← История

История · id 30059

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ت محمد مصطفى

ابن إياس

Полный текст (3 412 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وقبل منه تلك التقدمة، فأقام بإسطنبول مدّة ثم رسم له بالعود إلى مصر. فلما بلغ الأمراء قدومه إلى مصر خرجوا إليه قاطبة، وخرجت إليه أعيان المباشرين قاطبة، وجميع مشايخ العربان والكشّاف والمدركين قاطبة. فلما كان يوم الجمعة ثانى عشر صفر وصل الأمير جانم الحمزاوى إلى خانقة سرياقوس، فمدّ هناك له القاضى بركات بن موسى المحتسب مدّة حافلة، هذا بعد أن لاقاه من الصالحية. وأشيع أن حضر صحبة الأمير جانم الحمزاوى حريم ملك الأمراء الذى كان بإسطنبول من حين ملك السلطان سليم شاه الديار المصرية، فلما ولى السلطان سليمان ولده على مملكة الروم رسم بعود حريم ملك الأمراء إليه وأولاده، فلما حضرت زوجة ملك الأمراء طلعت (١) إلى القلعة تحت الليل على المشاعل والفوانيس وهى فى محفّة، فلما طلع النهار طلع إليها سائر المغانى يهنّونها بالسلامة. ثم إن الأمير جانم رحل من الخانكاه وتوجّه إلى تربة العادل فبات بها. فلما كان يوم السبت ثالث عشره صلّى ملك الأمراء صلاة الفجر ونزل من القلعة وتوجّه إلى تربة العادل التى بالريدانية، فجلس على المصطبة التى هناك وسلّم على الأمير جانم الحمزاوى، ثم أحضرت إليه الخلعة التى أرسلها إليه السلطان سليمان بن عثمان باستمراره على نيابة مصر عوضا عنه، فقام ولبسها وقبّل الأرض إلى نحو القبلة، وكانت الخلعة تماسيح مذهب على أحمر. ثم قصد الدخول من باب النصر وشقوق القاهرة، فاصطفّت له الناس على الدكاكين بسبب الفرجة، وأوقدت له الشموع على الدكاكين، وعلّقت له القناديل فى الثريات (٢)، ولم تزيّن له القاهرة فى ذلك اليوم، وكان سبب ذلك أن بلغ ملك الأمراء أن السلطان سليمان قد مات له ولد ذكر مراهق، فمنع الزينة بسبب ذلك. فلما وصل إلى قبة يشبك الدوادار لاقته الأمراء الجراكسة والعسكر من المماليك الجراكسة قاطبة، ولاقته قضاة القضاة الأربعة، وهم كمال الدين الطويل الشافعى ونور الدين على الطرابلسى الحنفى ومحيى الدين الدميرى المالكى وشهاب الدين أحمد

стр. 3327

الحنبلى الفتوحى، ولاقته الأمراء العثمانية وهم الأمير على والأمير خير الدين نائب القلعة والأمير نصوح والأمير شيخ، وغير ذلك من الأمراء العثمانية، وخرج إليه طائفة الأصبهانية وأمرائها، والكواخى من أغوات الأنكشارية، ومشت قدّامه الأنكشارية قاطبة والكمولية قاطبة وهم يرمون بالنفوط، ولاقاه أعيان الشرقية وهم الأمير أحمد بن بقر أمير طائفة جذام وأمير الرايتين وولده الجذامى، ومشايخ عربان الغربية وهم حسام الدين بن بغداد من مشايخ عربان الغربية، وشيخ العرب واصل (١) بن الأحدب أمير هوارة، وشيخ العرب إسمعيل بن أخى الجويلى (٢) وشيخ العرب خريبش، وآخرون من مشايخ عربان الشرقية والغربية، ومشت قدّامه النصارى بالشموع الموقدة، ودخل الأمير جانم الحمزاوى وعليه خلعة السلطان سليمان بن عثمان وهى مخمل مذهب. فلما دخل من باب النصر نزل القاضى بركات بن موسى عن فرسه ومشى بالعصا قدّام ملك الأمراء من باب النصر إلى أن طلع إلى القلعة، وكذلك الجمالى يوسف نقيب الجيش، ولاقته الشعراء بالدفّ والشبابة السلطانية، فلما وصل إلى المدرسة الناصرية نثر عليه الحلوانى الذى هناك شيئا من الفضة فقال له ملك الأمراء: نعمة، نعمة، كثّر الله خيرك. فلما وصل إلى باب سوق الورّاقين أطلقوا له مجامر البخور بالعود القمارى، وتركّزت (٣) له الطبول والزمور والمغانى النساء فى عدة أماكن فى القاهرة، وانطلقت له النساء بالزغاريت من الطيقان، ووقدت له الشموع على عدّة دكاكين، ولا سيما تجار الورّاقين فإنهم أوقدوا له موكبيات شمع كبار، وصار ملك الأمراء يسلّم على الناس لما يمرّ عليهم يمينا وشمالا، فارتفعت له الأصوات بالدعاء من الناس قاطبة. وكان الأمير جانم الحمزاوى قدّامه وعليه خلعة السلطان سليمان، وعن يمينه الأمير قايتباى الدوادار، وعن يساره الأمير أرزمك الناشف، وأعيان المباشرين قدّامه. ودخل صحبة الأمير جانم الحمزاوى جماعة من الأعيان ممن كان أسر من مصر

стр. 3328

وتوجّه إلى إسطنبول من أيام السلطان سليم شاه، فلما مات وولى ولده السلطان سليمان أذن للأسراء بالعود إلى مصر، فعدّ ذلك من جملة محاسنه وعدله وفعله الحسن. فحضر صحبة الأمير جانم الحمزاوى الشرفى يونس بن الأتابكى سودون العجمى، والشمسى محمد بن القاضى صلاح الدين بن الجيعان، والزينى عبد القادر بن القاضى بركات بن قريميط أحد كتّاب المماليك، والقاضى كريم الدين عبد الكريم بن إسرائيل، والقاضى كريم الدين المجولى، وسعد الدين بن جلال الدين أحد كتّاب المماليك، وأولاد المستوفى سعد الدين وأخوه بركات، وكمال الدين العايق مباشر أمير آخور كبير، وشهاب الدين أحمد بن أخى الأستادار يونس النابلسى، والحاج بدر العادلى المهتار، وآخرون ممن كان بإسطنبول ممن أسر من أهل مصر. واستمرّ ملك الأمراء فى هذا الموكب الحافل حتى دخل الميدان الذى تحت القلعة، وقد طلع من على التبانة من على مدرسة السلطان حسن، وقد شاهدت هذا الموكب بالمعاينة وكان من المواكب المشهودة الجليلة، فلما استقرّ ملك الأمراء بالقلعة أخلع على الأمير على العثمانى والأمير نصوح والأمير خير الدين نائب القلعة والأمير شيخ، وأخلع على القاضى زين الدين بركات بن موسى المحتسب قفطان مخمل، كون أنه مشى قدّامه بالعصا من باب النصر إلى القلعة، وكون أنه مدّ للأمير جانم الحمزاوى عند ملاقاته مدّات حافلة فى بلبيس وفى الخانكاه وغير ذلك من الأماكن، وألبسه الأمير جانم فى ذلك اليوم قفطانا أيضا. وفى هذه الواقعة يقول الأديب البارع الفاضل ناصر الدين محمد بن قانصوه من صادق، وأجاد بقوله حيث قال: أهلا بمن عنه التواضع راوى … شرفا ومنه الجود جودا راوى شرفا تخرّ له الرءوس لكونه … شرفا علوّ الفرقدين يساوى يا مرحبا من قادم أعنى به ال … مولى المفدّا جانم الحمزاوى من جاء مصر بخلعة عزّا حوت … والعزّ من ذى الملك فخرا حاوى شرف من إسطنبول معه بها أتى … منه لخير بك وخيرا ناوى لله ذاك اليوم وهو بها يرى … وسلامه داء القلوب يداوى

стр. 3329

فى موكب الملك العظيم وحوله … أسد سطاها الراسيات يقاوى والناس فى فرج وفى فرح به … والجوّ مثل النحل منهم داوى وصياحهم بالنصر مع عظم الدعا … وعدوّه كالكلب خزيا عاوى ولبعضهم بعضا أصابعهم غدت … تبدى الإشارة والرءوس تلاوى ذا جانم المفدّى ونائب مصر ذا … والعزّ فى ذى الخلعتين سماوى (١) لا زال فى مثليهما مرقاهما … فيه على زحل بغير تهاوى ببقاء ذى الملك الذى أضحى له … شرف على كسرى وقيصر ثاوى أعنى سليمان المقيم بعدله … أمن إليه من تروّع ياوى والمدح ممن قانصوه له أب … يبدى على كيد العدوّ مكاوى ولسان حال رخاء مصر قائل … ومقاله داء الغلاء مداوى إن فاخرت بالنيل مصر غيرها … فنواله لبلاد مصر تقاوى انتهى ذلك. - ثم أشيع أن السلطان سليمان، نصره الله تعالى، أرسل سبعة قفطانات حرير إلى مشايخ العربان الذين بالصعيد والذين (٢) بالغربية والذين بالشرقية والذين (٢) بالبحيرة، وأرسل لكل واحد منهم مرسوما شريفا على انفراده مع القفطان، فأرسل على يد الأمير جانم الحمزاوى قفطان مخمل مذهبا للسيد الشريف بركات أمير مكة المشرفة، وأرسل قفطان مخمل للأمير على بن عمر شيخ عربان الصعيد، وأرسل قفطانا لشيخ العرب واصل بن الأحدب أمير هوّارة، وأرسل قفطان مخمل إلى الأمير أحمد بن بقر أمير جذام وأمير الرايتين، وأرسل قفطان مخمل لشيخ العرب حسام الدين بن بغداد شيخ عربان الغربية، وأرسل قفطانا لشيخ العرب إسمعيل ابن أخى الجويلى (٣) شيخ عربان البحيرة، وأرسل قفطانا لشيخ العرب خريبيش شيخ عربان البحيرة، فأرسلوا إليهم مع المراسيم، وكان منهم من كان حاضرا فى القاهرة فلبس قفطانه بحضرة ملك الأمراء.

стр. 3330

ثم فى يوم الأحد رابع عشره حضر بين يدى ملك الأمراء الأمير على العثمانى وخير الدين نائب القلعة والأمير نصوح والأمير شيخ والقاضى حمزة، وغير ذلك من الكواخى، ثم أحضر الأمير جانم الحمزاوى مرسوم (١) السلطان سليمان بن عثمان، نصره الله تعالى، فقاموا إليه الأمراء العثمانية قاطبة وملك الأمراء، ولم يحضر ذلك المجلس أحد من الأمراء الجراكسة، ثم قرئ عليهم ذلك المرسوم فكانت ألفاظه باللغة التركية، فأحضروا من حلّها بالعربية، فكان من مضمونه أن السلطان سليمان نعت ملك الأمراء فى مرسومه نعتا عظيما، وفوّض له التكلّم على مصر وأعمالها، يعزل بها من يختار ويولّى بها من يختار، من الثغور والبلاد من الشرقية إلى الغربية إلى بلاد الصعيد. ومن مضمونه أنه إذا قدم عليه قاصد من العثمانية من بلاد الروم فلا ينعم عليه بأكثر من ألف دينار، فإنه (٢) بلغ السلطان (٣) سليمان أنه ينعم على القصّاد الواردة عليه من بلاد الروم بمال جزيل فمنعه من ذلك. ومن مضمونه أن ملك الأمراء ينظر فى أحوال الرعية ويصرف للجند جوامكهم فى كل شهر على العادة، وأن ينظر فى أمر المعاملة من الذهب والفضة. ومن مضمونه أنه أرسل يطلب جماعة من الأصبهانية يمضون إلى إسطنبول ويجئ إلى مصر غيرهم. وأرسل يقول (٤) الملك الأمراء ينظر فى أمر تسعير البضائع من القمح وغير ذلك، وأظهر غاية العدل فى مرسومه، وأكّد فيه فى النظر فى أحوال الرعية قاطبة. وفيه يقول الناصرى محمد ابن قانصوه: كعب سليمان كعب خير … أعنى ابن عثمان دام ملكه من كعبه مصر فى رخاء … ومن سطاه الملوك ملكه وفيه أشيع [أن] السلطان سليمان رسم للأمير جانم الحمزاوى أنه إذا دخل إلى حلب يطلع القلعة ويأخذ المال الذى كان الأشرف الغورى أودعه بها لما خرج إلى قتال السلطان سليم شاه بن عثمان، وكان نحو ستمائة ألف دينار وكسور، فرسم السلطان سليمان بحمل ذلك إلى عند ملك الأمراء خير بك، وأن تسبك وتضرب

