثّهم السلطان على أن يخرجوا كلهم فى ذلك اليوم فقال الأمير طقطباى حاجب الحجّاب: أنا عزمت على السفر إلى البحيرة. وكان السلطان جعله متحدّثا فى كشوفية البحيرة، فقالوا الأمراء: الخروج إلى قتال ابن عثمان أوجب من البحيرة وأنت ما خرجت صحبة السلطان الغورى لما سافر ولا نهب لك برك ولا قماش. فتعلّل أنه ضعيف، فحصل بينه وبين الأمراء فى ذلك اليوم تشاجر عظيم بحضرة السلطان، وقصد المماليك الجلبان أن ينزلوا ينهبوا بيته ويحرقوه، وقيل إن بعض المماليك لكمه، وقاسى من البهدلة ما لا خير فيه، فتقرر الحال على أنه يخرج إلى التجريدة صحبة الأمراء، ومنع السلطان المماليك من نهب بيته. - وفى ذلك اليوم نادى السلطان للعسكر بالعرض قاطبة.
وفى ذلك اليوم خرج قايتباى نائب حماة الذى قرر بها عوضا عن جان بردى الغزالى، فخرج بطلب حربى. - وفى ذلك اليوم خرج الأمير أرزمك الناشف أحد المقدّمين وطلّب طلبا حربيا، وكان قدّامه جنايب وطبلان وزمران وعلى رأسه صنجق،
стр. 3015
وصارت الأمراء تخرج شيئا بعد شئ إلى قتال ابن عثمان.
وفى يوم الأحد ثالث عشره جلس السلطان بالميدان وعرض العسكر الذى كان مسافرا فى التجريدة، فكتبهم إلى السفر ثانيا ولم يترك (١) منهم إلا القليل، فعرض فى ذلك اليوم أربع طباق وكتب غالب من فيها من المماليك. ثم فى ذلك اليوم عرض السلطان عجلات من خشب تجرّها أبقار وفيها رماة بالبندق الرصاص، فكانوا نحو ثلاثين عجلة أو فوق ذلك، وعرض جمالا وفوقها مكاحل ورجال يرمون بالبندق الرصاص من المكاحل فوق ظهور الجمال، وعرض طوارق خشب بسبب الرماة بالنّشاب، فقوى قلب العسكر فى ذلك اليوم على القتال. وأظهر السلطان أنه يخرج بنفسه إلى قتال ابن عثمان، واستحثّ بقية الأمراء على الخروج بسرعة، ولم ينفق على الأمراء شيئا، وقال لهم: اخرجوا قاتلوا عن أنفسكم وأولادكم وأزواجكم فإن بيت المال لم يبق (٢) فيه لا درهم ولا دينار وأنا واحد منكم إن خرجتوا خرجت معكم وإن قعدتوا قعدت معكم وما عندى نفقة لكم.
وفى يوم الاثنين رابع عشره جلس السلطان بالحوش وعرض من العسكر أربع طباق. - وفى ذلك اليوم أشيع أن السلطان تغيّر خاطره على الزينى بركات بن موسى، وأعاده إلى الترسيم بعد ما كان ترشّح أمره إلى إعادته إلى وظائفه، وكان سبب ذلك [أن] السلطان لما حصل لابن موسى ما تقدم ذكره قرر عليه مالا فلم يرد منه إلا اليسير وادّعى العجز، فلما جاء على السلطان أمر نفقة العسكر وخروجهم بسرعة ضيّق على أصحاب المصادرات، منهم: ابن موسى ومحمد المهتار وجمال الدين بواب الدهيشة، وآخرون ممن عليهم بواقى الأموال المنكسرة ليستعين بذلك على نفقة العسكر، ومن حين قرّر يوسف البدرى فى وظائف ابن موسى تلاشى أمر ابن موسى وآل أمره إلى العكس والزوال. - وفى يوم الاثنين المقدم ذكره خرج الأمير طقطباى حاجب الحجّاب وتوجه إلى السفر، فطلّب طلبا حربيا وقدّامه طبلان وزمران وبعض جنايب، كما خرج أرزمك الناشف. - وفيه خرج الأمير قانصوه الفاجر أحد المقدّمين وتوجه إلى السفر.