стр. 3331

باسم السلطان سليمان بمصر وتمشى فى المعاملة للناس، والله أعلم بحقيقة ذلك إن كان له صحّه. وفى يوم الاثنين ثانى عشرينه نزل ملك الأمراء من القلعة وعدّى إلى برّ الجيزة ونزل بشبرمنت (١) على سبيل التنزّه، وكان صحبته جماعة من الأمراء العثمانية، وكان صحبته الأمير قايتباى الدوادار، وآخرون من الأمراء الجراكسة، والقاضى شرف الدين الصغير والشهابى أحمد بن الجيعان والقاضى بركات المحتسب، وآخرون من المباشرين، فلما نزل بشبرمنت (١) أقام بها إلى يوم الأربعاء رابع عشرين صفر، فرحل من شبرمنت (١) وأرسل يطلب عليقا ودقيقا وغير ذلك من دجاج وأوز، وأشيع أنه توجّه من هناك إلى نحو النجيلة يتصيّد، فتوجّه إليه الأمير جانم الحمزاوى ونقيب الجيش الجمالى يوسف والقاضى شرف الدين بن عوض ويوسف بن أبى الفرج مفتش الرزق وابن أبى أصبع، وغير ذلك من الأعيان أرباب الوظائف. وفيه توفى القاضى بدر الدين محمد بن حجاج الموقّع، وكان من الأعيان، وخدم عدة أمراء مقدمين (٢) ألوف. وفى شهر ربيع الأول كان مستهلّه يوم الأربعاء، وكان ملك الأمراء غائبا فلم تطلع القضاة إلى القلعة، ولم يهنّوا بالشهر. - فلما كان (٣) يوم الثلاثاء سابع الشهر حضر ملك الأمراء من تلك السرحة، فكانت مدة غيبته فى هذه السرحة خمسة عشر يوما، فتنزّه هناك وانشرح إلى الغاية، وتصيّد عدّة من الكراكى والغزلان، ودخل عليه جملة تقادم حافلة من مشايخ العربان الذين (٤) بالغربية، والكشّاف والمدركين وغير ذلك من مشايخ عربان الشرقية، ما بين ذهب وفضة وخيول وجمال وأغنام وأبقار وجاموس وأوز ودجاج وقدور عسل نحل وسمن، وغير ذلك أشياء فاخرة تهدى للملوك. فلما رحل من النجيلة لم يتوجّه إلى الإسكندرية ولم يدخلها فى هذه المرّة وقصد العود إلى القاهرة، فلما وصل إلى قليوب تسامعت به الناس فخرجوا إليه، فأضافه هناك شيخ العرب ابن أبى الشوارب وبات بقليوب، فلما أصبح رحل من هناك

стр. 3332

وتوجّه إلى تربة العادل التى بالريدانية، فمدّ له هناك ابن أبى أصبع مدّة حافلة فتغدّى هناك ورحل، فخرجت إليه قضاة القضاة لتلاقيه فلم يجتمعوا به، ولم يكن معه غير قاضى القضاة محيى الدين يحيى بن الدميرى المالكى فقط. ثم اصطفّت له الناس على الدكاكين لأجل الفرجة فلم يشقّ من القاهرة فى ذلك اليوم، وطلع إلى القلعة من بين الترب ولم يشعر به أحد. وفى يوم السبت حادى عشر هذا الشهر عمل ملك الأمراء المولد النبوى، فاجتمعت القرّاء والوعّاظ بالدهيشة، وأرسل يقول لقضاة القضاة: لا تكلّفوا خواطركم ولا تطلعوا إلى القلعة فإن ملك الأمراء حصل له توعّك فى جسده فلم يحضر المولد. ثم أرسل خلف قاضى القضاة المالكى على انفراده، وقال له: اطلع واحضر المولد. وكان قاضى القضاة المالكى من أخصّاء ملك الأمراء، وكان عنده من المقرّبين. ثم إن ملك الأمراء أرسل يقول للأمراء الجراكسة والأمراء العثمانية: لا تكلّفوا خواطركم ولا تطلعوا إلى القلعة بسبب المولد. وقيل إن ملك الأمراء احتجب فى ذلك اليوم فى الأشرفية التى بجوار الدهيشة، ولم يجلس عند المقرئين، ولا حضر السماط فى ذلك اليوم، بل قعد على رأس السماط قاضى القضاة المالكى والأمير برسباى والخازندار، وآخرون من الأمراء العثمانية، وانقضى ذلك اليوم. - وفيه أخلع ملك الأمراء على القاضى أبى السعود بن الشحنة، واستقرّ به أمير شكار، عوضا عن الناصرى محمد بن أحمد بن أسنبغا الطيارى بحكم صرفه عنها. وفيه تغيّر خاطر ملك الأمراء على الطواشى مسك فرسم بتوسيطه، ثم شفع فيه بعض الأمراء العثمانية فرسم بنفيه إلى المدينة الشريفة، فخرج من يومه وسافر من البحر الملح، وكان سبب ذلك أن مسك هذا لما ملك السلطان سليم شاه بن عثمان الديار المصرية، لم يقابله مسك هذا واختفى حتى رحل ابن عثمان عن مصر واستقرّ الأمير جان بردى الغزالى فى نيابة الشام وسافر إليها، فخرج مسك صحبته فى الخفية وأقام عنده بالشام، فلما جرى للغزالى ما جرى وقتل حضر مسك إلى القاهرة وقابل ملك الأمراء وصار عنده من المقرّبين، وكان مسك هذا لطيف الذات

стр. 3333

يشتمل على جملة محاسن، منها الخط الجيد والقراءة الحسنة وغير ذلك من المحاسن، فاتّفق أن الطواشى (١) الذى حضر من إسطنبول رأى حجرة عند مسك هذا فقال له: بعنى هذه الحجرة. فامتنع مسك من بيعها له، فدخل الطواشى الذى حضر من إسطنبول على ملك الأمراء، وقال له: أنت تقرّب عدوّ الخوندكار؟ قال: ومن هو؟ قال له: مسك هذا كان يكره السلطان سليم شاه، ولما دخل إلى مصر هرب وتوجّه إلى عند جان بردى الغزالى. فغيّر خاطره عليه فرسم بتوسيطه، ثم شفع فيه من التوسيط فرسم بنفيه، وكان مسك هذا من أعيان خدّام الأشرف قايتباى. وفى يوم الجمعة سابع عشره خرجت الملكة خاتون عمة السلطان سليمان، وقد تقدّم القول على أنها أتت إلى مصر لتحجّ، فلما حجّت قصدت العود إلى بلادها، وعيّن معها ملك الأمراء جماعة من الكمولية ومن الأصبهانية يحفظونها فى الطريق إذا سافرت، فأشيع بعد سفرها بأيام أن العربان خرجت عليها فى العريش ونهبت أطراف بركها من جمال وقماش وغير ذلك. ومن النوادر الغريبة ما وقع فى يوم الخميس ثالث عشرينه، وذلك قد أشيع فى القاهرة بين الناس أن الشهابى أحمد بن الجيعان قد شنق نفسه، فاضطربت القاهرة فى ذلك اليوم أشدّ الاضطراب، ولم يشكّ أحد من الناس فى ذلك، لأن المقر الشهابى أحمد بن الجيعان حصل له فى تلك الأيام غاية الشدائد والمحن، وصار ممقوتا عند ملك الأمراء وقد تقدّم القول على سبب ذلك، فلما قويت الإشاعات بذلك كان الشهابى أحمد فى القلعة، فقال له الأمير جانم الحمزاوى: قم وانزل وشقّ من القاهرة حتى تخمد هذه الإشاعة. فقام ونزل من القلعة وشقّ القاهرة، فلما رأته الناس فرحوا به وهنّوه بالسلامة، وخمدت تلك الإشاعة الباطلة التى ليس لها صحة، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة. وفى شهر ربيع الآخر كان مستهلّه يوم الجمعة، فطلع القضاة الأربعة وهنّوا ملك الأمراء بالشهر، فلما تكامل (٢) المجلس حصل فى ذلك اليوم تشاجر بين قاضى القضاة

стр. 3334

الحنفى على الطرابلسى، وبين مستنيبه محبّ الدين سبط الشيخ بدر الدين محمد ابن الدهانة الحنفى، بسبب حكم حكمه محبّ الدين سبط ابن الدهانة وقد نقضه قاضى القضاة الحنفى، فحصل بينهما فى ذلك المجلس ما لا خير فيه وأغلظ محبّ الدين على قاضى القضاة الحنفى فى القول، وقال له: حكمك ما يجوز لأنك قد ولّيت بالرشوة. وأسمعه من هذه الألفاظ المنكية أشياء كثيرة بحضرة ملك الأمراء وبحضرة قضاة القضاة ومشايخ العلم، فقال قاضى القضاة الشافعى لمحبّ الدين: حكمك الذى حكمته باطل. فقال له محبّ الدين: ما هو صحيح منك. واستمرّ المجلس بينهم يتزايد فى اللغط بين الفقهاء. بحضرة ملك الأمراء، وكان قاضى القضاة الحنفى أهوج رهاج، وعنده صعصعة وجنّ، وبادرة حدّة، مع قلّة دربة، فلما رأى ملك الأمراء أن المجلس قد انفضّ على غير طائل أصلح بين قاضى القضاة الحنفى وبين مستنيبه محبّ الدين سبط ابن الدهانة، فاصطلحا صلحا على فساد، وانفضّ ذلك المجلس، ثم إن ملك الأمراء قال لقاضى القضاة الحنفى: لا تبقى تعارض محبّ الدين فى أحكامه. فنزل محبّ الدين من القلعة وهو منتصف على قاضى القضاة الحنفى وقد بهدله فى ذلك اليوم غاية البهدلة. وفيه قدمت الأخبار من إسطنبول بأن قد وقع بها زلزلة عظيمة، فهدمت عدة دور وسقطت على أهلها، وأرمت الأعمدة التى (١) تحت الأماكن والقبب، وكانت من الأمور المهولة. وذكروا أن وقع مثل هذه الزلزلة فى أيام الخوندكار أبى يزيد جدّ الخوندكار سليمان، فجرى عقيب ذلك ما جرى له مع السلطان قايتباى، وكسر مرتين وقتل من عسكره ما لا يحصى عددها. - وفى يوم الخميس سابعه أشيع أن شخصا منجما قال إن فى يوم الجمعة يثور على الناس رياح عاصفة وتقع زلزلة عظيمة حتى تسقط منها الدور، وتقبض الناس وهم فى صلاة الجمعة، فانتشرت هذه الإشاعة فى القاهرة، وانطلقت ألسن الناس بذلك قاطبة، فاضطربت القاهرة لهذه الإشاعة، وصار الناس يودّع بعضهم بعضا، وباتوا تلك الليلة على وجل، فلما

стр. 3335

أصبحوا وجاء وقت صلاة الجمعة ودخلت الناس إلى الجوامع فصلّوا وعلى رءوسهم طيرة، فلما قضيت الصلاة وخرجوا الناس من الجوامع صار لهم ضجيج وهم يهنّون بعضهم بعضا بالسلامة ويصافحون بعضهم، وخمدت تلك الإشاعة التى لا أصل لها. وقد اتّفق مثل هذه الواقعة فى أوائل سلطنة الملك الأشرف قايتباى، وأشيع مثل ذلك أن الناس إذا صلّوا صلاة الجمعة يقبضون وهم فى الصلاة، فلما أن دخلت الناس إلى الجوامع صار على رءوسهم طيرة، فاتّفق أن خطيبا كان فى الجامع الذى عند ميدان القمح، وكان يعتريه خلط مصرع (١)، فلما صعد المنبر عرض له ذلك الخلط المصرع وهو على المنبر، فاضطرب وسقط من على المنبر، فلما عاينت الناس ذلك قاموا وهربوا من الجامع ولم يصلّوا وظنّوا أن الذى أشيع حقّا، فعدّ ذلك من النوادر. وأهل مصر ليس لهم عقول (٢) يصدّقون بالمحالات الباطلة التى (٣) ليس لها صحّة. وفى يوم الاثنين ثانى عشره نزل ملك الأمراء من القلعة وتوجّه إلى بولاق، وكشف على المراكب الأغربة التى عمّرها هناك، فسيّروا قدّامه فى البحر ذهابا وإيابا وهو ينظر إليها والنفوط عمّالة، ثم عاد إلى القلعة. - وفى يوم السبت سادس عشره فيه سقطت القبّة العظيمة التى كانت على الإيوان، سقطت باكر النهار وهذه القبّة من إنشاء الملك الناصر محمد بن قلاون الملك المنصور، فلما سقطت تفاءل الناس بزوال ملك الأمراء عن قريب. وهذه القبّة لها نحو مائتى سنة من حين عمّرت، وكانت من خشب وفوقها رصاص، وكانت مغلّفة بقيشانى أخضر، ولم يعمّر فى مصر أكبر منها قط، وكانت من نوادر الزمان. وفى يوم الاثنين ثامن عشره توجّه الأمير شيخ العثمانى إلى إسطنبول، وأرسل ملك الأمراء صحبته تقدمة حافلة إلى السلطان سليمان بن عثمان، وأرسل ملك الأمراء يشاور السلطان على أمور كثيرة فى أحوال المملكة وينتظر الجواب عن ذلك. وأشيع أن السلطان أرسل يطلب من ملك الأمراء نخيل بلح ليزرعها فى إسطنبول، وشرع ملك الأمراء فى تجهيز ذلك، فقيل إنه أرسل إليه خمسمائة نخلة من البلح الحيّانى،

стр. 3336

وهى نخيل صغار تطرح بلحا أحمر فى غاية الحلاوة، فأرسل تلك النخيل فى صناديق خشب وهى فى طينها، فأرسلها فى مراكب إلى البحر الملح وتتوجّه من هناك إلى إسطنبول، وأرسل صحبتها خوله تزرعها هناك. - وفيه جهّز ملك الأمراء الأغربة وبها مقاتلون من المغاربة وغيرها، وقد بلغه أن جماعة من الفرنج تتعبث فى السواحل وتشوّش على المسافرين فى البحر. وفيه سافر بعض التجّار من الأروام فى البحر وقصد يطلع من الإسكندرية ويتوجّه من هناك إلى إسطنبول، فأوسق معه عدّة مراكب فيها بضائع وأصناف كثيرة وقماش وغير ذلك، بنحو مائة ألف دينار، وكان فى ذلك المركب رجال ونساء وصغار وتجّار من الأروام وعبيد وجوار، فلما سافروا من ساحل بولاق وأقلعوا كان فى ذلك اليوم أرياح عاصفة، فلما وصلت المركب إلى شبرا دارت فى البحر وغرقت هناك بكل ما فيها من الخلائق والبضائع والأصناف، وكان فيها تجار مغاربة وبحّارة، وكانوا قبل سفرهم صاروا يشوّشون (١) على الناس ويمسكونهم (٢) من الطرقات غصبا بسبب المراكب، فكان كل من مسكوه من الناس يضعونه (٣) [فى] الحديد وينزلونه (٤) فى المركب، فحصل لأهل مصر فى هذه الحركة غاية الضرر، فكثر عليهم الدعاء من الناس بظلمهم، فلما سافرت المراكب غرق أكبرها فى يومه لما حلّت من بولاق وذلك بدعاء الناس عليهم. وفيه وقعت نادرة غريبة وهو أن المعلّم إبراهيم اليهودى معلّم دار الضرب كان له جاريتان إحداهما حبشية والأخرى سوداء، فوطئ الجارية الحبشية فحملت منه ووضعت بنتا، فعاشت تلك الابنة سبعة أشهر، ثم إن الجارية الحبشية أظهرت أنها تدخل إلى الحمّام، فلما وصلت إلى الحمّام هربت وتوجّهت إلى بيت قاضى القضاة محيى الدين يحيى الدميرى المالكى وأخذت ابنتها معها، فلما وقفت لقاضى القضاة، قالت له: يا سيدى القاضى أنا مسلمة. وابتدت الشهادتين بين يديه، ثم قالت له:

стр. 3337

أنا سيدى المعلّم إبراهيم اليهودى معلّم دار الضرب، وقد وطأنى وحملت منه بهذه البنت، وأنا صرت مسلمة ما بقيت أقعد عنده. فحكم قاضى القضاة المالكى بإسلامها فى الحال، وأرسل خلف إبراهيم اليهودى معلّم دار الضرب بسبب ابنته فإنها صارت مسلمة تابعة لأمّها، فحكم قاضى القضاة بإسلام البنت أيضا وأمّها. فقيل إن إبراهيم اليهودى دفع فى الباطن لقاضى القضاة المالكى خمسمائة دينار على أن يجعل البنت تابعة لأبيها، فأبى من ذلك واستمرّ مصمّما على حكمه. فطلع إبراهيم اليهودى إلى ملك الأمراء وكتب قصّة بشرح الحال، ووقف إلى ملك الأمراء، فقال له ملك الأمراء: إذا كان قاضى القضاة حكم بإسلام البنت وصارت مسلمة أعيدها إلى دين اليهود؟ فلم يطلع من المعلّم إبراهيم اليهودى فى هذه الواقعة شئ، ونزل من القلعة وهو مخزى، وعتقت الجارية وابنتها على رغم أنفه. وفيه قدمت الأخبار من الغربية بأن عربان عزالة قد نزلوا على البساط بالقرب من تروجة، وصاروا ينهبون الجرون ويرعون الزروع فحاربهم شيخ العرب إسمعيل بن أخى الجويلى وكسرهم واحتوى على جمالهم وأغنامهم وخيولهم وغير ذلك، ولم يترك لهم شيئا وهربوا ومضوا [من] حيث جاءوا، ثم إن إسمعيل أرسل تلك الغنيمة إلى ملك الأمراء فشكره على ذلك. وفى شهر جمادى الأولى كان مستهلّه يوم السبت، فطلع القضاة وهنّوا ملك الأمراء بالشهر، وعادوا إلى دورهم. - وفى ذلك اليوم أخلع ملك الأمراء على الأمير جانم السيفى دولات باى الأتابكى كاشف الفيوم، وقرّره أمير ركب المحمل على عادته، وهذه ثالث مرّة يسافر أمير الحاج فى دولة ملك الأمراء خاير بك. وفى ذلك اليوم نادى ملك الأمراء فى القاهرة بأن الدينار الذهب السليم شاهى يصرف بأربعين نصفا من الفضة العتيقة، والدينار السليمانى يصرف من الفضة العتيقة بخمسة وستين نصفا حسابا، على أن كل نصف فضة من الفضة الجديدة يقف بنصفين وربع، عبارة أن الدينار السليمانى يقف فى البيع والشرى بخمسة وعشرين نصفا. فلما نودى فى القاهرة بذلك اضطربت أحوال الناس فى تلك

стр. 3338

المعاملة (١) وصارت البضائع تباع بسعرين، سعر بالفضة الجديدة وسعر بالفضة العتيقة، فضجّ الناس من ذلك، وغلقت الأسواق والدكاكين، وبطل البيع والشرى، ووقف حال التجّار والمتسبّبين، وصار النصف من الفضة العتيقة يصرف بستة دراهم فلوس جدد، والنصف الفضة من الفضة الجديدة يصرف بنصفين وربع، وقد لعب إبراهيم اليهودى معلّم دار الضرب فى أموال المسلمين من ذهب وفضة وفلوس جدد، وتحكّم فى أخذ ما بيد الناس من الأموال بغير حقّ والأمر إلى الله تعالى. وفى يوم الأربعاء خامس الشهر اجتمع الجمّ الغفير من السوقة والمتسبّبين، وجماعة من القزّازين من منية أبى عبد الله، وجماعة من المكّاسة وغير ذلك، وحملوا على رءوسهم مصاحف وربعات وأعلاما وطلعوا إلى القلعة، وزعموا أن محيى الدين ابن أبى أصبع قد ظلمهم بسبب مكس الأطرون، وأخذ منهم على حكم المعاملة الجديدة كل نصف فضة بنصفين وربع، وقد ظلمهم وصار يقيم لهم النصف الفضة من الفضة العتيقة بستة نقرة، فلما طلعوا إلى القلعة لم يجتمعوا بملك الأمراء واحتجب عنهم، وأرسل إليهم الأمير جانم الحمزاوى والقاضى شرف الدين الصغير كاتب المماليك، فقال لهم: ملك الأمراء يقل لكم هذا أمر سلطانى فى أمر المعاملة، وليس بيده شئ فى أمر المعاملة، اصبروا إلى أول شهر رجب ينظر فى أمر المعاملة. فكابروا ووقفوا وأشلوا وتحسّبوا، فخرج إليهم جماعة من الأنكشارية فضربوهم بالعصىّ على وجوههم فشتّتوهم، فنزلوا فى أسوأ حال وهم فى غاية الذلّ. - وفيه نزل ملك الأمراء وتوجّه إلى بركة الحبش على سبيل التنزّه، فجهّز إليه القاضى المحتسب هناك مدّة حافلة وأقام إلى أواخر النهار، ثم عاد إلى القلعة من يومه. وفيه نودى فى القاهرة بأن السنج والأرطال القديمة التى كانت تتعامل بهما الناس من قديم الزمان تبطل جميعها من القاهرة، وأخرجوا لهم سنج نحاس وأرطالا تسمى العثمانية، وهى عبارة عن تسعة دراهم، فتنقص كل مائة درهم أربعة دراهم فى سائر الأوزان قاطبة فى البضائع والأصناف، حتى فى المسك والعود والعنبر وغير ذلك،

стр. 3339

فتصير كل مائة درهم ستة وتسعين درهما، وعملوا مثل ذلك فى القبّان أيضا فتنقص كل مائة رطل أربعة أرطال ونصف، وحجّروا على الناس فى استعمال تلك السنج والأرطال، وأوعدوا السوقة كل من خالف فى ذلك يشنق من غير معاودة. وقد تقدّم القول على أنهم أبطلوا الذراع الهاشمى، وأخرجوا للناس ذراعا عثمانيا يزيد على الذراع الهاشمى خمسة قراريط ونصف قيراط، وكتبوا على التجّار قسائم أن لا يستعملوا إلا الذراع العثمانى فقط، فشقّ ذلك على الناس قاطبة. وفى يوم السبت ثامن الشهر رسم ملك الأمراء بشنق أربعة أنفار، منهم يهودى ونصرانى، وقد ظهر عليهما أمر شئ من الزغل فى الذهب والفضة، وقد نمّ النصرانى على اليهودى، فكبسوا بيت اليهودى فوجدوا عنده آلة الزغل فى بيته. وشخص آخر مقدّم درك الأزبكية، وقد أشيع أن قتل فى دركه بالأزبكية شخص من الأنكشارية. وشخص آخر قيل هو ابن أنس التى كانت فى الأزبكية وغرّقوها قبل تاريخه. فخوزقوا الأربعة فى يوم واحد، فأما اليهودى فخوزقوه عند باب الصاغة، والنصرانى خوزقوه بالقرب من المارستان؛ وأشيع عنه أنه لما خوزقوه أسلم وتلفظ بالشهادتين فلم يلتفتوا إلى إسلامه وخوزقوه، فأقام يوما وليلة وهو فى قيد الحياة يتكلّم حتى مات بعد ذلك، وأما مقدّم درك الأزبكية خوزقوه فى الأزبكية عند الدكة بالقرب من بركة قرموط، عند المكان الذى قتل فيه الأنكشارى، وأما ابن أنس المعرّصة خوزقوه فى الأزبكية، وقيل إنه كان له جرّة فى قتل الأنكشارى الذى قتل فى الأزبكية. ومن الحوادث الشنيعة فى ذلك اليوم أن جماعة من الأنكشارية مرّوا بذلك النصرانى الذى خوزقوه فوجدوه يتلفّظ بالشهادتين، فطلب شربة ماء من الأنكشارية الذين (١) حوله، وكان أربعة مماليك من مماليك الأمير قايتباى الدوادار واقفين مع الأنكشارية، فرقّوا لذلك النصرانى وأنزلوه إلى الأرض وقلعوا الخازوق من بطنه وسقوه شربة ماء وأرقدوه على الأرض. فحصل بين الأنكشارية وبين مماليك الأمير

стр. 3340

الدوادار تشاجر بسبب ذلك النصرانى، فاتّسع الشرّ بينهم، فسحب بعض مماليك الأمير الدوادار خنجرا وهاش به على الأنكشارية، فجرح شخصا منهم فسال دمه وانقطعت جوخته، فتكاثرت الأنكشارية على مماليك الأمير الدوادار فهربوا منهم وتوجّهوا إلى بيت الدوادار الذى بين القصرين، فتبعوهم الأنكشارية وهجموا على بيت الدوادار، فأغلق البواب فى وجههم الباب، فحنقوا منه وقصدوا أن يحرقوا الباب، وصارت فتنة عظيمة، كما يقال: ومعظم النار من مستصغر الشرر. فلما بلغ الوالى ذلك أرسل دواداره أعاد النصرانى إلى الخازوق ثانيا وفيه الروح، فلما طلع النهار بلغ ملك الأمراء أخبار هذه الواقعة، فتغيّر خاطره على الأمير قايتباى الدوادار بسبب مماليكه، فأرسل يطلب من الدوادار مماليكه الذين (١) فعلوا هذه الفعلة، فطلع إليه الأمير جانى بك أخو الدوادار، فلما رآه ملك الأمراء طفش فيه بالكلام، وقال له: إن لم تحضر هذه المماليك الذين (١) أثاروا هذه الفتنة ما يحصل عليك خير. فنزل من عنده وهو فى غاية النكد، ثم إن ملك الأمراء نادى فى القاهرة: كل من أخفى عنده مملوكا من مماليك الدوادار شنق على باب داره من غير معاودة، والذى يحضر مملوكا منهم فله مائة دينار وقفطان مخمل. فلما كان يوم الاثنين عاشر الشهر نزل ملك الأمراء إلى الميدان وأحضروا بين يديه مملوكين من مماليك الأمير قايتباى الدوادار ممن فعل تلك (٢) الفعلة، وقد قبض عليهما الوالى، فرسم بتوسيطهما فوسّطا على باب الميدان، ووسّط معهما بوّاب (٣) الدوادار أيضا كون أنه أغلق فى وجه الأنكشارية الباب فراح البوّاب ظلما، وكان الأمير قايتباى حاضرا فمقته ملك الأمراء غاية المقت، فلما رسم ملك الأمراء بتوسيط البوّاب قام الأمير خير الدين نائب القلعة والأمير نصوح العثمانى وشفعا فى بوّاب الدوادار، فإنه له أولاد وأب شيخ كبير، فلم يلتفت إلى شفاعتهما، فقاما وقبّلا يدى ملك الأمراء ثلاث (٤) مرار وهو لا يزداد إلا قسوة، فحصل للأمير قايتباى فى هذه

стр. 3341

الحركة غاية البهدلة، وانخفضت كلمته عند الناس قاطبة. وقيل إن الأمير قايتباى دفع للأنكشارى الذى قالوا إنه قد جرح مائة دينار، وأعطاه جوخة كانت عليه، وحنينى حرير بفرو سنجاب فى نظير جوخته التى شرطت، وأعطاه خنجرا عوضا عن خنجره الذى زعم أنه سقط منه، وأرضاه بكلّ ما يمكن، وهذه من أبشع الحوادث وأشنعها. ومن هنا نرجع إلى أخبار ذلك النصرانى الذى أسلم لما خوزقوه، فإنه استمرّ يتلفّظ بالشهادتين حتى مات، فشاوروا عليه قاضى القضاة الشافعى كمال الدين، فرسم بأن يغسّلوه ويكفّنوه ويصلّوا عليه ويدفنوه فى مقابر المسلمين، ففعلوا به ذلك، وصار جماعة من العوام يذكرون قدّام نعشه حتى دفنوه، وصلّوا عليه فى جامع الحاكم. وفى يوم الخميس ثالث عشره سافر القاصد الذى كان حضر وبشّر بأن الأمير لطف قد تزوّج بابنة السلطان سليم شاه، وهى [أخت] السلطان سليمان، فأنعم عليه ملك الأمراء بمال له صورة، وكذلك سائر الأمراء العثمانية وأرباب الدولة، فدخل عليه فوق العشرة آلاف دينار، ودخل عليه مثل ذلك بالشام وحلب وسائر النواب. وفى يوم الجمعة رابع عشره أشيع قتل شيخ العرب الأمير أحمد بن قاسم بن بقر، ويعرف بأبى الشوارب، وكان توجّه إلى الأمير جان بردى الغزالى نائب الشام، فلما قتل الغزالى طلب من ملك الأمراء الأمان على نفسه فأرسل إليه بالأمان، فحضر إلى القاهرة وقابل ملك الأمراء، فأخلع عليه وصار عنده من المقرّبين، فأقام مدّة على ذلك ثم بدا لملك الأمراء قتله، فأرسل إلى جانى بك كاشف الشرقية بأن يقطع رأسه، فتوجّه إليه جانى بك وهو فى منية أبى الحارث بالدقهلية، فهجم عليه وقطع رأسه، وقتل معه شخص آخر من مشايخ عربان العايد، فلما قتل الأمير أحمد ابن قاسم نهبت داره وسبيت نساؤه وأولاده، ولم يعلم ما سبب ذلك. ثم إن جانى بك الكاشف أرسل رأس الأمير أحمد بن قاسم ورأس شيخ العايد، فرسم ملك الأمراء بدفن الرءوس، وقد أخذ ملك الأمراء بثأره من أحمد بن قاسم، وكان فى قلبه منه من حين توجّه إلى عند الغزالى نائب الشام، فكان كما يقال:

стр. 3342

قالت ترقّب عيون الحىّ إن لها … عينا عليك إذا ما نمت لم تنم وفيه توفى الأمير فارس السيفى تمراز الشمسى الأتابكى الذى كان كاشف البحيرة، وكان لا بأس به. - وفى يوم الاثنين سابع عشره قبض ملك الأمراء على المقر الشهابى أحمد بن الجيعان وسجنه بالعرقانة، وكان ملك الأمراء متحمّلا عليه فى الباطن غاية التحميل، وهذه أول كاينة وقعت له مع ملك الأمراء، وأمره إلى الله تعالى، فأقام أياما وهو فى الترسيم، ثم إن ملك الأمراء أفرج عنه بعد ما أورد مالا له صورة من التقسيط الذى كان عليه، وقد نفذ منه جميع ما معه من المال، ولم يبق (١) على ملكه لا رزقة ولا إقطاع ولا بيت ولا دكاكين، وابتاع سائر قاعاته التى على بركة الرطلى جميعها، فاشتراها الأمير قاسم الشروانى الذى كان نائب جدّة بأبخس الأثمان، وجرى عليه شدائد ومحن دون أقاربه الذين (٢) مضوا وما قاسى خيرا فى هذه الدولة، وسيأتى الكلام على ذلك فى موضعه. وفى يوم الاثنين كان عيد الفصح (٣) عند النصارى، وهو أول يوم من الخماسين، وهو أكبر أعياد النصارى، فحكى عن الشيخ يونس النصرانى مباشر ملك الأمراء أنه صنع فى هذا العيد خمسين بطّة من الدقيق برسم الكعك والشختنانك والقربان، واثنى عشر قنطار سيرج، وعشرة قناطير سكر، وعشرين ألف بيضة برسم صباغ البيض التى تفرق على الناس، ودخل عليه تقادم من الأعيان أشياء كثيرة من أغنام وأوز ودجاج وغير ذلك، [وقدّم إليه نحو ألفين (٤) وردة] (٥). وفيه وقعت نادرة غربية، وهو أن شخصا يقال له محمد بن الشاطر حسن المصارع خرج من بيته بعد العصر وركب على حماره وأتى إلى بركة الرطلى بسبب الفرجة، فنزل من على حماره وجلس على مصطبة تحت بيت فى الجسر ليتفرّج، فاضطرب ساعة يسيرة ثم طلعت روحه فى الحال، وصار ملقى على الطريق، فمضوا الناس إلى

стр. 3343

ولده وزوجته وأخبروهما بموته، فأحضروا له نعشا وحملوه فيه بعد المغرب ومضوا به إلى بيته، وكان ذلك الرجل يبيع (١) الورق، وكان لا بأس به، فنعوذ بالله من موت الفجأة على حين غفلة. وفى يوم السبت ثانى عشرينه قدم أمير من أمراء السلطان سليمان، وقد حضر من البحر وطلع من ثغر الإسكندرية، فلما بلغ ملك الأمراء قدومه رسم للأمير جانم الحمزاوى والأمير قايتباى الدوادار بأن يخرجا إلى ملاقاته، فخرجا إلى وردان ولاقوه من هناك، ومدّوا له هناك مدّة حافلة، وصارت الكشّاف ومشايخ العربان تمدّ له المدّات بطول الطريق، فلما وصل إلى بولاق نزل إليه ملك الأمراء ولاقاه من هناك. فلما كان يوم الأربعاء سادس عشرينه دخل الأمير سنان بك الذى أرسله سليمان ابن عثمان إلى مصر ليقيم بها عوضا عن الأمير نصوح، ويسافر الأمير نصوح إلى إسطنبول، وقيل إن هذا الأمير سنان كان عند السلطان سليم شاه بن عثمان من المقربين، وكان عنده بوّابا لما دخل إلى مصر، وكان موكلا بحفظه ليلا ونهارا، فلما رجع السلطان سليم شاه إلى إسطنبول جعله نائبا على بلد يقال لها أنطالية، فلما تسلطن ولده سليمان أرسله إلى مصر ليكون أمينا على ملك الأمراء، فلما توجّه إليه ملك الأمراء ولاقاه أركبه فرسا بسرج ذهب وعرقية زركش، وألبسه قفطانا مذهبا، فركب من بولاق وملك الأمراء صحبته، فتوجّهوا به من باب البحر وعلى رأسه صنجق حرير أحمر، وخلفه طبلان وزمران، وكان معه نحو مائة مملوك مشترواته، فلما دخل من باب البحر استمرّ فى ذلك الموكب حتى شقّ من القاهرة، وكان ذلك اليوم مشهودا، فأنزلوه فى بيت الأتابكى قرقماس الذى عند حوض العظام ومدّوا له هناك مدّة حافلة. ثم أشيع لما دخل الأمير سنان أن السلطان سليمان جهّز خمسمائة مركب وأشحنها بالسلاح والمقاتلين، وخرج بنفسه إلى قتال أهل رودس من الفرنج، وقد جمع من

стр. 3344

العساكر ما لا يحصى عددها وهو قاصد للتوجّه إليهم. وقيل إن الأمير سنان لما مرّ على ضياع الشرقية التى على شاطئ البحر وقف إليه الجمّ الغفير من الفلاّحين واستغاثوا إليه: الله ينصر السلطان سليمان بن عثمان، قد خربنا من الظلم، العمّال يأخذوا منا النصف من الفضة الجديدة بنصفين وربع، وعند الحساب يقيمونه علينا بنصف فضة، ما يحلّ من الله تعالى. فأوعدهم بالنظر فى أحوالهم، فلم يظهر لقوله نتيجة فيما بعد، واستمرّ كل شئ على حاله. وفى يوم الخميس سابع عشرينه فيه طلعت تقدمة الأمير سنان إلى ملك الأمراء، فكان من جملتها أربعة مماليك صغار مرد جراكسة، وحمالين (١) فضيات ما بين شربات وطاسات وغير ذلك، وحمالين شقق برصاوى مذهب، وأثواب مخمل ملون، وحمالين (١) عليها فرو صمور ووشق وسنجاب، وحمالين (١) عليها أقواس وغير ذلك. - وفى يوم الأحد سلخ الشهر طلع الأمير سنان إلى القلعة وحضر الأمراء العثمانية، ثم إن الأمير سنان أحضر مرسوم السلطان سليمان الذى حضر على يده، فلما قرئ عليهم كان من مضمونه الوصية بالرعية، والنظر فى أحوال الناس فى أمر المعاملة، وأرسل يقول لملك الأمراء إنه لا يمكّن الأنكشارية من النزول إلى المدينة، وأن أحدا من الناس لا يشتكى بهم، وأن ملك الأمراء لا يصرف لهم فى كل يوم أكثر من درهمين فضة كما كانوا فى إسطنبول، وأرسل يقول له عن أشياء كثيرة تتعلّق بأحوال المملكة. وفى جمادى الآخرة كان مستهلّه يوم الأحد، فطلع القضاة الأربعة وهنّوا ملك الأمراء بالشهر، ثم عادوا إلى دورهم، وقيل لما طلع القضاة للتهنئة بالشهر، نزل ملك الأمراء يزور الإمام الشافعى والإمام الليث بن سعد ﵄، فأبطأ عليهم حتى أضحى النهار وهم جلوس بجامع القلعة، فلما عاد جلس بالدهيشة وأرسل خلفهم، فهنّوا بالشهر ونزلوا. - ففى ذلك اليوم حضر الشريف البردينى من إسطنبول وعلى يده مراسيم من عند السلطان سليمان متوجّة بعلامته، بأنه استقرّ به ناظر الخانقة

стр. 3345

الشيخونية وشيخها، وكذلك مشيخة مدرسة الأمير قانى باى الجركسى التى فى الرملة، والنظر على جهات السادة الأشراف قاطبة، فلم يلتفت إلى ما فى مراسيمه وعزّ ذلك عليه، فإنه أخذ عدة أنظار غير ذلك ونزع أيدى المتحدثين عليها. ومما وقع فى ذلك اليوم أن شخصا وقف إلى ملك الأمراء بقصّة واشتكى فيها المقر الشهابى أحمد بن الجيعان شكوى (١) بالغة، وكان ملك الأمراء متغيّظا عليه، فلما شكاه ذلك الرجل قبض عليه ملك الأمراء وسجنه فى مخزن عند بواب الحوش، ورسم أن لا يدخل عليه أحد من جماعته ولا يفرش تحته شئ ولا حصير، ثم قبض على دواداره محمد وضربه بين يديه وسجنه بالعرقانة داخل الحوش، وقرّر عليه ألف دينار يوردها على الجامكية. وفى يوم الخميس خامسه دخل العسكر الذين (٢) أرسلهم السلطان سليمان إلى مصر يقيمون بها، والذين كانوا بها يتوجهون إلى إسطنبول، فلما وصل العسكر إلى الريدانية نزل ملك الأمراء إلى تربة العادل ولاقى العسكر الذى حضر من إسطنبول، وكان باشهم شخصا يسمى الأمير خضر، وكان ذلك العسكر كله من الأصبهانية قيل إنهم فوق الألف (٣) إنسان وزيادة، فدخل ملك الأمراء من باب النصر وشقّ من القاهرة فى موكب حافل. فلما دخلت الأصبهانية إلى القاهرة طفشوا فى المدينة بسبب البيوت التى (٤) ينزلون بها فصاروا يشوّشون (٥) على الناس ويخرجونهم (٦) من بيوتهم غصبا بالضرب ويسكنون بها. ثم أشيع أن حضر صحبة العسكر شخص من العثمانية، يزعم أنه قاض من قضاة ابن عثمان، وعلى يده مراسيم من عند السلطان سليمان بأن يستقرّ فى وظيفة يقال له: القسّام، وموضوع هذه الوظيفة أن يكون متحدثا على جميع الترك قاطبة، الأهلية وغير الأهلية، ولا يعارضه أحد من الناس فى ذلك، وأن يأخذ ما يتحصّل من كل تركة العشر لبيت المال، أهلية كانت أو غير أهلية، فحصل للناس بسبب ذلك الضرر

стр. 3346

الشامل. وغير ذلك أن فى مراسيمه أن أحدا من المماليك الجراكسة وأولاد الأتراك قاطبة وأرباب الدولة والأصبهانية والأنكشارية، لا يعقدوا عقد نكاح على بكر وثيّب قاطبة إلا عند ذلك القسّام، ويأخذ على عقد البكر ستين نصفا والثيّب ثلاثين نصفا، فأخذ مراسيم قضاة القضاة بذلك. فاضطربت (١) أحوال الناس لذلك، ولم يتعصّب أحد من القضاة للمسلمين بمنع ذلك، وقد خافوا على مناصبهم من العزل، وتغافلوا حتى ضعفت شوكة الإسلام فى أيامهم، واستطالت قضاة الروم عليهم، وقد ترادفت الحوادث المنكرة والبدع الشنيعة المخالفة للشريعة فى هذه الأيام، وسيأتى الكلام على ذلك فى موضعه. فصار يوسف بن أبى الفرج مفتش الرزق والإقطاعات، وفخر الدين بن عوض مفتش الرزق الأحباسية التى بالصعيد، والأمير على العثمانى مفتش الأوقاف قاطبة، والقاضى الذى حضر قسّام الترك، وملك الأمراء يعينهم على ذلك الظلم، فأين المهرب؟ كما يقال فى المعنى: رعاة الشاة تحمى الذئب عنها … فكيف إذا الرعاة هى الذئاب وفى يوم الأحد خامس عشره خرج الأمير على العثمانى باش طائفة الأصبهانية وتوجّه إلى خيامه بالريدانية. - ثم فى يوم الخميس تاسع عشره خرج الأمير نصوح العثمانى وصحبته من كان تأخّر من الأصبهانية، فلما سافروا سكن الأمير سنان فى بيت الأمير أزدمر الدوادار عوضا عن الأمير نصوح، وسكن الأمير خضر فى بيت طراباى عوضا عن الأمير على الذى توجّه إلى إسطنبول. - وفى يوم الجمعة حادى عشرينه حضر القاضى بركات بن موسى المحتسب، وكان مسافرا نحو المنزلة، فأقام بها مدّة ثم رجع، فلما طلع إلى القلعة وقابل ملك الأمراء أخلع عليه، فنزل من القلعة فى موكب حافل. ففى ذلك اليوم أشهر المناداة فى القاهرة بأن الفلوس الجدد كل فلسين بدرهم، وكانوا قبل ذلك كل [أربعة] (٢) فلوس بدرهم، فحصل للسوقة غاية الضرر بسبب ذلك. ثم إن القاضى المحتسب ضمن الشهابى أحمد ابن الجيعان وأفرج عنه من الترسيم ونزل إلى

стр. 3347

داره، وكان له مدّة وهو فى الترسيم كما تقدّم. - وفيه عزم الأمير سنان على ملك الأمراء فنزل إليه، فمدّ له مدّة حافلة، وحضر أيضا الأمير خضر، فأقام ملك الأمراء عنده إلى قريب الظهر وركب من عنده وطلع القلعة. - وفيه رسم ملك الأمراء بشنق ثلاثة أنفس، وكان ذنبهم أنهم سرقوا شيئا يسيرا من الخيار الشنبر، فشنقوا بسبب ذلك وراحو ظلما. وفى يوم الاثنين ثالث عشرينه نفق ملك الأمراء على العسكر جامكية ثلاثة أشهر، وأخّر لهم ثلاثة أشهر، وكان لهم ستة أشهر منكسرة لم تصرف. - وفى ذلك اليوم قطع ملك الأمراء جوامك جماعة كثيرة من المماليك الجراكسة وأولاد الناس، وأصرف لهم بحكم النصف، فجعل لكل واحد منهم ألف درهم ويصير طرخانا، فشقّ ذلك على المماليك، وكان فيهم من كان كفوا للأسفار والتجاريد، وفيهم من هو شاب بطل، وكذلك أولاد الناس. وفى أواخر هذا الشهر حضر ألاق من إسطنبول من البحر الملح إلى الإسكندرية ثم قدم إلى مصر، وطلع إلى ملك الأمراء وعلى يده مرسوم من عند السلطان سليمان ابن عثمان، فكان من مضمونه أن الواصل إلى الديار المصرية قاضى العسكر الذى يسمى سيدى جلبى، وهو أعظم قضاة السلطان سليمان وأكبرهم، وأن السلطان سليمان رسم بإبطال القضاة الأربعة الذين (١) بمصر، ويصير قاضى العسكر الواصل يتصرّف فى الأحكام الشرعية عن المذاهب الأربعة، وأن سائر النوّاب الذين (١) بمصر والشهود تبطل قاطبة، ويقتصر الأمر على أربعة نوّاب، من كل مذهب نائب لا غير، وكل نائب يقتصر على اثنين من الشهود لا غير، وأن النواب الأربعة يكونون (٢) فى المدرسة الصالحية دائما، وأن لا يعقد عقدا ولا يوقف وقفا ولا تكتب وصية ولا عتق ولا تكتب إجارة ولا حجة ولا غير ذلك من الأمور الشرعية حتى تعرض على قاضى العسكر بالمدرسة الصالحية دائما. فلما وقف ملك الأمراء على مرسوم السلطان سليمان، أرسل يقول للقضاة الأربعة: اصرفوا الرسل من أبوابكم والنواب قاطبة والوكلاء،

стр. 3348

ولا تتحدّثوا فى الأحكام الشرعية قاطبة، حسبما رسم السلطان سليمان. فامتثلوا ذلك وأصرفوا من كان على أبوابهم من الرسل والنواب والوكلاء ولزموا بيوتهم إلى أن يحضر قاضى العسكر، فاضطربت أحوال القضاة والشهود قاطبة، وضاق الأمر على الناس أجمعين. وفى يوم الجمعة سابع عشرينه وقعت حادثة مهولة، وهو أن ملك الأمراء أرسل خلف الشهابى أحمد بن الجيعان شاويشا، فلما حضر بين يديه بطحه على الأرض وضربه ضربا مبرحا، حتى قيل تبدّل عليه خمسة وعشرون نوبة يضربون بالعصىّ. ثم إنه طلب القاضى شرف الدين الصغيّر كاتب المماليك وكان مريضا ملازم الفراش وعينيه موجوعة، فلما أرسل خلفه اعتذر بأنه قد شرب دواء وهو مريض، فحنق منه ملك الأمراء وأرسل إليه أربعة شاويشية فحملوه من فراشه وأركبوه غصبا، فلما طلع إلى القلعة ووقف بين يدى ملك الأمراء بطحه على الأرض وضربه ضربا مبرحا، حتى قيل تبدّل عليه خمسة وعشرون نوبة يضربون بالعصى، فصار ملك الأمراء يقول للمماليك الجراكسة الذين (١) يضربونه: ويلكم اضربوه قوى، هذا عدوّكم الأكبر. فضربوه حتى كاد أن يموت ويهلك. ثم طلب القاضى شرف الدين ابن عوض، فلما حضر بطحه على الأرض وضربه ضربا مبرحا دون ضرب الشهابى أحمد بن الجيعان. ثم طلب محيى الدين بن أبى أصبع وهمّ بضربه، فشهد له الأمير برسباى الخازندار أنه مغلق ما عليه من التقسيط، فأقامه ولم يضربه فى ذلك اليوم. ثم رسم ملك الأمراء بسجن الجميع فى العرقانة فسجنوا فيها، وقد خرب بيت أولاد الجيعان عن آخره، وقد اشتدّ غضب ملك الأمراء على المباشرين فى ذلك اليوم، وكان يوما مشوما عليهم قاطبة، وقيل لم يسجن بالعرقانة سوى القاضى شرف الدين الصغير، وسجن الشهابى أحمد بن الجيعان وابن عوض عند بواب الحوش إلى أن يكون من أمرهما ما يكون. أقول: إن أولاد الجيعان قد خدموا سبعة عشر سلطانا، وباشروا ديوان الجيش

стр. 3349

وكتابة الخزانة من أوائل دولة الأشرف برسباى، وكان أول اشتهارهم وظهورهم فى أول دولة الملك المؤيد شيخ، وذلك نحو مائة وعشرين سنة، فما انهانوا فيها قط، ولا ضربوا ولا صودروا، ولا جرى عليهم قط تشويش، وهم فى كل دولة معظّمون مكرمون ما تبهدلوا قط وما جرى عليهم ما جرى على الشهابى أحمد هذا، وكانت السلاطين تعظّمهم غاية التعظيم إلى آخر دولة الأشرف الغورى. وفيه وقعت حادثة غريبة، وهو أن شخصا من تجار الروم الذين (١) بخان الخليلى يقال له الخواجا محمود العجمى التبريزى، وهو فى سعة من المال، وكان يقرض أعيان المباشرين المال بالفوائد الجزيلة، ويأخذ الربا من الناس على القرض، ولا سيما المحتاج لذلك، فاتّفق أنه سكر يوما وأتى إلى داره، فوجد جواريه قد تشاجروا فى بعضهم وتقاتلوا قتالا مهولا فحنق منهم، فضرب جارية حبشية منهم على ضلعها فجاءت الضربة صائبة فماتت الجارية من وقتها وكان له منها أولاد، فقامت عليه الأشلة من أهل الحارة لأجل ذلك، فطلع إلى ملك الأمراء وقصّ عليه القصّة بأمر تلك الجارية واعترف بقتلها، فغضب عليه ملك الأمراء ورسّم عليه ثم أرسله إلى عند الوالى، فركب الوالى وتوجّه إلى دار الخواجا محمود ليكشف عن أمر تلك الجارية كيف قتلت، فوجد الخواجا محمود ظالما عليها وقد قتلها بغير ذنب، وشهدت أهل الحارة بأنه يسكر كل ليلة ويعربد فى الجوار، فطلع الوالى إلى ملك الأمراء وأخبره بسيرته القبيحة وأنه ماش على غير الطريق وأثخن جراحاته عند ملك الأمراء، فرسم بسجن الخواجا محمود فى العرقانة، فقيل إنه سأل ملك الأمراء بأن يدفع إليه ألف دينار فأبى من ذلك، ولو أن الخواجا محمود أرضى الوالى بمائة دينار وستّر هذه (٢) الكاينة ما وصل الأمر إلى ذلك، ولكن اتسعت هذه الواقعة إلى الغاية، وأشيع أن ملك الأمراء طلب منه عشرة آلاف دينار، وهذا كله آفة الربا الذى كان يأخذه من الناس فإنه كان يقرض الألف (٣) دينار بألف وخمسمائة دينار، والذى خبث لا يخرج إلا نكدا، فختم ملك الأمراء على حواصله، ثم شفع فيه بعض الأمراء العثمانية فأخذ

стр. 3350

منه ثلاثة آلاف دينار. ثم إن ملك الأمراء تتبع أصحابه الذين (١) كان يسكر معهم، فأخذ من كل واحد منهم (٢) ألف دينار، وكانت هذه السكرة سكرة الشوم على الخواجا محمود وأصحابه. وفى يوم الأحد تاسع عشرينه عرض ملك الأمراء القاضى شرف الصغير والشهابى أحمد بن الجيعان وشرف الدين بن عوض وقصد ضربهم ثانيا، ثم وضعهم فى الحديد ورسم للوالى بأن ينزل يشنق الثلاثة على أبواب دورهم، فاحتاط بهم مقدمين (٣) الوالى وقبضوا عليهم، فضمنهم القاضى بركات بن موسى المحتسب إلى باكر النهار حتى يسعوا فى أسباب ذلك مما كان تأخّر عليهم من التقاسيط المتأخّرة فى البلاد. فأخذ الشهابى أحمد بن الجيعان فى أسباب بيع بيوته ورزقه وأملاكه التى كانت على بركة الرطلى، فاشتراها الأمير قاسم الشروانى بأبخس الأثمان، فلم يبق (٤) بيد الشهابى أحمد لا ملك ولا رزقة ولا بيت ولا ربع ولا دكاكين، ولا شئ قلّ ولا جلّ، ثم إن أخته باعت جميع ما تملكه من مصاغ وحلّى حتى باعت البسط من تحتها واللحف والطراريح والمخدات وأثاث البيت، وفعلوا مثل ذلك سراريه وجواريه المعتقات، وغير ذلك من حاشيته وعبيده وغلمانه. ثم [إن] القاضى عبد الجواد أخا القاضى شرف الدين الصغيّر أخذ فى أسباب ما تأخّر على أخيه من التقسيط، فاقترض وتداين وقد أشرف على التغليق. وكذلك القاضى شرف الدين بن عوض. وفى يوم الاثنين سلخ هذا الشهر أشيع أن ملك الأمراء يقصد أن يعرض العسكر، فطلع العسكر إلى القلعة قاطبة، فلم يخرج ملك الأمراء فى ذلك اليوم وأرسل يقول للعسكر: العرض يوم السبت. فانفضّوا ونزلوا من القلعة، ولم يعرض فى ذلك اليوم شيئا. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة الشريف على بن هجار أمير الينبع، توفى هو ووزيره محمد بن زحام فى جمعة واحدة، وكان خيار من ولى أمرة الينبع. - وفى ذلك اليوم نودى فى القاهرة بأن الغريب [يعود] لأهله وأن لا يقيم بمصر غريبا، وكان

стр. 3351

سبب ذلك أشيع أنهم قبضوا على شخصين من الأعجام، زعموا أنهم دواسيس من عند إسمعيل شاه الصوفى. وفى شهر رجب كان مستهلّه يوم الثلاثاء، فأهلّ هذا الشهر والناس فى أمر مريب بسبب ما وقع من الحوادث من عزل القضاة الأربعة وسائر نوابهم والشهود قاطبة، وما وقع للمباشرين من هذه الكاينة العظمى (١)، ومنها أمر المعاملة التى حصل منها غاية الضرر للناس قاطبة، ولا سيما الفلاّحين يقبضون الخراج منهم على حكم الفضة الجديدة بنصفين وربع ويقيمونه عند الحساب بنصف واحد، وقد تزايد الاضطراب فى هذه الأيام جدا من وجوه كثيرة. - وفى يوم الأربعاء ثانية أشيع هروب شيخ العرب بيبرس بن بقر، وأنه توجّه إلى نحو الطور، فصار أخوه عبد الدايم فى البرج بالقلعة وهو مقيّد، وله نحو ثلاث سنين فى البرج لم يفرج عنه، وصار أبوهم الأمير أحمد بن بقر هو المتكلّم فى الشرقية قاطبة. - وفى هذا الشهر قدم الزينى عبد القادر ابن الملكى الذى كان توجّه إلى إسطنبول مع من توجّه من الأسراء، فأفرج عنه السلطان سليمان بن عثمان مع من أفرج عنه، فحضر من إسطنبول فى هذا الشهر. وفيه نزل ملك الأمراء إلى قصر ابن العينى الذى بالمنشية على سبيل التنزّه، فأقام هناك إلى بعد العصر، فأرسل إليه القاضى بركات المحتسب هناك مدّة حافلة على حكم ما تقدّم له قبل ذلك. - وفى يوم السبت خامسه (٢) نزل ملك الأمراء إلى الميدان وجلس به وعرض العسكر قاطبة، وعيّن منهم جماعة كثيرة من المماليك الجراكسة نحو ألف وخمسمائة مملوك وقال: كونوا على يرق إن طلبكم السلطان من البحر توجّهوا إليه، وإن طلبكم من البرّ توجّهوا إليه. وفى ذلك اليوم قطع ملك الأمراء جوامك جماعة كثيرة من العسكر، وأصرف لهم بحكم النصف من الجامكية. - وفى يوم الخميس ثالثه طلب ملك الأمراء الشهابى أحمد بن الجيعان وشرف الدين بن عوض، فلما مثلا بين يديه رسم بضربهما ثانيا، فضربا ضربا مبرحا حتى أشرفا على الموت، وكانا فى غاية الألم مما نالهما من شدّة

стр. 3352

الضرب الأول، وجاء هذا الضرب الثانى زيادة على ذلك وأمرهما إلى الله تعالى. وفى يوم الأحد سادسه نودى فى القاهرة بأن كرى بيوت الأوقاف التى (١) تحت نظر القضاة وغيرها لا يقبضوها الجباة إلا على حكم المعاملة الجديدة كل نصف بنصفين وربع، وأن الأشرفى الذهب يصرف بسبعة عشر نصفا من الفضة الجديدة، فشقّ ذلك على الناس قاطبة وحصل لهم غاية الضرر أن أجرة كرى البيوت من الأوقاف والحوانيت تجمع وتوضع (٢) فى صندوق إلى أن يحضر قاضى العسكر يتسلّم ذلك، وأن المتكلّم عنه إلى أن يحضر القاضى حمزة العثمانى. - وفى يوم الاثنين سابعه عرض ملك الأمراء جماعة من العواجز من الأمراء الجراكسة، ما بين أمراء طبلخانات وعشرات نحو عشرين أميرا، فقطع رواتبهم التى (١) كانت تصرف لهم، ثم رسم لهم بأن يصرف لهم بحكم النصف من ذلك كما فعل بالمماليك الجراكسة، فحصل لهم فى ذلك اليوم كسر خاطر عظيم، وكان فيهم شيوخ من القرانصة الأغوات. وفى يوم الخميس (٣) عاشر الشهر فيه قدم قاضى العسكر الموعود به، المسمى بسيدى جلبى، جاء من البحر، فلما وصل إلى بولاق نزل إليه ملك الأمراء ولاقاه من بولاق، واستمرّ بصحبته إلى أن أنزله فى بيت الأمير جانم المصبغة الذى خلف المدرسة الغورية وأرسل إليه مدّة حافلة، فلما استقرّ هناك أتى إليه قاضى القضاة الشافعى كمال الدين الطويل وقاضى القضاة المالكى محيى الدين الدميرى وقاضى القضاة شهاب الدين الفتوحى الحنبلى، وكان القاضى الحنفى مريضا فلم يحضر إليه، فقيل لما دخلوا عليه لم يقم لهم ولا عظّمهم. وكان صفته أنه شيخ هرم أبيض اللحية طويل القامة، على عينه اليمنى فصّ فلم ينظر سوى بفرد عين، وهو فصيح اللسان باللغة العربية حسن المحاضرة، ولكن كما يقال: لا تشكرن المرء حتى تجربه … ولا تذمّنه من غير تجريب فشكرك المرء ما لم تختبره خطا … وذمّك المرء بعد الشكر تكذيب وفى يوم السبت ثانى عشره نودى فى القاهرة بإبطال الفضة العتيقة قاطبة، وأنها

стр. 3353

تدخل إلى دار الضرب، فحصل للناس غاية الضرر. - وفى ذلك اليوم نزل ملك الأمراء إلى الميدان وجلس به وأحضر الأمراء العثمانية والأمير قايتباى الدوادار، ثم طلع قاضى العسكر وأحضر مرسوم السلطان سليمان الواصل على يده، فكان ألفاظه باللغة التركية، فأحضروا من قرأ ذلك، فكان من مضمونه التوصية بالرعية قاطبة، وإنصاف المظلوم من الظالم، وإصلاح المعاملة من الذهب والفضة بين الناس، وقد تعاظم عليهم قاضى العسكر، فلم يجلس بينهم ولا حضر قراءة المرسوم. ومن جملة ألفاظ ذلك المرسوم نعت قاضى العسكر، فكان من نعته أوصاف جميلة تختصّ به، وأنه يكون له التكلم على الأحكام الشرعية عن المذاهب الأربعة، ويحكم فى المدرسة الصالحية بين الناس. ثم إن قاضى العسكر جعل شخصا من العثمانية، يقال له القاضى صالح، وكان حنفيا، فاستقرّ به نائبا عنه يحكم فى المدرسة الصالحية، وجعل شخصا، يقال له فتح الله، وكان من العثمانية، وكان شافعى المذهب. ثم إن قاضى العسكر جعل تحت يدى كل قاض من الأروام قاضيا من نواب قضاة مصر، فجعل القاضى شهاب الدين ابن شرين الحنفى نائبا عن القاضى صالح العثمانى، وجعل القاضى شمس الدين محمد الحليبى الشافعى نائبا عن القاضى فتح الله العثمانى، وجعل القاضى أبا الفتح فتح الدين الوفاى أحد نواب المالكية يحكم بين الناس على قاعدة مذهبه، وجعل القاضى نظام الدين الحنبلى الحلبى التادفى يحكم بين الناس على قاعدة مذهبه، والمرجع فى الأحكام الشرعية إلى قاضى العسكر. ثم رسم لكل نائب من النواب الأربعة يقتصر على شاهدين لا غير، وسائر النواب والشهود تبطل قاطبة. ثم رسم قاضى العسكر للرسل والوكلاء الذين (١) بالمدرسة الصالحية إذا وقفوا قدّامه يشدّون (٢) أوساطهم ويأخذون (٣) فى أيديهم العصى، فاجتمع بالصالحية من الرسل فوق الستين رسولا وصاروا على هذه الهيئة. ثم إن قاضى العسكر أقام شخصا من الأروام وسماه قسّام الترك، فجعل على كل تركة الخمس لبيت المال مع وجود الورثة من

стр. 3354

الأولاد الذكور والإناث، فحصل للناس بسبب ذلك الضرر الشامل. - وفى يوم الأحد ثالث عشره نودى فى القاهرة عن لسان قاضى العسكر بأن الشهود قاطبة لا يعقد أحد منهم عقدا، ولا تكتب وصية ولا أجرة ولا مبايعة ولا شئ من الأمور الشرعية إلا فى المدرسة الصالحية عند القاضى صالح نائب قاضى العسكر. فحصل للناس بسبب التزويج فى هذه الأيام غاية المشقّة، واختار كل منهم العزوبية على التزويج، فكان لسان الحال يقول عنهم ما معناه: إذا نكحوا الرجال بنات قوم … وصار المهر فى يد الفريق عمدت إلى يدى فنكحت بكرا … وأما مهرها عندى فريقى وفيه نزل ملك الأمراء إلى عند قاضى العسكر وسلّم عليه، وقد بلغه أنه توعّك فى جسده، فنزل إليه وعاده ثم طلع إلى القلعة. - وفى يوم الثلاثاء خامس عشره نفق ملك الأمراء على المماليك الجراكسة جوامكهم، وكان لهم سبعة أشهر منكسرة، فنفق لهم فى ذلك اليوم أربعة أشهر، حتى على الغلمان والمباشرين والفقهاء والمقرّبين ومن له عادة. - وفيه منع قاضى العسكر شمس الدين الحليبى من التكلم فى المدرسة الصالحية، وقرر عوضه القاضى شجاع العثمانى وجعله قاضى العسكر متحدثا على أوقاف الجوامع والمدارس ومعاليم الأنظار، فطلب الجباة وقال لهم: ارفعوا لى حساب الأوقاف وقدر معاليم الأنظار وما قدرها فى كل شهر. فشرعوا فى أسباب ذلك فى عمل الحساب. ثم إن قاضى العسكر رسم بأخذ الخلاوى التى فى المدرسة البرقوقية والأشرفية والغورية وغير ذلك من المدارس، وأنزل فيها جماعة من الأورام الأفاقية. ثم إن القاضى صالح نائب [قاضى] العسكر عرض الرسل الذين (١) فى المدرسة الصالحية، ورسم لهم أن لا يأخذ الرسول منهم فى الشغل الذى يتوجّه فيه أكثر من نصف فضة من الفضة الجديدة بنصفين وربع، وجعل على من يتزوّج بكرا ثلاثة وأربعين نصفا، ويتكلّف للشهود والعاقد فوق ذلك، ويأخذ على تزويج الثيّب اثنين

стр. 3355

وعشرين نصفا غير ما يتكلّف للشهود والعاقد، هذا ما تقرّر على العوام، وأما الرؤساء فشئ غير ذلك. وقرر على كل شهادة تقع فى المدرسة الصالحية قدرا معلوما بحسب كل شغل كان، فالشغل الثقيل له حكم، والشغل الخفيف له حكم. ثم أشيع عن قاضى العسكر أنه قال: قصدى أمشّى نساء مصر على طريقة نساء إسطنبول مع أزواجهن، فإن عادتنا إذا دخل الرجل على زوجته تعطيه نصف المهر الذى أعطاه لها، وأن الرجل لا يقرّر لزوجته كسوة ولا نفقة فى صداقها، بل يكسيها هو فى كل سنة جوخة وقميصين، ويطعمها فى كل يوم بما يختار من قليل أو كثير، وتغزل وتكسى زوجها فى كل سنة. فلما سمع الأعوام بذلك فرحوا به ودعوا لقاضى العسكر بسبب هذه الواقعة، واغتمّوا النساء لذلك وظنّوا أن ذلك الشئ واقع، وأن قاضى العسكر أبطل كساويهن ونفقّهن، فشقّ ذلك عليهن، فعدّ ذلك من النوادر. ومن الحوادث أن شخصا يهوديا وقف إلى القاضى صالح نائب قاضى العسكر، وكتب قصّة، واشتكى فيها الأمير تنم أحد الأمراء الطبلخانات ناظر الدشيشة (١)، فأرسل خلفه القاضى صالح رسولا وأنكشاريا، فلما حضر إلى المدرسة الصالحية، فادّعى اليهودى على الأمير تنم، فأنصف القاضى صالح اليهودى على الأمير تنم، واستمرّ الأمير تنم فى الترسيم حتى أرضى ذلك اليهودى. ثم فى عقيب ذلك أن الأمير جانى بك أخا الأمير قايتباى الدوادار، اشتكته زوجته من عند القاضى صالح، فطلبه إلى المدرسة الصالحية وتركه فى الترسيم حتى أرضى زوجته فيما ادّعته عليه، ولم يلتفت إلى أخيه الأمير قايتباى الدوادار. وفى يوم الخميس سابع عشره نودى فى القاهرة عن لسان ملك الأمراء وقاضى العسكر بأن امرأة لا تخرج إلى الأسواق مطلقا، ولا تركب على حمار مكارى، وأن لا يخرج إلى الأسواق إلا العجائز فقط، وكل من خالف من بعد ذلك من النساء تضرب وتربط بشعرها فى ذنب إكديش ويطاف بها فى القاهرة، فحصل للنساء بسبب ذلك غاية الضرر. - ثم بعد ذلك بأيام اتّفق بأن قاضى العسكر طلع إلى القلعة

стр. 3356

فرأى نسوة يتحدّثن مع جماعة من الأصبهانية فى وسط السوق، فعزّ ذلك عليه، فلما طلع إلى القلعة قال لملك الأمراء: إن نساء أهل مصر أفسدت عسكر الخوندكار، ولا بقى ينفعل للقتال قطّ. وقصّ عليه قصّة النسوة مع الأصبهانية، فتغيّر خاطر ملك الأمراء على النساء قاطبة، ورسم للوالى بأن ينادى بأن امرأة لا تخرج من بيتها مطلقا، ولا تركب على حمار مكارى مطلقا، وكل مكارى ركّب امرأة شنق من يومه من غير معاودة فى ذلك. ثم فى عقيب ذلك رأوا امرأة راكبة على مكارى فى طريق صحرة فأنزلوها من على الحمار وهرب المكارى، فضربوها وقطعوا إزارها، فما خلصت إلا بعد جهد كبير وغرمت نحو أشرفين. فلما استمرّ الأمر على ذلك باعت المكارية حميرها قاطبة واشتروا عوضها أكاديش وشدّوها بنصف رحل، وصارت النساء يركبن عليها بسجادة والمكارى قائد لجام الإكديش، واستمرّوا على ذلك وبطل أمر الحمير المكارية من القاهرة، وركبت الخوندات والستات على الأكاديش على طريقة أهل إسطنبول، وفيهم من ركب على بغل. ويقرب من هذه الواقعة ما وقع فى أيام الأشرف برسباى أنه منع النساء من الخروج إلى الأسواق مطلقا، وكان الطعن بمصر عمالا، فكانت الغاسلة إذا خرجت إلى ميّتة لتغسلها تأخذ من المحتسب ورقة وتغرزها فى إزارها حتى يعلم أنها غاسلة، فاستمرّوا على ذلك مدّة يسيرة، ثم فى عقيب ذلك مرض الأشرف برسباى ومات بعد ذلك وأعيد كل شئ إلى ما كان عليه. وفيه نزل القاضى بركات بن موسى المحتسب من القلعة بعد العصر، ونادى بأن الأشرفى الذهب السليمانى يصرف من الفضة الجديدة بخمسة وعشرين نصفا، والأشرفى الذهب السليم شاهى والأشرفى الغورى يصرفان من الفضة الجديدة بستة عشر نصفا، وأن الفلوس الجدد كل أربعة فلوس بدرهم، ثم إن المحتسب سعّر سائر البضائع على ما كانت عليه فى أيام يشبك الجمالى المحتسب. فلما نودى بذلك ارتجّت القاهرة بسبب أمر المعاملة فى الذهب والفضة، وحصل للناس غاية الضرر وخسروا أموالهم، ولا سيما التجّار، فغلقت أسواق البلد والدكاكين قاطبة، وتعطّلت

стр. 3357

الناس من البيع والشرى لأجل إبطال المعاملة وصرف النصف الفضة بنصفين وربع. - ثم فى يوم الأحد عشرينه نودى فى القاهرة بأن كل شئ على حكمه كما كان أولا فى صرف الذهب والفضة والفلوس الجدد، كل اثنين بدرهم على ما كانوا عليه أولا، فسكن الاضطراب قليلا. وفى يوم الأربعاء ثالث عشرينه نزل ملك الأمراء وتوجّه إلى نحو قصر ابن العينى الذى فى المنشية، وكشف على المراكب التى (١) أنشأها هناك، واستحثّ الصناع فى سرعة العمل. - وفى يوم الجمعة خامس عشرينه طلع ابن أبى الرداد ببشارة النيل، وأخذ القاع فجاءت سبعة أذرع وعشرة أصابع، وذلك أرجح من العام الماضى. وفى أواخر هذا الشهر قدم قاصد من البحر من عند السلطان سليمان بن عثمان، وعلى يده مرسوم شريف، فكان من مضمونه أنه أرسل إلى ملك الأمراء خاير بك يطلب منه عسكرا من الأمراء الجراكسة ومن المماليك الجراكسة، فعيّن الأمير قايتباى الرمضانى الدوادار الكبير بأن يكون باش العسكر، ثم رسم له بأن يطلب الأمراء الجراكسة إلى بيته ويعيّن منهم من يختاره، فعرضهم عنده وكتب منهم جماعة نحو ثلاثة وأربعين أميرا، منهم أمراء طبلخانات وأمراء عشرات، بسبب غزاة رودس، وأن السلطان سليمان قد جهّز إلى أهل رودس من الفرنج ستمائة مركب وأشحنها بالسلاح والمقاتلين، وخرج إلى الغزاة فيهم بنفسه وصحبته الجمّ الغفير من عساكر الروم فى البرّ والبحر ما لا يحصى عددها. وفى يوم السبت سادس عشرينه نزل ملك الأمراء إلى الميدان وجلس به، وعرض جماعة من الكمولية وكتب منهم نحو أربعمائة إنسان، وعرض طائفة الأنكشارية وكتب منهم مائة إنسان. - وفى يوم الأحد سابع عشرينه نزل ملك الأمراء إلى الميدان وجلس به، وعرض المماليك الجراكسة وكتب منهم خمسمائة مملوك وقيل ثمانمائة مملوك، وكان الأمير قايتباى الدوادار باش العسكر هو الذى يعيّن ويكتب منهم من يختاره. فلما تكامل عرض المماليك الجراكسة والأصبهانية والأنكشارية

стр. 3358

والكمولية فكان مجموع ذلك نحو ألف وخمسمائة إنسان. ثم فى يوم الاثنين ثامن عشرينه نفق ملك الأمراء على العسكر المعيّن للسفر، فنفق على كل مملوك جامكية أربعة أشهر كانت لهم منكسرة فى الديوان، ولم يعطهم (١) زيادة على ذلك شيئا غير الجامكية المنكسرة عليه. - ثم إن ملك الأمراء عيّن الأمير جانم الحمزاوى مشير المملكة، بأن يكون باشا على الأصبهانية والأنكشارية والكمولية، والأمير قايتباى الدوادار باشا على الأمراء والمماليك الجراكسة فقط. ثم إن ملك الأمراء جهّز صحبة الأمير جانم الحمزاوى بقسماطا وجبن حالوم وبصلا وعسلا أسود، فجهّز ذلك فى المراكب برسم العسكر تفرّق عليهم بطول الطريق، وقيل أرسل صحبته أربعين ألف دينار بسبب جوامك العسكر. ومن الحوادث الشنيعة ما وقع بالقاهرة فى أواخر هذا الشهر، وذلك أن ملك الأمراء رسم للوالى بأن يقبض على جماعة من الغلمان والفلاّحين والمغاربة لأجل المراكب حتى يقذفون فيها بالعساكر، فنزل الوالى وأطلق فى الناس النار، وشرع يقبض على كل من رآه فى الرملة وفى الطريق من الغلمان والفلاّحين، وكل من قبض عليه وضعه فى الحديد وأرسله إلى السجن إلى أن يخرج العسكر، فصار يقبض على جماعة من السوقة والعبيد السود، ثم تدرّجوا جماعة الوالى حتى صاروا يقبضون على جماعة من التجّار والفقهاء وغير ذلك، فصاروا يشترون (٢) أنفسهم من جماعة الوالى بمبلغ له صورة حتى يخلصوا (٣) من أيديهم، ثم صار الوالى يركب ويكبس على ساحل بولاق ومصر العتيقة ويقبض على النواتية والفلاّحين، فهربوا الناس قاطبة من السواحل. ثم رسم ملك الأمراء لكاشف الجيزة وإنبابة بأن يقبض على شناترة أولاد الفلاحين، وفعل مثل ذلك بالشرقية، فقبضوا على جماعة من الفلاّحين من قلقشندة ومن قليوب ومن شبك الثلاث ومن شبرا والمنية، وغير ذلك من الضياع، فصارت الفلاحون يختفون (٤) فى المطامير، وكادت مصر والقاهرة أن يخربوا فى هذه

стр. 3359

الحركة عن آخرها. فقيل مجموع الذين (١) قبض عليهم نحو ألفى إنسان، وقيل أكثر من ذلك، وحصل للناس غاية الضرر. وقيل مات فى سجن الديلم جماعة كثيرة ممن قبض عليه إلى أن خرج العسكر، فماتوا من الجوع وشدّة الحرّ والوخم، ونزل على أهل مصر نازلة عظيمة بسبب ذلك لم يسمع بمثلها قطّ. - انتهى ما أوردناه من حوادث شهر رجب، وكان كثير وقوع الحوادث فوقع فيه أمور عجيبة ووقائع غريبة، والأمر لله. وفى شهر شعبان أهلّ يوم الأربعاء، فلم يطلع أحد من القضاة الأربعة للتهنئة بالشهر، فإنهم استمرّوا فى العزل المقدّم ذكره، وصار قاضى العسكر هو المتكلّم على المذاهب الأربعة. - ومما وقع فى هذا الشهر من الحوادث أن الأخبار قدمت من الصعيد، بأن القاضى فخر الدين بن عوض لما توجّه ليمسح جهات الصعيد أدخل سائر الرزق الأحباسية قاطبة فى المساحة التى بالمكاتيب الشرعية والمربّعات والمناشير، وقال لأصحابها: من أراد الإفراج عن رزقته يقف إلى ملك الأمراء ويحضر مرسومه بالإفراج عن رزقته. ثم إنه منع الفلاّحين من إعطاء خراج الرزق حتى يحضروا بالإفراجات من عند ملك الأمراء، فاضطربت أحوال أصحاب الرزق وتنكّدوا غاية النكد، وصار كل من وقف إلى ملك الأمراء بسبب رزقته وأحضر مكتوبه أو مربّعته يأخذ منه المكتوب أو المربّعة ويقول له: امضى إلى حال (٢) سبيلك، الرزق قاطبة دخلوا الذخيرة. فيرجع وهو فى غاية القهر. أقول أن الرزق الأحباسية قط ما تعرض لها أحد من سلاطين مصر، ولا أخرج منها شيئا عن أصحابه، ولا ضيّقوا عليهم بسبب ذلك، ويقال إن الإمام الليث ابن سعد ﵁ هو الذى دوّن ديوان الأحباس فى أيامه، وأفرد للرزق الأحباسية ديوانا يختصّ بها دون ديوان الجيش، واستمرّ ذلك باقيا من بعد الإمام الليث إلى الآن، حتى جاء فخر الدين بن عوض فنقض ذلك الأمر الذى كان على جهات البرّ والصدقات، وأبطل أمر الرزق الأحباسية وأدخلها فى الذخيرة، وأبطل ما كان صنعه الإمام الليث بن سعد

стр. 3360

﵁، فقيل (١) إنه أبطل ألف وثمانمائة رزقة من الأحباسية. وفى يوم الاثنين سادس الشهر فيه خرج الأمير قايتباى الرمضانى الدوادار وتوجه إلى السفر بسبب غزاة رودس، فخرج صحبته الأمراء والعسكر، وخرج صحبته الأمير جانم الحمزاوى مشير المملكة، وخرج صحبته الريّس حامد القبّطان ريّس المراكب، وصحبته العسكر العثمانى الذى تعيّن من الأصبهانية والأنكشارية والكمولية، وخرج العسكر من المماليك الجراكسة، فكان معه من الأمراء الجراكسة نحو ثلاثة وأربعين أميرا ما بين أمراء طبلخانات وعشرات. فلما طلع إلى القلعة أخلع عليه ملك الأمراء قفطان حرير مذهبا وأخلع على الأمير جانم الحمزاوى قفطانا مثله مذهبا، وأخلع على الريّس حامد القبّطان قفطانا أيضا. فخرج الأمير قايتباى من الميدان وعلى رأسه صنجق حرير أحمر، وخرج ملك الأمراء من الميدان صحبة الأمير قايتباى ليوادعه، وخرج صحبته قاضى العسكر والأمراء العثمانية قاطبة، فشقّ من القاهرة فى موكب حافل، وليس قدّامه جنايب، وخلفه طبلان وزمران عثمانية، فنزل وشقّ من البسطيين إلى تحت الربع إلى قنطرة قديدار، وتوجّه من هناك إلى بولاق، وكان يوما مشهودا. ثم عاد ملك الأمراء إلى القلعة، وحصل لأهل مصر بخروج هذه التجريدة غاية الضرر. وفى يوم الثلاثاء سابع الشهر أرسل ملك الأمراء يستحثّ الأمير قايتباى الدوادار فى سرعة التوجّه إلى رودس والنزول فى المراكب، ثم نودى فى القاهرة بأن العسكر المعيّن إلى السفر يخرج فى بقيّة ذلك اليوم، وكل من تأخّر عن الخروج فى بقيّة هذا اليوم شنق من غير معاودة، فخرجوا المماليك المعيّنين للسفر قاطبة. ومن الحوادث أن شخصا من نواب الحنفية يقال له شمس الدين محمد المناوى الحنفى شهد شهادة حقا بين شخصين فى تبارى بينهما بسبب دين، فلما بلغ قاضى العسكر ذلك أرسل خلف القاضى شمس الدين المناوى أنكشاريين، فلما حضر بهدله وهمّ بضربه، وقال له: أنا ما منعتكم أن لا تشهدوا على أحد من الناس إلا فى المدرسة

стр. 3361

الصالحية؟ ثم أرسله إلى السجن وسجنه، فشقّ ذلك على القضاة والنوّاب، فاضطربت القاهرة بسببه، ثم شفع فيه عند قاضى العسكر القاضى شهاب الدين ابن شيرين الحنفى، فأطلقه من السجن فى يومه هو والعجماوى أفرج عنهما. وقد حصل لأهل مصر من قاضى العسكر غاية الضرر للرجال والنساء، ووقع منه أمور شنيعة ما تقع من الجهّال ولا من المجانين، فتزايد حكمه بالجور بين الناس، وقد ضيّق عليهم غاية الضيق. ثم تكلموا الناس مع قاضى العسكر فى أمر النساء أن لا يمنعوا من طلوع الترب ودخول الحمّام وزيارة الأقارب، فأذن لهنّ فى ذلك، وأن المرأة لا تخرج الطريق إلا مع زوجها، وأن لا يدخل الأسواق غير العجائز فقط، فسمح لهن قاضى العسكر بذلك، وأنهنّ لا يركبن إلا الخيل والبغال دائما، فاستمرّوا على ذلك. وقد فتك قاضى العسكر بالناس فى هذه الأيام فتكا ذريعا، وقد جمع بين قبح الشكل والفعل، فإنه كان أعور بفرد عين بلحية بيضاء، وقد طعن فى السن، وكان قليل الرسمال (١) من العلم، أجهل من حمار، لا يدرى شيئا فى الأحكام الشرعية، وقدّمت إليه عدة فتاوى فلم يجب عنها بشئ، وقد هجته الناس هجوا فاحشا فى مدة إقامته بمصر فقالوا فيه عدة مقاطيع، فمن جملة ذلك قول بعض الشهود، وهو قوله فيه: رأينا مسيخا أعورا قبل موتنا … أتى من بلاد الروم يمنع رزقنا يقدّم قانونا على شرع أحمد … فنسأل ربّ العرش يكشف كربنا وقلت أنا: رأيتك لا ترى إلا بعين … وعينك لا ترى إلا قليلا فإن تك قد أصبت بفرد عين … فخذ من عينك الأخرى كفيلا فقد أيقنت أنك عن قريب … إذن بالكفّ تلتمس السبيلا وفى يوم الجمعة عاشر (٢) الشهر، فيه قدم الأمير شيخ الذى كان توجّه إلى إسطنبول فى بعض أشغال ملك الأمراء، فلما حضر أخبر بأن السلطان سليمان جهّز عدّة

стр. 3362

مراكب مشحونة بالسلاح والمقاتلين، وجهّز عساكر كثيرة من البرّ بسبب غزاة رودس، وخرج بنفسه وذلك فى خامس عشر رجب عما (١) أشيع ذلك بين الناس، وأرسل على يده مراسيم شريفة تتضمّن أن السلطان سليمان قد فوّض أمر مملكة مصر إلى ملك الأمراء خاير بك، يعزل من يختار ويولّى من يختار، والمرجع إليه فى ذلك بما يراه من المصلحة. - وفى يوم السبت حادى عشره نودى فى القاهرة بأن الأمير والى جلبى العثمانى، الذى حضر من إسطنبول، قد استقرّ ناظرا على سائر الأوقاف قاطبة، فلا يحتمى عليه أحد من الناس، فتجدّدت على الناس مظلمة أخرى. وفى يوم الثلاثاء رابع عشره كانت ليلة النصف من شعبان، فنزل ملك الأمراء من القلعة وتوجّه إلى المقياس، وقرأ هناك ختمة، ومدّ مدّة حافلة، ورسم بقراءة عدّة ختمات فى تلك الليلة فى جامع الأزهر ومقام الإمام الشافعى والليث ﵄، وغير ذلك فى أماكن متفرقة. - وفى يوم الخميس سادس عشره أخلع ملك الأمراء على القاضى بركات المحتسب قفطان مخمل مذهبا، وقرّره فى التحدث على جهات الشرقية قاطبة من المطرية إلى دمياط، وقد التزم فى كل سنة بأربعمائة ألف دينار، يقوم بذلك على ثلاثة أقساط، فنزل من القلعة فى موكب حافل، ومشاعلية قدّامه تنادى أن القاضى بركات بن موسى ناظر الذخيرة الشريفة صار متحدثا على الشرقية قاطبة، فلا يحتمى عليه أحد من الناس، ولا يشتكى أحد من أهل الشرقية إلا من بابه، فتزايدت عظمة القاضى بركات إلى الغاية. وفى يوم الأحد سادس عشرينه خرج قاضى العسكر يقصد التوجّه إلى مكة المشرفة من البحر الملح، فلما خرج نزل ملك الأمراء وركب صحبته، وكذلك خير الدين نائب القلعة وجماعة من الأمراء العثمانية، فوادعوه من عند تربة العادل ورجعوا، فلما خرج قاضى العسكر من مصر أراح الله تعالى المسلمين منه، فما حصل منه لأهل مصر خير فعزلت القضاة الأربعة بسببه، وأخرج عنهم الأنظار، ومنع الشهود من الجلوس

стр. 3363

فى المجالس قاطبة، وأسمر (١) دكاكينم، ومنع نوّاب القضاة الأربعة من الأحكام الشرعية، ولم يبق منهم غير من تقدّم القول عليه، وضيّق على الناس بسبب عقود الأنكحة وقرّر عليهم ما تقدّم ذكره من المبلغ، وصار لا يعقد عقد إلا فى المدرسة الصالحية، وضيّق على النساء فى ما تقدّم ذكره من الخروج إلى الأسواق ومن ركوب الحمير، فلما خرج من مصر صنّفت النساء رقصة، فقالوا: قوموا بنا نقحب ونسكر قد خرج عنا قاضى العسكر. وضيّق على أهل مصر فى أمور كثيرة يطول شرحها. فلما خرج قاضى العسكر توجّه إلى نحو الطور، فقيل إن ملك الأمراء أنعم عليه بعشرة آلاف دينار، غير المغل الذى أرسله إليه لما قدم من إسطنبول. فلما توجه قاضى العسكر إلى الحجاز أشيع أن السلطان سليمان أرسل أربعين ألف دينار على يد شخص من العثمانية بسبب عمارة العين التى بمكة لما تعطلت، وعمارة قبة الزيت التى بالحرم، وعمارة المنار التى بالحرم النبوى. فلما خرج قاضى العسكر خرج صحبته جماعة كثيرة من الأصبهانية، ومن أهل مصر، وخرجت صحبته زوجة الأمير سنان فى محفة. فلما سافر قاضى العسكر جعل القاضى صالح العثمانى الحنفى نائبا عنه يحكم فى المدرسة الصالحية إلى أن يحضر من الحجاز، وكان قاضى العسكر قبل أن يسافر ولّى ستة وعشرين نائبا من نواب القضاة الأربعة، وجعل منهم من هو فى بولاق وفى مصر العتيقة وفى جامع ابن طولون وفى الحسينة، وغير ذلك من الأماكن، وجعل فى كل مجلس من مجالس القضاة أربعة نوّاب من المذاهب الأربعة يقضون (٢) بين الناس بالحق. وجعل على كل مجلس من المجالس شاويشا من العثمانية يضبط ما يتحصّل فى كل يوم من أجرة أشغال الناس، فيقسم للقاضى من ذلك المتحصّل شيئا وللشهود شيئا وله شئ، ثم يأخذ الباقى ويضعه فى صندوق برسم السلطان سليمان يودع ببيت المال (٣).

стр. 3364

ومن الحوادث الشنيعة ما وقع لقاضى القضاة الحنفى على بن ياسين الطرابلسى بسبب وقف الخواجا شهاب الدين بن أحمد بن صالح السكندرى، فطلع قاضى القضاة الحنفى إلى ملك الأمراء، فلما رآه (١) مقبلا من بعيد، قال لمن حوله: إيش طلع هذا الثقيل يعمل؟ فلما جلس بحضرة ملك الأمراء وأخرج مكتوب الوقف الذى زوّروه وثبت عليه، فانتبذ له جماعة من القضاة وحضر أبو الفتح الوفاى المالكى الذى حكم لابن الخواجا شهاب الدين السكندرى، وحضر ذلك المجلس القاضى صالح العثمانى نائب قاضى العسكر، فلما أخرج قاضى القضاة الحنفى المكتوب الذى صنعوه، دفعه ملك الأمراء إلى القاضى صالح، وقال له: انظر فى هذا المكتوب. فلما قرأه، قال: هذا الحكم الذى حكمه القاضى الحنفى باطلا لا تجوز (٢) قراءته. فحصل لقاضى القضاة الحنفى فى ذلك المجلس غاية البهدلة، واسمعته الفقهاء الكلام المنكى، وانتصف عليه القاضى أبو الفتح الوفاى فى ذلك الحكم الذى حكمه، فقام قاضى القضاة من ذلك المجلس وهو يتعثّر فى أذياله مما قاسى من البهدلة من ملك الأمراء، ومن القاضى صالح وغيره. وكان قاضى القضاة الحنفى غير محبّب للناس، وكان عنده صعصعة وجنّ وسوء تدبير، ويبس طباع مع رهج، وخفّة زائدة مع عبوسة وجه وشناعة زائدة، وقد قلت فيه: ربّ قاض قد اعتراه جنون … شأنه الرهج ما لديه سكون لم يفده علمه إذا جنّ شيئا … فهو فينا معلم مجنون وقولى أيضا: كم ضاع للنعمان من مذهب … فى عصرنا لما تولّى فلان تبّا له من قاض أهوج … أحكامه مشهورة بالجنان وفى يوم الأربعاء سلخ شهر شعبان كانت ليلة رؤية هلال شهر رمضان، فلم يحضر من قضاة القضاة أحد إلى المدرسة المنصورية على جارى العادة، فإنهم كانوا منفصلين عن القضاة، فحضر بعض نوّاب القضاء، منهم: شمس الدين المجولى الشافعى، وشهاب

стр. 3365

الدين أحمد بن شيرين الحنفى، وفتح الدين الوفاى المالكى، ونظام الدين الحلبى الحنبلى، وحضر القاضى بركات بن موسى المحتسب، فلما رؤى الهلال ركب من هناك القاضى المحتسب وشقّ [من] بين القصرين فى موكب حافل، وقدّامه عدّة فوانيس ومشاعل على جارى العادة فى كل سنة. فلما كانت ليلة الخميس أهلّ شهر رمضان، فلم يطلع من قضاة القضاة أحد للتهنئة بالشهر، وكانت الناس فى غاية الاضطراب بسبب المعاملة، فإن الدينار السليم شاهى صار يصرف بخمسة وأربعين نصفا من الفضة العتيقة، والدينار السليمانى صار يصرف بخمسة وستين نصفا من الفضة الجديدة، حسابا عن كل نصف بنفصين وربع من الفضة الجديدة، فوقف حال الناس بسبب ذلك، ولا سيما حال الفلاّحين فى البلاد، فإن العمّال يحاسبونهم (١) عن النصف عند القبض بنصفين وربع من الفضة الجديدة، ويقيمونه عليهم وقت الحساب بنصف واحد، فخرب غالب البلاد بسبب هذه المعاملة. وغير ذلك كانت أحوال الناس فى غاية الاضطراب بسبب الرزق الأحباسية التى أدخلها فخر الدين بن عوض فى ديوان السلطان، وصار ملك الأمراء كل من طلع له بمكتوبه أو مربّعته يأخذ ذلك منه ويقول له: هذا دخل ديوان السلطان. فحصل للناس غاية الضرر من كل وجه. ومن الحوادث أن ملك الأمراء طلب التجّار قاطبة، وكتب عليهم قسائم أن لا يتعاملوا (٢) إلا بالذراع العثمانى فى البيع والشرى، وأبطل الذراع القديم الهاشمى وكتب القسايم على التجار بذلك. وهذا الذراع يزيد عن الذراع الهاشمى نحو ربع ذراع - وأهلّ شهر رمضان وقضاة القضاة منفصلون عن القضاء، والمباشرون فى الترسيم بالقلعة من حين جرى عليهم ما جرى. - وفى يوم الخميس ليلة الجمعة ثامنه رأوا الناس كوكبا عظيما جاء من نحو الغرب، وخلفه شرار كمثل العمود النار، فاستمرّ ماشيا فى السماء إلى نحو الشرق فاختفى، وقد شاع خبره بين الناس لما طلع النهار. وفى يوم الأربعاء رابع عشر شهر رمضان، فيه كان وفاء النيل
следующие страницы →